رابط محرك بحث قوقل الفصيح في القائمة تطبيقات إضافية

التبرع للفصيح
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
اعرض النتائج 1 من 20 إلى 30

الموضوع: المناهج الحديثة
1434/11/30 هـ

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 38773

    الكنية أو اللقب : لا يوجد

    الجنس : أنثى

    البلد : في كل أرض يتردد فيه صوت الحق

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : أدب ونقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل13/4/2011

    آخر نشاط:11-02-2014
    الساعة:03:43 PM

    المشاركات:27
    تاريخ التسجيل
    13/4/2011
    البلد
    في كل أرض يتردد فيه صوت الحق
    المشاركات
    27
    1434/10/30 هـ

    المناهج الحديثة

    السلام عليكم ورحمة الله
    عندي سؤال حول بعض المناهج الحديثة, فكما هو معلوم أن مايميزها هو ارتباطها بالنص رغبةً بالموضوعية والبعد عن الانطباعية,. وسؤالي ماالفرق بين الأسلوبية ,والبنيوية ,والشعرية ؟ وشكرا لكم.

  2. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (همسات الليل) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  3. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 38773

    الكنية أو اللقب : لا يوجد

    الجنس : أنثى

    البلد : في كل أرض يتردد فيه صوت الحق

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : أدب ونقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل13/4/2011

    آخر نشاط:11-02-2014
    الساعة:03:43 PM

    المشاركات:27
    تاريخ التسجيل
    13/4/2011
    البلد
    في كل أرض يتردد فيه صوت الحق
    المشاركات
    27
    1434/11/3 هـ
    أرجو أن يجد سؤالي جواب عندكم.وجزيتم خير

  4. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (همسات الليل) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  5. #3
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 38773

    الكنية أو اللقب : لا يوجد

    الجنس : أنثى

    البلد : في كل أرض يتردد فيه صوت الحق

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : أدب ونقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل13/4/2011

    آخر نشاط:11-02-2014
    الساعة:03:43 PM

    المشاركات:27
    تاريخ التسجيل
    13/4/2011
    البلد
    في كل أرض يتردد فيه صوت الحق
    المشاركات
    27
    1434/11/11 هـ
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبها همسات الليل اعرض المشاركة
    أرجو أن يجد سؤالي جواب عندكم.وجزيتم خير
    لازلت في انتظار الجواب

  6. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (همسات الليل) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  7. #4
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 38773

    الكنية أو اللقب : لا يوجد

    الجنس : أنثى

    البلد : في كل أرض يتردد فيه صوت الحق

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : أدب ونقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل13/4/2011

    آخر نشاط:11-02-2014
    الساعة:03:43 PM

    المشاركات:27
    تاريخ التسجيل
    13/4/2011
    البلد
    في كل أرض يتردد فيه صوت الحق
    المشاركات
    27
    1434/11/14 هـ
    ؟؟؟؟؟؟

  8. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (همسات الليل) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  9. #5
    فريق إعراب القرآن الكريم

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 24759

    الكنية أو اللقب : بنت الإسلام

    الجنس : أنثى

    البلد : دار الممر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 20

    التقويم : 551

    الوسام: ⁂ ۩ ۞
    تاريخ التسجيل11/6/2009

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:02:59 PM

    المشاركات:16,696

    السيرة والإنجازات

    تاريخ التسجيل
    11/6/2009
    البلد
    دار الممر
    المشاركات
    16,696
    1434/11/14 هـ
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبها همسات الليل اعرض المشاركة
    ؟؟؟؟؟؟
    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

    أختي الحبيبة : همسات الليل

    أولا : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
    ثانيا : أهلا وسهلا بكِ ، حيَّاكِ الله وبيَّاكِ .

    محاولة للتعقيب !

    * أختي / كنتُ سألتُ لكِ دكتورا مختصا ولكن لم أتلقَ أي إجابة ؟
    * لا أعرف لعل السؤال به شيئا ما ... أو إن السؤال يحتاج إلى دقة كبيرة في الإجابة عليه ؟
    * وفي الحقيقة / لو أعرف أن الأمر سيكون واضحا لحشوتُ لكِ النافذة عما قيل عنها منفردة ولكن يبدو أن هناك تداخلا مثلا فيما بينهم ونحن معك ننتظر أهل التخصص؟
    * وجهة نظر فقط : أختي : ألا ترين أن أصحاب هذه المناهج أنفسهم غير فاهمين هذه المناهج التي وضعوها ؟ فكيف بنا نحنُ ؟!
    قد يكون قولي مردود عليّ ....مجرد تبرير !

    ــــــــــــــــــــــــــــــ

    هذه فائدة هامشية بشكل عام بالضغط هنا وليست إجابة .

    وانتظري لعل أهل الفصيح الأكارم من أهل التخصص يفيدنك .

  10. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (زهرة متفائلة) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  11. #6
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 43553

    الكنية أو اللقب : ابو محمد

    الجنس : ذكر

    البلد : لبنان-بيروت

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : رياضيات وحقوق

    معلومات أخرى

    التقويم : 38

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل29/3/2013

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:12:37 PM

    المشاركات:995
    تاريخ التسجيل
    29/3/2013
    البلد
    لبنان-بيروت
    المشاركات
    995
    1434/11/15 هـ
    النقد العربــــي ومناهجـــــه

    ٧ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٧بقلم جميل حمداوي

    1- مفهـــوم النقــــــد:

    النقد عملية وصفية تبدأ بعد عملية الإبداع مباشرة، وتستهدف قراءة الأثر الأدبي ومقاربته قصد تبيان مواطن الجودة والرداءة. ويسمى الذي يمارس وظيفة مدارسة الإبداع ومحاكمته الناقد ؛لأنه يكشف ماهو صحيح وأصيل في النص الأدبي ويميزه عما هو زائف ومصطنع. لكن في مرحلة مابعد البنيوية ومع التصور السيميوطيقي وجمالية التقبل، استبعد مصطلح الناقد وصار مجرد قارئ يقارب الحقيقة النصية ويعيد إنتاج النص وبناءه من جديد. وتسمى مهمة الناقد بالنقد وغالبا ما يرتبط هذا الأخير بالوصف والتفسير والتأويل والكشف والتحليل والتقويم. أما النص الذي يتم تقويمه من قبل الناقد يسمى بالنص المنقود.

    هذا، ويخضع النقد لمجموعة من الخطوات والإجراءات الضرورية التي تتجسد في قراءة النص وملاحظته وتحليله مضمونا وشكلا ثم تقويمه إيجابا وسلبا. وفي الأخير، ترد عملية التوجيه وهي عملية أساسية في العملية النقدية لأنها تسعى إلى تأطير المبدع وتدريبه وتكوينه وتوجيهه الوجهة الصحيحة والسليمة من أجل الوصول إلى المبتغى المنشود.

    وإذا كانت بعض المناهج النقدية تكتفي بعملية الوصف الظاهري الداخلي للنص كما هو شأن المنهج البنيوي اللساني والمنهج السيميوطيقي، فإن هناك مناهج تتعدى الوصف إلى التفسير والتأويل كما هو شان المنهج النفسي والبنيوية التكوينية والمنهج التأويلي (الهرمونيتيقي Herméneutique).

    وللنقد أهمية كبيرة لأنه يوجه دفة الإبداع ويساعده على النمو والازدهار والتقدم، ويضيء السبيل للمبدعين المبتدئين والكتاب الكبار. كما أن النقد يقوم بوظيفة التقويم والتقييم ويميز مواطن الجمال ومواطن القبح، ويفرز الجودة من الرداءة، والطبع من التكلف والتصنيع والتصنع. ويعرف النقد أيضا الكتاب والمبدعين بآخر نظريات الإبداع والنقد ومدارسه وتصوراته الفلسفية والفنية والجمالية، ويجلي لهم طرائق التجديد ويبعدهم عن التقليد.
    2- مـــفهــــوم المنهــــج النقدي:

    إذا تصفحنا المعاجم والقواميس اللغوية للبحث عن مدلول المنهج فإننا نجد شبكة من الدلالات اللغوية التي تحيل على الخطة والطريقة والهدف والسير الواضح والصراط المستقيم. ويعني هذا أن المنهج عبارة عن خطة واضحة المدخلات والمخرجات، وهو أيضا عبارة عن خطة واضحة الخطوات والمراقي تنطلق من البداية نحو النهاية. ويعني هذا أن المنهج ينطلق من مجموعة من الفرضيات والأهداف والغايات ويمر عبر سيرورة من الخطوات العملية والإجرائية قصد الوصول إلى نتائج ملموسة ومحددة بدقة مضبوطة.

    ويقصد بالمنهج النقدي في مجال الأدب تلك الطريقة التي يتبعها الناقد في قراءة العمل الإبداعي والفني قصد استكناه دلالاته وبنياته الجمالية والشكلية. ويعتمد المنهج النقدي على التصور النظري والتحليل النصي التطبيقي. ويعني هذا أن الناقد يحدد مجموعة من النظريات النقدية والأدبية ومنطلقاتها الفلسفية والإبستمولوجية ويختزلها في فرضيات ومعطيات أو مسلمات، ثم ينتقل بعد ذلك إلى التأكد من تلك التصورات النظرية عن طريق التحليل النصي والتطبيق الإجرائي ليستخلص مجموعة من النتائج والخلاصات التركيبية. والأمر الطبيعي في مجال النقد أن يكون النص الأدبي هو الذي يستدعي المنهج النقدي، والأمر الشاذ وغير المقبول حينما يفرض المنهج النقدي قسرا على النص الأدبي على غرار دلالات قصة سرير بروكوست التي تبين لنا أن الناقد يقيس النص على مقاس المنهج. إذ نجد كثيرا من النقاد يتسلحون بمناهج أكثر حداثة وعمقا للتعامل مع نص سطحي مباشر لايحتاج إلى سبر وتحليل دقيق، وهناك من يتسلح بمناهج تقليدية وقاصرة للتعامل مع نصوص أكثر تعقيدا وغموضا. ومن هنا نحدد أربعة أنماط من القراءة وأربعة أنواع من النصوص الأدبية على الشكل التالي:

    • قراءة مفتوحة ونص مفتوح؛

    • قراءة مفتوحة ونص مغلق؛

    • قراءة مغلقة ونص مفتوح؛

    • قراءة مغلقة ونص مغلق.

    وتتعدد المناهج بتعدد جوانب النص (المؤلف والنص والقارئ والمرجع والأسلوب والبيان والعتبات والذوق....)، ولكن يبقى المنهج الأفضل هو المنهج التكاملي الذي يحيط بكل مكونات النص الأدبي.
    3- النقد االعربــــــي القديــــــم :

    ظهر النقد الأدبي عند العرب منذ العصر الجاهلي في شكل أحكام انطباعية وذوقية وموازنات ذات أحكام تأثرية مبنية على الاستنتاجات الذاتية كما نجد ذلك عند النابغة الذبياني في تقويمه لشعر الخنساء وحسان بن ثابت. وقد قامت الأسواق العربية وخاصة سوق المربد بدور هام في تنشيط الحركة الإبداعية والنقدية. كما كان الشعراء المبدعون نقادا يمارسون التقويم الذاتي من خلال مراجعة نصوصهم الشعرية وتنقيحها واستشارة المثقفين وأهل الدراية بالشعر كما نجد ذلك عند زهير بن أبي سلمي الذي كتب مجموعة من القصائد الشعرية التي سماها "الحوليات" والتي تدل على عملية النقد والمدارسة والمراجعة الطويلة والعميقة والمتأنية. وتدل كثير من المصطلحات النقدية التي وردت في شعر شعراء الجاهلية على نشاط الحركة النقدية وازدهارها كما يبين ذلك الباحث المغربي الشاهد البوشيخي في كتابه "مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين".

    وإبان فترة الإسلام سيرتبط النقد بالمقياس الأخلاقي والديني كما نلتمس ذلك في أقوال وآراء الرسول (صلعم) والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.

    وسيتطور النقد في القرن الأول الهجري وفترة الدولة العباسية مع ابن قتيبة والجمحي والأصمعي والمفضل الضبي من خلال مختاراتهما الشعرية وقدامة بن جعفر وابن طباطبا صاحب عيار الشعر والحاتمي في حليته وابن وكيع التنيسي وابن جني والمرزوقي شارح عمود الشعر العربي والصولي صاحب الوساطة بين المتنبي وخصومه...

    هذا، ويعد كتاب "نقد الشعر" أول كتاب ينظر للشعرية العربية على غرار كتاب فن الشعر لأرسطو لوجود التقعيد الفلسفي والتنظير المنطقي لمفهوم الشعر وتفريعاته التجريدية. بينما يعد أبو بكرالباقلاني أول من حلل قصيدة شعرية متكاملة في كتابه "إعجاز القرآن"، بعدما كان التركيز النقدي على البيت المفرد أو مجموعة من الأبيات الشعرية المتقطعة. وفي هذه الفترة عرف النقاد المنهج الطبقي والمنهج البيئي والمنهج الأخلاقي والمنهج الفني مع ابن سلام الجمحي صاحب كتاب "طبقات فحول الشعراء في الجاهلية والإسلام"، والأصمعي صاحب "كتاب الفحولة"، وابن قتيبة في كتابة "الشعر والشعراء"، والشعرية الإنشائية خاصة مع قدامة بن جعفر في "نقد الشعر" و"نقد النثر". واعتمد عبد القاهر الجرجاني على نظرية النظم والمنهج البلاغي لدراسة الأدب وصوره الفنية رغبة في تثبيت إعجاز القرآن وخاصة في كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة". ولكن أول دراسة نقدية ممنهجة حسب الدكتور محمد مندور هي دراسة الآمدي في كتابه: "الموازنة بين الطائيين: البحتري وأبي تمام". وقد بلغ النقد أوجه مع حازم القرطاجني الذي اتبع منهجا فلسفيا في التعامل مع ظاهرة التخييل الأدبي والمحاكاة وربط الأوزان الشعرية بأغراضها الدلالية في كتابه الرائع "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" والسجلماسي في كتابه "المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع"، وابن البناء المراكشي العددي في كتابه"الروض المريع في صناعة البديع".

    ومن القضايا النقدية التي أثيرت في النقد العربي القديم قضية اللفظ والمعنى وقضية السرقات الشعرية وقضية أفضلية الشعر والنثر وقضية الإعجاز القرآني وقضية عمود الشعر العربي وقضية المقارنة والموازنة كما عند الآمدي والصولي، وقضية بناء القصيدة عند ابن طباطبا وابن قتيبة، وقضية الفن والدين عند الأصمعي والصولي وغيرهما... وقضية التخييل الشعري والمحاكاة كما عند فلاسفة النقد أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد والقرطاجني وابن البناء المراكشي والسجلماسي... لكن هذا النقد سيتراجع نشاطه مع عصر الانحطاط ليهتم بالتجميع وكتابة التعليقات والحواشي مع ابن رشيق القيرواني في كتابه "العمدة" وابن خلدون في "مقدمته".
    4- النقد العربي الحديث والمعاصر:

    مع عصر النهضة، سيتخذ النقد طابعا بيانيا ولغويا وخاصة مع علماء الأزهر الذين كانوا ينقدون الأدب على ضوء المقاييس اللغوية والبلاغية والعروضية كما نجد ذلك واضحا عند حسين المرصفي في كتابه "الوسيلة الأدبية"، وطه حسين في بداياته النقدية عندما تعرض لمصطفى لطفي المنفلوطي مركزا على زلاته اللغوية وأخطائه البيانية وهناته التعبيرية.

    ومع بداية القرن العشرين، سيظهر المنهج التاريخي أو كما يسميه شكري فيصل في كتابه "مناهج الدراسة الأدبية في الأدب العربي" [1] النظرية المدرسية؛ لأن هذا المنهج كان يدرس في المدارس الثانوية والجامعات في أوربا والعالم العربي. ويهدف هذا المنهج إلى تقسيم الأدب العربي إلى عصور سياسية كالعصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام وعصر بني أمية والعصر العباسي وعصر الانحطاط أو العصر المغولي أو العصر العثماني ثم العصر الحديث والعصر المعاصر. وهذا المنهج يتعامل مع الظاهرة الأدبية من زاوية سياسية، فكلما تقدم العصر سياسيا ازدهر الأدب، وكلما ضعف العصر ضعف الأدب. وهذا المنهج ظهر لأول مرة في أوربا وبالضبط في فرنسا مع أندري دوشيسون André Dechesson الذي ألف كتاب "تاريخ فرنسا الأدبي" سنة 1767م. ويقسم فيه الأدب الفرنسي حسب العصور والظروف السياسية ويقول:" إن النصوص الأدبية الراقية هي عصور الأدب الراقية، وعصور تاريخ السياسة المنحطة هي عصور الأدب المنحطة". [2]

    وقد اتبع كثير من مؤرخي الأدب العربي الحديث منهج المستشرقين في تقسيم الأدب العربي (بروكلمان، وجيب، ونالينو، ونيكلسون، وهوار...)، ومن هؤلاء جورجي زيدان في كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية" الذي انتهى منه سنة 1914م. وفي هذا الكتاب يدعي السبق بقوله:" ولعلنا أول من فعل ذلك، فنحن أول من سمى هذا العلم بهذا الاسم"، وفي موضع آخر يقول إن المستشرقين أول من كتب فيه باللغة العربية، [3] والشيخ أحمد الإسكندري والشيخ مصطفى عثمان بك في كتابهما "الوسيط في الأدب العربي وتاريخه" [4] الذي صدر سنة 1916م. وكان تاريخ الأدب عندهما هو العلم "الباحث عن أحوال اللغة، نثرها ونظمها في عصورها المختلفة من حيث رفعتها وضعتها، وعما كان لنابغيها من الأثر البين فيها.... ومن فوائده:

    1- معرفة أسباب ارتقاء أدب اللغة وانحطاطه، دينية كانت تلك الأسباب أو اجتماعية أو سياسية، فنستمسك بأسباب الارتقاء، ونتحامى أسباب الانحطاط.

    2- معرفة أساليب اللغة، وفنونها، وأفكار أهلها ومواضعاتهم، واختلاف أذواقهم في نثرهم ونظمهم، على اختلاف عصورهم، حتى يتهيأ للمتخرج في هذا العلم أن يميز بين صور الكلام في عصر وصوره في آخر، بل ربما صح أن يلحق القول بقائله عينه.

    3- معرفة أحوال النابهين من أهل اللغة في كل عصر، وما كان لنثرهم وشعرهم، وتأليفهم من أثر محمود، أو حال ممقوتة، لنحتذي مثال المحسن، ونتنكب عن طريق المسيء". [5]

    ومن المؤرخين العرب المحدثين أيضا نذكر محمد حسن نائل المرصفي في كتابه "أدب اللغة العربية"، وعبد الله دراز وكيل مشيخة الجامع الأحمدي في كتابه "تاريخ أدب اللغة العربية"، وأحمد حسن الزيات في كتابه "تاريخ الأدب العربي" الذي اعتبر المنهج السياسي في تدريس تاريخ الأدب العربي نتاجا إيطاليا ظهر في القرن الثامن عشر. ونستحضر في هذا المجال كذلك طه حسين وشوقي ضيف وأحمد أمين في كتبه المتسلسلة "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام" و"ظهر الإسلام"، وحنا الفاخوري في كتابه المدرسي "تاريخ الأدب العربي"، وعمر فروخ في تأريخه للأدب العربي، وعبد الله كنون في كتابه "النبوغ المغربي في الأدب العربي".

    لكن هذا المنهج سيتجاوز من قبل النقاد الذي دعوا إلى المنهج البيئي أو الإقليمي مع أحمد ضيف في كتابه "مقدمة لدراسة بلاغة العرب"، والأستاذ أمين الخولي في كتابه "إلى الأدب المصري"، وشوقي ضيف في كتابه "الأدب العربي المعاصر في مصر"، والدكتور كمال السوافيري في كتابه "الأدب العربي المعاصر في فلسطين"....

    وسيرفض المنهج السياسي المدرسي والمنهج الإقليمي الذي يقسم الأدب العربي إلى بيئات وأقاليم فيقال: أدب عراقي، وأدب فلسطيني، وأدب جزائري، وأدب أندلسي، وأدب تونسي....وسيعوضان بالمنهج القومي مع عبد الله كنون الذي يرى أن الجمع القومي ينفي" جميع الفوارق الاصطناعية بين أبناء العروبة على اختلاف بلدانهم وتباعد أنحائهم، كما ينبغي أن ننفي نحن جميع الفوارق الاعتبارية بين آداب أقطارهم العديدة في الماضي والحاضر. ذلك أن الأدب العربي وحدة لاتتجزأ في جميع بلاده بالمغرب والمشرق، وفي الأندلس وصقلية المفقودتين...

    وهناك قضية شكلية لها علاقة بالموضوع، وهي هذا التقسيم إلى العصور الذي ينبغي أن يعاد فيه النظر كالتقسيم على الأقطار؛ لأنه كذلك تقليد محض لمنهاج البحث في الأدب الأوربي، ولعله تقليد له في العرض دون الجوهر، وإلا فليس بلازم أن يكون لعصر الجاهلية أدب ولعصر صدر الإسلام أدب ولعصر الأمويين أدب، وهكذا حتى تنتهي العصور، وتكون النتيجة تعصب قوم لأدب وآخرين لغيره مما لا يوحى به إلا النزعات الإقليمية وهي إلى مذهب الشعوبية أقرب منها إلى القومية العربية." [6]

    ويبدو أن المنهج الذي يتبناه عبد الله كنون هو منهج ذو مظاهر دينية قائمة على الوحدة العربية الإسلامية بأسسها المشتركة كوحدة الدين ووحدة اللغة ووحدة التاريخ ووحدة العادات والتقاليد ووحدة المصير المشترك. لكن عبد الله كنون سيؤلف كتابا بعنوان" أحاديث عن الأدب المغربي الحديث"، وبذلك يقع في تناقض كبير حيث سيطبق المنهج الإقليمي البيئي الذي اعتبره سابقا نتاجا للشعوبية والعرقية.

    وإلى جانب هذه المناهج، نذكر المنهج الفني الذي يقسم الأدب العربي حسب الأغراض الفنية أو الفنون والأنواع الأجناسية كما فعل مصطفى صادق الرافعي في كتابه "تاريخ الأدب العربي"، وطه حسين في "الأدب الجاهلي" حينما تحدث عن المدرسة الأوسية في الشعر الجاهلي التي امتدت حتى العصر الإسلامي والأموي، وشوقي ضيف في كتابيه "الفن ومذاهبه في الشعر العربي" و"الفن ومذاهبه في النثر العربي" حيث قسم الأدب العربي إلى ثلاث مدارس فنية: مدرسة الصنعة ومدرسة التصنيع ومدرسة التصنع، ومحمد مندور في كتابه "الأدب وفنونه"، وعز الدين إسماعيل في "فنون الأدب"، وعبد المنعم تليمة في "مقدمة في نظرية الأدب"، ورشيد يحياوي في "مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية". فهؤلاء الدارسون عددوا الأجناس الأدبية وقسموها إلى فنون وأنواع وأغراض وأنماط تشكل نظرية الأدب.

    أما المنهج التأثري فهو منهج يعتمد على الذوق والجمال والمفاضلة الذاتية والأحكام الانطباعية المبنية على المدارسة والخبرة، ومن أهم رواد هذا المنهج طه حسين في كتابه "أحاديث الأربعاء" في الجزء الثالث، وعباس محمود العقاد في كتابه "الديوان في الأدب والنقد" ومقالاته النقدية، والمازني في كتابه "حصاد الهشيم"،و ميخائيل نعيمة في كتابه "الغربال". بينما المنهج الجمالي الذي يبحث عن مقومات الجمال في النص الأدبي من خلال تشغيل عدة مفاهيم إستيتيقية كالمتعة والروعة والتناسب والتوازي والتوازن والازدواج والتماثل والائتلاف والاختلاف والبديع فيمثله الدكتور ميشال عاصي في كتابه "مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ" والذي صدر سنة 1974م عن دار العلم للملايين ببيروت اللبنانية.

    ومع تأسيس الجامعة الأهلية المصرية سنة 1908م، واستدعاء المستشرقين للتدريس بها، ستطبق مناهج نقدية جديدة على الإبداع الأدبي قديمه وحديثه كالمنهج الاجتماعي الذي يرى أن الأدب مرآة تعكس المجتمع بكل مظاهره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد تبلور هذا المنهج مع طه حسين في كتابه "ذكرى أبي العلاء المعري" و"حديث الأربعاء" الجزء الأول والثاني، وقد تأثر كثيرا بأستاذه كارلو نالينو وبأساتذة علم الاجتماع كدوركايم وليڤي برول وابن خلدون صاحب نظرية العمران الاجتماعي والفلسفة الاجتماعية. وقد سار على منواله عباس محمود العقاد في كتابه "شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي"، ففيه يعمد الناقد إلى دراسة شعراء مصر انطلاقا من العرق والزمان والمكان من خلال مفهوم الحتمية التي تربط الأدب جدليا ببيئته.

    ومع ظهور النظريات الإيديولوجية الحديثة كالنظرية الاشتراكية والشيوعية، سيظهر المنهج الإيديولوجي الاشتراكي والمنهج المادي الجدلي في الساحة النقدية العربية مع مجموعة من النقاد كمحمد مندور وحسين مروة وسلامة موسى وعز الدين إسماعيل ومحمد برادة وإدريس الناقوري وعبد القادر الشاوي......

    ومع بداية الستينيات، ستفرز ظاهرة المثاقفة والترجمة والاطلاع على المناهج الغربية مجموعة من المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة كالبنيوية اللسانية مع حسين الواد وعبد السلام المسدي وصلاح فضل وموريس أبو ناضر وكمال أبو ديب وجميل المرزوقي وجميل شاكر وسعيد يقطين، كما ستتبلور أيضا البنيوية التكوينية التي تجمع بين الفهم والتفسير لتعقد تماثلا بين البنية الجمالية المستقلة والبنية المرجعية كما نظر لها لوسيان گولدمان وسيتبناها كل من محمد بنيس وجمال شحيذ ومحمد برادة وطاهر لبيب وحميد لحمداني وسعيد علوش وإدريس بلمليح وعبد الرحمن بوعلي وبنعيسى بوحمالة...

    وإلى جانب المنهج البنيوي اللساني والتكويني، نذكر المنهج الموضوعاتي أو الموضوعية البنيوية التي تدرس الأدب العربي على مستوى التيمات والموضوعات ولكن بطريقة بنيوية حديثة مع سعيد علوش في كتابه "النقد الموضوعاتي"، وحميد لحمداني في كتابه "سحر الموضوع"، وعبد الكريم حسن في كتابه "الموضوعية البنيوية دراسة في شعر السياب"، وعلي شلق في كتابه "القبلة في الشعر العربي القديم والحديث".

    أما المنهج السميوطيقي فسيتشكل مع محمد مفتاح ومحمد السرغيني وسامي سويدان وعبد الفتاح كليطو وعبد المجيد نوسي وسعيد بنكراد... من خلال التركيز على شكل المضمون تفكيكا وتركيبا ودراسة النص الأدبي وجميع الخطابات اللصيقة به كعلامات وإشارات وأيقونات تستوجب تفكيكها بنيويا وتناصيا وسيميائيا.

    وبعد أن اهتم المنهج الاجتماعي بالمرجع الخارجي وذلك بربط الأدب بالمجتمع مباشرة مع المادية الجدلية أو بطريقة غير مباشرة مع البنيوية التكوينية، واهتم المنهج النفسي بربط الأدب بذات المبدع الشعورية واللاشعورية مع عزالدين إسماعيل والعقاد ومحمد النويهي وجورج طرابيشي ويوسف اليوسف، كما اختص الأدب الأسطوري بدراسة الأساطير في النص الأدبي كنماذج عليا منمطة تحيل على الذاكرة البشرية كما عند مصطفى ناصف في كتابه "قراءة ثانية لشعرنا القديم"، ومحمد نجيب البهبيتي في كتابه "المعلقة العربية الأولى"، وأحمد كمال زكي في "التفسير الأسطوري للشعر القديم"، وإبراهيم عبد الرحمن في "التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي"، وعبد الفتاح محمد أحمد في "المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي"، فإن جمالية التلقي ونظرية الاستقبال مع إيزرIzer ويوس Yauss الألمانيين ستدعو الجميع للاهتمام بالقارئ والقراءة بكل مستوياتهما؛ لأن القراءة تركيب للنص من جديد عن طريق التأويل والتفكيك، مما سينتج عن نظرية القارئ ظهور مناهج جديدة أخرى كالمنهج التفكيكي والمنهج التأويلي.

    ومن النقاد العرب الذين اهتموا بمنهج القراءة نجد حسين الواد في كتابه "في مناهج الدراسات الأدبية"، ورشيد بنحدو في الكثير من مقالاته التي خصصها لأنماط القراءة (القراءة البلاغية، والقراءة الجمالية، والقراءة السوسيولوجية، والقراءة السيميائية....)، وحميد لحمداني في كتابه "القراءة وتوليد الدلالة، تغيير عاداتنا في القراءة"، ومحمد مفتاح في كتابه "النص: من القراءة إلى التنظير". أما التفكيكية فمن أهم روادها الناقد السعودي عبد الله محمد الغذامي في كتابه "الخطيئة والتكفير" وكتاب "تشريح النص"، وكتاب "الكتابة ضد الكتابة"، والناقد المغربي محمد مفتاح في "مجهول البيان" وعبد الفتح كليطو في كثير من دراساته حول السرد العربي وخاصة "الحكاية والتأويل" و"الغائب". ومن أهم رواد النقد التأويلي الهرمونيتيقي نستحضر الدكتور مصطفى ناصف في كتابه "نظرية التأويل"، وسعيد علوش في كتابه "هرمنوتيك النثر الأدبي".

    ولا ننسى كذلك المنهج الأسلوبي الذي يحاول دراسة الأدب العربي من خلال وجهة بلاغية جديدة وأسلوبية حداثية تستلهم نظريات الشعرية الغربية لدى تودوروف، وجون كوهن، وريفاتير، ولوتمان، وبييرغيرو، وليو سبيتزر،وماروزو... ومن أهم ممثليه في الأدب العربي الدكتور عبد السلام المسدي في كتابه "الأسلوب والأسلوبية"، ومحمد الهادي الطرابلسي "في منهجية الدراسة الأسلوبية"، وحمادي صمود في "المناهج اللغوية في دراسة الظاهرة الأدبية"، وأحمد درويش في "الأسلوب والأسلوبية"، وصلاح فضل في "علم الأسلوب وصلته بعلم اللغة"، وعبد الله صولة في "الأسلوبية الذاتية أو النشوئية"، ودكتور حميد لحمداني في كتابه القيم "أسلوبية الرواية"، والهادي الجطلاوي في كتابه "مدخل إلى الأسلوبية". وثمة مناهج ومقاربات ظهرت مؤخرا في الساحة العربية الحديثة كلسانيات النص مع محمد خطابي في كتابه "لسانيات النص" والأزهر الزناد في "نسيج النص"، والمقاربة المناصية التي من روادها شعيب حليفي وجميل حمداوي وعبد الفتاح الحجمري وعبد الرزاق بلال ومحمد بنيس وسعيد يقطين... وتهتم هذه المقاربة بدراسة عتبات النص الموازي كالعنوان والمقدمة والإهداء والغلاف والرسوم والأيقون والمقتبسات والهوامش، أي كل ما يحيط بالنص الأدبي من عتبات فوقية وعمودية، وملحقات داخلية وخارجية.
    خلاصـــة تركيبيــــة:

    هذه هي أهم التطورات المرحلية التي عرفها النقد العربي قديما وحديثا، وهذه كذلك أهم المناهج النقدية التي استند إليها النقاد في تحليل النصوص الإبداعية وتقويمها ومدارستها نظريا وتطبيقيا. ويلاحظ كذلك أن هذه المناهج النقدية العربية ولاسيما الحديثة والمعاصرة كانت نتاج المثاقفة والاحتكاك مع الغرب والاطلاع على فكر الآخر عن طريق التلمذة والترجمة. وقد ساهم هذا الحوار الثقافي على مستوى الممارسة النقدية في ظهور إشكالية الأصالة والمعاصرة أو ثنائية التجريب والتأصيل في النقد العربي.

    وعليه، فقد ظهر اتجاه يدافع عن الحداثة النقدية وذلك بالدعوة إلى ضرورة الاستفادة من كل ماهو مستجد في الساحة النقدية الغربية كما نجد ذلك عند محمد مفتاح ومحمد بنيس وحميد لحمداني وحسين الواد وصلاح فضل...، واتجاه يدعو إلى تأصيل النقد العربي وعدم التسرع في الحكم سلبا على تراثنا العربي القديم ومن هؤلاء الدكتور عبد العزيز حمودة في كتبه القيمة والشيقة مثل: "المرايا المقعرة"، و"المرايا المحدبة"، و"الخروج من التيه". لكن هناك من كان موقفه وسطا يدافع عن التراث ويوفق بين أدواته وآليات النقد الغربي كمصطفى ناصف في كثير من كتبه ودراساته التي يعتمد فيها على أدوات البلاغة العربية القديمة، وعبد الفتاح كليطو في "الأدب والغرابة" و"الحكاية والتأويل"، وكتابه "الغائب"، وعبد الله محمد الغذامي في كتابيه "القصيدة والنص المضاد" و"المشاكلة والاختلاف".

  12. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (عباس بيضون) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  13. #7
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 43553

    الكنية أو اللقب : ابو محمد

    الجنس : ذكر

    البلد : لبنان-بيروت

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : رياضيات وحقوق

    معلومات أخرى

    التقويم : 38

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل29/3/2013

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:12:37 PM

    المشاركات:995
    تاريخ التسجيل
    29/3/2013
    البلد
    لبنان-بيروت
    المشاركات
    995
    1434/11/15 هـ
    http://almothaqaf.com/index.php/araaa/8542.html
    في هذا بحث مشابه .

  14. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (عباس بيضون) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  15. #8
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 40795

    الجنس : ذكر

    البلد : في قلوب احبتي

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ادب

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل27/7/2012

    آخر نشاط:08-06-2014
    الساعة:12:26 AM

    المشاركات:6
    تاريخ التسجيل
    27/7/2012
    البلد
    في قلوب احبتي
    المشاركات
    6
    1434/11/15 هـ
    نرجو ان تكون وجدت اجابتك


    حظا موفقا

  16. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (حسين احمد النجار) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  17. #9
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 38773

    الكنية أو اللقب : لا يوجد

    الجنس : أنثى

    البلد : في كل أرض يتردد فيه صوت الحق

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : أدب ونقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل13/4/2011

    آخر نشاط:11-02-2014
    الساعة:03:43 PM

    المشاركات:27
    تاريخ التسجيل
    13/4/2011
    البلد
    في كل أرض يتردد فيه صوت الحق
    المشاركات
    27
    1434/11/17 هـ
    تحياتي لك أخت زهرة. في الحقيقة أنا أجد صعوبة في فهمها ومحاولة التفريق بين مهامها اتجاه النص ولذلك وضعت سؤالي ليتكرم الأساتذة بالجواب. وقد يزيد من صعوبة الأمر تعدد المصطلحات النقدية عند ترجمتها بما أنها مناهج مستوردة. شكرا لك مرة أخرى على إضافتك أختي

  18. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (همسات الليل) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  19. #10
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 38773

    الكنية أو اللقب : لا يوجد

    الجنس : أنثى

    البلد : في كل أرض يتردد فيه صوت الحق

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : أدب ونقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل13/4/2011

    آخر نشاط:11-02-2014
    الساعة:03:43 PM

    المشاركات:27
    تاريخ التسجيل
    13/4/2011
    البلد
    في كل أرض يتردد فيه صوت الحق
    المشاركات
    27
    1434/11/17 هـ
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبها عباس بيضون اعرض المشاركة
    النقد العربــــي ومناهجـــــه

    ٧ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٧بقلم جميل حمداوي

    1- مفهـــوم النقــــــد:

    النقد عملية وصفية تبدأ بعد عملية الإبداع مباشرة، وتستهدف قراءة الأثر الأدبي ومقاربته قصد تبيان مواطن الجودة والرداءة. ويسمى الذي يمارس وظيفة مدارسة الإبداع ومحاكمته الناقد ؛لأنه يكشف ماهو صحيح وأصيل في النص الأدبي ويميزه عما هو زائف ومصطنع. لكن في مرحلة مابعد البنيوية ومع التصور السيميوطيقي وجمالية التقبل، استبعد مصطلح الناقد وصار مجرد قارئ يقارب الحقيقة النصية ويعيد إنتاج النص وبناءه من جديد. وتسمى مهمة الناقد بالنقد وغالبا ما يرتبط هذا الأخير بالوصف والتفسير والتأويل والكشف والتحليل والتقويم. أما النص الذي يتم تقويمه من قبل الناقد يسمى بالنص المنقود.

    هذا، ويخضع النقد لمجموعة من الخطوات والإجراءات الضرورية التي تتجسد في قراءة النص وملاحظته وتحليله مضمونا وشكلا ثم تقويمه إيجابا وسلبا. وفي الأخير، ترد عملية التوجيه وهي عملية أساسية في العملية النقدية لأنها تسعى إلى تأطير المبدع وتدريبه وتكوينه وتوجيهه الوجهة الصحيحة والسليمة من أجل الوصول إلى المبتغى المنشود.

    وإذا كانت بعض المناهج النقدية تكتفي بعملية الوصف الظاهري الداخلي للنص كما هو شأن المنهج البنيوي اللساني والمنهج السيميوطيقي، فإن هناك مناهج تتعدى الوصف إلى التفسير والتأويل كما هو شان المنهج النفسي والبنيوية التكوينية والمنهج التأويلي (الهرمونيتيقي Herméneutique).

    وللنقد أهمية كبيرة لأنه يوجه دفة الإبداع ويساعده على النمو والازدهار والتقدم، ويضيء السبيل للمبدعين المبتدئين والكتاب الكبار. كما أن النقد يقوم بوظيفة التقويم والتقييم ويميز مواطن الجمال ومواطن القبح، ويفرز الجودة من الرداءة، والطبع من التكلف والتصنيع والتصنع. ويعرف النقد أيضا الكتاب والمبدعين بآخر نظريات الإبداع والنقد ومدارسه وتصوراته الفلسفية والفنية والجمالية، ويجلي لهم طرائق التجديد ويبعدهم عن التقليد.
    2- مـــفهــــوم المنهــــج النقدي:

    إذا تصفحنا المعاجم والقواميس اللغوية للبحث عن مدلول المنهج فإننا نجد شبكة من الدلالات اللغوية التي تحيل على الخطة والطريقة والهدف والسير الواضح والصراط المستقيم. ويعني هذا أن المنهج عبارة عن خطة واضحة المدخلات والمخرجات، وهو أيضا عبارة عن خطة واضحة الخطوات والمراقي تنطلق من البداية نحو النهاية. ويعني هذا أن المنهج ينطلق من مجموعة من الفرضيات والأهداف والغايات ويمر عبر سيرورة من الخطوات العملية والإجرائية قصد الوصول إلى نتائج ملموسة ومحددة بدقة مضبوطة.

    ويقصد بالمنهج النقدي في مجال الأدب تلك الطريقة التي يتبعها الناقد في قراءة العمل الإبداعي والفني قصد استكناه دلالاته وبنياته الجمالية والشكلية. ويعتمد المنهج النقدي على التصور النظري والتحليل النصي التطبيقي. ويعني هذا أن الناقد يحدد مجموعة من النظريات النقدية والأدبية ومنطلقاتها الفلسفية والإبستمولوجية ويختزلها في فرضيات ومعطيات أو مسلمات، ثم ينتقل بعد ذلك إلى التأكد من تلك التصورات النظرية عن طريق التحليل النصي والتطبيق الإجرائي ليستخلص مجموعة من النتائج والخلاصات التركيبية. والأمر الطبيعي في مجال النقد أن يكون النص الأدبي هو الذي يستدعي المنهج النقدي، والأمر الشاذ وغير المقبول حينما يفرض المنهج النقدي قسرا على النص الأدبي على غرار دلالات قصة سرير بروكوست التي تبين لنا أن الناقد يقيس النص على مقاس المنهج. إذ نجد كثيرا من النقاد يتسلحون بمناهج أكثر حداثة وعمقا للتعامل مع نص سطحي مباشر لايحتاج إلى سبر وتحليل دقيق، وهناك من يتسلح بمناهج تقليدية وقاصرة للتعامل مع نصوص أكثر تعقيدا وغموضا. ومن هنا نحدد أربعة أنماط من القراءة وأربعة أنواع من النصوص الأدبية على الشكل التالي:

    • قراءة مفتوحة ونص مفتوح؛

    • قراءة مفتوحة ونص مغلق؛

    • قراءة مغلقة ونص مفتوح؛

    • قراءة مغلقة ونص مغلق.

    وتتعدد المناهج بتعدد جوانب النص (المؤلف والنص والقارئ والمرجع والأسلوب والبيان والعتبات والذوق....)، ولكن يبقى المنهج الأفضل هو المنهج التكاملي الذي يحيط بكل مكونات النص الأدبي.
    3- النقد االعربــــــي القديــــــم :

    ظهر النقد الأدبي عند العرب منذ العصر الجاهلي في شكل أحكام انطباعية وذوقية وموازنات ذات أحكام تأثرية مبنية على الاستنتاجات الذاتية كما نجد ذلك عند النابغة الذبياني في تقويمه لشعر الخنساء وحسان بن ثابت. وقد قامت الأسواق العربية وخاصة سوق المربد بدور هام في تنشيط الحركة الإبداعية والنقدية. كما كان الشعراء المبدعون نقادا يمارسون التقويم الذاتي من خلال مراجعة نصوصهم الشعرية وتنقيحها واستشارة المثقفين وأهل الدراية بالشعر كما نجد ذلك عند زهير بن أبي سلمي الذي كتب مجموعة من القصائد الشعرية التي سماها "الحوليات" والتي تدل على عملية النقد والمدارسة والمراجعة الطويلة والعميقة والمتأنية. وتدل كثير من المصطلحات النقدية التي وردت في شعر شعراء الجاهلية على نشاط الحركة النقدية وازدهارها كما يبين ذلك الباحث المغربي الشاهد البوشيخي في كتابه "مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين".

    وإبان فترة الإسلام سيرتبط النقد بالمقياس الأخلاقي والديني كما نلتمس ذلك في أقوال وآراء الرسول (صلعم) والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.


    وسيتطور النقد في القرن الأول الهجري وفترة الدولة العباسية مع ابن قتيبة والجمحي والأصمعي والمفضل الضبي من خلال مختاراتهما الشعرية وقدامة بن جعفر وابن طباطبا صاحب عيار الشعر والحاتمي في حليته وابن وكيع التنيسي وابن جني والمرزوقي شارح عمود الشعر العربي والصولي صاحب الوساطة بين المتنبي وخصومه...

    هذا، ويعد كتاب "نقد الشعر" أول كتاب ينظر للشعرية العربية على غرار كتاب فن الشعر لأرسطو لوجود التقعيد الفلسفي والتنظير المنطقي لمفهوم الشعر وتفريعاته التجريدية. بينما يعد أبو بكرالباقلاني أول من حلل قصيدة شعرية متكاملة في كتابه "إعجاز القرآن"، بعدما كان التركيز النقدي على البيت المفرد أو مجموعة من الأبيات الشعرية المتقطعة. وفي هذه الفترة عرف النقاد المنهج الطبقي والمنهج البيئي والمنهج الأخلاقي والمنهج الفني مع ابن سلام الجمحي صاحب كتاب "طبقات فحول الشعراء في الجاهلية والإسلام"، والأصمعي صاحب "كتاب الفحولة"، وابن قتيبة في كتابة "الشعر والشعراء"، والشعرية الإنشائية خاصة مع قدامة بن جعفر في "نقد الشعر" و"نقد النثر". واعتمد عبد القاهر الجرجاني على نظرية النظم والمنهج البلاغي لدراسة الأدب وصوره الفنية رغبة في تثبيت إعجاز القرآن وخاصة في كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة". ولكن أول دراسة نقدية ممنهجة حسب الدكتور محمد مندور هي دراسة الآمدي في كتابه: "الموازنة بين الطائيين: البحتري وأبي تمام". وقد بلغ النقد أوجه مع حازم القرطاجني الذي اتبع منهجا فلسفيا في التعامل مع ظاهرة التخييل الأدبي والمحاكاة وربط الأوزان الشعرية بأغراضها الدلالية في كتابه الرائع "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" والسجلماسي في كتابه "المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع"، وابن البناء المراكشي العددي في كتابه"الروض المريع في صناعة البديع".

    ومن القضايا النقدية التي أثيرت في النقد العربي القديم قضية اللفظ والمعنى وقضية السرقات الشعرية وقضية أفضلية الشعر والنثر وقضية الإعجاز القرآني وقضية عمود الشعر العربي وقضية المقارنة والموازنة كما عند الآمدي والصولي، وقضية بناء القصيدة عند ابن طباطبا وابن قتيبة، وقضية الفن والدين عند الأصمعي والصولي وغيرهما... وقضية التخييل الشعري والمحاكاة كما عند فلاسفة النقد أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد والقرطاجني وابن البناء المراكشي والسجلماسي... لكن هذا النقد سيتراجع نشاطه مع عصر الانحطاط ليهتم بالتجميع وكتابة التعليقات والحواشي مع ابن رشيق القيرواني في كتابه "العمدة" وابن خلدون في "مقدمته".
    4- النقد العربي الحديث والمعاصر:

    مع عصر النهضة، سيتخذ النقد طابعا بيانيا ولغويا وخاصة مع علماء الأزهر الذين كانوا ينقدون الأدب على ضوء المقاييس اللغوية والبلاغية والعروضية كما نجد ذلك واضحا عند حسين المرصفي في كتابه "الوسيلة الأدبية"، وطه حسين في بداياته النقدية عندما تعرض لمصطفى لطفي المنفلوطي مركزا على زلاته اللغوية وأخطائه البيانية وهناته التعبيرية.

    ومع بداية القرن العشرين، سيظهر المنهج التاريخي أو كما يسميه شكري فيصل في كتابه "مناهج الدراسة الأدبية في الأدب العربي" [1] النظرية المدرسية؛ لأن هذا المنهج كان يدرس في المدارس الثانوية والجامعات في أوربا والعالم العربي. ويهدف هذا المنهج إلى تقسيم الأدب العربي إلى عصور سياسية كالعصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام وعصر بني أمية والعصر العباسي وعصر الانحطاط أو العصر المغولي أو العصر العثماني ثم العصر الحديث والعصر المعاصر. وهذا المنهج يتعامل مع الظاهرة الأدبية من زاوية سياسية، فكلما تقدم العصر سياسيا ازدهر الأدب، وكلما ضعف العصر ضعف الأدب. وهذا المنهج ظهر لأول مرة في أوربا وبالضبط في فرنسا مع أندري دوشيسون André Dechesson الذي ألف كتاب "تاريخ فرنسا الأدبي" سنة 1767م. ويقسم فيه الأدب الفرنسي حسب العصور والظروف السياسية ويقول:" إن النصوص الأدبية الراقية هي عصور الأدب الراقية، وعصور تاريخ السياسة المنحطة هي عصور الأدب المنحطة". [2]

    وقد اتبع كثير من مؤرخي الأدب العربي الحديث منهج المستشرقين في تقسيم الأدب العربي (بروكلمان، وجيب، ونالينو، ونيكلسون، وهوار...)، ومن هؤلاء جورجي زيدان في كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية" الذي انتهى منه سنة 1914م. وفي هذا الكتاب يدعي السبق بقوله:" ولعلنا أول من فعل ذلك، فنحن أول من سمى هذا العلم بهذا الاسم"، وفي موضع آخر يقول إن المستشرقين أول من كتب فيه باللغة العربية، [3] والشيخ أحمد الإسكندري والشيخ مصطفى عثمان بك في كتابهما "الوسيط في الأدب العربي وتاريخه" [4] الذي صدر سنة 1916م. وكان تاريخ الأدب عندهما هو العلم "الباحث عن أحوال اللغة، نثرها ونظمها في عصورها المختلفة من حيث رفعتها وضعتها، وعما كان لنابغيها من الأثر البين فيها.... ومن فوائده:

    1- معرفة أسباب ارتقاء أدب اللغة وانحطاطه، دينية كانت تلك الأسباب أو اجتماعية أو سياسية، فنستمسك بأسباب الارتقاء، ونتحامى أسباب الانحطاط.

    2- معرفة أساليب اللغة، وفنونها، وأفكار أهلها ومواضعاتهم، واختلاف أذواقهم في نثرهم ونظمهم، على اختلاف عصورهم، حتى يتهيأ للمتخرج في هذا العلم أن يميز بين صور الكلام في عصر وصوره في آخر، بل ربما صح أن يلحق القول بقائله عينه.

    3- معرفة أحوال النابهين من أهل اللغة في كل عصر، وما كان لنثرهم وشعرهم، وتأليفهم من أثر محمود، أو حال ممقوتة، لنحتذي مثال المحسن، ونتنكب عن طريق المسيء". [5]

    ومن المؤرخين العرب المحدثين أيضا نذكر محمد حسن نائل المرصفي في كتابه "أدب اللغة العربية"، وعبد الله دراز وكيل مشيخة الجامع الأحمدي في كتابه "تاريخ أدب اللغة العربية"، وأحمد حسن الزيات في كتابه "تاريخ الأدب العربي" الذي اعتبر المنهج السياسي في تدريس تاريخ الأدب العربي نتاجا إيطاليا ظهر في القرن الثامن عشر. ونستحضر في هذا المجال كذلك طه حسين وشوقي ضيف وأحمد أمين في كتبه المتسلسلة "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام" و"ظهر الإسلام"، وحنا الفاخوري في كتابه المدرسي "تاريخ الأدب العربي"، وعمر فروخ في تأريخه للأدب العربي، وعبد الله كنون في كتابه "النبوغ المغربي في الأدب العربي".

    لكن هذا المنهج سيتجاوز من قبل النقاد الذي دعوا إلى المنهج البيئي أو الإقليمي مع أحمد ضيف في كتابه "مقدمة لدراسة بلاغة العرب"، والأستاذ أمين الخولي في كتابه "إلى الأدب المصري"، وشوقي ضيف في كتابه "الأدب العربي المعاصر في مصر"، والدكتور كمال السوافيري في كتابه "الأدب العربي المعاصر في فلسطين"....

    وسيرفض المنهج السياسي المدرسي والمنهج الإقليمي الذي يقسم الأدب العربي إلى بيئات وأقاليم فيقال: أدب عراقي، وأدب فلسطيني، وأدب جزائري، وأدب أندلسي، وأدب تونسي....وسيعوضان بالمنهج القومي مع عبد الله كنون الذي يرى أن الجمع القومي ينفي" جميع الفوارق الاصطناعية بين أبناء العروبة على اختلاف بلدانهم وتباعد أنحائهم، كما ينبغي أن ننفي نحن جميع الفوارق الاعتبارية بين آداب أقطارهم العديدة في الماضي والحاضر. ذلك أن الأدب العربي وحدة لاتتجزأ في جميع بلاده بالمغرب والمشرق، وفي الأندلس وصقلية المفقودتين...

    وهناك قضية شكلية لها علاقة بالموضوع، وهي هذا التقسيم إلى العصور الذي ينبغي أن يعاد فيه النظر كالتقسيم على الأقطار؛ لأنه كذلك تقليد محض لمنهاج البحث في الأدب الأوربي، ولعله تقليد له في العرض دون الجوهر، وإلا فليس بلازم أن يكون لعصر الجاهلية أدب ولعصر صدر الإسلام أدب ولعصر الأمويين أدب، وهكذا حتى تنتهي العصور، وتكون النتيجة تعصب قوم لأدب وآخرين لغيره مما لا يوحى به إلا النزعات الإقليمية وهي إلى مذهب الشعوبية أقرب منها إلى القومية العربية." [6]

    ويبدو أن المنهج الذي يتبناه عبد الله كنون هو منهج ذو مظاهر دينية قائمة على الوحدة العربية الإسلامية بأسسها المشتركة كوحدة الدين ووحدة اللغة ووحدة التاريخ ووحدة العادات والتقاليد ووحدة المصير المشترك. لكن عبد الله كنون سيؤلف كتابا بعنوان" أحاديث عن الأدب المغربي الحديث"، وبذلك يقع في تناقض كبير حيث سيطبق المنهج الإقليمي البيئي الذي اعتبره سابقا نتاجا للشعوبية والعرقية.

    وإلى جانب هذه المناهج، نذكر المنهج الفني الذي يقسم الأدب العربي حسب الأغراض الفنية أو الفنون والأنواع الأجناسية كما فعل مصطفى صادق الرافعي في كتابه "تاريخ الأدب العربي"، وطه حسين في "الأدب الجاهلي" حينما تحدث عن المدرسة الأوسية في الشعر الجاهلي التي امتدت حتى العصر الإسلامي والأموي، وشوقي ضيف في كتابيه "الفن ومذاهبه في الشعر العربي" و"الفن ومذاهبه في النثر العربي" حيث قسم الأدب العربي إلى ثلاث مدارس فنية: مدرسة الصنعة ومدرسة التصنيع ومدرسة التصنع، ومحمد مندور في كتابه "الأدب وفنونه"، وعز الدين إسماعيل في "فنون الأدب"، وعبد المنعم تليمة في "مقدمة في نظرية الأدب"، ورشيد يحياوي في "مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية". فهؤلاء الدارسون عددوا الأجناس الأدبية وقسموها إلى فنون وأنواع وأغراض وأنماط تشكل نظرية الأدب.

    أما المنهج التأثري فهو منهج يعتمد على الذوق والجمال والمفاضلة الذاتية والأحكام الانطباعية المبنية على المدارسة والخبرة، ومن أهم رواد هذا المنهج طه حسين في كتابه "أحاديث الأربعاء" في الجزء الثالث، وعباس محمود العقاد في كتابه "الديوان في الأدب والنقد" ومقالاته النقدية، والمازني في كتابه "حصاد الهشيم"،و ميخائيل نعيمة في كتابه "الغربال". بينما المنهج الجمالي الذي يبحث عن مقومات الجمال في النص الأدبي من خلال تشغيل عدة مفاهيم إستيتيقية كالمتعة والروعة والتناسب والتوازي والتوازن والازدواج والتماثل والائتلاف والاختلاف والبديع فيمثله الدكتور ميشال عاصي في كتابه "مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ" والذي صدر سنة 1974م عن دار العلم للملايين ببيروت اللبنانية.

    ومع تأسيس الجامعة الأهلية المصرية سنة 1908م، واستدعاء المستشرقين للتدريس بها، ستطبق مناهج نقدية جديدة على الإبداع الأدبي قديمه وحديثه كالمنهج الاجتماعي الذي يرى أن الأدب مرآة تعكس المجتمع بكل مظاهره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد تبلور هذا المنهج مع طه حسين في كتابه "ذكرى أبي العلاء المعري" و"حديث الأربعاء" الجزء الأول والثاني، وقد تأثر كثيرا بأستاذه كارلو نالينو وبأساتذة علم الاجتماع كدوركايم وليڤي برول وابن خلدون صاحب نظرية العمران الاجتماعي والفلسفة الاجتماعية. وقد سار على منواله عباس محمود العقاد في كتابه "شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي"، ففيه يعمد الناقد إلى دراسة شعراء مصر انطلاقا من العرق والزمان والمكان من خلال مفهوم الحتمية التي تربط الأدب جدليا ببيئته.

    ومع ظهور النظريات الإيديولوجية الحديثة كالنظرية الاشتراكية والشيوعية، سيظهر المنهج الإيديولوجي الاشتراكي والمنهج المادي الجدلي في الساحة النقدية العربية مع مجموعة من النقاد كمحمد مندور وحسين مروة وسلامة موسى وعز الدين إسماعيل ومحمد برادة وإدريس الناقوري وعبد القادر الشاوي......

    ومع بداية الستينيات، ستفرز ظاهرة المثاقفة والترجمة والاطلاع على المناهج الغربية مجموعة من المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة كالبنيوية اللسانية مع حسين الواد وعبد السلام المسدي وصلاح فضل وموريس أبو ناضر وكمال أبو ديب وجميل المرزوقي وجميل شاكر وسعيد يقطين، كما ستتبلور أيضا البنيوية التكوينية التي تجمع بين الفهم والتفسير لتعقد تماثلا بين البنية الجمالية المستقلة والبنية المرجعية كما نظر لها لوسيان گولدمان وسيتبناها كل من محمد بنيس وجمال شحيذ ومحمد برادة وطاهر لبيب وحميد لحمداني وسعيد علوش وإدريس بلمليح وعبد الرحمن بوعلي وبنعيسى بوحمالة...

    وإلى جانب المنهج البنيوي اللساني والتكويني، نذكر المنهج الموضوعاتي أو الموضوعية البنيوية التي تدرس الأدب العربي على مستوى التيمات والموضوعات ولكن بطريقة بنيوية حديثة مع سعيد علوش في كتابه "النقد الموضوعاتي"، وحميد لحمداني في كتابه "سحر الموضوع"، وعبد الكريم حسن في كتابه "الموضوعية البنيوية دراسة في شعر السياب"، وعلي شلق في كتابه "القبلة في الشعر العربي القديم والحديث".

    أما المنهج السميوطيقي فسيتشكل مع محمد مفتاح ومحمد السرغيني وسامي سويدان وعبد الفتاح كليطو وعبد المجيد نوسي وسعيد بنكراد... من خلال التركيز على شكل المضمون تفكيكا وتركيبا ودراسة النص الأدبي وجميع الخطابات اللصيقة به كعلامات وإشارات وأيقونات تستوجب تفكيكها بنيويا وتناصيا وسيميائيا.

    وبعد أن اهتم المنهج الاجتماعي بالمرجع الخارجي وذلك بربط الأدب بالمجتمع مباشرة مع المادية الجدلية أو بطريقة غير مباشرة مع البنيوية التكوينية، واهتم المنهج النفسي بربط الأدب بذات المبدع الشعورية واللاشعورية مع عزالدين إسماعيل والعقاد ومحمد النويهي وجورج طرابيشي ويوسف اليوسف، كما اختص الأدب الأسطوري بدراسة الأساطير في النص الأدبي كنماذج عليا منمطة تحيل على الذاكرة البشرية كما عند مصطفى ناصف في كتابه "قراءة ثانية لشعرنا القديم"، ومحمد نجيب البهبيتي في كتابه "المعلقة العربية الأولى"، وأحمد كمال زكي في "التفسير الأسطوري للشعر القديم"، وإبراهيم عبد الرحمن في "التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي"، وعبد الفتاح محمد أحمد في "المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي"، فإن جمالية التلقي ونظرية الاستقبال مع إيزرIzer ويوس Yauss الألمانيين ستدعو الجميع للاهتمام بالقارئ والقراءة بكل مستوياتهما؛ لأن القراءة تركيب للنص من جديد عن طريق التأويل والتفكيك، مما سينتج عن نظرية القارئ ظهور مناهج جديدة أخرى كالمنهج التفكيكي والمنهج التأويلي.

    ومن النقاد العرب الذين اهتموا بمنهج القراءة نجد حسين الواد في كتابه "في مناهج الدراسات الأدبية"، ورشيد بنحدو في الكثير من مقالاته التي خصصها لأنماط القراءة (القراءة البلاغية، والقراءة الجمالية، والقراءة السوسيولوجية، والقراءة السيميائية....)، وحميد لحمداني في كتابه "القراءة وتوليد الدلالة، تغيير عاداتنا في القراءة"، ومحمد مفتاح في كتابه "النص: من القراءة إلى التنظير". أما التفكيكية فمن أهم روادها الناقد السعودي عبد الله محمد الغذامي في كتابه "الخطيئة والتكفير" وكتاب "تشريح النص"، وكتاب "الكتابة ضد الكتابة"، والناقد المغربي محمد مفتاح في "مجهول البيان" وعبد الفتح كليطو في كثير من دراساته حول السرد العربي وخاصة "الحكاية والتأويل" و"الغائب". ومن أهم رواد النقد التأويلي الهرمونيتيقي نستحضر الدكتور مصطفى ناصف في كتابه "نظرية التأويل"، وسعيد علوش في كتابه "هرمنوتيك النثر الأدبي".

    ولا ننسى كذلك المنهج الأسلوبي الذي يحاول دراسة الأدب العربي من خلال وجهة بلاغية جديدة وأسلوبية حداثية تستلهم نظريات الشعرية الغربية لدى تودوروف، وجون كوهن، وريفاتير، ولوتمان، وبييرغيرو، وليو سبيتزر،وماروزو... ومن أهم ممثليه في الأدب العربي الدكتور عبد السلام المسدي في كتابه "الأسلوب والأسلوبية"، ومحمد الهادي الطرابلسي "في منهجية الدراسة الأسلوبية"، وحمادي صمود في "المناهج اللغوية في دراسة الظاهرة الأدبية"، وأحمد درويش في "الأسلوب والأسلوبية"، وصلاح فضل في "علم الأسلوب وصلته بعلم اللغة"، وعبد الله صولة في "الأسلوبية الذاتية أو النشوئية"، ودكتور حميد لحمداني في كتابه القيم "أسلوبية الرواية"، والهادي الجطلاوي في كتابه "مدخل إلى الأسلوبية". وثمة مناهج ومقاربات ظهرت مؤخرا في الساحة العربية الحديثة كلسانيات النص مع محمد خطابي في كتابه "لسانيات النص" والأزهر الزناد في "نسيج النص"، والمقاربة المناصية التي من روادها شعيب حليفي وجميل حمداوي وعبد الفتاح الحجمري وعبد الرزاق بلال ومحمد بنيس وسعيد يقطين... وتهتم هذه المقاربة بدراسة عتبات النص الموازي كالعنوان والمقدمة والإهداء والغلاف والرسوم والأيقون والمقتبسات والهوامش، أي كل ما يحيط بالنص الأدبي من عتبات فوقية وعمودية، وملحقات داخلية وخارجية.
    خلاصـــة تركيبيــــة:

    هذه هي أهم التطورات المرحلية التي عرفها النقد العربي قديما وحديثا، وهذه كذلك أهم المناهج النقدية التي استند إليها النقاد في تحليل النصوص الإبداعية وتقويمها ومدارستها نظريا وتطبيقيا. ويلاحظ كذلك أن هذه المناهج النقدية العربية ولاسيما الحديثة والمعاصرة كانت نتاج المثاقفة والاحتكاك مع الغرب والاطلاع على فكر الآخر عن طريق التلمذة والترجمة. وقد ساهم هذا الحوار الثقافي على مستوى الممارسة النقدية في ظهور إشكالية الأصالة والمعاصرة أو ثنائية التجريب والتأصيل في النقد العربي.

    وعليه، فقد ظهر اتجاه يدافع عن الحداثة النقدية وذلك بالدعوة إلى ضرورة الاستفادة من كل ماهو مستجد في الساحة النقدية الغربية كما نجد ذلك عند محمد مفتاح ومحمد بنيس وحميد لحمداني وحسين الواد وصلاح فضل...، واتجاه يدعو إلى تأصيل النقد العربي وعدم التسرع في الحكم سلبا على تراثنا العربي القديم ومن هؤلاء الدكتور عبد العزيز حمودة في كتبه القيمة والشيقة مثل: "المرايا المقعرة"، و"المرايا المحدبة"، و"الخروج من التيه". لكن هناك من كان موقفه وسطا يدافع عن التراث ويوفق بين أدواته وآليات النقد الغربي كمصطفى ناصف في كثير من كتبه ودراساته التي يعتمد فيها على أدوات البلاغة العربية القديمة، وعبد الفتاح كليطو في "الأدب والغرابة" و"الحكاية والتأويل"، وكتابه "الغائب"، وعبد الله محمد الغذامي في كتابيه "القصيدة والنص المضاد" و"المشاكلة والاختلاف".
    اشكر لك أستاذ بيضون المسح الشامل للحركة النقدية . ويمكن أن نقول من خلال ماستعرضته سابقا أن المناهج تنقسم إلى قسمين بصفة العموم : مناهج سياقية ترتبط بأمور خارج النص : كالناحية التاريخية أو الاجتماعية أوالنفسية....ألخ. وهنا نستطيع أن نلاحظ ماترتكز عليه كل من هذه المناهج في تعاملها مع الأدب ونميز الخطوط العريضة بينها.
    النوع الثاني من المناهج هي المناهج النصية المرتبطة بالنص بشكل مباشر وجعلت الناحية اللغوية وحسب مدخلا لفهم النص والتعامل معه. وهي مانطلق عليها المناهج الحديثة وكما هو معلوم أن هذه المناهج متعددة ومتنوعة كالأسلوبية والبنيوية......وهنا مكمن سؤالي ماهي الخطوط العريضة التي نميز من خلالها الفروقات بين هذه المناهج ؟؟؟ وأعتقد أن السؤال لايزال يحتاج إلى جواب . أرجو أن يسعفنا به الأساتذة الكرام وجزاكم الله خير .

  20. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (همسات الليل) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  21. #11
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 38773

    الكنية أو اللقب : لا يوجد

    الجنس : أنثى

    البلد : في كل أرض يتردد فيه صوت الحق

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : أدب ونقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل13/4/2011

    آخر نشاط:11-02-2014
    الساعة:03:43 PM

    المشاركات:27
    تاريخ التسجيل
    13/4/2011
    البلد
    في كل أرض يتردد فيه صوت الحق
    المشاركات
    27
    1434/11/17 هـ
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبها عباس بيضون اعرض المشاركة
    النقد العربــــي ومناهجـــــه

    7 كانون الثاني (يناير) 2007بقلم جميل حمداوي

    1- مفهـــوم النقــــــد:

    النقد عملية وصفية تبدأ بعد عملية الإبداع مباشرة، وتستهدف قراءة الأثر الأدبي ومقاربته قصد تبيان مواطن الجودة والرداءة. ويسمى الذي يمارس وظيفة مدارسة الإبداع ومحاكمته الناقد ؛لأنه يكشف ماهو صحيح وأصيل في النص الأدبي ويميزه عما هو زائف ومصطنع. لكن في مرحلة مابعد البنيوية ومع التصور السيميوطيقي وجمالية التقبل، استبعد مصطلح الناقد وصار مجرد قارئ يقارب الحقيقة النصية ويعيد إنتاج النص وبناءه من جديد. وتسمى مهمة الناقد بالنقد وغالبا ما يرتبط هذا الأخير بالوصف والتفسير والتأويل والكشف والتحليل والتقويم. أما النص الذي يتم تقويمه من قبل الناقد يسمى بالنص المنقود.

    هذا، ويخضع النقد لمجموعة من الخطوات والإجراءات الضرورية التي تتجسد في قراءة النص وملاحظته وتحليله مضمونا وشكلا ثم تقويمه إيجابا وسلبا. وفي الأخير، ترد عملية التوجيه وهي عملية أساسية في العملية النقدية لأنها تسعى إلى تأطير المبدع وتدريبه وتكوينه وتوجيهه الوجهة الصحيحة والسليمة من أجل الوصول إلى المبتغى المنشود.

    وإذا كانت بعض المناهج النقدية تكتفي بعملية الوصف الظاهري الداخلي للنص كما هو شأن المنهج البنيوي اللساني والمنهج السيميوطيقي، فإن هناك مناهج تتعدى الوصف إلى التفسير والتأويل كما هو شان المنهج النفسي والبنيوية التكوينية والمنهج التأويلي (الهرمونيتيقي Herméneutique).

    وللنقد أهمية كبيرة لأنه يوجه دفة الإبداع ويساعده على النمو والازدهار والتقدم، ويضيء السبيل للمبدعين المبتدئين والكتاب الكبار. كما أن النقد يقوم بوظيفة التقويم والتقييم ويميز مواطن الجمال ومواطن القبح، ويفرز الجودة من الرداءة، والطبع من التكلف والتصنيع والتصنع. ويعرف النقد أيضا الكتاب والمبدعين بآخر نظريات الإبداع والنقد ومدارسه وتصوراته الفلسفية والفنية والجمالية، ويجلي لهم طرائق التجديد ويبعدهم عن التقليد.
    2- مـــفهــــوم المنهــــج النقدي:

    إذا تصفحنا المعاجم والقواميس اللغوية للبحث عن مدلول المنهج فإننا نجد شبكة من الدلالات اللغوية التي تحيل على الخطة والطريقة والهدف والسير الواضح والصراط المستقيم. ويعني هذا أن المنهج عبارة عن خطة واضحة المدخلات والمخرجات، وهو أيضا عبارة عن خطة واضحة الخطوات والمراقي تنطلق من البداية نحو النهاية. ويعني هذا أن المنهج ينطلق من مجموعة من الفرضيات والأهداف والغايات ويمر عبر سيرورة من الخطوات العملية والإجرائية قصد الوصول إلى نتائج ملموسة ومحددة بدقة مضبوطة.

    ويقصد بالمنهج النقدي في مجال الأدب تلك الطريقة التي يتبعها الناقد في قراءة العمل الإبداعي والفني قصد استكناه دلالاته وبنياته الجمالية والشكلية. ويعتمد المنهج النقدي على التصور النظري والتحليل النصي التطبيقي. ويعني هذا أن الناقد يحدد مجموعة من النظريات النقدية والأدبية ومنطلقاتها الفلسفية والإبستمولوجية ويختزلها في فرضيات ومعطيات أو مسلمات، ثم ينتقل بعد ذلك إلى التأكد من تلك التصورات النظرية عن طريق التحليل النصي والتطبيق الإجرائي ليستخلص مجموعة من النتائج والخلاصات التركيبية. والأمر الطبيعي في مجال النقد أن يكون النص الأدبي هو الذي يستدعي المنهج النقدي، والأمر الشاذ وغير المقبول حينما يفرض المنهج النقدي قسرا على النص الأدبي على غرار دلالات قصة سرير بروكوست التي تبين لنا أن الناقد يقيس النص على مقاس المنهج. إذ نجد كثيرا من النقاد يتسلحون بمناهج أكثر حداثة وعمقا للتعامل مع نص سطحي مباشر لايحتاج إلى سبر وتحليل دقيق، وهناك من يتسلح بمناهج تقليدية وقاصرة للتعامل مع نصوص أكثر تعقيدا وغموضا. ومن هنا نحدد أربعة أنماط من القراءة وأربعة أنواع من النصوص الأدبية على الشكل التالي:

    • قراءة مفتوحة ونص مفتوح؛

    • قراءة مفتوحة ونص مغلق؛

    • قراءة مغلقة ونص مفتوح؛

    • قراءة مغلقة ونص مغلق.

    وتتعدد المناهج بتعدد جوانب النص (المؤلف والنص والقارئ والمرجع والأسلوب والبيان والعتبات والذوق....)، ولكن يبقى المنهج الأفضل هو المنهج التكاملي الذي يحيط بكل مكونات النص الأدبي.
    3- النقد االعربــــــي القديــــــم :

    ظهر النقد الأدبي عند العرب منذ العصر الجاهلي في شكل أحكام انطباعية وذوقية وموازنات ذات أحكام تأثرية مبنية على الاستنتاجات الذاتية كما نجد ذلك عند النابغة الذبياني في تقويمه لشعر الخنساء وحسان بن ثابت. وقد قامت الأسواق العربية وخاصة سوق المربد بدور هام في تنشيط الحركة الإبداعية والنقدية. كما كان الشعراء المبدعون نقادا يمارسون التقويم الذاتي من خلال مراجعة نصوصهم الشعرية وتنقيحها واستشارة المثقفين وأهل الدراية بالشعر كما نجد ذلك عند زهير بن أبي سلمي الذي كتب مجموعة من القصائد الشعرية التي سماها "الحوليات" والتي تدل على عملية النقد والمدارسة والمراجعة الطويلة والعميقة والمتأنية. وتدل كثير من المصطلحات النقدية التي وردت في شعر شعراء الجاهلية على نشاط الحركة النقدية وازدهارها كما يبين ذلك الباحث المغربي الشاهد البوشيخي في كتابه "مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين".

    وإبان فترة الإسلام سيرتبط النقد بالمقياس الأخلاقي والديني كما نلتمس ذلك في أقوال وآراء الرسول (صلعم) والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.


    وسيتطور النقد في القرن الأول الهجري وفترة الدولة العباسية مع ابن قتيبة والجمحي والأصمعي والمفضل الضبي من خلال مختاراتهما الشعرية وقدامة بن جعفر وابن طباطبا صاحب عيار الشعر والحاتمي في حليته وابن وكيع التنيسي وابن جني والمرزوقي شارح عمود الشعر العربي والصولي صاحب الوساطة بين المتنبي وخصومه...

    هذا، ويعد كتاب "نقد الشعر" أول كتاب ينظر للشعرية العربية على غرار كتاب فن الشعر لأرسطو لوجود التقعيد الفلسفي والتنظير المنطقي لمفهوم الشعر وتفريعاته التجريدية. بينما يعد أبو بكرالباقلاني أول من حلل قصيدة شعرية متكاملة في كتابه "إعجاز القرآن"، بعدما كان التركيز النقدي على البيت المفرد أو مجموعة من الأبيات الشعرية المتقطعة. وفي هذه الفترة عرف النقاد المنهج الطبقي والمنهج البيئي والمنهج الأخلاقي والمنهج الفني مع ابن سلام الجمحي صاحب كتاب "طبقات فحول الشعراء في الجاهلية والإسلام"، والأصمعي صاحب "كتاب الفحولة"، وابن قتيبة في كتابة "الشعر والشعراء"، والشعرية الإنشائية خاصة مع قدامة بن جعفر في "نقد الشعر" و"نقد النثر". واعتمد عبد القاهر الجرجاني على نظرية النظم والمنهج البلاغي لدراسة الأدب وصوره الفنية رغبة في تثبيت إعجاز القرآن وخاصة في كتابيه "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة". ولكن أول دراسة نقدية ممنهجة حسب الدكتور محمد مندور هي دراسة الآمدي في كتابه: "الموازنة بين الطائيين: البحتري وأبي تمام". وقد بلغ النقد أوجه مع حازم القرطاجني الذي اتبع منهجا فلسفيا في التعامل مع ظاهرة التخييل الأدبي والمحاكاة وربط الأوزان الشعرية بأغراضها الدلالية في كتابه الرائع "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" والسجلماسي في كتابه "المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع"، وابن البناء المراكشي العددي في كتابه"الروض المريع في صناعة البديع".

    ومن القضايا النقدية التي أثيرت في النقد العربي القديم قضية اللفظ والمعنى وقضية السرقات الشعرية وقضية أفضلية الشعر والنثر وقضية الإعجاز القرآني وقضية عمود الشعر العربي وقضية المقارنة والموازنة كما عند الآمدي والصولي، وقضية بناء القصيدة عند ابن طباطبا وابن قتيبة، وقضية الفن والدين عند الأصمعي والصولي وغيرهما... وقضية التخييل الشعري والمحاكاة كما عند فلاسفة النقد أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد والقرطاجني وابن البناء المراكشي والسجلماسي... لكن هذا النقد سيتراجع نشاطه مع عصر الانحطاط ليهتم بالتجميع وكتابة التعليقات والحواشي مع ابن رشيق القيرواني في كتابه "العمدة" وابن خلدون في "مقدمته".
    4- النقد العربي الحديث والمعاصر:

    مع عصر النهضة، سيتخذ النقد طابعا بيانيا ولغويا وخاصة مع علماء الأزهر الذين كانوا ينقدون الأدب على ضوء المقاييس اللغوية والبلاغية والعروضية كما نجد ذلك واضحا عند حسين المرصفي في كتابه "الوسيلة الأدبية"، وطه حسين في بداياته النقدية عندما تعرض لمصطفى لطفي المنفلوطي مركزا على زلاته اللغوية وأخطائه البيانية وهناته التعبيرية.

    ومع بداية القرن العشرين، سيظهر المنهج التاريخي أو كما يسميه شكري فيصل في كتابه "مناهج الدراسة الأدبية في الأدب العربي" [1] النظرية المدرسية؛ لأن هذا المنهج كان يدرس في المدارس الثانوية والجامعات في أوربا والعالم العربي. ويهدف هذا المنهج إلى تقسيم الأدب العربي إلى عصور سياسية كالعصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام وعصر بني أمية والعصر العباسي وعصر الانحطاط أو العصر المغولي أو العصر العثماني ثم العصر الحديث والعصر المعاصر. وهذا المنهج يتعامل مع الظاهرة الأدبية من زاوية سياسية، فكلما تقدم العصر سياسيا ازدهر الأدب، وكلما ضعف العصر ضعف الأدب. وهذا المنهج ظهر لأول مرة في أوربا وبالضبط في فرنسا مع أندري دوشيسون André Dechesson الذي ألف كتاب "تاريخ فرنسا الأدبي" سنة 1767م. ويقسم فيه الأدب الفرنسي حسب العصور والظروف السياسية ويقول:" إن النصوص الأدبية الراقية هي عصور الأدب الراقية، وعصور تاريخ السياسة المنحطة هي عصور الأدب المنحطة". [2]

    وقد اتبع كثير من مؤرخي الأدب العربي الحديث منهج المستشرقين في تقسيم الأدب العربي (بروكلمان، وجيب، ونالينو، ونيكلسون، وهوار...)، ومن هؤلاء جورجي زيدان في كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية" الذي انتهى منه سنة 1914م. وفي هذا الكتاب يدعي السبق بقوله:" ولعلنا أول من فعل ذلك، فنحن أول من سمى هذا العلم بهذا الاسم"، وفي موضع آخر يقول إن المستشرقين أول من كتب فيه باللغة العربية، [3] والشيخ أحمد الإسكندري والشيخ مصطفى عثمان بك في كتابهما "الوسيط في الأدب العربي وتاريخه" [4] الذي صدر سنة 1916م. وكان تاريخ الأدب عندهما هو العلم "الباحث عن أحوال اللغة، نثرها ونظمها في عصورها المختلفة من حيث رفعتها وضعتها، وعما كان لنابغيها من الأثر البين فيها.... ومن فوائده:

    1- معرفة أسباب ارتقاء أدب اللغة وانحطاطه، دينية كانت تلك الأسباب أو اجتماعية أو سياسية، فنستمسك بأسباب الارتقاء، ونتحامى أسباب الانحطاط.

    2- معرفة أساليب اللغة، وفنونها، وأفكار أهلها ومواضعاتهم، واختلاف أذواقهم في نثرهم ونظمهم، على اختلاف عصورهم، حتى يتهيأ للمتخرج في هذا العلم أن يميز بين صور الكلام في عصر وصوره في آخر، بل ربما صح أن يلحق القول بقائله عينه.

    3- معرفة أحوال النابهين من أهل اللغة في كل عصر، وما كان لنثرهم وشعرهم، وتأليفهم من أثر محمود، أو حال ممقوتة، لنحتذي مثال المحسن، ونتنكب عن طريق المسيء". [5]

    ومن المؤرخين العرب المحدثين أيضا نذكر محمد حسن نائل المرصفي في كتابه "أدب اللغة العربية"، وعبد الله دراز وكيل مشيخة الجامع الأحمدي في كتابه "تاريخ أدب اللغة العربية"، وأحمد حسن الزيات في كتابه "تاريخ الأدب العربي" الذي اعتبر المنهج السياسي في تدريس تاريخ الأدب العربي نتاجا إيطاليا ظهر في القرن الثامن عشر. ونستحضر في هذا المجال كذلك طه حسين وشوقي ضيف وأحمد أمين في كتبه المتسلسلة "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام" و"ظهر الإسلام"، وحنا الفاخوري في كتابه المدرسي "تاريخ الأدب العربي"، وعمر فروخ في تأريخه للأدب العربي، وعبد الله كنون في كتابه "النبوغ المغربي في الأدب العربي".

    لكن هذا المنهج سيتجاوز من قبل النقاد الذي دعوا إلى المنهج البيئي أو الإقليمي مع أحمد ضيف في كتابه "مقدمة لدراسة بلاغة العرب"، والأستاذ أمين الخولي في كتابه "إلى الأدب المصري"، وشوقي ضيف في كتابه "الأدب العربي المعاصر في مصر"، والدكتور كمال السوافيري في كتابه "الأدب العربي المعاصر في فلسطين"....

    وسيرفض المنهج السياسي المدرسي والمنهج الإقليمي الذي يقسم الأدب العربي إلى بيئات وأقاليم فيقال: أدب عراقي، وأدب فلسطيني، وأدب جزائري، وأدب أندلسي، وأدب تونسي....وسيعوضان بالمنهج القومي مع عبد الله كنون الذي يرى أن الجمع القومي ينفي" جميع الفوارق الاصطناعية بين أبناء العروبة على اختلاف بلدانهم وتباعد أنحائهم، كما ينبغي أن ننفي نحن جميع الفوارق الاعتبارية بين آداب أقطارهم العديدة في الماضي والحاضر. ذلك أن الأدب العربي وحدة لاتتجزأ في جميع بلاده بالمغرب والمشرق، وفي الأندلس وصقلية المفقودتين...

    وهناك قضية شكلية لها علاقة بالموضوع، وهي هذا التقسيم إلى العصور الذي ينبغي أن يعاد فيه النظر كالتقسيم على الأقطار؛ لأنه كذلك تقليد محض لمنهاج البحث في الأدب الأوربي، ولعله تقليد له في العرض دون الجوهر، وإلا فليس بلازم أن يكون لعصر الجاهلية أدب ولعصر صدر الإسلام أدب ولعصر الأمويين أدب، وهكذا حتى تنتهي العصور، وتكون النتيجة تعصب قوم لأدب وآخرين لغيره مما لا يوحى به إلا النزعات الإقليمية وهي إلى مذهب الشعوبية أقرب منها إلى القومية العربية." [6]

    ويبدو أن المنهج الذي يتبناه عبد الله كنون هو منهج ذو مظاهر دينية قائمة على الوحدة العربية الإسلامية بأسسها المشتركة كوحدة الدين ووحدة اللغة ووحدة التاريخ ووحدة العادات والتقاليد ووحدة المصير المشترك. لكن عبد الله كنون سيؤلف كتابا بعنوان" أحاديث عن الأدب المغربي الحديث"، وبذلك يقع في تناقض كبير حيث سيطبق المنهج الإقليمي البيئي الذي اعتبره سابقا نتاجا للشعوبية والعرقية.

    وإلى جانب هذه المناهج، نذكر المنهج الفني الذي يقسم الأدب العربي حسب الأغراض الفنية أو الفنون والأنواع الأجناسية كما فعل مصطفى صادق الرافعي في كتابه "تاريخ الأدب العربي"، وطه حسين في "الأدب الجاهلي" حينما تحدث عن المدرسة الأوسية في الشعر الجاهلي التي امتدت حتى العصر الإسلامي والأموي، وشوقي ضيف في كتابيه "الفن ومذاهبه في الشعر العربي" و"الفن ومذاهبه في النثر العربي" حيث قسم الأدب العربي إلى ثلاث مدارس فنية: مدرسة الصنعة ومدرسة التصنيع ومدرسة التصنع، ومحمد مندور في كتابه "الأدب وفنونه"، وعز الدين إسماعيل في "فنون الأدب"، وعبد المنعم تليمة في "مقدمة في نظرية الأدب"، ورشيد يحياوي في "مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية". فهؤلاء الدارسون عددوا الأجناس الأدبية وقسموها إلى فنون وأنواع وأغراض وأنماط تشكل نظرية الأدب.

    أما المنهج التأثري فهو منهج يعتمد على الذوق والجمال والمفاضلة الذاتية والأحكام الانطباعية المبنية على المدارسة والخبرة، ومن أهم رواد هذا المنهج طه حسين في كتابه "أحاديث الأربعاء" في الجزء الثالث، وعباس محمود العقاد في كتابه "الديوان في الأدب والنقد" ومقالاته النقدية، والمازني في كتابه "حصاد الهشيم"،و ميخائيل نعيمة في كتابه "الغربال". بينما المنهج الجمالي الذي يبحث عن مقومات الجمال في النص الأدبي من خلال تشغيل عدة مفاهيم إستيتيقية كالمتعة والروعة والتناسب والتوازي والتوازن والازدواج والتماثل والائتلاف والاختلاف والبديع فيمثله الدكتور ميشال عاصي في كتابه "مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ" والذي صدر سنة 1974م عن دار العلم للملايين ببيروت اللبنانية.

    ومع تأسيس الجامعة الأهلية المصرية سنة 1908م، واستدعاء المستشرقين للتدريس بها، ستطبق مناهج نقدية جديدة على الإبداع الأدبي قديمه وحديثه كالمنهج الاجتماعي الذي يرى أن الأدب مرآة تعكس المجتمع بكل مظاهره السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد تبلور هذا المنهج مع طه حسين في كتابه "ذكرى أبي العلاء المعري" و"حديث الأربعاء" الجزء الأول والثاني، وقد تأثر كثيرا بأستاذه كارلو نالينو وبأساتذة علم الاجتماع كدوركايم وليڤي برول وابن خلدون صاحب نظرية العمران الاجتماعي والفلسفة الاجتماعية. وقد سار على منواله عباس محمود العقاد في كتابه "شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي"، ففيه يعمد الناقد إلى دراسة شعراء مصر انطلاقا من العرق والزمان والمكان من خلال مفهوم الحتمية التي تربط الأدب جدليا ببيئته.

    ومع ظهور النظريات الإيديولوجية الحديثة كالنظرية الاشتراكية والشيوعية، سيظهر المنهج الإيديولوجي الاشتراكي والمنهج المادي الجدلي في الساحة النقدية العربية مع مجموعة من النقاد كمحمد مندور وحسين مروة وسلامة موسى وعز الدين إسماعيل ومحمد برادة وإدريس الناقوري وعبد القادر الشاوي......

    ومع بداية الستينيات، ستفرز ظاهرة المثاقفة والترجمة والاطلاع على المناهج الغربية مجموعة من المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة كالبنيوية اللسانية مع حسين الواد وعبد السلام المسدي وصلاح فضل وموريس أبو ناضر وكمال أبو ديب وجميل المرزوقي وجميل شاكر وسعيد يقطين، كما ستتبلور أيضا البنيوية التكوينية التي تجمع بين الفهم والتفسير لتعقد تماثلا بين البنية الجمالية المستقلة والبنية المرجعية كما نظر لها لوسيان گولدمان وسيتبناها كل من محمد بنيس وجمال شحيذ ومحمد برادة وطاهر لبيب وحميد لحمداني وسعيد علوش وإدريس بلمليح وعبد الرحمن بوعلي وبنعيسى بوحمالة...

    وإلى جانب المنهج البنيوي اللساني والتكويني، نذكر المنهج الموضوعاتي أو الموضوعية البنيوية التي تدرس الأدب العربي على مستوى التيمات والموضوعات ولكن بطريقة بنيوية حديثة مع سعيد علوش في كتابه "النقد الموضوعاتي"، وحميد لحمداني في كتابه "سحر الموضوع"، وعبد الكريم حسن في كتابه "الموضوعية البنيوية دراسة في شعر السياب"، وعلي شلق في كتابه "القبلة في الشعر العربي القديم والحديث".

    أما المنهج السميوطيقي فسيتشكل مع محمد مفتاح ومحمد السرغيني وسامي سويدان وعبد الفتاح كليطو وعبد المجيد نوسي وسعيد بنكراد... من خلال التركيز على شكل المضمون تفكيكا وتركيبا ودراسة النص الأدبي وجميع الخطابات اللصيقة به كعلامات وإشارات وأيقونات تستوجب تفكيكها بنيويا وتناصيا وسيميائيا.

    وبعد أن اهتم المنهج الاجتماعي بالمرجع الخارجي وذلك بربط الأدب بالمجتمع مباشرة مع المادية الجدلية أو بطريقة غير مباشرة مع البنيوية التكوينية، واهتم المنهج النفسي بربط الأدب بذات المبدع الشعورية واللاشعورية مع عزالدين إسماعيل والعقاد ومحمد النويهي وجورج طرابيشي ويوسف اليوسف، كما اختص الأدب الأسطوري بدراسة الأساطير في النص الأدبي كنماذج عليا منمطة تحيل على الذاكرة البشرية كما عند مصطفى ناصف في كتابه "قراءة ثانية لشعرنا القديم"، ومحمد نجيب البهبيتي في كتابه "المعلقة العربية الأولى"، وأحمد كمال زكي في "التفسير الأسطوري للشعر القديم"، وإبراهيم عبد الرحمن في "التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي"، وعبد الفتاح محمد أحمد في "المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي"، فإن جمالية التلقي ونظرية الاستقبال مع إيزرIzer ويوس Yauss الألمانيين ستدعو الجميع للاهتمام بالقارئ والقراءة بكل مستوياتهما؛ لأن القراءة تركيب للنص من جديد عن طريق التأويل والتفكيك، مما سينتج عن نظرية القارئ ظهور مناهج جديدة أخرى كالمنهج التفكيكي والمنهج التأويلي.

    ومن النقاد العرب الذين اهتموا بمنهج القراءة نجد حسين الواد في كتابه "في مناهج الدراسات الأدبية"، ورشيد بنحدو في الكثير من مقالاته التي خصصها لأنماط القراءة (القراءة البلاغية، والقراءة الجمالية، والقراءة السوسيولوجية، والقراءة السيميائية....)، وحميد لحمداني في كتابه "القراءة وتوليد الدلالة، تغيير عاداتنا في القراءة"، ومحمد مفتاح في كتابه "النص: من القراءة إلى التنظير". أما التفكيكية فمن أهم روادها الناقد السعودي عبد الله محمد الغذامي في كتابه "الخطيئة والتكفير" وكتاب "تشريح النص"، وكتاب "الكتابة ضد الكتابة"، والناقد المغربي محمد مفتاح في "مجهول البيان" وعبد الفتح كليطو في كثير من دراساته حول السرد العربي وخاصة "الحكاية والتأويل" و"الغائب". ومن أهم رواد النقد التأويلي الهرمونيتيقي نستحضر الدكتور مصطفى ناصف في كتابه "نظرية التأويل"، وسعيد علوش في كتابه "هرمنوتيك النثر الأدبي".

    ولا ننسى كذلك المنهج الأسلوبي الذي يحاول دراسة الأدب العربي من خلال وجهة بلاغية جديدة وأسلوبية حداثية تستلهم نظريات الشعرية الغربية لدى تودوروف، وجون كوهن، وريفاتير، ولوتمان، وبييرغيرو، وليو سبيتزر،وماروزو... ومن أهم ممثليه في الأدب العربي الدكتور عبد السلام المسدي في كتابه "الأسلوب والأسلوبية"، ومحمد الهادي الطرابلسي "في منهجية الدراسة الأسلوبية"، وحمادي صمود في "المناهج اللغوية في دراسة الظاهرة الأدبية"، وأحمد درويش في "الأسلوب والأسلوبية"، وصلاح فضل في "علم الأسلوب وصلته بعلم اللغة"، وعبد الله صولة في "الأسلوبية الذاتية أو النشوئية"، ودكتور حميد لحمداني في كتابه القيم "أسلوبية الرواية"، والهادي الجطلاوي في كتابه "مدخل إلى الأسلوبية". وثمة مناهج ومقاربات ظهرت مؤخرا في الساحة العربية الحديثة كلسانيات النص مع محمد خطابي في كتابه "لسانيات النص" والأزهر الزناد في "نسيج النص"، والمقاربة المناصية التي من روادها شعيب حليفي وجميل حمداوي وعبد الفتاح الحجمري وعبد الرزاق بلال ومحمد بنيس وسعيد يقطين... وتهتم هذه المقاربة بدراسة عتبات النص الموازي كالعنوان والمقدمة والإهداء والغلاف والرسوم والأيقون والمقتبسات والهوامش، أي كل ما يحيط بالنص الأدبي من عتبات فوقية وعمودية، وملحقات داخلية وخارجية.
    خلاصـــة تركيبيــــة:

    هذه هي أهم التطورات المرحلية التي عرفها النقد العربي قديما وحديثا، وهذه كذلك أهم المناهج النقدية التي استند إليها النقاد في تحليل النصوص الإبداعية وتقويمها ومدارستها نظريا وتطبيقيا. ويلاحظ كذلك أن هذه المناهج النقدية العربية ولاسيما الحديثة والمعاصرة كانت نتاج المثاقفة والاحتكاك مع الغرب والاطلاع على فكر الآخر عن طريق التلمذة والترجمة. وقد ساهم هذا الحوار الثقافي على مستوى الممارسة النقدية في ظهور إشكالية الأصالة والمعاصرة أو ثنائية التجريب والتأصيل في النقد العربي.

    وعليه، فقد ظهر اتجاه يدافع عن الحداثة النقدية وذلك بالدعوة إلى ضرورة الاستفادة من كل ماهو مستجد في الساحة النقدية الغربية كما نجد ذلك عند محمد مفتاح ومحمد بنيس وحميد لحمداني وحسين الواد وصلاح فضل...، واتجاه يدعو إلى تأصيل النقد العربي وعدم التسرع في الحكم سلبا على تراثنا العربي القديم ومن هؤلاء الدكتور عبد العزيز حمودة في كتبه القيمة والشيقة مثل: "المرايا المقعرة"، و"المرايا المحدبة"، و"الخروج من التيه". لكن هناك من كان موقفه وسطا يدافع عن التراث ويوفق بين أدواته وآليات النقد الغربي كمصطفى ناصف في كثير من كتبه ودراساته التي يعتمد فيها على أدوات البلاغة العربية القديمة، وعبد الفتاح كليطو في "الأدب والغرابة" و"الحكاية والتأويل"، وكتابه "الغائب"، وعبد الله محمد الغذامي في كتابيه "القصيدة والنص المضاد" و"المشاكلة والاختلاف".
    اشكر لك أستاذ بيضون المسح الشامل للحركة النقدية . ويمكن أن نقول من خلال ماستعرضته سابقا أن المناهج تنقسم إلى قسمين بصفة العموم : مناهج سياقية ترتبط بأمور خارج النص : كالناحية التاريخية أو الاجتماعية أوالنفسية....ألخ. وهنا نستطيع أن نلاحظ ماترتكز عليه كل من هذه المناهج في تعاملها مع الأدب ونميز الخطوط العريضة بينها.
    النوع الثاني من المناهج هي المناهج النصية المرتبطة بالنص بشكل مباشر وجعلت الناحية اللغوية وحسب مدخلا لفهم النص والتعامل معه. وهي مانطلق عليها المناهج الحديثة وكما هو معلوم أن هذه المناهج متعددة ومتنوعة كالأسلوبية والبنيوية......وهنا مكمن سؤالي ماهي الخطوط العريضة التي نميز من خلالها الفروقات بين هذه المناهج ؟؟؟ وأعتقد أن السؤال لايزال يحتاج إلى جواب . أرجو أن يسعفنا به الأساتذة الكرام وجزاكم الله خير .

  22. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (همسات الليل) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  23. #12
    فريق إعراب القرآن الكريم

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 24759

    الكنية أو اللقب : بنت الإسلام

    الجنس : أنثى

    البلد : دار الممر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 20

    التقويم : 551

    الوسام: ⁂ ۩ ۞
    تاريخ التسجيل11/6/2009

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:02:59 PM

    المشاركات:16,696

    السيرة والإنجازات

    تاريخ التسجيل
    11/6/2009
    البلد
    دار الممر
    المشاركات
    16,696
    1434/11/19 هـ
    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ...أما بعد :

    أختي همسات :

    أولا : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
    ثانيا : أهلا وسهلا بكِ من جديد ، حيَّاكِ الله وبيَّاكِ .
    ثالثا : انظري هنـــا لم تتم الإجابة عليه ألبتة ( الرد : ( صفر ) .

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    ما رأيك لنبحث سويا....بالتدرج سوف نعرف ، يبدو أنه لا مجيب ....!

    ما رأيك في الفرق بين الأسلوبية والبنيوية التي ذكرتها الباحثة في رسالتها للدكتوراه بالضغط هنا وهذا ما أوردته نقلا عن كتاب الأسلوب والأسلوبية للسدي ( تحميل كتابه ) بالضغط هنا:

    الفرق بين الأسلوبية والبنيوية :

    * إن الأسلوبية لا تتطاول على النص الأدبي فتعالجه إلا ولها منطلقات مبدئية تحتكم فيها إلى مضامين معرفية وعلم الأسلوب يقتفي في ذلك ضوابط العلوم ...أما البنيوية فليست علما ، ولا فنا معرفيا وإنما هي فرضية منهجية .

    صورة الرسالة التي فيها المعلومة :

    الاسم: 594200978.jpg
المشاهدات:1352
الحجم: 46.7 كيلوبايت


    والله أعلم بالصواب / هذا جزء يسير ..قد يفيد قليلا ....وأعلم أنه بقي الكثير ...
    التعديل الأخير من قِبَل زهرة متفائلة ; 24-09-2013 في 11:51 PM

  24. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (زهرة متفائلة) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  25. #13
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 43553

    الكنية أو اللقب : ابو محمد

    الجنس : ذكر

    البلد : لبنان-بيروت

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : رياضيات وحقوق

    معلومات أخرى

    التقويم : 38

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل29/3/2013

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:12:37 PM

    المشاركات:995
    تاريخ التسجيل
    29/3/2013
    البلد
    لبنان-بيروت
    المشاركات
    995
    1434/11/19 هـ
    لا شكر على واجب وأنا بانتظار الافاضة لأهمية الموضوع وبما أن المناهج الفكرية المرتبطة بالاجتماع والأدب والفلسفة تختلف عن المناهج العلمية المرتبطة بالعلوم الطبيعية والفيزياء والكيمياء والرياضيات والمعلوماتية الحديثة وان كانت هذه العلوم مستقلة فيما بينها إلّا إنها مترابطة إرتباطا عضويا رغم فوارق الاستقلال ، وهذه العلوم تبدو جميعها متفرعة من شجرة واحدة للعلوم وهي التي تدل على ذاتها بذاتها وإن كان الاستنساخ والعلوم الجينية والوراثية قد بدلت أو جمعت بين مكوناتها المتباعدة ودور الانسان فيها إعلاني وبياني وليس إنشائي وهذا ما تختلف عنه بالتأكيد المناهج الحديثة في النقد الأدبي والّتي جعلت الدور الاكبر للانسان النّاقد والمتذوق القاريء وهذه طبعا مرتبطة بالبيئه الاجتماعية والنّفسية والفلسفية لنشأة الأدب . الأخت همسات الليل انا مازلت أتعلم منكم في هذا المنتدى الفصيح ولقد نقلت لكم ماسبق لا على أساس الاجابة على سؤالكم بل لتسليط الضوء إلى مراحل تطور النّقد الأدبي ولربما بين البحث عوامل الارتباط أكثر مما بين الفوارق بين هذه المناهج كما تفضلتم ونحن معكم في انتظار المزيد والنّافع وتفضّلوا بقبول ذلك مع فائق الاحترام والتقدير والله ولي التوفيق . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

  26. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (عباس بيضون) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  27. #14
    فريق إعراب القرآن الكريم

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 24759

    الكنية أو اللقب : بنت الإسلام

    الجنس : أنثى

    البلد : دار الممر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 20

    التقويم : 551

    الوسام: ⁂ ۩ ۞
    تاريخ التسجيل11/6/2009

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:02:59 PM

    المشاركات:16,696

    السيرة والإنجازات

    تاريخ التسجيل
    11/6/2009
    البلد
    دار الممر
    المشاركات
    16,696
    1434/11/19 هـ
    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

    هذه إطلالة على دراسة في مجلة بالضغط هنا لأحد أهل العلم :

    سأقطف منها جزءا فقط ( لعله قد يفيد قليلا ) :


    * ترتبط الأسلوبية مع المدارس النقدية الأخرى ومنها الشعرية (أو ما يصطلح عليها بالإنشائية)، هذه الأخيرة التي يصنفها جون دوبوا أيضا على أنها:"جزء لا يتجزأ من اللسانيات، وهي العلم الشامل الذي يبحث في البنيات اللسانية " ، أما جون كوهين Jean Cohenفيقول:"دل مصطلح الشعر على كل موضوع خارج عن الأدب، أي كل ما من شأنه إثارة الإحساس، فاستخدمت في الفنون الأخرى:شعر الموسيقى، شعر الرسم، والأشياء الموجودة في الطبيعة" . فالشعرية هي ذلك الأثر الذي يلي إنتاج العمل الأدبي وتبقى بصماته باقية بعد ذلك، وهذا ما يقرره تودوروف بقوله:"ليس العمل الأدبي في حد ذاته هو موضوع الشعريات، إذ ما تستنطقه هو خصائص هذا الخطاب النوعي الذي هو الخطاب الأدبي" ، فالأثر أو توليد الإحساس في المتلقي أو كما خلص إلى ذلك كمال أبو ديب:"مسافة التوتر هي منبع الشعرية" ، ويَستخلص مفهوم الشعرية من شبكة العلاقات، القائمة في النّص، إذ يقول:"الشعرية خصيصة علائقية، أي أنها تجسد في النص لشبكة من العلاقات، التي تنمو بين مكونات أولية، سمتها الأساسية أن كلا منها يمكن أن يقع في سياق آخر دون أن يكون شعريا، لكنه في السياق التي تنشأ فيه هذه العلاقات، وفي حركته المتواشجة مع مكونات أخرى، لها السمة الأساسية ذاتها، يتحول إلى فاعلية خلق شعرية ومؤشر على وجودها" .
    ومن هنا يستعين الكاتب أو الشاعر بمعجم خاص يُطَعِّمُه بالنحو المناسب لخلق لغة شعرية، حيث يساهم النحو في صياغة المعجم بطريقة خاصة تخرجه عن الكلام العادي، مثلما يوضِّح ذلك محمد عبد المطلب بقوله:"الشعرية منوطة بالمعجم من ناحية، والنحو من ناحية أخرى، حيث تكون السيطرة لخط النحو على خط المعجم، لتشكيله حسب مقولاته المحفوظة، بما يخرجه عن المألوف، أي: ينقل الصياغة من منطقة الحياد التعبيريّ إلى منطقة الأدبية " ، وهذا في حد ذاته مفهوم الانزياح حيث تتحول لغة الأدب من لغة الاستعمال اليومي إلى لغة شعرية تبعث بالإحساس والتوتر، كما يقول خليل الموسى:"الانزياح هو وسيلة الشاعر إلى خلق لغة شعرية داخل لغة النثر، ووظيفة خلق الإيحاء" .
    ويعود فضل كبير إلى ياكبسون الذي:"بدأ الاهتمام بالشعريات معه ونظريته اللسانية التواصلية التي اهتدى فيها إلى مفهوم الرسالة، وما يمكن أن تولده من دلالات كالوظيفة الشعرية التي تكون فيها الرسالة غاية في ذاتها، لأنها العمل الفني المعني بالدراسة" ، والشعريات:"هي بخلاف تأويل الأعمال النوعية لا تسعى إلى تسمية المعنى، بل إلى معرفة القوانين العامة التي تنظم ولادة كل علم، ولكنها بخلاف هذه العلوم التي هي علم النفس، وعلم الاجتماع (..)تبحث عن هذه القوانين داخل الأدب ذاته، فالشعريات إذن مقاربة للأعمال مجردة وباطنية في الآن نفسه" ، وهي:"الكليات النظرية عن الأدب نابعة من الأدب نفسه إلى تأسيس مساره، فهي تناول تجريدي للأدب مثلما هي تحليل داخل له" .
    ولأهمية اللغة ودورها في بعث هذا التوتر والإحساس من خلال انزياحها المقصود يرى الهادي الجطلاوي أن موضوع الأسلوبية:"هو النظر في الإنتاج الأدبي، وهو حدث لغوي لساني، أما منهجها في النفاذ إلى أسلوب النص فهو منهج لغوي يروم الوقوف على الخصائص اللغوية فيه وعلى العلاقة الرابطة بين هيكله اللغوي ووظيفته الشعرية" ، وتؤكد يمنى العيد ذلك بقولها:"لم يعد بإمكاننا اليوم أن نعالج المسألة الشعرية بمعزل عن المسألة اللغوية، ليس لأن الشعر نص مادته اللغة، بل لأن ما قدَّمته العلوم اللسانية الحديثة من مفاهيم تخص اللغة ترك أثره العميق والمباشر أحيانا على مفهوم الشعر" .
    وهنا تبرز مسألة التداخل بين الأسلوبية والشعرية، وهو ما بيَّنه أحد الباحثين بقوله:"للأسلوبية علاقة بالشعرية، بحيث تشمل هذه الأخيرة الأسلوبية بوصفها مجالا من مجالاتها البارزة" ، لكن جون لويس كابانيس يبين ذلك بطريقته الخاصة، حيث يؤكد أن التداخل بين الشعريات والأسلوبيات راجع إلى اهتمامها-في الفترات الأخيرة- بالأسلوب، ومفهوم الانحراف، وفكرة الجنس، فهو على الرغم من انه حاول أن يفرق بين أسلوبيات شارل بالي التي كانت تهتم بالتعبير عن العواطف في اللسان دون الاعتناء بالآثار الأدبية، وأسلوبيات ليو سبيتزر (1887-1960) Léo Spitzer التي عمدت إلى دراسة أسلوب الكاتب، ونظرت إلى الأسلوب على انه انحراف نسبة القاعدة التي يكونها اللسان المعاصر، فتطورت الأسلوبيات حتى وجدت نفسها معنية بالأسلوب، ومفهوم الانحراف، والجنس الأدبي، والخطاب، فتقاطعت مع الشعريات التي كانت تقوم على دراسة هذه الموضوعات خصوصا ذلك المسمى بالأسلوب الشعري الرمزي، والأسلوب النثري، كما فعله جون كوهين" .
    لكنه يعود ويحاول وضع الفرق بينهما في قوله:"الدرس اللساني يفرق بين الشعريات والأسلوبيات من حيث حدودهما العلمية وطبيعتهما، ذلك أن الاتجاه الشعري يظل مسوسا بمنظار منهجي لا يبحث عن الصفة المميزة للأسلوب، ولا يدرس الخصائص المميزة للعلامات إلا داخل منظومة الأثر، لأن الأعمال من مشمولات الأسلوبيات، وذلك هو الفرق بينهما" .
    وتقر الأسلوبية بدور القارئ أو المتلقي، حيث يرى ميكائيل ريفاتير أن:"كل بنية نصية تثير رد فعل لدى القارئ تشكل موضوعا للأسلوب" ، كما اقترح فرانسوا راستيي François Rastier:"نظرية للقراءة عمدتها القارئ" ، وذلك إقرار بأهمية القارئ حين تلقيه للعمل الأدبي ودعوة صريحة لإشراكه في شرح وتفسير النص الأدبي، وهنا تبرز مسألة التأثير وتأثر الأعمال الأدبية بالنظرية التواصلية التي طرحها رامان سلدان الذي:"أبرز دور الرسالة، ودور القارئ الذي يفكك شفرة الرسالة في بناء الفعل التواصلي وإدراك الدلالات المختلفة" .
    وأسهم نعوم تشومسكي (ولد عام 1928)Noam Chomsky من خلال نظريته التحويلية التي تُقَّدِم:"أداة للتحليل الأسلوبي يفسر العلاقة بين الإبداع عند الأديب والإبداع الذهني عند المتلقي" ، والحديث عن الإبداع عند المتلقي الذي يتواصل بالإبداع عند الأديب يطرح أهمية تزود المتلقي بالثقافة المطلوبة وإحاطته بالمجال الذي هو بصدد قراءته، كما يرى مصطفى ناصف أن:"النص الأدبي الرفيع لا يمكن أن يتفتح أمامنا دون ثقافة واسعة في المجال العقلي والروحي الذي ينتمي إليه هذا النص" بمعنى أن هناك:"ظواهر أساسية في تركيب اللغة أو المعنى تحتاج إلى تنوير من خلال الربط بين الشعر واللغة والفلسفة والدين" ، وهنا يتأكد دور القراءة الواعية في تشكيل رؤية جديدة تتكشف لدى القارئ مع كل نص يقرأه، ومع تعدد القراءات يكتسب القارئ مجموعة من الطاقات التحليلية التي كانت غائبة عنه قبل ذلك في شتى مجالات إبداع الفكر البشري، مثلما يقول ليونارد بلومفيلد (1887-1949) Leonard Bloomfield:"لكي يتسنى لنا تحديد دلالة صيغة لغوية معينة تحديدا علميا دقيقا، لا بد لنا من معرفة علمية حقيقية بكل ما يشكل عالم المتكلم" ، وإذا كان هذا منطبقا على شتى أنواع الأدب، فإن الضرورة تقتضي ذلك خاصة في الشعر الذي يحفل بكثير من الإنزياحات ويطلق العنان للخيال والرمز، مما يحتِّم على القارئ الإبحار مع الشاعر والإمساك بالدلالة وإن تعددت أوجه التناص، ولعل هذا ما دفع هنري بير إلى أن يقول:"الحقيقة أظهرت لهاوي الشعر وللذي يقرأه لنفسه وينعم به دون الغوص فيه على تلميح مخفي أو رسالة فلسفية، أن الشعر الجيّد للقارئ الجيّد" أو كما قال ملارميه في مقابلة أجراها معه جول هوريه عام 1891:"على الشعر دائما أن يحمل لغزا، وهو هذا هدف الأدب. أعتقد أن الشعر موجود للنخبة، في مجتمع يعرف ما الأبهة" ، هذه النخبة لا بد أن تكون المتلقي المتمكن والحصيف الذي يستطيع فك الألغاز وبالتالي الإحاطة بالدلالة.
    يقول شكري عزيز الماضي:"يرى البنيويون بأن القارئ ليس ذاتا، إنه مجموعة من المواصفات التي تشكلت من خلال قراءاته السابقة، وبالتالي فإن قراءاته للنص وردّ فعله إزاءه تتحدد بتلك القراءات، وبما أن هناك قراء عديدين فإن هناك قراءات متعددة للنص الواحد" ، وهذا يعني أن قراءة جديدة تفيدنا بجانب من جوانب النص النابضة بالحياة، والتعدد في القراءة بقدر ما يستجلي إضاءات مختلفة حول النص، فهو يثري النص وقارئه معا، وكثرة القراءات بقدر ما تبيِّن لنا أهمية النص المقروء، فهي تطلعنا على الزوايا الممكنة والمحتملة التي يمكن النظر من خلالها إلى هذا النص، وبالتالي إمكانية القراءة والتأويل الذي يفرضه الانزياح في بنية النص الأدبي، وتحاول الأسلوبية الإمساك به.
    والأسلوبية تهتم بالسياق للإحاطة بالدلالة، فالسياق وحده:"هو الذي يوضح لنا ما إذا كانت الكلمة ينبغي أن تؤخذ على أنها تعبير موضوعي صرف، أو أنها قصد بها أساسا التعبير عن العواطف، والانفعالات وإلى إثارة هذه العواطف والانفعالات، ويتضح هذا بخاصة في مجموعة معينة من الكلمات نحو:حرية، عدل، التي قد تشحن في كثير من الأحيان بمضامين عاطفية" ، أو كما يقول بلومفيلد:"إن دلالة صيغة لغوية ما إنما هي المقام الذي يفصح فيه المتكلم عن هذه الدلالة والرد اللغوي أو السلوكي الذي يصدر عن المخاطب" ، وهذا ما يوضحه أكثر أندري مارتيني (1908-1999) André Martinet بقوله:"خارج السياق لا تتوفر الكلمة على معنى" ، وأعطى بول جون أنطوان مييي (1866-1936) Paul Jules Antoine Meilletوجها إحصائيا للسياق حينما أكَّد أنه:"لا يتحدد معنى الكلمة إلا من خلال معدل استخداماتها" ، لهذا كان أشهر شعار لدى لودفيغ فيتغنشتاين (1889-1951) Ludwig Wittgenstein :"المعنى هو الاستعمال" ، وهو الشعار الذي تلقَّفه عبد السلام المسدي حينما وسم الأسلوب بالعبارة التالية:"الأسلوب هو الاستعمال ذاته، فكأن اللغة مجموعة شحنات معزولة. فالأسلوب هو إدخال بعضها في تفاعل مع البعض الآخر كما لو كان ذلك في مخبر كيماوي" ، فالكلمة لوحدها معزولة لا نستطيع الجزم بمدلولها، وتبقى الدلالة المعجمية لها مفتوحة على كل التأويلات، أما حين استخدامها في الجملة والنص فيمكن استبعاد بعض الدلالات والاقتراب من دلالات ممكنة أخرى، أو حصرها في دلالة واحدة لا غير.
    ...للمزيد في الرابط أعلاه !

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    والله أعلم بالصواب ....ولعل أحد أهل التخصص يسعفنا بتلخيص

  28. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (زهرة متفائلة) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  29. #15
    فريق إعراب القرآن الكريم

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 24759

    الكنية أو اللقب : بنت الإسلام

    الجنس : أنثى

    البلد : دار الممر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 20

    التقويم : 551

    الوسام: ⁂ ۩ ۞
    تاريخ التسجيل11/6/2009

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:02:59 PM

    المشاركات:16,696

    السيرة والإنجازات

    تاريخ التسجيل
    11/6/2009
    البلد
    دار الممر
    المشاركات
    16,696
    1434/11/19 هـ

    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

    الأسلوبية (1) :

    * من أبرز المناهج النقدية المعاصرة ، وأكثرها قدرة على تحليل النص الأدبي تحليلاً ينأى عن الذاتية والانطباعية ، ويقترب - إلى حدٍّ كبير - من الدراسة العلمية الموضوعية ؛ لأنها تنطلق فى تحليلها للنص الأدبي من بنيته اللغوية ، دون أن تولي المؤثرات الأخرى التي تصاحب إبداع النص - كالمؤثرات السياسية والاجتاعية والثقافية وغيرها من المؤثرات - كبير عناية .
    إن الأسلوبية لا تعني بالبنية اللغوية في ذاتها ، بقدر ما تعنى بقوتها التعبيرية ، وتأثيرها الجمالي ، ودورها الفعال في إنتاج المعنى وإبداع الدلالة ، فى إطار تجربة مكتملة ، قد تتعدد أغراضها ، ولكنها تؤلف - في النهاية - لوحة متكاملة .
    وهذا يعنى أن الدراسة الأسلوبية ترتكز - فى تعاملها مع النص - على محوريْن ، يرتقى بهما النص إلى الأدبية ، أحدهما لغوى ، والآخر جمالي ، فهي " تتجه إلى تحليل النظام اللغوى للعمل الأدبي ، وتفسير سماته فى حدود الغاية الجمالية لهذا العمل ، باعتبار معناه الكلِّي ، وهنا يبدو الأسلوب نظامًا لغويًّا فرديًّا لعمل أو مجموعة من الأعمال" .
    وإذا استخدم علم الأسلوب استخدامًا أدبيًّا خالصًا فإنه ينحصر فى دراسة عمل فني أو طائفة من الأعمال الفنية توصف في حدود معانيها ووظائفها الجمالية ، أي إذا كانت الغاية الجمالية هي مركز التحليل ، فإن علم الأسلوب " يعدّ - إذ ذاك - فرعًا من علم الأدب ، وهو فرع مهم ؛ لأن المناهج الأسلوبية هي - فقط - التي يمكنها تحديد السمات المميزة للعمل الأدبي " .

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ( 1 ) مقتطف من مقدمة رسالة دكتوراه


    * بينما البنيوية

    * والشعرية :



    .....

    إن شاء الله تكتمل الإجابة غدا ...من أهل العلم

  30. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (زهرة متفائلة) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  31. #16
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 43553

    الكنية أو اللقب : ابو محمد

    الجنس : ذكر

    البلد : لبنان-بيروت

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : رياضيات وحقوق

    معلومات أخرى

    التقويم : 38

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل29/3/2013

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:12:37 PM

    المشاركات:995
    تاريخ التسجيل
    29/3/2013
    البلد
    لبنان-بيروت
    المشاركات
    995
    1434/11/20 هـ
    ماشاء الله الأخت زهرة متفائلة دائما سبّاقة للبحث النّافع والمفيد أثابكم الله جزيل الثّواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

  32. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (عباس بيضون) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  33. #17
    فريق إعراب القرآن الكريم

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 24759

    الكنية أو اللقب : بنت الإسلام

    الجنس : أنثى

    البلد : دار الممر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 20

    التقويم : 551

    الوسام: ⁂ ۩ ۞
    تاريخ التسجيل11/6/2009

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:02:59 PM

    المشاركات:16,696

    السيرة والإنجازات

    تاريخ التسجيل
    11/6/2009
    البلد
    دار الممر
    المشاركات
    16,696
    1434/11/20 هـ
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبها عباس بيضون اعرض المشاركة
    ماشاء الله الأخت زهرة متفائلة دائما سبّاقة للبحث النّافع والمفيد أثابكم الله جزيل الثّواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

    محاولة للتعقيب !

    كتب الله لكم الأجر على ما تفضلتم به ، وأثابكم الله كل الخير ، وبارك الله فيكم .
    هي مقتبسات فقط ولكن الإجابة لم نستطع التوصل إليها ...
    فإن كان بمقدور فضيلتكم الإتيان بإجابة موجزة للسؤال المطروح يُتبيّن من خلاله الفرق جليا ومن كل الجوانب .

    وجزاكم الله خيرا

  34. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (زهرة متفائلة) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  35. #18
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 43553

    الكنية أو اللقب : ابو محمد

    الجنس : ذكر

    البلد : لبنان-بيروت

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : رياضيات وحقوق

    معلومات أخرى

    التقويم : 38

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل29/3/2013

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:12:37 PM

    المشاركات:995
    تاريخ التسجيل
    29/3/2013
    البلد
    لبنان-بيروت
    المشاركات
    995
    1434/11/20 هـ
    وفي هذا البحث مايُفيد :
    ماالفرق بين الأسلوبية ,والبنيوية ,والشعرية .
    الموضوع الأول
    الشعرية اللسانية والشعرية الأسلوبية
    محمد القاسمي
    تمهيد:
    عرفت البلاغة في صورتها الغربية، خلال القرن التاسع عشر، تراجعا ملموسا. ولعل أسباب ذلك كثيرة، لا يسمح المقام باستعراضها، أهمها انحصار كل الجهود في وضع المصطلحات والتقسيمات والتصنيفات، المملة أحيانا، وتحول الخطاب البلاغي إلى قوالب جاهزة ومحنطة، وأصبحت الصور البلاغية تستعمل أدوات لوصف الإبداع الأدبي وليس لإنتاجه.
    ومنذ الخمسينات من هذا القرن عرف الدرس البلاغي قفزة نوعية وكمية بفضل بعض المناهج الحديثة كالبنيوية والأسلوبية والشعرية والسميولوجيا . وقد كان رولان بارت من النقاد الأوائل الذين فطنوا إلى ضرورة بعث البلاغة من جديد ودراستها في ضوء مفاهيم حديثة ومناهج جديدة. وهكذا نجده يخصص كل محاضراته منذ 1964 في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا: E.P.H.E لتحليل بلاغة أرسطو مهيبا بالمشاركين في ندوة "سوسيولوجية الأدب" بضرورة إعطاء أهمية كبيرة للتحليل البلاغي . وفي فترة متقاربة استند جيرار جونيت في تحديد "فضاء اللغة" على مجموعة من البلاغيين القدماء من أمثال (دومارسيه) و(لامي) و(فونطانيي) وغيرهم . وفي نفس السياق، أي ربط القديم بالجديد ومحاولة البحث عن أصول التجديد في البلاغة، نستحضر الإنجازات القيمة لكل من جان مولينو ومولينيه وتودوروف ونيكولا ريفي وغيرهم.
    إن البلاغة القديمة عند هؤلاء ما زالت سارية المفعول، كما أن جل مفاهيمها تعمل باستمرار، رغم أنها تلقب بأسماء جديدة وأن النظام البلاغي القديم قد أصبح أكثر مرونة لأنه تكيف مع معطيات الدرس الأدبي الحديث، بل أكثر من ذلك إن بنية الخطاب البلاغي مرتبطة بمحاولة البحث في نظرية الأدب بصفة عامة. وفي هذا الصدد ظهرت بعض المحاولات الجادة داخل الفضاء البلاغي تندرج ضمن ما يعرف بالشعرية البنيوية أو الشعرية اللسانية. ويمكن أن نؤصل لهذه المحاولات بالعودة إلى أعمال جان كوهن ، وتودوروف وفاركا وجماعة مو البلجيكية وشارل برونو وموريس بلانشو وغيرهم.
    1 – الشعرية اللسانية:
    تنطلق الشعرية اللسانية في تأسيس موضوعها من مسلمات أساسية أهمها:
    أ – إن البلاغة القديمة لم تعد قادرة على تحديد مواطن الجمال في النصوص الإبداعية لأنها اقتصرت على التصنيف والتبويب، وتعاملت مع الأشكال التعبيرية المختلفة كالوزن والقافية والاستعارة والتقديم والتأخير والحذف بوصفها أنماطا معزولة، وظواهر مستقلة وانزياحات فردية، حيث لم تكلف نفسها عناء البحث عن البنية المشتركة بين القافية باعتبارها مقوما صوتيا والتقديم والتأخير باعتباره مقوما تركيبيا والاستعارة بوصفها مقوما دلاليا. وبطبيعة الحال فإن الشعرية اللسانية تسعى إلى تجاوز استقلالية الانزياحات بعضها عن بعض لتقيم مكانها جدلية الانزياحات كل حسب وظيفته ومستواه اللساني، إنها باختصار تقيم ما يسميه كوهن بشكل الأشكال ، من خلال البحث عن الأساس المشترك بين الأشكال المختلفة تفضي في النهاية إلى نظرية متكاملة تتضمن مجمل العمليات التي ينبني عليها الشعر.
    ب – كانت الشعرية التقليدية تتناول الفرق بين الشعر والنثر من وجهة نظر ضيقة، حيث كانت تنظر إلى الشعر "على أنه النثر مضافا إليه الوزن والقافية وعندما يتجرد من الوزن والقافية ويتحول إلى نثر يعود إلى ما يستطيع القارئ أن يفهمه" . ومن هنا فإن الفرق بين الشعر والنثر فرق كمي فقط، فالبلاغة القديمة كانت تتصور أن القول الشعري لا يكتمل إلا بإضافة ما تسميه بالمحسنات الجمالية، وهذه المحسنات لا تتوفر، طبقا لقواعد البلاغة، إلا في النصوص الإبداعية. وقد ظل هذا التصور سائدا لمدة طويلة خاصة في العصور التي ازدهرت فيها البلاغة التقليدية.
    الواقع أن مثل هذا التصور يفضي إلى إقامة نظرية عاجزة عن إدراك القيمة الجمالية للنص الإبداعي وتحديد بنيته الفنية . وهذا ما دعا الشعرية اللسانية إلى إعادة طرح القضية من جديد مقررة أن الفرق بين الشعر والنثر يتم من خلال الشكل وليس المادة، أي من خلال المعطيات اللغوية الداخلية وليس المضامين التي تعبر عنها تلك المعطيات. ومن هنا فإن مجرد زينة وحلية للخطاب الشعري بل إنها خصائص جوهرية وسمات أساسية في الخطاب الشعري، فهذه الصور البلاغية كما يقول كوهن "ليست مجرد زخرف زائد، بل إنها لتكون جوهر الفن الشعري نفسه فهي التي تفك إسار الحمولة الشعرية التي يخفيها العالم، تلك الحمولة التي يحتفظ بها النثر أسيرة لديه" . إن الشاعر، وفق هذا التصور، يفكر بطريقة شعرية منذ البداية أي أنه لا يرتب أفكاره نثرا ثم يحولها إلى شهر بإضافة محسنات لغوية بديهية لأن "طريقة التعبير الشعري تحمل أفكار الشعر الخاصة بحيث تصبح الفكرة نفسها فكرة شعرية ويصبح تجريدها من صياغتها الشعرية تدميرا لها بوصفها شعرا" .
    ـ إن البلاغة القديمة فقدت وظيفتها الأساسية في تأويل النصوص الأدبية لتصبح مجموعة من القواعد المعيارية، وفي المقابل فإن الشعرية الحديثة لم تعد تهتم بابتكار أدوات الإنتاج الأدبي بل تهتم بإنتاج أدوات للوصف والتحليل .
    ومعلوم أن الشعرية اللسانية تحركت داخل إطارات نظرية ومنهجية مختلفة، وسنقتصر هنا على تيار قوي احتضن اللغة الفنية باعتبارها انحرافا أو انزياحا عن المعيار وهو ما يعرف بنظرية الانزياح، لتماسكه المنهجي وقابليته للتعميم على نصوص إبداعية أخرى ومنها نصوص تراثنا الشعري.
    مفهوم الانزياح:
    قبل تعريف مفهوم الانزياح أو ما يسميه بعض المتخصصية بالعدول أن المجاوزة نشير إلى أن جون كوهن قد شيد صرحه النظري والمنهجي في تحليل "بنية اللغة الشعرية" على مجموعة من الثنائيات، رغبة منه في إضفاء طابع العلمية والموضوعية على عمله من جهة، وتجاوز الانطباعية والتأثرية التي سقطت فيها البلاغة القديمة من جهة أخرى. ولعل أهم ثنائية اعتمدها كوهن في تحليل الخطاب الشعري ثنائية: (معيار/انزياح) أو ما يعرف اختصارا بنظرية الانزياح .
    والواقع أن مفهوم الانزياح قد استعمل أول مرة في الدراسات الأسلوبية خاصة عند ريفاتير وبالي وسبيتزر، ولكن كوهن أعطى المفهوم بعدا آخر وطوره حتى ارتبط باسمه. فما المقصود بالانزياح عند كوهن؟
    إن مفهوم الانزياح عند كوهن لا يختلف عن التعريف الذي يعطيه شارل برونو للواقعة الأسلوبية، فالأسلوب عنده "هو كل ما هو ليس شائعا ولا عاديا ولا مطابقا للمعيار العام" . ومن هنا يمكن القول إن الأسلوب انزياح، وحينئذ لا نحدد ما يوجد فيه، ولكن نحدد ما لا يوجد فيه، أي أن الأسلوب هو ما ليس شائعا ولا مألوفا ولا مصوغا في قوالب مستهلكة. إن الرسالة لا تعد شعرية إلا إذا انزاحت عن سنن اللغة أو بتعبير بارت إن الأسلوب يحدد بالقياس إلى درجة الصفر في الكتابة، ذلك أن كوهن لا يؤسس تعريفه للشعر على أساس معايير كمية "فالشعر نقيض النثر" .
    إن فكرة الانزياح بهذا المعنى تبحث عن المبدأ الثابت في اللغة الفنية، كما تبحث عن القواسم المشتركة في لغة جميع الشعراء بصرف النظر عن اختلاف لغاتهم وبيئاتهم ونمط كتاباتهم، فالانزياح غير فردي وغير مختص بمرحلة أدبية دون أخرى. ويؤكد كوهن أن شعرية النص الفني تمر بمرحلتين أساسيتين:
    1 – مرحلة طرح الانزياح، وفيها يتم مخالفة القواعد النثرية وتكسير بنيتها التركيبية والدلالية والصوتية.
    2 – مرحلة نفي الانزياح، وفيها يتم إعادة بناء الجملة من جديد كي تستعيد انسجامها وملاءمتها، فالشعرية "عملية ذات وجهين متعايشين متزامنين: الانزياح ونفيه تكسير البنية وإعادة البناء من جديد. ولكي تحقق القصيدة شعريتها ينبغي أن تكون دلالتها مفقودة أولا ثم يتم العثور عليها، وذلك في وعي القارئ" . وفي ضوء هذا التصور حلل كوهن مجموعة من الصور البلاغية باعتبارها انزياحا عن سنن اللغة، وهي صور أسلوبية تنتمي إلى مستويات لسانية مختلفة صوتية ودلالية وتركيبية . ونجد نفس التصور عند كبدي فاركا Kibedi Varga، مع اختلاف بسيط في طبيعة الأنواع الانزياحية فهو يرى أن كل صورة بلاغية وحدة لسانية تتضمن انزياحا، وأن الصور البلاغية عبارة عن نظام من الانزياحات اللسانية، وهنا يميز بين ثلاثة أنواع من الانزياحات: انزياحات تركيبية أي علاقة العلامة بالعلامة وانزياحات تداولية أي علاقة العلامة بالباث والمتلقي وانزياحات دلالية أي علاقة العلامة بالواقع .
    وهناك سؤال يفرض نفسه وهو: هل يكفي وجود الانزياح لكي تحقق الشعر؟ يجيب كوهن أنه لا يكفي خرق سنن اللغة لخلق قصيدة شعرية، فالأسلوب خطأ ولكن ليس كل خطأ أسلوبا، ومن هنا فإن "الورود المتواتر للانزياح في القصيدة لا يؤكد بأنه يمثل الشرط الضروري والكافي للواقعة الشعرية" .
    إن هذا الموقف الذي عبر عنه كوهن سمح له بإقصاء سلسلة من الانزياحات التي تشوش على العملية الشعرية والوظيفة الشعرية وفي مقدمتها الانزياحات السريالية حيث يصعب الانتقال من المعنى التقريري إلى المعنى الإيحائي المقصود. وفي هذا الصدد ينص كوهن أن الانزياح الشعري يتم تحديده من خلال تحول في الدلالة، أي الانتقال من المعنى التقريري العقلي إلى المعنى الإيحائي الانفعالي وأنه لا يتم ظهور المعنى الثاني إلا باختفاء الأول، ويظهر ذلك جليا في مختلف مظاهر الانزياح كالنظم والتحديد والإسناد والتقديم والتأخير وغيرها من الصور الأسلوبية، "فالانزياح عند كوهن ليس الغاية النهائية في حد ذاته، بل إنه مجرد وسيلة" .
    ورغم أهمية أطروحة الانزياح التي دافع عنها جون كوهن في معالجة الظاهرة الأدبية، فإنها لم تسلم من عدة اعتراضات وانتقادات تراوحت بين الليونة والعنف. ولن نهتم باستعراض كل الاعتراضات والانتقادات التي وجهت إلى الشعرية اللسانية باعتبارها انزياحا عن المعيار، لأن المقام لا يسمح بذلك، بل سنقتصر على استعراض أبرزها.
    إن أهم الانتقادات التي وجهت إلى الشعرية اللسانية باعتبارها انزياحا عن قانون اللغة قد جاءت من البنيوية نفسها، ونستحضر في هذا المجال انتقادات جرار جينيت من خلال مقاله: "اللغة الشعرية وشعرية اللغة" . ينبغي التسجيل منذ البداية أن جنيت لا يقلل من أهمية نظرية الانزياح عند كوهن، سواء من حيث المنهج الذي توسل به الباحث أو من حيث الاستنتاجات التي توصل إليها، ومع ذلك فإنه يناقشه في بعض المواقف والآراء المتعلقة بالأسلوبية والبلاغة القديمة وتحولات الشعر الحديث. ونكتفي هنا بإيراد اعتراضين اثنين:
    1 – غياب الاهتمام بالانزياحات المعجمية في تحديد بنية اللغة الشعرية، ومعلوم أن "بيير غيرو" أثبت وجود معجم شعري انطلاقا من دراسته لمتن شعري، وقارن معطيات هذا المعجم الشعري بتلك التي حصرها "فإن ديربيك Van Derbeke في اللغة العادية، وتكشف هذه المقارنة عن وجود انزياح معجمي واضح جدا .
    2 – إذا كان كوهن يؤكد أن غياب دلالة المطابقة شرط ضروري لظهور دلالة الإيحاء فإن جونيت يعترض على هذا الموقف ويرى أن الحضور المزدوج لدلالة المطابقة ودلالة الإيحاء هو الذي يحافظ على الالتباس الشعري في الصورة الحديثة أو الصورة الكلاسيكية .
    ونفس الموقف نجده أيضا عند جماعة مو البلجيكية في عملها المشترك "بلاغة عامة Rhétorique générale"، فالواقعة الأسلوبية في نظر هذه الجماعة تستدعي استحضار ثنائية المعيار والانزياح في آن واحد، فالاستعارة مثلا لا تشكل واقعة أسلوبية إلا بالاستحضار المتزامن للمعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فالعلاقة بين الانزياح والمعيار هي التي تولد الفعل الأسلوبي وليس الانزياح وحده . وانسجاما مع هذا التصور تميز جماعة مو بين نوعين من القراءة: قراءة عالمة تستحضر الاستعمال العادي والاستعمال الانزياحي في إنتاج الواقعة الأسلوبية في آن واحد وقراءة فجة وغير عالمة لا تستحضر إلا الدلالة الإيحائية وتلغي دلالة المطابقة. ورغم هذه الانتقادات، فإن جنيت لا يرفض محتوى هذه النظرية، بل إنه يشيد بها في أكثر من موضع مضمونا ومنهجا.
    ويبدو أن أبرز الانتقادات التي وجهت إلى نظرية الانزياح نجدها عند "أوليفييه روبول olivier Reboul في مقاله "الانزياح واللغة l’écart et le language"، فقد حاول طرح القضية بشكل يسمح بالكشف عن زيفها، مركزا اهتمامه على جانب هام في الانزياح، يتعلق بعلاقة الانزياح بالصورة. وهنا يطرح التساؤل الآتي: إذا كانت أطروحة الانزياح تحلل الصور البلاغية فهل بإمكانها تحليل الخطاب البلاغي عامة أم أنها تحلل الأسلوب فقط؟ .
    ويقدم روبول في هذا الصدد اعتراضين اثنين:
    أولا: إن كل الصور البلاغية لا تشكل انزياحات، ذلك أننا نجد أساليب بدون صور بلاغية، وصورا بلاغية بدون أسلوب. ونفس الفكرة عبر عنها جورج مونان بقوله بأن هذه "النظرية التي تبرر بلا شك إحدى الخصائص في كل الأسلوب ليست –رغم ذلك- العصا السحرية التي تمكننا من كشف أسلوب من الأساليب وقياس قيمته الجمالية قياسا ثابتا" .
    ثانيا: إن الصور البلاغية لا تكتسب معناها إلا بعد حضورها في الخطاب ، فإذا كانت المتوالية اللفظية الآتية: "هذا المنجل الذهبي في حقل النجوم" تمثل استعارة جيدة عند جون كوهن لأنها تقوم على المنافرة بين المسند والمسند إليه، فإن هذا النوع من التحليل في نظر ربول ناقص لأنه يقوم بفصل الصورة عن السياق الخاص والعام للقصيدة، ولفهم الصورة الأسلوبية السابقة –الاستعارة- فإن الأمر يقتضي في تصور روبول تأطيرها من خلال قراءة القصيدة كاملة.
    ومما يؤخذ على نظرية الانزياح أيضا –حسب إينافانوكوس- إهمالها السياق والعلاقات المتغيرة من نص إلى آخر، فالصور الأسلوبية في اللغة الأدبية" ينبغي أن تقيم في سياق العمل الذي ولدت فيه. والعناصر الجاذبة للانتباه تكون كذلك بالنسبة للقاعدة التي يأخذ كل نص في فرضها نظرا لصعوبة إفراد مفهوم لقاعدة يكون صالحا لكل النص" .
    ولعل أهم من دافع عن هذه الفكرة وطورها الناقد الأسلوبي ميشال ريفاتير. وهو موضوع الحديث الفقرة الموالية.
    2 – الشعرية الأسلوبية:
    تنطلق الشعرية الأسلوبية في تأسيس مشروعها، من مبدأ أساسي وهو أن الوصف اللساني غير كاف لتحديد خصوصية كل نص إبداعي، لأنه يبحث عن القواعد الجمالية العامة التي تنتظم النصوص الفنية، وهذا ما جعل ريفاتير يكرس جل أعماله لتحديد الخصائص الفنية الفردية في كل نص أدبي، وفي هذا السياق، يلح على ضرورة إيجاد "معايير خاصة تميز بين الوقائع العادية التي يشتمل عليها النص، والوقائع الأسلوبية المنافرة، أي تلك التي تؤثر في المتلقي" .
    ويلاحظ أن مصادر التحليل الأسلوببي في مباشرة الظاهرة الأدبية عند ريفاتير تعود إلى اجتهادات الشكلانيين خاصة تصورات ياكبسون وإلى الشعرية البنيوية خاصة مفهوم الانزياح عند كوهن. إن التحليل الشكلاني –حسب ريفاتير- هو الكفيل وحده بملامسة الظاهرة الأدبية في النص لأنه يهتم بما هو خصوصي في النص الأدبي لا بغيره. ويرتكز على النص نفسه، وعلى العلاقات الداخلية المتبادلة ببين الكلمات، وعلى الشكل أكثر من المضمون، وعلى الأثر الأدبي من حيث هو انطلاقة لسلسلة من الأحداث، لا من حيث هو نقطة وصول لهذه السلسلة، أو من حيث هو حصيلة لها . ويتفق ريفاتير مع ياكبسون في كثير من المبادئ خاصة إمكانية تحليل اللغة الأدبية بدقة وموضوعية من خلال التركيز على لغة الرسالة ذاتها، إلا أن ريفاتير يفضل استعمال الوظيفة الأسلوبية بدل الوظيفة الشعرية عند ياكبسون، لأن الوظيفة الشعرية توهم باقتصارها على مجال الشعر. ورغم هذا الاختلاف البسيط بينهما فإن ريفاتير يجعل من الوظيفة الأسلوبية الوظيفة الوحيدة الموجهة للرسالة الأدبية، في حين تتجه الوظائف الأخرى إلى عناصر خارجية لها علاقة إما بالمؤلف أو المتلقي أو المرجع "المحتوى" وغيرها، كما تنهض بدور ثانوي في تشكيل بنية النص الإبداعي.
    إن أهم ما يميز أسلوبية ريفاتير، هو استنادها على مفهوم الانزياح، غير أن نظرية المؤلف في تحديد إجراءات الأسلوبية في النص، لا تخلو من تصرف في المفهوم، فقد حاول تجاوز أهم الانتقادات التي وجهت لهذه النظرية، وأهمها صعوبة تحديد القاعدة أو المعيار الخارجي الذي يتم الانزياح عنه، لذلك اقترح ريفاتير تعويض "القاعدة الخارجية" بـ"قاعدة داخلية" تكون مرتبطة ببنية النص الفني، فكل إجراء أسلوبي يتم تحديده من خلال علاقته السياقية بإجراءات أسلوبية عادية داخل بنية النص الفني نفسه، فالسياق وحده هو الكفيل بتحديد الوحدات اللغوي التي تقوم بدور وظيفي وإبلاغي في نظام من العلاقات من جهة والوحدات التي تنهض بدور الإجراء الأسلوبي في النظام نفسه من جهة ثانية. ومع ذلك فإن أي إجراء أسلوبي لا يحتفظ دائما بمركز "الأمامية" أو "الخلفية" بل يخضع بمختلف التأثيرات التي يمارسها السياق. وبطبيعة الحال فإن هذا السياق يختلف من نص إلى آخر، فليس هناك سياق واحد، بل سياقات متعددة. وهذا ما يفسر كيف أن كل تجاوز للقاعدة لا يشكل إجراء أسلوبيا، وأن كل تأثير أسلوبي ليس بالضرورة انزياحا عن المعيار، فالصورة الأسلوبية يمكن أن يحقق انزياحا في موضع، وكلاما عاديا في موضع آخر. وفي ضوء هذا التصور يرى ريفاتير أن الأسلوب لا يتشكل من الصور والمجازات والتقنيات البلاغية فحسب بل إن البنية الأسلوبية في نص معين تكمن في سلسلة من العناصر المتوقعة التي تدخل في علاقة تعارض مع العناصر غير المتوقعة، فكل أسلوب يشتمل على سياق ونقيضه .
    ويرى ريفاتير أن الإجراءات الأسلوبية مرتبطة ارتباطا وثيقا بإدراك القارئ لها، ذلك أن قيمة كل إجراء أسلوبي تتحدد من خلال المفاجأة التي تحدثها في المتلقي، فكلما كانت غير متوقعة كان أثرها في نفس المتلقي عميقا، فالأسلوب –حسب ريفاتير- لا يتم تحديده إلا بإبراز بعض عناصر السلسلة الكلامية وحمل القارئ على الانتباه إليها بحيث إذا غفل عنها شوه النص، وإذا حللها وجد لها دلالات تمييزية خاصة، مما يسمح بتقرير أن الكلام يعبر والأسلوب يبرز .
    وتتميز أسلوبية ريفاتير بمساهمة المتلقي في إنتاج الدلالة أو الدلالات الممكنة، بحيث لم يعد القارئ طرفا مستهلكا للنص الإبداعي بل عنصرا منتجا وحيويا في كل مراحل الخلق والإبداع. ولهذا السبب يقترح ريفاتير ألا ينطلق المحلل الأسلوبي من النص مباشرة وإنما ينطلق من الأحكام التي يبديها مجموع القراءة حوله لأن تلك الأحكام عبارة عن مثيرات أو استجابات نتجت عن منبهات كامنة في صلب النص "فالأسلوب بهذا المعنى توتر دائم بين لذات التلقي وخيبة الانتظار لدى المتلقي" ، وهذا التوتر الدائم هو جوهر العملية الأسلوبية، أو ما عبر عنه ريفاتير بعنصر المفاجأة، الذي يمكن أن نؤصل له بالعودة إلى ياكبسون الذي قرر بأن المفاجأة الأسلوبية هي "توليد اللامنتظر من خلال المنتظر" . وقد استغل ريفاتير هذه الفكرة فقرر أن قيمة كل إجراء أسلوبي تتناسب مع حدة المفاجأة، فكلما كانت الخاصية الأسلوبية غير منتظرة كان وقعها في المتلقي عميقا، وكلما تكررت نفس الخاصية الأسلوبية في نص معين ضعفت قوتها التأثيرية، لأن التكرار يفقدها شحنتها التأثيرية تدريجيا .
    ومن جهة أخرى يرى ريفاتير أن الإجراء الأسلوبي، الذي يقوم على عنصر المفاجأة، يلزم السياق دائما ولا علاقة له بفكرة الانزياح التي دافع عنها كوهن، وهذا السياق لا علاقة له بالمعنى الشائع للكلمة، وإنما تتحدد دلالته داخل بنية النص الفني. ومن هنا فإن المحلل الأسلوبي لا يركز على العناصر الموسومة في النص لأنها عناصر بارزة بل يولي نفس الاهتمام للعناصر غير الموسومة(*).
    ويقسم ريفاتير السياق الأسلوبي إلى قسمين:
    1 – السياق الأصغر Microcontexte: ويتحدد بالعلاقة بين الكلمات الموسومة والكلمات غير الموسومة، وليس لأي من الطرفين تأثير بدون الآخر، ويرمز إليه ريفاتير بالشكل التالي: السياق + التضاد Contraste، ويمثل له بقول الشاعر: "وهذا الغموض الواضح الذي يسقط النجوم" ، حيث إن الخاصية الأسلوبية تحققت بإسناد صفة الوضوح إلى الغموض، وهو إسناد عنصر غير موسوم "الوضوح" إلى السياق الذي يتشكل من كلمة واحدة وهي "الغموض".
    2 – السياق الأكبر Macrocontexte: وفي مقابل السياق يحدد ريفاتير نوعا آخر من السياق الأكبر يتحقق من خلال إمكانيتين:
    أ – السياق --<الإجراء الأسلوبي --< السياق.
    ويتميز هذا النوع بالعودة إلى السياق الأول بعد الإجراء الأسلوبي الذي مهد له منذ البداية ويتحقق هذا النموذج من السياق الأكبر بإدخال عنصر موسوم –كلمة غريبة عن السلسلة الكلامية- في السياق.
    ب – السياق --<الإجراء الأسلوبي باعتباره نقطةانطلاق لسياق جديد --< إجراء أسلوبي .
    ويبدو من خلال التمييز بين هذين السياقين أن الفرق بين السياق الأصغر والسياق الأكبر هو أن الأول يتحقق في جملة واحدة، كالتشبيه والاستعارة مثلا، أما الثاني فيتحقق من خلال النص كله.
    وأخيرا، إن تحديد الأسلوب بالتعارض بين العناصر المنتظرة والعناصر غير المنتظرة في النص الفني هو الذي يشكل نقطة الاختلاف بين الشعرية والأسلوبية، ففي الوقت الذي تبحث الشعرية عن البنيات المشتركة بين مختلف النصوص الإبداعية، تصر الأسلوبية على أن لكل نص أدبي خصائصه ومظاهره الجمالية التي تحدد أدبيته والتي ينبغي أن تعاين باستقلال عن النصوص الأخرى.
    الموضوع الثاني:
    من الأسلوبية إلى الشعرية

    جان-ماري كلينكينبرغ

    تقديم وترجمة: فريدة الكتاني

    تقديم:

    من المعروف أن "البلاغة"، منذ أرسطو، كانت، في دراستها لأنماط خطابية محددة (الخطاب التداولي والخطاب القضائي والخطاب الإشاري)، تبئر اهتمامها على وسائط إقناع المخاطب بصحة قضية ما. غير أنها لم تلبث أن فقدت هذه الخاصية الذرائعية المباشرة باتخاذها الخطاب الأدبي موضوعا امتيازيا لها، وخاصة منه الخطاب الشعري. ثم ازداد مجال اهتمامها بعد ذلك تقلصا لينحصر في إواليات ترصيف الكلمات في الجملة، أي فن الأسلوب، قبل أن تتحول إلى مجرد إحصاء لصور زخرفية مقولبة، وتصبح ممارسة مبتذلة سرعان ما اختفت من البرامج التعليمية.

    ولئن كانت البلاغة ستشهد في الستينات صحوة نوعية بأثر من اللسانيات (البلاغة الجديدة)، فإن ما يهمنا من مسارها التطوري هذا هو أن "الأسلوبية" قد تولدت بالذات من نوع من القطيعة السجالية مع "البلاغة" في بداية القرن العشرين. وقد اختصت بملامح الموهبة والتفرد والإبداع في الخطاب الأدبي، أي دراسة فن التعبير عن حساسية الأديب باللغة واثر هذه اللغة على حساسية الأديب تلك. وهذا يعني احتفاء خاصا بالإمكانيات الأسلوبية للغة، أي "الآثار الأسلوبية" بالمعنى السوسري، أو "الوظيفة الانفعالية" للغة بالمعنى الجاكوبسوني.

    غير أن هذا العلم الفتي (الأسلوبية) سرعان ما "انفجر" إلى مباحث لسانية مستقلة (علم المعاني، علم الأصوات…) أو تحول إلى نقد أدبي "تأثري" أو تأملات في علم الجمال، مما أفضى به إلى أزمة حقيقية ستكون، إضافة إلى عوامل أخرى (النقد الشكلاني في روسيا والنقد الجديد في أمريكا…)، إيذانا بظهور "الشعرية"، بما هي علم أخذ على عاتقه دراسة "أدبية" الأدب.

    ولا شك في أن أهمية هذه الدراسة التي قمنا بترجمتها تكمن بالذات في عنايتها الخاصة بالتأريخ لهذه النقلة النوعية التي عرفتها الدراسات الأدبية المعاصرة من الأسلوبية إلى الشعرية. وقد كتبها Jean-Marie Kkinkenberg، أستاذ البلاغة والسيميائيات في جامعة (لييج) وأحد أنشط أعضاء "Groupe U" ببلجيكا الذين طوروا الدرس البلاغي. وهي منشورة في "Revue des langes vivantes"، المجلد 51، العدد 4، 1995، ص ص. 348-370.

    وليست أهمية الدراسة تأريخية فحسب، بل هي منهجية كذلك من حيث حرصها على تحديد المفاهيم وإبراز العلاقات وتعيين الفوارق وتأويل الظواهر واقتراح النماذج النظرية والتطبيقية على اختلاف أصولها الجغرافية وآفاقها المعرفية. وهكذا، تعتمل في هذه الدراسة أسئلة مضمرة ذات ملاءمة كبرى هذه بعضها: ما هي عوامل إخفاق المشروع البلاغي الكلاسيكي وكيف أدى ذلك إلى ظهور الأسلوبية؟ كيف تم عقد القران بين الأسلوبية والأدب؟ ما هي خصائص الأسلوبية الأدبية؟ إلى أي حد يمكن اعتبار هذه الأسلوبية نقدا أدبيا؟ ما هي طبيعة الشكوك والانتقادات التي لازمت الدراسة الأسلوبية للأدبي، وكيف أدت هذه الشكوك والانتقادات إلى نشوء الشعرية بما هي ثورة جذرية في طبيعة الرؤية إلى النص الأدبي؟ ما هو دور الشكلانية الروسية والنقد الأمريكي الجديد وكذا آراء واجتهادات بعض الأدباء والنقاد والفلاسفة الحداثيين في تبلور خطاب علمي حول الأدب؟ ما هي الرهانات الإبستمولوجية لهذا الخطاب وكذا الأخطار التي تهدده؟

    ولعل مما يجدر التنويه به هنا هو أن المؤلف -في سعيه إلى رصد وتعليل سيرورة موت البلاغة، وظهور الأسلوبية ثم أفولها، واحتلال الشعرية مواقع الصدارة بين مناهج النظر إلى الأدب، ثم العودة الظافرة للبلاغة بفضل اللسانيات البنيوية- لم يفلح دائما في الالتزام بروح التجرد والموضعية، حيث جنح أحيانا إلى توريط ذائقته وذاتيته في التعاطي مع تلك السيرورة. ترى هل كان يسعه غير ذلك، سيما وأن لهذه العلوم إغراءاتها، وأن موضوعها كذلك، أي النص الأدبي، لا يقل عنها غواية؟

    ف.ك

    * * *

    يبدو أن عبارة "النقد الأدبي" لا تنطبق تماما على واقع ثابت ومتماسك: فلئن كانت تفيد في الغالب نشاطا يستهدف الحكم على موضوع معين، بحسب سلم قيمي قد تتنوع طبيعته (قيم جمالية، قيم إيديولوجية، الخ)، فإنها تدل، في معناها الرحب، على كل خطاب منتج على الخطاب الأدبي. وبهذا المدلول الثاني فقط، يمكن الحديث عن أنشطة تروم تأسيس "علم للأدب"، علما بأن هذه العبارة الأخيرة نفسها لا تخلو من إبهام، بحكم إمكان إحالتها على انشغالات (علم النفس وعلم الاجتماع مثلا) هي في حد ذاتها غريبة عن الموضوع الأدبي.

    وحسبنا هنا أن ننظر إلى ذلك العلم الذي نذر على نفسه صراحة دراسة ما يبني الأدب في خصوصيته، ألا وهو "الشعرية" (la poétique). وبما أن نظرنا الشامل هذا سيكون تاريخيا ومنهجيا في آن، فلن يسعنا فصل "الشعرية" عن نشاط آخر يشاركها نفس الاعتبار (وهو أن الأدب موضوع لغوي بالأساس ويتعين دراسته بما هو كذلك) ألا وهو "الأسلوبية" (la stylistique)، التي تتميز مع ذلك عن "الشعرية" في كونها أوثق صلة منها بالنقد في معناه المتداول.

    وإذا كنا نستصعب النظر الشامل إلى هذين النشاطين من زاوية موسوعية حقا، فليس مرد ذلك فقط إلى اعتبارات كمية (بسبب تعذر إحصاء كافة الأبحاث المنتمية إليها). بل كذلك إلى اعتبارات كيفية تتعلق بالأسلوبية خاصة.

    وبالفعل، فقد واكبت كل خطوة خطتها الأسلوبية شكوك تتصل بحدودها الخاصة، بل وبوجودها نفسه. والأكثر من ذلك هذا النزوع في السنين الأخيرة إلى إعادة توزيع ما تم اعتباره إلى حينئذ أبحاثا أسلوبية ضمن خانات مستحدثة في حقل المعرفة، هذا في الوقت الذي كانت فيه الشعرية تتخلق بخطابها النظري ومقتضياتها المنهجية. ولا يعني هذا أننا قد انتقلنا اليوم مما يدعوه(هنري ميتران Henri Mitterand) "الفوضى الغريبة"، متمثلة في أسلوبيات عدة ليس بينها أي جامع (الأسلوبية التكوينية، أسلوبية النوايا، أسلوبية الآثار، أسلوبية اللغة، الخ) إلى نوع من الإجماع العام حول موضوع البحث الجديد وإجراءاته. ذلك أن أساس هذا البحث نفسه -وهو النظر إلى الأدب من حيث خصوصيته اللغوية- قد تم وضعه موضع سؤال. لا أساسه فحسب، بل أيضا منهجيته، لدرجة جرأة البعض على تكرار ما كان يقوله( شارل برونو Charles Bruneau) عن الأسلوبية: "إذا تذكرنا ما حدث سابقا لبرج بابل، الذي حال اختلاط اللغات دون اكتمال بنائه، أمكننا إدراك الأخطار الحقيقية التي تحدق بهذا العلم الذي ما يزال في مهده"(1).

    ويبدو أن تكهن (برونو) هذا قد تحقق إلى حد ما: فلا أحد اليوم، وخلافا للمعهود من قبل، يدعي انتماءه إلى هذه الأسلوبية التي لم تعد، بما هي كذلك، تثير الجدل. ذلك أن إعادة التوزيع المشار إليها آنفا قد أدخلت نهائيا بعض أنماط البحث، التي اعتقد سابقا أنها مستقلة، في مدار علوم لغوية أخرى (الدلالية، اللسانيات النفسية، الصوتيات)، في الوقت الذي كان فيه بعضها الآخر حريصا على الظهور بمظهره الحقيقي، أي كونه نقدا أدبيا انطباعيا أو شرح نصوص أو تأملا جماليا أو فهرسة مدرسية للأساليب الخ.

    وهكذا، سيكون آخر تحول عرفته الأسلوبية هو توضيح ما كان يمكنها ولا يمكنها ادعاؤه في آن واحد. كما أن الإعلان عن موت هذا العلم -وهو ما يخلف لدى البعض ترحاب معاداة التقاليد، ولدى البعض الآخر اعتراضا شديدا- لا يعني القول بميتة احتقار أو لا مبالاة: فالأسلوبية إنما تموت اليوم من عدم تحققها. ونحن نعرف ما الذي حث ويحث على هذه الثورة: إنه اللسانيات التي وسعت، منذ عقود، نطاق نفوذها بأن أدرجت ضمن اهتماماتها القضايا الدلالية، ورفضت النظر إلى الجملة بما هي الوحدة النهائية القابلة للتحليل، وطرحت إجمالا مسألة علاقتها بـ"السيميولوجيا" كما التمسها/دو سوسور De Saussure.

    ومن ثم، يبدو تاريخ الأسلوبية في هيأة حلقة: فبعد أن تم تصورها كمادة لسانية، نزعت تدريجيا إلى اتخاذ الأدب موضوعا لها، مستعيرة عند الاقتضاء بعض الخاصيات التقليدية للخطاب المنتج على هذا الأدب، لتفضي إلى شعرية حريصة على أن تكون علما لغويا قائما بذاته، مثلما عبر عن ذلك (رومان جاكبسون Roman Jakobson) في صيغة مدهشة(2).

    1 - أسلوبية اللغة والأدب:

    1.1-تطورات الأسلوبية التطبيقية:

    لا يتسع المقام هنا للتعرض المسهب إلى فكر من ابتدع كلمة stylistique (الأسلوبية)(3) فقد كان (شارل بالي Charles Bally)، وهو تلميذ (دو سوسور) الذي استهوته فكرة "نسق أدوات التعبير"، مقتنعا بهاتين الفكرتين: أن كل بحث لساني مجرد وهم إذا لم يربط الفكر باللغة، وأن هذه اللغة قبل كل شيء ظاهرة جماعية، لا أنها أداة تواصل بين الناس فحسب، بل لأنها أيضا تسمح للمتكلم بتحديد موقعه ضمن النسيج الاجتماعي. غير أنه إذا كانت اللسانيات السوسورية تميل، بحكم مقتضيات نماذجها، إلى المطابقة بين التواصل باللغة الفطرية والتواصل باللغة العلمية، فإن الأسلوبية تلح على العناصر الانفعالية للممارسة اللغوية. وعليه، فإن كافة التجليات الفردية تنتفي، ومن بينها العمل الأدبي باعتباره فعلا كلاميا.

    ويمكن القول باختصار إن هذا البرنامج يشمل دراسة التلفظ (l 'énonciation) والتنويعات الحرة. ويتم إدراك الصلة بين الملفوظ (l 'énoncé) والتلفظ من خلال ما يدعوه (بالي) الآثار الطبيعية، وهي التي تخبر بوجدان المتكلم، ثم الآثار الإيحائية، وهي التي تحيل على البيئات (الاجتماعية وغيرها) التي يمكن أن تنسب إليها أحداث لغوية معينة"(4).

    وسيستوقف نظرنا تطور واحد من مختلف تطورات هذه الأسلوبية الأولى، وهو أن علما مثل هذا لا يمكنه إلا أن يواجه مسألة اللغة الأدبية، التي تم إقصاؤها منذ البداية. ولا يكمن سبب هذه المواجهة في عريضة العنوان الذي اختاره (بالي) لكتابه فحسب، وهو: "Traité de stylistique française"، بل أيضا في فكرة مسلم بها على نحو غامض منذ كتابه هذا، وهي أن "اللغة الطبيعية دوما جميلة بالقوة"، وعلى نحو واضح في كتابه" le langage et la vie"، وهي أن "الأسلوبية الداخلية، رغم اختصاصها باللغة المشتركة، تضطلع تماما بمهمة الكشف عن رشيمات الأسلوب، وتوضيح أن القوى التي تعتمل فيه مخبوءة في أكثر أشكال اللغة ابتذالا"(5). وحيث إن التعارض لا يعدو كونه علاقة تراتبية، فقد كان حدس إمكانية إنجاز دراسة هذه الخصائص في خطابات خاصة أمرا هينا، ومن بين هذه الخطابات الخطاب الأدبي.

    ومن المعروف أن (جول ماروزو Jules Marouzeau) قد أشاع في مجال البحث مفهوم "الانتقاء" (le choix) الدال على موقف المتلفظ من المادة التي تقدمها له البنية الاستبدالية (paradigmatique) للغة، وهو ما يقربنا بداهة من الأسلوب(6)، لأن هذا الأخير مفهوم أدبي بالضرورة. ألا يقول (ماروزو) إن "دراسة الأسلوب لا يمكن مباشرتها على نحو مفيد تبعا للأعمال الأدبية"؟(7) لكنه إذا كان ينفر من الدراسة المونوغرافية للمؤلفين، فهو يقترب من الأطاريح الجمالوية (Esthétisantes) بتفكيره في دراسات مونوغرافية للأساليب تروم فحص العناصر المكونة للغة، وذلك من أجل رصد "الفائدة التي يمكن استخلاصها منها بهدف منح هذه اللغة خاصية (une valeur)". وقد كانت كلمة "valeur" هذه من الالتباس بحيث أعطاها الكثير من القراء مدلول "قيمة".

    وسيعرف البحث تحولا نوعيا مع (مارسيل كريصو Marcel Cressot) الذي أنجز دراسة أسلوبية وصفية في كتابه "La phrase et le vocabulaire de Joris-Karl Huysmans"، قبل أن يفرد كتاب "Le style et ses techniques" للغة الأدبية. ولعل الفضل الأساس لـ(مارسيل كريصو) هو تأكيده، ومن ثم إيحاؤه الصريح بلا جدوى إضفاء وحدة منهجية على ذلك العلم، المركب حتما، الذي سيهتم بهذا المجال(8) وستكون هذه المشكلة الدقيقة، كما سنوضح ذلك لاحقا، إيذانا بنشوء "الشعرية".

    هكذا تم إذن اقتران الأسلوبية بالأدب، خاصة وأن الذي يسر هذا الاقتران هو ذلك التقليد الفيلولوجي العريق الذي أسهم في الخلط بين الاهتمام بالنصوص، الأدبية أساسا، والاهتمام باللغة. وقد أمكن بذلك الحديث، بموازاة مع أسلوبية لسانية "خالصة"، عن "أسلوبية مطبقة اللغة الأدبية" دشنتها أبحاث (شارل برونو)، الذي كان يرغب في تأسيس "علم تجميع" (une science de ramassage) يرصد ويصنف الظواهر من غير أن يضع قوانين، وذلك في أفق تحقيق توليف كبير سيحين أوانه. وقد تم تطبيق هذا "التجميع" في رومانيا خاصة، حيث كثرت الدراسات المونوغرافية ذات الطابع الإحصائي البسيط في الغالب، والتي حرص على جلها (تودور فياني Todor Viani). أما في فرنسا، فسرعان ما خبت الحمية، حيث تواترت أهم الأبحاث في الأربعينات خاصة (كريصو Cressot، ناردان Nardan، كوهين Cohen، شيرير Schérer). وبالطبع، فإذا كان إثبات الوقائع وتحديدها وتأريخها لا يخلو دائما من فائدة، وكان مستحيلا رفض أي حقيقة، فإن برنامجا مثل هذا لا يمكن أن تترتب عنه معرفة لا باللغة ولا بالظواهر الأدبية.

    فمن وجهة النظر الأولى، اعتبر بعض اللسانيين -وهم أوروبيون عموما وذوو اتجاه دياكروني- أن اللغة المكتوبة هي اللغة بحصر المعنى (وهو الخطأ الذي لم يكن بإمكان زملائهم الأمريكيين اقترافه)(9) ويتفق الجميع اليوم على الإقرار بأن فائدة لغة فردية نادرة وشاذة مثل لغة الشعراء هي فائدة بسيطة. ومن ثم، فإن كتاب " Histoire de la langue française" وخاصة فصوله التي حررها (برونو Bruneau )، يبدو نوعا ما مطابقا لعنوانه: فهو، بحكم عدم إدراكه للغة الفرنسية في حد ذاتها ولصيروراتها التاريخية، لا يمثل في الأكثر سوى مساهمة "تجميعية" في عملية استكشاف نوع من اللغة المكتوبة.

    ومن وجهة النزر الثانية، يعترف البعض بذنب جهلهم للملاءمة الأسلوبية للظواهر اللغوية المحددة: فالتساؤل عن مبتدع كلمة ما، هل هو Géongora أو Verhaeren، لا يفيد كثيرا إذا لم ينظر إلى وظيفة هذه الكلمة في نص ما. فما يعتبره المؤرخ لفظا مبتكرا قد لا يعتبره كذلك قارئ النص، مثلما يمكن للفظ آخر معتمد أن يفقد هذه الصفة، وهذا حال الألفاظ المهجورة(10) لذلك، فالتوسل بالمدونات النحوية(11)، التي يتجلى أثرها في تفجير الإواليات الأسلوبية ذات الملاءمة، لا يؤدي إلى وصف شاف ومرض للموضوع الأدبي.

    ويعتبر النقد الذي وجهه (ميكاييل ريفاطير Michael Riffaterre) في 1961 إلى كتاب (مونيك بارون Monique Parent) المعنون بـ" Francis Jammes" -وهو أحد أنجح الأبحاث المنتمية إلى مدرسة (برونو)- أكثر النقود حدة وإقناعا ضد هذا النمط من المقاربات(12).

    ومهما يكن الأمر، فإن هذه الأبحاث الكثيرة لم تكن عديمة الجدوى. فقد أتاحت أولا تطور تقنيات ذات فائدة كبرى في حقول لسانية أخرى، وسمحت ثانيا بوضع مفاهيم وتمييزات مفيدة: ألم تكن إحدى المعضلات التي أثارت جدلا طويلا في الأسلوبية الرومانية هي بالذات التمييز الذي ينبغي مراعاته بين اللغة المكتوبة واللغة الأدبية؟

    لقد ذهب (برونو) إلى ضرورة حصر موضوع الأسلوبية التطبيقية في "لغة مؤلف مخصوص" باعتبارها نموذجا للغة الشاملة(13)، ومن ثم إلى ارتهان وصف عمل أدبي ما بمدى مناقضته ومفارقته لهذه اللغة-النموذج. وهذا يذكرنا بمفهوم "الانتقاء" المركزي، الذي سرعان ما سيقترن بمفهومي "المعيار" (la norme) و"الانزياح" (l 'écart)، اللذين كانا رايتين باسمهما تحارب كثير من الأسلوبيين والشعريين دون أن يحسم في الموضوع إلى اليوم.

    ولقد كان هذان المفهومان، اللذان ينحدران من التقليد البلاغي، واللذان أريد لهما أن يكونا مقياسين محددين للغة الشعرية، مدار انتقادات صادرة عن آفاق منهجية وإيديولوجية جد متباينة. وحسبنا أن نشير هنا إلى أنهما كانا وراء تبلور منهجيات مختلفة. فبموازاة "الانزياح النوعي" (الذي اعتبره البعض، من زاوية سجالية، مرادفا "للخرق الصريح للسنن"(14)، هناك "الانزياح الكمي"الذي يتعلق بـ"الاستعمال العيني للوسائل المشتركة"(15)، والذي يعد عامل تصحيح لأبحاث مدرسة (برونو). والحق أن بينهما "مطابقة مملة"(16) مردها بالذات إلى الافتقار إلى معطيات تحدد الكمية الأسلوبية (بيير جيرو Pierre Guiraud)(17)، إلا أنه خيب كل الآمال المعقودة عليه. ولا يرجع سبب هذا الإخفاق إلى المنهج نفسه (مع أن لتقنية "الكلمات-الموضوعات" و"الكلمات-المفاتيح"، المهمل تطبيقها اليوم، نقائصها الواضحة)،وإنما يرجع إلى المزاج النفسي لذوي الميول الأدبية: فبحكم نفورهم التقليدي من شكلنة الرياضيات، ومحاولتهم رفض مفهومي "الصدفة" و"الاحتمال" في عالم مقدس، وسوء فهمهم لمفهوم "الخبر" الذي لبسوه مضمونا دلاليا، فإنهم لم يستسيغوا ولم يغفروا لمنهجية، ذات نتائج مضمونة لكن بسيطة(18)، أن تحرمهم من امتياز قول الكلمة الأخيرة عن "سر الأثر الفني". ولا شك في أن الرياضيات الاحتمالية تثبت اليوم فائدتها في مجالي الترجمة والمعلوميات أكثر مما تثبتها في حقل الشعرية، ذلك أن هذه الرياضيات، وبأثر من اللسانيات التوليدية، قد تراجعت في هذا الحقل لصالح الرياضيات الجبرية.

    1.2-الأسلوبية في اللسانيات:

    إن كل هذه الاعتبارات توضح إذن أن أسلوبية اللغة لم يعد بإمكانها اليوم أن توجد بصفتها علما مستقلا. وقد سبق لـ (ستيفان أولمان Stephen Ullmann) أن قال "إن الأسلوبية التعبيرية ليست فرعا من فروع اللسانيات، وإنما هي علم مواز يفحص نفس الظواهر من زاوية خاصة"(19). فهناك إذن، إلى جانب علم الأصوات، ما دعاه (تروبتزكوي Troubetzkoy) "الأسلوبية الصوتية"(20)، مثلما هناك، إلى جانب علم التركيب، الأسلوبية التركيبية الخ.

    وهكذا، كان على الأسلوبية،بسبب مواجهتها لإشكالية الأسلوب، إما أن تجاوز ميدانها الأصلي فتتحول إلى مبحث أدبي، وإما أن تذوب في مباحث لسانية أخرى. وكما قال ذلك (تزفيطان طودورف Tzvetan Todorov)، فإن ّدور الباحث الأسلوبي كان لمدة طويلة هو دور الرائد الذي يضم إليه مناطق جديدة، ولكنه لا يستغلها بجد إلا بعد قدوم التقني المجهز، أي اللساني. إن ما أنجزه (بالي) في مضمار المقارنة والتمييز بين المترادفات ينتمي اليوم دون منازعة إلى علم الدلالة، ذلك لأن المصادرة على أن الفرق بين مترادفين ليس أسلوبيا تعني حرمان "المعنى" من أي موقع له بين "الأسلوبي" و"المرجعي"، وهو ما لا يمكن تصوره"(21).

    تبقى المشكلة إذن في السؤال عن مدى أهمية الحفاظ، داخل كل مبحث، على التفريق بين ما هو أسلوبي وما ليس كذلك. هذا مع العلم بأن الحدود المقترحة بينهما غير ثابتة أحيانا: فمفهوم "الوظيفية" لا يفسر كل شيء في أعمال (أندري مارتيني André Martinet). كما أن القول مع (بيير ليون Pierre Léon) بـ"الخبر الثاني" لا يخلو من تسرع.

    ومع ذلك، فقد تم اقتراح بعض الحلول: فهذا (ألجيرداس جوليان جريماس Algirdas Julien Greimas) يقترح في كتابه "Sémantique structurale" تسمية كل بحث ينطلق من المتن ليفضي إلى بناء نموذج نظري بـ"الوصف الدلالي". أما ذلك الإجراء التكميلي، الذي ينطلق من النموذج الثابت ليجمع مختلف المتحولات الحرة بصفتها "نوعا من النماذج الفرعية التي تحلل اشتغال البنيات العليا وإنتاجيتها"، فيدعوه "وصفا أسلوبيا"(22).

    وفي نفس الاتجاه، يخص (طودورف) الأسلوبية بمجال محدد، حيث يقول: "إذا سلمنا باحتواء كل ملفوظ لغوي على عدد من العلاقات والقوانين والإكراهات، التي لا يمكن تفسيرها بإوالية اللغة، وإنما بإيوالية الخطاب وحدها (…)، فمن الممكن حينئذ الحديث عن تحليل للخطاب يعوض البلاغة القديمة بما هي علم عام للخطابات. ومن شأن هذا العلم أن تكون له فروع "عمودية"، كالشعرية التي تهتم بصنف خطابي واحد هو الأب، وفروع "أفقية"، مثل الأسلوبية التي لا يتألف موضوعها من كل القضايا المتعلقة بكافة الخطابات"(23).

    وبطبيعة الحال، فإن مثل هذه الأسلوبية، إضافة إلى ضرورة استفادتها من تحليل الخطاب ومن لسانيات النص(24)، ستتقارب مع دراسة التلفظ، التي لا تعتبر الإنتاج اللغوي معطى مغلقا ومنجزا، بل بمثابة سلوك رمزي. لكن هذا النوع من الدراسة، الذي تمتد جذوره العميقة إلى البلاغة والذي يطبق خاصة في البلاد الجرمانية والأنجلوساكسونية، لم ينتج بعد آثاره كاملة وواضحة في مستوى دراسة الأساليب(25).

    2 - الأسلوبية الأدبية أو النقد الأسلوبي:

    1.2-الأسلوبية والنقد:

    إن الحدود الفاصلة بين أسلوبية اللغة ودراسة الأدب كما رأينا، وخلافا لما يريده البعض، ليست حدودا كتيمة ولا ثابتة(26) وبهذا الصدد، فإن المقياس المميز بين هذين التوجهين ليس تماما ذلك التعارض بين الجماعي والفردي: فلقد أمكن لدراسة الأدب أن ترصد "أساليب حقبة معينة" وأن تتسم بالأحرى بانتقالها من الاختيارات الممكنة إلى الاختيارات الفعلية، ومن وصف نسق ما إلى وصف وقائع تلفظية. وبتعبير آخر، فإن موضوع الأسلوبية الأدبية لم يعد هو البنيات ذات التحققات الافتراضية، وإنما هو النص الأدبي بالذات.

    ولسوء الحظ، فإن هذا التحول الجوهري في تاريخ الدراسات الأدبية أخطأ أهدافه: فقد تم النظر بالفعل إلى أن النص معطى مباشر، بحيث أدى تقديس الممارسة الأدبية ببعض كبار اللسانيين أنفسهم، وبصدد هذه الممارسة بالذات، إلى الاعتقاد بأن على كل علم أن "يبني" موضوعه. فقد أكد (سبيتزر Spitzer) بأن "ميير-لوبك Meyer-Lübke، وهو رائد الاتجاه الوضعي في اللسانيات الرومانية، قد اختار بإجلال أسلوبية المؤلفين، وهي بالضرورة أسلوبية جمالية وتتطلب "موهبة فنية" من الناقد"(27). وهكذا، وبعيدا عن كونها علما للأدب، اعتبرت الأسلوبية الأدبية نفسها منذ البداية فرعا من فروع النقد. وحتى إذا رفض كثير من الأسلوبيين هذه الصلة، فإن بعضهم نظر إلى الأسلوبية بما هي نشاط مساعد للنقد(28)، وبعضهم الآخر عدها شرطا لازما له(29). وفي أحوال كثيرة، فقد ظلت ممارسة تابعة له، هذا إذا لم يتم اعتبار الممارستين متماثلتين(30). ولعل الدراسات الإيطالية كانت أكثر من غيرها مجالا لهذا الخلط(31)، بحكم حسم الباحثين مسألة علمية الأسلوبية أو لا علميتها(32).

    ومهما تكن الدرجة التراتبية لهذه العلاقة بين النقد والأسلوبية، فإن ترابطهما ليس واضحا كل الوضوح: فإذا كان على هذه أن تقدم لذاك "كشفا للنص بواسطة الوصف الدقيق"(33)، بل وكان بإمكانها أيضا أن تبرهن على توافق عناصر النص وتطابقها، فإن كافة "النقاد الأسلوبيين" ظلوا متكتمين على سيرورة الانتقال من الملاحظة الشكلية إلى أحكام القيمة. وهي ما يغري بالقول في هذه الحالة بأن الوصف اللساني لا يمثل سوى "نغم إضافي" في عمل الناقد(34).

    ومن المفيد ملاحظة أن ذوبان الأسلوبية الأدبية في النقد يوازي تماما ذوبان أسلوبية اللغة في مختلف المباحث اللسانية. إلا أن كلا من هذين التوجيهين لم يستطع أو لم يشأ صياغة جهاز مفهومي خاص كفيل بصيانة استقلاله. ففي حالة التوجه الأول، أدى التنقل بين النقد والأسلوبية إلى السيادة الإمبريالية لهذه الأخيرة، بحيث ضمت إلى مملكتها ناقدا صرفا مثل (جورج بولي Georges Poulet)، بل وحتى (إيريك أويرباخ Erich Auerbach) وكتابه "Minmesis"(35). فهل يبعث هذا التردد على الاستغراب ما دام أن الأسلوبية لم تكن جسرا بين اللسانيات والأدب (رغم قولة (سبيتزر) المأثورة) بمقدار ما كانت صرحا متكامل المعارف تتجاوز فيه غالبا نتف من علوم النفس والتاريخ والاجتماع والجمال، من غير أن يكون هناك "إسمنت" منهجي يرسخ قاعدة هذا الخليط؟ كيفما كان الأمر، ورغم العديد من التحفظات والمجادلات "النظرية"، فإن معايير البحث إجمالا مبهمة إبهام "الحدس" الذي تغنى به (داماسو ألنصو Dâmaso Alonso) في قوله: La intuicion del autour, su registro en el papel; la lectura, la intuicion del lector. No hay mâs que eso"(36)*.

    أما تعدد التسميات (أسلوبية النوايا، أسلوبية الآثار، أسلوبية الموضوعات، أسلوبية الأشكال) فلا يعكس فوارق منطقية بقدر ما يعكس ارتيابا خطيرا يتصل بأهداف البحث ذاتها.

    2.2-خصائص جوهرية: النزعة الجمالية والنزعية النفسية.

    1.2.2-لا يكتسي هذا التطور أية غرابة لدى من يريد الاهتمام بتاريخ هذا الفرع من الأسلوبية، حيث سيلاحظ بأنه، منذ البدء، تكتنفه صعوبات خطيرة. فبمجرد ما تم الترويج فعلا للأسلوبية باسمها هذا، انتهجت هذه مسارات متباينة دون أن تستطيع التحقق في أحدها. وهناك إجماع حول نسب الموقف اللاوضعي المشهور به كل من (سبويري Spoerri ودريسدن Dresden) إلى (كارل فوسلير Karl Vossler) ومن خلاله إلى (بينديتو كروتشه Benedetto Croce). والحال أن هذا الأخير يماثل بجرأة بين مفهومي الفن والتعبير، بل وبين مفهومي التعبير والحدس، مما يؤدي إلى ذوبان اللسانيات في علم الجمال(37). وهو ما يفترض نشوء اللغة بتلقائية رفقة ما تعبر عنه من رؤى وتصورات، ومن ثم إقصاء كل تحليل للمقولات اللسانية. هكذا، وإزاء فكر شامل مثل هذا، نصبح إذن وبكل بداهة بعيدين كل البعد عن حقل الشعرية التي تلح على تحليل ما قرر (كروتشه) اعتباره غير قابل للتحليل. بيد أن للأطروحات المتضمنة في كتابه "Estetica" -والتي تعمق هنا فكرة لـ (ف.دوسانكتيس F. de Santkis)- قاسما مشتركا مع الشعرية، وهو أن الفن شكل، وليس مادة. والحق أن العبرة من تعاليم (كروتشه) غير هذه: إنها تكمن على العكس في النزعة الجمالية الكلية التي يمثلها (فوسلير Vossler) في مرحلته الثانية، أي ذاك الذي يجعل من الأسلوبية مجالا للأسلوب، والذي يعرف الأسلوب بما هو نقطة التقاء كافة وسائل التعبير(38). ترى هل هذا يدفع البحث إلى الأمام؟ إن صفحات تاريخ الأسلوبية تعج بتعاريف الأسلوب مثلما تعج صفحات النقد الأدبي بتعاريف الشعر والجمال(39):فالأمر يتعلق بمفهوم ميال اليوم إلى الاختفاء من سوق التداول بسبب عدم وضوحه وبيانه(40).

    2.2.2-أما التوجه الثاني الذي انتهجته الأسلوبية الأدبية، فيمكن إسناده إلى (جوستاف جرويبير Gustar Groïber) الذي خص اللسانيات النفسية، في كتابه "Grundriss"، باعتبار سبق لـ(بالي) أن سعى إلى تحقيقه(41). لكن نظراته لم تطبق على الموضوع الأدبي إلا مع (فوسلير) في مرحلته الأولى، الذي عمد في كتابه "Benvenuto Cellinis Stil" إلى تحليل الأسلوب النفسي(42). وقد كان لـ(فوسلير) أتباعه أيضا الذين يتفاوت وفاؤهم به. غير أن اكتشافات التحليل النفسي ما لبثت أن أبانت عن هشاشة الأسس التي شاء هذا الصرح أن ينهض عليها. فهل يعني هذا حلول "أسلوبية تحليلية نفسية" محل "أسلوبية نفسية"؟ إن ما حصل بالأحرى هو العكس: فالأبحاث التي تتوسل حصرا بنظرية (فرويد Freud) -كما هو الحال مع (أوطو رانك Otto Rank وماري بونابارط Marie Bonaparte)- تنتمي بقوة القانون إلى التحليل النفسي دون سواه. وكما قال ذلك (طودوروف) بطرافة، "فإذا كان التحليل النفسي أو الاجتماعي لنص أدبي ما غير جديرين بالانتساب إلى علم النفس أو علم الاجتماع، فأي حق يمكن نسب هذين التحليلين إلى علم الأدب؟"(43). ومن ثم، يكون النقد النفسي كما طبقه (شارل مورون Charles Mauron)(44) في عداد التحليل النفسي أو، ببساطة، في عداد النقد الأدبي إذا ما أنكر هذا التحليل أن ذلك النقد نفسي. مثلما يكون "التحليل النفسي العنصري"(*)، كما طبقه (باشلار Bachelard) ذا تعلق بالشعرية… ومع ذلك، فإن أبحاثا كثيرة ما تزال تنتمي إلى الأسلوبية النفسية: فبموازاة أولئك الذين ما يزالون يستكشفون العلاقة بين "mens" مؤلف ما وأشكال نصوصه، هناك آخرون يسعون بجرأة إلى وضع نمذجات منهجية تميز إلى ما لا نهاية بين الأساليب المزاجية(45).

    3.2-نماذج موضحة:

    لا ريب في أن أعمال (ليوسبيتز) تعد، أحسن من سواها، نموذجا تجتمع فيه النجاحات الجمالية، المعزوة لمهارته كباحث متخصص غالبا في الأسلوبية، والهنات المنهجية للنقد الأسلوبي. وحسبنا التذكير بمبدإ "الدائرة الفيلولوجية" المشهور(46)، حيث يتعلق الأمر بالانطلاق من جزيئـة أو خاصية أسلوبية بارزة (من وجهة النظر النوعية أو الكمية)، ثم باستخلاص رؤية افتراضية إجمالية منها (ذات طابع نفسي)، يتعين التأكد منها بواسطة ملاحظات دقيقة، فتصبح الدليل الهادي إلى "قراءة شاملة" The life-giving center, the sun of the solar system"(47)(**)، حينئذ، يمكن لهذه العلاقة، المفصحة عن رؤية الكاتب للعالم، أن ترتبط بالظرف السوسيوتاريخي. وكمثال لذلك، يلاحظ (سبيتزر) في رواية "Bubu de Montparnasse" كثرة استعمال الأدوات السببية في أحوال تفتقر موضوعيا للصلة السببية. وهذه الخاصية ينظر إليها بما هي افتراضيا مؤشر على "حافز موضوعي مزعوم" منتج لإحباط مستسلم إليه، وهو الموضوع الأساس في الرواية. وسيكون هذا الموقف بدوره تعبيرا عن القدرية التي استبدت بالنفسية الفرنسية في عهد شارل-لويس فيليب. ففي مثل هذا الإجراء، نتعرف بجلاء على الخصائص العامة للأسلوبية الأدبية، وهي: المحاكاة الشكلية للمنهج العلمي واستعمال مفاهيم تفتقر إلى الدقة الكافية (مثل: "الملاحظة الجيدة"، "الهيئة الداخلية"، "الجذر النفسي")، والتسليم بتماسك النصوص وبوجود صلات (غير موضحة) بين المعطى اللغوي والطبع الذهني للشخص، وبين هذا الطبع والجماعة الخ(48).

    4.2-خاتمة:

    هل ينبغي أن نستنتج من كل ما سلف ابتذالية الأسلوبية الأدبية؟ لا نعتقد ذلك، خصوصا أن جميع الانتقادات الموجهة إلى سليل الفيلولوجية هذا قد تم تصورها انطلاقا من موقع تهيمن فيه مقتضيات المنهج العلمي. فمن المفيد فعلا التمييز بين موقفين ممكنين من نص أدبي ما:

    "ففي الحالة الأولى، لا يكون العمل الفردي سوى نقطة انطلاق إلى معرفة النمط الخطابي الذي ينتمي إليه. أما في الحالة الثانية، فإن هذا العمل يبقى الهدف الأخير للبحث، الذي يروم الوصف ومن ثم التأويل. فثمة من جهة دراسة الممكنات الخطابية (أو "الأشكال" الأدبية كما في الاصطلاح التقليدي)، ومن جهة أخرى الإمساك بمعنى العمل، بحيث ينتمي الإجراء الأول إلى العلم، وينتمي الإجراء الثاني إلى التأويل"(49).

    لذلك، لا يمكن حرمان الأسلوبية من حقها في الوجود. إن المشكلة بالأحرى تكمن في مدى قدرة هذا المبحث أو عدم قدرته على تقديم إضافات إلى دراسة الأدب. فما أكثر الجسور التي مدت بين مواقع بعضها وهمي! وما أكثر "النظريات" التي عجزت عن اتخاذ موضوع معرفي خاص بها من فرط ادعائها الإحاطة بكل الظواهر! وما أكثر التلفيق الذي تطفح به صفحات مجلات العلوم الإنسانية! ومن ثم، لا يمكن للأسلوبية الأدبية أن تصمد إلا إذا تم قبولها كما هي في ذاتها، سواء باسم النقد الأدبي أو بأي اسم كفيل برفع كل سوء فهم(50).

    3 - الشعرية:

    1.3-العلم والأدب:

    إن التحول الذي تمثله الشعرية في حقل الدراسات الأدبية ليس، كما يعتقد أحيانا، مجرد توفيق بين الانشغالات السابقة بواسطة المعرفة اللسانية، وإنما هو بالأحرى، وكما يوحي بذلك نص (طودوروف) السابق ثورة جذرية في طبيعة الرؤية إلى النص الأدبي. ونحن نعرف اقتراح (جاكوبسون) الذي ينص على أن موضوع العلم المنشود ليس هو العمل، ولا هو الأدب بصفته مجموعة أعمال، وإنما هو "الأدبية" (La littérarité)، أي الخاصية المجردة التي تجعل من عمل ما عملا أدبيا(51). وهذا يعني بداهة أنه لا يمكن تصور علم للأدب إلا بهذا الشرط، بما أن لا علم بدون تجريد.

    وهكذا، أخذت الشعرية على عاتقها تحقيق ذلك الهدف الذي أخطأته الأسلوبية بمناسبة تحولها الأول، أي حين اعتقدت اتخاذ العمل الأدبي موضوعا خاصا بها بتوسيعها مجال البحث من اللغة إلى الأدب. بيد أن علاقة التوازي بين اللسانيات واللغو، وبين الأسلوبية والعمل علاقة خادعة طبعا. وقد كان واجبا على الأقل تعويض الطرف الثاني في القضية بـ "اللغة الأدبية" (أو "الشعرية"). ومن أجل أن يكون منهج الشعرية علميا علمية منهج اللسانيات، كان يتعين الخطو بعيدا إلى الأمام بهدف دراسة لا التفاصيل والجزئيات، وإنما فقط القوانين التي تحكمها وتحددها(52). ولا غرو من أن عدم إدراك هذه المقدمة الكبرى ما زال يؤدي اليوم ببعض الباحثين الجامعيين إلى المجادلة حول برنامج الشعرية، مثلما يفقد بعض التمييزات الأساسية (كالتمييز بين العلم والتأويل) قدرتها على الصمود.

    2.3-ثورة الشعرية:

    1.2.3-لعل الغريب أن هذا التحول لم يتم بحدوث تغير في الأسلوبية الأدبية ولا بنشوء الجدل حول تطبيق الأسلوبية اللسانية على الأدب. إن ما وقع تسجيله بالأحرى هو إجمالا نوع من قطع الصلة، بحيث إن الحقل الجديد للأبحاث قد تشكل انطلاقا من تضافر تأثيرات خارجية يمكن إرجاعها، بالنسبة إلى الميدان الأوربي، إلى ثلاثة. هذا دون الإشارة على أي حال إلى التأثير (الحاسم) للأوضاع الاجتماعية الجديدة، المتمثلة في الانفجار الديموغرافي، وفي إعادة تشكيل الخريطة المجتمعية التي اجتذبت الشرائح الشابة للطبقات الجديدة نحو العلوم الإنسانية، وفي التوسع الاقتصادي غير المعهود الذي ترتب عنه نزوع إلى التفاؤل كانت له انعكاسات على هذه العلوم.

    فهناك أولا طلائع الشعرية كما أفرزتها الشكلانية الروسية(53) والنقد الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية الخ.

    ثم هناك فئة من الكتاب أو النقاد الذين مهدوا لنشوء خطاب علمي حول الأدب، سواء بممارستهم أو بشعريتهم (بالمعنى التقليدي للكلمة هذه المرة). من هؤلاء طبعا بعض الفلاسفة. مثل (ميرلو-بونتي Merleau-Ponty)، الذين يبحثون في النص ذاته عن علل وجوده. ومنهم كذلك بعض الكتاب مثل (يون باربو Ion Barbou) الذي وفق بين الرياضيات والشعرية من منظور كونهما يفترضان تكثيفا لوسائط التعبير(54)، و(جون بولان Jean Paulhan) الذي اهتم بالبلاغة، وكذلك (مالارمي Mallarmé وفاليري Valéry) وغيرهم. ولئن كان هذا الأخير لا صلة له باللسانيات، خلافا لما يعتقده البعض(55)، فإن كثيرا من أفكاره لا يخلو من حداثة أكيدة، حيث إن ما يستأثر باهتمامه هو المعضلة العامة للغة الشعرية، بغض النظر عن تحققاتها. ولا بد من الإشارة أيضا إلى بعض علماء الجمال مثل (ماتيلا غيكا Matila Ghyka) الذي وضع نظرية رياضية للشكل تهدف إلى تحليل التناظرات المتجلية في الطبيعة وفي مختلف اللغات الفنية معا، ومثل (بيوس سيربان كوكوليسكو Puis Serban Coculescu). ويمكن أن نضيف إلى هؤلاء الأسلاف (ريموند كوينو Raymond Queneau) الذي أفصح عن انشغالاته البنيوية منذ الثلاثينات. وستعرف الستينات تبلور أشكال أدبية جديدة أعلنت عن نفسها في حقول مختلفة، مثل "مختبر الأدب الاحتمالي" (L’Oulipo) و "الرواية الجديدة" اللذين تطلبا مقاربات نقدية جديدة.

    أما التأثير الحاسم الثالث، فكان هو، كما تقدم، تطور اللسانيات الحديثة -وخاصة مدرسة براغ في علم الأصوات- التي استعارت من (دوسوسور) فكرة الوظيفة لتصوغ مفهومي "التعارض" و"النموذج النظري"، وحددت إجراءات التحليل المفهومي الخاص بالنظرية "الكلوسيماتيكية"، وردت الاعتبار للدلالية التي أقصاها (بلومفيلد Bloomfield)، واقترحت تمييزات مفيدة كالتعارض بين الشكل والمادة، وبين السيميائية الإشارية والسيميائية الإيحائية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا التحول من اللسانيات إلى الشعرية لم يكن مباشرا في مجال البحث الروماني على الأقل(56). ذلك أن الطريقة إلى الشعرية، الذي سدته إلى حينئذ الدراسات الفيلولوجية، قد انتهجه بالأحرى باحثون ينتمون إلى آفاق معرفية أخرى. ويكفي أن نشير إلى ذلك الأثر القوي الذي أحدثته في فرنسا الإثنولوجيا البنيوية، وبالأخص أبحاث (كلود ليفي-ستروس Claude Lévi-Strauss) الذي يرى بأن الأشكال الاجتماعية تتمفصل مثلما تتمفصل اللغة(57). وقد عزا البعض هذه المنعطفات، التي سلكها كثير ممن فاتهم الركب، إلى اللسانيات، الشيء الذي أثمر مجادلات بل ومغالطات في العقدين الأولين من هذا القرن.

    2.2.3-ولئن حصل، في المستوى النظري، نوع من قطع الصلة بين الأسلوبية والشعرية، فإن الوقائع التاريخية لا تثبت ذلك. فباسم الأسلوبية، أنجزت حول الأدب أبحاث نظرية في منتهى الأهمية(58)، مثل أبحاث (ميكاييل ريفاطير Michael Riffaterre) خاصة التي تعتبر جد متقدمة في هذا المضمار بحكم إلغائها منذ البداية مفهوم "الجودة" (أو "الكيفية"): فلا يهم أن يكون الأسلوب المرصود للتحليل جيدا أو رديئا بما أن ثمة أسلوبا. وهي جد متقدمة كذلك لأنها لا تستهدف أولا التعليق على نصوص، بل اقتراح ترسيمات هي وحدها الكفيلة بتأسيس علم للقراءة أو للأسلوب. وقد ابتدع (ريفاطير) مفاهيم لعل أكثرها أصالة مفاهيم "السياق" (Le contexte) و"الشفرنة" (L’encodage) و"الوحدة الأسلوبية" (L’unité Stylistique). وبخصوص هذه الأخيرة، التي لا توجد بالنسبة لمعيار لساني خارج عن النص، فإن ما ينتجها هو العلاقة بين سمة مفارقة ما وسياقها المباشر. ولا يمكن فصل مفهوم "السياق" هذا عن مفهوم "التشبع" (La Saturation): فكل تكرار في الأسلوب يعادله نقصان تدريجي في أثر المفارقة، ومن ثم يترتب عنه توجه جديد للسياق. وهذا التصور، الذي يستعير جزءا من مقدماته المنطقية من نظرية الإبلاغ (التي لم تستغلها الشعرية بكفاية)، والذي تعترضه هنا إشكالات ذات صلة بالذكاء الاصطناعي، لا يتخذ النص مجرد ذريعة، بل يدرسه في ديناميته، أي في سيرورة قراءته. وهو ما يعني فك شفرة نسق الأسلوب وبناء نماذج تنجز بنيات المرسلة وتكرار الموازيات والمفارقات.

    وفي أبحاث لاحقة، عكف (ريفاطير) أكثر على تحليل نصوص عينية، مستأنفا بذلك ممارسة لم يهجرها نهائيا(59). إلا أن مقالاته ظلت، أكثر من ذي قبل، مقالات منظر، بحكم رفضه التقيد بنزعة تجريبية وصفية ضيقة كثيرا ما كانت مصدر إساءة إلى الأسلوبية. وهكذا، تم حلول أسلوبية توليدية محل أسلوبية بنيوية. ومع ذلك، يمكن التساؤل عن مدى ملاءمة التسمية الأولى، ما دام أن الدراسات التي تدعي الانتماء إلى الأسلوبية التوليدية لا جامع قويا بينها وبين دراسات (أو همان Ohamnn) أو (فان ديك Van Dijk) مثلا: فقد اهتم فيها (ريفاطير) بالأحرى بتوضيح سيرورة تشكل الجملة، بل والنص كذلك، انطلاقا في الغالب من معطى دلالي أولي تتم معالجته بحسب بضع قواعد تختلف عن قواعد الخطاب العادي(60).

    وقد تم إنجاز أبحاث أخرى رائدة في إطار "الكلوسيماتيكية"، رغم أن هذه لم تستعمل أبدا مصطلح الأسلوبية. وفي هذا الصدد، تعتبر الأبحاث الفذة التي خص بها (هانس صورنسن Hans Sorensen) شعر (فاليري Valéry)(61) نماذج أولى لتطبيق مفاهيم (هيلمسليف Hjelmslev) على الأدب: وهكذا، فإن شكل المحتوى يحدد الحافز (الذي يحدد بدوره الموضوعات والأجناس والتركيب)، بحيث تكون مادة المحتوى "ذريعة" غير لسانية، وتكون اللغة وكذا الأسلوب تقنيمين (Hypostases) لمادة التعبير وشكلها. وقد طور (أ.ستندر-بيترسن A. Stender-Peterson) هذه المفاهيم في كتابه" Esquise d'une théorie structurale de la littérature"، حيث ربط "الأدوية" (L’instrumentatlisation) في مستوى التعبير بـ "الانفعالية" (L’émotionalisation) في مستوى المحتوى، مما يسمح بتصور "رحم" يولد أربعة أجناس بسيطة (الغنائي، الدرامي، الملحمي، السردي) تقدم عددا كبيرا من الأنواع المتزاوجة.

    3.2.3-ولأن الشعرية تمثل قطيعة مع التصورات السابقة، فقد كانت إحدى مهامها توكيد قطع الصلة تلك، بل ورفض تقليد عريق قوامه إما الاحتكام إلى حيثيات مجاوزة للنص -كاعتباره تعبيرا عن حالة نفسية أو وضع تاريخي- وإما الاحتكام إلى حيثيات ملازمة للنص لكنها تؤدي إلى أنواع من الإحراج أو تحصيل الحاصل، كتعيين معنى النص مع جهل هذا المعنى.

    ولئن كانت هذه القطيعة إبستمولوجية، فهي لا محالة سجالية، لا سيما أنها تزامنت بالطبع مع قطائع أخرى (مع النقد الماركسي والنقد النفسي مثلا)(62) انعكست آثارها على نفس الموضوع، أي الأدب. وهكذا، سرعان ما تجاورت الأبحاث المنتمية إلى الشعرية بالأبحاث الفلسفية، بحيث كانت السيميائية نقطة التلاقي بينهما (بل ‘ن "السيميائية الأدبية" ترادفت في الغالب مع "الشعرية"). ولأن السيميائية هذه لم تدرس فقط مختلف الأساليب الإبلاغية في العمل، بل كذلك سيرورة إنتاج معناه، فقد أظهرت بالفعل أن بعض المفاهيم، مثل "الواقع" و"العمل"، معطيات بريئة، بل معطيات صاغتها بحذق إيديولوجية قوامها حجب قوى الإنتاج ومنح الظواهر مضمونا دلاليا محددا (Sémantisation) ومراعاة التراتبية في تقدير الأشياء (héarchisation) الخ. والحال أن مثل هذا الجهاز المفهومي هو بالذات ما تتذرع به النزعة الإنسانية (l’humanisme) لصوغ موقفها من الأدب ومن ثم، فلا غرابة أن تجد المقترحات المفارقة التي قدمتها الشعرية صدى قويا لدى الكتاب والنقاد أنفسهم الذين أعادوا النظر من الداخل في ممارستهم للأدب وللنقد الأدبي.

    ولا غرابة أيضا أن ينتج عن ذلك، بالمقابل، نوع من الحيرة والتردد في إجراءات الشعرية بما هي منهج يتنافى مع تلك "الرفاهية المنومة" المفترضة في نوع من الفلسفة الوضعية(63). وقد كان ذلك مصدر إزعاج بالنسبة لشعرية لم تفلح بعد تماما، مثل سابقتها الأسلوبية، في توضيح صلاتها بالنقد الأدبي. مما جعل واحدا مثل (رولان بارط Roland Barthes)، الذي بذل أكثر من غيره جهودا من أجل إرساء الشعرية في فرنسا(64)، يعلن بأن ممارسة النقد "هي إحالة النص على الرغبة في الكتابة، تلك تماما التي انبثق منه". ترى هل هذا يعني شيئا آخر سوى ما كان ينادي به (طيوفيل سبويري Théophile Spoerri)، أحد أكثر الأسلوبيين مثالية، أي معرفة النص بالإسهام النشيط في فعل إبداعه؟(65) هكذا إذن هيمن أحيانا نوع من التكلف في البحث، متمثلا في سيادة رطانة تقنية وفي الاستهانة بالمراجع والمعارف وفي الاستعمال الجدالي لترسيمات رياضية أو لسانية غير مألوفة.

    3.3-منجزات:

    يقترن ما أنجزته الشعرية من أعمال نقدية بهذا الإثبات البناء، وهو أن ما تم افتقاده ليس أبدا هو مراكمة المعطيات (فالمتن الذي حصلته الدراسات الفيلولوجية كاف)، وإنما هو الإطار النظري المتماسك الذي يمكن أن تندرج فيه الدراسات التفصيلية المرتقبة. وهذا ما يفسر ازدهار نظريات، مختلفة بقدر ما هي عامة، لعلها تهدد الشعرية بـ"فرط التنظير" (Surthéorisation). ومع ذلك، فإن نظرة غير متسرعة تكشف عن استناد أحسن الاقتراحات النظرية إلى حس الملاحظة. من ذلك مثلا أن فرضية (طودوروف)، المتعقلة بوجود نحو كلي لا ينظم بنية الجملة في لغات مختلفة فحسب، بل كذلك بنية السرد ذاتها، تستمد برهنتها من أكثر تحاليل "Décaméron" لـ(بوكاسيو Boccaccio)(66) صرامة. لكن مثل هذه المحاولة الشاملة كانت ربما سابقة لأوانها. كما أن أعمال هذا البابحث، الذي يعد أكثر الشعريين أصالة، أصبحت اليوم تنتهج مسارات أخرى.

    بيد أن ثمة تمييزا هاما ينبغي إجراؤه بين القوانين التي تنظم العلاقات الاستبدالية (paradigmatiques) التي يتوقف عليها النص، والقوانين التي تحدد النسق النظمي (Syntagmatique) لهذا النص. وهذان التوجهان في البحث هما ما سنعرضه الآن بإيجاز.

    1.3.3-يعتبر كتاب (جون كوهن Jean Cohen): "Structure du langage poétique" -الذي كان مدار جدل ونقد شديدين في وقته- تدشينا فرنسيا للأبحاث التي اتخذت من الوحدات النصية موضوعا لها. ويندرج ضمن سلسلة من الدراسات التي أثارت ضجة كبرى بسبب إحيائها لتقليد عريق، اعتقد البعض في فرنسا أن الأسلوبية قد قضت عليه، ألا وهو البلاغة (التي صمدت نوعا ما في البلاد الجرمانية والأنجلوساكسونية)(67). ولئن كان هذا الاتجاه البلاغي الجديد (la rhé-thorique) قد أسهم في إخصاب حقل الشعرية، فليس مرد ذلك إلى توسله بمفاهيم من نوع "المعنى الحقيقي" و"المعنى المجازي"، بل إلى تأويله للعلاقات بين مختلف المعاني المتفاعلة في اللغات الرمزية، وكذا إلى منهجته للعمليات المنطقية أو الدلالية المنتجة للاستعارات. وهكذا، فبالانطلاق من تقطيع مزدوج (مرجعي/دلالي) ومن إجراءين بسيطين (إلحاق/حذف) عمدت "جماعة أو" في مؤلفها "Rhéthorique générale" إلى تصور "رحم مجازي" قابل للتطبيق على مجالات أخرى غير مجال الكلمة، وهي المحكي والقصيدة وبنية الشخصيات والدليل الإيقوني والدليل التشكيلي، الخ.

    وهناك صنف آخر من الأبحاث، المختصة بالوحدات النصية، ويتعلق بالحوافز والموضوعات التي سبق أن رأينا أنها جزء من الشعرية. هنا كذلك، تخطت الشعرية القرون لتستوحي "صور" البلاغة القديمة، وأعادت طرح سؤال العلاقة بين الأدب والمرجع، أي: ما المتخيل والواقعي(68) والمحتمل(69)؟ وكيف التعامل مع الأساطير المستودعة في الثقافات والتي تمتح منها كافة الخطابات(70)؟ لكن هذه الأبحاث تتصرف في جهاز من المفاهيم التي يصعب التعبير عنها بمصطلحات سيميولوجية والتي ما تزال تعد بكثير من التحولات اللانهائية.

    ومع ذلك، فإذا كان كل عمل يمر تاريخيا بأربع مراحل (الاختبارية والتجريبية والتحليلية والبديهية)، فإن الشعرية، في بعض فروعها، توشك على بلوغ المرحلة النهائية، وذلك بفضل "Poetica matematica" لمؤلفه (سالومون ماركوس Salomon Marcus): فبواسطة سلسلة من المسلمات والنظريات، انتهى هذا العالم الرياضي إلى اقتراح نموذج نظري للدلالية الشعرية، تتسم فيه اللغة الغنائية بالنزوع إلى لا محدودية معاني كل واحدة من الجمل التي تتألف منها وبغياب تام للترادف، ومن ثم للاستبدالية (Substitutibilité). هذا بخلاف اللغة العلمية حيث لا وجود للتجانس (بحكم مقابلتها النظرية)، وحيث يتسم ترادف كل افتراض باللامحدودية (ما دام أن التعبير هنا لا يهم في حد ذاته). وتتصف الصياغة الدقيقة والموحدة لهذا النموذج بالمهارة والمتانة في آن واحد، حيث إنه يعرض عدة معايير ظلت إلى حينئذ تعد للغة الشعرية، وهي الغائية الذاتية(l’autotélisme) وإعادة تعليل الدليل الخ.

    2.3.3-أما ثاني هذين التوجهين اللذين انتهجتهما الشعرية، فهو دراستها للعلاقات القائمة بين العناصر المتواجدة في النص. وهكذا، تقابل الدراسة الدلالية دراسة نظمية، وتناظر تحليل المنطق الرمزي الاستعاري مقاربة مجازية للخطاب. ومن ثم، ألا يكون "الأسلوب"، ذلك الذي تستفيد الأسلوبية الأدبية ذاتها بحثا عنه، إحدى هذه الصور الخطابية الخاصة"؟

    والأكيد أن الأبحاث المنتمية لهذا التوجه تتسم بالتعدد وبعرضها لمسائل تتفاوت بين تحليل الأسلوب المباشر والأسلوب غير المباشر(71)، ووصف أنساق أكثر تعقيدا. فإذا تم إقرار فرضية أن النصوص المدروسة ليست سوى مقاطع من نسيج خطابي أوسع، أمكنت دراسة العلاقات المنعقدة بين ما هو متجل مباشرة وما هو سوى ذلك من حيث هي علاقات معارضة واستدراك وموازاة. وقد أصبحت هذه العلاقات، منذ أبحاث (ميخائيل باختين Mikaïl Bakhtine) التي نبهت إليها (جوليا كريستيفا Julia Kristeva)(72)، تدعى "التناص" (l’intertextualité)، الذي يتجلى في المعارضة (le pastiche) والمحاكاة الساخرة (la parodie)(73) والاستشهاد (la citation) والتهكم (l’ironie) والروسم (le cliché)(74)، والذي لم يدرس بعد بعمق في أنماط خطابية أخرى. ومن ثم، فإن مفهوم "التناص" هذا لدليل آخر على أهمية استفادة الشعرية من مفاهيم أجناس ومدارس أخرى (وهي مفاهيم وقع إقصاؤها مؤقتا في البداية قبل أن يتم تنقيحها لاحقا وتسميتها بلفظ مستحدث هو "التناصية الشاملة" (l’architextualité).

    لكن أكثر الاتجاهات خصوبة في دراسة العلاقات النظمية هو الآن، فيما يبدو، تحليل الخطاب، حيث تمت دراسة العلاقات "البين-افتراضية" (interpropositionnelles) في المحكي السردي(75). هنا كذلك، ينبغي مجاوزة حقل الرواية بحثا عن البشائر المؤسسة التي تتمثل بتكتم في بعض مباحث البلاغة الكلاسيكية أو في مقترحات (إيتيين سوريو Etienne Souriau) وتتمثل بصراحة في كتاب (فلاديمير بروب Vladimir Propp) المعنون بـ"Morfologija Skazki"، الذي يعد بجدارة أول مصنف وضع نحوا للمحكي السردي، رغم تعلقه خاصة بالخرافة الشعبية(76). ومن زاوية أخرى، حدد فيما بعد (كلود ليفي-ستروس) قوانين مماثلة لوصف الأساطير من خلال تجلياتها الخاصة. غير أن ما يجمع هذه الأبحاث هو اعتبارها سيرورة تحول عنصر فاعل في المحكي إلى عنصر فاعل آخر بمثابة الوحدة الدنيا فيه. وبطبيعة الحال، فإن هذه التحولات تتسم بالتعقد وباقتضائها لمفاهيم محددة بإتقان مثل الوحدة السردية البسيطة (الوظيفة) والعامل (l’actant) الخ. وقد سلك نفس النهج باحثون كثيرون آخرون ذوو لغة موحدة لحسن الحظ، وفي طليعتهم (كلود بيرمون Claude Bremond)(77).

    4.3-آفاق:

    لعلنا بذلك قد عدنا إلى نقطة انطلاقنا: فبعد أن أخصبت اللسانيات الشعرية، هاهي الشعرية تخصب بدورها اللسانيات بإرغامها على الامتداد في الاتجاهات الثلاثة:

    فباتجاه الطول أولا، تقتضي الشعرية تأسيسا عاجلا للسانيات مجاوزة للجملة (transphrastique)(78) سبق للبلاغة القديمة أن التمستها. هنا، يدرس تحليل الخطاب، بتوسله بإجراءات صورية، فئات مخصوصة من الملفوظات المتماكنة (isotopes)، ويحولها إلى بنيات دنيا يعتبر الخطاب توسيعا لها. ويكتسي البحث في هذا الاتجاه أهمية قصوى بالنسبة للدراسات الأدبية، لأنه يسمح بإجراء تصنيف للملفوظات كفيل بتعريف الأدب لا بكونه مجرد مؤسسة، ولكن بكونه نمطا خطابيا إلى جانب خطابات أخرى، كالخطاب التعليمي والخطاب العلمي الخ.

    وباتجاه العمق ثانيا، فإن الشعرية، كما سلف، تتطلب لسانيات تتخطى إطاري السنن والملفوظ لتشمل التلفظ والتداولية. وهذه اللسانيات، باعتبارها الكلام فعلا، تفضي إلى الدراسة الأنثروبولوجية للمارسات الرمزية، ومن بينها فعل الكتابة.

    وباتجاه العلو أخيرا، تلوح دراسة السيميائيات الميطالسانية والإيحائية التي يمكن فصلها عن دراسة الأساطير التي تتخلق فيها الإيديولوجيات(79). هنا تكشف الشعرية عن رهان إبستمولوجي جوهري، وهو ما يمنحها لا مكانة ضمن مجموع العلوم الإنسانية فحسب، بل كذلك مكانة ضمن الحروب الكلامية التي مزقت الجامعة سابقا.

    وينبغي أخيرا التصميم على إعادة طرح جملة من الأسئلة التي تم تعليقها مؤقتا، من نوع: ما هو الأدب؟ ما هي طبيعة مفهوم القيمة؟ هل كانت الإشكالات التي انشغل بها الأسلوبيون عديمة الملاءمة؟ الخ. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشعرية، في مختلف فروعها، تشمل حقولا متجانسة، لكنها جد شاسعة بحيث تسمو على كافة المجالات التي حددها المجتمع والتاريخ: فتقنية تحليل المحكي تصلح لمقاربة السينما والشرائط المصورة والأخبار الصحفية، مثلما تصلح لتحليل أكثر البنيات الروائية تعقيدا وإتقانا. كما أن نظرية الصور البلاغية ذات فائدة إجرائية في تحليل الصور الإشهارية والأحلام والأرغات والشتائم مثلما في قراءة الشعر الخ. لذلك، ألا يكتنف الشعرية نفس الالتباس الذي عانت منه الأسلوبية باتخاذها الجواب عن سؤال (جاكبسون): "ما الذي يجعل مرسلة لغوية ما عملا فنيا؟" بندا من بنود برنامجها؟ هذا ما انتبه إليه (نيكولا روفيط Nocolas Ruwet) الذي عين "حدود التحليل اللساني في الشعرية"(80) وحذر الباحثين من خطر التعبير بألفاظ قيمية عما يتعين اليوم وصفه بمصطلحات دقيقة.

    ولعل ثمة أسئلة أخرى أخطر مما سبق، من قبيل: أليس مشروع الشعرية نفسه مشروعا وهميا؟ أليست الشعرية بدعة نموذجية من بدع العصر الذهبي للستينات، ذلك العقد الذي آمن بالتقدم اللانهائي في الميادين الاقتصادية والفكرية معا، والذي عاش مرحلة تفاؤل ظافر؟ وهكذا، أمكن الاعتقاد بأن اللسانيات -بفضل أقنومها الكاسح: البنيوية- ستقول كلمة الحسم في لغة الشعر الرفيعة، وأنها بصفة أعم ستشرح لنا خصوصية كافة أنماط الخطاب، وخاصة منها الخطاب الأدبي.

    ولئن كانت محاكمة هذه الأوهام قد انتهت الآن، وكان الحكم قد صدر في شأنها، فلا مناص من الإشارة إلى أن هناك أسئلة أخرى ما زالت قائمة، وهي أكيدا مثيرة للاهتمام والانفعال، ولن يتم الجواب عنها إلا خارج حقل اللسانيات بالمدلول الحرفي الدقيق للكلمة. وخلافا لما يعتقده البعض أحيانا، فإن هذا التحديد، عوض أن يكون علامة ضعف، يعتبر إحدى أقوى ضمانات الشعرية. ذلك أن الشعرية إما تكون علما وإما لا تكون أصلا. ولن تكون إلا إذا حدد موقعها الصحيح في حقول المعرفة. حينئذ، ستثبت ما تستطيع تحقيقه بتعيينها لما لا تستطيع تحقيقه.



    الهوامش

    1 - شارل برونو: "la stytilistique"، مجلة Romance، الجزء 5، 1951-1952.

    2 - رومان جاكبسون: "Closing Statements: Linguistic and Poeticss" ضمن كتاب: Style in langage" (تحت إشراف طوماس أسيبوك)، كامبريدج، نيويورك، ج. ويلي، 1960، ص350-377.

    3 - لمعرفة تاريخ الكلمة، يرجع إلى أندري سيمبو: "Notes sur l'histoire des mots style et stylistique" ضمن: "Revue blege de philosophie et d'histoire"، الجزء39، العدد34، 1961، ص 736-746.

    4 - شارل بالي: "Traité de stylistique française" انظر خاصة الفقرة 21ب، حيث حرص بالي على التمييز بين style و stylistique.

    5 - شارل بالي: " le langage et la vie"، ص 61.

    6 - جول ماروزو: "Précis de stylistique française"، الطبعة 44، باريس، ماسون، 1959 [1941].

    7 - جول ماروزو: "Comment aborder l'étude de style"، مجلة "le français moderne"، الجزء11، العدد1، يناير 1943، ص 6.

    8 - وهو نفس الموقف الذي اتخذه هيلموت هاتوفيلد، حيث يفرض التمييز بين الأسلوبية اللسانية والأسلوبية الأدبية من غير أن يطرح مشكلة التماسك المنهجي للعمل. انظر: "Questions disputables de la stylistique" ضمن " Actes du premier congrès international de dialectologie générale" لوفان، المركز الدولي لعلم اللهجات العام، 1964، ص 6-18.

    9 - يتحدث شارل بالي عن "عادة دراسة اللغة من خلال الأدب القديمة"، في "Traité de stylistique française"، مرجع سابق، ص21.

    10 - انظر جون-ماري كلينكينبيرغ: "Style et Archaïsme" في رواية شارل دوكوسطير: "La légende d'ultenspiegel"، بروكسيل، قصر الأكاديميات، 1973، جزءات.

    11 - يطالب جول ماروزو بإنجاز مونوغرافيات أساليب قائمة على تقطيع النحو. انظر الهامش 7، ص3.

    12 - ميكاييل ريفاطير: "Problèmes d'analyse du style"، مجلة: "Romance Philogiy"، الجزء 14، العدد3، 1961، ص 216-227.

    13 - يلاحظ ميكاييل ريفاكير أن "لغة المؤلف" هذه هي في الواقع "كلام"، وأن معالجته كما لو كان لغة تفقد الباحث مزية ملاحظة أحداث الكلام هذه. وقد تناول أوجينيو كوسيريو هذه المسألة بطريقة غير معهودة، حيث استبدل الثنائية السوسورية بنسق من ثلاثة أطراف يتدخل فيه المعيار، أو الكلام الاجتماعي، ساعيا بذلك إلى التقريب بين الأسلوبية واللسانيات والأدب. انظر على الخصوص:" Teoria del lenguaje y lingüistica general: cinco estudio"، مدريد، كريدوس، 1962.

    14 - في مقالة عنوانها: "la stylistique française, sa définition, ses buts , ses méthodes" ضمن " Revue de l’enseignement supérieur"، العدد 1، 1959، ص42-60، استنتج جيرالد أنطوان أن مثل هذا التعريف لا ينطبق على من يدعوهم بالكتاب البلوريين. وهو ما انتقده دانييل دولا في تقديمه لكتاب ميكاييل ريفاطير: "Essais de stylistique structurale"، باريس، فلاماريون، 1971، ص 13-15.

    15 - جيرالد أنطوان، نفسه، ص 57.

    16 - ريبيكا بوسنير: "Linguistique et littérature"، مجلة: "Marche romane"، الجزء 13، العدد2، 1963، ص 41.

    17 - يرجع خاصة إلى كتاب بيير جيرو: "Langage et Versification d'après l'oeuvre de Paul Valéry, étude sur la forme poétique dans ses rapports avec la langue"، باريس، كلينكسييك، 1953.

    18 - انظر دراسات شارل مولير المتينة، خاصة كتابه: "Essaie de statistique lexicale: l’illusion comique de Pierre Corneille" باريس، كلينكسييك، 1964.

    19 - ستيفن أولمان:" Psychologie et stylistique"، ضمن: Journal de psychologie، أبريل-يونيو 1953، ص 143. وقد سبق لشارل بالي أن ألح على هذه النقطة في le langage et la vie، سابق، ص62.

    20 - انظر أبحاث بيير ليون، وخاصة "Principes et méthodes en phonostylistique"، مجلة:" Langue Française"، العدد3، 1960، ص 73-84.

    21 - تزيفيطان طودوروف وأوزوالد دوكرو: "Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage"، باريس، سوي، 1972، ص 103-104.

    22 - ألجيرداس جوليان جريماس: " Sémantique structurale: recherches de méthodes، باريس، لاروس، 1966، ص166.

    23 - تزفيطان طودوروف، سابق، ص104.

    24 - بالنسبة لتحليل الخطاب، انظر مجلة "Langage"، العدد 13.

    25 - انظر مجلة "Langage"، العدد 17. خاص بـ "l’Enonciation".

    26 - من الدلائل الأكثر تنظيرا لهذه التوفيقية دراسة بول إيمبس: "Analyse linguistique, analyse philosophique, analyse stylistique"، جماعة ستراسبورغ، 1957.

    27 - ليوسسبيتزر: "Les études de style et les différents pays"، ضمن:"langage et littérature" 1961، ص 23.

    28 - انظر مثلا ماريو فوبيني: "Critica e Poesia"، باري، 1956.

    29 - انظر هيربيرت سيدلير: "Allgemeine Stilistik"، كوتنجن، 1963.

    30 - انظر تقديم ألفريدو لكتاب ليوسبيتزر: "Critica stilistica e storia del linguaggio"، باري، 1956، ص3.

    31 - انعقد مؤتمر كامل حول مفهوم "النقد الأسلوبي". انظر: "La critica stilistica e il Barroco letterario"ـ تحت إشراف إيطوري كاسيا.

    32 - وهي مسألة كانت سبب مجادلة بين شارل برونو وليوسبيتزر.

    33 - انظر: "Questions disputables de la stylistique"، سابق، ص14.

    34 - إنه موقف آخر ذاك الذي اتخذه مياكاييل ريفاطير، حيث يستعمل أحكام القيمة بما هي أعراض بسيطة تساعد المحلل على استكشاف الحوافز اللغوية المحددة لتلقي القارئ.

    35 - يتحدث ميشيل أريفي بنوع من المبالغة عن "المحاولة اليائسة" التي قام بها بعض الأسلوبيين حيث سعوا إلى إنقاذ عملهم بجعله يشمل عدة إجراءات نقدية لم تنتسب أبدا إليه. انظر: "Postulats pour la description linguistique des textes littéraires"، مجلة:"Langue Française"، العدد 3، شتنبر 1969، ص9-13.

    36 - داماسو ألونصو: "Poesia espagnola: ensaya de méthodos y limites estilisticos"، مدريد، 1962، ص44.

    37 - بينديتو كروتشه: "Estetica come scienza dell espressionne e linguistica generale"، ميلانو، 1902.

    38 - كارل فوسلير: "Miscellanea distudi critici in onore di Arturo Graf"، بيرجامو، 1903.

    39 - انظر على سبيل التمثيل: ستيفن أولمان، سابق، ص61 وما بعدها.

    40 - حاول البعض منحه مدلولا سيميائيا.

    41 - انظر جوستاف جرويبير: "Grundriss der rom nischen Philologie"، برلين، 1933.

    42 - كارل فوسلير: "Benvenuto Cellinis Stil"، هال، 1899.

    43 - تزفيطان طودروف: "Poétique de la prose"، باريس، سوي، 1974، ص22.

    44 - شارل مورون: "Des métaphores obsédantes au mythe personnel: introduction à la psychocritique"، باريس، كورتي، 1964.

    45 - هنري موريي: "La psychologie des styles"، جنيف، جيورج، 1959.

    46 - انظر: جون هاتييه: "La méthode de M. Léo Sputzer" ضمن: "The Romanic Review"، الجزء 61، العدد1، فبراير 1950، ص 42-59.

    47 - ليو سبيتزر: " Linguistic and literary history"، براتستون، 1948.

    48 - ليس مقنعا دفاع هاتزفيلت عن منهج سبيتزر. انظر: هيلموت هاتزفيلت: "Questions disputables de la stylistique"، سابق، ص 16.

    49 - تزفيطان طودروف: "Les études de style. Bubliographie sélective"، مجلة Poétique، العدد11، شتنبر 1972، ص 224-232.

    50 - انظر جوزيق سامبف: "Introduction à la stylistique du Français"، باريس، لاروس، 1971 الذي يعتقد مثلا بأن موضوع البحث هنا ليس هو خصوصية الأسلوب الأدبي أو اللغة الشعرية، وإنما هو الخطاب الواصف، أو بتعبير أدق النموذج النظري لديداكتيكية اللغة الفرنسية.

    51 - رومان جاكوبسون: "Novejzhaja russkaja poézija"، براغ، 1921. انظر الترجمة الفرنسية في "Questions de poétique"، باريس، سوي، 1973.

    52 - انظر تزفيطان طودروف: "Introduction à la littérature fantastique"، باريس، سوي، 1970، حيث لم يتحرج المؤلف من دراسة نصوص افتراضية.

    53 - راجع: تزفيطان طودروف: "Théorie de la littérature: textes des formalistes russes"، باريس، سوي، 1966.

    54 - انظر كورنيليا بيجيانارو: "Matematica si poetica moderna" ضمن: "Ananele Universitiatti Bucaresti, Limbe Romanice"، العدد 20، 1971، ص 28-36.

    55 - انظر جورجن سشميدت-راديفيلت: "Paul Véléry linguiste"، باريس، كلينكسييك، 1970.

    56 - يختلف الموقف في بلدان أخرى، خاصة في العالمين السلافي والأنجلو-ساكسوني. انظر مثلا طوماس سيبيوك: "Style in language"، كامبريدج، 1960.

    57 - في 1962، صدرت دراسة مشتركة بين رومان جاكوبسن وكلود ليفي-ستروس بعنوان: "Les chats" للشاعر بودلير، وقد أسالت مدادا كثيرا.

    58 - هذا دون اعتبار أن عددا من الأسلوبيين كانوا ينادون صراحة بنوع من الدقة والصرامة.انظر مثلا داماسو ألونصو، سابق،ص489-496.

    59 - تنظر الفصل المعنون بـ"Les mots" في : "Essai de stylistique structurale"، ترجمة دانييل دولا، باريس، فلاماريون، 1971.

    60 - انظر مثلا: "Modèles de la phrase littéraire" في: "Problèmes de l'analyse textuelle" كيبيك، لاصلا، 1971.

    61 - هانس مورينسن: "La poésie de Paul Valéry; étude stylistique sur la Jeune Parque"، الدانيمارك، 1944.

    62 - انظر مثلا شارل كريفل/ "Production de l'intérêt romanesque"، لاهاي، موطون، 1973.

    63 - تطور هذا الاتجاه خاصة في أعمال مجلة: "Tel quel" التي استفادت كثيرا من أفكار جاك ديريدا وجاك لاكان ولوي ألتوسير…

    64 - يروج كل عمل من أعمال رولان بارط أفكارا جديدة من غير أن يستغلها بعمق.

    65 - طيوفيل سبويري: "Eléments d'uen critique constructive"، ضمن: "Trivium"، الجزء 8، 1950، ص 165-187.

    66 - تزفيطان طودوروف: "Grammaire de Décaméron"، لاهاي، موطون، 1969.

    67 - انظر العدد الخاص الذي أنجزته مجلة: "Poétique" حول "Le discours réaliste"، العدد16، 1973.

    68 -

    69 - انظر العدد 11 من مجلة "Communications"، وهو خاص ب: "Recherches sémiologiques: le vraisemblable" 1968.

    70 - انظر جيلبير دوران: "Les structures anthropoliques de l'imaginaire"، باريس، بورداس، 1969.

    71 - انظر جيرار جونيط: "Figures III"، باريس، سوي، 1972.

    72 - ميخائيل باختين: "Problemy poetiki Dostojewskogo"، موسكو، 1963.

    73 - انظر ماندا كولوبينتيا-إيريتسكو: "Grammaire de la parodie"، ضمن "Cahiers de linguistique appliquée" العدد6، 1969، ص 167-189.

    74 - انظر أبحاث ميكاييل ريفاطيير.

    75 - راجع على الخصوص، العدد 8من مجلة "Communications" الخاص بـ"l’analyse structurale du récit"،1966.

    76 - فلاديمير بروب "Morphologie du conte"، باريس، سوي، 1970.

    77 - انظر خاصة كتابه: "Logique du récit"، باريس ، سوي، 1973.

    78 - انظر ليتا لاندكيست: "La cohérence textuelle: syntaxe, sémantique, pragmatique"، كوبنهاغ، 1980.

    79 - انظر أوغوستو بونزيو: "Produzuone linguistica et Ideologia sociale"، باريس، 1973.

    80 - نيكولا روفيط: "Limites de l'analyse linguistique en poétique"، مجلة "Langages"، العدد 12، دجنبير 1968.


    الموضوع الثالث:
    قيد البحث

  36. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (عباس بيضون) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  37. #19
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 38773

    الكنية أو اللقب : لا يوجد

    الجنس : أنثى

    البلد : في كل أرض يتردد فيه صوت الحق

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : أدب ونقد

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل13/4/2011

    آخر نشاط:11-02-2014
    الساعة:03:43 PM

    المشاركات:27
    تاريخ التسجيل
    13/4/2011
    البلد
    في كل أرض يتردد فيه صوت الحق
    المشاركات
    27
    1434/11/22 هـ
    السلام عليكم ورحمة الله
    أعتذر عن التأخر في الرد وحقيقة لم انتهي بعد من الاطلاع على ما أفضتم به -أفاض الله عليكم من رحماته وفضله- نظرا لانشغالي. ولي عوده بحوله تعالى للحديث عن الموضوع, لكن أردت أن أسجل شكري وامتناني لكل من تفاعل مع سؤالي, وأسأل الله أن يفهمنا ويرزقنا العلم النافع. وجزيتم خير.
    التعديل الأخير من قِبَل همسات الليل ; 27-09-2013 في 06:05 PM

  38. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (همسات الليل) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  39. #20
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 43553

    الكنية أو اللقب : ابو محمد

    الجنس : ذكر

    البلد : لبنان-بيروت

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : رياضيات وحقوق

    معلومات أخرى

    التقويم : 38

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل29/3/2013

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:12:37 PM

    المشاركات:995
    تاريخ التسجيل
    29/3/2013
    البلد
    لبنان-بيروت
    المشاركات
    995
    1434/11/30 هـ
    الموضوع الثالث :

    مدخل إلى الأسلوبية

    بقلم السيد/ قليل يوسف *







    نبتغي أن نصنع من هذا المدخل النظري نبراسا نهتدي بنوره في مقاربتنا الأسلوبية للنصوص الأدبية، وأن نقدم للطلبة والباحثين وكل قارئ لهذا البحث حصيلة مركَّزة عن المنهج الأسلوبي وكل التيارات والمناهج التي انصهرت معه لتكوين رؤية نقدية، وكذا الإحاطة بالمصطلحات النقدية المستعملة فيه مثل الأسلوبية، البنية، وخصوصا الانزياح الذي هو جوهر الدراسة الأسلوبية.
    انتقل الأسلوب في النقد الحديث من كونه يعني الطريق أو الفن أو المذهب أو الوجه ، ومن كونه عاما مميعا يختص بالموضة والفن والسياسة وتدبير الحياة اليومية ، إلى علم ومنهج نقدي قائم بذاته يتكفل برصد الملامح المميزة للخطاب الأدبي. ويُعرّف الأسلوب في الاصطلاح الأدبي النقدي عادة بأنه: "طريقة يستعملها الكاتب في التعبير عن موقفه، والإبانة عن شخصيته الأدبية المتميزة عن سواها، لا سيما في اختيار المفردات، وصياغة العبارات، والتشابيه والإيقاع" .واتخذ اسما خاصا به هو: "الأسلوبية".
    ويرجع الفضل الأول في ظهور الأسلوبية إلى العالم اللغوي السويسري فرديناند دي سوسير (1913-1857)Ferdinand De Saussure الذي أظهر علم اللسانيات حيث يعزى إليه التفريق بين اللغة والكلام من خلال معادلته الشهيرة:"اللسان في نظرنا هو اللغة ناقص الكلام" ، حيث أوضح أن اللسان:"نتاج اجتماعي لملكة اللغة، فهو مجموعة من الأعراف الضرورية التي يستخدمها المجتمع لمزاولة هذه الملكة عند الأفراد" ، وأن اللسان:"ما هو إلا راسب من عمليات عديدة للكلام عبر الزمن، أما الكلام فانه تطبيق أو استعمال للوسائل والأدوات الصوتية، والتركيبية والمعجمية، التي يوفرها اللسان" .
    لكن الفضل الأكبر ناله تلميذه شارل بالّي (1947-1865) Charles Bally وهو:"باحث لساني كان مختصا في السنسكريتية واليونانية، ولما استوعب المفاهيم التي جاء بها دي سوسير وتمثلها عكف على دراسة الأسلوب فأرسى قواعد الأسلوبية المعاصرة ابتداء من سنة 1902" .
    لقد أحدثت معادلة دي سوسير المفرِّقة بين اللغة والكلام ثورة في ميدان النقد الأدبي الحديث، باعتبار أن اللغة تمثل الثابت والكلام يمثل المتحول، بمعنى أن اللغة المعيارية ذات القواعد النحوية والصرفية الثابتة التي أوجدها علماء النحو، لا لشيء سوى أن يتقيد بها الجميع ويتكلمون بحسب تلك القواعد، سرعان ما يتجاهلها المتكلم ويحيد عنها من خلال الانحراف والانزياح والعدول عنها، ومع كثرة هذه الانزياحات والانحرافات تتحدد احتمالات عديدة وممكنة للكلام، ويصير المتكلم في وضع مريح يسمح له بنحت اللغة على حسب ما يريد التعبير عنه، مما خلق نوعا من الحساسية تجاه النظام والمعيار النحوي تجلت في قول الشاعر:
    ولست بنحويٍّ يلوك لسانه --- ولكن سليقيٌّ أقول فأُعربُ
    وهذه الحساسية وضَّحها بشكل أفضل عبد السلام المسدي حينما اعتبر أن:"النحو مجال للقيود والأسلوبية مجال للحريات" .
    ومن هنا يعمد المتكلم إلى أن يختار من اللغة معجما خاصا يوظفه حسب غاياته التعبيرية، ويركِّبه في شكل جديد وفريد، ينزاح عن المألوف ويقدمه للقارئ في أبهى حلة فينفرد بأسلوبه الخاص.
    ومن هنا تظهر عناصر ثلاث (الاختيار، التركيب، الانزياح) في تكوين العمل الفني والأدبي، وهي نفسها مقولات الأسلوبية الهامة في رصد الإبداع الأدبي وتتبع التميز فيه، وأن مقاربة أي نص أسلوبيا لا بد أن تطرق هذه العناصر الثلاث. ومن هنا تولدت الخصومة بين الباحثين من أنصار البلاغة، والمنادين بتجاوزها وتأسيس نحو مستقل عنها، حيث وصف جوليان غريماس A. J. Greimas وجوزيف كورتيس J. Courtés الأسلوبية بأنها:"مجال بحثي يندرج ضمن التقليد البلاغي،لم تفلح في تنظيم نفسها في علم مستقل" ، بينما وسم كل من تزفيتان تودوروف T. Todorov وأوسوالد دوكرو(ولد عام 1930) Oswald Ducrot الأسلوبية أنها:"الوريث المباشر جدا للبلاغة" .
    وفي المقابل نجد ثلة ثارت على البلاغة إلى حد وصفها بالعجوز ، واعتبر ميكائيل ريفاتير Michael Riffaterre أن البلاغة المعيارية من عراقيل الأسلوبية .
    ولعل هذا الخلاف ناتج من الحقيقة العملية التي أثبتت أن الأسلوبية حينما تحاول الإحاطة بالانحرافات الموجودة في النص الأدبي فهي تقارنها بالبلاغة المعيارية، ومن هنا أضحى حضور البلاغة في المقاربة الأسلوبية للنصوص دائما ومستمرا، وأمسى المرجع الأساسي في إثبات الانزياح الأسلوبي.
    والأسلوبية كمنهج نقدي يصنفها جون دوبوا Jean Dubois على أنها:"فرع من فروع علم اللسان" ، وهذا ما يؤكده ميشال أريفي Michel arrivéبقوله:"الأسلوبية وصف للنص الأدبي حسب طرائق مستقاة من اللسانيات" ، وهو إثبات لدور اللسانيات في بلورة مفهوم الأسلوبية، حيث يقول الهادي الجطلاوي:"الأسلوبية موضوعها النظر في الإنتاج الأدبي وهو حدث لغوي لساني" ، الأمر الذي دفع بـ:رومان ياكبسون (1896-1982) Roman Jacobsonفي إحدى محاضراته الشهيرة إلى أن نادى :"بتوثيق العلاقة بين اللسانيات والأدب عموما" ، وتلاه عبد السلام المسدي أيضا حين:"نادى بمد الجسور بين النقد وعلم اللسان عن طريق علم الأسلوب" ، ومعترفا في الوقت ذاته أنه:" من الحقائق التي غدت مقررة في عصرنا أن المعرفة الإنسانية مدينة للسانيات بفضل كثير، سواء في مناهج بحثها أو في تقدير حصيلتها العلمية" ، وكذلك جون لويس كابانيس Jean-Louis Cabanes الذي:"حاول الدفاع عن قوة العلاقة بين علم اللسان والنقد الأدبي، من خلال بيان مظاهر التأثير اللساني (دروس سوسير، مبادئ الشكلانيين الروس، ...)في النقد" .
    وترتبط الأسلوبية مع المدارس النقدية الأخرى ومنها الشعرية (أو ما يصطلح عليها بالإنشائية)، هذه الأخيرة التي يصنفها جون دوبوا أيضا على أنها:"جزء لا يتجزأ من اللسانيات، وهي العلم الشامل الذي يبحث في البنيات اللسانية " ، أما جون كوهين Jean Cohenفيقول:"دل مصطلح الشعر على كل موضوع خارج عن الأدب، أي كل ما من شأنه إثارة الإحساس، فاستخدمت في الفنون الأخرى:شعر الموسيقى، شعر الرسم، والأشياء الموجودة في الطبيعة" . فالشعرية هي ذلك الأثر الذي يلي إنتاج العمل الأدبي وتبقى بصماته باقية بعد ذلك، وهذا ما يقرره تودوروف بقوله:"ليس العمل الأدبي في حد ذاته هو موضوع الشعريات، إذ ما تستنطقه هو خصائص هذا الخطاب النوعي الذي هو الخطاب الأدبي" ، فالأثر أو توليد الإحساس في المتلقي أو كما خلص إلى ذلك كمال أبو ديب:"مسافة التوتر هي منبع الشعرية" ، ويَستخلص مفهوم الشعرية من شبكة العلاقات، القائمة في النّص، إذ يقول:"الشعرية خصيصة علائقية، أي أنها تجسد في النص لشبكة من العلاقات، التي تنمو بين مكونات أولية، سمتها الأساسية أن كلا منها يمكن أن يقع في سياق آخر دون أن يكون شعريا، لكنه في السياق التي تنشأ فيه هذه العلاقات، وفي حركته المتواشجة مع مكونات أخرى، لها السمة الأساسية ذاتها، يتحول إلى فاعلية خلق شعرية ومؤشر على وجودها" .
    ومن هنا يستعين الكاتب أو الشاعر بمعجم خاص يُطَعِّمُه بالنحو المناسب لخلق لغة شعرية، حيث يساهم النحو في صياغة المعجم بطريقة خاصة تخرجه عن الكلام العادي، مثلما يوضِّح ذلك محمد عبد المطلب بقوله:"الشعرية منوطة بالمعجم من ناحية، والنحو من ناحية أخرى، حيث تكون السيطرة لخط النحو على خط المعجم، لتشكيله حسب مقولاته المحفوظة، بما يخرجه عن المألوف، أي: ينقل الصياغة من منطقة الحياد التعبيريّ إلى منطقة الأدبية " ، وهذا في حد ذاته مفهوم الانزياح حيث تتحول لغة الأدب من لغة الاستعمال اليومي إلى لغة شعرية تبعث بالإحساس والتوتر، كما يقول خليل الموسى:"الانزياح هو وسيلة الشاعر إلى خلق لغة شعرية داخل لغة النثر، ووظيفة خلق الإيحاء" .
    ويعود فضل كبير إلى ياكبسون الذي:"بدأ الاهتمام بالشعريات معه ونظريته اللسانية التواصلية التي اهتدى فيها إلى مفهوم الرسالة، وما يمكن أن تولده من دلالات كالوظيفة الشعرية التي تكون فيها الرسالة غاية في ذاتها، لأنها العمل الفني المعني بالدراسة" ، والشعريات:"هي بخلاف تأويل الأعمال النوعية لا تسعى إلى تسمية المعنى، بل إلى معرفة القوانين العامة التي تنظم ولادة كل علم، ولكنها بخلاف هذه العلوم التي هي علم النفس، وعلم الاجتماع (..)تبحث عن هذه القوانين داخل الأدب ذاته، فالشعريات إذن مقاربة للأعمال مجردة وباطنية في الآن نفسه" ، وهي:"الكليات النظرية عن الأدب نابعة من الأدب نفسه إلى تأسيس مساره، فهي تناول تجريدي للأدب مثلما هي تحليل داخل له" .
    ولأهمية اللغة ودورها في بعث هذا التوتر والإحساس من خلال انزياحها المقصود يرى الهادي الجطلاوي أن موضوع الأسلوبية:"هو النظر في الإنتاج الأدبي، وهو حدث لغوي لساني، أما منهجها في النفاذ إلى أسلوب النص فهو منهج لغوي يروم الوقوف على الخصائص اللغوية فيه وعلى العلاقة الرابطة بين هيكله اللغوي ووظيفته الشعرية" ، وتؤكد يمنى العيد ذلك بقولها:"لم يعد بإمكاننا اليوم أن نعالج المسألة الشعرية بمعزل عن المسألة اللغوية، ليس لأن الشعر نص مادته اللغة، بل لأن ما قدَّمته العلوم اللسانية الحديثة من مفاهيم تخص اللغة ترك أثره العميق والمباشر أحيانا على مفهوم الشعر" .
    وهنا تبرز مسألة التداخل بين الأسلوبية والشعرية، وهو ما بيَّنه أحد الباحثين بقوله:"للأسلوبية علاقة بالشعرية، بحيث تشمل هذه الأخيرة الأسلوبية بوصفها مجالا من مجالاتها البارزة" ، لكن جون لويس كابانيس يبين ذلك بطريقته الخاصة، حيث يؤكد أن التداخل بين الشعريات والأسلوبيات راجع إلى اهتمامها-في الفترات الأخيرة- بالأسلوب، ومفهوم الانحراف، وفكرة الجنس، فهو على الرغم من انه حاول أن يفرق بين أسلوبيات شارل بالي التي كانت تهتم بالتعبير عن العواطف في اللسان دون الاعتناء بالآثار الأدبية، وأسلوبيات ليو سبيتزر (1887-1960) Léo Spitzer التي عمدت إلى دراسة أسلوب الكاتب، ونظرت إلى الأسلوب على انه انحراف نسبة القاعدة التي يكونها اللسان المعاصر، فتطورت الأسلوبيات حتى وجدت نفسها معنية بالأسلوب، ومفهوم الانحراف، والجنس الأدبي، والخطاب، فتقاطعت مع الشعريات التي كانت تقوم على دراسة هذه الموضوعات خصوصا ذلك المسمى بالأسلوب الشعري الرمزي، والأسلوب النثري، كما فعله جون كوهين" .
    لكنه يعود ويحاول وضع الفرق بينهما في قوله:"الدرس اللساني يفرق بين الشعريات والأسلوبيات من حيث حدودهما العلمية وطبيعتهما، ذلك أن الاتجاه الشعري يظل مسوسا بمنظار منهجي لا يبحث عن الصفة المميزة للأسلوب، ولا يدرس الخصائص المميزة للعلامات إلا داخل منظومة الأثر، لأن الأعمال من مشمولات الأسلوبيات، وذلك هو الفرق بينهما" .
    وتقر الأسلوبية بدور القارئ أو المتلقي، حيث يرى ميكائيل ريفاتير أن:"كل بنية نصية تثير رد فعل لدى القارئ تشكل موضوعا للأسلوب" ، كما اقترح فرانسوا راستيي François Rastier:"نظرية للقراءة عمدتها القارئ" ، وذلك إقرار بأهمية القارئ حين تلقيه للعمل الأدبي ودعوة صريحة لإشراكه في شرح وتفسير النص الأدبي، وهنا تبرز مسألة التأثير وتأثر الأعمال الأدبية بالنظرية التواصلية التي طرحها رامان سلدان الذي:"أبرز دور الرسالة، ودور القارئ الذي يفكك شفرة الرسالة في بناء الفعل التواصلي وإدراك الدلالات المختلفة" .
    وأسهم نعوم تشومسكي (ولد عام 1928)Noam Chomsky من خلال نظريته التحويلية التي تُقَّدِم:"أداة للتحليل الأسلوبي يفسر العلاقة بين الإبداع عند الأديب والإبداع الذهني عند المتلقي" ، والحديث عن الإبداع عند المتلقي الذي يتواصل بالإبداع عند الأديب يطرح أهمية تزود المتلقي بالثقافة المطلوبة وإحاطته بالمجال الذي هو بصدد قراءته، كما يرى مصطفى ناصف أن:"النص الأدبي الرفيع لا يمكن أن يتفتح أمامنا دون ثقافة واسعة في المجال العقلي والروحي الذي ينتمي إليه هذا النص" بمعنى أن هناك:"ظواهر أساسية في تركيب اللغة أو المعنى تحتاج إلى تنوير من خلال الربط بين الشعر واللغة والفلسفة والدين" ، وهنا يتأكد دور القراءة الواعية في تشكيل رؤية جديدة تتكشف لدى القارئ مع كل نص يقرأه، ومع تعدد القراءات يكتسب القارئ مجموعة من الطاقات التحليلية التي كانت غائبة عنه قبل ذلك في شتى مجالات إبداع الفكر البشري، مثلما يقول ليونارد بلومفيلد (1887-1949) Leonard Bloomfield:"لكي يتسنى لنا تحديد دلالة صيغة لغوية معينة تحديدا علميا دقيقا، لا بد لنا من معرفة علمية حقيقية بكل ما يشكل عالم المتكلم" ، وإذا كان هذا منطبقا على شتى أنواع الأدب، فإن الضرورة تقتضي ذلك خاصة في الشعر الذي يحفل بكثير من الإنزياحات ويطلق العنان للخيال والرمز، مما يحتِّم على القارئ الإبحار مع الشاعر والإمساك بالدلالة وإن تعددت أوجه التناص، ولعل هذا ما دفع هنري بير إلى أن يقول:"الحقيقة أظهرت لهاوي الشعر وللذي يقرأه لنفسه وينعم به دون الغوص فيه على تلميح مخفي أو رسالة فلسفية، أن الشعر الجيّد للقارئ الجيّد" أو كما قال ملارميه في مقابلة أجراها معه جول هوريه عام 1891:"على الشعر دائما أن يحمل لغزا، وهو هذا هدف الأدب. أعتقد أن الشعر موجود للنخبة، في مجتمع يعرف ما الأبهة" ، هذه النخبة لا بد أن تكون المتلقي المتمكن والحصيف الذي يستطيع فك الألغاز وبالتالي الإحاطة بالدلالة.
    يقول شكري عزيز الماضي:"يرى البنيويون بأن القارئ ليس ذاتا، إنه مجموعة من المواصفات التي تشكلت من خلال قراءاته السابقة، وبالتالي فإن قراءاته للنص وردّ فعله إزاءه تتحدد بتلك القراءات، وبما أن هناك قراء عديدين فإن هناك قراءات متعددة للنص الواحد" ، وهذا يعني أن قراءة جديدة تفيدنا بجانب من جوانب النص النابضة بالحياة، والتعدد في القراءة بقدر ما يستجلي إضاءات مختلفة حول النص، فهو يثري النص وقارئه معا، وكثرة القراءات بقدر ما تبيِّن لنا أهمية النص المقروء، فهي تطلعنا على الزوايا الممكنة والمحتملة التي يمكن النظر من خلالها إلى هذا النص، وبالتالي إمكانية القراءة والتأويل الذي يفرضه الانزياح في بنية النص الأدبي، وتحاول الأسلوبية الإمساك به.
    والأسلوبية تهتم بالسياق للإحاطة بالدلالة، فالسياق وحده:"هو الذي يوضح لنا ما إذا كانت الكلمة ينبغي أن تؤخذ على أنها تعبير موضوعي صرف، أو أنها قصد بها أساسا التعبير عن العواطف، والانفعالات وإلى إثارة هذه العواطف والانفعالات، ويتضح هذا بخاصة في مجموعة معينة من الكلمات نحو:حرية، عدل، التي قد تشحن في كثير من الأحيان بمضامين عاطفية" ، أو كما يقول بلومفيلد:"إن دلالة صيغة لغوية ما إنما هي المقام الذي يفصح فيه المتكلم عن هذه الدلالة والرد اللغوي أو السلوكي الذي يصدر عن المخاطب" ، وهذا ما يوضحه أكثر أندري مارتيني (1908-1999) André Martinet بقوله:"خارج السياق لا تتوفر الكلمة على معنى" ، وأعطى بول جون أنطوان مييي (1866-1936) Paul Jules Antoine Meilletوجها إحصائيا للسياق حينما أكَّد أنه:"لا يتحدد معنى الكلمة إلا من خلال معدل استخداماتها" ، لهذا كان أشهر شعار لدى لودفيغ فيتغنشتاين (1889-1951) Ludwig Wittgenstein :"المعنى هو الاستعمال" ، وهو الشعار الذي تلقَّفه عبد السلام المسدي حينما وسم الأسلوب بالعبارة التالية:"الأسلوب هو الاستعمال ذاته، فكأن اللغة مجموعة شحنات معزولة. فالأسلوب هو إدخال بعضها في تفاعل مع البعض الآخر كما لو كان ذلك في مخبر كيماوي" ، فالكلمة لوحدها معزولة لا نستطيع الجزم بمدلولها، وتبقى الدلالة المعجمية لها مفتوحة على كل التأويلات، أما حين استخدامها في الجملة والنص فيمكن استبعاد بعض الدلالات والاقتراب من دلالات ممكنة أخرى، أو حصرها في دلالة واحدة لا غير.
    وبناء على ما سبق يمكن أن نستخلص اتجاهات الأسلوبية ومقولاتها ومستويات التحليل فيها، وبالتالي الاستعانة بذلك في تحليلنا للنصوص الأدبية، وهي كما يلي:
    1- الاتجاهات: وهي على تعددها فإنه يمكن حصرها في اتجاهين اثنين هما:
    أ- أسلوبية التعبير:
    أسلوبية التعبير أو الأسلوبية الوصفية تعنى بمعالجة تعبير اللغة بوصفه ترجمان أفكارنا. ويعد شارل بالّي رائدها بدون منازع ولا مدافع. وهو يحدد الأسلوبية بأنها: "دراسة أحداث التعبير اللغوي المنظم لمحتواه العاطفي، أي دراسة تعبير اللغة عن أحداث الحساسية، وفعل أحداث اللغة على الحساسية" . فهذه الأسلوبية – كما يؤكد بيير غيرو P.Guiraud -: "تعبيرية بحتة، ولا تعني إلا الإيصال المألوف والعفوي، وتستبعد كل اهتمام جمالي أو أدبي" . ومن أشياع هذا الاتجاه المتأثرين بمنهاج بالي ومفهومه للأسلوبية نلفي جول ماروزو (J. Marouzeau)، ومارسيل كروسو (M. Cressot).
    ب- أسلوبية الفرد:
    أسلوبية الفرد أو الأسلوبية التكوينية ظهرت على يد النمساوي ليو سبيتزر Léo Spitzer، كرد فعل على أسلوبية بالي، وبتأثير مباشر من أستاذه الألماني كارل فوسلير (1872-1949). ويرى سبيتزر أن الفرد مستعمِلَ اللغة غير ملزم بالتقيد بقواعد اللغة المتعارف عليها، بل بإمكانه أن يتملص منها، ويبدع تركيبا لغويا جديدا يميزه عن غيره، ويكون بمثابة أسلوب خاص به وحده. وتكمن مهمة الناقد الأسلوبي في دراسة تلك الخواص اللغوية المتفردة الدالة على شخصية الكاتب. ويبدو أن سبيتزر قد تأثر في رأيه هذا بآخرين سبقوه إلى توكيد صلة الأسلوب بصاحبه. بحيث يروى أن ( أفلاطون) قال: "كما تكون طباع الشخص يكون أسلوبه". واعتبر (سينيك) الأسلوب صورة الروح. وكان الكونت بوفون(1707-1788) Buffon قد ألقى في المجمع العلمي الفرنسي عام 1753 محاضرة نفيسة بعنوان "مقالات في الأسلوب"، مما جاء فيها: "الأسلوب هو الرجل عينه"؛ بمعنى أنه صورة لصاحبه، تبرز مزاجه وطريقته في التفكير ورؤيته إلى العالم. وبعبارة المسدي، فهو "فلسفة الذات في الوجود" . وقد أثَّر بوفون بنظريته هذه في كل الذين جاؤوا من بعده من نقاد الأدب ومنظّري الأسلوب (بول كلودال، شوبنهاور، فلوبير، ماكس جاكوب...). إن الأسلوب الفردي – كما يقول فريديريك دولوفر F. Deloffre - "حقيقة بما أنه يتسنى لمن كان له بعض الخبرة أن يميز عشرين بيتا من الشعر إن كانت لـ:راسين (Racine) أم لـ: كورناي (Corneille)، وأن يميز صفحة من النثر إن كانت لـ:بلزاك (Balzac) أم لـ:ستاندال (Stendhal)" . ويجرنا الإقرار بحقيقة الأسلوب الفردي إلى القول باختلاف الأساليب من كاتب إلى آخر. وقيل كذلك:" إن هنالك إلى جانب الأساليب الخاصة بواحد من أئمة الفن أسلوبا عاما مطلقا يصلح لكل زمان ومكان، وهذا الأسلوب العام هو الطريقة الكلية التي تعبر عن كيفية تأثير العقل في الطبيعة" .
    وإلى جانب هاتين الأسلوبيتين يتحدث بعضهم عن أسلوبيات أخر، كالأسلوبية البنيوية التي وضع أسسها فرديناند دي سوسير. ومن أعلامها ريفاتير الذي يؤمن بوجود بنية في النص، وبوجوب البحث فيها. ويضيف إلى ذلك أهمية "المتلقي" في تحديد الأسلوب والأسلوبية. فهو يزعم أن هذه الأخيرة " تدرس في الملفوظ اللساني تلك العناصر التي تستعمل لإلزام المرسل إليه أو متلقي الشفرة ومفسرها بطريقة تفكير مرسل هذه الشفرة. بمعنى أنها تدرس فعل التواصل لا كإنتاج صرف لمتسلسلة لفظية، بل كأثر شخصية المتحاور وكانتباه المرسل إليه. باختصار، فهي تدرس الإيراد اللساني عندما يتعلق الأمر بنقل شحنة قوية من المعلومة" . ويرى أيضا أن كل بنية نصية تثير رد فعل لدى القارئ تشكل موضوعا للأسلوب. وكلما كان هذا الرد واعيا، كان الإحساس أقوى بميزة هذا الموضوع . واهتم ريفاتير كثيرا "بالسياق الأسلوبي"، وعرّفه على أنه نسق لغوي يقطعه عنصر غير متوقع ، أي مضاد للسياق، وغير متنبأ به، بحيث عقد له فصلا خاصا في كتابه الشهير(محاولات في الأسلوبية البنيوية)، وقسمه إلى "سياق أصغر" و"سياق أكبر". ونجد في هذا التيار كذلك ياكبسون، وإن كان جيرو يصنفه ضمن أسلوبية أخرى مستقلة، سماها" الأسلوبية الوظيفية".
    وبالرغم من اختلاف الدارسين حول جدوى استخدام تقنية الإحصاء في دراسة الأسلوب بين معارض لها (غريماس مثلا) ومؤيد (مولر مثلا)، وكما وسم اولمان الطرق الإحصائية بافتقارها للحساسية الكافية لالتقاط الخبايا الدقيقة للنص، وعدم احتفالها بالسياق، وتقديمها الكم على الكيف، وحشدها لعناصر متباينة على صعيد واحد بناء على تشابه سطحي بينهما ، وذهاب تشومسكي إلى أن:"المصطلحات العلمية الفخمة والإحصاءات المؤثِّرة التي يكسو بها السلوكيون دراساتهم ما هي إلا لون من ألوان الخداع والتمويه يخفون به عجزهم عن تفسير الحقيقة البسيطة التي تقول أن اللغة ليست نمطا من العادات، وأنها تختلف جوهريا عن طرق الاتصال عند الحيوان" . إلا أن الفرنسي جيرو استطاع أن يؤسس لاتجاه أسلوبي بمؤازرة بعض رفاقه، وسمي "بالأسلوبية الإحصائية"، التي تتخذ من الأسلوب واقعة قابلة للقياس الكمي.
    2- المقولات: وتتحدد مقولات الأسلوبية في ثلاثة عناصر: الاختيار-التركيب-الانزياح.
    أ-الاختيار:
    إن لغة النص الأدبي هي لغة مميزة، وهذا التميز يبين لنا أن الكاتب أو الشاعر قد اختار من المعجم اللغوي الضخم مجموعة من الكلمات حتى يستطيع تكوين رسالته وإحداث الأثر المرجو منها وبالتالي التواصل مع المتلقي، فلغة النص الإبداعي الأدبي هي لغة مختارة بعناية ودقة، ولهذا أجمع الباحثون على أن الكتابة أو النظم قوامها اختيار المعجم الخاص لإحداث الأثر الفني، ومن ذلك ما قاله جوزيف شريم:"إن الكتابة إجمالا والكتابة الشعرية خاصة هي نوع من =الاختيار=، يقوم به الشاعر على مستوى كل بيت من أبيات قصيدته" ، وأثبت تشومسكي ذلك بقوله:"الجُمل تولد عن طريق سلسلة من الاختيارات للكلمات داخل الجملة" ، وهو صاحب النحو التوليدي (أو التحويلي)، والذي يسمح بتوليد جملة من البدائل الأسلوبية والكلمات حتى تمكن الكاتب أو الشاعر من فرصة إيجاد خيارات واسعة في استعمال اللغة، وهذا أيضا ما كرره رجاء عيد بقوله:"كانت قناعة البنيويين أن المتكلم ينتقي خطابه على حسب اختياره من تلك الطاقة المختزنة في الذاكرة:اللغة، وفيها يكون انتقاءه لما يناسبه، وعليه فالأسلوب هو دراسة تلك الاختلافات، وتحليل أنماط التباينات" .
    ب-التركيب:
    إن تركيب النص الإبداعي خاصة حين ثورته على النمط النحوي المعتاد الذي يحترم قانون النحو، وتكوينه لتركيب جديد غير مألوف لدى المتلقي هو الذي يبعث الدهشة والتوتر، ومن هنا كانت الأسلوبية متتبعة له محاولة طرح السؤال "لماذا؟"، والإجابة عن هذا السؤال والتوصل إلى فهم التركيب الطارئ لهو بحق السبيل إلى فهم العمل الأدبي والوقوف على فنيته وإبداعيته، فـ:جون كوهين يرى بأنه:"لا يتحقق الشعر إلا بقدر تأمل اللغة وإعادة خلقها مع كل خطوة. وهذا يفترض تكسير الهياكل الثابتة للغة وقواعد النحو" ، لأن:"لكل أديب طريقة خاصة في استخدام الكلمة وتركيب الجملة من حيث النحو البلاغي...يجب أن ندرك أن التركيب=التشكيل=اللغوي هو المادة الحقيقية المشكلة لفن الأدب، لهذا ينبغي بذل جهد كبير في التعرف على كيفية استخدام الأديب للغة" ، خاصة إذا علمنا أن واحدا من الشعراء الكبار وهو ملارميه:"عرَّف نفسه بالعبارة العجيبة=أنا مركِّب=" ، وقد اعتنى قدماء علماء العرب بفكرة أهمية التركيب فهذا عبد القاهر الجرجاني يقول:"الكلام لا يستقيم ولا تحصل منافعه التي هي الدلالات على المقاصد إلا بمراعاة أحكام النحو فيه من الإعراب والترتيب الخاص" ، الأمر الذي دفع بـ:مصطفى ناصف إلى التصريح بأنه( عبد القاهر):"حرّض الباحثين على أن يعيدوا قراءة الشعر العربي في ضوء فكرة تنظيم الكلمات" . ولا سبيل إذن من أجل الوقوف على أدبية الأدب إلا النظر في كيفية تشكيله وهندسته.
    ج-الانزياح:
    يشرح لنا انكفست الانزياح (أو الانحراف) بقوله:" سنستعمل مصطلح انحراف لنقصد به الخلاف بين النص والمعيار النحوي العام للغة، ولهذا فالانحراف يعني عدم النحوية وعدم القبول" ، ويحدد بول فاليري الأسلوب بأنه انحراف عن قاعدة أو معيار ما، أي انحراف عن قانون النحو، وبيّن مصطفى ناصف أن:"الاستعارة انحراف عن الأسلوب الواضح الدقيق" . فالانحراف إذن هو الخروج عن المألوف المعتاد في الكلام العادي بين الأفراد في المجتمع، والاتجاه نحو صيغة كلامية تبعث الإيحاء وتحث على التأويل، وبالتالي خلق التوتر والاستغراق في حالة التأثر ومحاولة الشرح، أو كما يسميه بعض الباحثين بـ:"مواطن الخروج على المستوى العام الذي عليه الاستعمال العادي للغة" .
    ولإضاءة مفهومه للانحراف عن السياق يورد ريفاتير مصطلحين هامين وهما: الارتداد والتناص، ويعني بالأول تلك الوقائع الأسلوبية التي سبق للقارئ اكتشاف قيمها ثم لا تلبث أن تعدّل معانيها بأخرى بناء على ما يكتشفه القارئ وهو ماض في قراءته، كما يعني بالتناص ذلك الأثر الذي ينشأ عن تراكم عدد من المسالك الأسلوبية لتحدث قوة تعبيرية لافتة، والتي يعدها مثالا للوعي البالغ باستعمال اللغة .
    وهنا يطرح برنرد شبلنرن بعض الأسئلة الوجيهة مثل: على أي مستوى لغوي ينبغي أن تكون الانحرافات ممكنة؟ كيف يتحدد مستوى المعيار الذي ينحرف عنه النص؟ أي: عن أي شيء بدقة ينحرف النص؟
    لا بد أنها أسئلة مهمة خاصة إذا أدرجنا الفعل التواصلي بين الأديب والمتلقي، فالأديب يهدف من رسالته إلى ملاقاة القارئ وإشراكه معه في الشرح والتحليل، فماذا يحدث إذا تعمق الانزياح كثيرا وأدى إلى غموض الرسالة؟، وهذا ممكن لأن القارئ قد لا يكون قادرا على فك الشفرة والإمساك بالدلالة، وهذا الإشكال يطرحه أحد الباحثين بقوله أن:"الانزياح يؤدي إلى غموض الرسالة، وإضعاف بنيتها، وهذا يعني أنه كلما عمد الشاعر إلى تعميق الانزياح ازداد انفصاله عن الجمهور" ، وقد حدث مثل هذا من قبل فـ:"الشاعر الانجليزي=كيتس= يوم كتب إلى أخيه رسالة في 18 شباط 1819، لام السذج الذين يأخذون الكلمة بمعناها الحرفي دون بعد في خلفياتها" ، ولعل هذا ما يسميه أتباع فيتغنشتاين:"التشنجات العقلية التي تنشأ عن المتاهات التي تخلقها اللغة" ، فالإنزياحات العميقة تخلق متاهات للعقل، وتجعله يسير في دوامة حلزونية لا متناهية تعيق فهمه للنص الأدبي.
    إن:"الانزياح هو وسيلة الشاعر إلى خلق لغة شعرية داخل لغة النثر، ووظيفة خلق الإيحاء" ، لكن يبقى السؤال جوهريا: إلى أي حد يمكن أن يستمر الانزياح؟، وهل وظيفة خلق الإيحاء مبرر كاف لمراوغة القارئ والابتعاد عن شريحة كبيرة من القراء، ما دام أن هدف الأدب حسب البعض هو تبليغ الرسالة وبناء فعل التواصل؟ إنه سؤال نضعه هنا على أمل الإجابة عليه في المستقبل.
    وتتخذ الأسلوبية من الخطاب الأدبي عامة مادة وغاية لها. يقول الباحث اللبناني بسّام بركة: "إن الأسلوبية تحليل لخطاب من نوع خاص، فهي وإن كانت تعتمد على قاعدة نظرية (لسانية أو سيميائية أو براغماتية)، فإنها أولا وأخيرا تطبيق يمارس على مادة هي الخطاب الأدبي" . وهي لا تقف عند حدود سطح النسج الأدبي، بل إنها" لا تلبث بعد ذلك أن تختلط بالنص ذاته عبر عمليات التفسير وشرح الوظيفة الجمالية للأسلوب لتجاوز السطح اللغوي ومحاولة تعمق دينامية الكتابة الإبداعية في تولدها من جانب وقيامها بوظائفها الجمالية من جانب آخر" .
    3- المستويات:
    تتحدد مستويات التحليل الأسلوبي من خلال التعريف الذي وضعه دي سوسير للكلام:"الكلام تطبيق أو استعمال للوسائل والأدوات الصوتية، والتركيبية والمعجمية، التي يوفرها اللسان" فيما يلي:
    أ- الصوت (أو الإيقاع): يرى أحد الباحثين أن الإيقاع:"هو تنظيم لأصوات اللغة بحيث تتوالى في نمط زمني محدد، ولا شك أن هذا التنظيم يشمل في إطاره خصائص هذه الأصوات كافة...فإن الصوائت التي هي أطول الأصوات في اللغة العربية، هي أكثرها جهرا وأقواها إسماعا، وأما التنغيم فهو نتاج توالي نغمات الأصوات الناتجة عن درجاتها" ، كما أن النبر هو:"ارتفاع في علو الصوت ينتج عن شدة ضغط الهواء المندفع من الرئتين، يطبع المقطع الذي يحمله ببروز أكثر وضوحا عن غيره من المقاطع المحيطة" .
    ويعطي رجاء عيد لعلم الصوتيات أهمية بالغة في دراسة الأسلوب حيث يرى أن:" ...هناك بعض أنواع من الأدب لها إمكانية صوتية قوية، فالدراما والشعر يكتبان بكلمات مسموعة، والسمات اللغوية الخاصة التي تعرضها لا يمكن توضيحها إلا بألفاظ صوتية مصقولة، ولا بد أن يكون هذا اللفظ الصوتي قادرا على إلقاء الضوء على مثل هذه المظاهر كالجناس والسجع والقافية، واستخدام الكلمات التي تدل ألفاظها على معانيها والوزن والإيقاعات النغمية ومعرفة الطريقة التي تتباين فيها الحروف اللينة، وتتجمع الحروف الساكنة طبقا للموقع التي ترد فيه وكيفية النطق بها، فالحروف الساكنة تتجمع، والأماكن تتبدل في الوحدات الصوتية في تركيب المقاطع المتتالية، وكلها تمتزج وتتطابق لكي تعطي التأثير الشامل في النهاية" .
    وعليه فما على الباحث الأسلوبي إلا دراسة الوزن والنبر والتنغيم والوقوف للإحاطة بما يحمله المقطع الشعري من مشاعر وعواطف وأحاسيس الشاعر والتي تتجسد في إيقاع الحرف والكلمة والعبارة، بالإضافة إلى البحر والقافية.
    ب-التركيب: وهو عنصر مهم في بحث الخصائص الأسلوبية كدراسة طول الجملة وقصرها وعناصرها مثل المبتدأ والخبر، الفعل والفاعل، الصفة والموصوف وكذا ترتيبها، ودراسة الروابط مثل الواو، والفاء، وما، والتقديم والتأخير، والتذكير والتأنيث والتصريف، وبحث البنية العميقة للتركيب باستخدام النحو التوليدي لـ: تشومسكي في رصد الطاقة الكامنة في اللغة، ومعرفة التحويلات أو الصياغات الجديدة التي تتولد، والتي تعد أساسا من الأسس التي تكوِّن الأسلوب .
    ج- الدلالة: يهتم علم الدلالة بـ:" الجانب المعجمي، وما تدل عليه الكلمات، مع تتبع لمستجدات المعنى الذي يلحق بتلك الدلالات، أو ما يدفع – بسبب التطور- إلى أن يتبدل ما تشير إليه تلك الكلمات أو سواها. ومن الممكن متابعة "الدلالة" من خلال النظام اللغوي الذي يتميز بخصائصه النحوية والصرفية، والتي تشكل لهذا النظام بنيته الخاصة به...وهذه البنية تتشكل منها ما يعرف بالحقول الدلالية، والتي تضم مجموعات تشكل مفهوما مشتركا، أو دلالة تدخل في نطاق واحد" .
    وعليه فإن الباحث في الدلالة عليه أن يبحث في تلك العلاقة التي تربط الدال بمدلوله في النص من خلال السياق، وبالتالي فهم وتحديد الدلالة السياقية إن كانت دلالة مباشرة أو تحمل دلالات إيحائية أو تأويلية أخرى( الحقل الدلالي).

  40. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (عباس بيضون) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
الصفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •