التمني هو طلب حصول شيء على سبيل المحبة ويكون ذلك في المعاني التي تتعلق بها القلوب سواء أكانت بعيدة أم مستحيلة واللفظ الموضوع له " ليت " ولا يشترط فيه إمكان المتمني لأن الإنسان كثيراً ما يحب المحال ويطلبه ولذا فهو قد يكون ممكناً كقولك ليت زيداً يجيء وإذا كان المتمنى ممكناً يجب ألا يكون هناك توقع أو طمع في حصوله وإلا لصار ترجياً وأداته " لعل ، عسى " وأمثلة التمني كثيرة كقولك ليت الكواكب تدنو وقوله تعالى " يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً " وقوله تعالى " يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً " وقد يكون بعد المتمنى راجعاً إلى إحساس النفس به بأن تتوقع أنك لا تقدر على تحصيل شيء لشدتك في رغبته مع كونه قريباً لذا فقد يغلب على النفس إحساس باليأس فتستبعد القريب وقد يغلب الشعور بالأمل فتقرب البعيد وذلك كقول مالك يرثي نفسه عندما شعر بدنو الأجل
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بوادي الغضا أزجي القلاص النواجيا
فليس مبيته ليلة في موطنه مستبعداً ولكن ذلك نشأ من إحساس الشاعر نظراً لتوقعه اقتراب الموت منه ولا تخرج أداة التمني " ليت " عن معناها لمعنى آخر بل قد يأتي التمني بغير أداته وعندما وردت أدوات أخرى غير " ليت " في التمني درسها البلاغيون ووجدوا فيها فروقاً دقيقة وأغراضاً بلاغية ومن ذلك :-
1- التمني بـ " هل " قال تعالى " فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا " فهذا وإن أفاد معنى " ليت " إلا أنه لما جاء على طريق الاستفهام وهو مما يستعمل في الأمور الممكنة أضفى على المتمنى صورة الممكن فالكفار لا يظنون الخلاص لكن عبارتهم دلت على أن حاجتهم إلى شفيع قد غلبت على نفوسهم واشتد تعطفهم بذلك فافترضوا غير الواقع واقعاً لينفسوا عن أنفسهم بهذا الأمل المتوهم فالغرض من الاستفهام بـ ( هل ) هنا هو إبراز المتمنى في صورة المستفهم عنه الذي لا يجزم بانتفائه لإظهار كمال العناية به حتى لا يستطاع الإتيان به إلا في صورة الممكن الذي يطمع في وقوعه
2 – التمني بـ ( لو ) " وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا "وقال تعالي " فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين " فلو هنا تفيد التمني بدليل نصب الفعل المضارع بأن مضمرة بعد الفاء المسبوقة بها . وذلك لا يكون إلا لإفادتها التمني ولو هنا تزيد المتمني بعداً وتبرز شعور اليأس عندهم . لأنهم قالوا ذلك لما رأوا العذاب وسبقوا إليه .
2- التمني بـ ( لعل ) قال تعالي " لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلي إله موسي " علي قراءة نصب " أطلع الدالة علي كون " لعل " بمعني " ليت " وهذا يفيد جعل الرجاء تمنياً مما يدل علي أن فرعون قد أحس بأن الاطلاع على إله موسى أمر مستبعد . لكن لشدة تطلعه لذلك عبر عنه بأداة تقربه من الوقوع . وقد أخذ السكاكي من استعمال " هل ، لو " في التمني أن التقديم في الماضي والتخصيص في المستقبل الناشئين عن " هلا ،لولا ،لوما " مأخوذ من "هل ،لو " وهذا وإن كان فيه دقة إلا أنه يقتضي أن تكون هذه الأدوات متأخرة في الوجود عن " هل ،لو " وهذا غير جائز لأن التقديم والتخصيص من المعاني التي يحتاج الإنسان للتعبير عنها جنباً إلي جنب مع تعبيره عن التمني والاستفهام ومن ثم فما ذهب إليه أمر مستبعد .