السنة في جميع الأمم واحدة ، فـ : "مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" ، فهي مظنة العصيان بالتعدي والتجاوز في تحصيل أسباب الدنيا ، فَتَنْشَعِبُ الهموم فهي في أودية الشهوات قد ضلت ، وصاحبها هالك إذ وكل إلى نفسه ، فمن وكل أمره إلى ربه ، جل وعلا ، كفاه ، تبارك وتعالى ، مؤنة معاشه ، فَهَمُّه واحد ، وهو رضا الرب الخالق الشارع ، جل وعلا ، فَسَعِدَ فِي الأولى ونجا في الآخرة ، فـ : "مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، هَمَّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ" ، فذلك ، أيضا ، جار على ما تقدم مرارا ، من التلازم الوثيق بين السبب والحكم ، فهو حكم كوني جار على ما سن الرب العلي ، تبارك وتعالى ، من سنن جبلت عليها النفوس ، فهي لا تجد السلوى إلا في رضا الرب المعبود ، جل وعلا ، وإن انشعبت بها السبل في أودية اللذات والشهوات طلبا للراحة فلا تنال إلا بالتزام الطريقة ، فالاستقامة أعظم كرامة ينالها مكلف ، وأجل نعمة يحيى بها الإنسان ، فقد سار على جادة الخالق ، جل وعلا ، فهو أعلم به إذ أنشأه ، فـ : (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) ، فيعلم ما يصلح هذه النفوس من المعقولات الدينية من العقائد والشرائع والأخلاق والسياسات ، والمحسوسات الدنيوية من المطعومات والمشروبات والمنكوحات ..... إلخ ، فإن أعرضت النفوس عن سبيل الحق وسلكت سبل الباطل في التصور والحكم ، في الدين والدنيا ، فانشعبت بها السبل في أودية الشبهات العلمية والشهوات العملية ، ففسد حالها فلم تزدد إلا ضلالا في الدين ، وفقرا في الدنيا ، فاطرد الحكم وانعكس على جهة الطباق أو المقابلة التي تستغرق شطري القسمة العقلية في هذا الباب ، فإما هم واحد ، فـ : مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا : فذلك عموم يستغرق جميع من يتحقق فيه الشرط فالمشروط قد أنيط بالوصف الذي تضمنه الشرط ، فـ : "من" : أداة شرط ، يعلق بها المشروط على الشرط ، فيدور معه وجودا وعدما ، والجعل هنا ينصرف إلى فعل العبد فلا يوصف بالكوني ولا بالشرعي ، فليس ذلك إلا للرب العلي ، تبارك وتعالى ، فهو الجاعل بقدر التكوين ما شاء من المخلوقات المقدورات في الخارج فخلقها عينا وحالا ، وهو الجاعل بقدر التشريع ما شاء من الأخبار والأحكام ، فأنزلها وحيا : علما وعملا ، فليس ذلك المنصب التكويني التشريعي العام إلا لرب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فجعل العبد تبع لجعل الرب ، جل وعلا ، فهو الذي خلقه وأوجده فقدر عينه وحاله في الأزل ، وصوره في الشهادة على ما قد قضى أزلا ، فجاء الكائن في الخارج تأويلا للعلم الأول ، علم التقدير الذي استغرق أعيان الكائنات وأحوالها ، وما يقوم بها من أوصاف جبلية ذاتية ، وما يقع منها من أفعال اختيارية ، سواء أكان ذلك من إنسان مكلف ، أم بهيم لا يفصح ، وقد يقال ، من وجه آخر ، بأن جعل العبد هنا يدخله نوع تشريع ، من جهة امتثاله للحكم أمرا بالاشتغال بأسباب الباقيات الصالحات ، فـ : (مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) ، فذلك خبر ورد ، أيضا ، على حد الشرط طردا وعكسا ، فهو مئنة من العموم الذي يستغرق أعيان المكلفين ، فـ : "من" : موصول مشترك يختص من وجه بالعاقل وقد يعم غيره بالقرينة ، وهي هنا قد انتفت إذ السياق سياق تكليف ، فهو يُبَيِّنُ أحوال العباد في أمر إرادي اختياري لا يتصور وقوعه من بهيم أعجم ، فالاختيار فيه كامل إذ يتعلق بأمر معقول من سلوك لجادة المشروع أو عدول عنها إلى بُنَيَّاتِ الطريق المحظور ، وما أكثرها ! ، فهي تستغرق إرادات الدنيا إذ لم تحكم بحكمة الشرع ، فالسعي في تحصيلها لا يذم لذاته فهي في الجملة من المباح الذي لا يمدح ولا يذم لذاته ، فالثواب والعقاب لا يتعلق بتحصيل أسبابه ومباشرة أجناسه ، فالأصل فيها الإباحة إلا ما ثَبَتَت حرمته المعقولة التي يدل عليها الشرع الصحيح والعقل الصريح والحس السليم فهو تأويل فطرة صدق وعدل تجفو المحرم المحظور الذي علم قبحه ضرورة كنكاح المحارم فذلك أمر نهى عنه الشرع وقبحه العقل الصريح فلا يأتي الوحي ، كما تقدم مرارا ، بما يخالف قياس العقل الصريح ، ومَجَّهُ الحس السليم فالفطرة تأباه ولو لم يرد الشرع بتحريمه ، فلا يستحسنه إلا باطني ملحد يستحل الحرمات على ما اطرد من مقال الباطنية فهو يأرز إلى مقال إباحي مزدكي يخالف ما أجمع العقلاء عليه من تعظيم الحرمات ، فهو يستحل ما استقر في الفطرة قبحه وخبثه ، فلا ينفك مقال الباطنية وفساده العلمي ظاهر لكل ذي لب ، لا ينفك عن جملة من الأحكام الفاسدة التي تجافي الشرائع والعقول والفطر والمواجيد وما شئت من أدلة الأحكام ، فذلك فساد عملي يلازم الفساد العلمي ، ضرورة ، على ما اطرد مرارا من التلازم الوثيق بين الباطن والظاهر ، صحة أو فسادا ، فلا بد أن يظهر عقد الباطن في سعي الظاهر في تحصيل أسباب السعادة والنجاة ، فذلك القدر المشترك الذي أجمع البشر عليه بما ركز فيهم من قوى حس وإرادة ، وإنما تباينت العقول في تصوره صحة أو فسادا تبعا للتباين في مستمد التصور والحكم فمن مستمد من الوحي ، ومن مستمد من الهوى الباطل والذوق الفاسد ، ولا ينفكان ، كما تقدم مرارا ، عن مناقضة لصحيح الوحي بل ولصريح العقل ، فهو ينقض الشرع بل والعقل بل والحس والفطرة فيقع صاحبه في صور من الكفر في العقد والإباحية في الشرع والهمجية في الطبع والظلم للمخالف إذا تَمَكَّنَ منه فَيُعْمِلُ فيه سيف الاستئصال فتكا وهتكا ، وذلك أمر لا زلنا نرى شؤمه في مسالك الباطنية من النصيرية في بلاد الشام وقد ألجأتهم مدافعة أهل الحق بالقول والفعل ، باللسان والسنان ، ألجأتهم إلى إظهار ما استكن في صدورهم من حقد وغل تظهر آثاره في أقوالهم وأفعالهم ، فضلا عن تحالفهم الآثم مع الشعوبية من أهل فارس ولهم ثأر قديم مع العرب وإن كان الظاهر أن الرسالة قد جمعت الفريقين وأذهبت ما في الصدور من إحن فلم تزل في صدور الشعوبية وإن حسن إسلام كثير من أهل فارس بل ومنهم من صار من أعلام الديانة علما وعملا ، ولكن لما تزل الأحقاد كامنة في صدور كثير فتظهر إذا آنست فرجة ، كما هي الحال في العراق والشام الآن ، والله ، جل وعلا ، غالب على أمره .

فجاءت : "من" التي صدرت بها القسمة العقلية ، فـ : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا) : فذلك شطر أول يكافئ الشطر الثاني في الخبر ، فـ : "مَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ" ، فأبانت الآية عن المآل الآجل في دار الجزاء وإن نال صاحبَه من العرض الزائل في دار الابتلاء شيءٌ يتلهى به السفيه فليس إلا وارد سكرة تذهب العقل فإذا جاءت فكرة الألم والحسرة ، فـ : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، أذهبت هذه السكرة العاجلة فَلَذَّتُهَا متوهمة طارئة ، فأبانت الآية عن المآل الآجل في الآخرة فجعلت له النار ، والسياق سياق وعيد ، والوعيد يحسن معه التعظيم فحسن إسناد الجعل إلى : "نا" الدالة على الفاعلين ، والجعل هنا ، أيضا ، يدخل فيه الوصف الكوني من جهة التقدير النافذ ، فـ : (لَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) ، فقدر ، جل وعلا ، بقدره الكوني النافذ ، محالا فاسدة لا تقبل آثار الوحي فالنار بها أحق ، فمنها محال قد تطهر بالكير ، فمعها أصل التوحيد وإن فسدت حالها في التشريع ، فلم تمتثل حكمه في أمره ونهيه فخرجت عن أمره التشريعي التكليفي على وجه لا ينقض الأصل التوحيدي ، ومنها محال لا تطهر بالكير فقد وقعت في الشرك الناقض لأصل التوحيد فلا ينفعها ما قدمت من عمل ، فـ : (قَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) ، فلا يقبل عمل إلا برسم التوحيد في القصد إفرادا للرب جل وعلا بالعقد والعبادة الباطنة والظاهرة ، والتوحيد في الشرع إفرادا للوحي كتابا وسنة بالتشريع خبرا وحكما ، أمرا ونهيا ، ويدخل فيه ، من وجه آخر ، الجعل الشرعي فتلك عقوبة مقدرة بالنص فتفيد بلازمها إنشاء النهي عن السبب الجالب لها من ابتغاء الدنيا على وجه يفسد به أمر الدين فهو ، كما في الخبر ، قد انشعبت به أودية الدنيا ، فـ : "مَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ" ، وذلك من استعارة الضلال المحسوس في أودية الجبال للضلال المعقول جريا وراء العرض الزائل ، فالهمة قد انشعبت فمنها ما اشتغل بالمحدث العلمي عن العقد التوحيدي ، وبالمحدث العملي عن الشرع الحكمي ، وبالمعصية عن الطاعة فالمحل لا يشتغل بالضدين في آن واحد من وجه واحد والإنسان لا بد أن يسلك أحدهما بما جبلت عليه نفسه من قوى الحس والإرادة فإن لم يشتغل بالحق شغل بالباطل فلا يبقى المحل شاغرا من التصورات والإرادات وما يتفرع عنها في الخارج ضرورة من الأقوال والأعمال ، أو الاشتغال بفضول المباحات على وجه يستغرق زمان المكلف فيشتغل به عما هو أولى من الواجبات والمندوبات فيهجرها أو ينتقص منها بقدر ما يشتغل به من فضول المباح فهو للفانية يعمر ، وللباقية يهجر ، ففعله ينقض قياس العقل الصريح ، إذ قدم ما حقه التأخير وأخر ما حقه التقديم ، فضلا عن مخالفته لنص الوحي الصحيح الذي أبان عن الغاية ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فما شغل عنها فَمِنْ بنيات الطريق وأودية الضلال ، ولو إفراطا في مباح مشروع بالنظر في أصله فقد عرض له من الوصف ما يوجب ذمه إذ صاحبه ، كما تقدم ، قد اشتغل به عن الأولى .

والشاهد أن الآية قد نصت على عقوبة مقدرة ، فـ : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا) ، فتفيد بلازمها إنشاء النهي عن السبب الجالب لها وإنشاء آخر بالضد فيأمر بما يجنب صاحبه الوعيد بجهنم التي زيد في وصف من يصلاها إمعانا في تقرير المعنى ، فثم بدل اشتمال ، كما ذكر صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فالبدل هو مراد المتكلم وإنما ذكر المبدل منه توطئة وقد يقال ، من وجه آخر ، بأن جملة : "يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا" ، بيان ، على وجه ثان ذكره صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، فيكون المبدل منه من مراد المتكلم فذكر جهنم يراد في سياق الوعيد ، ومن ثم جاء الإطناب بالبيان إمعانا في تقرير المعنى ، وزد عليه التذييل بالحالين : (مَذْمُومًا مَدْحُورًا) ، فالحال ، كما قرر النحاة ، وصف في المعنى ، والإطناب في الوصف يزيد المعنى بيانا وتقريرا .
ومن ثم جاء الشطر الثاني في التنزيل ، فـ : (مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) : فثم عموم آخر بشرط يستغرق أعيان المكلفين فهو عام يشمل أمة الدعوة ، من آمن ومن كفر ، لقرينة عموم الخطاب التكليفي ، أصلا وفرعا ، علما وعملا ، وثم قيد يبطل مقال الإرجاء ، فـ : (سَعَى لَهَا سَعْيَهَا) ، فذلك فصل أول ، باصطلاح أهل النظر والحدود ، فالعمل شرط رئيس في حصول النجاة ابتداء ، فلا ينجو إلا من بلغ كمال الإيمان الواجب ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا باستيفاء حقيقة الإيمان عقدا وقولا وعملا ، وهو شرط في صحة الإيمان بالنظر في الجنس العام ، فجنس العمل شرط في صحة الدعوى الإيمانية ، وإن ناقصة يتوعد صاحبها بعذاب غير مؤبد ، فلا يتصور إيمان وإرادة للآخرة بلا عمل وسعي ! ، فذلك نقض لما استقر في العقول والفطر من التلازم الوثيق بين التصور والإرادة في الباطن والسعي بالقول والعمل في الخارج ، وثم قيد آخر هو شرط رئيس في قبول العمل : (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) ، فذلك فصل ثان يخرج من سعى ولم يؤمن بالنبوة الخاتمة فهي مناط النجاة في الآخرة ، فـ : "لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ وَلَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ" ، ومن ثم جاء التذييل على جهة الإشارة إلى البعيد ، فـ : (أُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) ، إمعانا في المدح والتعظيم فهو مئنة من علو المكانة ، ومن ثم جاء التذييل : (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) ، فذلك مئنة من الحكمة البالغة إذ يعد الرب ، جل وعلا ، كل محل بما يلائمه من الأسباب فيضع أسباب الهداية في المحل الطيب فضلا ، ويضع أسباب الضلال في المحل الخبيث عدلا ، فاكتملت قسمة العقل في التنزيل ، واكتملت في الخبر ، فهذا الشطر يكافئ الشطر الأول في الخبر ، فـ : "مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، هَمَّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ" ، فأجمل الهم وإن أبان عن وصفه ، ثم بَيَّنَ بذكر عينه فهو هَمُّ الآخرة ، ثم عقب بالجزاء على جهة الماضوية : "كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ" ، إمعانا في تقرير المعنى في سياق الحث للمكلفين على امتثال الطريقة المثلى بتوحيد الهم النفساني فهو أخروي لا يعطل صاحبه دنياه بهجر أسباب المعاش وإنما يتوسط ويقتصد ، ويستحضر الجزاء في الآخرة ، وهو يباشر الأسباب في الدنيا فهي دار الابتلاء .


والله أعلى وأعلم .