رابط محرك بحث قوقل الفصيح في القائمة تطبيقات إضافية

التبرع للفصيح
اعرض النتائج 1 من 3 إلى 3

الموضوع: كتاب الصوت اللغوي في القرآن - 1 -
1426/9/17 هـ

  1. #1
    رحمه الله

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2680

    الجنس : ذكر

    البلد : قطر

    معلومات علمية

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل24/7/2005

    آخر نشاط:24-03-2007
    الساعة:09:33 PM

    المشاركات:332
    تاريخ التسجيل
    24/7/2005
    البلد
    قطر
    المشاركات
    332
    1426/9/16 هـ

    كتاب الصوت اللغوي في القرآن - 1 -

    الصّوت اللغويّ
    في القرآن

    الفهرس


    المقدمة : 5
    الفصل الأول : أبعاد الصوت اللغوي 11
    1 ـ مصطلح الصوت اللغوي 13
    2 ـ تقسيم الصوت بين العرب والأوروبيين 17
    3 ـ تطور الصوت الغوي 23
    4 ـ نظرية الصوت اللغوي 30
    الفصل الثاني : منهجية البحث الصوتي 37
    1 ـ الخليل بن أحمد ومدرسته الصوتية 39
    2 ـ الصوت في منهجة سيبويه 52
    3 ـ الفكر الصوتي عند ابن جني 56
    أ : مصدر الصوت و مصطلح المقطع 62
    ب : جهاز الصوت المتنقل 66
    ت : أثر المسموعات في تكوين الأصوات 69
    ث : محاكاة الأصوات 71
    4 ـ القرآن والصوت اللغوي 73
    الفصل الثالث : الصوت اللغوي في فواتح السور القرآنية
    1 ـ القرآن يوجه اهتمام العرب للصوت اللغوي
    2 ـ أصناف الأصوات اللغوية في فواتح السور عند الباقلاني
    3 ـ جدولة الصوت اللغوي في فواتح السور عند الزمخشري
    4 ـ الصدى الصوتي للحروف المقطعة عند الزركشي
    5 ـ القرآن في تركيبه الصوتي من جنس هذه الأصوات 81
    الفصل الرابع : الصوت اللغوي في الأداء القرآني 103
    1 ـ أصول الأداء القرآني 105
    2 ـ مهمة الوقف في الأداء القرآني 108
    3 ـ نصاعة الصوت في الأداء القرآني 112
    4 ـ الصوت الأقوى في الأداء القرآني 116
    5 ـ توظيف الأداء القرآني في الأحكام 133
    الفصل الخامس : الصوت اللغوي في فواصل الآيات القرآنية 141
    1 ـ مصطلح الفاصلة في القرآن 143
    2 ـ معرفة فواصل القرآن صوتياً 148
    3 ـ ظواهر الملحظ الصوتي في فواصل الآيات 152
    4 ـ الإيقاع الصوتي في موسيقى الفواصل 156
    الفصل السادس : الدلالة الصوتية في القرآن 161
    1 ـ مظاهر لدلالة الصوتية 163
    2 ـ دلالة الفزع الهائل 165
    3 ـ الإغراق في مدّ الصوت واستطالته 168
    4 ـ الصيغة الصوتية الواحدة 171
    5 ـ دلالة الصدى الحالم 176
    6 ـ دلالة النغم الصارم 179
    7 ـ الصوت بين الشدة واللين 182
    8 ـ الألفاظ دالة على الأصوات 185
    9 ـ اللفظ المناسب للصوت المناسب 188
    خاتمة المطاف ونتائج البحث 193
    المصادر والمراجع : 205
    أ ـ المصادر القديمة 205
    ب ـ المراجع الحديثة العربية والمترجمة 209
    جـ ـ المراجع الأجنبية 212


    موسوعة الدّراسات القرآن
    (2)


    الصّوت اللغويّ
    في القرآن


    الدكتور محمّد حسين علي الصّغير
    استاذ الدّراسات القرآنية في جامعة الكوفة

    دار المورخ العربي
    بيروت ـ لبنان



    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 4 )


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 5 )


    بسم الله الرحمن الرحيم

    المقدمة :
    هذا بحث قد يكون جديداً في موضوعه ، أو أصيلاً في نتائجه ، ولا أدعي ذلك كوني صاحب هذا البحث ، أو كاتب فصوله المتواضعة ، ولكن طرافة موضوعه ، وجدة مباحثه ، ودقة تطبيقاته ساقت لمثل هذا الادعاء .
    هناك جدبٌ حضاري لدى جملة من المثقفين ، وطائفة من المستشرقين ، يوحي بأصالة النظريات النقدية والفنية واللغوية في الدراسات الأوروبية ، دون ريادة لحضارة الأمة العربية التي أسست معالم الثقافة والفن والإبداع .
    وقد جاء هذا البحث مؤصلاً للنظرية العربية في علم الأصوات : phonetics التي تطورت فيما بعد للتخصص في علم الصوت الوظيفي : التشكيلي phonology وكان مجال ذلك تطبيقاً وتنظيراً في أرقى نصّ عربي ؛ وهو القرآن الكريم ، لذلك فالصوت اللغوي في حياة التراث ليس جديداً ، ولكنه في القرآن ـ فيما أزعم ـ يوحي بالجدة والطرافة والحداثة .
    فالقرآن كتاب الله العظيم ، ومعجزة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الخالدة ، وتطبيق البحث الصوتي قرآنياً ، فيه صعوبة ومعاناة ، وتسخير مفاهيم الصوت للقرآن ليس أمراً يسيراً ، فالقرآن وهو عربي العبارة يتسع لمئات الجزئيات في العربية ، والعربية وهي عالمية اللغة تسير مع العالم في أصواته السابحة ،


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 6 )

    فاللغات أصوات ، ومهمة هذا البحث ضم هذه المفاهيم في وحدة فنية لا تنفصل ، فخاض غمار هذا الموضوع الشائك ، وخرج بجملة صالحة من النتائج والكشوف التي أرجو متفائلاً أن تضيف شيئاً ما للمكتبة القرآنية بخاصة ، والمكتبة العربية بعامة ، والمكتبة الصوتية في العالم مطلقاً .
    إن التماس النظريات الصوتية المعقدة في رحاب القرآن العظيم مما يحتاج إلى الصبر والأناة ، واستكناه فصائل هذا الملحظ الدقيق مما يدعوا الى الترصد والتصدي والاستنتاج ، فالصوتيات علم سبق إليه علماء العربية فيما ثبت بالبحث ، وتناوله الأوروبيون بالنقد والتمحيص في ضوء أجهزة العلم المتطورة ، وكان حصيلة هذا السبق وهذا التناول المزيد من الدراسات المنهجية المتقدمة التي ما زال للبحث فيها فضل استزادة وريادة ، وللباحث فيها موطن تشبث واستقراء . بيد أن إخضاع هذه المقاييس الفنية في الأشكال ، والموازين الصوتية في القياسات لمحكم الآي المجيد لا يتأتي بيسر وسماح ، ولا يتم بتجوال مجمعي بسيط ، فليس السبيل معبدا ، ولا المعالم من الوضوح بحيث تُستوعب استيعاب المسلمات البديهية ، فقد تتخلل هذا وذاك العقبات التنظيرية ، وقد تعيقه قلة المصادر والموارد ، فيبقى الفكر متكلاً على عبقريته في الإبداع ، والبحث معتمداً على سجيته في الاستنباط ، والباحث بينهما قد يخطىء ويصيب ، والأسنّة من حوله مشرعة ، فهو بأزاء مقارنة صعبة ، وخيارات أهونها ذو عسرة وشدة متصلتين ، حتى ليضيق ـ أحياناً ـ بالحديث حذر المتاهات ، وتجاوز صلب الموضوع .
    ومهما يكن من أمر ما قدمناه ، فقد ترعرع هذا البحث المستفيض في خصائص الصوت القرآني وملامحه ومميزاته فيما لم يسبق إليه صوتياً في ستة فصول انتظمت شمل هذا الكتاب ، أشير إليها هنا بالتسمية ، وأحيل معها على خاتمة البحث في استلهام النتائج ، واستقراء الحقائق التي أرجو أن أفيد منها ويفيد الجيل ما نتبصر به بين يدي كنوز القرآن ، ومكنونات التراث ، وفضل العربية على اللغات :

    الفصل الأول ، وعنوانه : ( أبعاد الصوت اللغوي ) .
    وقد تناول بالبحث المركز المفردات الآتية :


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 7 )

    1ـ مصطلح الصوت اللغووي .
    2ـ تقسيم الصوت بين العرب والأوروبيين .
    3ـ تطور الصوت اللغوي .
    4ـ نظرية الصوت الغوي .

    الفصل الثاني ، وعنوانه : ( منهجية الدرس الصوتي ) .
    وقد تناول بالبحث المنهجي المفردات الآتية :
    1 ـ الخليل بن أحمد ومدرسته الصوتية .
    2ـ الصوت في منهجة سيبويه .
    3ـ الفكر الصوتي عند ابن جني .
    4ـ القرآن والصوت اللغوي .

    الفصل الثالث ، و عنوانه : ( البحث اللغوي في فواتح السور القرآنية ) .
    وقد تناول بالبحث والتمحيص المفردات الآتية :
    1 ـ القرآن يوجه اهتمام العرب للصوت اللغوي .
    2 ـ أصناف الأصوات اللغوية في فواتح السور عند الباقلاني .
    3 ـ جدولة الصوت اللّغوي في فواتح السور عند الزمخشري .
    4 ـ الصدى الصوتي للحروف المقطعة عند الزركشي .
    5 ـ القرآن في تركيبه الصوتي من جنس هذه الأصوات .

    الفصل الرابع ، وعنوانه : ( الصوت اللغوي في الأداء القرآني ) .
    وقد كشف المفردات الآتية :
    1 ـ أصول الأداء القرآني .
    2 ـ مهمة الوقف في الأداء القرآني .


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 8 )

    3ـ نصاعة الصوت في الأداء القرآني .
    4 ـ الصوت الأقوى في الأداء القرآني .
    5 ـ توظيف الأداء القرآني في الأحكام .

    الفصل الخامس ، وعنوانه : ( الصوت اللغوي في فواصل الآيات القرآنية ) .
    وقد تناول بالبحث التحليلي المفردات الآتية :
    1ـ مصطلح الفاصلة في القرآن .
    2 ـ معرفة فواصل القرآن صوتياً .
    3 ـ ظواهر الملحظ الصوتي في فواصل الآيات .
    4 ـ الإيقاع الصوتي في موسيقي الفواصل .

    الفصل السادس ، وعنوانه : ( الدلالة الصوتية في القرآن ) .
    وقد تناول مظاهر الدلالة الصوتية ، ولمس أبعادها المتشعبة في المفردات الآتية :
    1 ـ دلالة الفزع الهائل .
    2ـ الاغراق في مدّ الصوت واستطالته .
    3 ـ الصيغة الصوتية الواحدة .
    4 ـ دلالة الصدى الحالم .
    5 ـ دلالة النغم الصارم .
    6 ـ الصوت بين الشدة واللين .
    7 ـ اللفظ المناسب للصوت المناسب .
    وكانت خاتمة البحث في إجمال النتائج التي توصل إليها . واقتضت طبيعة البحث المتنوعة أن تكون مصادره القديمة ومراجعة الحديثة ذات أصناف ثلاثة :


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 9 )

    أ ـ كتب الأصوات قديمها وحديثها ، عربيها وأوروبيها .
    ب ـ كتب علوم القرآن والتفسير والقراءات .
    جـ ـ كتب اللغة والتراث والأدب والبلاغة والنقد . وبعد ، فلا أدعي لهذا البحث الكمال ، ولا لمباحثه الشمولية والاستيعاب ، ولكنه جذوة من ألف القرآن الهادي ، ونفحة من عبيره الفياض ، وضع شاخصاً في معالم الطريق ، عسى أن ينتفع به الناس وأنتفع :« يوم لا ينفع مال وولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم » وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم ، عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
    النجف الأشرف الدكتور محمد حسين علي الصغير
    أستاذ في جامعة الكوفة





    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 10 )


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 11 )


    الفصل الأول

    أبعاد الصوت اللغوي


    1 ـ مصطلح الصوت اللغوي
    2 ـ تقسيم الصوت بين العرب والأوروبيين
    3 ـ تطوّر الصوت اللغوي
    4 ـ نظرية الصوت اللغوي


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 12 )


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 13 )

    مصطلح الصوت الغوي :
    الصوت لغة : الجرس ، والجمع أصوات : قال ابن السكّيت : الصوت صوت الإنسان وغيره ، والصائت : الصائح ، ورجل صيّت : أي شديد الصوت (1) .
    ورجل صائت : حسن الصوت شديده .
    وكل ضرب من الأغنيات صوت من الأصوات (2) .
    وتعريف الصوت مرتبط بأبعاده وموارده ، ومتعين بتقييده بمراده ، وقد أعطى الراغب ( ت : 502 هـ ) خلاصة دقيقة لهذه المصادر، بعد اعتباره الصوت الهواء المنضغط عن قرع جسمين ، وهما ضربان :
    صوت مجرد عن تنفس بشيء كالصوت الممتد ، وتنفس بصوت ما . والمتنفس نوعان : غير اختياري كما يكون من الجمادات والحيوانات . ونوع اختياري كما يكون من الإنسان ، وهو ضربان :
    1 ـ ضرب باليد كصوت العود وما يجري مجراه .
    2 ـ ضرب بالفم في نطق وغير نطق .
    فالمنطوق منه : إما مفرد من الكلام ، وإما مركب كأحد الأنواع من
    ____________
    (1) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : مادة : صوت .
    (2) الخليل ، كتاب العين :7 | 146 .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 14 )

    الكلام . وغير النطق : كصوت الناي (1) .
    وقد ثبت علمياً أن الصوت اهتزازات محسوسة في موجات الهواء ، تنطلق من جهة الصوت ، وتذبذب من مصانعه المصدّرة له ، فتسبح في الفضاء حتى تتلاشى ، يستقر الجزء الأكبر منها في السمع بحسب درجة تذبذبها ، فتوحي بدلائلها ، فرحاً أو حزناً ، نهياً أو أمراً ، خبراً أو إنشاء ، صدى أو موسيقى ، أو شيئاً عادياً مما يفسره التشابك العصبي في الدماغ ، أو يترجمه الحس المتوافر في أجهزة المخ بكل دقائقها ، ولعل في تعريف ابن سينا (ت : 428هـ ) إشارة إلى جزء من هذا التعريف ، من خلال ربطه الصوت بالتموج ، واندفاعه بسرعة عند الانطلاق ، فهو يقول : « الصوت تموج الهواء ودفعه بقوة وسرعة من أي سبب كان » .(2) .
    ولا كبير أمر في استعراض تمرس علماء العربية بهذا النمط من الدراسات والتحديدات ، وهذا النحو من تلمس الصوت فيزيائياً ، وقياس سرعته ومساحته أمواجياً فقد سبق إليه جملة من الباحثين .(3) .
    والصوت غنائياً : تعبير عن كل لحن يردد على نحو خاص من الترجيع في الشعر العربي له طريقة محددة ، ورسم يعرف به ، لأن الأصوات : مجموعة مختارة من أغاني العرب القديمة والمولدة في أشعارها ومقطعاتها » أمر الرشيد المغنين عنده أن يختاروا له مائة صوت منها فعيونها له . ثم أمرهم باختيار عشرة فاختاروها ، ثم أمرهم أن يختاروا منها ثلاثة ففعلوا . وحكي أن هذه الثلاثة الأصوات على هذه الطرائق المذكورة لا تبقي نغمة في الغناء إلا وهي فيها في ألحان موسيقية ثلاثة هي : لحن معبد ، ولحن ابن سريج ، ولحن ابن محرز ، في جملة من الشعر العربي (4) .
    وتسمية هذه الألحان بالأصوات ناظرة إلى الغناء لأنه تلحين الأشعار
    ____________
    (1) الراغب ، المفردات : 288 .
    (2) ابن سينا ، أسباب حدوث الحروف : 7 .
    (3) ظ : للتفصيل كلاً من : إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : 129 ـ 145 + خليل العطية ، في البحث الصوتي عند العرب : 6 ـ 11 + المؤلف ، منهج البحث الصوتي عند العرب : بحث .
    (4) ظ : أبو الفرج ، الأغاني : 1|7 وما بعدها .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 15 )

    الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة ، يوقع كل منها إيقاعاً عند قطعه فتكون نغمة ، ثم تؤلف تلك الأنغام بعضها إلى بعض على نسب متعارفة ، فيلذ سمعها لأجل ذلك التناسب ، وما يحدث عنه من الكيفية في تلك الأصوات . وذلك أنه تبين في علم الموسيقي أن الأصوات تتناسب ، فيكون صوت نصف صوت ، وربع آخر ، وخمس آخر ، وجزءاً من أحد عشر من آخر ، واختلاف هذه النسب عند تأديتها إلى السمع يخرجها من البساطة إلى التركيب (1) .
    والصوت لغوياً : « عرض يخرج مع النفس مستطيلاً متصلا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته ، فيسمى المقطع أينما عرض له حرفاً ، وتختلف أجراس الحروف بحسب اختلاف مقاطعها » (2) .
    هذا التعريف لابن جني ( ت : 392 هـ ) وهو معني بملامح الصوت اللغوي دون سواه ، بدليل تحديده مقاطع الصوت التي تثنيه عن الامتداد والاستطالة ، ويسمى وقفة الانثناء مقطعاً في صيغة اصطلاحية دقيقة ، نتناولها بالبحث في موضعه ، ويسمى المقطع عند الانثناء حرفاً ، ويميز بين الجرس الصوتي لكل حرف معجمي بحسب اختلاف مقاطع الأصوات ، فتلمس لكل حرف جرساً ، ولكل جرس صوتاً .
    ولما كانت اللغة أصواتاً يعبر بها كل قوم عن أغراضهم (3) . فالصوت بوصفه لغوياً في هذه الدراسة يعني : تتبع الظواهر الصوتية لحروف المعجم العربي ، وفي القرآن العظيم بخاصة لأنه حقل البحث ، وذلك من حيث مخارج الأصوات ومدارجها ، وأقسامها وأصنافها ، وأحكامها وعللها ، ودلائلها وخصائصها في أحوال الجهر والهمس والشدة والرخاوة ، وملامح صوائتها وصوامتها في السكون وعند الحركة ، وضوابطها في الأطباق والانفتاح ، مما يتهيأ تنظيره من القرآن ، ويتوافر مثاله الفريد من الكتاب ،
    ____________
    (1) ظ : ابن خلدون ، المقدمة : فصل في صناعة الغناء .
    (2) ابن جني ، سر صناعة الأعراب : 1|6 .
    (3) ابن جني ، الخصائص : 1|33 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 16 )

    ضمن موازنة محدثة ، ورؤية صوتية معاصرة ، استلهمت التراث في ثرائه ، وتنورت الجديد في إضاءته ، فسارت بين هذين مسيرة الرائد الذي لا يكذب أهله .
    ومن هنا فقد توصل هذا البحث إلى أن الأوائل من علماء العربية قد مهدوا بين يدي الأوروبيين جادة البحث المنظم في استكناه الصوت اللغوي ، وأسهموا إسهاماً حقيقياً في إرساء ركائزه الأولى ، مما أتاح لهم فرصة الاستقرار المبكر لحقيقة الأصوات اللغوية ، وسهل عليهم خوض الموضوع بكل تفصيلاته المضنية ، وترويض جماح تعقيداته المتشعبة ، مما سجل للعرب في لغة القرآن أسبقية الكشف العلمي ، والتواصل إلى النتائج التي تواضعت عليها اليوم حركة الأصواتيين العالمية ، بعد المرور بتجربة المعادلات الكاشفة ، والأجهزة الفيزولوجية المتطورة التي أكدت صحة المعلومات الهائلة التي ابتكرها العرب في هذا الميدان . ومصطلح علم الأصوات مصطلح عربي أصيل ، لا شك في هذا لدنيا ، وعلة ذلك : النص على تسميته صراحة دون إغماض ، واستعمال مدلولاته في الاصطلاح الصوتي بكل دقة عند العرب القدامى ، يقول ابن جني ( ت : 392 هـ ) : « ولكن هذا القبيل من هذا العلم ؛ أعني ( علم الأصوات ) والحروف ، له تعلق ومشاركة للموسيقي ، لما فيه من صنعة الأصوات والنغم » (1) .
    فهو لا ينص عليه فحسب حتى يربطه بالإيقاع الموسيقي والنغم الصوتي ، وكلاهما منه على وجه ، ولا أحسب أن هذه التمسمية الصريحة بهذه الدلالة الاصطلاحية الناصعة قد سبق إليها ابن جنبي من ذي قبل ، فهو مبتدعها وهو مؤسس مصطلحها المسمى : ( phonemics ) .
    إن نظرة فاحصة في كتابه الجليل « سر صناعة الأعراب » تؤكد بكل جلاء كونه مخططاً حقيقياً لعلم الصوات متكامل العدة والأسباب ، من خلال المفردات الصوتية الفذة التي بحثها وصنف القول فيها ، متبدئاً بتعداد حروف المعجم وضبط أصولها صوتياً ، وإيغاله في وصف مخارج الحروف وصفاً دقيقاً ، وتقسيمه الأصوات إلى الأقسام التي لم يزد عليها علم
    ____________
    (1) ابن جني ، سرصناعة الاعراب : 1|10 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 17 )

    الصوت الحديث جزءاً ذا بال ، وخوصه لما يعرض على حروف من حذف وترخيم وإعلال وإبدال وإدغام وإشمام ، يضاف إلى هذا رهافة صوتية متأنقة ، وذهنية لغوية وقادة ، تمازج بين اللغة والصوت فتخالهما كياناً واحداً متماسكاً يشد بعضه بعضاً ، ومقارنة هذه المناحي وملاحظتها ، تجده يبتكر مصطلح ( علم الأصوات ) ويضعه موضع البحث الموضوعي الهادف ، لهذا فإن ماتواضع عليه ابن جني من مصطلح علم الأصوات ، يمكن أن يكون الأصل الاصطلاحي الأول لما استقر عليه المصطلح الأوروبي ( الفونولوجي ـ phonology ) : التشكيل الأصواتي ، وهو يعني كل العناية بأثر الصوت اللغوي في تركيب الكلام نحوياً وصرفياً في ضوء الصوت والإيقاع لدى بحثه المصطلح ، والذي تطور فيما بعد للكشف عن الأصوات الإنسانية العالمية المجهولة ، ووضع لذلك مصطلحه الحديث ( الفوناتكس ـ phonetics ) .

    تقسم الصوت بين العرب والأوروبيين :
    لقد اتسم العرب بدقة الملاحظة ، وسلامة الحس الفطري ، في تذوق الأصوات ، فقسموا الحروف إلى طائفتين صوتيتين :
    الأصوات الصائتة ، والأصوات الصامتة . فحروف العلة في المعجم العربي وهي : الياء والواو والألف من الصوائت ، وبقية حروف المعجم من الصوامت ، وقد أدركوا جميع الملامح التي ميزت بين هذه الأصوات ، فانقسمت عندهم إلى مجهورة ومهموسة تاره وإلى رخوة وشديدة تارة أخرى ، وإلى أسنانية ولثوية مرة ، والى حنكية ولهوية مرة ، ومن ثم تجد الإشارات الصوتية في كل ملحظ من ملاحظ الأصوات المترامية لدى التقسيم .
    يقول الأستاذ ( كاردنر ـ W. H.T. cairdener ) : « لقد سبق العلماء العرب الأصواتيين المحدثين في تصنيف الأصوات حيث أشاروا إلى الأصوات الأسنانية والحنكية واللهوية واللثوية من الصوامت ، وقدموا ملاحظاتهم المضبوطة عن المواقع الدقيقة للّسان والحنك متمثلة بأصوات متعددة ... وسلموا بصحة اندراجها تحت فصيلتين هما المجهورة والمهموسة ، وللعرب معرفة كبيرة بالتقسيم الثاني الأساسي للأصوات الصحيحة ، حيث يسمّون القسم الأول حروف الشدة ، ويقصدون به


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 18 )

    الأصوات الصحيحة المشددة أو المتوترة . أما القسم الثاني فيسمونه حروف الرخاوة ، ويقصدون به الأصوات المرتخية »(1) .
    وكان من نتائج مسيرة التطور للبحث الصوتي عند الأوروبيين أن قسموا الأصوات اللغوية إلى قسمين رئيسيين :
    الأول : كونسونانتس ـ consonants .
    الثاني : فزيلز ـ vowels .
    ويمكن تسمية القسم الأول بالأصوات الساكنة ، وتسمية الثاني بأصوات اللين ، أو هي : الأصوات الصامتة والأصوات الصائتة (2) . وهذا ما أشار إليه علماء الصوت العرب منذ عهد مبكر لدى اعتبارهم الفتحة والكسرة والضمة ، وألف المدّ ، وياء المدّ ، وواو المدّ : أصوات لين ، وما سواها أصواتاً ساكنة .
    ومع أن الاهتمام العربي المبكر كان منصبّا على الأصوات الساكنة وهي الصامتة ، وقد عبر عنها العلماء برموز كتابية معينة إلا أنهم أشاروا إلى الأصوات اللينة وهي الصائتة ، واعتبروها أبعاض تلك الحروف .
    وقد كان ابن جني ( ت : 392 هـ ) سبّاقاً إلى هذا الملحظ بقوله : « إعلم أن الحركات أبعاض حروف المد واللين وهي : الألف والواو والياء ، فكما أن هذه الحروف ثلاثة فكذلك الحركات ثلاث وهي : الفتحة والكسرة والضمة .
    فالفتحة بعض الألف ، والكسرة بعض الياء ، والضمة بعض الواو ، وقد كان متقدمو النحويين يسمون الفتحة : الألف الصغيرة ، والكسرة : الياء الصغيرة ، والضمة : الواو الصغيرة ، وقد كانوا في ذلك على طريق مستقيمة » (3) .
    والدليل على صحة رأي ابن جني أن الحركات إذا أشبعتها أصبحت حروفاً ، فحركة الفتحة إذا أشبعتها ومددتها أصبحت ألفاً ، وحركة الكسرة
    ____________
    (1) cairdener | The phonetics of Arbic | p. 13 - 16 باختصار وتصرف .
    (2) ظ : إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : 26 .
    (3) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : 1|19 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 19 )

    إذا أشبعتها ومددتها أصبحت ياءّ ، وحركة الضمة إذا أشبعتها ومددتها أصبحت واواً .
    فكأن ابن جني يشير بذلك إلى التفاوت في كمية النطق ونوعيته ، فما يسمى بالألف عبارة عن فتحة ممدودة ، وما يسمى بالياء عبارة عن كسرة ممدودة ، وما يسمى بالواو عبارة عن ضمة ممدودة ، والعكس بالعكس .
    وقد أفاد من هذا الملحظ الدقيق علماء التلاوة والأداء القرآني ، فنظموا قواعدهم تنظيماً اقتطعوه من علم الأصوات في هذا المجال في كل من المد والأشمام ، والإبدال والإعلال ، والترخيم والإدغام فكان « علم التجويد » .
    أما الصوامت من الأصوات عند علماء العربية ، فقد وفق د . عبد الصبور شاهين إلى استقرائها بعامة ، فأعطى لكل صامت خصائصه في العربية من حيث المخرج والصفة ، وذلك من خلال متابعة جيدة للمناخ الأصواتي العالمي ، واضعاً نُصب عينيه برمجة العلماء العرب للأصوات ، فصنع جدولاً فنياً وزع فيه الصوامت العربية على مخارجها وصفاتها ، مقارناً ذلك بالقيم الأصواتية المماثلة في اللغات الأوروبية الحية ، بحيث أعطى كل صوت من الصوامت مميزاته الدقيقة بالشكل الفني المقبول ، أنموذج ذلك الأمثلة الثلاثة التالية من تخطيطه المقارن ، والتي اخترناها للتنظير على صحة ما توصل إليه العرب في صفات الأصوات من مخارج مختلفة ، قد تعطي كشفاً لملامح الأصوات .
    هذه الأصوات الثلاثة هي : الباء ، اللام ، الشين ، يقول عنها :
    1 ـ الباء : صامت شفوي مزدوج ـ إنفجاري ( شديد ) ـ مجهور ـ مرقق . وهو يقابل في اللغات الأوروبية رمز(B) وليس في العربية صامت يقابل الرمز (P) و هو يختلف في قيمته الأصواتية عن باء العربية بالهمس فقط ، مع اتفاق الصوتين في القيم الأخرى .
    2 ـ اللام : صامت أسناني لثوي ـ مائع ( متوسط ) ـ مجهور ـ جانبي ـ مرقق دائماً ؛ إلا في لفظ الجلالة ، فإنه يفخم إذا كان الانتقال إليه من فتح أو ضم ، فأما إذا كان الانتقال من كسر فإنه يرقق على أصله .


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 20 )

    3 ـ الشين : صامت غاري ملثي ـ إحتكاكي ( رخو ) ـ مهموس ـ مرقق ـ يوصف بالتفشي ، ومعناه أن مخرجه يحتل مساحة كبيرة من منطقة الغار واللثة ، يتصل بها اللسان ، فيكون أثر الاحتكاك في النطق صادراً من نقاط متعددة ، متفشية في الفم (1) .
    وينقسم الصوت عند الأوروبيين من خلال علاقته المتماسة بالوترين الصوتيين إلى :
    أ ـ مجهور ـ voiced وهو الذي يحرك هذين الوترين .
    ب ـ مهموس ـ voiceless وهو الذي لا يحركهما .
    وهذا نفسه ما ذهب إليه سيبويه ( ت : 180 هـ ) في الكتاب ، وابن جني ( ت : 392 هـ ) في سر صناعة الإعراب كما سيأتي .
    ولا أصل لما قيل إن العلماء العرب قد جهلوا شأن ذبذبة الوترين الصوتيين ، فسيبوية يشير إليهما بدلالة كلامه عليهما وإن لم يصرح بهما . فقد أورد أبو سعيد السيرافي ( ت : 368 هـ ) في شرحه لكتاب سيبويه ، أنه قال :
    « المهموس إذا أخفيته ثم كررته أمكنك ذلك ، وأما المجهور فلا يمكنك فيه . ثم كرر سيبويه التاء بلسانه وأخفى ، فقال : ألاترى كيف يمكن ؟ وكرر الطاء والدال وهما من مخرج التاء فلم يمكن .
    قال : وإنما الفرق بين المجهور والمهموس أنك لا تصل إلى تبين المجهور إلا أن تدخله الصوت الذي يخرج من الصدر . فالمجهورة كلها هكذا يخرج صوتهن من الصدر ويجري في الحلق ، ؛ أما المهموسة فتخرج أصواتها من مخارجها ... والدليل على ذلك أنك إذا أخفيت همست بهذه الحروف ، ولا تصل إلى ذلك في المجهور » (2) .
    وهذه الإفاضة من سيبويه تتضمن في جملتها خلاصة قيّمة للتفريق بين المهموس والمجهور في مجال إخفاء الصوت . وإخفاء الصوت إنما يتحقق
    ____________
    (1) ظ : عبد الصبور شاهين ، علم الأصوات لمالمبرج : الدراسة 122 ـ 126 .
    (2) خليل إبراهيم العطية ، في البحث الصوتي عند العرب : 42 وما بعدها ، وأنظر مصدره .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 21 )

    في المهموسات فلا تتغير ، وهو لا يتحقق في المجهورات ، ويستعاض في تمييزها على ما يسميه بصوت الصدر . « ولعل هذا الصوت هو صدى الذبذبات التي تحدث في الوتريين الصوتيين بالحنجرة » (1) .
    وتشبيه ابن جني لجهاز النطق بالناي في انفتاحه وانطباقه تارة ، وبوتر العود في تشكيله الأصداء المختلفة والأصوات المتنوعة « إلا أن الصوت الذي يؤديه الوتر غفلاً غير محصور ... فالوتر في هذا التمثيل كالحلق ، والخفقة بالمضراب عليه كأول الصوت من أقصى الحلق ، وجريان الصوت فيه غفلاً غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة » (2) .
    يمكن أن يفيد الباحث منه إشارته للوترين الصوتيين في حالة الصوت المجهور الذي يحركهما عند الانفتاح ، وحالة الصوت المهموس الذي لا يحركهما عند الانطباق ؛ هذا في تشبيه جهاز النطق بالمزمار . وفي شكيل مجموعة الأصداء المتفاوتة عند ضرب أو حصر آخر الوتر من قبل ضارب العود .
    هذا وذاك مما يدلنا على معرفة علماء العربية بالوترين الصوتيين ولو على وجه الإجمال في الإدراك .
    وثم تقسيم هائل للأصوات باعتبار مخارجها ، وقد امتاز بابتكاره الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : 175هـ ) وهو في نظرنا من أدق مبتكراته ، لأنه انطلق مع الأصوات من مخارجها ، وحقق القول في مساحاتها ، ووضع كل صوت موضعه في تتبع فريد لم يستطع العلم الحديث أن يتخطاه بكل أجهزته المتخصصة والأهم من هذا أن الأدمغة المبدعة في أوروبا لم تستطيع الخروج على مسميات الخليل الصوتية ، ولم تخالفه إلا فيما يتعلق بتقعيد بعض المصطلحات دون تغيير حقائقها بما يتناسب مع اللغة التي انتظمت عليها ، ومع ذلك فهي الأصل الأول لمصطلحات أقسام الأصوات التي سبق إليها الخليل في تطبيق التسميات منطلقة من مسمياتها التي تحدث تلك الأصوات .
    ____________
    (1) إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : 123 .
    (2) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : 9ـ 10.
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 22 )

    يمكن القول بأن تقسيم الأصوات عند الخليل بالإضافة إلى مخارجها ؛ تشتمل على مخطط تفصيلي لعملية إخراج الأصوات وإحداثها ، في شتى تقلباتها المكانية بدءاً من الرئتين في تدفق الهواء وانتهاء بالشفتين عند الميم ، تضاف إليها المميزات الأخرى والخصائص المتعلقة بالأصوات وفضائها ، وفي المستطاع تصنيف مناطق انطلاق الأصوات كما خططه الخليل على النحو الآتي :
    1 ـ الذلق : تخرج من ذلق اللسان ، وهو تحديد طرفي اللسان أو طرف غار الفم ، وهي : ( ر. ل . ن ) .
    2 ـ الشفوية : تخرج من بين الشفتين خاصة ( ف . ب . م ) .
    3 ـ الحلق : مبدؤها من الحلق ( ع . ح . هـ . خ . غ ) .
    4 ـ أقصى الحلق : الهمزة وحدها ، ومخرجها من أقصى الحلق مهتوتة مضغوطة .
    5 ـ الجوف : مخرجها من الجوف هاوية في الهواء وهي : ( الياء والواو والألف والهمزة ) .
    6 ـ حروف اللين : مخرجها من الرئتين ( ي . و . ا ) .
    7 ـ اللهوية : مبدؤها من اللهاء ( ق . ك ) .
    8 ـ الشجرية : مبدؤها من شجر الفم ، أي : مخرج الفم ( ج . ش . ض ) .
    9 ـ الأسلية : مبدؤها من أسلة اللسان ، وهي مستدق طرف اللسان ( ص . س . ز ) .
    10 ـ النطعية : مبدؤها من نطع الغار الأعلى ( ط . ت . د ) .
    11 ـ اللثوية : مبدؤها من اللثة ( ظ . ذ . ث ) .
    ويضيف إلى هذه الأقسام نوعين من الأصوات هما :
    أ ـ الصحاح وهي خمسة وعشرون حرفاً عدا الجوف .
    ب ـ الهوائية وهي الياء والواو والألف والهمزة لأنها لا يتعلق بها


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 23 )

    شيء (1) . إن هذا النحو المستفيض لطبيعة تقسيم الأصوات ، وتبويب ذلك في مجالات متعددة ، تتلمس حقيقة الصوت مرة كما في الصوائب والصوامت ، وتنظر علاقة الصوت بوتري الصوت مرة كما في المجهور والمهموس ، وتراعي مخارج الأصوات بالنسبة لأجهزة النطق أو التصويت بعامة ، إن هو إلا أصالة صوتية لا تدانيها أصالة بالنسبة لبيئة انطلاق هذه المعلومات معتمدة على النظر والحس والتمحيص الشخصي ، دون الاستعانة بأي رعيل من الأجهزة أو المختبرات .
    نتيجة هذا الجهد الشخصي لعلماء العربية ، وصفت لنا شخصية كل صوت باستقلالية تامة ، وذلك كل ما توصل إليه الأوروبيين بعد جهد وعناء ومثابرة جماعية لا فردية .
    يقول إبراهيم أنيس « ولقد كان للقدماء من علماء العربية بحوث في الأصوات اللغوية شهد المحدثون الأوروبيين أنها جليلة القدر بالنسبة إلى عصورهم ، وقد أرادوا بها خدمة اللغة العربية والنطق العربية ، ولا سيما في الترتيل القرآني ، ولقرب هؤلاء العلماء من عصور النهضة العربية ، واتصالهم بفصحاء العرب كانوا مرهفي الحس ، دقيقي الملاحظة ، فوصفوا لنا الصوت العربي وصفاً أثار دهشة المستشرقين وإعجابهم » (2) .
    وكان الوصف ما رأيت في الأقسام السالفة .

    تطور الصوت اللغوي :
    تنتاب اللغات الحية تطورات أصواتية ، تنشأ عنها تغيرات أساسية في اللغات ، فيخيم عن ذلك تغيير ملحوظ بطبيعة الصيغ الكلامية ، ويحدث تطوير في الوحدات التركيبية ، وأهم من ذلك ما ينشأ من تغيير في الأصوات ، يمكن حصره باختصار كبير في عاملين أساسيين هما : التحوّل التأريخي والتحول التركيبي .
    التحول التأريخي عبارة عن تغيير وتحوير في القواعد والأصول لنظام
    ____________
    (1) قارن في هذا عند الخليل ، العين : 51 ـ 60 .
    (2) إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : 5 .


    الأصوات في اللغة ، نابع عن تحولات المجتمعات البشرية من ساذجة إلى متطورة ، أو من بدائية إلى متحضرة ، وما يرافق هذا التحول من تحول بالعلاقات الاجتماعية ، والمناخ القومي العام ، مما ينطبع أثره على الظواهر الاجتماعية وأبرزها اللغة لأنها أكبر ظواهره التفاهمية والتخاطبية ، فتتحول تدريجياً إلى لغة متطور في كثير من أبعادها المرتبطة بتطور مجتمعها ، إذ لا يمكن أن ينفصل التفكير في تحول مسار لغة ما عن التفكير في تحوّل مسار متكلمي تلك اللغة ، فاللغة في تطورها جزء لا يتجزأ من المحيط في تطوره ، وليس بالضرورة التطور إلى الأفضل بل قد تتطور اللغة إلى شيء آخر يعود بها التدهور والانحطاط ، تفقد فيه جملة من خصائصها الفنية أو الصوتية أو الجمالية ، وتنسلخ فجأة عن ملامحها الذاتية وتستبدلها بما هو أدنى قيمة لغوية .
    وقد تزدهر ازدهاراً يفوق حد التصور إذا كانت بسبيل من حماية أصالتها كما هي الحال في اللغة العربية إذ يحرسها القرآن العظيم .
    التحول التأريخي هذا لا يعنينا الاهتمام بأمره كثيراً في ظاهرة الصوت اللغوي ، وإنما تعنى هذه الدراسة بالشق الآخر من التحول وهو التحول التركيبي الذي ينشأ عادة نتيجة لظواهر تغيير أصوات اللغة الواحدة ، واستبدال صوت منها بصوت آنياً أو دائمياً ، فما استجاب للإبدال الصوتي الموقت يطلق عليه مصطلح المماثلة ، وما استجاب للإبدال الصوتي الدائم يطلق عليه مصطلح المخالفة . هذا ما يبدو لي في التحول التركيبي ، وهذه علة هذين المصطلحين ، وقد يوافق هذا الفهم قوماً ، وقد لا يرتضيه قوم آخرون ، ولكنه ما توصلت إليه في ظاهرتي المماثلة والمخالفة في التراث العربي واللغة منه بخاصة .
    أ ـ المماثلة : Assimilation ، ظاهرة أصواتية تنجم عن مقاربة صوت لصوت ، فكلما اقترب صوت من صوت آخر ، اقتراب كيفية أو مخرج ، حدثت مماثلة ، سواء ماثل أحدهما الآخر أو لم يماثله .
    والمماثلة أنواع أبرزها :
    1 ـ المماثلة الرجعية ، ومعناها : أن يماثل صوت صوتاً آخر يسبقه .


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 25 )

    2 ـ المماثلة التقدمية ، ومعناها : أن يماثل الصوت الأول الصوت الثاني .
    3 ـ المماثلة المزدوجة ، ومعناها : أن يماثل صوت الصوتين اللذين يحوطانه(1) .
    والمماثلة في أنواعها متناسقة الدلالة في اللغة العربية في حالات الجهر والهمس ، والشدة والرخاوة ، والانطباق والانفتاح ، مما يتوافر أمثاله في مجال الصوت ، وتنقل مجراه .
    إن انتقال حالة الجهر في الصوت العربي إلى الهمس في المماثلة الرجعية شائع الاستعمال في أزمان موقوتة لا تتعداها أحياناً إلى صنعة الملازمة والدوام ، وإنما تتبع حالة المتكلم عند الممازجة بين الأصوات أو في حالة الإسراع ، وهناك العديد من الكلمات العربية قد أخضعت لقانون المماثلة الرجعية ، وهي أوضح فيما اختاره عبدالصبور شاهين ، فالكلمة ( أخذت ) مثلاً مما نظّر له عنها ، ( أخذت ) حينما تنطق آنياً ( أخَتُ ) فقد آثرت التاء في ( أخذت ) وهي مهموسة ، في الذال قبلها وهي مجهورة ، فأفقدتها جهرها ، وصارت مهموسة مثلها ، وتحولت إلى تاء ، ثم أدغم الصوتان .
    أما عن المماثلة التقدمية ، فإن في العربية باباً تقع فيه هذه المماثلة بصورة قياسية ، في صيغة « افتعل ـ افتعالاً » حيث يؤثر الصامت الأول في الثاني ، قال تعالى : ( واًدّكَرَ بَعدَ أمَّة أنَا أنَبّئُكُم بتَأويله فَأَرسلُون ) (2) . الفعل : هو ذكر ، وصيغة ( افتعل ـ افتعالاً ) منه ( إذتكر ـ إذتكاراً ) إذ تزاد الألف في الأول ، والتاء تتوسط بين فاء الفعل وعينه ، فيكون الفعل ( إذتكر ) والذال مجهورة ، والتاء مهموسة ، فتأثرت التاء بجهر الذال ، فعادت مجهورة ، والتاء إذا جهر بها عادت دالاً ، فتكون : ( إذ دكر ) والدال تؤثر في الذال بشدتها ، فتتحول الذال من صامت رخو إلى صامت شديد ( دال ) ثم تدغم الدالان ، فتكون « إدَّكَرَ »(3) .
    ____________
    (1) ظ : مالمبرج ، علم الأصوات : 141بتصرف وأختصار .
    (2) يوسف : 45 .
    (3) ظ : عبد الصبور شاهين ، علم الأصوات الدراسة : 145 بإضافة وتصرف .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 26 )

    ب ـ وأما المخالفة : Dissimilation فتطلق عادة على أي تغيير أصواتي يهدف إلى تأكيد الاختلاف بين وحدتين أصواتيتين ، إذا كانت الوحدات الأصواتية موضوع الخلاف متباعدة (1) أو تؤدي إلى زيادة مدى الخلاف بين الصوتين (2 ) .
    وقد وهم الدكتور إبراهيم أنيس رحمه الله بعدّه علماء العربية القدامى لم يفطنوا لظاهرة المخالفة في الأصوات ولم يعنوا بها عناية بالغة (3) .
    بينما يدل الاستقراء المنهجي لعلم الأصوات عند العرب أن قوانين علم الصوت العربي لم تفتها ظاهرة المخالفة بل تابعتها بحدود متناثرة في كتب اللغة والنحو والتصريف ، وهو ما فعله علماء العربية في التنظير للمخالفة تارة ، وبدراستها تارة اخرى ، منذ عهد الخليل بن أحمد ( ت : 175 هـ ) حتى ابن هشام الأنصاري ( ت : 761 هـ ) .
    يقول الدكتور عبد الصبور شاهين « عرفت العربية ظاهرة المخالفة في كلمات مثل : تظنّن ، حيث توالت ثلاث نونات ، فلما استثقل الناطق ذلك تخلص من أحدها بقلبها صوت علة فصارت : تظنى .. ولها أمثلة في الفصحى مثل : نفث المخ : أنفثته نفثاً ، لغة في نقوته ، إذا استخرجته ، كأنهم أبدلوا الواو تاءّ » (4) .
    وهذا ما ذهب إليه الأستاذ فندريس في ظاهرة المخالفة صوتياً ، وكأنه يترجم تطبيق العرب بأن « يعمل المتكلم حركة نطقية مرة واحدة ، وكان من حقها أن تعمل مرتين » (5) . فإذا تركنا هاتين الظاهرتين إلى مصطلحين صوتيين آخرين يعنيان بمسايرة تطور الصوت في المقطع أو عند المتكلم ، وهما : النبر والتنغيم ، لم نجد العرب في معزل عن تصورهما تصوراً أولياً إن لم يكن تكاملياً ، وإن لم نجد التسمية الاصطلاحية ، ولكننا قد نجد مادتها التطبيقية في شذرات ثمينة .
    ____________
    (1) ظ : مالمبرج ، علم الأصوات : 148 .
    (2) ظ : تمام حسان ، مناهج البحث في اللغة : 134 .
    (3) ظ : إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : 211 .
    (4) عبد الصبور شاهين ، علم الأصوات الدراسة : 150 .
    (5) فندريس ، اللغة : 94 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 27 )

    النبر يُعنى عادة بمتابعة العلو في بعض الكلمات لأنه لا يسم وحدة أصواتية واحدة ، بل منظومة من الوحدات الأصواتية (1) .
    والتنغيم ـ كما أفهمه ـ يعني عادة بمتابعتة صوت المتكلم في التغيرات الطارئة عليه أصواتياً بما يلائم توقعات النفس الإنسانية للتعبير عن الحالات الشعورية واللاشعورية .
    وكان المستشرق الألماني الدكتور براجشتراس قد وقف موقف المتحير حيناً ، والمتسائل حيناً آخر ، من معرفة علماء العربية بمصطلح النبر ، فهو لم يعثر على نص يستند عليه ، ولا أثر يلتجىء إليه في إجابة العربية عن هذا الأمر (2) .
    والحق أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود كما يقال ؛ غير أن القدماء من العرب لم يدرسوا النبر في تأثيره في اللغة ، بل لأنه يعنى بضغط المتكلم على الحرف ، وبذلك ربطوه بالتنغيم أحياناً ، وبالإيقاع الذي يهز النفس ، ويستحوذ على التفكير ، وقد اختار عبد الصبور شاهين مقطعاً من خطبة تروى لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أثبتها وعقب عليها ، قال الإمام علي فيما روي عنه : « من وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثنّاه ، ومن ثنّاه فقد جزأه ، ومن جزّأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حدّه ، ومن حدّه فقد عدّه ، ومن قال : فيم ؟ فقد ضمَّنه ، ومن قال : علام ؟ فقد أخفى منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شيء لا بمقارنة ، وغير كل شيء لا بمزاولة » . وللقارىء أن يتخيل أداء هذه الجمل المتتابعة موقعة على نحو يشد إليها أسماع الناس ، ويستأثر بإعجابهم » (3) .
    الحق أن اللحاظ المشترك بين النبر والتغنيم عند العرب القدامى يجب أن يكون موضع عناية من الناحية النظرية ، مع فرض توافره تطبيقاً
    ____________
    (1) ظ : مالمبرج ، علم الأصوات : 187 .
    (2) ظ : براجشتراسر ، التطور النحوي : 46 .
    (3) عبد الصبور شاهين ، علم الأصوات الدراسة : 200 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 28 )

    قرأنياً في سور متعددة ، وخطابياً عند النبي عليه السلام والأئمة والصحابة وفصحاء العرب في جملة من الخطب .
    اتضح لزميلنا الدكتور خليل العطية أن ابن جني ( ت : 392 هـ ) في عبارته ( التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ) (1) يمكن أن يشار عنده بها إلى مصطلحي النبر والتنغيم ، بما تتفتّق معاني ألفاظ العبارة من دلالات لغوية فقال :
    « وتشير ألفاظ التطويح والتطريح والتّفخيم من خلال معانيها اللغوية إلى رفع الصوت وانخفاضه والذهاب به كل مذهب ، وهي على هذا إشارة الى النبر ، وليس النبر غير عملية عضوية يقصد فيها ارتفاع الصوت المنبور وانخفاضه ، كما أن تمطيط الكلام ، وزوي الوجه وتقطيبه ، مظهر من المظاهر التي تستند عليها ظاهرة التنغيم » (2) .
    فإذا نظرنا إلى تعريف التنغيم عند الأوروبيين بأنه « عبارة عن تتابع النغمات الموسيقية أو الإيقاعات في حدث كلامي معين » (3) ، ثبت لدينا أن هذا التعريف الفضفاض لا يقف عند حدود في التماس ظاهرة التنغيم وضبطها ، لأن تتابع النغمات والإيقاعات بإضافتها إلى الحدث الكلامي تختلف في هبوطها وصعودها نغماً وإيقاعاً ، فهي غير مستقرة المستويات حتى صنف مداها عند الدكتور تمام حسان إلى اربعة منحنيات : « مرتفع وعال ومتوسط ومنخفض » (4) .
    و معنى هذا أن ليس بالإمكان قياس مسافة التنغيم ليوضع له رمز معين ، أو إشارة معلمة عند العرب ، لهذا فقد كان دقيقاً ماتوصل إليه زميلنا الدكتور طارق الجنابي باعتباره التنغيم « قرينة صوتيية لا رمز لها ، أو يعسر أن تحدد لها رموز ، ومن ثم لم يكن موضع عناية اللغويين القدامى ، ولكنه وجد من المحدثين اهتماماً خاصاً بعد أن أضحت اللغات المحكية
    ____________
    (1) ابن جني ، الخصائص : 2|370 .
    (2) خليل إبراهيم العطية ، في البحث الصوتي عند العرب : 67 وما بعدها .
    (3) ماريو باي ، أسس علم اللغة : 93 .
    (4) ظ : تمام حسان ، اللغة العربية معناها ومبناها : 229 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 29 )

    موضع دراسة في المختبرات الصوتية » (1) .
    وفقدان موضع العناية لا يدل على فقدان الموضوع ، فقد كان التنغيم مجال دراسة لجملة من فنون العربية في التراكيب والأساليب ، في تركيب الجملة لدى تعبيرها عن أكثر من حالة نفسية ، وأسلوب البيان لدى تعبيره عن المعنى الواحد بصور متعددة ، وهذا وذاك جزء مهم في علمي المعاني والبيان نحواً وبلاغة ؛ وهي معالم أشبعها العرب بحثا وتمحيصاً ، وإن لم يظهر عليها مصطلح التنغيم .
    ____________
    (1) طارق عبد عون الجنابي ، قضايا صوتية في النحو العربي : « بحث » .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 30 )

    نظرية الصوت اللغوي
    وليس جديداً القول بسبق العرب إلى تأصيل نظرية الصوت اللغوي ، واضطلاعهم بأعباء المصطلح الصوتي منذ القدم ، لقد كان ما قدمناه في « منهج البحث الصوتي عند العرب » وإن كان جزئي الإنارة ، فإنه كاف ـ في الأقل ـ للتدليل على أصالة هذا المنهج ، وصحة متابعته الصوتية في أبعاد لا يختلف بها إثنان .
    نضيف إلى ذلك ظاهرة صوتية متميزة في أبحاث العرب لم تبحث في مجال الصوت ، وإنما بحثت في تضاعيف التصريف ، ذلك أن صلة الأصوات وثيقة في الدرس الصّرفي عند العرب في كل جزئياته الصوتية ، فكان ما توصل إليه العرب في مضمار البحث الصرفي عبارة عن استجابة فعلية لمفاهيم الأصوات قبل أن تتبلور دلالتها المعاصرة ، فإذا أضفنا إلى ذلك المجموعة المتناثرة لعناية البحت النحوي بمسائل الصوت خرجنا بحصيلة كبيرة متطورة تؤكد النظرية الصوتية في التطبيق مما يعد تعبيراً حيّاً عن الآثار الصوتية في أمهات الممارسات العربية في مختلف الفنون .
    « ولقد كان للقدماء من علماء العربية بحوث في الأصوات اللغوية شهد المحدثون الأوروبيين أنها جليلة القدر بالنسبة إلى عصورهم ، وقد أرادوا بها خدمة اللغة العربية والنطق العربي ، ولا سيما في الترتيل القرآني ، ولقرب هؤلاء العلماء من عصور النهضة العربية ، وإيصالهم بفصحاء العرب كانوا مرهفي الحسّ ، دقيقي الملاحظة ، فوصفوا لنا الصوت العربي وصفاً أثار دهشة المستشرقين وإعجابهم » (1) .
    ____________
    (1) إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : 5 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 31 )

    وهذه البحوث الصوتية التي سبق إليها علماء العربية فأثارت دهشة المستشرقين ، وأفاد منها الأوروبيين في صوتياتهم الدقيقة التي اعتمدت أجهزة التشريح ، وقياس الأصوات في ضوء المكتشفات ، قد أثبتت جملة من الحقائق الصوتية ، كان قد توصل إليها الأوائل عفوياً ، في حسّ صوتي تجربته الذائقة الفطرية ، وبعد أن تأصلت لديهم إلى درجة النضج ، قدّمت منهجاً رصيناً رسّخ فيه المحدثون حيثيثات البحث الصوتي الجديد في المفردات والعرض والأسلوب والنتائج على قواعد علمية سليمة .
    لقد قدم العرب والمسلمين مفصّلاً صوتياً مركباً من مظاهر البحث الصوتي يمثل غاية في الدقة والتعقيد ، لم يستند إلى أجهزة متطورة ، بل ابتكرته عقول علمية نيرة ، وأذهان صافية ، تجردت للحقيقة ، وتمحضت للبحث العلمي ، مخلصة فيه النية ، وكانت الخطوط العريضة لهذا العطاء على وجه الإجمال عبارة عن مفردات هائلة ، ونظريات متراصة ، يصلح أن يشكل كل عنوان منها فصلاً من باب ، أو باباً في كتاب ، يستقرىء به الباحث ما قدمه علماء العربية من جهد صوتي متميز واكبه الغربيون بعد ان عبّد طريقه العرب والمسلمون ، هذه المفردات في عنوانات ريادية تمثل الموضوعات الآتية في نظرية الصوت :
    1 ـ ظاهرة حدوث الصوت .
    2 ـ معالم الجهاز الصوتي عند الإنسان .
    3 ـ أنواع الأصوات العالمية .
    4ـ درجات الأصوات في الاهتزازات .
    5 ـ بدايات الأصوات عند المخلوقات.
    6 ـ علاقة الأصوات باللغات الحيّة .
    7 ـ أعضاء النطق وعلاقتها بالأصوات .
    8 ـ الأصوات الصادرة دون أعضاء نطق .
    9 ـ علاقة السمع بالأصوات .


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 32 )

    10 ـ مقاييس الأصوات امتداداً أو قصراً .
    11 ـ تسميات الأصوات وأصنافها .
    12 ـ الأصوات الزائدة على حروف المعاجيم .
    13ـ الزمان والصوت ( مسافت الصوت ) .
    14ـ المكان والصوت ( مساحة الصوت ) .
    15 ـ المقاطع الصوتية بالإضافة إلى مخارج الأصوات .
    16 ـ النقاء الصوتي .
    17 ـ الموسيقي والصوت .
    18 ـ العروض والصوت .
    19 ـ النبر والصوت .
    20 ـ التنغيم والصوت .
    21 ـ التقريب بين الأصوات .
    22 ـ الرموز الكتابية والأصوات .
    23 ـ إئتلاف الحروف وعلاقته بالأصوات .
    هذه أهم مفردات المصطلح الصوتي في نظرية الصوت اللغوي عند العرب توصلنا إليها من خلال عروض القوم في كتبهم ، وطروحهم في بحوثهم ، وأن لم يشتمل عليها كتاب بعينه ، وإنما جاءت استطراداً في عشرات التصانيف ، ونحن لا نريد حصرها بقدر ما نريد من التنبيه ، أن هذه الموضوعات التي سبق إليها العرب ، هي التي توصل إليها الأوروبيين اليوم ، ومنها استقوا معلوماتهم الأولية ، ولكنهم أضافوا وجددوا وأبدعوا ، وتمرست عندهم المدارس الصوتية الجديدة ، تدعمها أجهزة العلم ، والأموال الطائلة ، والخبرات الناشئة ، مع الصبر على البحث ، والأناة في النتائج .
    لقد كان ما قاله المرحوم الأستاذ مصطفى السقا وجماعته في


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 33 )

    مقدمتهم لسر صناعة الإعراب ملحظاً جديراً بالاهتمام ... « والحق أن الدراسة الصوتية قد اكتملت وسائلها وموضوعاتها ومناهجها عند الأوروبيين ، ونحن جديرون أن نقفو آثارهم وننتفع بتجاربهم ، كما انتفعوا هم بتجارب الخليل وسيبويه وابن جني وابن سينا في بدء دراساتهم للأصوات اللغوية » (1) . فالأوروبيون أفادوا من خبراتنا الأصيلة . فهل نحن منتفعون ؟
    لقد توصل العرب حقاً إلى نتائج صوتية مذهلة أيدها الصوت الغوي الحديث في مستويات هائلة نتيجة لعمق المفردات الصوتية التي خاض غمارها الروّاد القدامى ، وقد أيد هذا التوصل إثنان من كبار العلماء الأوروبيين هما : المستشرق الألماني الكبير الدكتور براجشتراسر ، والعالم الانكليزي اللغوي المعروف الأستاذ فيرث .
    أ ـ يقول الدكتور براجشتراسر في معرض حديثه عن علم الأصوات :
    « لم يسبق الأوروبيين في هذا العلم إلا قومان : العرب والهنود » (2) .
    ب ـ ويقول الأستاذ فيرث :
    « إن علم الأصوات قد نما وشب في خدمة لغتين مقدستين هما : السنسكريتية والعربية » (3) .
    والعرب مقدمون على الهنود في النص الأول لأنهم أسبق ، والسنسكريتية في النص الثاني لغة بائدة آثارية ، والعربية خالدة .
    و ـ أقف عند رأيين في نظرية الصوت اللغوي :
    الأول : توصل الدكتور العطية « أن بعض مباحث العرب في البحث الصوتي داخلة في ( علم الصوت : phonetics ) لاشتماله على دراسة التكوين التشريحي لجهاز النطق والصوت ومكوناته وعناصره وصفاته العامة والخاصة على مستوى المجموعة البشرية . كما أن بعض جوانب ( علم الصوت
    ____________
    (1) مصطفى السقا وآخرون ، سر صناعة الاعراب ، مقدمة التحقيق : 19 .
    (2) براجشتراسر ، التطور النحوي : 57 .
    (3) ظ : أحمد مختار عمر ، البحث اللغوي عند العرب : 101 وانظر مصدره .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 34 )

    الوظيفي phonolgy ) تبدو جلية في دراسة قوانين التأثر و التأثير ، واستكناه النبر والتنغيم ، وطول الصوت وقصره ، سواء أكان طوله صفة دائمة أم آنية عارضة » (1) .
    الثاني : إن الصوت قد فرض نفسه عند العرب في دراسات قد لا تبدو علاقتها واضحة بالصوت ، وقد وقف الدكتور الجنابي عند جملة « من مسائل النحو عرض لها النحويون وتأولوها ، واعتلوا لها بعلل لا تقنع باحثاً ، ولا ترضي متعلماً ، ولكن التفسير الصوتي هو الذي يحل الإشكال ويزيل اللبس بمعزل عن القرائن أو العلاقات المعنوية بين المفردات ، فلا صلة للتغيير الحركي بالفاعلية والمفعولية مثلاً ، ولا رابطة له بالأساليب . وإنما هو لون من الانسجام مع التغيير التلقائي الذي أشرت إليه » (2) .
    هذان الرأيان نلمح بهما تمكن الدرس الصوتي عند العرب ، فجملة مباحثهم صوتياً داخلة في علوم الصوت ، وما لم يجدوا له تعليلاً فيحل إشكاله التفسير الصوتي ، وهذان ملحظان جديران بالتأمل .
    أما خلاصة تجارب الأروبيين في المصطلح الصوتي فقد كانت نتيجة حرفية لمداليل النظرية الصوتية عند العرب في نتائج ما توصل إليه علماؤهم الأعلام .
    هذه النظرية الصوتية عند العرب عبارة عما توصل إليه العرب من خلال تمرسهم وتجاربهم بنظريات نحوية وصرفية وبيانية وصوتية وإيقاعية وتشريحية شكلت بمجموعها « نظرية الصوت » وهي في تصور تخطيطي تشمل المنظور الآتي :
    أ ـ النظرية العربية في الأبجدية الصوتية على أساس المخارج والمدارج والمقاطع كما عند الخليل وسيبويه والفرّاء .
    ب ـ النظرية العربية في أجهزة النطق وأعضائه ، وتشبيهه بالناي تارة ، وبالعود في جسّ أوتاره تارة أخرى كما عند ابن جني .
    ____________
    (1) خليل إبراهيم العطية ، في البحث الصوتي عند العرب : 108 .
    (2) طارق عبد عون الجنابي ، قضايا صوتية في النحو العربي « بحث » .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 35 )

    ج ـ النظرية العربية في التمييز بين الأصوات عن طريق إخفاء الصوت .
    د ـ النظرية العربية في ربط الإعلال والإبدال ، والترخيم والتنغيم ، والمدّ والأشمام بعميلة حدوث الأصوات وإحداثها .
    هـ ـ النظرية العربية في التلاؤم بين الحروف وأثره في سلامة الأصوات ، والتنافر فيها وأثره في تنافر الأصوات .
    و ـ النظرية العربية في أصول الأداء القرآني ، وعروض الشعر والإيقاع الموسيقي ، وعلاقة ذلك بالأصوات .
    زـ النظرية العربية في التوصل إلى معالجة التعقيدات النحوية ، والمسوغات الصرفية في ضوء علم الأصوات .
    هذا العرض الإشاري لنظرية الصوت اللغوي ، يكفي عادة للتدليل على أصالة النظرية عند العرب ، دون حاجة إلى استجداء المصطلحات الأجنبية ، أو استحسان الجنوح إلى الموارد الأوروبية ، فبحوث العرب في هذا المجال متوافرة ، وقد يقال إن التنظيم يعوزها ، وأنها تفتقر إلى الترتيب الحديث ، للاجابة عن هذه المغالظة نضع بين أيدي الباحثين المنصفين : الفصل الثاني من هذا الكتاب بين يدي الموضوع ، والذي أطمح أن يكون مقنعاً بأمانة وإخلاص في إثبات تنظيم البحث الصوتي ، وسلامة مسيرة الصوت اللغوي ، وموضوعية العرض دون تزيد أو ابتسار في علم الأصوات وعالمها .
    والله ولي التوفيق .


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 36 )


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 37 )


    الفصل الثاني

    منهجية البحث الصوتي


    1ـ الخليل بن أحمد ومدرسته الصوتية
    2ـ الصوت في منهجية سيبويه
    3ـ الفكر الصوتي عند ابن جني
    4 ـ القرآن والصوت اللغوي


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 38 )


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 39 )

    الخليل ومدرسته الصوتية
    ذهب استاذنا الدكتور المخزومي : « أن الخليل أول من التفت إلى صلة الدرس الصوتي بالدراسات اللغوية الصرفية ، الصرفية والنحوية ، ولذلك كان للدراسة الصوتية من عنايته نصيب كبير ، فقد أعاد النظر في ترتيب الأصوات القديمية ، الذي لم يكن مبنياً على أساس منطقي ، ولا على أساس لغوي ، فرتبها بحسب المخارج في الفم ، وكان ذلك فتحاً جديداً ، لأنه كان منطلقاً إلى معرفة خصائص الحروف وصفاتها » (1) .
    لم تكن هذه الأولية اعتباطية ، ولا الحكم بها مفاجئاً ، فهما يصدران عن رأي رصين لأن الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : 175 هـ ) هو أول من وضع الصوت اللغوي موضع تطبيق فني في دراسته اللغوية التي انتظمها كتابه الفريد ( العين ) بل هو أول من جعل الصوت اللغوي أساس اللغة المعجمي ، فكان بذلك الرائد والمؤسس .
    لا أريد التحدث عن أهمية كتاب العين في حياة الدرس اللغوي ولكن أود الإشارة أن كتاب العين ذو شقين : الأول المقدمة ، والثاني الكتاب بمادته اللغوية وتصريفاته الإحصائية المبتكرة التي اشتملت على المهمل والمستعمل في لغة العرب .
    والذي يعنينا في مدرسة الخليل الصوتية مواكبة هذه المقدمة في منهجيتها لتبويب الكتاب ، وبيان طريقته في الاستقراء ، وإبداعه في
    ____________
    (1) المخزومي ، في النحو العربي ، قواعد وتطبيق : 4 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 40 )

    الاحصاء ، ورأيه في الاستنباط ومسلكية التصنيف الجديد ، والأهم الذي نصبو إليه « إن مقدمة العين على إيجازها ؛ أول مادة في علم الأصوات دلت على أصالة علم الخليل ، وأنه صاحب هذا العلم ورائده الأول » (1).
    يبدأ الخليل المقدمة بالصوت اللغوي عند السطر الأول بقوله : « هذا ما ألفه الخيل بن أحمد البصري من حروف :
    أ . ب . ت . ث . . . » (2) .
    وأضاف أنه لم يمكنه « أن يبتدىء التأليف من أول : أ ، ب ، ت ، ث ، وهو الألف ، لأن الألف حرف معتل ، فلما فاته الحرف الأول كره أن يبتدىء بالثاني ـ وهو الباء ـ إلا بعد حجة واستقصاء النظر ، فدبّر ونظر إلى الحروف كلها ، وذاقها فوجد مخرج الكلام كله من الحلق ، فصيّر أولاها بالابتداء أدخل حرف في الحلق » (3) .
    ومعنى هذا أن الخليل قد أحاط بالترتيب ( الألفبائي ) من عهد مبكر ، ولم يشأ أن يبتديء به مع اهتدائه إليه ، لأن أول حرف في هذا النظام حرف معتل ، ولا معنى أن يبتدىء بما يليه وهو الباء لأنه ترجيح بلا مرجح ، وتقديم دون أساس ، فذاق الحروف تجريبياً ، فرأى أولاها بالابتداء حروف الحلق ، وذاقها مرة أخرى ، فرأى ( العين ) أدخل حرف منها في الحلق ، بل في أقصى الحلق .
    قال ابن كيسان : ( ت :299 هـ ) سمعت من يذكر عن الخليل أنه قال : « لم أبدأ بالهمزة لأنها يلحقها النقص والتغيير والحذف ، ولا بالألف لأنها لا تكون في ابتداء كلمة لا في اسم ولا فعل إلا زائدة أو مبدلة ، ولا بالهاء لأنها مهموسة خفية لا صوت لها ، فنزلت إلى الحيز الثاني وفيه العين والحاء ، فوجدت العين أنصع الحرفين فابتدأت به ليكون أحسن في التأليف » (4) .
    ____________
    (1) مقدمة التحقيق لكتاب العين :1|10 .
    (2) الخليل : كتاب العين : 1|47 .
    (3) نفس المصدر :1|47 .
    (4) السيوطي : المزهر : 1|90 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 41 )

    وإذا صح ما نقله ابن كيسان ، وستجد في البحث ما يتعارض معه نوعاً ما ـ فالخليل يعتبر الهمزة والألف في الحيز الأول لأصوات حروف المعجم ، ولكنه ينتقل إلى الحيز الثاني فيختار الصوت الأنصع بتذوقه للحرف من مخرجه الصوتي ، وهو يوضح طريقته المبدعة بذاك ، فيجرد من نفسه معنياً يتكلم عنه ، فيقول : « وإنما كان ذواقه إياها أنه كان يفتح فاه بالألف ، ثم يظهر الحرف نحو : إب ، إت ، إع ، إغ ، فوجد العين أدخل الحروف في الحلق فجعلها أول الكتاب ، ثم ما قرب منها الأرفع فالأرفع حتى أتى آخرها وهو الميم » (1) .
    ومعنى هذا أنه سار مع الحروف مسيرة مختبرية استقرائية ، ابتداء من أقصى الحلق ، فالحلق ، ومروراً بفضائه ، فالأسنان ، وانتهاء بالشفة فالميم عندها ، لأن الميم أرفع حروف الشفة .
    وهذا يدل على ذائقة حسية فريدة ، وصبر عنيف على الاستنتاج ، حتى توصل إلى ما توصل إليه ابتداعاً وابتكاراً ، دون الاستعانة بأي جهاز علمي ، إذ لا جهاز آنذاك ، وهو مالم يثبت العلم التشريحي الحديث بكل أجهزته الدقيقة ، ومختبراته الضخمة خلافاً له فيما يبدو إلا يسيراً (2) .
    إن الخليل في ذائقته الصوتية هذه ، قد قلب حروف العربية ، فوضعها في منازل معينة ضمن مخارج صوتية معينة بحسب مدارج مقدرة من أقصى الحلق حتى إطباق الشفة في الميم .
    واتضح أن الخليل رحمه الله تعالى قد صنف هذه المخارج إلى عشرة أصناف كالآتي :
    1 ـ ع ، ح ، هـ ، خ ، غ .
    2ـ ق ، ك .
    3 ـ ج ، ش ، ض .
    ____________
    (1) الخليل ، كتاب العين : 1|47 .
    (2) ظ : المؤلف ، منهج البحث الصوتي عند العربي : نقد وتحليل : « بحث » .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 42 )

    4 ـ ص ، س ، ز .
    5 ـ ط ، د ، ت .
    6 ـ ظ ، ث ، ذ .
    7 ـ ز ، ل ، ن .
    8 ـ ف ، ب ، م .
    9 ـ و ، ا ، ي .
    10 ـ همزة (1) .
    ولم يكتف الخليل بهذا التقسيم الفيزولوجي الدقيق بحسب تذوقه الخاص ، بل نصّ على تسمية كل قسم من هذه الأقسام ، وأفاد اللغات العالمية جمعاء ، بأصل من الأصول الأولى في الاصطلاحات الصوتية دون أن يسبقه إلى ذلك سابق ، بل عوّل عليه فيه كل لا حق .
    لقد حدد الخليل كل صنف من اصناف الحروف المعجمية على بنية صوتية متميزة ، تحسها كياناً مستقلاً ، وتتذوقها قاعدة صلبة ، وعلل ذلك على أساس صوتي متكامل ، ووعي بأبعاد هذا الأساس ، فكوّن بذلك نظاماً فريداً غير قابل للرد إذ جاء فيه بضرس قاطع لا يختلف به إثنان ، وسيّر ذلك مسيرة نابضة بالحياة لا يلحقها الهرم ، ولا تعوزها النضارة ، فهي غضة طرية في كل حين ، قال الخليل :
    « فالعين والحاء والغين والخاء حلقية ، لأن مبدأها من الحلق .
    والقاف والكاف لهويتان ، لأن مبدأها من اللهاة .
    والجيم والشين والضاد شجرية ، لأن مبدأها من شجر الفم .
    والصاد والسين والزاء أسلية ، لأن مبدأها من أسلة اللسان .
    والطاء والتاء والدال نطعية ، لأن مبدأها من نطح الغار الأعلى .
    ____________
    (1) الخليل ، كتاب العين : 1|48 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 43 )

    والظاء والذال والثاء لثوية ، لأن مبدأها من اللثة .
    والراء واللام والنون ذلقية ، لأن مبدأها من ذلق اللسان .
    والفاء والباء والميم شفوية ، لأن مبدأها من الشفة .
    والياء والواو والألف والهمزة هوائية في حيز واحد ، لأنها لا يتعلق بها شيء (1) .
    إن هذه التسميات التشخيصية قد نهضت بكيان كل صوت وعادت به إلى نقطة انطلاقه ، واهتداء الخليل إليها بذهنه المتوهج فطنة وذكاءً ، دون مثال يحتذيه عند من سبقه من علماء العربية كنصر بن عاصم الليثي وأبي عمرو بن العلاء لدليل ناصع على موسوعية فذة ، وعبقرية لا تقاس بالأشباه ، كيف لا وبداية إفاضاته الصوتية مبكرة ومبتكرة .
    ختم الخليل هذه المقدمة بما بدأه من ملحظ صوتي ليس غير : « بدأنا في مؤلفنا هذا بالعين ، وهو أقصى الحروف ونضم إليه ما بعده حتى نستوعب كلام العرب الواضح والغريب ، وبدأنا الأبنية بالمضاعف لأنه أخف على اللسان ، وأقرب مأخذاً للمتفهم » (2) . ولمّا كانت هذه المقدمة مشتملة على الإفاضة الصوتية الأولى عند العرب ، فإننا نشير إلى بعض ملامحها بإيجاز وتحديد :
    1 ـ لقد أدرك الخليل بفطرته الصافية ، وحسه المتوقد ، أهمية الصوت اللغوي في الدراسات اللغوية المتخصصة ، فأشار إلى أبعادها من ينابيعها الأولى ، فوضع يده على الأصول في انطلاق الأصوات من مخارجها الدقيقة ، وأفرغ جهده الدؤوب في التماس التسميات للمسميّات فطبق بها المفصل ، وتمكن من استنباط طائفة صالحة من الأسرار الصوتية من هذا الخلال ، لذلك فقد كان صحيحاً ما توصل إليه محققا العين أن في المقدمة منه « بواكير معلومات صوتية لم يدركها العلم فيما خلا العربية من اللغات إلا بعد قرون عدة من عصر الخليل » (3) .
    ____________
    (1) الخليل ، كتاب العين : 1|58 .
    (2) المصدر نفسه : 1|60 .
    (3) ظ : مقدمة التحقيق لكتاب العين : 1|10 .



    فقد استعمل الخليل كلمة ( حرف ) للدلالة على إرادة ( صوت ) منها ، فكانت الأصوات عنده هي : الحروف الذلق | الحروف الشفوية | حروف الحلق | حروف أقصى الحلق | الحروف الصحاح | الحروف الصم | حروف الجوف | حروف اللين | حروف مابين عكدة اللسان | الحروف اللهوية | الحروف الشجرية | الحروف الأسلية | الحروف النّطعية | الحروف اللثوية . . . إلخ (1) .
    وهو يريد بذلك ، أصوات الذلاقة ، وأصوات الشفة ، وأصوات الحلق ، وأصوات أسلة اللسان .... الخ .
    ولا يكتفي بهذا حتى يسمي هذه الأصوات بالإضافة إلى مخارجها ومدارجها ، ناظراً إلى هيئة المخرج من المدرج ، وما يصطدم بها من أجهزة النطق أو يتجاوزها باندفاع الهواء ، فيصفها في مثل النحو الآتي :
    فمنها ما يخرج من الجوف وليس لها حيّز تنسب إليه سواه ، ومنها ما يقع في مدرجة من مدارج اللسان ، وما يقع في مدرجة من مدارج الحلق ، وما يقع من مدرج اللهاة ، وما هي هوائية ، أي أنها في الهواء كالألف اللينة والواو والياء (2).
    2 ـ يبتدع الخليل في هذه المقدمة أمراً ذا أهمية قصوى في حياة الأصوات ، فيصنع ـ وبدقة متناهية ـ مخططاً شاملاً لمخرج كل صوت ، ويقارن بين بعض الأصوات ، فيضعها في حيّز متميز عن حيّز الأصوات ألأخرى ، ويعطي بعض الخصائص المفرقة لصوت عن صوت ، ويعالج إلحاق بعض الأصوات ببعض المخارج دون سواها ، فتقف عند العلة والسبب ، وتستظهر العلة التي تخفى ولا تكاد تبين ، يقول الخليل في هذا التخطيط :
    « فاقصى الحروف كلها العين ثم الحاء ، ولولا بحة في الحاء لأشبهت العين لقرب مخرجها من العين .
    ثم الهاء ، ولولا هتة في الهاء لأشبهت الحاء لقرب مخرج الهاء من
    ____________
    (1) (2) ظ : الخليل ، كتاب العين :1|53 ـ 57 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 45 )

    الحاء ، فهذه ثلاثة أحرف في حيّز واحد بعضها أرفع من بعض ، ثم الخاء والغين في حيّز واحد كلها حلقية .
    ثم القاف والكاف لهويتان ، والكاف أرفع .
    ثم الجيم والشين والضاد في حيّز واحد .
    ثم الصاد والسين والزاء في حيّز واحد .
    ثم الطاء والدال والتاء في حيّز احد .
    ثم الظاء والذال والثاء في حيّز واحد .
    ثم الراء واللام والنون في حيّز واحد .
    ثم الفاء والباء والميم في حيّز واحد .
    ثم الألف والواو والياء في حيّز واحد .
    والهمزة في الهواء لم يكن لها حيّز تنسب إليه (1) . وأقف عند الهمزة ، فهي مختلف فيها ، ففي الوقت الذي لا يوجد لها حيّز عند الخليل ، إلا فيما نسبه إليه ابن كيسان فيما سبق ، نجد سيبويه يبتدىء بها ، ويعتبرها من حروف أقصى الحلق (2) . في حين يعتبرها ابن جني أول الحروف مخرجاً ، ويبتدىء بها (3) . بينما يعدّها الخليل هوائية منبعثة من الرئتين ، وقد يوافقه ابن الجزري لأنه يعتبرها صوتاً مرققاً ، سلس النطق ، لا مبالغة في تحقيقه (4) .
    والحق أن الهمزة صوت مهموس غير مجهور ، وقد ذهب دانيال جونز D. Joenes فيما بين ذلك إلى أنه صوت ليس بالمجهور ، ولا هو بالمهموس ، وإنما هو حالة بين حالتين .
    وذهب هفنر R.M.Heffner إلى أنه صوت مهموس دائماً ، ويبدو أن لا تعارض بين الرأيين ، فكلاهما قد نفى عن الهمزة صفة الجهر ، ولكن كلاً
    ____________
    (1) ظ : كتاب العين : 1|57 ـ 58 .
    (2) ظ : سيبويه ، الكتاب : 2|405 .
    (3) ظ : ابن جني ، سر صناعة الإعراب : 1|50 .
    (4) ظ : ابن الجزري ، النشر في القراءات العشر : 1|216 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 46 )

    منهما أصدر حكمه بناء على نظرة إلى الحنجرة تختلف عن نظر الآخر ، فجونز قد اعتبر أن للحنجرة ثلاثة أوضاع : الاحتباس ، الانفتاح دون ذبذبة ، الانفتاح مع الذبذبة ، وبذلك تكون الهمزة صوتاً لا هو بالمجهور ولا بالمهموس .
    أما هفنر فقد اعتبر أن للحنجرة وظيفتين هما : ذبذبة الأوتار الصوتية ؛ وهي صفة الجهر ، وعدم ذبذبتها وهي صفة الهمس ، ويدخل في حالة عدم الذبذبة احتباس في الحنجرة أو انطلاق فيها في بقية المهموسات ،على أن من المسلم به لدى كل منهما : ان الهمزة عبارة عن احتباس في الحنجرة (1) .
    إن هذا العرض إنما تم لجونز وهفنر بعد تقدم العلم الفيزولوجي الذي أعانهما على فهم جهاز الحنجرة بتفصيلات ذبذبته وعدمها ، ومع هذا فقد اختلفا من وجه في الهمزة ، أما الخليل فقد عينها حسياً بذاته دون الاستعانة بخبرة تشريحية معقدة ، وانبعاثها من الرئتين دون حيز تنسب إليه لا يضير معرفته الدقيقة بجهة انطلاقها واصطدامها وخرووجها من فضاء الفم ، إذا كان العلم الحديث يميل إلى رأي سيبويه في الموضوع على فرض أن الخليل لم يعتبرها أول الأصوات ، فسيبويه في الموضوع تلميذ الخليل وابنه حملة علمه ، فالعائدية على الخليل في كلتا الحالتين ، وهذا ما يقرب ما نسبه ابن كيسان إلى الخليل في شأن الهمزة ، فيبدو لنا أنه لم يبدأ بها لأن العين أنصح منها ليس غير .
    3 ـ في هذه المقدمة : إشارات صوتية ، وإشاررات لغوية ، وقد يدخل الملحظ الصوتي ضمن الملحظ اللغوي كما فعل الخليل هذا لدى حديثه عن ألف الخماسي باعتبارها ليست أصلية فقال :
    « أدخلت هذه الألفات في الأفعال وأمثالها من الكلام لتكون الألف عماداً سلماً للّسان إلى حرف البناء لأن اللسان لا ينطلق بالساكن من الحروف فيحتاج إلى ألف الوصل » (2) .
    ____________
    (1) ظ : عبد الصبور شاهين ، أثر القراءات في الأصوات : 167 وما بعدها .
    (2) الخليل ، العين : 1|49 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 47 )

    لقد كان بامكان الخليل التصريح بأن هذه الألف من حروف الزيادة ، ولكنه لم يفعل ، بل أراد وهو معيب بهذه الإرادة ، أنها وسيلة لإخراج الصوت ، فكأن أي صوت لا يمكن للمعرب أن ينطقه ، ولا أن يأخذ الصوت مادته وصفته إلا بعد اعتماده على صوت الألف الأولى قبله ، ومن أجل ذلك دعاها عماداً أو سلّماً ، كما أشار إلى أن إخراج الصوت ، وهو ساكن بصفته : محتاج إلى وسيلة إخراجه ، لأن اللسان لا ينطلق بالساكن من الحروف ، وكانت هذه الوسيلة هي ألف الوصل (1) .
    والخليل يراعي هذا التمازج الصوتي في اللغة فيحكم أن الاسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف . حرف يبتدأ به ، وحرف يحشى به الكلمة ، وحرف يوقف عليه ، فهذه ثلاثة أحرف ، فإن صيرت الثنائي مثل : قد ، هل ، لو ، أسماً أدخلت عليه التشديد فقلت : هذه لوّ مكتوبة ، وهذه قد حسنة الكتبة ، زدت واواً على واو ، ودالاً على دال ، ثم أدغمت وشدّدت . فالتشديد علامة الإدغام ، والحرف الثالث (2) .
    إن هذا الاهتمام السليم في ربط اللغة بالصوت ، واعتبار الصوت امتداداً للبنية التركيبة ، وأصلاً للأفكار المنطورة في اللغة ، هو الذي توصل إليه بعد قرون عدة الأستاذ اللغوي فرديناند دي سوسور في أن اللغة فكرة منظمة مقرونة بالصوت من خلال تأمل عنصرين يشتركان في تأدية اللغة لوظيفتها ، وهما : الأفكار والأصوات من خلال الربط بينهما كما صنع الخليل .
    يقول دي سوسور : « إن المادة الصوتية ليست أكثر ثبوتاً ، ولا أشد تحديداً من الفكر : وهي ليست قالباً يصب فيه الفكر بالضرورة ، بل هي مادة مرنة تنقسم في كل حالة إلى أجزاء متميزة لتوفر الدوال significes التي يحتاج إليها الفكر . وبذلك يمكن أن نتصور الحقيقة اللغوية في مجملها على أنها سلسلة من التقسيمات المتجاورة التي حددت على مستويين : المستوى غير المحدد للأفكار المكدسة ، ومستوى الأصوات .
    ____________
    (1) ظ : مقدمة التحقيق لكتاب العين : 1|11 .
    (2) ظ : الخليل ، العين : 1|49 ـ 50 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 48 )

    إن الدور المميز للغة بالنسبة للفكر ليس وسيلة صوتية مادية للتعبير عن الأفكار ، بل القيام بوظيفة حلقة الوصل بين الفكر والصوت ، في ظروف تؤدي بالضرورة إلى التمييز المتبادل لوحدات الفكر والصوت » (1) .
    إن هذا المنحنى من التخطيط الصوتي هو الذي يرمي إليه الخليل في مقدمة العين ليخلص إلى صلة التفاعل الحقيقي بين الأفكار والأصوات ، بل أنه يحصر ما في كتاب العين من لغة وتصريف واشتقاق بمنطق تذوقه لأصوات حروف المعجم « فإذا سئلت عن كلمة وأردت أن تعرف موضعها ، فانظر إلى حروف الكلمة ، فمهما وجدت منها واحداً في الكتاب المقدم ( يعني مقدمة العين ) فهو ذلك الكتاب » ( يعني كتاب العين ) (2) .
    فهو يرى في اللغة امتداداً طبيعاً للأصوات أولاً فيربطها بها ارتباط الأصل بالفرع ، ونعني بذلك ربط الأصوات أصلاً ، باللغة باعتبارها متفرعة عن الأصوات .
    4 ـ ولعل أهم ما توصل إليه الخليل في علم الأصوات حصره للمعجم العربي بأبعاد صوتية فضلاً عن وصف الأصوات منفردة ومجتمعة منضمّة إلى سواها . وإني ليمتلكني العجب حينما أجده يضع حداً جديداً ، ومعياراً فنياً متوازناً ، للكلمات العربية باشتمالها على الحروف الذلق والشفوية ؛ وللكلمات الأعجمية التي لا تتشمل على واحد من حروف الذلاقة والشفة .
    هذا المقياس الفني الصوتي لدى الخليل لم يخطىء ولا مرة واحدة حتى في كلمة احدة ، فيما له من مقياس ما أكلمه .
    يقول الخليل : « فإن وردت عليك كلمة رباعية أو خماسية معرّاة من حروف الذلق أو الشفوية ، ولا يكون في تلك الكلمة من هذه الحروف حرف واحد أو اثنان أو فوق ذلك ، فاعلم أن تلك الكلمة محدثة مبتدعة ، ليست من كلام العرب ، لأنك لست واجداً من يسمع من كلام العرب
    ____________
    (1) دي سوسور : علم اللّغة العام : 131 وما بعدها .
    (2) ظ : الخليل ، كتاب العين : 1|47 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 49 )

    بكلمة واحدة رباعية أو خماسية إلاّ وفيها من حروف الذلق أو الشفوية واحد أو اثنان أو أكثر » (1) .
    فهو هنا وبحس صوتي جامع مانع : يدرأ الدخيل والمعرّب والمولّد والمحدث والمبتدع عن لغة العرب ، وتلك ميزة ما بعدها ميزة في هذا الخضم المتلاطم من الكلمات واللغى .
    قال الليث : قلت : فكيف تكون الكلمة المولدة المبتدعة غير مشوبة بشيء من هذه الحروف ؟ فقال نحو :
    (الكشعثج والخضعثج والكشعطج وأشباههن ) فهذه مولدات لا تجوز في كلام العرب ، لأنه ليس فيهن شيء من حروف الذلق والشفوية فلا تقبلن منها شيئاً ، وإن أشبه لفظهم وتأليفهم ، فإن النحارير منهم ربما أدخلوا على الناس ما ليس في كلام العرب إرادة اللبس والتعنيت » (2) .
    وليس جديداً بعد العروض السابقة القول بأن الخليل كان ضليعاً بكل تفصيلات الجهاز الصوتي عند الإنسان ، ولا يضيره ـ إن صح ما يقال ـ أن لا يذكر الوترين الصوتيين ، لأنه ليس عالماً بالتشريح ، ولا متخصصاً بجراحة الحنجرة ، وما اضطلع بمهمة طبية قط ، وما ذكره من أجزاء هذا الجهاز فيه الكفاية لعصره إن لم نقل للعصور كافة ، لأنه قد تضمن بكثير من الأبعاد الإشارة لهذه المباحث التي تفرغ لها الأوروبييون .
    قال جملة من الأساتيذ :
    « ومن أحسن ما عرض له العرب في دراسة الأصوات ما نجده عند الخليل من وصف الجهاز الصوتي ، وهو الحلق والفم إلى الشفتين ، وتقسيمه إياه إلى مناطق ومدارج يختص كل منها بحرف أو مجموعة حروف ، وما أشار إليه من ذوق الحروف لبيان حقيقة المخرج ، فقد هدي بذكائه المتفوق في ذلك إلى مقاييس صحيحة أقرّ كثيراً منها علماء الأصوات المحدثون » (3) .
    ____________
    (1) الخليل ، كتاب العين : 1|52 .
    (2) المصدر نفسه : 1|52 وما بعدها .
    (3) مصطفى السقا وآخرون ، مقدمة تحقيق سر صناعة الاعراب : 1|13 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 50 )

    لقد أهتم علماء الأصوات المحدثون بوصف الجهاز الصوتي ، وبيان وظيفته في تفصيل دقيق استعانوا على تحقيقه بعلم الصوت الفسملجي ، فأعطوا ثمرات جيدة ومفيدة ، ولكنها لا تختلف إلا قليلاً عن معطيات قدماء العرب ، ولقد اقتصر العالم اللغوي دي سوسور ( 1857 ـ 1913م ) أبرز لغوي أوروبي في العصر الحديث ، اقتصر في وصفه لجهاز الصوت على تجويف الأنف ، وتجويف الفم ، والحنجرة بما في ذلك فتحة لسان المزمار الواقعة بين الوترين الصوتيين ، وكانت المفردات التي أخضعها للدراسة عبارة عن الشفتين ، واللسان ، والأسنان العليا ، والحنك ، واللهاة.
    يقول دي سوسور : « إن فتحة لسان المزمار تتألف من عضلتين موازيتين ، أو حبلين صوتيين ، تفتح كلما ابتعدت العضلتان ، بعضهما عن بعض ، وتغلق عندما تقتربان ، وعندما تتسع الفتحة تسمح بدخول الهواء بحرية كاملة فلا يحدث أي تذبذب في الوترين الصوتيين . في حين يحدث مثل هذا التذبذب ( الصوت ) عندما تكون الفتحة ضيّقة . وليس لهذه العملية في إخراج الأصوات بديل عادة .
    إن التجويف الأنفي عضو غير متحرك ، ولا يمكن إيقاف تدفق الهواء فيه إلا برفع اللهاة . فهو عبارة عن باب مفتوح أحياناً .
    أما تجويف الفم ، فالاحتمالات التي يوفرها أكثر : إذ يمكن استخدام الشفتين لزيادة طول القناة ( تجويف الفم ) كما يمكن دفع الفكين إلى الخارج أو تقليصهما نحو الداخل . وللشفتين واللسان حركات كثيرة مختلفة يمكن استخدامها ، ويتناسب دور هذه الأعضاء في إخراج الأصوات تناسباً طردياً مع مرونة حركتها ، فالحنجرة والتجويف الأنفي ثابتان ، لهما وظيفة ثابتة . . . ويستطيع المرء أن يخرج صوتاً حنجرياً بشد الوترين الصوتيين ، ولكن الحنجرة لا تستطيع أن تخرج أصواتاً متنوعة . . . أما القناة الأنفية فليس لها من وظيفة في النطق سوى إحداث رنين للذبذبات الصوتية . . . وعلى العكس من ذلك يسهم تجويف الفم في إخراج الأصوات وإحداث الرنين .
    وموجز القول : إن العناصر التي تسهم في إخراج الأصوات هي :


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 51 )

    الهواء إلى الخارج ، والنطق في الفم ، وتذبذب في منطقة الحنجرة ، والرنين الأنفي (1) .
    إذن : إندفاع الهواء من الرئتين + النطق في الفم + التّصويت في الحنجرة + الرنين في الأنف = إحداث الأصوات .
    بهذا أعطى دي سوسور تفصيلاً مكثفاً لإحداث الأصوات وتوليدها من أجهزتها ، ولكن هذا التفصيل لم يكن ليتأتى له لولا تطور الدراسات الصوتية فسلجياً وفيزيائياً وتشريحياً ، أما الخليل فقد اهتدى لذلك فطرياً على وجه العموم ، واكتشف ولأول مرة كل التفصيلات الصحيحة لجهاز النطق وإحداث الصوت بذهنيته الوقادة دون الاستعانة بأي علم يتسع لمثل إبداعاته الصوتية في بيئته البدوية .
    ولم يكن فهم الخليل لأبعاد إحداث الأصوات بمنأى عن الفهم عند دي سوسور ، بل لقد زاد عليه ـ كما عرفت سابقاً ـ في كثير من الخصوصيات الانطلاقية لهذه الأجزاء ـ التي قد تعتبر أولية في مدرسته الصوتية ـ تنم عن إدراك متكامل للموضوع ، وتمرس عميق في قضايا صوتية معقدة .


    ***
    ____________
    (1) دي سوسور ، علم اللغة العام : 60 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 52 )

    الصوت في منهجية سيبويه
    ولو تركنا الخليل ذاته إلى من تأثر بمدرسته لوجدنا جهوداً صوتية متناثرة ، تستند في أغلبها إلى مبتكرات الخليل ، توافقه حيناً ، وتخالفه حيناً آخر . فأعضاء النطق مثلاً عند الخليل وعند سيبويه ( ت : 180هـ ) واحدة ، والحروف في مدارجها ، ويعني بها الأصوات تبعاً للخليل ، تبدأ بأقصى الحلق ، وتنتهي بالشفتين ، فهي عند سيبويه كما هي عند الخليل (1) .
    ولكن ترتيب الحروف في كتاب سيبويه تخالف ترتيب الخليل ، فحينما وضع الخليل الأبجدية الصوتية للمعجم العربي مبتكراً لها ، خالفه سيبويه في ترتيب تلك الأصوات ، إذ بدأ بالهمزة والألف والهاء ، وقدّم الغين على الخاء ، وأخر القاف عن الكاف وهكذا . . .
    يتضح هذا من ترتيبه للحروف على هذا النحو :
    همزة . ا . هـ .
    ع . ح . غ . خ .
    ك . ق .
    ض . ج . ش .
    ي . ل . ر .
    ن . ط . د .
    ت . ص .
    ____________
    (1) ظ : سيبويه ، الكتاب : 2|405 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 53 )

    ز . س . ظ .
    ذ . ث . ف .
    ب . م . و (1) .
    وهذا وإن كان خلافاً جوهرياً في ترتيب مخارج الأصوات ، إلا أنه لا يعني أكثر من العملية الاجتهادية في الموضوع دون الخروج عن الأصل عند الخليل . « كذلك نلاحظ اختلافاً واحداً في ترتيب المجموعات الصوتية بالنظر إلى تقدمها وتأخرها ، فقد جاءت حروف الصغير في كتاب العين بعد الضاد ، وهو حرف حافة اللسان ، والذي عند سيبويه بعد الضاد : حروف الذلاقة . ونتيجة لتقديم حروف الصفير ، فقد وضع مكانها حروف الذلاقة ، ومعنى ذلك أنه في العين حدث تبادل بين حروف الصفير وحروف الزلاقة » (2) .
    إن الاختلاف من هذا القبيل لا يعدو وجهة النظر الصوتية المختلفة ، ولكنه لا يمانع أن تكون آراء سيبويه في الكتاب امتداداً طبيعياً لمدرسة الخليل ، نعم لا ينكر أن لسيبويه ابتكارته المقررة ، فنحن لا نبخس حقه ، ولا نجحد أهميته في منهجة البحث الصوتي ، فقد كان له فضل بذلك لا ينكر ، فتصنيفه لصفات الأصوات في الجهر والهمس والشدة والرخاوة والتوسط ، وكشفه لملامح الإطباق واللين ، وتمييزه لمظاهر الاستطالة والمد والتفشي ، كل أولئك مما يتوّج صوتيته بالأصالة .
    ولسيبويه قدم سبق مشهود له في قضايا الإدغام ، وهي معالم صوتية في الصميم ، فقد قدم لها بدراسة علم الأصوات ، كما قدم الخليل معجمه بعلم الأصوات ، فالخليل قد ربط بين اللغة والصوت ، وسيبويه قد ربط بين قضايا الصوت نفسها ، لأن الإدغام قضية صوتية « ونحن نقرر هنا مطمئنين أن سيبويه قد وضع قواعد هذا البحث وأحكامه لا لفترة معينة من الزمن ،
    ____________
    (1) المصدر السابق والصفحة .
    (2) حسام النعيمي ، الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جنّي : 229 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 54 )

    بل يكاد يكون ذلك نهائياً ، وكان تصرفه فيها تصرفاً رائعاً ، صادراً عن عبقرية سبقت الزمن ، فلم يكن ممن جاء بعده من العلماء والباحثين إلا أن اتبعوا نهجه ، واكتفوا بما قال ، ولم يزيدوا بعد سيبويه على ما قال حرفاً ، بل أخدوا يرددون عباراته مع كتبهم ، ويصرحون بأنهم إنما يتبعون مذهبه ، سواء في ذلك علماء النحو وعلماء القراءة » (1) .
    وقد يكون في هذا الحكم مبالغة ، ولكنه مقارب للحقيقة في كثير من أبعاده ، إذ كان سبّاقاً إلى الموضوع بحق .
    ومما يجلب الانتباة حقاً عند سيبويه في صفات الحروف ومخارجها ، هو تمييزه الدقيق بين صفة الجهر وصفة الهمس فيما أشرنا له في الفصل السابق فمصدر الصوت المجهور يشترك فيه الصدر والفم ، ومصدر الصوت المهموس من الفم وحده ، وبمعنى آخر أن للرئتين عملاً ما في صفة الجهر ، بينما ينفرد الفم بصفة الهمس (2) .
    فتعريف المجهور عنده : « حرف أشبع الاعتماد في موضعه ، ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ، ويجري الصوت . بينما المهموس : حرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه » (3) .
    وهو يعبر بالموضع هنا عن المخرج فيما يبدو ، ويجري الصوت عن الشيء الإضافي في حالة الجهر عن حالة الهمس التي يجري النفس معها لا الصوت . « وقد ظلت محاولة سيبويه تفسير المجهور والمهموس من الأصوات قانوناً سار عليه جميع من جاء بعده من النحاة والقراء . إلى أن جاءت بحوث المحدثين فصدقت كثيراً مما قاله في هذا الباب » (4) .
    ومن المفيد الرجوع إلى ما فسره في هذا المجال أستاذنا المرحوم الدكتور ابراهيم أنيس فقد أشبعها بحثاً وتنويراً (5) .
    ____________
    (1) عبد الصبور شاهين ، أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي : 198 .
    (2) سيبويه ، الكتاب : 2|284 .
    (3) المصدر نفسه : 2|405 .
    (4) عبد الصبور شاهين ، أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي : 205 .
    (5) ظ : إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : 92 وما بعدها .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 55 )

    ولا يمكن في منظورنا أن تفصل سيبويه عن مدرسة الخليل في اللغة والأصوات ، فهو الممثل الحقيقي لها فيما نقل لنا من علم الخليل في الكتاب ، وتبقى مدرسة الخليل الصوتية مناراً يستضاء به في كثير من الأبعاد لمن جاء بعده . فابن دريد ( ت : 321هـ ) مثلاً ، يذكر في مقدمة الجمهرة إفاضات الخليل بعامة ، ويضيف إليها بعض الإشارات في ائتلاف الحروف والأصوات ، ولكن هذا بالطبع لا يخرجه عن إطار هذه المدرسة في كل الأحوال ، فلديه على سبيل المثال جملة كبيرة من التسميات المتوافقة مع الخليل كالأصوات الرخوة ، والأصوات المطبقة ، والأصوات الشديدة . كما أن له بعض الاجتهادات الصوتية في أكثر الحروف وروداً في الاستعمال ، فأكثرها الواو والياء والهاء ، واقلها الظاء ثم الذال ثم الثاء ثم الشين ثم القاف ثم الخاء ثم النون ثم اللام ثم الراء ثم الباء ثم الميم (1) .
    ولا تعلم صحة هذا الاجتهاد إلا بالإحصاء . وليس كثيراً على ابن دريد الإحصاء والاستقصاء .
    وبعد مدرسة الخليل نجد ابن جني ( ت : 392 هـ ) مؤصل هذا الفن ومبرمجه ، وأول مضيف له إضافات مهمة ذات قيمة منهجية في الدراسات الصوتية ، بما تواضعنا على تسميته بـ ( الفكر الصوتي عند ابن جني ) أو أن جهود ابن جني في الأصوات ارتفعت إلى مستوى الفكر المخطط والممنهج ، فأفردناه ببحث خاص ، إذ انتهل من هذا الفكر رواد هذا الفن كما سنرى .
    ____________
    (1) ظ : ابن دريد ، جمهرة اللغة : 1|306 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 56 )

    الفكر الصوتي عند ابن جني
    نهض ابن جني ( ت : 392هـ ) بأعباء الصوت اللغوي بما يصح أن نطلق عليه اسم الفكر الصوتي ، إذ تجاوز مرحلة البناء والتأسيس إلى مرحلة التأصيل والنظرية ، فقد تمحض لقضية الأصوات في كتابه ( سر صناعة الإعراب ) مما جعله في عداد المبدعين ، وخطط لموضوعات الصوت مما اعتبر فيه من المؤصلين ، ونحن الآن بأزاء بيان المبادىء العامة لفكره الصوتي دون الدخول في جزئيات الموضوع .
    ويجدر بنا في بداية ذلك أن ننتبه لملحظين مهمين ونحن نستعرض هذا الفكر في سر صناعة الاعراب : (1)
    أ ـ إن ابن جني كان أول من استعمل مصطلحاً لغوياً للدلالة على هذا العلم ما زلنا نستعمله حتى الآن وهو « علم الأصوات » .
    ب ـ إن ابن جني يعدّ الرائد في هذه المدرسة ، وكان على حق في قوله في كتابه : « وما علمت أن أحدا من أصحابنا خاض في هذا الفن هذا الخوض ، ولا أشبعه هذا الإشباع . . . (2)
    وبدءاً من المقدمة يعطيك ابن جني منهجه الصوتي ، لتقرأ فيه فكره ، وتتلمس فلسفته ، وتتثبت من وجهته ، فيذكر أحوال الأصوات في حروف المعجم العربي ( من مخارجها و مدارجها ، وانقسام أصنافها ، وأحكام مجهورها ومهموسها ، وشديدها ورخوها ، وصحيها ومعتلها ، ومطبقها
    ____________
    (1) ظ : أحمد مختار عمر ، البحث اللغوي عند العرب : 99 .
    (2) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : 1|63 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 57 )

    و منفتحها ، وساكنها ومتحركها ، ومضغوطها ومهتوتها ، ومنحرفها و مشرّبها ، ومستويها ومكررها ، ومستعليها ومنخفضها ، إلى غير ذلك من أجناسها » (1) .
    وابن جني في هذا الاسترسال السلس يعطينا مهمة الفكر الصوتي في تحقيق المصطلحات بعامة عن طريق تشخيص المسميات التي أسماها ، وإن سبق إلى بعضها عند الخليل وسيبويه وهو لا يكتفي بهذا القدر حتى يبحث الفروق ، ويعين المميزات ويذكر الخصائص لكل حرف من هذه الأصناف ، ويفرق بينها وبين الحركات ، مع لوازم البحث ومقتضياته ، إلماماً بجميع الجوانب ، وتنقيباً عن كل النوادر المتعلقة بهذه الأبواب فيقول:
    « وأذكر فوق مابين الحرف والحركة ، وأين محل الحركة من الحرف : هل هي قبله أو معه أو بعده ؟ وأذكر أيضاً الحروف التي هي فروع مستحسنة ، والحروف التي هي فروع مستقبحة ، والحركات التي هي فروع متولدة عن الحركات ، كتفرع الحروف من الحروف . وأذكر أيضاً ما كان من الحروف في حال سكونه له مخرج ما ، فإذا حرك أقلقته الحركة ، وأزالته عن محله في حال سكونه ، وأذكر أيضاً أحوال هذه الحروف في أشكالها ، والغرض في وضع واضعها ، وكيف ألفاظها ما دامت أصواتاً مقطعة ، ثم كيف ألفاظها إذا صارت أسماء معرفة ، ما الذي يتوالى فيه إعلالان بعد نقله ، مما يبقى بعد ذلك من الصحة على قديم حاله ، وما يمكن تركبه ومجاورته من هذه الحروف وما لا يمكن ذلك فيه ، وما يحسن وما يقبح فيه مما ذكرنا ، ثم أفرد ـ فيما بعد ـ لكل حرف منها باباً أغترف فيه ذكر أحواله وتصرفه في الكلام من أصليته وزيادته ، وصحته وعلته ، وقلبه إلى غيره ، وقلب غيره إليه » (2) .
    إن هذا المنهج يكشف عن عمق الفكر الصوتي عند ابن جني إذ يعرض فيه عصارة تجاربه الصوتية دقيقة منظّمة ، ويتفرغ لبحث أصعب المشكلات الصوتية بترتيب حصيف يتنقل فيه من الأدنى إلى الأعلى ، ومن البسيط إلى المركب حتى إذا تكاملت الصورة لديه ، بدأ بالبحث المركز ،
    ____________
    (1) ابن جني ، سرصناعة الإعراب : 1|3 ـ 4 .
    (2) المصدر نفسه والصفحة .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 58 )

    فلا ترى حشوة ولا نبوة ، ولا تشاهد تكرارا أو اجتراراً ، فأنت بين يدي مناخ جديد مبوب بأفضل ما يراد من التصنيف والتأليف ، فلا تكاد تستظهر علما مما أفاض حتى يلاحقك علم مثله كالسيل اندفاعاً ، ولعل أبرز ما تعقبه في سر صناعة الاعراب لصوقا بجوهر الصوت الخالص البحوث الآتية :
    1 ـ فرق ما بين الصوت والحرف .
    2 ـ ذوق أصوات الحروف .
    3 ـ تشبيه الحلق بآلات الموسيقى ( المزمار ، العود ) .
    4 ـ اشتقاق الصوت والحرف .
    5 ـ الحركات أبعاض حروف المد .
    6 ـ العلل وعلاقتها بالأصوات .
    7 ـ مصطلحات الأصوات العشرة التي ذكرها آنفاً مع ما يقابلها .
    8 ـ حروف الذلاقة والأصمات .
    9 ـ حسن تأليف الكلمة من الحروف فيما يتعلق بالفصاحة في اللفظ المفرد ، وتأصيل ذلك على أساس المخارج المتباعدة .
    10 ـ خصائص كل صوت من حروف المعجم ، وحيثياته ، وجزئياته كافة ، بمباحث متخصصة لم يسبق إليها في أغلبها ، فهي طراز خاص في المنهج والعرض والتبويت .
    ولو أضفنا إلى مباحث ( سر صناعة الإعراب ) جملة من مباحثه في جهوده الأخرى لا سيما في كتاب ( الخصائص ) لتوصلنا من ضم بعضها لبعض إلى مجموعة مفضلة من مباحث الصوت اللغوي يمكن رصدها وتصنيفها على النحو الآتي :
    1 ـ الصوامت من الحروف والصوائت .
    2 ـ علاقة اللهجات بالأصوات .
    3 ـ علاقة الإعراب بالأصوات .


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 59 )

    4 ـ التقديم والتأخير في حروف الكلمات وتأثيرهما على الصوت .
    5 ـ علاقة الأفعال بالأصوات .
    6 ـ الإعلال والإبدال والإدغام وأثرها في الأصوات .
    7 ـ الأصوات وعلاقتها بالمعاني .
    8 ـ زيادة المبنى الصوتي وأثره في المعنى .
    ويبدو لي أن هذه هي أهم الأصول العامة لمباحث الصوت اللغوي عند ابن جني في كتابيه ، والتوسع في كل أصل يقتضي بحثاً متكاملاً في كل مقوماته ، وبذلك يتوصل إلى فكره الصوتي ، في العرض والأسلوب والنتائج ، والسبيل ميسرة أمام الباحثين ، ولا بد لنا من الإشارة لملامح هذا الفكر في نقاط ، لأننا لسنا بأزاء تتبعه ، بل بأزاء القربة إليه لرصد مميزاته ومنهجه في المعالجة والإفاضة والتصنيف .
    أولاً : لقد تتبع ابن جني الحروف في المخارج ، ورتبها ونظمها على مقاطع مستفيداً بما ابتكره الخليل ، إلا أنه كان مخالفاً له في الترتيب ، وموافقاً لسيبويه في الأغلب إلا في مقام تقديم الهاء على الألف ، وتسلسل حروف الصفير (1) .
    ويرجح الدكتور حسام النعيمي أن تقدم الهاء على الألف في كتاب سيبويه من عمل النسّاخ ، لأن ابن جني ـ وهو أقرب إلى عصر سيبويه من النسّاخ المتأخرين ـ قد نصّ على أن الألف مقدمة على الهاء عند سيبويه ، وإن حروف الصفير وهي ( الزاي ، السنين ، الصاد ) من مخرج واحد فلا يتقدم أحدها على الآخر ، فلم يبال بالتقديم والتأخير بينها لذلك (2) .
    وهكذا كان ترتيب الحروف عند ابن جني على ترتيب المخارج : الهمزة ، الألف ، الهاء ، العين ، الحاء ، الغين ، الخاء ، القاف ، الكاف ، الجيم ، الشين ، الياء ، الضاد ، اللام ، الراء ، النون ، الطاء ، الدال ، التاء ،
    ____________
    (1) قارن بين : سيبويه ، الكتاب : 2|405 + ابن جني ، سر الصناعة : 1|52 ـ 53 .
    (2) ظ : حسام النعيمي ، الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني : 301 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 60 )

    الصاد ، الزاي ، السين ، الظاء ، الذال ، الثاء ، الفاء ، الباء ، الميم ، والواو ـ (1) .
    وهذا الترتيب مخالف للخليل ، وفيه بعض المخالفة لسيبويه في ترتيبه كما يظهر هذا لدى المقارنة في جدولة الترتيبين كما سبق .
    وابن جني لا يخفي هذا الخلاف بل ينص عليه ، ويذهب إلى صحة رأيه دونهما فيقول :
    « فهذا ترتيب الحروف على مذاقها وتصعدها ، وهو الصحيح ، فأما ترتيبها في كتاب العين ففيه خطل واضطراب ، ومخالفة لما قدمناه آنفاً محاربته سيبويه ، وتلاه أصحابه عليه ، وهو الصواب الذي يشهد التأمل له بصحته » (2) .
    ثانياً : ويضيف ابن جني إتماماً لنظريته في الأصوات : ستة أحرف مستحسنة على حروف المعجم العربي ، وثمانية أحرف فرعية مستقبحة ، ولا يصح ذلك عنده إلا بالسمع والمشافهة ، حتى تكون حروف المعجم مع الحروف الفرعية المستحسنة خمسة وثلاثين حرفاً ، وهما مع الحروف الفرعية المستقبحة ثلاثة وأربعون حرفاً .
    ولا معنى لهذه الإضافات من قبله لو لم يكن معنياً بالصوت ، فحروف العربية تسعة وعشرون حرفاً ، لا شك في هذا ، ولكن الحروف المستقبحة والمستحسنة التي أضافها ، وإن لم يكن لها وجود في المعجم العربي ، إلا أن لها أصواتاً في الخارج عند السامعين ، وهو إنما يبحث في الأصوات فأثبتها ، فعادت الأصوات في العربية عنده ثلاثة وأربعين صوتاً ، وهو إحصاء دقيق ، وكشف جديد ، وتثبيت بارع .
    وقد ذهب ابن جني في هذه الحروف مذهباً فنياً تدل عليه قرائن الأحوال ، فهو يعطي استعمالها في مواطنه ، وتشخيصها في مواضعه ، فالحروف المستحسنة عنده ، يؤخذ بها في القرآن وفصيح الكلام ، وهي :
    ____________
    (1) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : 1|50 .
    (2) المصدر نفسه : 1|50 ـ 51 .

  2. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (صالح بن سعد بن حسن المطوي) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  3. #2
    رحمه الله

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2680

    الجنس : ذكر

    البلد : قطر

    معلومات علمية

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل24/7/2005

    آخر نشاط:24-03-2007
    الساعة:09:33 PM

    المشاركات:332
    تاريخ التسجيل
    24/7/2005
    البلد
    قطر
    المشاركات
    332
    1426/9/16 هـ
    « النون الخفيفة ، والهمزة المخففة ، وألف التفخيم ، وألف الإمالة ، والشين التي كالجيم ، والصاد التي كالزاي . . . والحروف الفرعية المستقبحة ، هي فروع غير مستحسنة ، لا يؤخذ بها في القرآن ولا في الشعر ، ولا تكاد توجد إلا في لغة ضعيفة مرذولة ، غير متقبلة . وهي : الكاف التي بين الجيم والكاف ، والجيم التي كالكاف ، والجيم التي كالشين ، والضاد الضعيفة ، والصاد التي كالسين ، والطاء التي كالتاء ، والظاء التي كالثاء ، والباء التي كالميم » (1) .
    ثالثاً : ويحصر ابن جني مخارج الحروف في ستة عشر مخرجاً ، ناظراً إلى موقعها في أجهزة النطق ، ومنطلقاً معها في صوتيتها ، ويسير ذلك بكل ضبط ودقة وأناقة ، فيقول :
    « واعلم أن مخارج هذه الحروف ستة عشر ، ثلاثة منها في الحلق :
    1 ـ فأولها من اسفله وأقصاه ، مخرج الهمزة والألف والهاء .
    2 ـ ومن وسط الحلق : مخرج العين والحاء .
    3 ـ ومما فوق ذلك من أول الفم : مخرج الغين والخاء .
    4 ـ ومما فوق ذلك من أقصى اللسان : مخرج القاف .
    5 ـ ومن أسفل من ذلك وأدنى إلى مقدم الفم : مخرج الكاف .
    6 ـ ومن وسط اللسان ، بينه وبين وسط الحنك الأعلى : مخرج الجيم والشين والياء .
    7 ـ ومن أول حافة اللسان وما يليها : مخرج الضاد .
    8 ـ ومن حافة اللسان من أدناها إلى منتهى طرف اللسان ، من بينها وبين ما يليها من الحنك الأعلى ، مما فويق الضاحك والناب والرباعية والثنية : مخرج اللام .
    9 ـ ومن طرف اللسان بينه وبين مافويق الثنايا : مخرج النون .
    ____________
    (1) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : 1|51 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 62 )

    10 ـ ومن مخرج النون ، غير أنه أدخل في ظهر اللسان قليلاً لانحرافه إلى اللام : مخرج الراء .
    11 ـ ومما بين طرف اللسان وأصول الثنايا : مخرج الطاء والدال والتاء .
    12 ـ ومما بين الثنايا وطرف اللسان : مخرج الصاد والزاي والسين .
    13 ـ مما بين اللسان وأطراف الثنايا : مخرج الظاء والذال والثاء .
    14 ـ ومن باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العلى : مخرج الفاء .
    15 ـ وما بين الشفتين ، مخرج الباء والميم والواو .
    16 ـ ومن الخياشيم ، مخرج النون الخفيفة ، ويقال الخفيفة أي : الساكنة ، فذالك ستة عشر مخرجاً » (1) .
    وحينما يتابع ابن جني مسيرته الصوتية في مخارج هذه الحروف ، نجده متمحضاً لها في دقة متناهية بما نعتبره أساساً لما تواضع عليه الأوروبييون باسم الفونولوجي phonology أي « التشكيل الأصواتي » أو هو النظام الصوتي في تسمية دي سوسور له وهو ما نميل إليه (2) .
    ومن خلال هذا النظام نضع أيدينا على عدة ظواهر صوتية متميزة في المنهج الصوتي عند ابن جني كشفنا عنها بصورة أولية في عمل أصواتي مستقل سبقت تغطيته (3) .
    وهنا نحاول فلسفتها بصورة متكاملة مقارنة بظروفها المماثلة في الفكر الصوتي الإنساني ، فيما حقق من نظام أصواتي حديث لا يختلف كثيراً عما أبداه ابن جني في الظواهر الآتية :

    1ـ مصدر الصوت ومصطلح المقطع :
    يتحدث ابن جني عن مصدر الصوت ، وكيفية حدوثه ، وطريق
    ____________
    (1) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : 1|52 ـ 53 .
    (2) ظ : دي سوسور ، علم اللغة العام : 51 .
    (3) ظ : المؤلف ، منهج البحث الصوتي عند العرب : بحث .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 63 )

    خروجه ، وعوامل تقاطعه ، واختلاف جرسه بحسب اختلاف مقاطعه ، وبذلك يعطينا الفروق المميزة بين الأصوات والحروف فيقول :
    « إعلم أن الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلاً متصلاً ، حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته ، فيسمى المقطع أينما عرض له حرفاً ، وتختلف أجراس الحروف بحسب مقاطعها ، وإذا تفطنت لذلك وجدته على ما ذكرته لك ، ألا ترى أنك تبتدىء الصوت من أقصى حلقك ، ثم تبلغ به أي المقاطع شئت ، فتجد له جرساً ما ، فإن انتقلت عنه راجعاً منه أو متجاوزاً له ثم قطعت ، أحسست عند ذلك صدى غير الصدى الأول ، وذلك نحو الكاف ، فإنك إذا قطعت بها سمعت هنا صدى ما ، فإن رجعت إلى القاف سمعت غيره ، وإن جزت إلى الجيم سمعت غير ذينك الأولين . . . (1)
    هذا العرض في إحداث الصوت كشف لنا عن مصطلح حديث عند الأوروبيين هو المقطع ، وأقف عنده لما استقطبه هذا الاصطلاح الذي سيره « ابن جني » من مناقشات وممارسات أصواتية متميزة ، كان هو الأساس فيها في الدلالة الدقيقة على المعنى المراد دون غيره عند الأصواتيين العالميين .
    الأصوات عادة تتجمع في وحدات ، تكون تلك الوحدات أكبر من الأصوات بالضرورة ، لأنها أطول مسافة صوتية ، فتشكل في أكثر من صوت وحدة صوتية معينة ، وأهم هذه الوحدات هو المقطع الذي تذوقه ابن جني ، فرأى فيه ما يثني الكلام عن استطالته وامتداده تارة ، وما تحس به صدى عند تغير الحرف غير الصدى الأول تارة أخرى .
    والتعريف البسيط للمقطع هو « تأليف أصواتي بسيط ، تتكون منه واحداً أو أكثر كلمات اللغة ، متفق مع إيقاع التنفس الطبيعي ، ومع نظام اللغة في صوغ مفرداتها » (2) .
    وقد جرى تأليف المقطع العربي على البدء بحرف صامت ، ويثنى
    ____________
    (1) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : 1|6 .
    (2) عبد الصبور شاهين ، علم الأصوات ـ الدراسة : 164 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 64 )

    بحركة ، ولا يبدأ بحركة إطلاقاً خلافاً للغات الأوروبية .
    ومن المبادىء الأساسية أن اللغة العربية تبدأ كلماتها بمتحرك واحد ، وتختمها إما بحركة ، فهو المقطع المفتوح . وإما بصامت ، فهو المقطع المقفل . ومن غير الممكن في العربية أن تبدأ الكلمة بمجموعة من الصوامت ، أو أن يتخلل الكلمة أكثر من صامتين متجاورين ، أو أن تختم الكلمة بمجموعة من الأصوات الصامتة (1) .
    إذن : حرف صامت + حركة = مقطع ، وهذا هو المقطع القصير ، وقد يضاف إلى هذا حرف صامت ، أو حركة أخرى ، فيكون المقطع طويلاً ، لأنه تجاوزالحد الأدنى من التكوين ، وهو الحرف والحركة ، وتخطاهما إلى ثالث ، حركة كان هذا الثالث أم حرفاً .
    والعربية عادة تتكون الغالبية العظمى من كلماتها من ثلاثة مقاطع في المادة دون اشتقاقها ، ففي الثلاثي خذ كلمة : « ذَهَب » في ثلاثة مقاطع هي : ذَ | هَـ | بَ ، وكل مقطع هنا مكوّن من حرف وحركة كما ترى .
    قال ابن جني ، مستفيداً بما قدمه الخليل (2) : « إن الأصول ثلاثة : ثلاثي رباعي وخماسي ، فأكثرها استعمالاً ، وأعدلها تركيباً الثلاثي ، وذلك لأنه : حرف يبتدأ به ، وحرف يحشى به ، وحرف يوقف عليه . وليس اعتدال الثلاثي لقلة حروفه حسب ، لو كان كذلك لكان الثنائي أكثر منه لأنه أقل حروفاً . . . فتمكن الثلاثي إنما هو لقلة حروفه لعمري ، ولشيء آخر هو حجز الحشو الذي هو عينه بين فائه ولامه ، وذلك لتعادي حاليهما . ألا ترى أن المبتدأ لا يكون إلا متحركاً وأن الموقوف عليه لا يكون إلا ساكناً ، فلما تنافرت حالاهما وسطوا العين حاجزاً بينهما لئلا يفجأوا والحسّ بضد ما كان آخذاً فيه » (3) .
    لقد أدرك الأصواتيون العرب هذا التخطيط المقطعي من ذي قبل
    ____________
    (1) ظ : عبد الصبور شاهين ، أثر القراءات في الأصوات والنحو العربي : 409 .
    (2) ظ : عبارة الخليل في العين : 1|49 .
    (3) ابن جني ، الخصائص : 1|55 ـ 56 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 65 )

    فأكدوا عليه حتى في تقطيع الوزن العروضي للشعر عند الخليل في حدود ، وهو ما أثبته ابن جني في برمجيته للمقاطع في تفصيله .
    ولقد أفاد الأوروبيون من هذا الملحظ إفادة تامة ، فقد كان المقطع ـ تبعاً للتفكير التقليدي عند الغربيين ـ يتكون من حركة تعتبر دعامة أو نواة ، يحوطها بعض الصوامت consonnes وعليه بني اسم consonne أي الذي يصوّت مع شيء آخر ، وهو الذي لا يصوت وحده ، وأطلق على الحركات اسم مصوتات sonnetes لأنها قادرة على التصويت دون الاعتماد على شيء آخر ، ومن هنا كان المفهوم الوظيفي للمقطع ، كما جاءت أفكار الحركات والصوامت (1) .
    وهو نفسه ما تحدث عنه ابن جني ، وهو الواقع في الفكر الصوتي عند العرب فالحرف لا ينطق وحده فيشكل صوتاً ، إلا بانضمام الحركة إليه ، فيتكون بذالك المقطع الصالح للتصويت .
    ويرى أتوجسبرسن otto Jespersen: أن الوحدات الأصواتية تتجمع حول الوحدة الأكثر إسماعاً ، بحسب درجة الوضوح السمعي ، والمقطع طبقاً لرأيه هو المسافة بين حدين أدنيين من الوضوح السمعي .
    إن نظرية جسبرسن من بين ما ارتضاه عالم الأصوات الانجليزي دانيال جونز ، فهي وصف جيد للمقطع المثالي ، ولكنها لا تقول شيئاً لنا عما هو جوهري في المقطع ، ولا تقول لنا : أين الحد بين المقاطع ، وهو ما يطلق عليه الحد المقطعي (2) .
    حقاً لقد كان البنيوي السويسري فرديناند دي سوسور أقرب إلى الفكر العربي في تصوره لحدود المقطع الصوتي على أساس درجة الانفتاح في الأصوات ، إذ تتجمع الصوامت حول الحركات تبعاً لدرجة الانفتاح ، فالحد المقطعي يوجد ويتوافر حين يكون التنقل من صوت أكثر انغلاقاً إلى صوت أكثر انفتاحاً (3) .
    ____________
    (1) ظ : برتيل مالمبرج ، علم الأصوات : 155 .
    (2) ظ : المرجع نفسه بتصرف : 157 .
    (3) ظ : دي سوسور ، علم اللغة العام : 77 وما بعدها .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 66 )

    إن هذا التوصل إلى حدود المقطع وتعريفاته عند الأوروبيين هو الذي ذهب إليه ابن جني ، وأضاف إليه ذائقة كل مقطع ، قال : « وسبيلك إذا أردت اعتبار صدى الحروف أن تأتي به ساكناً لا متحركاً ، لأن الحركة تقلق الحرف عن موضعه ومستقره ، وتجتذبه إلى جهة الحرف التي هي بعضه ، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله ، لأن الساكن لا يمكن الابتداء به ، فتقول : اك . اق . اج ؛ وكذلك سائر الحروف ، إلا أن بعض الحروف أشد حصراً للصوت من بعضها » (1) .
    وهذا ما نتعتبره ابتكاراً لم يسبق إليه ، إلا فيما عند الخليل في ذواقة للأصوات اب | ات | اع | اغ (2) .
    فإنها مقاطع طويلة مقفلة تكونت من ثلاثة عناصر في كل منها هي الألف والكسرة والحرف : ب | ت | ع | غ .
    والمدهش حقاً عند ابن جني أن يهتدي الى سر المقطع من خلال تصريفه لشؤون الحركات ، فهو يعتبر الحركة صوتياً تتبع الحرف ، فتجد بهما الصوت يتبع الحرف « وإنما هذا الصويت التابع لهذه الحروف ونحوها ما وقف عليها ، لأنك لا تنوي الأخذ في حرف غيرها ، فيتمكن الصويت فيظهر ؛ فأنما إذاوصلت هذه الحروف ونحوها فإنك لا تحس معها شيئاً من الصوت كما تجده معها إذا وقف عليها » (3) .

    2 ـ جهاز الصوت المتنقل :
    يتحدث ابن جني عن جهاز الصوت الممتنقل ، أو مجموعة الأجهزة الصوتية في الحلق والفم ، وسماعنا تلك الأصوات المختلفة ، وذلك عند ذائقته للحرف العربي ، ووجدانه الاختلاف في أجراسه ، والتباين في أصدائه فشبه الحلق بالمزمار ، ووصف مخارج الحروف ومدارجها بفتحات هذا المزمار ، وتتوجه عنايه بمجرى الهواء في الفم عند إحداث الأصوات ،
    ____________
    (1) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : 1|7 .
    (2) ظ : الخليل ، العين : 1|47 .
    (3) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : 1|7 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 67 )

    ويشبهه بمراوحة الزامر أنامله على خروق الناي لسماع الأصوات المتنوعة والتشعبة بحسب تغييره لوضع أنامله لدى فتحتات المزمار ، « فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المسنوقة ، وراوح بين أنامله ، اختلفت الأصوات ، وسمع لكل منها صوت لايشبه صاحبه ، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم ، باعتماد على جهات مختلفة ، كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة » (1) .
    وكذلك تعقيبه على هذا التمثيل في إحداث الصوت بالنسبة لأوضاع أجهزة الصوت ، بتشبيهه ذلك بوتر العود ، وكيفيية ضربه ببعض أصباع اليسرى أو جسة في اليمنى مما يحدث أصواتاً مختلفة عند تلقي الأذن لذلك فتتذوق من خلال ذلك جوهر الصوت ، كما تتذوقه في أصوات الحروف تبعاً للرقة والصلابة في الوتر ، وكذلك الحال بالنسبة للوترين الصوتيين في جهاز النطق الصوتي عند الإنسان ، يقول :
    « ونظير ذلك أيضاً وتر العود ، فإن الضارب إذا ضربه وهو مرسل سمعت له صوتاً ، فإن حصر آخر الوتر ببعض أصابع يسراه ، أدى صوتاً آخر ، فإن أدناها قليلاً ، سمعت غير الإثنين ، ثم كذلك كلما أذنى إصبعه من أول الوتر غفلاً غير محصور ، تجده بالإضافة إلى ما أداه وهو مضغوط محصور ، أملس مهتزاً ، ويختلف ذلك بقدر قوة الوتر صلابته ، وضعفه ورخاوته ، فالوتر في هذا التمثيل كالحلق ، والخفقة بالمضراب عليه كأول الصوت في أقصى الحلق ، جريان الصوت فيه غفلاً غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة ، وما يعترضه من الضغط والحصر بالأصابع كالذي يعرض للصوت في مخارج الحروف من المقاطع ، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا » (2) .
    إن ما أبداه ابن جني من تفصيل تمثيلي دقيق لجهاز النطق عند الإنسان وأثر انطلاق الهواء مضغوطاً وغير مضغوط في إحداث الأصوات مختلفة بحسب إرادة الناطق أو الموصوّت : هو ما تبناه علم الأصوات
    ____________
    (1) ابن جني ، سر صناعة الإعراب : 1|9 .
    (2) المصدر نفسه : 1|9 ـ 10 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 68 )

    الفيزيولوجي ( physiology ـ phonnetics ) في الحديث عن الجهاز التنفسي الذي يقدم الهواء المناسب لتكييف حدوث الأصوات ، وعن الحنجرة باعتبارها مفجرة الطاقة الصوتية ، وعن التجاويف فوق المزمارية التي تلعب دور عزف الرنين في إنتاج غالبية الضوضاء المستخدمة في الكلام ، وعن دور التنفس في مرحلتي الشهيق والزفير في اتساع القفص الصدري لدى الشهيق ، فيدعو الهواء الخارجي بسبب هبوط الحجاب الحاجز ، وارتفاع الأضلاع إلى الدخول من فتحتي الأنف أو الفم عبر القصبة الهوائية إلى الرئتين ، فتنتج أصواتاً استثنائية مسموعة عند الأطفال ، أو في حالتي النشيج والضحك .
    أما الزفير فيتشمل على ارتفاع الحجاب الحاجز ، وهبوط الأضلاع ، ونتيجة لهذا يندفع الهواء بكمية كبيرة من الرئتين ، هذا الهواء المندفع بالزفير هو الذي يستخدم في التصويت (1) .
    إن هذا التحليل الحديث في حدوث الأصوات من وجهة نظر علمية أو تشريحية هو الذي أراده ابن جني في عنايته بمجرى الهواء في عملية إحداث الأصوات ، ولكن بأسلوب يتجاوز مناخ بيئته إلى البيئات المعاصرة ، وتشبيهه لهذا الجهاز بمراوحة الزامر أنامله في خرو الناي لسماع الأصوات لم يعد اليوم تشبيهاً بل عاد تسمية اصطلاحية في علم الأصوات الفيزيولوجي بالنسبة للتصويت ، إذ تطلق كلمة المزمار على الفراغ المثلث المحاط بالحبلين الصوتيين « فالمزمار يكون مفتوحاً في التنفس العادي ، كما يكون مفتوحاً خلال النطق ببعض الصوامت المهموسة ، أما خلال التصويت فإن المزمار يجب أن ينغلق ، على طول الخط الوسيط ، فإذا بقي الجزء الموجود بين الغضروفين الهرميين مفتوحاً ، بحيث يسمح للهواء بالمرور سمعنا صوتاً مستسراً هو صوت الوشوشة ، وإذا كان الإئتلاف كاملاً كان المزمار في وضع الاستعداد للتذبذب . . . ومن الممكن أيضاً أن نقصر التذبذب على جزء من الحبل الصوتي ، وبذلك نختصر طول الجسم المتذبذب ، وهو ما يعطينا نغمة أكثر حدة . هذه المعطيات الفيزيولوجية تتفق اتفاقاً كاملاً مع القوانين الفيزيقية التي تحكم التردد
    ____________
    (1) ظ : برثيل مالمبرج ، علم الأصوات : 43 بتصرف .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 69 )

    الخاص باسم التذبذب » (1) .
    أستطيع القول من خلال النص المتقدم دون مبالغة أو تردد : إن هذا النص يكاد أن يكون ترجمة عصرية لرأي ابن جني في تشبيهه جهاز الصوت لدى التذبذب في إخراج الأصوات بالمزمار ، الذي أصبح اليوم نقطة انطلاق الأصوات باعتباره فراغاً يحاط بالوترين الصوتين ، إذ لم يكن هناك بد عند ابن جني من تلمس جهاز ملموس للاستدلال من خلاله على قضية يصعب الاستدلال عليها في عصره دون النظر إلى ذلك الجهاز ، أما التشبيه الذي عاد اليوم مظنة لمساحة نطقية قرب الحنجرة ، فإنه قد لوّن بصبغة خاضعة لعلم التشريح ، وليس عصر ابن جني عصر تشريح ، ولا هو بمتخصص فيه مع فرض وجود أوليات الموضوع . لذلك جاءت هذه الترجمة معبرة عن رأيه ، أو كاشفة عن تخطيطه تلقائياً ، وحاكية لتشبيهه تمثيلياً ، والأمر المنتزع من الحس ، إذ أقيم عليه الدليل الفعلي ، كان مقارباً للأفهام ، ومسايراً لحركة التفكير .
    لقد كان ابن جني موضوعياً في صفة الجهاز المتنقل في الأصوات مما جعله في عداد المؤسسين .

    3 ـ أثر المسموعات في تكوين الأصوات :
    ويتمرس ابن جني بعض الحقائق الصوتية ، ولكنه يعرضها بحذر ويقظة ، وقد ينسبها إلى بعض الناس ، وما يدرينا فلعلها له لأنه من بعضهم ، إلا أن له وجهة نظر قد تمنعه من التصريح بها لأسباب عقيدية ، قد لا يسيغها المناخ الاجتماعي في نظره وإن كانت واقعاً .
    فهو يتحدث عن صدى الصوت في بداية تكوين اللغة ، وأثر المسموعات الصوتية في نشوء الأصوات الإنسانية ، وهو ينقل ذلك عن بعضهم ، ولكنه يذهب إليه باعتباره مذهباً متقبلاً ، ووجهاً صالحاً للتعليل ، دعماً لنظريته الصوتية التي يربط بها الأشباه والنظائر ، ويحشد لها الدلائل والبراهين ، فيقول :
    ____________
    (1) المرجع السابق : 47 وما بعدها باختصار .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 70 )

    « وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات إنما هو من الأصوات المسموعات ، كدوي الريح ، وحنين الرعد ، وخرير الماء ، وشحيج الحمار ، ونعيق الغراب ، وصهيل الفرس ، ونزيب الظبي ونحو ذلك ، ثم ولدت اللغات عن ذلك .
    وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل » (1) .
    فهو يربط بين الأصوات الإنسانية ، وبين أصداء الطبيعة حيناً ، وأصوات الكائنات الحيوانية حيناً آخر ، مما هو من ظوهر الموجودات في الكون ، وبين تكوين اللغات التي نشأت من هذه الأصوات في بداياتها الأولى .
    « وقد ذهب إلى هذا الرأي معظم المحدثين من علماء اللغة وعلى رأسهم العلامة وتني Whitney » (2).
    وهذا ما يوقفنا على رأي الأوروبيين ، وتعليلهم الصوتي في أصل نشوء اللغات ؛ وأهمها في نظرنا ما يوافق ابن جني المنقول آنفاً ، والقائل بامتداد الصوت عند الأنسان عن الصوت الطبيعي للأشياء ، او الصوت الحيواني غير العاقل ، وأن جملة اللغات الإنسانية قد انحدرت من تلك الأصوات .
    وهذا لا يمانع أن يكون الله سبحانه وتعالى هو ملهم الأصوات ، ومنشىء اللغات ، ومعلم الكائنات ، فهذا هو الاعتقاد الصحيح الذي لا تشوبه شائبة ، فالكلام عن هذا شيء والبحث عن أصل اللغات في انطلاق الأصوات شيء آخر .
    على أن هناك رأياً آخر يذهب إلى أن أستعمال الإنسان لجهازه الصوتي كان عن طريق التأوهات والشهقات التي صدرت عنه بصورة لا إرادية ، وذلك حينما عبر عن آلامه حيناً ، وآماله حيناً آخر (3) .
    ____________
    (1) ابن جني ، الخصائص : 1|46 ـ 47 .
    (2) علي عبد الواحد وافي ، علم اللغة : 95 .
    (3) ظ : في تفصيل هذه النظريات ، أبراهيم أنيس ، دلالة الألفاظ : 20 ـ 35 .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 71 )

    4 ـ محاكاة الأصوات :
    وقد ذهب ابن جني مذهباً صوتياً فريداً يربط بين الصوت والفعل تارة ، وبين الصوت والاسم تارة أخرى ، ويبحث علاقة كل منهما بالأخر علاقة حسية ومادية متجسدة ، فجرس الألفاظ ووقعها فيما يحدثه من أصوات وأصداء سمعية قد يكون متجانساً ومقارباً لنوعية عنده فيقول :
    « فإن كثيرا من هذه اللغة وجدته مضاهياً بأجراس حروفه أصوات الأفعال التي عبر بها عنها ، ألا تراهم قالوا : قضم في اليابس ، وخضم في الرطب. وذلك لقوة القاف وضعف الخاء ، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى ، والصوت الأضعف للفعل الأضعف » (1) .
    وتجده يلائم بين الصوت اللغوي وعلاقته بصوت الطائر في الاستطالة والقطع ، فالراء مرددة مكررة مستطيلة ، وصوت الجندب مثلاً مستطيل ، فجعلت له « صرّ » مشددة ، وصوت البازي مثلاً متقطع ، فقطعت الراء فكانت « صرصر » وذلك ما رآه :
    « وكذلك قالوا «صر الجندب » فكرروا الراء لما هناك من استطالة صوته ، وقالوا « صرصر البازي » لما هناك من تقطيع صوته » (2) .
    وفي هذا المجال فإن ابن جني لا يقف عند هذا الحد من النظرية والتطبيق ، بل يربط أحياناً بين الأصوات وبين ما سمي به الشيء ، نظراً لمشابهته لذلك الصوت المنطلق من التسمية ، كالبط لصوته ، والواق للصرد لصوته ، وغاق للغراب لصوته (3) .
    وهو بهذا يذهب مذهب من يجد مناسبة ما بين الصوت والمعنى ، لا سيما عند البلاغيين في التماس علاقة اللفظ بالمعنى ، أو في الدلالة الحسية للفظ بالمعنى ، وهو من باب تسمية الشيء باسم صوته ، وتلك مقولة صحيحة في جملة من الأبعاد ، وحقيقة في كثير من المسميات والتسميات.
    ____________
    (1) ابن جني ، الخصائص : 1|65 .
    (2) المصدر نفسه : 1|165 .
    (3) المصدر نفسه 2|165.
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 72 )

    وابن جني يؤكّد هذه الحقيقة في المفردات اللغوية ، ليعطيها صفة صوتية متمازجة ، فالعرب « قد يضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبر عنها بها ترتيبها ، وتقديم ما يضاهي أول الحديث ، وتأخير ما يضاهي آخره ، وتوسيط ما يضاهي أوسطه ، سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المطلوب ، وذلك كقولهم : بحث ، فالباء لغلظها تشبه بصوتها خفقة الكف على الأرض ، والحاء لصلحها تشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب ونحوهما إذا غارت في الأرض ، والثاء للنفث والبث للتراب « (1) .
    ولا غرابة بعد هذا أن نجد صيغتين من صيغ العربية تدلان على الحدث الصوتي من جانبين :
    أ ـ فعال ، وتستعمل في جزء كبير منها للدلالة على الأصوات والضوضاء مثل : صراخ .
    ب ـ فعللة ، فإنها تستعمل في العربية في جزء كبير منها للدلالة على حكايات الأصوات مثل : « الغرغرة » فإن صوتها من جنس تشكيل حروفها لفظياً ، وإن معناها صدى من أصداء صوتها .
    هذا نفسه هو ما ينجم عن التوليد الصوتي للألفاظ عند الأوروبيين ، كما في الكلمة ( قهقه ) والأصوات فيها دليل من دلائل المعنى ، وإذا أضفنا إلى ( قهقه ) ( تمايل ) فإننا سنجد في الكلمة الأولى حدث تقليد صوت لصوت آخر ، وفي الثانية ترجمت الحركة ترجمة بيانية بوسائل صوتية .
    والمصطلح الذي يغلب إطلاقه في حالة الكلمات التي من هذا النوع هو ( محاكاة الأصوات Onomatopeid ) (2) .
    هذه جولة قد تكون نافعة فيما أوجده لنا ابن جني من تأصيل صوتي لكثير من الملامح والخصائص والمكتشفات .
    ____________
    (1) ابن جنيّ ، الخصائص : | 162 ـ 163 .
    (2) ظ : ستيفن أولمان ، دور الكلمة في اللّغة : 73 ـ 74 بتصرف .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 73 )

    القرآن والصوت اللغوي
    اتخذت المباحث الصوتية عند العرب القرآن أساساً لتطلعاتها ، وآياته مضماراُ لاستلهام نتائجها ، وهي حينما تمازج بين الأصوات واللغة ، وتقارب بين اللغة والفكر ، فإنما تتجه بطبيعتها التفكيرية لرصد تلك الأبعاد مسخرة لخدمة القرآن الكريم ، فالقرآن كتاب هداية وتشريع لا شك في هذا ، ولكنه من جانب لغوي كتاب العربية الخالد ، يحرس لسانها ، ويقوّم أود بيانها ، فهي محفوظة به ، وهو محفوظ بالله تعالى : ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون ) (1) . لهذا بقيت العربية في ذروة عطائها الذي لا ينضب ، وظلت إضاءتها في قمة ألقها الذي لا يخبو ، فكم من لغة قد تدهورت وتعرضت لعوامل الانحطاط ، وانحسرت أصالتها برطانة الدخيل المتحكم من اللغى الأخرى ، فذابت وخمد شعاعها الهادي ؛ إلا العربية فلها مدد من القرآن ، ورافد من بحره المتدفق بالحياة ، تحسه وكأنك تلمسه ، وتعقله وكأنك تبصره ، فهو حقيقة مستطيلة لا تجحد ، مسك القرآن باللسان العربي عن الانزلاق ، وأفعم التزود اللغوي عن الارتياد في لغات متماثلة ، حتى عاد اللسان متمرساً على الإبداع ، والتزود سبيلاً للثقافات الفياضة ، لا يحتاج إلى لغة ما ، بل تحتاجه كل لغة .
    ورصد أية ظاهرة لغوية يعني العناية باللغة ذاتها ، ويتوجه إلى ترصين دعائمها من الأصل ، لأن الأصوات بانضمام بعضها إلى بعض تشكل مفردات تلك اللغة ، والمفردات وحدها تمثل معجمها ، وبتأليفها تمثل الكلام في تلك اللغة ، والقدرة على تناسق هذا الكلام وتآلفه ، من مهمة
    ____________
    (1) الحجر : 9 .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 74 )

    الأصوات في تناسقها وتآلفها ، وتنافر الكلمات وتهافتها قد يعود على الأصوات في قرب مخارجها أو تباعدها ، أو في طبيعة تركيبها وتماسها ، أو من تداخل مقاطعها وتضامهّا ، ذلك أن اللغة أصوات . « ومصدر الصوت الإنساني في معظم الأحيان هو الحنجرة ، أوبعبارة أدق : الوتران الصوتيان فيها ، فاهتزازات هذين التوترين هي التي تنطلق من الفم أو الأنف ثم تنتقل خلال الهواء الخارجي » (1) .
    ولغتنا العربية كبقية لغات العالم ؛ عبارة عن أصوات متآلفة تنطلق من الوترين الصوتيين لتأخذ طريقها إلى الخارج .
    بيد أن العربية سميت باسم صوت متميز بين الأصوات فعاد معلماً لها ، ومؤشراً عليها ، فقيل : لغة الضاد .
    ومع أن ابن فارس ( ت : 395 هـ ) يقول :
    « ومما اختصت به لغة العرب الحاء والظاء » (2) . إلا أن الضاد يبقى صوتاً صارخاً في العربية لا مشابه له في اللغات العالمية ، بل وحتى في اللغات السامية القريبة الأصر من اللغة العربية ، وكان لهذا الصوت نصيبه من الالتباس بصوت « الظاء » فكانت الإشارة منا في عمل مستقل إلى الاختلاف فيما بين الضاد والضاء حتى عند العرب انفسهم ، وأن الالتباس بالضاد كان ناجماً عن مقاربتها للضاء في الآداء ، وعدم تمييز هذين الصوتين حتى لدى العرب المتأخرين عن عصر القرآن (3) .
    ومن عجائب القرآن الأدائية ، وضعه هذين الصوتين في سياق واحد ، وبعرض مختلف ، في مواضع عديدة من القرآن ، ذلك من أجل الدربة الدقيقة على التلفظ بهما ، والمران على استعمالهما منفصلين ، بتفخيم الضاد وترقيق الضاء ، قال تعالى : ( ... ولئن رجعت إلى ربى إنّ لي عنده للحسنى فلننبئنّ الّذين كفروا بما عملوا ولنذيقنّهم من عذاب غليظ * وإذا أنعمنا على
    ____________
    (1) إبراهيم أنيس ، الأصوات اللغوية : 8 .
    (2) ابن فارس ، الصاحبي في فقه اللغة : 100 .
    (3) المؤلف ، منهج البحث الصوتي عند العرب : بحث .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 75 )

    الإنسان اعرض ونئا بجانبه وإذا مسّه الشّرّ ) (1) . فالظاء في ( غليظ ) والضاد في ( أعرض ) و في ( عريض ) مما تواضع الأوئل على قراءته بكل دقة وتمحيص ، وميزوا بذائقتهم الفطرية فيما بين الصوتين .
    والحاء بالعربية تنطق « هاء » في بعض اللغات السامية ، وكذلك صوتها في اللغات الأوروبية ، فهما من مخرج واحد « ولولا هتة في الهاء لأشبهت الحاء لقرب مخرج الهاء من الحاء » (2) .
    ولعمق التوجه الصوتي في القرآن لدى التمييز بين المقاربات نجده يضعهما في سياق واحد في كثير من الآيات ، من أجل السليقة العربية الخالصة ، قال تعالى :
    ( فسيحوا في الأرض اربعة أشهر واعلموا انكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكفرين * وأذن من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر . . . ) (3) .
    فالحاء من « فسيحوا » والهاء من «أشهر » في الآية الأولى إلى جنب الهاء من « الله ورسوله » والحاء من «الحج » في الآية الثانية ، جاءت جميعها بسياق قرآني متناسق في هدف مشترك للتمييز بين الصوتين حيناً ، وللحفاظ على خصائص العربية حيناً آخر ، ولبيان اختلاطهما عند غير العربي المحض ، فلا يستطيع أداء « الحاء » تأديته « الهاء » إذ قد يلتبسان عليه ، وهو جانب فني حرص القرآن على كشفه بعيداً عن الغرض الديني إلا في وجوب أداء القرآن قراءة كما نزل عربياً مبيناً .
    لهذا نرى أن القرآن هو القاعدة الصلبة للنطق العربي الصحيح لجملة أصوات اللغة ، ولا سيما الضاد والظاء أوالحاء والهاء ، في التمرس عليهما والتفريق الدقيق بينهما .
    ولقد كان سليماً جداً ما توصل إليه صديقنا المفضل الدكتور أحمد مطلوب عضو المجمع العلمي العراقي بقوله :
    ____________
    (1) حم السجدة ( فصلت ) : 50 ـ 51 .
    (2) الخليل ، كتاب العين : 1|57 .
    (3) التوبة : 2ـ 3 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 76 )

    « إن من أهم خصائص العربية ثبات أصوات الحروف فيها ، لأن جوهر الصوت العربي بقي واضحاً ، وهو ما يتمثل في قراءة القرآن الكريم وإخراج الحروف الصامتة إخراجاً يكاد يكون واحداً » (1) . لأن اللغة العربية تستمد أصولها من القرآن ، بل تبقى أصولها ثابتة في القرآن ، وأولويات هذه الأصول هي الأصوات لأن الأصوات أصل اللغات .
    ولا غرابة بعد هذا أن يكون استقراء ملامح الظاهرة الصوتية في التراث العربي الإسلامي يوصلنا إلى أن القرآن الكريم هو المنطلق الأساس فيها ، وأنه قد نبه بتأكيد بالغ على مهمة الصوت اللغوي في إثارة الإحساس الوجداني عند العرب ، وإيقاظ الضمائر الإنسانية للتوجه نحوه لدى استعماله الحروف الهجائية المقطعة في جمهرة من فواتح السور القرآنية ، وفي أسرار فواصل الآيات ، وفي قيم الأداء القرآني ، وفي الدلالة الصوتية للألفاظ في القرآن ، وهو ما خصصت له هذه الرسالة فصولاً مستقلة ، شكلت المادة الأولية للبنات الموضوع ، ونهضت بمفصّل حيثيات الصوت اللغوي في القرآن .
    ولا بد من الإشارة هنا إلى أن البداية في اعتماد الصوت اللغوي في القرآن ضمن الدراسات العربية قد جاء ضمن مجموعتين دراستين هما : الدراسات القرآنية والدراسات البلاغية ، ولا بد من الإشارة قبل ذلك إلى تردد جهود بعض الفلاسفة الموسوعيين لمجمل حياة الأصوات تمهيداً لخوضها في القرآن .
    فهذا ابن سينا ( ت : 428 هـ ) يضع رسالة متخصصة نادرة في الأصوات أسماها ( أسباب حدوث الحروف ) (2) . وقد كان متمرساً فيها للإشارات الصوتية وتمييزها في الأسماع ، وتحدث عن مخارج الأصوات وغضاريف الحنجرة ، وعرض للفم واللسان تشريحياً وطبياً وتركيبياً ، وعني عناية خاصة بترتيب مخارج الصوت العربي مقارناً باللغات الأخرى بحسب تركيب أجهزة الصوت الإنساني ، وبحث مميزات الحرف العربي صوتياً ،
    ____________
    (1) أحمد مطلوب ، بحوث لغوية : 27 .
    (2) طبعت في القاهرة ، 1332 هـ + 1352هـ .


    وحكم جهازه السمعي في معرفة الأصوات وأثر تذبذبها . وأما الدراسات القرآنية ، فقد انطلقت إلى دراسة الأصوات من خلال الفصول القادمة في الرسالة ضمن موضوعاتها الدقيقة المتخصصة ، وكانت على نوعين كتب إعجاز القرآن وكتب القراءات . أما كتب إعجاز القرآن ، فقد كان المجلي فيها بالنسبة للصوت اللغوي علي بن عيسى الرماني ( ت : 386 هـ ) فهو أبرز الدارسين صوتياً ، وأقدمهم سبقاً إلى الموضوع ، وأولهم تمرساً فيه ، إلا أنه بالضرورة قد مزج بين دراسة الأصوات وعلم المعاني مطبقاً تجاربه في باب التلاؤم تارة ، ومتخصصاً لدراسة فواصل الآيات بلاغياً كما سيأتي في موضعه .
    أما التلاؤم الصوتي عند الرماني فهو نقيض التنافر ، والتلاؤم تعديل الحروف في التأليف ، لأن تأليف الكلام على ثلاثة أوجه : متنافر ، ومتلائم في الطبقة الوسطى ، ومتلائم في الطبقة العليا (1) .
    ويعود الرماني بالتلاؤم إلى تجانس الأصوات ، ولما كانت أصوات القرآن متجانسة تماماً ، فإن القرآن كله متلائم في الطبقة العليا ، وذلك بيّن لمن تأمله ، والفرق بين القرآن و بين غيره من الكلام في تلاؤم الحروف على نحو الفرق بين المتنافر والمتلائم في الطبقة الوسطى ، وبعض الناس أشد إحساساً بذلك وفطنة له من بعض (2) .
    ويبحث الرماني التلاؤم في أصوات القرآن من وجوه :
    1 ـ السبب في التلاؤم ويعود به إلى تعديل الحروف في التأليف ، فكلما كان أعدل كان أشد تلاؤماً .
    2 ـ والفائدة في التلاؤم ، يعود بها إلى حسن الكلام في السمع ، وسهولته في اللفظ ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة .
    3 ـ وظاهرة التلاؤم ، ويعود بها إلى مخارج الحروف في اختلافها ،
    ____________
    (1) الرماني ، النكت في إعجاز القرآن : 94 .
    (2) المصدر نفسه : 95 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 78 )

    فمنها ما هو من أقصى الحلق ، ومنها ما هو من أدنى الفم ، ومنها ما هو في الوسط بين ذلك .
    « والتلاؤم في التعديل من غير بعد شديد أو قرب شديد . وذلك يظهر بسهولته على اللسان ، وحسنه في الأسماع ، وتقبله في الطباع ، فإذا انضاف إلى ذلك حسن البيان في صحة البرهان في أعلى الطبقات ؛ ظهر الإعجاز للجيد الطباع البصير بجواهر الكلام » (1) .
    و أما كتب القراءات ، فقد انتهى كثير منها بإعطاء مصطلحات صوتية اقترنت بالنحو تارة وباللغة تارة أخرى ، وتمحضت للصوت القرآني بينهما ، وكان ذلك في بحوث متميزة برز منها : الإدغام ، الإبدال ، الإعلال ، الإخفاء ، الإظهار ، الإشمام ، الإمالة ، الإشباع ، المدّ ، التفخيم ، الترقيق مما اصطنعه علماء الآداء الصوتي للقرآن كما سيأتي بحثه في حينه .
    الحق أن الصوت اللغوي في القرآن قد بحث متناثراً هنا وهناك في مفردات حية ، تتابع عليها جملة من الأعلام المبرزين الذين اتسمت جهودهم بالموضوعية والتجرد وبيان الحقيقة ، كان منهم : علي بن عيسى الرماني ( ت : 386 هـ ) وأبو بكر الباملاني ( ت : 403 هـ ) وأبو عمر الداني ( ت : 444 هـ ) ومحمد بن الحسن الطوسي ( ت : 460 هـ ) وجار الله الزمخشري ( ت : 538هـ ) وأبو علي الطبرسي ( ت : 548 هـ ) وعبدالله بن محمد النكزاوي ( ت : 683هـ ) وإبراهيم بن عمر الجعبري ( ت : 732 هـ ) وبدر الدين الزركشي ( ت : 794هـ ) وجلال الدين السيوطي ( ت : 911هـ ) .
    وأما الدراسات البلاغية التي اشتملت على خصائص الأصوات فقد بحثت على أيدي علماء متمرسين كالشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) وعبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 هـ ) وابن سنان الخفاجي ( ت : 466 هـ ) و أبي يعقوب السكاكي ( ت : 626 هـ ) وأضرابهم :
    وكانت مباحثهم طبقاً لتوجه علم المعاني ، وتزاحم الأصوات في قبول ذائقتها النطقية أو السّمعية ورفضها ، من خلال : تنافر الحروف ، تلاؤم الأصوات ، التعقيد اللفظي ، التعقيد المعنوي ، فصاحة اللفظ المفرد ؛ مما
    ____________
    (1) الرماني ، النكت في إعجاز القرآن : 96 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 79 )

    هو معلوم في مثل هذه المباحث مما يتعلق بالصوت منها ، وخلصت إلى القول بخلو القرآن العظيم من التنافر في الكلمات ، أو التشادق في الألفاظ ، أو العسر في النطق ، أو المجانبة للأسماع ، وكونه في الطبقة العليا من الكلام في تناسقه وتركيبه وتلاؤمه .
    أما ما يتعلق بالأصوات من مخارجها في موضوع التنافر فلهم بذلك رأيان :
    الأول : أن التنافر يحصل بين البعد الشديد أو القرب الشديد وقد نسب الرماني هذا الرأي إلى الخليل « وذلك أنه إذا بَعٌد الشديد كان بمنزلة الطفر ، وإذا قرب القرب الشديد كان بمنزلة مشي المقيد ، لأنه بمنزلة رفع اللسان ورده إلى مكانه ، وكلاهما صعب على اللسان ، والسهولة من ذلك في الاعتدال ، ولذلك وقع في الكلام الإدغام والإبدال » (1) .
    الثاني : أن التنافر يحصل في قرب المخارج فقط وهو ما يذهب إليه ابن سنان الخفاجي ( ت : 466 هـ ) بقوله : « ولا أرى التنافر في بعد ما بين مخارج الحروف وإنما هو في القرب . ويدل على صحة ذلك الاعتبار ، فإن هذه الكلمة « ألم » غير متنافرة ، وهي مع ذلك مبنية من حروف متباعدة المخارج ـ لأن الهمزة من أقصى الحلق ، والميم من الشفتين ، واللام متوسطة بينهما . فأما الإدغام والإبدال فشاهدان على أن التنافر في قرب الحروف دون بعدها ، لأنهما لا يكادان يردان في الكلام إلا فراراً من تقارب الحروف ، وهذا الذي يجب عندي اعتماده لأن التتبع والتأمل قاضيان بصحته » (2) .
    وقد يتبعه بالرد على هذا الرأي ابن الأثير ( ت : 637 هـ ) فقال : « أما تباعد المخارج فإن معظم اللغة العربية دائر عليه . . . ولهذا أسقط الواضع حروفاً كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقالاً واستكراهاً ، فلم يؤلف بين حروف الحلق كالحاء والخاء والعين ، وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف ، ولا بين اللام والراء ، ولا بين الزاي والسين ، وكل هذا دليل على عنايته
    ____________
    (1) الرماني ، النكت في إعجاز القرآن : 96 .
    (2) ابن سنان الخفاجي ، سر الفصاحة : 91 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 80 )

    بتأليف المتباعد المخارج ، دون المتقارب » (1) .
    وبعيداً عن هذا وذاك ، فان الطبيعة التركيبة في اللغة العربية قد تمرست في تعادل الأصوات وتوازنها ، مما جعل لغة القرآن في الذروة من طلاوة الكلمة ، والرقة في تجانس الأصوات ، لذلك فقد استبعد العرب جملة من الألفاظ لا تنسجم صوتياً في تداخل حروفها ، وتنافر مخارجها ، سواء أكانت قريبة أم بعيدة « فإن الجيم لا تقارن الفاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا بتأخير .
    والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال بتقديم ولا تأخير » (2) .
    وفي هذا دلالة على « أمتياز اللغة العربية في مجموع أصوات حروفها بسعة مدرجها الصوتي سعة تقابل أصوات الطبيعة في تنوعها وسعتها ، وتمتاز من جهة أخرى بتوزعها في هذا المدرج توزعاً عادلاً يؤدي إلى التوازن والانسجام بين الأصوات » (3) .
    وكان التنافر في أصوات الكلمة موضع عناية عند السكاكي ( ت : 626 هـ ) ومن بعده القزويني ( ت : 739 هـ ) عند مباحث فصاحة المفرد ، وهي خلوصه من تنافر الحروف والغرابة ، ومخالفة القياس اللغوي ، وعند فصاحة الكلام ، وهي خلوصه من ضعف التأليف ، وتنافر الكلمات ، والتعقيد بشقيه اللفظي والمعنوي ، وهي موضوعات جرى على إدراجها في الموضوع علماء المعاني والبيان بعد السكاكي والقزويني إدراجاً تقليدياً للقول بسلامة القرآن من التنافر (4) .
    ولا حاجة بنا إلى تأكيد هذا القول فهو أمر مفروغ عنه في القرآن ، وبقيت مفردات الصوت اللغوي فيه موضوع عناية البحث .
    ____________
    (1) ابن الأثير ، المثل السائر : 152 .
    (2) الجاحظ ، البيان والتبيين : 1| 69 .
    (3) أحمد مطلوب ، بحوث لغوية : 28 .
    (4) ظ : القزويني ، الإيضاح في علوم البلاغة : 72 ـ 79 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 81 )

    الفصل الثالث

    الصوت اللغوي في فواتح السور القرآنية


    1 ـ القرآن يوجه اهتمام العرب للصوت اللغوي
    2ـ أصناف الأصوات اللغوية في فواتح السور عند الباقلاني .
    3ـ جدولة الصوت اللغوي في فواتح السور عند الزمخشري .
    4 ـ الصدى الصوتي للحروف المقطعة عند الزركشي
    5 ـ القرآن في تركيبه الصوتي من جنس هذه الأصوات


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 82 )


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 83 )

    يبدو أن القرآن الكريم قد وجه اهتمام العرب ـ منذ عهد مبكرـ ولفت نظرهم إلى ضرورة الإفادة من الزخم الصوتي في اللغة العربية وهو يستهل بعض السور القرآنية بجملة محددة من الحروف الهجائية التي تنطق بأصواتها أسماء ، لا بأدواتها حروفاً ، للإفادة من صوتيتها لدى الاستعمال دون حرفيتها .
    وكان القرآن العظيم قد افتتح عامة سوره بعشرة أنواع بيانية من فن القول شملت طائفة متميزة من معاني النحو وأساليب البلاغة حتى حصر أرباب علوم القرآن بذلك دون تزيّد عليها أو نقصان منها ، فلا يخرج شيء من فواتح السور عنها ، وقد يتداخل بعضها ببعض تارة (1) .
    ولعل من المفيد حقاً الإشارة على سبيل النموذج بأصل قرآني واحد لكل نوع تمهيداً بين يدي النوع المراد بحثه صوتياً ، وسنكتفي بإيراد هذا النموذج الواحد للدلالة عليه في النماذج الثرة المتوافر وجودها في أضراب أخرى لكل أصل .
    1 ـ الاستفتاح بالثناء على الله تعالى ، كما في أول الفاتحة ، وذلك قوله تعالى : ( الحمد لله رب العالمين ) ،
    ____________
    (1) ظ : للتفصيل ، الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 1|164 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 84 )

    2 ـ الاستفتاح بالنداء ، كما في أول المدثر ، وذلك قوله تعالى: ( يا أيها المدثر ) .
    3 ـ الاستفتاح بالقسم ، كما في أول سورة الفجر ، وذلك قوله تعالى : ( والفجر ) .
    4 ـ الاستفتاح بالجملة الخيرية ، كما في أول سورة « المؤمنون » وذلك قوله تعالى : ( قد أفلح المؤمنون ) .
    5 ـ الاستفتاح بصيغة الأمر ، كما في أول سورة العلق ، وذلك قوله تعالى : ( اقرأ باسم ربّك الذى خَلَقَ ) .
    6 ـ الاستفتاح بصيغة الشرط ، كما في أول سورة النصر ، وذلك قوله تعالى : ( إذا جاء نصر الله والفتح ) .
    7 ـ الاستفتاح بصيغة الاستفهام ، كما في أول سورة النبأ ، وذلك قوله تعالى : ( عمَّ يتساءلون * عن النباء العظيم ) .
    8 ـ الاستفتاح بالدعاء ، كما في أول سورة المطففين ، وذلك قوله تعالى : ( ويل للمطفّفين ) .
    9 ـ الاستفتاح بالتعليل ، وقد ورد مرة واحدة في القرآن ، في أول سورة الإيلاف ، وذلك قوله تعالى : ( لإيلاف قريش ).
    10 ـ الاستفتاح بحروف التهجي ، وهي موضوع هذا البحث في الصوت اللغوي ، إذ تم استفتاح تسع وعشرين سورة في المصحف الشريف بحروف هجائية مقطعة يمكن حصرها بالضبط في النحو الآتي :
    أ ـ ثلاثة حروف موحدة هي : ص . ق . ن .
    ب ـ عشرة حروف مثناة هي : طه ، طس ، يس ، وحم استعملت في افتتاح سبع سور، فهذه عشرة .
    ج ـ إثنا عشر مثلثة الحروف هي : آلم ، آلر ، طسم .
    وقد تكرر الأولان عدة مرات في المصحف دون طسم .
    د ـ إثنان حروفهما أربعة : آلمر . آلمص .


    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 85 )

    هـ ـ إثنان حروفها خمسة : كهيعص . حمعسق .
    وقد اهتم علماء الإعجاز القرآني بالتصنيف الصوتي لهذه الحروف في فواتح هذه السور ، وبيان أسرارها التركيبية ، ودلائلها الصوتية ، وكان أبو بكر الباقلاني ( ت : 403 هـ ) في طليعة هؤلاء الاعلام ، فقال :
    « إن الحروف التي بني عليها كلام العرب تسعة وعشرون حرفاً ، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون (1) سورة ، وجملة ما ذكر من هذه [ الحروف ] في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة ، وهو أربعة عشر حرفاً ليدل بالمذكور على غيره ، والذي تنقسم إليه هذه الحروف أقساماً : فمن ذلك قسموها إلى حروف مهموسة وأخرى مجهورة ، فالمهموسة منها عشرة وهي : الحاء والهاء والخاء والكاف والشين والثاء والفاء والتاء والصاد والسين .
    وما سوى ذلك من الحروف فهي مجهورة ، وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في أوائل السور ، وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء لا زيادة ولانقصان » (2) .
    فالباقلاني يعدد حروف المعجم ، ويقارن ذلك بأعداد حروف السور المفتتحة بها ، ويضيف هذه الحروف ، وهي إما مجهورة ، وإما مهموسة ونصف هذه الحروف بتقسيمها مقسوم على السواء بين حروف هذه الفواتح القرآنية ، فنصف المهموسة مذكور في جملة هذه الحروف ، ونصف المجهورة مذكور أيضاً دون تزيّد عليها أو نقصان منها .
    وقد أيّد أهل اللغة المذهب الأول للباقلاني بما أورده الشيخ الطوسي ( ت : 460 هـ ) عنهم « فقال بعضهم : هي حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تمام ثمانية وعشرين حرفاً كما يستغنى بذكر : أ . ب . ت . ث . عن ذكر الباقي » (3) .
    ____________
    (1) تقدم أنها تسع وعشرون سورة .
    (2) الباقلاني ، إعجاز القرآن : 66 .
    (3) الطوسي ، التبيان في تفسير القرآن : 1|48 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 86 )

    ثم يعرض الباقلاني إلى تفصيل آخر : أن نصف حروف الحلق ( العين والحاء والهمزة والهاء والخاء والغين ) مذكور في جملة هذه الحروف ، وأن النصف المذكور هو : العين والحاء والهاء . وكذلك نصف عدة الحروف التي ليست من حروف الحلق مذكور في جملة هذه الحروف . وأن نصف الحروف الشديدة : ( الهمزة والقاف والكاف والجيم والتاء والدال والطاء والباء ) مذكور في جملة هذه الحروف ، والمذكور : الطاء والقاف والكاف والهمزة . وأن نصف الحروف المطبقة وهي ( الطاء والضاد والصاد والضاء ) مذكور في جملة هذه الحروف ، والمذكور هو الصاد والطاء (1) .
    والذي يخلص لنا من هذا الاهتمام المتكامل اشتمال فواتح السور القرآنية المبدوءة بالحروف الهجائية على نصف تقسيمات أصناف الحروف ، بل على أنصاف كل الأصناف على هذا النحو :
    1 ـ نصف الحروف المجهورة .
    2 ـ نصف الحروف المهموسة .
    3 ـ نصف حروف الحلق .
    4 ـ نصف حروف غير الحلق .
    5 ـ نصف الحروف الشديدة .
    6 ـ نصف الحروف المطبقة .
    وجميع هذه الحروف المثبتة في جدولة الباقلاني لها تمثل نصف حروف المعجم العربي ، وهذا التصنيف بعامة يمثل بعداً استقرائياً في حصر اوائل السور ذات الحروف الهجائية المقطّعة على أساس مخارج الصوت اللغوي .
    ولا يكتفي الباقلاني بهذه البرمجة حتى يضيف إليها تصوراً صوتياً منظّماً ، ويعلل ظاهرة استعمال بعض الحروف دون سواها للتأكيد على المناخ الصوتي المتميز في وضع الحروف بموقعها المناسب بحسب
    ____________
    (1) ظ : للتفصيل ، الباقلاني ، إعجاز القرآن : 67 ـ 68 .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 87 )

    تسلسلها في النطق مترددة بجهاز النطق من مبتداه إلى منتهاه ، وذلك حينما يبدأ القرآن الكريم بـ ( ألم ) في أول سورة قرآنية ضمن الترتيب المصحفي وهي سورة البقرة التي استعملت هذه الأصوات متقاطرة ، فيعطي التعليل الصوتي الآتي : « لأن الألف المبدوءة بها هي أقصاها مطلقاً ، واللام متوسطة ، والميم متطرفة ، لأنها تأخذ في الشفة ، فنبه بذكرها على غيرها من الحروف ، وبيّن أنه إنما أتاهم بكلام منظوم مما يتعارفون من الحروف التي تردد بين هذين الطرفين » (1) .
    وسيأتي فيما بعد إفادة الزركشي ( ت : 794 هـ ) من هذا المنحنى لهذه الأصوات وتوسعه فيه وفي سواه على أس صوتي مكثف .
    وقد أفاض جار الله الزمخشري ( ت : 538 هـ ) في تعقب هذه الوجوه ، وذكر هذه الملاحظ ، وأفاد مما أبداه الباقلاني وزاد عليه متوسعاً ، وفصل ما ذكره مجملاً بما نحاول برمجته باختصار على النحو التالي :
    أولاً : قال الزمخشري : « اعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عزّ سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء ، وهي : الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم ، ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف » (2) .
    والملاحظ من هذا النص أن الزمخشري قد جعل أسامي حروف المعجم ثمانية وعشرين ، بينما ينص على أن عدد حروف المعجم تسعة وعشرون حرفاً ، مما قد يتصور معه التناقض وعدم الدقة ، وليس الأمر كذلك ، لأن الألف اسم يتناول عندهم جزئين من الحروف هما رسماً (ا) و (ء) أي المدة والهمزة ، لهذا قالوا الألف إما ساكنة أو متحركة ، والألف الساكنة هي المدة ، والألف المتحركة هي الهمزة ، ومن ثم بدأ التفريق الدقيق بينهما ، فأطلقت (ا) على الألف اللينة ، وأطلقت (ء) على الهمزة ،
    ____________
    (1) الباقلاني ، إعجاز القرآن : 68 ـ 69 .
    (2) الزمخشري ، الكشاف : 1|101 .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 88 )

    فنبه بقوله الألف على هذين الملحظين ، وتذرع بقوله :
    « الهمزة والألف حرف واحد عند الفقهاء وحرفان في عرف العامة » (1) . و سواء أكانا حرفاً أم حرفين فإنهما صوتان لا شك في هذا .
    ثانياً : أوضح الزمخشري تبعاً للباقلاني أن في هذه الحروف من المهموسة نصفها وعدّدها ، ومن المجهورة نصفها وعدّدها ، ومن الشديدة نصفها وعدّدها ، ومن الرخوة نصفها وعدّدها ، ومن المطبقة نصفها وعددها ، ومن المنفتحة نصفها وعدّدها ، ومن المستعلية نصفها وعدّدها ، ومن المنخفضة نصفها وعدّدها ، ومن حروف القلقلة نصفها ، ويمكن جدولة هذه الحروف في منهج الزمخشري على النحو التالي : (2)
    1ـ الحروف المهموسة : الصاد ، الكاف ، الهاء ، السين ، الحاء .
    2 ـ الحروف المجهورة : الألف ، اللام ، الميم ، الراء ، العين ، الطاء ، القاف ، الباء ، النون .
    3 ـ الحروف الشديدة : الأف ، الكاف ، الطاء ، القاف .
    4 ـ الحروف الرخوة : اللام ، الميم ، الراء ، الصاد ، الهاء ، العين ، السين ، الحاء ، الياء ، النون .
    5 ـ الحروف المطبقة : الصاد ، الطاء .
    6 ـ الحروف المنفتحة : الألف ، اللام ، الميم ، الراء ، الكاف ، الهاء ، العين ، السين ، الحاء ، القاف ، الياء ، النون .
    7 ـ الحروف المستعلية : القاف ، الصاد ، الطاء .
    8 ـ الحروف المنخفضة : الألف ، اللام ، الميم ، الراء ، الكاف ، الهاء ، الياء ، العين ، السين ، الحاء ، النون .
    9 ـ حروف القلقلة : القاف ، الطاء .
    ____________
    (1) الزمخشري ، الكشاف : 1|101 .
    (2) ظ : المصدر نفسه : 1|102 وما بعدها .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 89 )

    ويلاحظ أن الزمخشري قد استدرك على الباقلاني في جدولته لأنصاف الحروف الواردة في فواتح السورة استدرك عليه : الحروف الرخوة ، والمنفتحة ، والمستعلية ، والمنخفضة ، وحروف القلقلة ، ولكنها داخلة عند الباقلاني في جملة حروف الحلق وغير الحلق ، إلا أن الزمخشري قد وسعها تفصيلاً ، وترك الاجمال ، وأورد المسميات .
    ثالثاً : وبعد هذا التقسيم الدقيق تعقب الزمخشري حكمة هذا التركيب ، وغاية هذا الذكر ، وفلسفة هذه الأصوات ، فقال : « ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها ، رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكور منها ، فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته . وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله ، وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته ، فكأن الله عزّ اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم ، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم ، وإلزام الحجة إياهم » (1) .
    رابعاً : ورصد الزمخشري مواطن استعمال هذه الأصوات وكثرتها ، بحسب الجاري على ألسنة العرب في تكاثر بعض الحروف دون بعض ، وعرض لفائدة التكرار في جملة منها ، وتناول مسألة تفريقها على السور دون جمعها في أول القرآن ، وكأنه يشير إلى الحكمة المتوخاة من كل جانب فقال : « ومما يدل على أنه تعمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعاً في تراكيب الكلم : أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين ، وهي : فواتح سورة البقرة ، وآل عمران ، والروم ، والعنكبوت ، ولقمان ، والسجدة ، والأعراف ، والرعد ، ويونس ، وإبراهيم ، وهود ، ويوسف ، والحجر . فإن قلت : فهلا عدّدت بأجمعها في أول القرآن ، وما لها جاءت مفرقة على السور؟ قلت : لأن إعادة التنبيه على أن المتحدى به مؤلف منها لا غير ، وتجديده في غير موضع واحد ، أوصل إلى الغرض ، وأقوله في الأسماع والقلوب ، من أن يفرد ذكره مرة ، وكذلك مذهب كل تكرير جاء في القرآن فمطلوب به تمكين المكرر في النفوس
    ____________
    (1) الزمخشري ، الكشاف : 1|103 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 90 )

    وتقريره . فإن قلت : فهلا جاءت على وتيرة واحدة ، ولم اختلفت أعداد حروفها ؟ قلت : هذا على عادة افتنانهم في أساليب الكلام وتصرفهم فيه على طرق شتى ومذاهب متنوعة ، وكما أن أبنية كلماتهم على حرف وحرفين إلى خمسة أحرف لم تتجاوز ذلك ، سلك بهذه الفواتح ذلك المسلك (1) .
    ووقف بدر الدين الزركشي ( ت : 794 هـ ) عند الصدى الصوتي للحروف المقطعة في فواتح هذه السور من عدة وجوه صوتية ، يمكن رصد أبعادها بالخطوط الآتية :
    أولاً : عرض الزركشي لأعداد هذه الأصوات في فواتح السور ، ووقف عندما أبتدىء به بثلاثة حروف ، واعتبر لذلك سراً صوتياً بارزاً علّله بقوله عن « ألم » في تركيبها : « وذلك أن الألف إذا بدىء بها أولاً كانت همزة ، وهي أول المخارج من أقصى الصدر ، واللام من وسط مخارج الحروف ، وهي أشد الحروف اعتماداً على اللسان ، والميم آخر الحروف ، ومخرجها من الفم . وهذه الثلاثة هي أصل مخارج الحروف أعني الحلق واللسان والشفتين ، وترتبت في التنزيل من البداية إلى الوسط ، إلى النهاية . فهذه الحروف تعتمد المخارج الثلاثة ، التي يتفرع منها ستة عشر مخرجاً ، ليصير منها تسعة وعشرون حرفاً ، عليها مدار الحلق أجمعين ، مع تضمنها سراً عجيباً ، وهو أن الألف للبداية ، واللام للتوسط ، والميم للنهاية ، فاشتملت هذه الأحرف الثلاثة على البداية والنهاية والواسطة بينهما » (2) .
    وهذه الإنارة في استعمال مصطلحات الصوت في المخارج إلى الحلق واللسان والشفتين يضطلع فيها الزركشي بحسّ صوتي رفيع قد سبق إليه الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : 175 هـ ) وسيبويه ( ت : 180هـ ) وأبو الفتح عثمان بن جني ( ت : 392 هـ ) يؤكده الخط الثاني في تذوقه الحروف ، وتأكيده على مسافتها ومكانها وزمانها .
    ثانياً : والزركشي بطلق لفظ الحروف ويريد بذلك الأصوات كما هو
    ____________
    (1) الزمخشري ، الكشاف : 1|104 وما بعدها .
    (2) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 1|168 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 91 )

    شأن الخليل في بدايات العين . وكأن قدماء العرب كانوا ينظرون الحرف والصوت بمنظار واحد ، فيطلقون اسم أحدهما على الآخر، لا سيما في إطلاق الحرف وإرادة الصوت ، وهذا ما نهجه الزركشي لدى بحثه أسرار صوت الهمزة ، واللام ، والميم من وجه آخر غير الوجه الصوتي الأول فقال :
    « وأيضاً من أسرار علم الحروف أن الهمزة من الرئة ، فهي أعمق الحروف ، واللام مخرجها من طرف اللسان ملصقة بصدر الغار الأعلى من الفم ، فصوتها يملأ ما وراءها من هواء الفم ، والميم مطبقة ، لأن مخرجها من الشفتين إذا أطبقا ، ويرمز بهن إلى باقي الحروف » (1) .
    ثالثاً : وتعقب الزركشي ملائمه صوت الطاء للسين في ( طس ) ومجانسته للهاء في ( طه ) ، وهو يعمم هذه الملائمة وتلك المجانسة صوتياً على القرآن فيقول :
    « وتأمل اقتران الطاء بالسين والهاء في القرآن ، فإن الطاء جمعت من صفات الحروف خمس صفات لم يجمعها غيرها وهي : الجهر ، والشدة ، والاستعلاء ، والإطباق ، والإصمات ، والسين : مهموس ، رخو ، مستفل ، صفير ، منفتح ، فلا يمكن أن يجمع إلى الطاء حرف يقابلها ، كالسين والهاء ، فذكر الحرفين اللذين جمعا صفات الحروف » (2) .
    وهذا التعقب خالص الصوتية في الاستقراء والاستنتاج معاً ، فإن ما ذكره اهتمام صوتي ليس غير ، وإن ما عدده من المصطلحات : الجهر ، الشدة ، الاستعلاء ، الإطباق ، الأصمات ، المهموس ، الرخو ، المستفل ، الصفير ، المنفتح ، مصطلحات صوتية في الصميم ، وهو وإن سبق إلى التسمية وسبق إلى الضبط ، إلا أنه طبقها تنظيراً صوتياُ على فواتح السور .
    رابعاً : وتنبه الزركشي أيضاً إلى اشتمال سورة ( ق ) على ذات الحرف ، لما في صوت القاف من القلقلة والشدة من جهة ، ولاشتماله على
    ____________
    (1) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 1|168 .
    (2) المصدر نفسه : 1|169 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 92 )

    الجهر والانفتاح من جهة أخرى . « وتأمل السورة التي اجتمعت على الحروف المفردة : كيف تجد السورة مبنية على كلمة ذلك الحرف ، ممن ذلك ( ق والقرآن المجيد ) (1) فإن السورة مبنية على الكلمات القافية : من ذكر القرآن ، ومن ذكر الخلق ، وتكرار القول ومراجعته مراراً ؛ والقرب من ابن آدم ، وتلقي الملكين ، وقول العتيد ، وذكر الرقيب ، وذكر السابق ، والقرين ، والإلقاء في جهنم ، والتقدم بالوعد ، وذكر المتقين ، وذكر القلب ، والقرآن ، والتنقيب في البلاد ، وذكر القتل مرتين ، وتشقق الأرض ، وإلقاء الرواسى فيها ، وبسوق النخل ، والرزق ، وذكر القوم ، وخوف الوعيد ، وغير ذلك » (2) .
    والحق أنني تتبعت سورة (ق) فوجدت ذكر هذا الحرف قد تكرر بعده أربعاً وخمسين مرة في خمس وأربعين آية زيادة على الحرف الاستفتاحي . فما هذا السر الصوتي لهذا الحرف ؟ وما علاقة تسمية السورة به من خلال هذا البناء عليه ؟ وما هو موقع القلقلة في القاف ، والشدة في صوتها ، والجهر بأدائها ، والانفتاح عند نطقها بهذا التكرار في شتى الكلمات ، مما ذكره الزركشي ومما لم يذكره . الجواب عن هذا وذاك بعد إدراك العناية الصوتية : الله أعلم .
    خامساً : وأشار الزركشي إلى خصوصية للدلالة الصوتية في سورة (ص) للإبانة بهذا الحرف وصوتيته على أصداء الخصومات النازلة ، والمحاكمات الشديدة الوقع ، بما يتناسب واصطكاك الصاد في الحلحلة ، وصداها الواقع على الأذن ، واشتمالها على ما حدث من مجريات أحاديث السورة نفسها محاكاة في الأصوات الشديدة لما نشب من الأحداث الجسيمة ، فقال مؤكداً وجهة نظره الصوتية ، في تذوق الشدة والوقعة والخصومة من خلال صوت الصاد ، ومصاقبته لما ورد في السورة ذاتها من إشارات موحية بذلك :
    « وإذا أردت زيادة إيضاح فتأمل ما أشتملت عليه سورة (ص) من
    ____________
    (1) سورة ق : 1 .
    (2) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 1|169 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 93 )

    الخصومات المتعددة ، فأولها خصومة الكفار مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقولهم : ( أجعل الآلهة إلاهاً واحدًا ) (1) إلى آخر كلامهم . ثم أختصام الخصمين عند داود ، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى في العلم ، وهو الدرجات والكفارات ، ثم تخاصم ابليس واعتراضه على ربه وأمره بالسجود ، ثم اختصامه ثانياً في شأن بنيه ، وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم » (2) .
    وهكذا نجد الزركشي في تنبيهاته الصوتية ـ سواء أكان ناقلاً لها ، أم مجمعاً لشتاتها ، أم مبرمجاً لخططها ، أم مبتدعاً لبعضها ـ ، يؤكد العمق الصوتي لدى علماء العربية في إبراز حقيقة الصوت اللغوي فيما اتسمت به فواتح السور القرآنية ذات الحروف الهجائية المقطّعة.
    والحق أن استقرار المراد من هذه الحروف المقطعة ـ وإن لم تدرك أسراره ـ لا يخرجها عن حقيقة واقعها الصوتي في الأسماع ، ولا جوهرها الأنصاتي لدى الإطلاق ، فهي من جنس أصوات العرب في لغتهم ، ومن سنخ حروف معجمهم ، ومن روح أصداء لغة القرآن العظيم ، ولا يمانع هذا الاستقراء على اختلاف وجهات النظر فيه من شموخ الصوت اللغوي في أضوائها ، وبروز الملحظ الصوتي في تأويلاتها ـ توصل إلى الواقع أو لم يتوصل ـ على أن السلف الصالح مختلف في المراد من هذه الحروف المقطعة ، أو الأصوات المنطوقة على قولين :
    الأول : ان هذه الحروف في دلالتها وإرادتها من العلم المستور والسر المحجوب الذي استأثر به الله تعالى .
    وادعى الشعبي : أنها من المتشابه ، نؤمن بظوواهرها ، ونكل العلم فيها إلى الله عزّ وجل (3) .
    وقد روى الشيخ الطوسي ( ت : 460 هـ ) أنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله ، واختاره الحسين بن علي المغربي (4) .
    ____________
    (1) سورة ص : 5 .
    (2) الزركشي ، البرهان في علوم القرآن : 1|170 .
    (3) (4) ظ : الطوسي ، التيبان في تفسير القرآن : 1|48 .

  4. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (صالح بن سعد بن حسن المطوي) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  5. #3
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 363

    الجنس : ذكر

    البلد : الـكــويــت

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : أقل من جامعي

    التخصص : طالب علم

    معلومات أخرى

    التقويم : 7

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل26/1/2003

    آخر نشاط:02-01-2010
    الساعة:11:14 PM

    المشاركات:3,761
    تاريخ التسجيل
    26/1/2003
    البلد
    الـكــويــت
    المشاركات
    3,761
    1426/9/17 هـ
    السلام عليكم
    أخي صالح
    ليتك ابلغتني بطول الموضوع حتى أقول "دعاء السفر "

    امزح معك

    جزيت خيرا يا أستاذ صالح وبارك الله في جهدك ووقتك
    لك مني أجزل التحايا

  6. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (أبو سارة) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •