اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: اللغة وعاء الأفكارْ، فاعتبروا يا أولي الأبصارْ

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 46184

    الكنية أو اللقب : ابو عبد الله

    الجنس : ذكر

    البلد
    السنغال

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : دكتوراه

    التخصص : اللغويات

    معلومات أخرى

    التقويم : 3

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل25/1/2014

    آخر نشاط:04-12-2014
    الساعة:11:27 AM

    المشاركات
    5

    اللغة وعاء الأفكارْ، فاعتبروا يا أولي الأبصارْ

    اللغة وعاء الأفكارْ، فاعتبروا يا أولي الأبصارْ
    من كمال قدرة الله، ونفوذ مشيئته، وعنايته بعباده ورحمته بهم أن قدر اختلاف ألسنتهم لئلا يقع التشابه فيحصل الاضطراب وتفوت المقاصد والمطالب؛ وليكون ذلك آيَةً دَالَّةً عَلَى مَا جعله اللَّهُ فِي غَرِيزَةِ الْبَشَرِ مِنِ اخْتِلَافِ التَّفْكِيرِ وَتَنْوِيعِ التَّصَرُّفِ فِي وَضْعِ اللُّغَاتِ [ينظر:التحرير والتنوير لمحمد طاهر بن عاشور21/73 ] وفي هذا يقول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} [سورة الروم: 22]
    فاللغة رموز صوتية مكتسبةٌ، بها تستطيع الجماعات أن يتفاهموا ويتفاعلوا اجتماعيا وثقافيا، وأن يعبروا عن مشاعرهم وأفكارهم وانفعالاتهم المختلفة.
    وليست اللغة مجرد وعاء لفظي يحلّ فيه الفكر، كما كان يعتقده التصوّر الفلسفي الأفلاطوني القديم؛ وإنما الفكر – حسب الموقف الفلسفي واللساني المعاصر- نشاط ذهني غير مستقل عن اللغة، فالفكر هو الوجود الداخلي للغة، واللغة هي الوجود الخارجي للفكر، فهما وحدتان متماسكتان بشكل يجعل كلا منهما محتويا للآخر ومعاصرا له، أو بتعبير آخر: الفكر كلام صامت، واللغة تفكير صائت، فلا يمكن إدراك الفكر بمعزل عن اللغة، ولا توجد لغة بدون فكر؛ فهما بمثابة ورقة نقديَّة، يشكِّل فيها الفكرُ الوجهَ، وتشكِّل اللغة الظهرَ، فمن المستحيل أن يُقْطَعَ وجه الورقة دون أن يُقْطع ظهرها، ولذلك فإن اللغة اليونانية قد أصابت عند ما أطلقت لفظة اللُّوغُوسْ Logos على اللغة والعقل معاً.
    اللغة شعار الأمم ووعاء ثقافتها ومرآة حضارتها: اللغة موروث ثقافي؛ لأن الثقافة - حسب مفهومها الشائع - هي مجموعةُ أنظمة وأعراف وتقاليد مكتسبة في مجالات العلم والدين والفن... وغيرها، يتميز بها المجتمع، فتُنَظِّمُ سلوكياته في مختلف الجوانب, فالثقافة تشمل كل المعارف المتوارثة سواء أكانت خصوصيات ثوابتَ وقيما دينية أم أساطير وحكايات شعبية، والثقافة أساس الحضارة، واللغة من أهم الأركان التي تعتمد عليها الحضارات، ومن أهم العوامل التي تؤدِّي إلى تشكيل هويات الأمم، وكلما كانت اللغة أكثر اتصالاً بثقافة الشعوب كانت أقدر على تشكيل هويتها وحملها، بل لا يمكن أن تكون هناك خصوصيَّةٌ ثقافيَّةٌ قيمة لأيَّة أُمَّة من دون سيادة لغتها القومية، ولا يمكن أن تحقق أمة من الأمم تنمية اقتصادية واجتماعية ناجحة دائمة بغير لغتها القومية، فاليابان حققت ذلك بلغتها ذات العشرة آلاف مقطع، والصين بلغتها ذات الأربعة والأربعين ألف مقطع؛ مما يؤكّد أن الاستقلال الوطني أو القومي لا يكون من دون سيادة اللغة الوطنية أو القومية، وهذه حقائق مُسلَّمة بها تاريخياً وعالمياً.
    وعلى ذلك فاللغات شعار الأمم وِعَاءُ فكْرِهَا، ومرآة عقلها، وحاضنةُ قِيَمِها، وحاملة تجارب أهلها وخبرتهم وحكمتهم وبصيرتهم وفلسفتهم، وهي الصلةُ بين حاضرهم وماضيهم، وهي الجسر للعبور إلى مستقبلهم، وهي اللحمة المؤدية إلى تفاعل أهلها وتماسكهم وصيانة وحدتهم، وهي عنوان شخصيتهم، أشارت إلى هذا منظمة "الْيُونِسْكُو" بقولها: إن" اللغات هي من المقومات الجوهرية لهوية الأفراد والجماعات، وعنصر أساسي في تعايشهم السلمي، كما أنها عامل ‏استراتيجي للتقدم نحو التنمية المستدامة، وللربط السلس بين القضايا العالمية والقضايا المحلية... ... ... تعدد اللغات عن بصيرة هو ‏الوسيلة الوحيدة التي تضمن لجميع اللغات إيجاد متسع لها في عالمنا الذي تسوده العولمة، لذلك تدعو "الْيُونِسْكُو" الحكومات وهيئات الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والجمعيات ‏المهنية وجميع الجهات المعنية الأخرى إلى مضاعفة أنشطتها الرامية إلى ضمان احترام وتعزيز وحماية جميع اللغات، ولا ‏سيما اللغات المهددة، وذلك في جميع مجالات الحياة الفردية والجماعية "
    ونتيجة ذلك كله أن الحفاظ على اللغة يعني ضمان بقاء واستمرارية المجتمع الذي يستخدمها، وإضعافها هو إضعاف لشخصية الناطقين بها، كما أن الاعتزاز باللغة ليس اعتزازا بذات اللغة، وإنما هو اعتزاز بالثقافة التي تحتضنها هذه اللغة وبالحضارة التي تمثّلها، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: »اللسانُ العربي شعارُ الإسلامِ وأهلِه، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميَّزون« [اقتضاء الصراط المستقيم، 203 ].
    توظيف اللغة في الصراع الثقافيِّ الفكريِّ: لقد تنبه المستعمر إلى العلاقة الوطيدة بين اللغة والفكر والثقافة فسارع إلى نشر لغته في التعليم العام في كل مستعمراته؛ ليضمن ولاء وتبعية الأجيال المتتابعة، حتى بعد خروجه، كما سارع المستعمر إلى ضربات قوية على اللغة العربية التي وحّدت الأمة الإسلامية- على اختلاف أجناسها ولغاتها- وحفظتها عبر القرون بما تملك من خصائص ومزايا ثقافية وفكرية وتاريخية.
    فقد فرض المستعمرون لغاتهم على المسلمين ليقطعوا صلتهم بالقرآن، ويفرقوا بينهم، فعملوا جاهدين على إبعاد المسلمين عن اللغة العربية ــ لغة القرآن ــ ليصعب التفاهم بين البلاد الإسلامية التي تكّون أمة واحدة؛ لأن انتشار لغة المستعمر أو الغالب فـي بلاد المغلوب وحلولها محلها يعدُّ بداية انهيار لروح تلك الأمة وتراثها، وفقدانها لثقافتها، وزوال لهويتها، كما هو معروف فـي علم الاجتماع الذي أرساه ابن خلدون فـي مقدمته [1/184] بقوله: «إن المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسّبب في ذلك أنّ النّفس أبدا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إمّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أنّ انقيادها ليس لغلب طبيعيّ إنّما هو لكمال الغالب».
    وقد نجح المستعمر في خطته هذه في معظم البلاد الإسلامية: ففي مصر عندما هجمها "نَابْلِيُونْ" في حملته المشهورة سنة 1798م، أحضر معه مئات من العلماء والباحثين والفنانين؛ لأنه كان يعرف أن العالم الإسلامي مقبل على نهضة مباركة، ولا بدّ من إجهاضها، وعندما اضطر "نَابْلِيُونُ" للمغادرة ترك نائباً له، وأمره بأن يختار خمسمائة شخصية من شيوخ القبائل والأعيان، فيرسلهم إلى فرنسا؛ ليعيشوا فيها بعض الوقت، وعندما يعودون إلى بلادهم يكونون أنصاراً لفرنسا.
    ولَمَّا لم يتحقق "لنَابْلِيُونْ" ولا لخليفته ما أراد، جاء محمد علي باشا إلى حكم مصر، فبدأت البعثات العلمية إلى فرنسا، بإشارة من القناصل الأوربيين الذين لم يتركوه يتصرف من دون أن تكون لهم كلمة في كل تصرفاته، وبخاصة القنصل الفرنسي، الذي أشار عليه أن يبدأ البعثات إلى فرنسا، وبدلاً من خمسمائة من الشيوخ وكبار السنّ، حصلت فرنسا على المئات من أنبغ أبناء مصر وأذكاهم؛ ليعيشوا في فرنسا سنوات، ثم يعود منهم من يعود بغير الفكر والرأي الذي ذهب به، حتى رفاعة رافع الطهطاوي إمام البعثة الأولى، يعود ليمتدح الرقص وغير ذلك من عادات الفرنسيين، حتى إنه أطلق على الرقص (الشلبنة)، ثم استمرت البعثات حتى جاء طه حسين الذي دعا إلى الارتماء في أحضان الغرب، ورفض كل هوية عربية إسلامية، وجعل مصر – في نظره- جزءاً من أوروبا.
    أما البعثة التركية فهي- وإن كانت لدراسة العلوم الهندسية والفنون الحربية- فإن المدرِّبين الفرنسيين الذين تولوا تدريس الضباط الأتراك في فرنسا، أو الـذين جاؤوا إلى تركيا، حرصوا على توجيه أنظار الطلاب إلى قراءة الأدب الفرنسي، بقراءة كتابات فُولْتِيرْ ومُولِيِيرْ وغيرهما.
    وما زالت البعثات العلمية إلى الغرب تؤتي ثمرتها كلّ حين: فالجامعات الأجنبية منذ سنوات تعمل على خلق نخبة سياسية وثقافية مرتبطة بالغرب ومصالحه، ومؤمنة بتفوقه الحضاري، ومنفصلة تماماً عن محيطها وثقافتها الإسلامية، حيث اهتمت هذه الجامعات بزرع الثقافة والمعارف المدنية العصرية على حساب الثقافة الإسلامية؛ مما أضعف من وضعية هذه الثقافة ودورها في تسيير شؤون الأمة، فالنخب الحاكمة في كل البلاد الإسلامية تقريبا، تخرجت من رحم هذه الجامعات التي تكرس مبادئ العلمانية والتغريب.. بعد أن انفصلوا تماماً عن هويتهم الإسلامية.
    إفريقيا والاستعمار الثقافيِّ الفكريِّ الفرنسيّ: الاستعمار الفرنسي استعمار ثقافيٌّ فكريٌ؛ وهو أخطر وأشد من الاستعمار الماديّ الذي اتبعته بريطانيا وغيرها من الدول المستعمرة.
    ما كانت فرنسا تكتفي من مستعمراتها بما تطلبُه منها سائرُ مِلَل الاستعمار ونِحَلِه: من نهبِ الثروات، وجلبِ العمالة الرخيصة، وتأمين السوق للسلع الرأسمالية، وتوفير مواطئ قدم للجيوش البريّة والبحرية، وتوفير قواعد بشرية تُسْتَخْدَم لأداء مهامات عسكرية في جيش الاحتلال...، وإنما وضعت فرنسا على رأس قائمة أهدافها الاستراتيجية القضاءَ على الثقافة الإسلامية - لأن ذلك الوجود الثقافي الإسلامي هو الدرع الواقي للشعوب المسلمة، ومؤجّجهم للجهاد ضدّ الاستعمار.
    وقد قامت فرنسا بإجراء جراحة ثقافية ولغوية تهدم استقلال المستعمَر وشخصيته، وتدفعه إلى اقتداء الغالب والإذعان له، والتماهي معه، وفقدان القدرة على وعيه لذاته!
    ولتحقيق ذلك وضعت فرنسا خطة استراتيجية تتمثل في المحاور الثلاثة: الكنيسة، المدرسة، الجيش، فدور الجيش ينحصر في التركيع الآنيِّ، ودور الكنيسة يركّز في التشويه العلميّ، بينما كانت المدرسة – ولا تزال - أكثر الثلاثة خطورة، باعتبارها الوسيلة التي أبقت على الوجود الاستعماري حتى بعد رحيله.
    عندما بدأت المدرسة الفرنسية تأخذ طابعها النهائي - في إفريقيا الغربية خاصة- كان في تلك البلاد عدد كبير من المدارس العربية التي تأسست قبل مجيء الاستعمار، وكان لبعضها شهرة كبيرة مثل مدرستي: تمبكتو - وجني، اللتين بلغتا مرتبة الجامعات في أيام الأسكيين على الخصوص؛ فلم يكن من صالح الاستعمار الفرنسي إغلاق تلك المدارس التي أُنشئت لها فروع في عديد من الجهات، كما لم يكن من صالحه أبداً ترك هذه المدارس تؤدِّي دورها كما كانت تعمل في الماضي.؛ لذا فكَّرت في وضع خطط تسير عليها هذه المدارس لتصل في النهاية إلى النتيجة التي تخدم مصالح المستعمِر الغالب، وقد ارتكزت تلك الخطط على المحاور الثلاثة الآتية:
    المحور الأول: تغيير برنامج هذه المدارس تغييراً جذرياً؛ فلا تصبح جامعات إسلامية، وإنما مدارس فرنسية عربية، يغلب فيها اللسان الفرنسي والعلوم الفرنسية، وبهذا يتم تدمير تلك المؤسسات التعليمية الإسلامية، أو تفريغها من محتواها.
    المحور الثاني: فرض حصار ثقافي شامل على المنطقة، وكان من بين الوسائل التي استخدمت: فتح مكاتب للمراقبة، بحيث يجب أن تمر من خلالها كل المطبوعات التي يتم إدخالها إلى المنطقة، وكان الذين يشرفون على جهاز المراقبة غالباً ما يكونون من اليهود؛ وفي خطوة مرادفة تم السماح بدخول نوعٍ معين من الكتب –عربية أو فرنسية أو غيرهما- لاستغلال ما تحمله من أفكار وآراء تتعارض مع المنهج الإسلامي الأصيل الذي يرفض الخضوع للهيمنة الخارجية الأروبية التي تحمل -في نظر مسلمي المنطقة – طابع الكفر والتنصير، حتى إنهم ليسمُّون لغة اولئك المستعمرين بـ"النَّصْرَانِيَّةْ" ..
    المحور الثالث: يتمثل في ضرب اللغة العربية باعتبارها وسيلة فعَّالة في المعركة الثقافية الدائرة بين الجانبين: الجانب الأوروبي المستعمِر والجانب الإفريقي المسلم (خصوصاً غرب إفريقيا).
    ولَـمّا تمادى مسلمو إفريقيا في التمسك بـ( اللغة العربية ) لجأتْ فرنسا إلى القوة والقانون معاً، فبدأت حملة سن تشريعات تسعى إلى جعل سياسة الحصار الثقافي أمراً واقعاً، وكذا شكَّلتْ منابر ثقافية (روابط) ظاهرها سياسي اقتصادي، وباطني استعمار فكري ثقافي، ومن أشهر تلك الروابط والجمعيات: مجموعة الدول الناطقة باللغة الفرنسية (الْفَرَنْكُفُونِيّة la Francophonie) التي أُسِّسَتْ مقابل رابطة الدول الناطقة باللغة الإنجليزية (الْكُومُنْوِلْثَ) وكلتاهما لتثبيت أقدام المستعمرين في مستعمراتهم.
    فقد اتخذت فرنسا منظمة "الْفَرَنْكُفُونِيّةَ" نمط استعمار لغوي ثقافي جديد، يربط الدول الأعضاء بفرنسا سياسياً وثقافياً وفكرياً واقتصادياً، وينشر اللغة الفرنسية، ويحارب اللغات المحلية، وخاصة اللغة العربية الفصحى، ويمارس الغزو الفكري وعملية غسل المخ من خلال إنشاء جامعات وإذاعات وتِلِفِزونات فَرَنْكُفُونِيّة؛ ولذا فإن جذور الفَرَنْكُفُونِيّة تضرب في أعماق طبيعة الاستعمار الفرنسي، قبل أن يستنزف الثروات والخيرات ويَهلك الحرث والنسل فيجعل أعزّة القوم أذلّة.
    وقد نجحت فرنسا في خطتها هذه بشكل منقطع النظير وخاصة في «إفريقيا السوداء»، مستثمرة بُنَاها القبلية والاجتماعية الانقسامية المفَتَّتَة، وغياب عوامل التوحيد الثقافي واللِّسَاني في الأغلب الأعمّ من مجتمعاتها، ولا يكاد يوجد اليوم مجتمع إفريقي-من مستعمرات فرنسا – إلا وقد اتخذ اللغة الفرنسية «لغته الوطنية»! ولسانها الإداري، ولسانها التعليمي من الطفولة حتى الكَهولة، والرأسمال الأمثل لتنمية الموقع الاجتماعي وتحسينه!
    ومن هنا نتساءل: هل يجب علينا نحن المسلمين أن نستمرّ في تعلّم واستعمال لغة المستعمر مع ما عَانَيْنا وقاسَيْنا منها، أم يجب علينا أن نفرَّ منها فرارنا من الأسد؟
    فالجواب – في نظري- أنه يمكن أن نواصل في تعلّم واستعمال اللغات الأجنبية قدر الحاجة، ووِفْقَ منهج مُحْكَم؛ لأن ديننا الإسلامي دين عالميّ؛ يتميز بالانفتاح والمرونة والمسامحة، ولنا في ذلك قدوة حسنة من سلفنا الصالح الذين تعلّموا وترجموا بل أحيوا وبعثوا لغات أجنبية من مرقدها كالإغريقية.......
    دراسة اللغات الأجنبية والمنهجية التربويّة المثلى لها: إن دراسةَ لغةٍ مَا وممارستَهَا تعني دراسة حضارة أهلها وثقافتهم وأفكارهم؛ لأن اللغة في أيِّ مجتمع ليست مجرد كلمات وألفاظ للتفاهم بين أفراد المجتمع، وإنما هي وعاء يحوي مكونات عقلية ووجدانية، ومعتقدات وخصوصيات، فتعلُّمُ أيِّ لغة لا ينفك عن تعلُّمِ ثقافة أهلها وأفكارهم ومعتقداتهم, وكذا الإلمام بأي ثقافة يستلزم الإلمام باللغة التي تمثّل تلك الثقافة.
    إن دراسة أي لغة يمكن أن تسيطر على فكر دارسها وروحه، وتؤثر في مستوى إتقانه لمهارات لغته الأم، وفي ذلك يقول د. زغلول النجار إن " المتخصصين الذين ينهمكون في التدريس والبحث والتأليف والنشر بلغاتٍ أجنبيَّة ينعزلون تدريجيًّا عن مجتمعاتهم، حتى يصبحوا غرباء بين أهليهم وعشائرهم – على غير قصد أو تخطيط منهم – مما يؤدي إلى تفكيك روابط المجتمعات الإنسانية وحجبها عن أصحاب الفكر والرأي حتى يتمّ تحلّلها" [تجربتـي في تعليم الطب باللغة العربية. ص 14-15]
    وقد تنبه المسلمون -منذ وقت مبكر- إلى هذه الحقيقة، حقيقة تأثير اللغة بألفاظها؛ لذا نرى الإسلام يتشدد ويحرص على تسمية المواليد بالأسماء الحسنة، حتى إنه دعا إلى تغيير الاسم غير الحسن إلى اسم حسن، حتى ولو كان صاحبه قد عرف به ونشأ عليه فيما ذهب من حياته [ يراجع: ابن قيم الجوزية، تحفة المودود بأحكام المولود، ص 89 -105 ] وسبب ذلك كله أن الأسماء ليست مجرد أشكال جوفاء، فاللغة عموما وعاء القيم الثقافية، وقد قرر ذلك أبو العباس ابن تيمية رحمه الله بقوله: «واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيّناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق » [الاقتضاء، 1/470]
    وعلى هذا فإن تعلم لغة أجنبية مختلفة عن الثقافة الإسلامية وعقيدتها فيه مخاطر؛ لأن هذه الازدواجية تُحدث صراعاً خطيراً قد يؤدي إلى الانفصام أو الانسلاخ الثقافي، للتناقض الموجود بين القيم الثقافية التي تتضمنها كل لغة بالضرورة؛ فنجد على سبيل المثال تعارض قيم الحرية المسؤولة في الثقافة الإسلامية مع قيم الإباحية البهيمية في الثقافة الغربية الحديثة، وتعارض قيم الإيمان بوحدانية الألوهية في الثقافة الإسلامية مع قيم الإلحاد في الثقافة الغربية!
    فقد كان السلف الصالح يدركون تلك المخاطر؛ وآية ذلك ما وردت عنهم من آثار تنهى عن تكلم واستعمال اللغات غير العربية من دون حاجة، ويسمونها (الرطانة )، فقد نهى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رطانة الأعاجم وقال: " إنها خِبٌّ " وقال رضي الله عنه أيضا: " ما تكلم الرجل الفارسيَّةَ إلا خَبَّ، ولا خَبَّ رجلٌ إلا نقصت مروءته " [ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية، 1/203 - 208] ومعنى خبّ: أي صار خداعًا، من الخِبّ ـ بالكسر ـ وهو: المكر والخداع والغش [ينظر: القاموس المحيط، فصل الخاء، باب الباء (1 / 16) ]، وورد أن محمد بن سعد بن أبي وقاص سمع قوما يتكلمون بالفارسية فقال: " ما بال المجوسية بعد الحنيفية؟ [مصنف ابن أبي شيبة (9 / 11)، رقم (6333) ].
    ولكن السلف - في الوقت نفسه- كانوا يعرفون يقينا أن هذه المخاطر يمكن أن تُجْتَازَ بلا ضراوة إذا تمت العملية التعليمية وِفْقَ منهجية سليمة محكمة؛ لذا وردت عنهم آثار أخرى تجيز تعلم اللغات الأجنبية، قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: «أمرني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-، فَتَعَلَّمْتُ له كتابَ يهود- وفي رواية: بالسُّرْيَانِيَّةِ - وقال: إنِّي والله، ما آمَنُ يهودَ على كتابي، فما مَرَّ بي نِصفُ شهر حتى تعلمْته وحَذَقتُه، فكنْتُ أكتبُ له إِليهم، وأَقْرَأُ له كُتُبَهم» [أخرجه البخاري تعليقاً 13 / 161 في الأحكام، باب ترجمة الحكام وهل يجوز ترجمان واحد، وأبو داود رقم (3645) في العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب، والترمذي رقم (2716) في الاستئذان، باب ما جاء في تعليم السريانية]
    وهناك آثار أخرى تدل على أن بعض السلف كانوا يتكلمون أحيانا بالكلمة من الأعجمية، قال البخاري رحمه الله: « باب من تكلم بالفارسية والرطانة » [البخاري مع الفتح، 6/183، والرِّطانة بكسر الراء ويجوز فتحها هو كلام غير العربي]. وأورد تحته ثلاثة أحاديث، وقال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: « ونُقِل عن طائفة منهم أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من العجمية، قال أبو خلدة كلمني أبو العالية بالفارسية، وقال منذر الثوري سأل رجل محمد بن الحنفية عن الجبن، فقال: يا جارية اذهبي بهذا الدرهم فاشتري به نبيزا، فاشترت به نبيزا، ثم جاءت به، يعني الجبن، وفي الجملة: فالكلمة بعد الكلمة من العجمية أمرها قريب، وأكثر ما يفعلون ذلك إما لكون المخاطب أعجمياً، أو قد اعتاد العجمية، يريدون تقريب الأفهام عليه،كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص - وكانت صغيرة قد ولدت بأرض الحبشة لما هاجر أبوها، فكساها النبي صلى الله عليه وسلم خميصة، وقال: «يا أم خالد، هذا سَنَا» والسنا بلغة الحبشة: الحسن» [الاقتضاء، 1/ 468]
    فتلك الأحاديث والآثار تدل على جواز تعلّم لغة أجنبية لمصلحة ما، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت بهذا لحاجة، وهي أنه لا يأمن اليهود حين يكتبون، ولا يأمنهم حين يقرءون؛ لأنهم قد يقرءون له شيئاً على غير الصواب، وقد يكتبون على غير الصواب، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى رجل من أصحابه هذه المهمة.
    فليس بين هذين الموقفين تناقض ولا تضارب، فلكلٍّ وجهةٌ هو موليها: فمن هو قويٌّ في دينه، راسخ في إيمانه، فصيح في لسانه بالعربية يمكن أن يتعلم لغة أجنبية لحاجة لا تُقْضَى إلا بها، أما من هو ضعيف في دينه، حديثُ عهدٍ بإيمانه، أو لسانه ضعيف بالعربية فالواجب عليه والأحسن له أن لا يتعلم لغة أجنبية؛ لأن في ذلك صوناً لدينه، وحفظا للسانه، فما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليكلّفَ زيدا بتلك المهمة لو كان حديث العهد بالإسلام ولو كان عربيا فصيحا، وما كان ليأمره بذلك لو كان أعجميًّا لا يعرف العربية.
    وعلى ذلك فالإسلام لا يرى بأسا من تعلّم لغات أجنبية ولكنْ وِفْق منهج مُحْكَم.
    والمنهجية التربوية التي نطالب بها المؤسسات التعليمية لتعليم اللغات الأجنبية تتمثل في النقاط التالية:
    1- التركيز في المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية على اللغة العربية والمواد الدينية.
    2- تأليف كتب مدرسية ورقية أم إلكترونية باللغات الأجنبية، يُراعى فيها أن تكون نصوصها وشواهد وأمثلتها وصورها متفِّقَةً مع روح الدين الإسلامي، كيلا تحدث بلبلة في نفوس الدارسين الذين يرون في الكتب العربية والدينية الإيمانَ الصادق، بينما يلاقون في الكتب الأجنبية بالكفر الصريح.
    3- أن يكون مُدَرِّسُو اللغات الأجنبية – وغيرهم من باب الأولى- ممن يهتمون برسالة الإٍسلام، ويحملون همَّ الدعوة الإسلامية، فإنه ينبغي أن يكون كلّ المدرِّسين قدوة حسنة للدارسين.
    4- تأسيس معاهد وجامعات بلغات أجنبيَّة تؤهِّلُ – في مدة قياسيَّة- الذين قضوا مراحل ما قبل الجامعة في تعلم اللغة العربية والمواد الدينية.
    نصيحة للأمة الإسلامية بمختلف شعوبها: نظرا للعلاقة الوطيدة بين اللغة والثقافة والفكر فإنه ينبغي بل يجب على جميع المسلمين، من جميع الأجناس، أن يتعلموا اللغة العربية؛ لأن لكلِّ ثقافة لغةً تمثِّلها، ولغةُ الثقافة الإسلامية هي اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، فهي أداة تثقيف الإنسان المسلم، وعُدَّتُه في فهم قواعد الدين: الشرعيّة، والسلوكيّة، والاجتماعيّة،... كما أن اللغة العربية تمدُّ المسلم برصيد ضخم من الإمكانات اللسانية وملكات القول البليغ والخطاب المؤثر في نفوس السامعين.
    فغاية اللغة العربية –بعد مجيء الإسلام- هي: إعلاء كلمة الحق، ونشر الشريعة الإسلامية، ذات الحضارة السامية، التي تعلي من قدر وقيمة الإنسان المستخلف لعمارة الكون، بغض النظر عن لونه وجنسه، وبهذا أصبحت اللغة العربية لغة الدين الإسلامي ومن يؤمن به، لا لغة قوم معيّنين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية، وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن زيد قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: " أما بعد: فتفقَّهوا في السُّنَّة وتفقَّهوا في العربية وأعربوا القرآنَ، فإنه عربيٌّ " وفي حديث آخر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "تعلَّمُوا العربيةَ فإنها من دينكم، وتعلَّمُوا الفرائض فإنَّها من دينكم " وهذا الذي أمر به عمر رضي الله عنه من فقه العربية وفقه الشريعة، يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو فقه أعماله» [الاقتضاء، 1/ 527] [ وينظر: الرسالة، للشافعي، ص 49]
    وممّا يساعد على أداء هذه الفريضة، بلا عقبة عدوانية استعمارية، أن تكون اللغةُ العربيَّةُ لغةً رسميَّةً في جميع الدول التي يُكَوِّنُ فيها المسلمون الغالبيّة العظمى؛ إذ الحُكْم للأكثريّة، كما ينصّ النظام الديموقراطيّ المعاصر.


  2. #2
    غفر الله لها

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 24759

    الكنية أو اللقب : بنت الإسلام

    الجنس : أنثى

    البلد
    دار الممر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 20

    التقويم : 697

    الوسام: ⁂ ۩ ۞
    تاريخ التسجيل12/6/2009

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:12:09 AM

    المشاركات
    21,477

    السيرة والإنجازات

    لكلٍّ وجهةٌ هو موليها: فمن هو قويٌّ في دينه، راسخ في إيمانه، فصيح في لسانه بالعربية يمكن أن يتعلم لغة أجنبية لحاجة لا تُقْضَى إلا بها، أما من هو ضعيف في دينه، حديثُ عهدٍ بإيمانه، أو لسانه ضعيف بالعربية فالواجب عليه والأحسن له أن لا يتعلم لغة أجنبية؛ لأن في ذلك صوناً لدينه، وحفظا للسانه، فما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليكلّفَ زيدا بتلك المهمة لو كان حديث العهد بالإسلام ولو كان عربيا فصيحا، وما كان ليأمره بذلك لو كان أعجميًّا لا يعرف العربية.
    وعلى ذلك فالإسلام لا يرى بأسا من تعلّم لغات أجنبية ولكنْ وِفْق منهج مُحْكَم.

    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

    مقال مبارك وقيم جدا!

    كتب الله لكم الأجر والمثوبة

    "اجعل بينك وبين الله خبيئة صالحَة، لا تُخبر بها أحداً، فطُوبى لك لو اطَّلع الله على قلبك ووجد فيهِ سراً صالحاً بينهُ وبينك "
    اسأل نفسك الآن : ما العبادة التي تعملها والتي لايعلمها أحد من الناس؟
    العبادات الخفية والأعمال الصالحة السرية ، بها من كنوز الحسنات ما لا يعلمه إلا الله.
    "من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل"
    _ شيء يحبه الله فلا تفرط في ترديده " سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم "

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •