ومن قوله تعالى : (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ، فجاء النهي مَئِنَّةً من التحريم فَتِلْكَ دلالته الرئيسة ، كما قرر أهل الأصول ، والنهي قد عَمَّ إذ تسلط النهي على المصدر الكامن في الفعل فَيُفِيدُ العموم من هذا الوجه ، فضلا عن دلالة العموم في لفظ : "الشهادة" ، فـ : "أل" : بَيَانِيَّةٌ جِنْسِيَّةٌ تَسْتَغْرِقُ عُمُومَ مَا دخلت عليه ، فَجِنْسُ الشهادة الكلي تَنْقَسِمُ مَوَارِدُهُ في الخارج ، فَمِنْهَا شهادة التوحيد ، ومنها شهادة الدَّيْنِ ، كما دل السياق ، وإن عم بدلالة المعنى ، ومنه شهادة الحق ، وَلَوْ للخصم ، فذلك من العدل الواجب ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) ، ومنها الشهادة للرسالة الخاتمة بإدامة النظر في أدلتها ، فهي شهادة الحق التي شهد بها من تقدم من علماء بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فـ : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ، فشهد لها الرب ، جل وعلا ، وشهدت لها الملائكة وأُولُو العلم ، فـ : (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، فأقام ، جل وعلا ، على التوحيد ، وهو فحوى الرسالات جميعا ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، أقام عليه من الأدلة النقلية والعقلية ما بلغ حد التَّوَاتُرِ الذي يُفِيدُ اليقين الجازم فَلَا يجحده إلا مكابر أو مسفسط ، وَشَهِدَ الشَّرْعُ لمن أنزله بالعلم والحكمة ، فهو شرع محكم يدل بِأُصُوله وفروعه ، بمنطوقه ومفهومه ..... إلخ ، من أدلة الأحكام ودلالات الألفاظ ، يدل على جميع ما يحتاج العبد من شرائع ، فَيَقْضِي في كل ما يجد من نوازل ، بالنص فقد اسْتَغْرَقَ جمهرة عظيمة منها ، وبالقياس فما جَدَّ فهو عَلَى ما تقدم يُقَاس على وجه بلغ الغاية من الدقة والإحكام بتحرير مناط الأصل ، وإلحاق الفرع به بجامع العلة فقد تحقق معناها في الفرع تَحَقُّقَهُ في الأصل ، أو دونه ، أو قد يَزِيدُ عليه فهو من قياس الأولى ، فالناظر في أحكام الشريعة وأدلتها الكلية والجزئية ، وطرائقها في تحرير الأدلة صحة وضعفا ، وتحرير وجوه الدلالة ، نصا وظاهرا ، منطوقا ومفهوما ، لحنا وفحوى ، اقتضاء وتنبيها وإشارة ..... إلخ ، من وجوه الدلالة ، الناظر فيه يشهد لها حقا أنها شريعة السماء الخالدة فهي محكمة تَكْفِي النَّاظِرَ فِيهَا مُؤْنَةَ الاستدلال ، فلا يَفْتَقِرُ إلى غيرها إلا جاهل بها أو جاحد يكابر فهو يأبى أن ينقاد للحق ، فحاله من حال إبليس إذ : (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) ، فمن الكفر ما يعلم صاحبه الحق فلا عذر له بجهل وإنما منعه الكبر أن ينقاد لحكم الرسالة فجحده وأنكره ، أو عَطَّلَهُ أو بدله ، فـ : (مَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، فيحمل وزره ووزر من عمل به إذ قد سَنَّ سُنَّةَ التبديل ، فـ : "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ" ، فأي سنة أسوأ من تعطيل الشرع وحمل الناس على التحاكم إلى غيره طوعا أو كرها ! ، فيعطل وصف الشارع ، وإن أقر في الجملة بوصف الخالق ، وذلك ، تَنَاقض ، أي تَنَاقض ! ، فَقَدْ أَقَرَّ بالوصف وَأَنْكَرَ مِثْلَهُ ، بل ولازمه الضروري فمن أَقَرَّ بالخلق تكوينا لَزِمَهُ أن يُقِرَّ بالأمر تشريعا ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، وصف الرب الذي يَرُبُّ الأبدان بالخلق والرزق ، وَيَرُبُّ الأديان بالوحي والشرع ، فـ : (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) ، بل إن وصف الخالق الذي يقر به ، ولو في الجملة ، من بَدَّلَ الشرع ، لا ينفك يدل على الشرع بالنظر في معنى الخلق الكلي ، فهو مَئِنَّةٌ من التقدير ، فَمِنَ الخلقِ خلقُ التقدير في الغيب ، وهو يعم الأبدان والأديان فَعَلِمَهَا ، جل وعلا ، أزلا ، وسطرها في اللوح جزما ، فَقَدَّرَهَا على وجه الحكمة البالغة في التكوين ، فـ : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) ، والتشريع ، فـ : (مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ، وقل مثله في بَيَانِ العلم والجهر به في مواضع الحاجة الواجبة من تعليم أو فتوى لئلا يقع الكاتم في وعيد الخبر الصادق : "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ، فالجزاء من جنس العمل إذ كتم العلم فلم يقل بالحق فألجم في موضع النطق ، فكل أولئك من الشهادة الواجبة ، فهي ، كما تقدم ، تَعُمُّ جميع الشهادات الدينية والدنيوية ، فجاء النهي على جهة التحريم والعموم أن يكتم الشهادة لئلا يَنَالَهُ عُمُومُ الوعيد فِي قَوْلِ رب الْعَبِيدِ تبارك وتعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) ، ولازمه القول بالحق بل والجهر به فهو ضد الكتمان ، فَيَنْدَرِجُ في عموم : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ" ، من هذا الوجه ، فالقول إما أن يرد صريحا أو يرد لازما بالنهي عن ضده من السكوت حال وجب البيان إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة في أمر دين أو دنيا ، ومن ثَمَّ جَاءَ الوعيد على جهة الشرط ، فهو ، أيضا ، مَئِنَّةٌ من العموم ، فضلا عن دلالة التلازم بَيْنَ الشرط وجزائه فذلك آكد في بيان المعنى وتقريره ، فـ : (مَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) ، فجاء الربط بالفاء ولا تخلو ، كما تقدم مرارا ، من دلالة السَّبَبِيَّةِ ، فما بعدها من الحكم بالإثم فرع على ما قبلها من كتمان الشهادة ، وجاء الإثم ، من وجه آخر ، على حد الصفة المشبهة فهي مئنة من لزوم الوصف وذلك آكد في الذم إذ الإثم قد لازم قلبه ، وخص القلب بالذكر إذ هو محل الإرادة ، فحركات الاختيار جميعا لا تكون إلا بِأَمْرِهِ فهو الملك الذي يصدر الجند عَنْهُ فإن صح أمره صح فعلها بنطق الحق وفعل الخير ، وإن فسد فسدت ، فالقياس يطرد وينعكس ، ومن ثَمَّ جاء التَّذْيِيلُ بوصف العلم على حد الاسمية : (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ، فذلك آكد في إثبات المعنى وتقريره ، فالاسمية مئنة من الديمومة والاستمرار ، فمعنى الرسوخ فيها يظهر ، وهي ، كما يقول علماء اللغة ، مما امتازت به اللغة العربية ، فالجملة الاسمية المحضة التي تتركب من مسند إليه ومسند دون رابطة لفظية مساعدة مما امتازت به اللغة العربية ، فَتَقُولُ على سبيل المثال : محمد قوي ، فلا تحتاج كما في مجموعة اللغات الهندية الأوروبية كاللغة الفارسية أو الإنجليزية لا تحتاج إلى واسطة من ضمير كـ : "هو" ، أو فعل مساعد ، كـ : "يكون" ، ففي اللسان الإنجليزي يفتقر الإسناد إلى فعل مساعد فتقول : محمد يكون قويا ، أو : Mohammed is Strong ، بينما يكفي في لغة العرب أن تقول : محمد قوي ، دون رابطة فهي من الإطناب الذي لا فائدة منه في الجملة .

والشاهد أن وصف العلم وصف ذات معنوي ، لا يَنْفَكُّ الرب ، جل وعلا ، يتصف به ، فحسن إيراده على حد الاسمية ، فضلا عن حد الوصف على جهة المبالغة ، إمعانا في تقرير المعنى ، فهو ، جل وعلا ، العليم أزلا بعلم التقدير الأول ، وهو العليم ثانيا بعلم الإحصاء ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير : (بِمَا تَعْمَلُونَ) ، وهو ، من وجه آخر ، يَعُمُّ كل عمل ، فـ : "ما" : مَوْصُولٌ يدل على غَيْرِ العاقل إذ العمل وصف ، والوصف بداهة لا يعقل ولا يستقل بذاته في الخارج فلا يقوم إلا بموصوف ، فالعمل لا يكون إلا من عامل ، وهو ، من وجه آخر ، مَئِنَّةٌ من العموم فَيَسْتَغْرِقُ كل فعل أو ترك ، فالتروك أعمال ، كما قرر المحققون من أهل الأصول ، إذ لا تَنْفَكُّ عن إرداة سلب تضاهي إرادة الإيجاب في الفعل ، فَالتَّذْيِيلُ بوصف العلم آكد في المراقبة فلا يكتم أحد شَهَادَتَهُ إذ الرب ، جل وعلا ، يحيط بعلمه بما بطن من إرادته ، وظهر من قوله وعمله .

والله أعلى وأعلم .