مما تقرر في مقاصد الشريعة ما امتن به الرب ، جل وعلا ، إذ أحل الضروري والحاجي من الرِّزْقِ ، وأحل الْكَمَالِيَّ من الزينة ، فـ : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ، ففسرت الزينة بما زاد على الثوب الواحد ، فشرع أخذ الزينة بدثار يلي الشعار الأول الذي يلي البدن بلا حائل فهو أول ثوب ساتر ، فذلك أمر ندب إذ تجزئ الصلاة في الثوب الواحد على خلاف في ذلك ، فثم من اشترط أن يَعْلُوَ العاتق منه شيء ، وذلك قول الحنابلة ، رحمهم الله ، ومستندهم في ذلك حديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" ، فذلك نهي مؤكد والأصل فيه التحريم والحظر إلا أن يرد الصارف من قرينة نقل صحيح أو عقل صريح ، وقد حد على جهة العموم فَتِلْكَ دلالة اللفظ المنكر إذ أُضِيفَ إلى الضمير المعرَّف ، فذلك الأصل في خطاب الشرع ، وهو عموم ، من وجه ، إذ يستغرق كل أحد من الرجال فلفظ أحد مذكر في المبنى ، وإن احتمل دلالة العموم بالنظر في المعنى بل ذلك الأصل في التشريع ، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ" ، وهي خاتم الذهب ، فيعم النهي الذكر والأنثى معا ، ولكن القرينة الصارفة في نحو حديث علي ، رضي الله عنه ، وفيه : "أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبًا بِيَمِينِهِ، وَحَرِيرًا بِشِمَالِهِ، ثُمَّ رَفَعَ بِهِمَا يَدَيْهِ فَقَالَ : هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي" ، تُغَلِّبُ حقيقة اللسان المعجمية الأخص التي تستغرق الذكور فقط ، على الحقيقة الشرعية الأعم التي تستغرق كل أحد من المخاطبين ذكرا كان أو أنثى ، فتحريم الذهب يختص بجنس الرجال فذلك مما حرم على الذكور دون الإناث ، فـ : "هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي" ، إلا ما كان لحاجة ، كما في حديث أنس ، رضي الله عنه ، مرفوعا ، وفيه : "رَخَّصَ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فِي قَمِيصَيْنِ مِنْ حَرِيرٍ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِمَا حِكَّةٍ" ، فرخص صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخصة الإسقاط ، إذ تغير الحكم بتغير الوصف فخرج صاحبه من حال إلى حال ، فتغير الحكم بطروء الحاجة ، فسقط الحكم ، فذلك تخفيف من الرب ، جل وعلا ، يدور مع علته من الضرورة الأعلى أو الحاجة الأدنى ، كما في حكم الحرير لمن به حكة ، فالنهي عنه لا يراد لذاته فالأعيان طاهرة بل ومباحة في حق غَيْرِ الرجال ، والأصل الأول لحلها يشهد ، فـ : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) ، فلم تحرم لذاتها وإنما حرمت لغيرها سدا لذريعة التشبه ، فـ : "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُتَشَبِّهَاتِ بِالرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ وَالمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ" .

فجاء النهي عن الصلاة في الثوب الواحد لَيْسَ على عاتق الْمُصَلَّي منه شيء ، فَثَمَّ من حمله على التحريم ، وهو الأصل في النَّهْيِ ، كما قَرَّرَ أهل الأصول ، واخْتُصَّ النهي بالرجال ، فالعموم على أصله المعجمي إذ يعم آحاد الذكور ، فحقيقته الشرعية تعدل حَقِيقَتَهُ اللِّسَانِيَّةَ ، لِقَرِينَةِ عورة المرأة في الصلاة وفي خارجها ، فهي مأمورة بستر البدن كله إلا الوجه والكفين حال الصلاة ، وهي مأمورة بستر البدن كله إلا الوجه والكفين على قول الجمهور ، وإن أَوْجَبُوا سَتْرَ الْوَجْهِ حَالَ الْفِتْنَةِ أو فساد الزَّمَانِ ، على تفصيل في ذلك ، فَتِلْكَ قَرِينَةٌ تَشْهَدُ لتخصيص العموم الشرعي بحقيقته في اللسان ، فَدِلَالَةُ اللسان قد تكون أخص ، فلفظ : "أحد" ، كما تقدم ، دليل على الواحد المذكر ، فتلك دلالته اللسانية ، فإذا أضيف عَمَّ جماعة الذكور ، فإذا نُقِلَ إلى الحقيقة الشرعية اتسعت دلالته فهو يعم آحاد من يَتَوَجَّهُ إليه خطاب التكليف ، فيعم الإناث ، وإن كان حده في اللسان ، كما تقدم ، حد المذكر ، فالأصل في التكليف العموم إلا ما خص به كل نوع من الأحكام ، ومنها هذا الحكم ، فالستر في حق المرأة آكد ، فذلك الأصل في الفطرة الصحيحة فَلَا يَأْتِي الوحي إلا بما يُقَرِّرُهَا ويفصلها فذلك أصل في جميع مسائل الديانة ، بل والعادة ، من أفعال الاختيار فلا يحل الشرع إلا الطيب النافع ، ولا يحرم إلا الخبيث الضار ، فالوحي بما جاء به من صحيح الأخبار وصريح الأحكام التي حدت بأفصح لفظ وَأَبْلَغِ سياق ، قد أبان عن أسباب السعادة في الأولى وأسباب النجاة ، في الآخرة فصاحبه في أهنأ عيش وإن ضاقت ذات اليد ، فالصدر قد انشرح إذ حسن الظن بالرب ، جل وعلا ، فعظم التوكل في القلب وتلك عبادة لا تحصل بالدعوى ، فالشرك فيها من أدق صور الشرك ، فيخفى ما لا تخفى صور الشرك الظاهر في العبادة أو الشرع ، فهي عبادة تُنَاطُ بالمحل الباطن ، وهي عبادة تُنَاط بمعنى الرُّبُوبِيَّةِ رزقا وَتَدْبِيرًا ، وذلك معنى وإن لم يكن فيه خلاف عند من تقدم إلا أنه مما خفي في هذه الأعصار إذ الفلسفة المادية قد غلت في تَقْرِيرِ الأسباب المحسوسة فأنكرت أسباب الْغَيْبِ المعقولة ، فالطرح الْعَلْمَانِيُّ اللاديني قد أقام عقده الاجتماعي السياسي على شخصية اعتبارية في الخارج هي الدولة المركزية فعقدها هو المقدس الأول فكان الغلو في تحصيل أسباب القوة والمنعة ، وأسباب الجاه بل والترف ، فهي دولة غَايَتُهَا أن تُحَقِّقَ لِأَبْنَائِهَا أَسْبَابَ الحس فلا تعرف الْمَعَانِي الْعَقْلِيَّةَ الشريفة ، إذ رَدَّتْهَا إلى رجال الدين بَعْدَ أَنْ وَقَعَت فِي جنس مَا كَانَ قَبْلَ ثَوْرَتِهَا على الدين المحرف ، إذ القسمة كانت بين الكنيسة والعرش ، فكلٌّ يستعمل الآخر في تحقيق غَايَاتِهِ ، ثم صارت بَيْنَ الكنيسة والدولة العلمانية ، فاستبدل الجمهوري الديمقراطي الذي يرد الأمر إلى عقد المواطنة بالكنسي الإمبراطوري الذي اجتمع فيه الدين المحرف والملك الجائر ، فكان الطرح الديمقراطي وهو عقد لَادِينِيٌّ ، وإن كان للدين فيه حظ فهو التابع ، فالدولة تُسَوِّي بين أفرادها الذين يحملون جنسيتها ، فقد صارت جنسا عاما ، وإن كان سِيَاسِيًّا ، فَيُشْبِهُ الجنس العرقي الذي تتعصب له الجماعات لا سيما الجماعات العضوية التي تحرص على تماسك بُنْيَانِهَا فهي لا تطيق المخالف ، وإن زعمت الود والتسامح ، فالحضارة المادية ، حضارة عضوية عنصرية تقدس عقدها الاجتماعي السياسي ، وهو ، كما تقدم ، عقد لاديني في الجملة ، فالدين فِيهِ شَعَائِرُ قد أفرغت من غاياتها فصارت عادات يحملها الخلف عن السلف تقليدا لِلصُّورَةِ التي لم تسلم من التبديل والتحريف ، فأصحابها قد طغوا فَغَلَوا في المقدس الأرضي المحدث من جنس بشري ، أو آخر سياسي ، فصار عقد الدولة هو العقد الرَّئِيسَ ، وصارت الجماعة العضوية هي مناط الولاء والبراء الأول في تعصب لا يخفى ، إذ رد الأمر إلى وصف جِبِلَّةٍ فليس من الفضائل التي تكتسب كالإيمان والتخلق بخلال الدين الحميدة ، فذلك ، وإن كان جبلة ، من وجه ، كما في وصف أشج بني عبد القيس ، رضي الله عنه ، فـ : "«إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ، الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمُ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: «بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا»" ، إلا أن وجه الاكتساب فيها ظاهر فهو مما يحصله العبد بِتَوْفِيقِ الرَّبِّ ، جل وعلا ، وإلهامه أن يَسَّرَ له أسبابه ، فوجه التكليف فيه ظاهر ، وإن لم يخرج عن توفيق الرب الخالق ، جل وعلا ، أن ركز فيه خلال الخير فلا يجهد في تحصيل أسبابها ما يجهد غَيْرُهُ مِمَّنْ جُبِلَ على الشح والأثرة ، وتلك ، أيضا ، من طبائع النفس ، لا سيما إن تقطعت بها الأسباب فَضَلَّت عن سبب النُّبُوَّةِ الذي أنيط به حكم السعادة والنجاة ، كما تقدم ، فلا يَنَالُ الحر غايته إلا إذا دخل في رق الوحي ، فَبِهِ وحده يُعْتَقُ من ربقة العبودية للذات هوى وذوقا ، وللطواغيت المحسوسة والمعقولة حكما وشرعا ، فَيَرُدُّ الأمر إلى إله واحد لا تحصل للنفس فضيلة إلا بقدر ما تنهج الذل والخضوع له طريقة ، فلما ظهرت المقالات الدينية الباطلة ، بما وقع فيها من تبديل وتحريف ، وحصل بها من الطغيان ما حصل ، إذ تلك ، كما تقدم ، خاصة النفس إذ تضل عن منهاج النبوة فَتَسْتَغْنِي بأسباب الحس عن أسباب الروح ، فكان هذا الطغيان في الشأن الديني إذ رد الأمر إلى رجال الكهنوت ، فهم الذين يَعْرِفُونَ الأسرار ويقضون بين العباد فلا يدخل أحد الملكوت إلا بإذنهم ، فمن حرم ومنع طرد ، وذلك ترهيب ما بعده ترهيب يحمل التابع على الذل والخضوع للمتبوع ، ثم هو يوم الورود يتبرأ منه : (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ) ، فحد الظرف : "إِذْ" حَدَّ الماضي لما يستقبل إمعانا في تقرير المعنى ، بل ويلعن ! ، فـ : (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ) ، وزد عليه ما كان من طغيان الساسة إذ تَوَاطَئُوا مع رجال الكهنوت ، فلهم السلطة الزَّمَنِيَّة فهي لادينية مستبدة ، وللكنيسة السلطة الرُّوحِيَّةُ فهي دينية مستبدة ! ، في قسمة عجيبة تجمع المتناقضين في إهاب واحد ، إذ الجهة ، كما تقدم ، قد انفكت ، فالدين أمر أخروي ، وهو أمر يخص العبد إذ محله ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرب ، جل وعلا ، فلا يخرج عن دائرة العقد الباطن وجملة من الشعائر وبعض الأخلاق والفضائل مما أجمعت العقول على حسنه ، وهي ، مع ذلك ، مما لا أثر له في الخارج ، وأما السياسة والحكم فهي أمر دنيوي بحت فلا دين فيه ولا أخلاق إلا بقدر ما يحصل من مصالح مادية محسوسة ! ، فالدولة ، كما تقدم ، قد صارت فوق كل اعتبار فلأجلها تهدر الأديان بل والمثل والأخلاق العامة التي أجمع على حسنها العقلاء فقد اجتهد أصحاب المصالح في تأويلها لتوافق أهواءهم فَكَسَوُا ظلمهم واستبدادهم ثوب العدل والحرية والمساواة ! ، فتلك مبادئ الطرح اللاديني المعاصر الذي أخرج الدين من الحياة ، وسجنه في قفص الكنيسة ، بل وجعله تابعا خادما لعقد الدولة ومصالحها النَّفْعِيَّةِ الْعَاجِلَة ، إذ فسد التصور فلم تعد لها حاجة أو عِنَايَةٌ بِدَارٍ غَيْرِ هذه الدَّارِ ، إذ ما وراءها غيب لا يتلقى بَيَانُه إلا من مشكاة الوحي ، وإن ركزت أصوله في الجبلة ، فالنفوس ، كما تقدم مرارا ، بما تَرَاه من آيات في الخارج يجريها الرب ، جل وعلا ، في بعض الظالمين ، بِمَا تَرَاهُ من ذلك تُوقِنُ وتجزم بقدرة الرب الأعز الأكرم ، تبارك وتعالى ، فـ : (كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) ، فتلك عقوبة الأخذ العاجل بعد طول إملاء وإمهال ، فـ : "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" ، فاستعير الإملاء المحسوس لنظيره المعقول ، وقد عَمَّت الدلالة ، فالظلم جنس عام تندرج فيه آحاد ، فمنه الأكبر ومنه الأصغر ، فكلٌّ له حظه من هذه السنة الرَّبَّانِيَّةِ الجارية ، وبما تَرَاه في المقابل من تأخير بعض الظالمين ، فَتِلْكَ سنة أخرى ، فـ : (لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) ، فحسن التوكيد في سِيَاقِ النهي عما يَلْزَمُ من اعتقاده سوء الظن بالرب الحكيم العدل ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فلا يغفل ، جل وعلا ، عما يعمل الظالمون ، على تَفَاوُتِ ظلمهم ، فهو ، كما تقدم ، جنس عام تندرج فيه آحاد من الظلم تَتْرَى ، فَبِمَا تَرَاه من هذا الوجه تجزم أن ثم دار أخرى تُسْتَوْفَى فيها الحقوق ، فـ : (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا) ، وذلك ، بداهة ، ما يعجز العقل عن حده وإن أدركه جملة بما ركز في النفس من فطرة المعاد ، فهو ، كما تقدم مِرَارًا ، من الضرورات الدينية والعقلية ، فلا عناية للعقد اللاديني للكيان المادي ، السياسي أو الحضاري ، لا عناية له بتحصيل أسباب الغيب إذ مناطها دور أخرى لا يؤمن بها فقد جحدها في الجملة ، أو آمن بها بعد أن دخلها من التبديل والتحريف ما لم تسلم منه الأصول ولا الفروع جميعا ! ، فالعقد قد فسد والشرع قد نسخ فلا مستمدَّ يصح في نقله ويصرح في دلالته ، فليس إلا عقد السياسة النفعية سواء أكان ذلك في أحوال الأفراد أم الجماعات ، فهو يُعْنَى فقط بتحصيل أسباب الحس من الجاه والقوة .... إلخ ، فبها وحدها تحصل المصلحة العاجلة مناط الولاء الأول في حضارة تقدس الحقيقة الإنسانية الدنيا وتجحد الحقيقة الإلهية العظمى ، وإن آمنت بها فإيمان التقليد لما وقع له التبديل والتحريف من كلام النُّبُوَّات الأولى ، فمرد الأمر ، كما تقدم ، إلى طغيان بشري يهمل صاحبه السبب الإيماني ، فقد تحرر أخيرا من نَيْرِ السلطة الروحية التي تقلصت فصارت رسوما باردة خاوية لا أثر لها خارج أسوار الكنيسة ، فثم إشكال عظيم في حد الهوية ، فثم الهوية السياسية اللادينية التي جعلت مقدسها الأول ومحورها الرئيس معنى المواطنة الأضيق الذي يذيب الفوارق على وجه شائه إذ يُسَوِّي بَيْنَ المتباينات ، فهو يضم أشتاتا لا جامع لها إلا الأرض واللِّسَان ، فليست جوامع تحسم مادة النِّزَاع بَيْنَ الأفراد فلا يحسمها ، كما تقدم ، إلا الاعتصام بوحي قد عصم فسلم من التبديل والتحريف ، فأصحابه قد تأولوا الأمر أن : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، فهذه هوية تجعل الدولة فوق الوحي فهو لها تابع ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، مما ينقض دلالة العقل الناصح الذي يقضي بسيادة المعصوم وتقديمه فهو الحاكم المطلق بما انتفى في حقه ضرورة من الخطأ والهوى فهو شرع العليم الحكيم ، الغني المجيد ، تبارك وتعالى ، فلا حظ له في تَشْرِيعٍ يَرُوم به تحصيل الجاه والنُّفوذ فَلَهُ السلطان والحكم العام بما له من كمال مطلق في الأسماء والصفات ، فما الأحكام الكونية النافذة ، والأحكام الشرعية العادلة إلا آثار أسمائه الحسنى وصفاته الْعُلَى ، وفي ظل هذا الطرح اللاديني يتقلص دور الدين ، لا سيما إن كان مبدلا محرفا فالنفوس فيه أزهد إذ قد حجر على العقول وضيق فهي تروم الانعتاق من رقه ولو بإهدار خبره وحكمه ، فترد الأمر إلى عقد سياسي محدث لا أثر للدين فيه ، كما تقدم ، إلا جملة مواعظ وَمُثُلٍ مجردة لا تحدث في صاحبها معنى التوكل في بذل السبب ، وفي تحصيل أسباب المعاش ، وفي الانتفاع بما أبيح من الطيبات .... إلخ ، فيقع الخلل ، كما تقدم ، في تصوره لمعاني الرُّبُوبِيَّةِ لا سيما ما كان في أمور الأرزاق والمعايش ، خَصَّت أو عَمَّت ، فالتوكل ، وهو معنى باطن قد جاءت النُّبُوَّات بحده على وجه تحصل به الكفاية فلا يعطله صاحبه في العقد ، ولا يعطل الأسباب في الشرع ، والصحيح أن يقدم ما حقه التقديم من العقد الديني المحكم الذي سلم من التبديل والتحريف ، من الزِّيَادَةِ والنَّقْصِ ، من الغلو والجفاء ، فجاء برسم العدل والتوسط والقصد في أمور الدين ، فـ : "أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" ، والدنيا ، فـ : (لَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) ، فلا إفراط ولا تفريط ، وهو عقد أول تخضع له النفوس بما جبلت عليه من فطرة التأله ، فهو يَكْفِيهَا في أمر دينها ودنياها فالنُّبُوَّات قد جاءت بِتَقْرِيرِ أصول الفطرة الصحيحة ، وجاءت ببيان شاف كاف يَرْفَع أي إجمال أو إشكال ، فهو الهوية الحقة في مقابل هويات إن اعتبرت الدين والوحي ، فهو التالي فلا يَتَصَدَّرُ في العقود السياسية اللادينية ، فتلك ، كما تقدم إشكالية الطرح اللاديني في الشرق المسلم فلا يرى في الإسلام إلا صورة من دين الكهنوت المبدل فلا بد خلعه والحجر عليه فلا يتعدى هو الآخر أسوار المسجد ! ، في قياس مع الفارق أي فارق ! يسوي صاحبه ، جهل فهو مغفل أو علم فهو مغرض ، فأمره يدور بين الغفلة وسوء القصد ! ، يسوي صاحبه بَيْنَ أعظم مُتَبَايِنَيْنِ في هذا الباب ، ما حفظت أصوله وفروعه فنقلت على وجه بلغ الغاية في الصحة ، وحررت ، في المقابل ، فبلغت الغاية في الصراحة في دلالاتها على مَعَانِيهَا ، وما بدلت في المقابل أصوله وحرفت فروعه وشرائعه ونسخت فلا يستويان ، فحاجة الغرب إلى عقد بديل حاجة ظاهرة ، إذ لم يجد في عقد الكنيسة ما يحسم مادة الشك في نفسه ، وما يحسم مادة الظلم في الحكم والسياسة ، خلافا للشرق فما عظمت حاجته إلا بعد أن فارق النبوة الصحيحة المعصومة إذ زهد في تصورها وحكمها فلم يَزْدَدْ إلا ضلالا وَتَقَطُّعَ أمر في أودية المقالات الباطلة والشرائع الفاسدة ، فحاد عن الطريق الأقوم إلى سبل وشعاب لا نهاية لها ولا حد ، فتلك حال ابن آدم إذ عدل عن منهاج الوحي فضل في أودية الوضع المحدث في التصور والحكم والسياسة فأحدث من العقود الفكرية والسياسية ما ضاهى به العقود الإلهية التي حسمت مادة الشرك في التصور والجور في الحكم فلا صلاح لهذه الدنيا إلا بأضدادها من التوحيد ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) ، والعدل ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) .

فهذا العدل الذي عم بموارده جميع الأخبار والأحكام ، فجاء بالعدل في التوحيد العلمي ، وجاء بالعدل في التشريع العملي ، فجاء بالعدل في الباطن بعقده وإرادته ، وجاء بالعدل في الظاهر بأقواله وأعماله ، فجاء بما تعتدل به الهيئة الباطنة من قصد في التصور فلا غلو ولا جفاء ، فهي عدل بين التمثيل والتعطيل فكلاهما شرك في التصور يسوى فيه الخالق الأعلى ، جل وعلا ، بالمخلوق الأدنى ، وجاء بما تعتدل به الهيئة الظاهرة من الشرعة الكاملة التي لم تترك صغيرا ولا كبيرا إلا أبانت عن حكمه ، ومنه ، محل الشاهد ، وهو زينة الصلاة ، فلا يستوي فيها الجنسان ، بل ولا يستويان في الزينة خارجها ، فلكلٍّ من الزينة الظاهرة ما يلائم أخلاقه الجبلية الباطنة ، فشعار يستر العورة فهو مِمَّا يَلِي الجسد وبه تستر العورة المغلظة ، وما زاد عليها من العورة المخففة على خلاف في حدها ، فـ : "الفَخِذُ عَوْرَةٌ" ، وثم من لم يدخل الفخذ في حد العورة فاستدل بحسره صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن فخذه كما في حديث أنس ، رضي الله عنه ، وأجيب عنه بأنه مما تعارض فيه المبيح والحاظر ، فيقدم الحاظر احتياطا كما رجح البخاري ، رحمه الله ، فـ : "حَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أَحْوَطُ حَتَّى يُخْرَجَ مِنَ اخْتِلاَفِهِمْ" ، فالخروج من الاختلاف سنة ما لم يفض إلى حرج في الأخذ بالعزيمة لمن لا يطيق فشرعت له الرخصة ، وما لم يفض إلى التعصب في موارد الخلاف السائغ ، فإن كان ثم دليل معتبر فلا وجه للإنكار على المخالف فالإنكار لا يكون في محال الخلاف السائغ وإنما يكون في محال الخلاف الضعيف ، فهو مما لا يعتبر ، فـ :
ليس كل خلاف جاء معتبراً ******* إلاّ خلاف له حظ من النّظر .

فضلا أن دلالة القول تقدم على دلالة الفعل كما قرر أهل الأصول والنظر ، فدلالة القول أعم ، خلافا لدلالة الفعل فهي تحتمل ، فإن عمت فعمومها معنوي إذ الفعل لا عموم له بالنظر في لفظه ، فيقدم ما دل على العموم بلفظه على ما دل على العموم بمعناه ، فتوجه النهي في الحديث أن : "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" ، فهو يدل على إيجاب الستر ، فثم إجماع شرعي بل وعقلي على ستر العورة المغلظة فلا يستحسن كشفها عاقل إلا من فسدت جبلته ونكست فطرته فهو يُقَلِّدُ الآباء بل وينسب الفحشاء إلى رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فـ : (إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، وثم استحسان لما يلي الشعار من دثار ، فهو ثوب ثان يتزين به العابد ، فيتأول أمر الشارع جل وعلا : (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ، فهو يعم جميع المكلفين ، فدلالة الواو في : "خُذُوا" مئنة من العموم الذي يعم بدلالته اللفظية الذكورَ ، ويعم بدلالته الأصولية الإناثَ ، وثم خلاف في عورة الصلاة في حق الرجال إذ قيد الثوب الساتر فهو يستر أحد العاتقين ، فذلك قدر زائد أوجبه الحنابلة ، رحمهم الله ، على خلاف في قدره فدلالة : "شيء" ، في : "لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ" دلالة عموم فيحصل الإجزاء بأي قدر من الثوب يستر به العاتق على وجه تحصل به حقيقة الستر شرعا وعرفا .

وأما زينة النساء فهي درع وملحفة وخمار ، فلا يدخلن ، بداهة ، في عموم هذا اللفظ ، فتجزئها الصلاة في الثوب الواحد إذا كان الدرع سابغا ، يستر ظهور قدميها ، فلا يحل لها في الصلاة إلا كشف الوجه واليدين وثم من زاد من الحنفية ، رحمهم الله ، فأجاز كشف النساء عن ظهور أقدامهن حال صلين في بيوتهن فذلك مما تعم بكشفه البلوى حال المهنة في البيت ، فثم مشقة تجلب التيسير بالتخفيف فعفي عن كشف ظهور الأقدام ، فلكلٍّ ، كما تقدم ، حظه من الزِّينَةِ ، بما يوافق فطرته الباطنة وجبلته الظاهرة .

والله أعلى وأعلم .