رابط محرك بحث قوقل الفصيح في القائمة تطبيقات إضافية

التبرع للفصيح
اعرض النتائج 1 من 5 إلى 5

الموضوع: رسالة في أعجاز سورة الكوثر للزمخشري
1432/1/22 هـ

  1. #1
    رحمه الله

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2680

    الجنس : ذكر

    البلد : قطر

    معلومات علمية

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل24/7/2005

    آخر نشاط:24-03-2007
    الساعة:09:33 PM

    المشاركات:332
    تاريخ التسجيل
    24/7/2005
    البلد
    قطر
    المشاركات
    332
    1426/9/19 هـ

    رسالة في أعجاز سورة الكوثر للزمخشري

    هذه الرساله منقولة من مجلة تراثنا العدد 13


    ( 195 )

    رسالة في إعجاز سورة الكوثرللزمخشري


    تحقيق

    حامد الخفاف

    تقديم
    بسم الله الرحمن الرحيم
    مما لا مجال للشك فيه أن عهد نزول القرآن في حياة العرب يمثل ذروة اهتمام المجتمع القبلي في الجزيرة العربية ببلاغة الكلمة وفصاحة المنطق ودقة الحس البياني ، أكثر من أي وقت مضى ، فليس غريبا عنا ما كانت توليه القبيلة من احترام وتقدير لاصحاب اللسان الماشق والحس المرهف ، فترى الشاعر سيف القبيلة الناطق ، الذي تجرده بوجه أعدائها ، وتقدمه درعا واقيا يرد عنها سهام الكلام ، حتى أن أبياتا من الشعر تحوي من قارص الكلم أشده يمكن أن تفعل فعلها أشد من السنان وأمضى من المهند المصقول .
    وذاك سوق عكاظ ، نادي الادباء العرب ـ إن صح التعبير ـ يجتمعون فيه ، لتتصارع الكلمة في حلبة البلاغة ، وليتبارز البيان بسيوف الفصاحة ، تشد إليه الرحال ، وتعقد عليه الآمال ، كل ذلك كان يعمق في الجزيرة العربية حقيقة كونها مجتمع الكلمة الذي لم يعرف اللحن له طريقا ، ولا العجمة سبيلا .
    وجاء القرآن ، كلام الله المجيد ، ينشر من أريجه عطر القداسة ، ويضم بين دفتيه ما يحير العقول ، ويأخذ بالالباب ، انظروا إلى عدو الله الوليد بن المغيرة

    ( 196 )

    المخزومي ، فاغرا فاه ، يتمتم بحيرة : « والله لقد نظرت فيما قال هذا الرجل فإذا هو ليس بشعر ، وإن له لحلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمعذق ، وإنه ليعلو وما يعلى » .
    جاء ليتحدى كبرياء الكلمة في عقر دارها ، وشموخ البيان في عنفوانه : « قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا » ، فكانت المعجزة التي ألقت لها الفصاحة قيادها ، وكأن دولة البلاغة العظمى كانت تنتظر ملكها بلهفة وشوق ، وهكذا كان .
    وكتابنا الصغير هذا ، جواب من الزمخشري ـ رجل البلاغة والفصاحة ـ على عدة إشكالات ، وردت من صديق له حول إعجاز القرآن ، بصورة رسالة بعثها إليه ، سائلا إياه الاجابة ، فتصدى المؤلف للجواب عنها ، باسلوبه الشيق الرفيع ، برسالة حول إعجاز سورة الكوثر ، هي كما قال عنها : « رسالة من أبلغ الرسالات ، اورد فيها مقدمة في إعجاز القرآن الكريم ، في فضل اللسان العربي على كل لسان ، على وجه عجيب ، واسلوب على طرف الثمام قريب غريب » مضيفا بذلك للمكتبة الاسلامية جهدا رائعا يشار إليه بالبنان ، حاولنا أن نضفي عليه بتحقيقنا إياه من روعة الاخراج ما نتمكنه ، ومن متطلبات التحقيق ما يحتاجه ، وعلى الله التكلان .
    * * *

    ( 197 )

    ترجمة المؤلف
    هو العلامة جار الله أبوالقاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري الخوارزمي ، كبير المعتزلة ، صاحب الكشاف والمفصل (1) ، أمره في الاشتهار أوضح من الشمس وأبين من الامس .
    ولادته وبلده :
    ولد الزمخشري في يوم الاربعاء السابع والعشرين من رجب سنة سبع وستين وأربعمائة بزمخشر خوارزم ، على مانقله القفطي عن ابن اخته أبي عمر عامر بن الحسن السمساري (2) ، وقال أيضا : « ونقلت من كتاب محمد بن محمد ابن حامد قال : كان مولده ـ يعني الزمخشري ـ في سابع عشر شهر رجب سنة سبع وستين وأربعمائة » (3) .
    يقول الزمخشري : « وأما المولد فقرية من قرى خوارزم مجهولة ، يقال لها :
    ____________
    (1) توجد ترجمته في : الانساب 6 : 297 ، معجم البلدان 3 : 147 ، معجم الادباء 19 : 126|41 ، الكامل في التاريخ 11 : 97 ، إنباه الرواة 3 : 265|753 ، وفيات الاعيان 5 : 168|711 ، ميزان الاعتدال 4 : 78|8367 ، العبر 2 : 455 ، سير أعلام النبلاء 20 : 151|91 ، تذكرة الحفاظ 4 : 1283 ، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد : 228|173 ، مرآة الجنان 3 : 269 ، البداية والنهاية 12 : 219 ، لسان الميزان 6 : 4 ، بغية الوعاة 2 : 279|1977 ، طبقات المفسرين 104|127 ، طبقات المفسرين للداودي 2 : 314|625 ، شذرات الذهب 4 : 121 ، روضات الجنات 8 : 118|711 ، الكنى والالقاب 2 : 297 ، هدية العارفين 2 : 402 ، وعن هامش السير : نزهة الالباء : 391 ، المختصر في أخبار البشر 3 : 16 ، إشارة التعيين : الورقة 53 و54 ، البدر السافر : ورقة 193 ، تاريخ الاسلام : وفيات 538 ، دول الاسلام 2 : 56 ، تلخيص ابن مكتوم : 243 ، الجواهر المضية 2 : 160 ، العقد الثمين 7 : 137 ، طبقات المعتزلة : 20 ، طبقات ابن قاضي شهبة 2 : 241 ، النجوم الزاهرة 5 : 274 ، تاج التراجم : 71 ، طبقات الفقهاء لطاش كبرى : 94 و95 ، مفتاح السعادة 2 : 97 ، أزهار الرياض 3 : 282 ، الفوائد البهية : 209 ، كنوز الاجداد : 291 ، تاريخ بروكلمان 5 : 215 .
    (2) إنباه الرواة 3 : 266 .
    (3) إنباه الرواة 3 : 271 .

    ( 198 )

    زمخشر ، سمعت أبي قال : اجتاز بزمخشر أعرابي فسأل عن اسمها واسم كبيرها ، فقيل له : زمخشر والرداد ، فقال : لا خير في شر ورد ، ولم يلمم بها » (4) .
    وزمخشر ـ بفتح أوله وثانيه ، ثم خاء معجمة ساكنة ، وشين معجمة ، وراء مهملة ـ : قرية جامعة من نواحي خوارزم (5) ، وقال القفطي : سمعت بعض التجار يقول : إنها دخلت في جملة المدينة ، وإن العمارة لما كثرت وصلت إليها وشملتها ، فصارت من جملة محالها (6) .
    وقال فيها الشريف أبوالحسن علي بن عيسى بن حمزة الحسني المكي عند مدح الزمخشري :
    تـبـوأهـا دارا فــداء زمخشرا * جميع قرى الدنيا سوى القرية التى
    إذا عد في أسد الشرى زمخ الشرى (7) * وأحر بأن تزهى زمخشر بامرئ

    وبعد نشوئه تنقل الزمخشري في بلدته يجوب الاقطار طلبا للعلم وسعيا وراء المعرفة ، فطاف الآفاق وتنقل ما بين بغداد ونيسابور ، ثم أقام بمكة المكرمة ، ولذلك لقب نفسه جار الله لمجاورته البيت العتيق ، وكان أين ما حل وارتحل محل احترام وتقدير .
    مكانته العلمية :
    يعتبر الزمخشري شخصية بارزة في عالم الفصاحة والبلاغة والادب والنحو ، نتلمس ذلك جليا في مصنفاته وآثاره من جهة ، ومن إطراء وتبجيل كل من ترجم له من جهة اخرى .
    يقول القفطي : وذكره صاحب الوشاح ـ ذكره بألقاب وسجع له على عادته ـ فقال : « استاذ الدنيا ، فخر خوارزم ، جار الله العلامة أبوالقاسم محمود
    ____________
    (4 ، 5) معجم البلدان 3 : 147 .
    (6) إنباه الرواة 3 : 265 .
    (7) إنباه الرواة 3 : 268 .

    ( 199 )

    الزمخشري ، من أكابر الامة ، وقد ألقت العلوم إليه أطراف الازمة ، واتفقت على إطرائه الالسنة ، وتشرفت بمكانه وزمانه الامكنه والازمنة ، ولم يتمكن في دهره واحد من جلاء رذائل النظم والنثر ، وصقال صوارم الادب والشعر ، إلا بالاهتداء بنجم فضله ، والاقتداح بزند عقله ، ومن طار بقوادم الانصاف وخوافيه ، علم أن جواهر الكلام في زماننا هذا من نثار فيه ، وقد ساعده التوفيق والاقبال ، وساعفه من الزمان الماضي والحال ، حتى اختار لمقامه أشرف الاماكن ، وجمع بجوار بيت الله الحرام بين الفضائل والمحاسن ، وودع أفراس الامور الدنياوية ورواحلها ، وعاين من بحار الخيرات والبركات سواحلها ، وقد صغر في عيون أفاضل عهده ما رأوه ورووه ، وملك في قلوب البلغاء جميع ما رعوه ووعوه ، وإن كان عدد أبياته التي ذكرتها قليلا فكماله صار عليها دليلا » (8) .
    ولما قدم الزمخشري إلى بغداد قاصدا الحج زاره الشريف أبوالسعادات هبة الله بن الشجري مهنئا له بقدومه ، فلما جلس إليه أنشده متمثلا :
    كانت مسألـة الركبان تخبرني * عـن أحمد بن دواد أطيب الخبر
    حتى التقينا فلا والله ما سمعت * أذني بأحسن مما قد رأى بصري
    وأنشد أيضا :
    فلما التقينا صغر الخَبَرَ الخُبْرُ(9) * وأستكبر الاخبار قبل لقائه
    وكان الزمخشري ممن يضرب به المثل في علم الادب والنحو واللغة ( 10) ، وما دخل بلدا إلا واجتمعوا عليه وتلمذوا له ، واستفادوا منه ، وكان علامة الادب ، ونسابة العرب ، تضرب إليه أكباد الابل ، وتحط بفنائه رحال الرجال ، وتحدى باسمه مطايا الآمال (11) .
    وقال ياقوت : كان إماما في التفسير والنحو واللغة والادب ، واسع العلم ،
    ____________
    (8) إنباه الرواة 3 : 268 .
    ( 9) معجم الادباء 19 : 128 .
    (10) الانساب 6 : 297 .
    (11) طبقات المفسرين للسيوطي : 105 ، إنباه الرواة 3 : 266 .

    ( 200 )

    كبير الفضل ، متفننا في علوم شتى (12) .
    ولا نريد الاطالة في سرد العبارات الواردة في مدح المصنف والثناء عليه ، ففي ما ذكرناه كفاية لمن يقنع بالتلميح عن التصريح .
    مؤلفاته :
    1 ـ الكشاف في تفسير القرآن .
    2 ـ الفائق في غريب الحديث .
    3 ـ نكت الاعراب في غريب الاعراب ، في غريب إعراب القرآن .
    4 ـ كتاب متشابه أسماء الرواة .
    5 ـ مختصر الموافقة بين أهل البيت والصحابة .
    6 ـ الاصل ، لابي سعيد الرازي إسماعيل .
    7 ـ الكلم النوابغ ، في المواعظ .
    8 ـ أطواق الذهب ، في المواعظ .
    9 ـ نصائح الكبار .
    10 ـ نصائح الصغار .
    11 ـ مقامات في المواعظ .
    12 ـ نزهة المستأنس .
    13 ـ الرسالة الناصحة .
    14 ـ رسالة المسامة .
    15 ـ الرائض في الفرائض .
    16 ـ معجم الحدود .
    17 ـ المنهاج في الاصول .
    18 ـ ضالة الناشد .
    ____________
    (12) معجم الادباء 19 : 126 .

    ( 201 )

    19 ـ كتاب عقل الكل .
    20 ـ النموذج ، في النحو .
    21 ـ المفصل ، في النحو .
    22 ـ المفرد والمؤلف ، في النحو .
    23 ـ صميم العربية .
    24 ـ الامالي في النحو .
    25 ـ أساس البلاغة ، في اللغة .
    26 ـ جواهر اللغة .
    27 ـ كتاب الاجناس .
    28 ـ مقدمة الادب ، في اللغة .
    29 ـ كتاب الاسماء ، في اللغة .
    30 ـ القسطاس ، في العروض .
    31 ـ حاشية على المفصل .
    32 ـ شرح مقاماته .
    33 ـ روح المسائل .
    34 ـ سوائر الامثال .
    35 ـ المستقصى ، في الامثال .
    36 ـ ربيع الابرار ، في الادب والمحاضرات .
    37 ـ تسلية الضرير .
    38 ـ رسالة الاسرار .
    39 ـ أعجب العجب في شرح لامية العرب .
    40 ـ شرح المفصل .
    41 ـ ديوان التمثيل .
    42 ـ ديوان خطب .

    ( 202 )

    43 ـ ديوان رسائل .
    44 ـ ديوان شعر .
    45 ـ شرح كتاب سيبويه .
    46 ـ كتاب الجبال والامكنة .
    47 ـ شافي العي من كلام الشافعي .
    48 ـ شقائق النعمان في حقائق النعمان ، في مناقب الامام أبي حنيفة .
    49 ـ المحاجاة ومتمم مهام أرباب الحاجات ، في الاحاجي والالغاز .
    50 ـ المفرد والمركب ، في العربية (13) .
    51 ـ رسالة في إعجاز سورة الكوثر ، وهي الرسالة التي بين يديك .
    تلامذته والرواة عنه :
    يظهر مما ذكره القفطي في إنباه الرواة : « وما دخل بلدا إلا واجتمعوا عليه وتلمذوا له » (14) كثرة تلاميذه وانتشارهم باعتبار كثرة سفره وتجواله في الاقطار ، نذكر منهم ما استطعنا العثور عليه خلال استقراء عاجل لمظان ترجمته :
    1 ـ أبوالمحاسن إسماعيل بن عبد الله الطويلي .
    2 ـ أبوالمحاسن عبد الرحيم بن عبد الله البزاز .
    3 ـ أبوعمر عامر بن الحسن السمسار .
    4 ـ أبوسعد أحمد بن محمود الشاشي .
    5 ـ أبوطاهر سامان بن عبد الملك (15) .
    6 ـ الشيخ علي بن محمد الخوارزمي .
    7 ـ الشيخ محمد بن أبي القاسم بن ياجوك البقالي الخوارزمي اللغوي .

    ____________
    (13) انظر معجم الادباء 19 : 134 ، وفيات الاعيان 5 : 168 .
    (14) إنباه الرواة 3 : 266 .
    (15) الانساب 6 : 298 .

    ( 203 )

    8 ـ الشيخ أبوالفتح ناصر بن عبدالسيد بن المطرز (16) .
    شيوخه وأساتذته ومن سمع منهم :
    1 ـ أبومضر محمود بن جرير الضبي الاصبهاني .
    2 ـ أبوالحسن علي بن المظفر النيسابوري .
    3 ـ شيخ الاسلام أبومنصور نصر الحارثي .
    4 ـ أبوسعد الشقاني (17) .
    5 ـ أبوالخطاب بن البطر (18) .
    شعره :
    ورد شعر الزمخشري متفرقا في المصادر التي تعرضت لترجمته ، فحاولنا جهد الامكان أن نجمع شتات ما استطعنا العثور عليه فيها من الابيات الشعريه سواء كان قطعي الصدور عنه أو كان منسوبا إليه ، ونذكر مع كل قطعة شعرية مصدر النقل :
    قال الزمخشري :
    وسواه في جهلاته يتغمغم * العلم للرحمن جل جلاله
    يسـعى ليعلم أنه لا يعلم * مـا للتراب وللعلوم وإنما
    وقال أيضا :
    يدعي الفوز بالصراط السوي * كـثـر الشك والخلاف وكل
    ثـم حـبـي لاحمد وعـلي * فاعتصامي بـلا إلـه سـواه
    كيف أشقى بحب آل نبي ؟! * فاز كلب بحب أصحاب كهف

    ____________
    (16) روضات الجنات 8 : 123 .
    (17) معجم الادباء 19 : 127 .
    (18) العبر 2 : 455 ، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد : 228 .

    ( 204 )

    وقال في مدح تفسير الكشاف :
    وليس فيها لعمري مـثل كشافي * إن التفاسير في الـدنـيا بلا عدد
    فالجهل كالداء والكشاف كالشافي (19) * إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته

    وقال يرثي استاذه أبا مضر النحوي :
    تساقطها عيناك سمطين سمطين * وقـائـلـة ما هذه الدرر التي
    أبومضر اذني تساقط من عيني (20) * فقلت هو الدر الذي قد حشابه

    وقال أيضا يرثيه :
    سـتـعـلم بعد الموت أيهما أحـرى * أيا طـالـب الـدنيا وتارك الاخرى
    وذكـرت بالآيات لو تـنـفع الذكرى * ألم يقرعوا بالحق سمعك ؟! قل : بلى
    كأنك في اذنـيـك وقـر ولا وقـرا * أما وقر الطيش الذي فـيـك واعظ
    أم الله لـم يـودعـك لـبا ولا حجرا * أمن حـجـر صـلـد فؤادك قسوة
    وموت فريد العصر قد خرب العصرا * وما زال موت المرء يـخـرب داره
    فشبهت بالخنساء إذ فـقـدت صخرا (21) * وصك بـمـثل الصخر سمعي نعيه

    وقال أيضا :
    وأكـتـمـه ؛ كتمانه لي أسلم * إذا سألوا عن مـذهبي لم أبح به
    ابيح الطلا وهو الشراب المحرم * فإن حـنـفيا قلت ، قالوا بأنني
    ابيح لـهم أكل الكلاب وهم هم * وإن مالكيا قـلـت ، قالوا بأنني
    ابيح نـكاح البنت والبنت تحرم * وإن شـافعيا قلت ، قالوا بأنني
    ثقيل حـلـولـي بغيض مجسم * وإن حنبليا قـلـت ، قالوا بأنني
    يقولون تيس لـيس يدري ويفهم * وإن قلت من أهل الحديث وحزبه
    فما أحد من ألسن الناس يـسـلم * تعجبت مـن هـذا الزمان وأهله

    ____________
    (19) معجم الادباء 19 : 129 .
    (20) معجم الادباء 19 : 124 ، إنباه الرواة 3 : 267 .
    (21) إنباه الرواة 3 : 267 .

    ( 205 )

    على أنهم لا يعلمون وأعلم (22) * وأخـرنـي دهري وقدم معشرا
    وله أيضا :
    من وصل غانية وطيب عناق * سـهـري لتنقيح العلوم ألذ لي
    أشهى وأحلى من مدامة سـاق * وتمايلي طربا لحل عويصـة
    أحلى من الدوكاء والعـشـاق * وصرير أقلامي على أوراقها
    نقري لالقي الرمل عن أوراقي * وألـذ من نـقـر الفتاة لدفها
    نوما وتبغي بـعـد ذاك لحاقي (23) * أأبيت سهـران الدجى وتبيته
    وقال أيضا :
    وما تطيبنا النجل من أعين البقر * ألا قل لـسـعدى ما لنا فيك من وطر
    عيونهم والله يـجزي من اقتصر * فـإنـا اقتصرنا بـالـذين تضايقت
    ولم أر في الدنيا صـفاء بلا كدر * مليح ولـكـن عـنـده كـل جفوة
    إلى جنب حوض فيه للماء منحدر * ولم أنس إذ غـازلـته قرب روضة
    أردت به ورد الـخدود وما شعر * فـقـلـت لـه : جئني بورد وإنما
    فقلت له : هـيهات ما في منتظر * فقال : انتظرني رجع طرف أجئ به
    فقلت له : إنـي قنعت بما حضر (24) * فقال : ولا ورد سـوى الخد حاضر
    وله أيضا
    فـالاواقي لـماء وجهي أواقي (25) * لاتـلـمـنـي إذا وقـيـت الاواقـي
    وقال أيضا في ذم متابعة النساء :
    ولن يسـود فتى أعطى النسا رسنه * اعـص النساء فتلك الطاعة الحسنه

    ____________
    (22) مقدمة الفائق 1 : 9 .
    (23) مقدمة الفائق 1 : 8 .
    (24) وفيات الاعيان 5 : 172 ، سير أعلام النبلاء 20 : 155 ، وقال الذهبي معلقا : هذا شعر ركيك لارقيق .
    (25) روضات الجنات 8 : 126 .

    ( 206 )

    ولو سعى طالبا للعلم ألف سنه (26) * تـعـوقـه عن كمال في فضائله
    ومما ينسب إليه قوله :
    فـيـا ليتني قد مت قبل التزوج * تزوجت لم أعلم وأخطأت لم أصب
    ولـكـنني أبكي على المتزوج (27) * فوالله مـا أبكي على ساكني الثرى
    وينسب له في مدح الخمول :
    غـيـرك يطلب أساميا وكنى * اطـلـب أبا القاسم الخمول ودع
    تبرزه إن كـنـت عاقلا فطنا * شـبـه ببعض الاموات نفسك لا
    واجعل له من خـمـوله كفنا * ادفـنـه فـي البيت قـبل ميتته
    إذ أنت في الجهل تخلع الرسنا (28) * علك تـطـفـي مـا أنت موقده
    ومن شعره :
    أأنت أخـو ليلى ؟ فقال : يقال * أقول لظبي مـر بـي وهو راتع :
    يقال : أخو ليلى ؟ فقال : يقال * فقلت : وفي حكم الصبابة والهوى
    يقال : ويستسقى ؟ فقال : يقال (29) * فقلت : وفـي ظل الاراكة والحمى
    وقال أيضا :
    مرء وإلا فعـيـشـه كدر * لا بد في غفلة يعيش بها الـ
    ما لا يبالي بـمـثله الحذر * أمـا رأيـت الصحيح يؤلمه
    وله أيضا
    من لـيـس يبلغه لنا تسليم * أشمال ويحك بلغي تسليمي
    ليكون فيك من الحبيب نسيم * مـري بـه وتعلقي بردائه

    ____________
    (26 ) روضات الجنات 8 : 127 .
    (27) روضات الجنات 8 : 127 .
    (28) الكنى والالقاب 2 : 268 .
    (29) شذرات الذهب 4 : 121 .

    ( 207 )

    ولقد عهدتك بي وأنت رحيم * قولي له : ما بال قلبك قاسيا
    والله يعـلم أنـنـي مظلوم (30) * إني أجـلك أن أقول ظلمتني

    وأجاب الزمخشري الامير شبل الدولة أبوالهيجاء مقبل بن عطية البكري الذي مدحه بعدة أبيات فقال :
    فاعتلى منه نبات الجسد * شـعره أمطر شعبي شرفا
    بـات مسقيا بنوء الاسد * كيف لا يستاسد النبت إذا

    وقال أيضا في قصيدة طويلة يمدح بها الوزير مجير الدولة الاردستاني :
    ويـا حـبـذا أين استقل خيامها * أيا حـبـذا سـعـدى وحب مقامها
    وعزي وذلي وصلها وانصرامها * حياتي ومـوتي قرب سعدى وبعدها
    وإن كان لايقرا علي سـلامـها * سلام عـلـيها أين أمست وأصبحت
    وروض أرضـا سام فيه سوامها * رعى الله سرحا قد رعى فيه سرحها
    فقد أرغم المـسك الذكي رغامها * إذا سـحـبت سعدى بأرض ذيولها
    تنكس واسـتـعلى عليها قوامها (31) * وإن ما يـسـت قضبان بان رأيتها

    قال القفطي : وأنشدني أفضل الدين أميرك الزبياني له من قصيدة فيها :
    إذا التحبت فـيـها ذلاذل ريح * يفوح كفوح المسك فـاغم نشرها
    مقيما على تلك الصبابة فوحي * يقول لها الطش السماوي والصبا
    مناجم قيصوم منـابـت شيح * مضاجع سـعـدان مغارس حنوة
    يـجـاوبـه قمريها بـمـليح * اذا مـلـح المكاء رجع صغيره
    عـلـى وتر للموصلي فصيح (32) * كأن بـديـحا والغريض تطارحا

    ____________
    (30) إنباه الرواة 3 : 270 .
    (31 ) إنباه الرواة 3 : 267 .
    (32) إنباه الرواة 3 : 269 .




    عقيدته :
    أطبقت المصادر التي تعرضت لترجمة المصنف أنه كان حنفي المذهب معتزلي العقيدة ، ويقال انه لما صنف كتابه الكشاف استفتح الخطبة بالحمد لله الذي خلق القرآن . فقيل له : متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس فغيره بالذي أنزل القرآن ، وقيل : هذا اصطلاح الناس لا اصطلاح المصنف (33) .
    يقول فيه الذهبي : « صالح ، لكنه داعية إلى الاعتزال ، أجارنا الله ، فكن حذرا من كشافه » (34) .
    وقال ابن كثير « وكان يظهر مذهب الاعتزال ، ويصرح بذلك في تفسيره ويناظر عليه » (35) .
    ويظهر أن الزمخشري كان يعتد بما يذهب إليه كثيرا ، فقد ذكر ابن العماد الحنبلي ما لفظه : « وكان الزمخشري معتزلي الاعتقاد متظاهرا به حتى نقل عنه أنه كان إذا قصد صاحبا له واستأذن عليه في الدخول ، يقول لمن يأخذ له الاذن ، قل له : أبوالقاسم المعتزلي بالباب » (36) .
    إلا أن الامير محمد حسين الحسني الحسيني الاصفهاني ذهب ـ على ما نقله عنه صاحب الروضات ـ إلى أن الرجل تشيع في أواخر حياته ، بدليل ما ورد في « ربيع الابرار » من نصوص تشعر بهذا المعنى ، فقال : « فإنه لا ريب في كونه على مذهب أهل السنة والجماعة في مبادئ أمره ، كما يفصح عنه تصفح الكشاف ، فإنه سلك فيه مسلك الاعتساف في مسألة الامامة وما يتعلق بها ، ولذلك أجمعت الامامية على كونه من العامة ولم يجوز أحد من العلماء استبصاره ورجوعه ، ولكنه
    ____________
    (33) انظر مرآة الجنان لليافعي 3 : 270 .
    (34) ميزان الاعتدال 4 : 78 .
    (35) البداية والنهاية 12 : 219 .
    (36) شذرات الذهب 4 : 121 .

    ( 209 )

    لما اتفق لي مطالعة كتابه المسمى بـ « ربيع الابرار » وعثرت على كلام له صريح في التشيع لا يقبل التأويل ثم تصفحت وتفحصت فيه عما يؤكد ذلك فظفرت على غيره من الشواهد مما لا يجتمع مع قواعد العامة وتأويلاتهم من نحو ذكره لفضائل السيد الحميري وأشعاره الرائقة في فضائل أهل البيت عليهم السلام » (37 ) ثم ذكر عدة موارد من الكتاب تأكيدا لما يذهب إليه .
    وعلق السيد الخوانساري على الابيات التي قالها في مدح آل النبي صلى الله عليه وآله قائلا : « وفيه أيضا من الدلالة على تشيع الرجل ـ ولو في آخر عمره ـ ما لا يخفى » (38) .
    ولا نريد في هذه العجالة الخوض في لجج هذه المسألة ، بقدر ما قصدنا الاشارة إليها .
    وفاته :
    توفي الزمخشري بعد رجوعه من مكة المكرمة ليلة عرفة من سنة 538 هـ في جرجانية خوارزم ، وهي بضم الجيم الاولى وفتح الثانية وسكون الراء بينهما وبعد الالف نون مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها مفتوحة مشددة ثم هاء ساكنة ، قال ياقوت : يقال لها بلغتهم كركانج ، وقد عربت فقيل لها الجرجانية وهي على شاطئ جيجون .
    وأوصى أن تكتب على لوح قبره هذه الابيات :
    فـي ظلمة الليل البهيم الاليل * يا من يرى مد البعوض جناحها
    والمخ فـي تلك العظام النحل * ويرى عروق نياطها في نحرها
    ما كان منه في الزمان الاول * اغـفـر لعبد تاب من فرطاته

    ____________
    (37) روضات الجنات 8 : 120 .
    (38) روضات الجنات 8 : 127 .

    ( 210 )

    نحن والرسالة :
    من الطريف أن كل من ترجم للزمخشري وذكر مصنفاته ، لم يذكر رسالتنا هذه ولم يتعرض لها ، مما يضفي على هذه الرسالة أهمية خاصة لا تخفى على ذوى الالباب ، إلا أن هذه الحقيقة تفتح الابواب مشرعة أمام من يتسأل عن صحة نسبة الرسالة للزمخشري ، وجوابنا هو ما يلي :
    1 ـ إن اسلوب كتابة الرسالة من المتانة اللغوية والبلاغية بمكان ، يكاد يقطع كل من يطالعها إلى أنها ترتقي بمستواها إلى اسلوب الزمخشري الرفيع .
    2 ـ توجد هناك مجموعة من التعابير المجازية المستخدمة في الرسالة وجدتها بألفاظها ومعانيها في كتاب « أساس البلاغه » للزمخشري ، وفي هذا من الدلالة ما لا يستهان به .
    3 ـ قول السائل في مقدمة الرسالة التي بعثها للمؤلف : « ساعات سيدنا الامام الزاهد الحبر العلامة جار الله شيخ العرب والعجم » وقوله أيضا : (بعد أن جشم خاطره في « الكشاف عن حقائق التأويل ») يدل دلالة واضحة على أن مؤلف الرسالة هو الزمخشري صاحب الكشاف ، ويدل أيضا على أن تأليفها كان بعد تأليف كتاب الكشاف ، ولعل هذا يفسر عدم ذكر المصنف لهذه الرسالة في تفسير سورة الكوثر في كتابه الكشاف .
    منهج التحقيق :
    اعتمدت في تحقيق الرسالة على نسخة واحدة قام باستنساخها سماحة العلامة السيد عبد العزيز الطباطبائي عن النسخة المحفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق في تاريخ 17 ربيع الاول سنة 1383 هـ ، حيث تفضل علي بها مشكورا ، والنسخة المذكورة كان قد نقلها محمد سعيد بن عمر كرامة عن نسخة موجودة في المكتبة العارفية في المدينة المنورة ، صدرها بقوله : « رسالة في إعجاز سورة الكوثر التي هي

    ( 211 )

    أقصر السور للعلامة الطائر الصيت جار الله الزمخشري « وتوجد في النسخة حواشي كتبها الناسخ ، نقلت منها في ثلاثة موارد فقط رامزا لها بـ « هـ م » أي هامش المخطوط ، حفظا للامانة العلمية .
    وحاولت جهد الامكان أن أقدم نصا مضبوطا للقارئ ، أقرب ما يكون لما تركه المؤلف على أنه لم تقع في يدي أكثر من نسخة واحدة ، وفي ذلك من المصاعب ما لا يخفى على أصحاب الخبرة في هذه الميدان ، فسعيت لتحقيق هذا الغرض بتخريج أغلب الالفاظ الصعبة من المعاجم اللغوية ، ولا يفوتني أن أشكر أخي الاستاذ أسد مولوي الذي استفدت من ملاحظاته في هذا المضمار ، وترجمت لاغلب الاعلام الواردين في الرسالة ، وشرحت الامثال التي أقحمها المؤلف في سياق كلامه مع ذكرها مصادرها ، وتعرضت لشرح المصطلحات البلاغية والكلامية كـ « الالتفات » و« الصرفة » متوخيا بذلك تبسيط النص ، وخرجت النصوص الواردة من آيات وأحاديث وآثار ، ذيلت كل ذلك في هامش الكتاب الذي يعتبر ساحة عمل المحقق .
    آملا بعملي هذا أن يكون قد قدمت جهدا متواضعا يصب في خدمة المكتبة الاسلامية ، ورافدا لمسيرتها المباركة ، بما هو نافع من تراثنا المعطاء ، والحمد لله رب العالمين .
    حامد الخفاف21 رجب 1408 هـ



    ( 212 )

    هذه الرسالة المعروضة إلى العلامة الزمخشري من بعض معاصريه التي كانت رسالته الآتية جوابا عنها بيانا لما في ضمنها .




    بسم الله الرحمن الرحيم
    ساعات سيدنا الامام الزاهد الحبر العلامة جار الله شيخ العرب والعجم ، أدام الله إمتاع المسلمين ببقائه ، وإن كانت مقصورة على الاستعداد للمعاد ، مستغرقة في اتعاب خاطره الوقاد في فنون الاجتهاد ، لا يفتر طرفة عين عن تصنيف ينفث فيه سحره ، ويلفظ للغواصين فيه دره ، بعد أن جشم خاطره في « الكشاف عن حقائق التأويل » وأجال رويته في البحث عن وجوه التأويل ، مدئبا في الفكر مطاياه ، متغلغلا في علم البيان إلى زواياه وخباياه ، حتى ارتفع كتابا ساطعا بيانه ، جليا برهانه ، مشحونا بفوائد لا يدركها الاحصاء ، ومحاسن لا يقصرها الاستقصاء ، لكنه مع هذا يتوقع من دينه المتين وفضله المبين أن يتصدق على معشر الداعين لايامه ، الشاكرين لانعامه ، بالجواب عن اعتراضات تنزاح بسببه شبه المرتابين ، ليتوصلوا بنتائج خاطره ، وبركات أنفاسه ، إلى ثلج الصدور وبرد اليقين ، والله تعالى ولي توفيقه في مايكسبه جزيل المثوبة في العقبى ، وحسن الاحدوثة في الدنيا إن شاء الله .
    فمنها : سأل سائل فقال : ذكرتم أن لغة العرب لها من الفضيلة ما ليس لسائر اللغات ، فقلتم قولا غفلا ساذجا من غير أن تشيروا إلى بيان وجه التفضيل ، وتبينوا الخواص التي لاجلها أحدث وصف الفضيلة والشرف ، وتعدوها فصلا فصلا ، وتشيروا إليها شيئا فشيئا ، وما أنكرتم على من قال لكم : إن لغة العرب وغيرها من اللغات المختلفة كالسريانية والعبرانية والهندية والفارسية كلها على

    ( 213 )

    السواء ، لا فضيلة لبعضها على البعض ، وإنما هي مواضعات ورسوم واصطلاحات وضعت لاجيال الناس للافهام والاعلام ، لتكون دلالات على المقاصد والاغراض .
    وذكرتم أن في لغة العرب دقائق وأسرارا لا تنال إلا بجهد التأمل وفرط التيقظ ، فلا يخفى أن هذه الاسرار والدقائق لا يمكن دعواها في الاسماء المفردة والافعال المفردة والحروف المفردة ، وإنما يمكن دعوى هذه الاسرار على تقدير ارتباط الكلم ، وجعل بعضها يتصل بسبب بعض وينتظم ، ومثل هذا موجود في كل لسان إذا ربطت بعض الكلم ببعض ، وراعيت في ربطها الاليق فالاليق ، حصل لك المقرر والمقصود ، وقارن في هذه القضية لغة العرب وغيرها من اللغات على السواء .
    ومنها : أنه لا يخفى أن القرآن سيد معجزات رسولنا عليه الصلاة والسلام ، والعلم بكونه معجزا علم ضروري ، ولكن الشأن في بيان إعجازه ، فمن قائل يقول وهو النظام (1) ومن تبعه : إن الآية والاعجزية في القرآن اختصاصه بالاخبار عن الغيوب بما كان ويكون ، وبمنع الله العرب أن يأتوا بمثله . قال : وأما التأليف والنظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد ، لو لا أن الله تعالى منعهم وأعجزهم بمنع وعجز أحدثهما فيهم .
    ومن قائل يقول : وجه الاعجاز في القرآن أنه اسلوب من أساليب الكلام ، وطريقة ما عهدها العرب ولا عرفوها ، ولم تكن مقدورة لهم .
    ومن قائل يقوله : وجه الاعجاز فيه علمنا بعجز العرب العاربة عن أن
    ____________
    (1) هو إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري ، أبوإسحاق النظام ، من أئمة المعتزلة ، تبحر في علوم الفلسفة ، واطلع على أكثر ما كتبه رجالها من طبيعيين وإلهيين ، وانفرد بآراء خاصة ذكرها الشهرستاني في الملل والنحل ، تابعته فيها فرقة من المعتزلة ، سميت « النظامية » نسبة إليه ، أما شهرته بالنظام فبعض يقول :
    إنها من إجادته نظم الكلام ، وبعض يقول : إنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة ، توفي سنة 231 هـ .
    انظر « أمالي المرتضى 1 : 132 ، تأريخ بغداد 6 : 97 ، الملل والنحل 1 : 56 ، سفينة البحار 2 : 597 ، الاعلام 1 : 43 » .

    ( 214 )

    يأتوا بمثله ، وتركهم المعارضة مع تكرار التحدي عليهم وطول التقريع لهم ، فإذا عجز العرب عن ذلك فنحن أولى بالعجز .
    ومن قائل يقول : وجه الاعجاز فيه هو ما اختص به من الفصاحة والبلاغة التي بهرم عند سماعها ، وطأطأوا رؤوسهم عند طروقها ، وعليه الاكثرون .
    فإن عسى اعترض المعترض وقال :
    ماذا أعجزهم ؟ وما ذا أبهرهم ؟ ألفاظ القرآن أم معانيه ؟! إن قال : أردت الالفاظ مع شيء منهما لا يجب فضل البته على تقدير الانفراد ، لان الالفاظ [ لا ] تراد لنفسها ، وإنما تراد لتجعل دلالات على المعاني ، ولان الالفاظ التي نطق بها القرآن ليست إلا أسماء وأفعالا وحروفا مرتبطا بعضها ببعض ، ويستعملونها في مخاطباتهم ، وكذلك الجمل المنظومة .
    وإن قال : أعجزهم المعاني . يقال له : أليس انهم كانوا أرباب العقول وأهل الحجى ، يدركون غوامض المعاني بأفهامهم ، ولهم المعاني العجيبة ، والتمثيلات البديعة ، والتشبيهات النادرة .
    وإن قال : بهرم النظم العجيب . يقال له : أليس . معنى النظم هو تعليق الكلم بعضها ببعض ، وهي الاسماء والافعال والحروف ، ومعرفة طرق تعلقها ، كتعلق الاسم بالاسم ، بأن يكون خبرا عنه أوصفة له أو عطف بيان منه ، أو عطفا بحرف عليه ، إلى ماشاكله من سعة وجوهه ، وكتعلق الاسم بالفعل ، بأن يكون فاعلا له ، أو مفعولا ، إلى سائر فروعه واتباعه ، وكتعلق الحرف بهما كما هو مذكور في كتب النحو ، وهم كانوا يعرفون جميع ذلك ، وكانوا يستعملونه في أشعارهم وخطبهم ومقاماتهم ، ولو لم يعرفوا وجوه التعلق في الكلم ، ووجوه التمثيلات والتشبيهات ، لما تأتي لهم الشعر الذي هو نفث السحر .
    فحين تأتي لهم ذلك ، ومع هذا عجزوا عن المعارضة ، دل على أن الله تعالى أحدث فيهم عجزا ومنعا .

    ( 215 )

    قال : ولان الاعجاز في القرآن لو كان لمكان اختصاصه بالفصاحة والبلاغة لنزل القرآن من أوله إلى آخره في أعلى مراتب الفصاحة ، ولكان كله على نسق قوله تعالى : « وقيل يا ارض ابلعي مائك ويا سماء اقلعي وغيض الماء . . . » (2) . وليس كله نزل على هذا النسق ، بل فيه ما هو في أعلى مراتب الفصاحة كما ذكرنا ، وما هو دونه كقوله تعالى : « تبت يدا أبي لهب وتب » و« اذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالْفَتْحُ » و« قُلْ يَا اَيُّهَا الْكَافِرُونَ » .
    ولان الحال لا تخلو إما أن يقال لارتبة في الفصاحة أعلى من رتبة القرآن ، كما ذهب إليه بعض أهل العدل ، فقالوا : لو كان في المقدور رتبة أعلى منها لانزل الله سبحانه وتعالى عليها القرآن ، إذ لا يحسن أن يقتصر المكلف على أدنى البيانين مع قدرته على أعلاهما ، ولان في أعلى البيانين وجه الدلالة على صدق الرسول أقوى .
    واما أن يقال : بأن القرآن وإن كان فصيحا بليغا ففي مقدور الله تعالى ما هو أعلى منه مرتبة في الفصاحة . فيقول المعترض فهلا أنزله من أوله إلى آخره على أعلى مراتب الفصاحة التي ليس وراءها منتهى .
    قال : فهذا دليل على أن العمدة في الاعجاز ليس اختصاصه بالفصاحة والبلاغة لكن عجز ومنع أحدثهما الله تعالى فلم يشتغلوا بالمعارضة .
    ومنها : ان الله تعالى أنزل القرآن وأودع فيه من العلوم ما علم أن حاجة الخلق تمس إليه إلى قيام الساعة ، لاجرم بذل العلماء في كل نوع منه مجهودهم ، واستفرغوا فيه جهدهم ووسعهم ، فأهل الكلام ـ خصوصا أهل العدل والتوحيد ـ استظهروا في ما ذهبوا إليه من العدل والتوحيد بالآيات الواردة فيه على صحة ما اعتقدوه ، وعلى [ إبطال ] ما ذهب إليه أهل الاهواء والبدع وفساد ما انتحلوا .
    وأهل الفقه غاصوا في بحور النصوص فاستنبطوا منها المعاني وفرعوا الاحكام عليها .

    ____________
    (2) سورة هود 11 : 44 .

    ( 216 )

    وأهل التأويل خاضوا في محكمها ومتشابهها ، ومجملها ومفصلها ، وناسخها ومنسوخها .
    وأهل النحو بسطوا الكلام في تصانيفهم بسطا فكل أنفق على قدر ما رزق ، ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أنه شمر ذيله وادرع ليله (3 ) في بيان وجه الاعجاز على التفصيل سورة فسورة وآية فآية ، فابتدأ مثلا بفاتحة الكتاب فكشف عن وجه الاعجاز في ثلاث آيات منها ، ثم ترقى إلى ثلاث آيات اخر فكشف عنها أيضا وجه الاعجاز إلى أن ينتهي إلى آخرها ، مع شدة الحاجة إلى ذلك في كل زمان ، إذ حجة الله تعالى قائمة ، ومعجزته على وجه الدهر باقية .
    وكذلك لم ينقل أنهم صنفوا في هذا الباب على هذا الوجه تصنيفا مع تهالكم وولوعهم ، والعجب أنهم صنفوا في حلي الصحابة والتابعين وهيئاتهم ، فذكروا الطوال منهم والقصار ، ومن ابتلي منهم بالعمى والعور والعرج والعجمة والزمانة والشلل ، مع أن بالخلق مندوحة وغنية عن ذلك .
    وهذا أبوعثمان عمرو بن بحر الجاحظ (4) صنف كتبا في الجد والهزل تكاد لا تعد ولا تحصى ، فصنف كتابا سماه « القعرة والشفرة » (5) وآخر سماه « مفاخرة الشتاء والصيف » إلى أشباه هذا كثيرة ، صعد فيها وصوب ، وشرق وغرب ،
    ____________
    (3) يقال : « شمر ذيلا وادرع ليلا » أي استعمل الحزم واتخذ الليل جملا . « الصحاح ـ درع ـ 3 : 1207 » . (4) عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء ، الليثي ، أبوعثمان ، الشهير بالجاحظ : كبير أئمة الادب ، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة ، ولد سنة 163 هـ ، وكان مشوه الخلقة ، وفلج في آخر عمره ، له تصانيف كثيرة ذكرت في مظان ترجمته ، قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه ، مات في البصرة سنة 255 هـ .
    انظر « تأريخ بغداد 12 : 212 ، وفيات الاعيان 3 : 470|506 ، لسان الميزان 4 : 355|1042 ، ميزان الاعتدال 3 : 347|6333 ، شذرات الذهب 2 : 121 ، الاعلام 5 : 74 » .
    (5) إمرأة قعرة وقعيرة : بعيدة الشهوة ؛ عن اللحياني ، وقيل : هي التي تجد الغلمة في قعر فرجها ، وقيل : هي التي تريد المبالغة ، وقيل : نعت سوء في الجماع « لسان العرب ـ قعر ـ 5 : 109 » .
    والشفرة والشفيرة من النساء : التي تجد شهوتها في شفرها فيجيء ماؤها سريعا ، وقيل : هي التي تقنع من النكاح بأيسره ، وهي نقيض القعيرة « لسان العرب ـ شفر ـ 4 : 419 » .

    ( 217 )

    وحشاها بما لا حاجة للخلق فيه إلى معرفته ، ثم لما آل الامر إلى بيان وجه الاعجاز على التفصيل آية فآية وسورة فسورة ، ضم شفتيه ضما ، وختم على لسانه ختما ، فلم ينبس بكلمة أو كلمتين ، ورضي من الغنيمة بالاياب (6) .
    وإذ صح أن السلف رحمهم الله مع تقدم الخواص منهم في علم البيان ، والتبحر في الاحاطة بحقائق المعاني ، وصدق رغبتهم في إحراز الثواب ، وحاجتهم إلى أن يكون لهم لسان صدق في الآخرين ممر الاحقاب ، لم يشتغلوا ببيان الاعجاز على التفصيل في كل آية منه ، بل أعرضوا من ذلك بواحدة مع أنهم أشاروا إلى ذلك على سبيل الاجمال ، والحال لا تخلو إما أن يقال خفي عليهم وجه الاعجاز على التفصيل على هذا الوجه ، فلم يقفوا عليه ولم يهتدوا إليه أولا . فإن قيل :
    خفي عليهم ولم يقفوا عليه ولم يجدوا طريقا إليه . فيقال : إذن مؤنة البحث والتنقير عنهم ساقطة ، ووجوه العذر لهم في الاعراض عن ذلك ظاهرة .
    ولئن لم يخف عليهم فلم لم يصرفوا معظم همهم إلى هذا الامر العظيم ، والخطب الجسيم ، فيصنفوا ويشرحوا كما صنفوا في فروع الاحكام من الحلال والحرام ، وصنفوا في فروع الكلام ، فلم يبق إلا أن يقال : أحدث في الكل منعا منعهم عن ذلك لمصلحة رآها فيه .
    فهذه عدة أسئلة فليتفضل أدام الله علوه بالاجابه عنها ، والله يعصمه من الخطأ والزلل ، ويوفقه لاصابة القول والعمل ، إنه على ما يشاء قدير . تمت .
    * *

    ____________
    (6) مثل سائر ، أول من قاله امرؤ القيس بن حجر في بيت له ، وهو :
    وقد طوفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالاياب
    يضرب عند القناعة بالسلامة ، « مجمع الامثال 1 : 295|1560 » .

    ( 218 )

    بسم الله الرحمن الرحيم
    نمقت يد الاخ في الله الامام الصمصام زاده الله في الدين طمأنينة وثلجا (7) ، وفي مواقف الجدل فوزة وفلجا (8) ، صحيفة قد احتبى في تجويدها وتربع ، وتبدع في إنشائها وتبرع ، ولم يألها تمليحا وترشيقا ، وما ادخر عنها توشيحا وتطويقا ، وخرج سؤالات لوصك بها ابن الاهتم لهتمت أسنانه (9) ، أو ابن المقفع (10 ) لقفعت بنانه ، أو ابن القرية (11) لبقى خابطا في مرية (12) ، وإن أفرغ
    ____________
    (7) يقال : ثلجت نفسي بالامر تثلج ثلجا ، وثلجت تثلج ثلوجا إذا اطمأنت إليه وسكنت ، وثبت فيها ووثـقت به « النهاية ـ ثلج ـ 1 : 219 » .
    (8) الفالج : الغالب أو المنتصر ، انظر « النهاية ـ فلج ـ 3 : 468 » .
    (9 ) صكه ضربه شديدا ، ومنه قوله تعالى : « فصكت وجهها » ، وابن الاهتم هو عمرو بن سنان الاهتم ، وإنما لقب أبوه سنان بالاهتم لانه هتمت ثنيته يوم الكلاب أي كسرت ، يقال : هتمت الثنيه إذا كسرتها ، وهتمت هي إذا انكسرت .
    وعمرو هذا من أكابر سادات بني تميم وشعرائهم وخطبائهم في الجاهلية والاسلام وهو بليغ القول ، فصيح العبارة . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم « إن من البيان لسحرا » لما سمع منه ما قاله في حق الزبرقان بن بدر . انظر شرح رسالة ابن زيدون عند الكلام على قوله : (وعمرو بن الاهتم إنما سحر ببيانك) . « هـ م » .
    (10) عبد الله بن المقفع : من أئمة الكتاب ، وأول من عنى في الاسلام بترجمة كتب المنطق ، ولد في العراق مجوسيا ، وأسلم على يد عيسى بن علي (عم السفاح ) ، وولي كتابة الديوان للمنصور العباسي ، وأنشأ وسائل غاية في الابداع ، واتهم بالزندقة فقتله في البصره أميرها سفيان بن معاوية المهلبي سنة 142 هـ ، وأما المقفع أبوه فاسمه المبارك ، ولقب بالمقفع لان الحجاج ضربه فتقفعت يده أي تشنجت .
    انظر « أمالي المرتضى 1 : 94 ، لسان الميزان 3 : 366 ، الاعلام للزركلي 4 : 140 » .
    (11) هو أيوب بن زيد بن قيس بن زرارة الهلالي : أحد بلغاء الدهر ، خطيب يضرب به المثل ، يقال : « أبلغ من ابن القرية » والقرية جدته ، قتله الحجاج سنة 84 بعد أن أسره في وقعة دير الجماجم بعد أن قال له : والله لازيرنك جهنم ! قال : فأرحني فإني أجد حرها ! فأمر فضربت عنقه . ولما رآه قتيلا قال : لو تركناه حتى نسمع كلامه . وأخباره كثيرة .
    انظر « وفيات الاعيان 1 : 250|106 ، الكامل في التاريخ 4 : 498 الاعلام 2 : 37 » .
    (12) المراء : الجدال ، والتماري والمماراة : المجادلة على مذهب الشك والريبة « النهاية ـ مرا ـ 4 : 332 » .

    ( 219 )

    صماخ قريته (13) ، وهكذا جحاجحة العرب ، لا تتخطاهم في رشق أصابه ، ولا تسقط لنازعهم في قوس نشابه (14) .
    وسألني الاجابة عن تلك السؤالات بنظم رسالة من أبلغ الرسالات ، تقع من السائل موقع الفرات (15) من الحران (16) ، وتنزل منه منزلة السداد من الحيران ، وكرر الطلب وردد ، وألح فيه وشدد ، وضيق علي الامر وعوصه ، وقال : أنت الذي عينه الله وشخصه ، حتى لم أجد بدا من إجابته إلى ما أراد ، وإسعافه بما ابدأ فيه وأعاد ، وكان أمثل الامرين أن الجم نفسي وأحجرها ، وأن القمها حجرها ، ولا أفغر بمنطق فما ، ولا أبل بجواب قلما ، وليس بين فكي لسان دافع ، وليس في ماضغي ضرس قاطع ، ولا بين جنبي نفس حركة نشيطة ، ولكن حردة (17) مستشيطة ، لما أنا مفجوع به من مفارقة كل أخ كان يسمع مني الكلمة الفذة فيضعها على رأسه ، ويعض عليها بأضراسه ، ويتقبلها بروحه ، ويلصقها بكبده ، ويجعلها طوقا في أعلى مقلده ، ويسكنها صميم فؤاده ، ويخطها على بياض ناضره بسواده ، لولا خيفة أن تسول له نفسه أنني أقللت الاكتراث بمراسلته ، وأخللت الاحتفال بمسألته ، وأن يقول بعض السمعة ـ ممن يحسب لساني لسان الشمعة ـ :
    أقسم بالله قسما ما وجد في ديسم (18) دسما ، فمن ثم ضرب عنه صفحا ، وطوى
    ____________
    (13) أفرغ : صب ، وصماخ ككتاب : الاذن ، وكغراب : الماء ، وقرية : الحوصله . والمراد بها ما اشتهر به من البلاغة حتى صارت له كالعلم ، كما صار اسم حاتم للكرم ، والتفسير عليها دون القرية واحدة القرى ، ودون القربة سقاء الماء واللبن ، أي وإن صب اذن حافظته ، أو استنزف ماء قريحته ، كناية عن إجهاد نفسه في البيان ، وخنق فرسه في الميدان ، فهذه الاسئلة إن قرعت له سمعا يضيق بها ذرعا ، ويبقى خابطا في الشك والجدل ، لا حول له بها ولا حيل . « هـ م » .
    (14) لا تسقط أي لا تخطئ ، ونزع القوس مدها ، ونشابه أي نبله ، أي هذه السؤالات كما يقصر عنها المذكورون من أئمة الادب ، فإنها تصيب بلاغة سادات العرب ، ولا تخطئ نبل متقوسهم في ارب . « هـ م » .
    (15) الفرات : أشد الماء عذوبة « لسان العرب ـ فرت ـ 2 : 65 » .
    (16) الحران : العطشان « مجمع البحرين ـ حرر ـ 3 : 264 » .
    (17) يقال : حرد الرجل حرودا إذا تحول عن قومه وانفرد . انظر « النهاية ـ حرد ـ 1 : 362 » .
    (18) الديسم : بالفتح ولد الدب ، قال الجوهري : قلت لابي الغوث : يقال إنه ولد الذئب من الكلبة ،
    ==

    ( 220 )

    عنه كشحا ، ولم يوله لمحه طرف ، ولم ينطق في شأنه بحرف .
    أما العرب فقد صح أن لغتها أصح اللغات ، وأن بلاغتها أتم البلاغات ، وكل من جمح في عنان المناكرة ، وركب رأسه في تيه المكابرة ، ولم يرخ للتسليم والاذعان مشافره (19) فما أفسد حواسه ومشاعره ! وهو ممن أذن بحرب منه لعقله الذي هو إمامه في المراشد ، ولتمييزه الذي هو هاديه إلى المقاصد .
    إعلم يا من فطر على صلابة النبع ، وامد بسلامة الطبع ، ووفق للمشي في جادة العدل والانصاف ، وعصم من الوقوع في عاثور الجور والاعتساف ، فإن واضع هذا اللسان الافصح العربي من بين وضاع الكلام ، إن لم يكن واضعه رافع السماء وواضع الارض للانام ، فقد أخذ حروف المعجم التي هي كالمادة والعنصر ، وبمنزلة الاكسير والجوهر ، فعجمها مبسوطات فرائد ، ودافها (20) الواحد فالواحد ، وتقلقلت في يده قبل التأليف ، تقلقل الدنانير في أيدي الصياريف (21) ، حين تراهم ينفون زيفها وبهرجها (22) ، ويصطفون إبريزها وزبرجها ، فتخير من بينها أطوعها مخارج ، وتنخل منها أوطأها

    ____________
    ==
    فقال : ما هو إلا ولد الدب ، وقال في المحكم : إنه ولد الثعلب . وقال الجاحظ : إنه ولد الذئب من الكلبة ، وهو أغير اللون وغبرته ممتزجه بسواد ، وحكمه تحريم الاكل على كل تقدير . « الحيوان 1 : 343 » .
    (19) الشفر : بالضم ، وقد يفتح ، حرف جفن العين الذي ينبت عليه الشعر « النهاية ـ شفر ـ 2 : 484 » .
    (20) داف الشيء دوفا وأدافه : خلطه « لسان العرب ـ دوف ـ 9 : 108 » .
    (21) لم يرد جمع الصيرفي أي النقاد على هذه الصيغة إلا في الشعر قال ابن منظور : « الجمع صيارف وصيارفة ، والهاء للنسبة ، وقد جاء في الشعر الصيارف ، فأما قول الفرزدق :
    تنفى يداها الحصى في كل هاجرة * نفي الدراهيم تنقاد الصيارف

    فعلى الضرورة لما احتاج إلى تمام الوزن أشبع الحركة ضرورة حتى صارت حرفا » .

    وقال الفيروز آبادي : « وقد جاء في الشعر صياريف » ولعل ما أورده الزمخشري تبعا لاقتضاء سجع العبارة ظاهرا ، انظر « لسان العرب 9 : 190 ، القاموس المحيط 3 : 162 ، مادة صرف » .
    (22) البهرج : الباطل ، واللفظة معربة . وقيل كلمه هنديه أصلها نبهله ، وهو الردئ ، فنقلت إلى الفارسية ، فقيل نبهره ، ثم عربت فقيل : بهرج . « النهاية ـ بهرج ـ 1 : 166 » .

    ( 221 )

    مدارج وميز أسلسها على الاسلات (23) ، وأعذبها على العذبات (24) ، وأحلاها في الذوق وأسمحها ، وأبهاها عند السبر وأملحها ، وأبعدها من مج الاسماع ، وأقربها امتزاجا بالطباع ، وأوقعها لفحول الامة الناغمة بأجراسها ، وأحسنها طباقا لطرق أنفاسها .
    ولما انتقل من انتقاء وسائطها ، بعد انتقاد بسائطها ، إلى أن يؤلف ويركب ، ويرصف ويرتب ، عمد في عمل التراكيب إلى أشرف الانماط والاساليب ، فألف أنماطا تستهش (25) أنفس الناطقين ، وكلمات تتحلب (26 ) لها لهى (27) الذائقين ، وتجول في فجوات الافواه ، فتتمطق (28) بها مستلذات ، ويطرق بها الآذان فتهوي بها مغذات (29) ، وما طنت على مسامع أحد من أجيال الاعاجم ، وأخياف الطماطم (30) إلا أصغى إليها متوجسا ، وأصاخ لها مستأنسا ، وأناس (31) فوديه (32) مستعجبا ، وأمال عطفيه مستغربا ، وقال : ما هذا اللسان المستلذ على الصماخ (33) إيقاعه ، المحولى في مخارق الآذان استماعه ، المفارق لجميع اللغات والالسنة ، المصون من الحروف الملكنة .

    ____________
    (23) الاسلات : جمع أسلة ، وهي طرف اللسان « النهاية ـ أسل ـ 1 : 49 » .
    (24) عذبة اللسان : طرفه ، والجمع « عذبات » كقصبة وقصبات . « مجمع البحرين ـ عذب ـ 2 : 117 » .
    (25) يقال : استهشني أمر كذا فهششت له أي استخفني فخففت له « لسان العرب ـ هشش ـ 6 : 364 » .
    (26) تحلب العرق وانحلب أي سال « الصحاح ـ حلب ـ 1 : 115 » .
    (27) جمع لهاة ، وهي اللحمات في سقف أقصى الفم « النهاية ـ لها ـ 4 : 284 » .
    (28) يقال : ذاقه فتمطق له إذا ضم شفتيه إليه وألصق لسانه بنطع فيه مع صوت « أساس البلاغة : 432 » .
    ( 29) مغذات : مسرعات .
    (30) أخياف أي مختلفون ، والطماطم جمع طمطم ، وهو الذي في لسانه عجمة لايفصح . انظر « أساس البلاغة ـ خيف ـ 124 ، الصحاح ـ طمم ـ 5: 1976 » .
    (31) ناس الشيء ينوس نوسا ونوسانا : تحرك وتذبذب متدليا . « لسان العرب ـ نوس ـ 6 : 245 » .
    (32) الفَوْدُ : معظم شعر الرأس ممايلي الاذن ، ووفودا الرأس جانباه « لسان العرب ـ فود ـ 3 : 340 » .
    (33) صماخ الاذن بالكسر : الخرق الذي يفضي إلى الرأس ، وهو المسيع ، وقيل هو الاذن نفسها « مجمع البحرين ـ صمخ ـ 2 : 437 » .

    ( 222 )

    وما ذاك إلا لان حكم المسموعات حكم المبصرات والممسوسات ، وغيرها من سائر المحسوسات ، فكما أن الاعين فارقة بين المناظر العثاث والملاح ، والاوجه القباح والصباح ، والانوف فاصلة بين الاعطار الفوائح ، وبين مستكرهات الروائح ، والافواه مميزة بين طعوم المآكل والمشارب وبين المستبشعات منها والاطائب ، والايدي مفرزة لما استلانت مما استخشنت ، ولما استخفت مما استرزنت (34) ، كذلك الآذان تعزل مستقيمات الالحان من عوجها ، وتعرف مقبول الكلام من ممجوجها ، والالسن تنبسط إلى ما أشبه من الكلام مجاج الغمام (35) ، وتنقبض عما يشاكل منه اجاج (36) الجمام (37) ، وهذه طريقة عامية يسمعها ويبصرها ويسلمها ولا ينكرها من يرى به شيء من طرف ، أو يرامق (38) بأدنى عرف .
    وأما الطريقة الخاصية التي تضمحل معها الشبه ، ويسكت عندها المنطق المفوه ، فما عنى بتدوينه العلماء ، ودأب في تضييفه العظماء ، في ألفاظ العربية وكلمها ، من بيان خصائصها ونوادر حكمها ، مما يتعلق بذاوتها ، ويتصل بصفاتها ، من العلمين الشريفين ، والعلمين المنيفين ، وهما علم الابنية وعلم الاعراف ، المشتملان على فنون من الابواب ، وناهيك بكتاب سيبويه (39) الذي
    ____________
    (34) رزنت الشيء أرزنه رزنا ، إذا رفعته لتنظر ما ثقله من خفته ، وشيء رزين أي ثقيل « الصحاح ـ رزن ـ 5 : 2123 » .
    (35) مجاج الغمام : مطره . انظر « لسان العرب ـ مجج ـ 2 : 362 » .
    (36) ماء اجاج أي ملح ؛ وقيل : مر ، وقيل : شديد المرارة ؛ وقيل : الاجاج : الشديد الحرارة . « لسان العرب ـ أجج ـ 2 : 207 » .
    (37) الجمة : المكان الذي يجتمع فيه ماؤه ، والجمع الجمام . « الصحاح ـ جمم ـ 5 : 1890 » .
    (38) رمقه بعينه رمقا : أطال النظر إليه « مجمع البحرين ـ رمق ـ 5 : 173 » .
    (39) هو عمرو بن عثمان بن قنبر ، مولى بني الحارث ، يكنى أبا بشر وأبا الحسن ، الملقب بـ « سيبويه » ومعناه بالفارسية : رائحة التفاح ، ولد في إحدى قرى شيراز ، وقدم البصرة فلزم الخليل ابن أحمد ففاقه ، وصنف كتابه المعروف بـ « كتاب سيبويه » في النحو ، لم يصنع قبله ولا بعده مثله ، توفي سنة 180 هـ ، وفي مكان وفاته والسنة التي مات بها خلاف .
    انظر « انباه الرواة 2 : 346|515 ، وفيات الاعيان 3 : 463|504 ، تأريخ بغداد
    ==

    ( 223 )

    هو الكتاب ، يطلق فلا تضله الالباب ، وهو الديوان الاقدام ، والميزان الاقوم ، والقانون الذي هو لكل محتذ مثال ، والمعقل الذي لكل منضو تمثال ، وكأنه الرأس الذي هو رئيس الاعضاء ، والراز (40) الذي بيده مطمر (41) البناء ، والامام الذي إن نزلت بك شبهة أنزلتها به ، وإن وقعت بك معضلة أوردتها على بابه ، والحكمة التي قيدت بها الفلاسفه فهي حاجلة (42) فراسفه (43) .
    وأحـربـأن تعتاص تلك وتشتدا * حشا غامضات سيبويه كتابه
    فلم يجدوا من مرجع القهقرى بدا * إذا وقع الاحبار فيها تحيروا
    آخران :
    على عمرو بن عثمان بن قنبر * ألا صلى المليك صلاة صدق
    بـنـو قـلـم ولا أبناء منبر * فـإن كتابه لـم يغن عـنـه
    ثم لا تسأل عن تناسق هذه اللغة وتتاليها ، وعن تجاذب أطرافها وتجاليها ، وما ينادي عليه طرق اشتقاقها من حسن تلاؤمها واتفاقها ، يصادف المشتق الصيغ متناصره ، آخذا بعضها بيد بعض متخاصره ، ووراء ذلك من الغرائب ما لا ينزف وإن نزف البحر ، ومن الدقائق ما لا يدق معه الكهانة والسحر ، ولايعرف ذلك إلا من فقه فيها وطب (44) ، وزاولها مذ شب إلى أن دب ، وضرب آباطها (45) ، حتى بلغ نياطها (46) .

    ____________
    ==
    12 : 195|6658 ، الاعلام 5 : 81 » .
    (40) الراز : رأس البنائين « النهاية ـ روز ـ 2 : 276 » .
    (41) المطمر : الزيج الذي يكون مع البنائين « الصحاح ـ طمر ـ 2 : 726 » .
    (42) الحجل والحجل : القيد ، يفتح ويكسر ، والحجل : مشي المقيد ، وحجل يحجل حجلا إذا مشى في القيد « لسان العرب ـ حجل ـ 11 : 144 » .
    (43) الرسف : مشي المقيد ، ورسف في القيد : مشى مشي المقيد ، وقيل : هو المشي في القيد رويدا ، فهو راسف « لسان العرب ـ رسف ـ 9 : 118 » .
    (44) رجل طب بالفتح ، أي عالم « الصحاح ـ طبب ـ 1 : 171 » .
    (45) من المجاز قولهم : نزل بإبط الرمل ، وهو مسقطه ، وبإبط الجبل ، وهو سفحه ، وضرب آباط المفازة ، وتقول : ضرب آباط الامور ومغابنها واستشف ضمائرها وبواطنها « أساس البلاغة ـ أبط ـ 1 » .
    (46) النوط : عرق غليظ علق به القلب من الوتين ، قال أبوطالب في رسول الله صلى الله عليه وآله :
    ==



    ولا أذكر لك ما في كلام فصحائهم ، من خطبائهم وشعرائهم ، من طرق فصاحة انتهجوها ، وخيل بلاغة ألجموها وأسرجوها ، وما وجد في مراكضهم ومضاميرهم ، من سبقهم ومحاضيرهم ، من الافتنان في بابي الكناية والمجاز ، وإصابة مواقع الاشباع والايجاز ، والابداع في الحذف والاضمار ، والاغراب في جملة اللطائف والاسرار ، فإنك تعارضني بأن هذه الاشياء أشرك الله فيها العقلاء ، ورأينا الاعاجم قد صنفوا فيها معاجم ، فكم في الفرس من الفرسان ، وما أهل خراسان بالخرسان ، على أني لو قلت تلك (47 ) لوجدت مقالا ، وصادفت لفرسي مجالا ، ولاصبت فيه وجها من الاحتجاج ، وردا للشغب واللجاج ، فإن هذه الاشياء لا تجمل ولا تجزل ولا تنبل ولا تفحل ، ولا تحسن ولا تبهى ، ولا تختال ولا تزهى ، إلا واقعة في هذا اللسان ، دائرة بين أظهر هذا البيان ، ومثل ذلك مثل الوشي الفاخر ، والحلي من سري الجواهر ، تلبسها الحسناء فتزيدها حسنا إلى حسن ، وتعطيها زينا إلى زين ، فإن نقلتها إلى الشوهاء تخاذل أمرها وتضاد ، وتناقض وتراد ، وعصف بنصف حسنها وزينها ، ما تطلعه الشوهاء من قبحها وشينها ، وكفاك بما عددت عليك أدلة متقبلة ، وشهودا معدلة ، على أن هذا اللسان هو الفائز بالفصل ، الحائز للخصل (48) ، وأن ما عداه شبه (49 ) إلى العسجد ، وشب (50) إلى زبرجد .
    ثم اسمع بفضلك ، فقد آن أن أفذلك ( 51) ، وأختم هذا الفصل بما يحلق
    ____________
    ==
    بني أخـــي ونوط القلب منـــي * وأبـيـض مـــاؤه غـدق كثير

    ومن المجاز : مفازة بعيدة النياط أي الحد والمتعلق ، ولا يخفى ما في المتن من تعبير مجازي ، انظر « أساس البلاغة ـ نوط ـ 476 » .
    ( 47) الكلمه قلقة في هذه العبارة .
    (48) يقال : أصاب خصله واحرز خصله : غلب على الرهان ، وقال بعضهم : الخصلة الاصابة في الرمي « لسان العرب ـ خصل ـ 11 : 206 » .
    (49) الشبه والشبه : النحاس الاصفر ، انظر « لسان العرب ـ شبه ـ 13 : 55 » .
    (50) الشب : حجر معروف يشبه الزاج ، وقد يدبغ به الجلود « النهاية ـ شبب ـ 2 : 439 » .
    (51) يقال : فذلك حسابه أنهاه وفرغ منه ، « القاموس المحيط ـ فذلك ـ 3 : 315 » .

    ( 225 )

    الحلاقم (52) ويَجز الغلاصم(53) ، وهو أن الله تعالى ادخر لمحمد عليه صلاته وسلامه كل فضيلة ، وزوى عنه كل رذيلة ، واختصه بكل توقير ، وبعد حاله من كل تحقير ، واختار له كل ما يقع عليه الاختيار ، وخوله ما يطول به الافتخار ، فجعل ذاته خيرة الانس ، وصفوة الانبياء ، وسيد الاموات والاحياء ، والامة التي انتضاه منها خير امة ، والائمة الذين استخلفهم بعده خير أئمة ، وكتابه الذي أنزل عليه خير كتاب ، وأصحابه الذين قرنهم به خير أصحاب ، وزمانه الذي بعثه فيه خير زمان ، ولسانه الذي نطق به خير لسان ، ولا يحسن أن ينزل على أفضل رسول ، أفضل كتاب بلسان مفضول ، ومن لم يعقل عن الله تعالى : (بلسان عربي مبين) (54) فلا عقل ، ومن لم ينقل : (خير اللسان العربي) فلا نقل ، ثم هو لسان أهل الجنة ، وذلك طول من ذي الطول والمنة .
    ووجدت العرب كما يتباهون بالشدة في مواطن الحرب ، وبالنجدة في مقاوم الطعن والضرب ، وبدقهم في النحور صدور الرماح ، وحطمهم في الرقاب متون الصفاح ، يتحلقون فيعدون أيامهم في الجاهلية والاسلام ، ووقائعهم في أشهر الحل والاحرام ، كذلك حالهم في التباهي بالكلام الفحل ، والتباري في المنطق الجزل ، والافتخار بالالسن اللد ، وإرسالها في أودية الهزل والجد ، وبثبات الغدر (55) في مواقف الجدل والخصام ، وعند مصاك الركب ومصاف الاقدام ، ليسوا في مجالدتهم بأشد منهم في مجادلتهم ، ولا في مقاتلتهم بأحد منهم في مقاولتهم ، ولقد نطقت بذلك أشعارهم ، وشهدت به آثارهم .
    ____________
    (52) الحلقوم : الحلق ، وقال الزجاج : الحلقوم بعد الفم وهو موضع النفس وفيه شعب تتشعب منه ، وهو مجرى الطعام والشراب « المصباح المنير ـ حلق ـ 146 » .
    (53) الغلصمة : رأس الحلقوم بشواربه وحرقدته ، وهو الموضع الناتئ في الحلق ، والجمع الغلاصم ، وقيل : الغلصمة اللحم الذي بين الرأس والعنق . وقيل : متصل الحلقوم بالحلق إذا ازدرد الآكل لقمنه فزلت عن الحلقوم ، وقيل : هي العجرة التي على ملتقى اللهاة والمريء ، « لسان العرب ـ غلصم ـ 12 : 441 » .
    (54) سورة الشعراء 26 : 195 .
    (55) يقال : رجل ثبت الغدر : أي ثابت في قتال أو كلام « الصحاح ـ غدر ـ 2 : 766 » .

    ( 226 )

    قال لبيد (56) :
    ببياني ولـسـانـي وجدل * ومقام ضـيق فرجته
    زل عن مثل مقامي وزحل (57) * لو يقوم الفيل أو فياله
    ورأيتهم يسؤون بين الجبناء واللكن ، ولا يفصلون بين العي والجبن ، ويستنكفون من الخطأ واللحن .
    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ، واسترضعت في سعد بن بكر ، فأنى يأتيني اللحن » (58) .
    ويتحرون أن ينطقوا بالكلم الفصاح ، وأن يمضوا فيها على الاساليب الصحاح ، باحثين عن مفرق الصواب ، ومصيبين منحر الاعراب ، متيقضين لما يستفصح ، متنبهين على ما يستملح ، يسمعون الكلمة العيناء فيشرئبون لها ، واللفظة العوراء فيشمئزون منها .
    قال بعض امراء العرب لاعرابي رأى معه ناقة فأعجب بها : هل أنزيت عليها ؟ قال : نعم أضربتها أيها الامير ! قال : أضربتها ؛ قد أحسنت حين أضربتها ، نعم ما صنعت إذ أضربتها ، فجعل يرددها .
    قال الراوي : فعلمت أنه إنما يريد أن يثقف بها لسانه .
    ____________
    (56) لبيد بن ربيعة بن مالك ، أبوعقيل العامري ، أحد الشعراء الفرسان الاشراف في الجاهلية من أهل عالية نجد ، أدرك الاسلام ، ووقد على النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ، ويعد من الصحابة ومن المؤلفة قلوبهم ، وترك الشعر ، فلم يقل في الاسلام إلا بيتا واحدا ، قيل هو :
    ما عاتب المرء الكريم كنفسه * والمرء يصلحه الجليس الصالح
    وسكن الكوفة ، وعاش عمرا طويلا ، وهو أحد أصحاب المعلقات ، ومطلع معلقته :
    عفت الديار محلها فمقامها * بمنى تأبد غولها فرجامها
    توفي سنة 41 للهجرة . « الاعلام 5 : 240 » . (57) زحل الشيء عن مقامه : أي زل عن مكانه « لسان العرب ـ زحل ـ 11 : 302 » وفيه البيت الثاني عن البيد .
    (58) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال 11 : 404 |31884 باختلاف يسير .

    ( 227 )

    وسمعت أنا كوفيا يسأل بدويا عن ماوان ( 59) وقد شارفناها ، فقال : هي ميهة . فقال الكوفي : أميه مما كانت ؟ قال : إي والله أموه مما كانت . كأنه يصححها عليه .
    ورأيت الخلق في المسجد الحرام يترادون الكلام في اللغات الفصحى ، ويتعادون من له في ميدان البلاغة الخطا الفسحى ، ويتذاكرون الكلمات التي تزيغ فيها الحاضرة (60) عن السنن ولا ينقحونها من العجر (61) والابن (62) كأن أفواههم للحكمة ينابيع ، وهم على ذلك مطابيع .
    هذا ، ولما سمعت العرب القرآن المجيد ملات الروعة قلوبهم وملكت نفوسهم ، وهز الاستعجاب مناكبهم ، وأنغض رؤوسهم ، وبقي أذلقهم لسانا ، وأعرقهم بيانا ، كالمحجوج إذا أبكتته الحجة ، فأخذته الرجة ، وكالياسر إذا أصبح مقمورا مقهورا ، فقعد مبهوتا مبهورا ، وكالصريع إذا عن له من لا يبالي بصراعه ، وكالمرتبع (63) إذا غلبه من لا يلتفت إلى ارتباعه ، ولقد قابلوه بأفصح كلامهم ، فقال منصفوهم : جرى الوادي فطم على القري (64) ، ومن يعبأ بالعباء مع الوشي العبقري (65) .
    ____________
    (59) ماوان: واد فيه ماء بين الفقرة والربذة فغلب عليه الماء فسمي بذلك الماء ماوان . قال في المعجم : فأما ماوان السنور فليس بينه وبين مساكن العرب مناسبة ولعل أكثرهم ما يدري ما السنور : وهي قرية في أودية العلاة من أرض اليمامة ، انظر « معجم البلدان 5 : 45 ، مراصد الاطلاع 3 : 1222 » .
    (60) أي أهل الحضر لانهم مظنة اللحن .
    (61) العجر : جمع عجرة ، وهي العقدة في عود وغيره ، ويقال : في كلامه عجر فيه وتعجرف أي جفوة « أساس البلاغة ـ عجر ـ 294 » .
    (62) الابن : العقد تكون في القسى تفسدها وتعاب بها « النهاية ـ ابن ـ 1 : 17 » .
    (63 ) ربع الحجر وارتباعه إشالته ورفعه لاظهار القوة « النهاية ـ ربع ـ 2 : 189 » .
    ( 64) مثل سائر ، معناه : جرى سيل الوادى فطم ، أي دفن ، يقال : طم السيل الركية : أي دفنها ، والقري : مجرى الماء في الروضة ، والجمع أقرية وقريان و« على » من صلة المعنى : أي أتى على القري ، يعني أهلكه بأن دفنه ، انظر « مجمع الامثال 1 : 159|823 » .
    (65) الوشي من الثياب معروف ، والعبقري : الديباج ، انظر « الصحاح ـ وشي ـ 6 : 2524 ، النهاية ـ عبقر ـ
    ==

    ( 228 )

    وقال الوليد بن المغيرة المخزومي (66) : والله لقد نظرت فيما قال هذا الرجل ، فإذا هو ليس بشعر ، وإن له لحلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمعذق (67) ، وإنه ليعلو وما يعلى (68) .
    وبلغنا أن أعرابيا صلى خلف ابن مسعود (69) رضي الله عنه فتعتع في قراءته ، فقال الاعرابي : ارتبك الشيخ ، فلما قضى ابن مسعود صلاته ، قال : يا أعرابي إنه والله ما هو من نسجك ولا من نسج آبائك ، ولكنه عزيز من عند عزيز نزل ، وهو الحمال ذو الوجوه ، والبحر الذي لاتنقضي عجائبه . قال الله لموسى عليه السلام : إنما مثل كتاب محمد في الكتب كمثل سقاء فيه لبن كلما مخضته استخرجت زبده .
    فحينما عجزوا عن المماتنة (70) ، فزعوا إلى المفاتنة ، ولما لم يقدروا على المقابلة أقبلوا على المقاتلة ، فكان فزعهم إلى شيء ، ليس من المتحدى فيه في
    ____________
    ==
    3 : 173 » .
    (66) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ، أبوعبد شمس ، من قضاة العرب في الجاهلية ، ومن زعماء قريش ، ومن زنادقتها ، أدرك الاسلام وهو شيخ هرم فعاداه وقاوم دعوته ، ذكره ابن الاثير في الكامل تحت عنوان : ذكر المستهزئين ومن كان أشد الاذى للنبي (صلى الله عليه وآله) ، وهو والد خالد بن الوليد ، هلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر وهو ابن خمس وتسعين سنة ، ودفن بالحجون ، انظر « الكامل في التاريخ 2 : 71 ، الاعلام 8 : 122 » .
    (67) أي له شعب وجذور ، وفي بعض المصادر : لمغدق ، وهو من الغدق أي الماء الكثير ، وفي بعضها الآخر : لعذق ، والعذق : النخلة ، وهو استعارة من النخلة التي ثبت أصلها .
    (68) ورد باختلاف في لفظه في دلائل النبوة 2 : 198 ، تأريخ الاسلام : 155 ، السيرة النبوية 1 : 289 ، الوفا بأحوال المصطفى : 55 ، وأخرجه الحاكم النيسابوري في مستدركه 2 : 506 ، عن ابن عباس ، وقال : هذا حديث صحيح الاسناد على شرط البخاري ، ولم يخرجاه .
    (69) عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي ، أبو عبد الرحمن ، من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) السابقين إلى الاسلام ، وولي بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) بيت مال الكوفة ، ثم قدم المدينة في خلافة عثمان ، فتوفي فيها عن نحو ستين عاما في سنة 32 هـ .
    انظر « الاصابة في تمييز الصحابة 2 : 368|4954 ، تهذيب التهذيب 6 : 24|43 ، معجم رجال الحديث 10 : 322|7160 ، الاعلام 4 : 137 » .
    (70) المماتنة : المعارضة في جدل أو خصومة « تاج العروس ـ متن ـ 9 : 340 » .

    ( 229 )

    شيء ، دليلا قاطعا على تمام المعجزة ، وشاهد صدق لصحة النبوة بظهور المعجزة ، على أن عداوة المتحدي هي العجز بعينه ، والتقصير بذاته ، لان كل ذي منقبة إذا توقل (71) في مرتبة قد عجز عنها مدعوها ، ولم يقدروا أن يطلعوها ، كان نتيجة عجزهم أن يشتملوا على الغيظ والضجر ، وقرينة تقصيرهم أن يقصدوه بالنكاية والضرر ، وأن يقشوروه (72 ) بالعصا ويرجموه بالحصا .
    والذي طولبوا به فعجزوا عنه هو الاتيان بسورة لو كتبت بين السور ، لم تكن مشخلبة (73) بين الدرر ، ولكن كواحدة منهن في حسنها وبهائها ، ونورها وضيائها ، وبيانها الباهر ، وديباجها الفاخر ، حتى لو عرضت على صيارفة المنطق ونقاده ، المميز بين زيوفه وجياده ، لقالوا هي منها بالقرب ، لم يقولوا ليس عليها ابهة دار الضرب ، والجهة التي أتاهم العجز عنها امتياز السورة عن هذه الاجناس ، التي تتقلب في أيدي الناس ، من خطب يحبرونها (74) ، وقصائد يسيرونها ، ورسائل يسطرونها ، كما أن كل واحد من هذه الاجناس له حيز ، وبعضها عن بعض متميز ، وكل مستبد بطريق خاص إليه ينتحي وإياه ينتهج ، ومثال ومنوال عليه يحتذي وعليه ينتسج ، فلو تحدي الرجل بقصيدة شاعرة فجاء بخطبة باهرة أو رسالة نادرة ، أو تحدي بخطبة أو رسالة غراء فعارض بقصيدة حذاء (75) ، لم يكن على شاكلة التحدي عاملا ، ونسب إلى قلة التهدي عاجلا ، وتمثل له بقوله :
    فـحـرم فينا لحوم البقر * شكونا إليه خراب السواد

    ____________
    (71) التوقل : الاسراع في الصعود « النهاية ـ وقل ـ 5 : 216 » .
    (72) قشوره بالعصا : ضربه « القاموس المحيط ـ قشر ـ 2 : 117 » .
    (73) قال الليث : مشخلبة كلمة عراقية ليس على بنائها شيء من العربية ، وهي تتخذ من الليف والخرز أمثال الحلي « لسان العرب ـ شخلب ـ 1 : 486 » .
    (74) يقال حبرت الشيء تحبيرا إذا حسنته « النهاية ـ حبر ـ 1 : 327 » .
    (75) الحذو : من أجزاء القافية ، حركة الحرف الذي قبل الردف ، يجوز ضمته مع كسرته ولا يجوز مع الفتح غيره ، قاله ابن منظور في « اللسان ـ حذا ـ 14 : 170 » عن ابن سيده .

    ( 230 )

    اريها السها (76) وتريني القمر (77) * فـكـنـا كـمـا قـال من قبلنا
    ذلك أن الشعر كلام ذو وزن وقري (78) ، وقافية وروي ، أكثره تمويهات وتخاييل ، وأكاذيب وأباطيل ، ومن ثم سموه سحرا ، وزعموا أن لكل شاعر جنيا ، وأنه معه رئيا ، وأن ذلك الجني يخطره بجنانه ويلقنه إياه ويلقيه على لسانه .
    والخطب والرسائل لا يمس طنب القريض أطنابها ، ولا تقرع يده أبوابها ، والسورة أبعد شوطا منها في التميز ، وأعلى فوقا في المباينة والتحيز ، بديباجتها الخاصة وذوقها وندائها على أن لا منظوم بطوقها ، وعلى أنها ليست من القريحة ، المعتصر لها ثرى السجيحة (79) ، المستعان فيه بالروية والفكر ، المستملى من لسان الزكن (80) والحجر (81) ، وأن مثلها معه مثل الحيوان الذي هو تسوية الله وتقديره ، مع التماثيل التي هي نقش المصور وتصويره ، عليها ضياء الجلالة الربانية ، وسيمياء (82) الكتب السماوية ، وابهة المسطور في اللوح المنزل في اللوح ( 83) وآئين (84) الملقن منه وهو
    ____________
    (76) السها : كويكب صغير خفي الضوء في بنات نعش الكبرى ، والناس يمتحنون به أبصارهم « لسان العرب ـ سها ـ 14 : 408 » .
    (77) مثل سائر ، ذكره الميداني في مجمع الامثال 1 : 291 | 1545 ، تحت عنوان « اريها استها وتريني القمر » وذكر قصته ، وقال : وبعضهم يرويه « اريها السها وتريني القمر » ، يضرب لمن يغالط فيما لايخفى .
    (78 ) قال الزمخشري وغيره : أقراء الشعر : قوافيه التي يختم بها ، كأقراء الطهر التي ينقطع عندها ، الواحد قرء ، وقرء ، وقري ، لانها مقاطع الابيات وحدودها . « النهاية ـ قرا ـ 4 : 32 » .
    (79) السجيحة : الطبيعة « الصحاح ـ سجح ـ 1 : 373 » .
    (80) الزكن والازكان : الفطنة ، والحدس الصادق . « النهاية ـ زكن ـ 2 : 307 » .
    (81) الحجر : العقل واللب ، لامساكه ومنعه وإحاطته بالتمييز ، وفي التنزيل : هل في ذلك قسم لذي حجر . « لسان العرب ـ حجر ـ 4 : 170 » .
    (82) السومة والسيمة والسماء والسيمياء : العلامة . « لسان العرب ـ سوم ـ 12 : 312 » .
    (83) اللوح الاول بالفتح : هو اللوح المحفوظ ، والثاني بالضم : الهواء . « لسان العرب ـ لوح ـ 2 : 585 » .
    (84) آئين : كلمة فارسية بمعنى الزينة ، استعملها الجاحظ في البخلاء في قصة محمد بن أبي المؤمل فيما حكاه عن لسانه : وكانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنما هو شيء من آئين الموائد الرفيعة
    ==
    .

    ( 231 )

    لسان الروح ، كأنك إذا قرأتها مشاهد سبحات (85) وجه فاطرك ، ومعاين لملائكة عرشه بناظرك .
    عن جعفر الصادق (86) رضي الله تعالى عنه : والله لقد تجلى الله تعالى لخلقه في كلامه ولكنهم لم يبصروه (87) .
    والمعاني التي تستودع الكتب والرسائل ، من معانيه ومؤدياته على مراحل ، وقد انطوت رصانة هذه المعاني والمقاصد تحت سلس الالفاظ العذبة الموارد ، مع
    ____________
    ==
    وفي تاريخ العتبي عند شرح هذا البيت في رثاء الصاحب بن عباد :
    لم يبق للجود رسم منذ بنت ولا * للسؤدد اسم ولا للمجد آئين

    قال : وكأنه تعريب آئين ، وهو أعواد أربعة تنصب في الارض وتزين بالبسط والستور والثياب الحسان ، ويكون ذلك في الاسواق والصحارى وقت قدوم ملك .
    أقول : هو قوس النصر في مصطلح عصرنا هذا « هـ م » .
    (85) سبحات الله : جلاله وعظمته ، وهي في الاصل جمع سبحة ، وقيل : أضواء وجهه « النهاية ـ سبح ـ 2 : 332 » .
    (86) أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، سادس أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، وإليه ينمى المذهب الجعفري ، لقب بالصادق لصدق حديثه ، ولد في 17 ربيع الاول سنة 80 هـ ، أمره في الشرف والفضل والعلم والعصمة أجل من أن يذكر في سطور ، قال ابن حجر : « نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في البلدان » وجمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل ، ذكرهم الحافظ ابن عقدة في كتاب رجاله ، وذكر مصنفاتهم فضلا عن غيرهم ، استشهد عليه السلام مسموما لعشر سنين خلت من خلافة المنصور العباسي سنة 148 هـ ، ودفن بالبقيع مع أبيه وجده عليهم السلام .
    انظر « أعيان الشيعة 1 : 659 ، حلية الاولياء 3 : 192 ، وفيات الاعيان 1 : 327|131 ، الجرح والتعديل 2 : 487 | 1987 ، رجال صحيح مسلم 1 : 120|221 ، تهذيب الكمال 5 : 74|950 ، ميزان الاعتدال 1 : 414|1519 ، تهذيب التهذيب 2 : 88|156 ، سير أعلام النبلاء 6 : 255|117 » .
    (87) رواه الشهيد الثاني في كتابه أسرار الصلاة : 36 ، ونقله عنه الفيض الكاشاني في المحجة البيضاء 2 : 247 ، وفيهما : ولكنهم لا يبصرون . وفي المصدرين أيضا ، عنه عليه السلام : وقد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خرمغشيا عليه فلما أفاق قيل له في ذلك ، فقال : ما زلت اردد الآية على قلبي وعلى سمعي حتى سمعتها من المتكلم بها ، فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته .
    قال الفيض : وفي مثل هذه الدرجة تعظم الحلاوة ولذة المناجاة .

    ( 232 )

    تكاثر نكت علم البيان وفقره ، ومحاسن حجوله وغرره ، وغرائب وشيه وأعلام حبره ، تنثال ارسالا على الناظر البصير ، وتزدحم أسرابا على الناقد النحرير .
    وأنا اضرب لك سورة الكوثر ـ وهي أقصر السور ـ مثالا أنصبه بين يديك ، وأجعله نصب عينيك ، فأنت أكيس الاكياس ، ومعك نهية (88) كشعلة المقباس ، وتكفيك الرمزة وإن كانت خفية ، والتنبيهة وإن كانت غير جلية ، فكيف إذا ذللت بأنور من وضح الفلق ، وأشهر من شية (89) الابلق .
    أقول وبالله التوفيق : ورد على رسول الله صلى الله عليه وآله عن عدو الله العاص بن وائل (90) ما يهدم مقاله ، ويهزم محاله (91) ، وينفس عن رسوله ، وينيله نهاية سؤله ، فأوحى إليه سورة على صفة إيجاز واختصار ، وذلك ثلاث آيات قصار ، جمع فيها مالم يكن ليجتمع لاحد من فرسان الكلام ، الذين يخطمونه بالخطام (92) ويقودونه بالزمام ، كسحبان (93) وابن عجلان ، وأضرابهما من الخطباء المصاقع والبلغاء البواقع ( 94) الذين تفسحت في هذا الباب خطاهم ، وتنفس في ميادينه مداهم .
    انظر إلى العليم الحكيم كيف حذا ثلاث الآيات على عدد المسليات ، من
    ____________
    (88) النهية : العقل « لسان العرب ـ نهى ـ 15 : 346 » .
    (89) الشية : كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره ، وأصله من الوشي . « النهاية ـ شيه ـ 2 : 522 » .
    (90) العاس بن وائل بن هاشم السهمي ، من قريش ، أحد الحكام في الجاهلية ، كان نديما لهشام بن المغيرة وأدرك الاسلام ، وظل على الشرك ويعد من المستهزئين ومن الزنادقة الذين ماتوا كفارا وثنيين ، وهو والد عمرو بن العاص صاحب معاوية . « الاعلام 3 : 247 » .
    (91 ) يقال : رجل يماحل : أي يدافع ويجادل ، من المحال ، بالكسر ، وهو الكيد ، وقيل : المكر ، وقيل : القوة والشدة ، انظر « النهاية ـ محل ـ 4 : 303 » .
    (92 ) الخطام : الزمام . وخطمت البعير : زممته « الصحاح ـ خطم ـ 5 : 1915 » .
    (93 ) سحبان بن زفر بن اياس الواثلي ، من باهلة ، خطيب يضرب به المثل في البيان ، يقال : « أخطب من سحبان » و« أفصح من سحبان » اشتهر في الجاهلية وعاش زمنا في الاسلام ، وكان إذا خطب يسيل عرقا ولا يعيد كلمة ، أسلم في زمن النبي ولم يجتمع به .
    « الاصابة 2 : 109|3663 ، بلوغ الارب 3 : 156 ، مجمع الامثال 1 : 249 ، الاعلام 3 : 79 » .
    (94) الباقعة : الرجل الداهية . « لسان العرب ـ بقع ـ 8 : 19 » .

    ( 233 )

    إجلال محل رسول الله وإعلاء كعبه ؛ وإعطائه أقصى ما يؤمله عند ربه (95) ، ومن الايعاز إليه أن يقبل على شأنه من أداء العبادة بالاخلاص ( 96) ، وأن لا يحفل بما ورد عليه من ناحية العاص ، ولا يحيد عن التفويض إليه محيدا ، فلا يذره وائبا وحيدا ، ومن الغضب له بما فيه مسلاته من الكرب ، من إلصاق عار البتر بالكلب (97) ، والاشعار بأن كان عدو الله بورا ، ولم يكن إلا هو صنبورا (98) .
    ثم انظر كيف نظمت النظم الانيق ، ورتبت الترتيب الرشيق ، حيث قدم منها ما يدفع الدعوى ويرفعها ، وما يقطع الشبهة ويقلعها ، ثم لما يجب أن يكون عنه مسببا ، وعليه مترتبا ، ثم ما هو تتمة الغرض من وقوع العدو في مغواته (99) التي حفر ، وصليه بحر ناره التي سعر ، ومن الشهادة على إلصاقه بالسليم عيبه ، وتوريكه على البريء ذنبه (100) .
    وتأمل كيف أن من اسند إليه إسداء هذه العطية ، وإيتاه هذه الموهبة السنية ، هو ملك السماوات والارض ، ومالك البسط والقبض ، وكيف وسع العطية وكثرها ، وأسبغها ووفرها ، فدل بذلك على عظم طرفي المعطى ، وعلى جلال جنبي المسدي والمسدى ، وقد علم أنه إذا كان المعطي كبيرا ، [ كان ] العطاء كثيرا ، فيالها من نعمة مدلول على كمالها ، مشهود بجلالها .
    وأراد بالكوثر أولاده إلى يوم القيامة من امته ، جاء في قراءة عبد الله : « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبوهم وأزواجه امهاتهم » (101) وما أعطاه الله
    ____________
    (95) إشارة إلى قوله تعالى : « إنا أعطيناك الكوثر » .
    (96) إشارة إلى قوله تعالى : « فصل لربك وانحر » .
    (97) إشارة إلى قوله تعالى : « إن شانئك هو الابتر » .
    (98) أي أبتر لا عقب له « النهاية ـ صنبر ـ 3 : 55 » .
    (99) مغواة : حفرة كالزبية تحفر للذئب ، ويجعل فيها جدي إذا نظر إليه سقط عليه يريده . ومنه قيل لكل مهلكة مغواة . « النهاية ـ غوا ـ 3 : 398 » . (10) ورك عليه ذنبه : حمله عليه « أساس البلاغة ـ ورك ـ 497 » .
    (101) قال المصنف في الكشاف 3 : 251 : وفي قراءة ابن مسعود : « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم » ، وقال القرطبي في الجامع لاحكام القرآن 14 : 123 : ثم إن في مصحف ابي بن كعب
    ==

    ( 234 )

    في الدارين من مزايا الاثرة ولتقديم في الدارين من مزايا الاثرة والتقديم ، ووضع في يديه من نواصي التفضيل والتكريم ، والثواب الذي لم يعرف إلا هو كنهه ، ولم يعط إلا الملك شبهه ، ومن جملة الكوثر ما اختصه به من النهر الذي حاله المسك (102) ، ورضراضه التوم (103) ، وعلى حافاته من أواني الذهب والفضة ما لا يعاده النجوم .
    ثم تبصر كيف نكت في كل شيء تنكيتا ، يترك المنطيق سكيتا ، حيث بنى الفعل على المبتدأ فدل على الخصوصية ، وجمع ضمير المتكلم فأذن بعظم الربوبية ، وصدر الجملة المؤخرة على المخاطب أعظم القسم ، بحرف التأكيد الجاري مجرى القسم ، ما ورد الفعل بالفظ الماضي ، على أن الكوثر لم يتناول عطاء العاجلة دون عطاء الآجلة ، دلالة على أن المتوقع من سيب (104) الكريم في حكم الواقع ، والمترقب من نعمائه بمنزلة الثابت النافع . وجاء بالكوثر محذوف الموصوف ، لان المثبت ليس فيه ما في المحذوف من فرط الابهام والشياع ، والتناول على طريق الاتساع ، واختار الصفة المؤذنة بافراط الكثرة ، المترجمة عن المعطيات الدثرة ، ثم بهذه الصفة مصدرة باللام المعرفة ، لتكون لما يوصف بها شاملة ، وفي إعطاء معنى الكثرة كاملة .
    وعقب ذلك بفاء التعقيب ، مستعارة لمعنى التسبيب ، يشتقها معنيان ، صح تسبيب الانعام بالعطاء الاكثر ، للقيام بما يضاهيه من الشكر الاوفر ، وتسليمه
    ____________
    ==
    « وأزواجه امهاتهم وهو أب لهم » وقرأ ابن عباس « من أنفسهم وهو أب [ لهم ] وأزواجه [ أمهاتهم ] » .
    وقال الطبرسي في مجمع البيان 4 : 338 : وروي أن النبي صلى الله عليه وآله لما أراد غزوة تبوك ، وأمر الناس بالخروج ، قال قوم : نستأذن آباءنا وامهاتنا فنزلت هذه الآية .
    وروي عن ابي وابن مسعود وابن عباس أنهم كانوا يقرؤون « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه امهاتهم وهو أب لهم » وكذلك هو في مصحف اُبَيٌ ، وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام .
    (102) حاله المسك : أي طينه المسك . « النهاية ـ حول ـ 1 : 464 » . ( 103) الرٌضْراض : الحصى الصغار ، والتوم : الدر . « النهاية ـ رضرض ـ 2 : 229 » . (104) السيب : العطاء . « الصحاح ـ سيب ـ 1 : 150 » .

    ( 235 )

    لترك المبالاة بقول ابن وائل ، وامتثال قول الله عز من قائل ، وقصد باللامين ( 105) التعريف بدين العاص وأشباهه ، ممن كانت عبادته ونحره لغير إلهه ، وتثبيت قدمي رسول الله على صراطه المستقيم ، وإخلاصه العبادة لوجهه الكريم ، وأشار بهاتين العبادتين إلى نوعي العبادات ، وصنفي الطاعات ، أعني الاعمال البدنية التي الصلاة إمامها ، والمالية التي نحر البدن سنامها ، ونبه على ما لرسول الله من الاختصاص بالصلاة التي جعلت لعينه قرة (106) وبنحر البدن التي كانت همته بها المشمخرة .
    روينا بالاسناد الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى مائة بدنة فيها جمل لابي جهل في أنفه برة (107) من ذهب (108) . وحذف اللام الاخرى لدلالته عليها بالاولى ، مع مراعاة حق التسجيع ، الذي هو من جملة صنعة البديع ، إذا ساقه قائله مساقا مطبوعا ، ولم يكن متكلفا أو مصنوعا ، كما ترى اسجاع القرآن وبعدها عن التعسف ، وبراءتها من التكلف .
    وقال : « لربك » ، وفيه حسنان ، وروده على طريقة الالتفات (109) التي هي ام من الامهات ، وصرف الكلام عن لفظ المضمر إلى لفظ المظهر ، وفيه إظهار لكبرياء شأنه ، وانافة لعزة سلطانه ، ومنه أخذ الخلفاء قولهم : يأمرك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة ، وينهاك أمير المؤمنين عن مخالفة الجماعة .
    ____________
    ( 105) أي بلام « لربك » ، واللام المحذوفة في قوله « وانحر » أي وانحر له ، كما سيصرح بذلك « هـ م » .
    (106) إشاره إلى قوله صلى الله عليه وآله : حببت إلي من الدنيا ثلاث : النساء ، والطيب ، وجعلت قرة عني في الصلاة . « الخصال : 165|218 » .
    (107) البرة : حلقة تجعل في لحم الانف ، وربما كانت من شعر . « النهاية ـ بره ـ 1 : 122 » .
    (108) أخرجه البيهقي في سننه 5 : 230 .
    ( 109) قال ابن حمزه العلوي في الطراز 2 : 132 : الالتفات : هو العدول من اسلوب في الكلام إلى اسلوب آخر مخالف للاول ، وهذا أحسن من قولنا : هو العدول من غيبة إلى خطاب ، ومن خطاب إلى غيبة ، لان الاول يعم سائر الالتفاتات كلها ، والحد الثاني إنما هو مقصور على الغيبة والخطاب لاغير ، ولا شك ان الالتفات قد يكون من الماضي إلى المضارع وقد يكون على عكس ذلك فلهذا كان الحد الاول هو أقوى دون غيره .

    ( 236 )

    وعن عمر بن الخطاب (رض) أنه حين خطب الازدية أتى أهلها فقال لهم : خطب إليكم سيد شباب قريش مروان بن الحكم ، وسيد أهل المشرق حسن بن بجيلة ويخطب إليكم أمير المؤمنين ـ عنى نفسه ـ .
    وعلم بهذه الصفة أن من حق العبادة أن يخص بها العباد ربهم ومالكهم ، ومن يتولى معايشهم ومهالكم ، وعرض بخطأ من سفه نفسه ونقض قضية لبه ، وعبد مربوبا وترك عبادة ربه .
    وقال : « إن شانئك » فعلل الامر بالاقبال على شانه ، وقلة الاحتفال بشنآنه ، على سبيل الاستئناف ، الذي هو جنس حسن الموقع رائعه ، وقد كثرت في التنزيل مواقعه ، ويتجه أن يجعلها جملة للاعتراض ، مرسلة إرسال الحكمة لخاتمة الاغراض ، كقوله تعالى : « إن خير من استأجرت القوي الامين » (110) .
    وعنى بالشانئ السهمي المرمي بسهمه ، وإنما ذكره بصفته لاباسمه ، ليتناول كل من كان في مثال حاله ، من كيده بدين الحق ومحاله ، وفيه أنه لم يتوجه بقلبه إلى الصدق ، ولم يقصد به الافصاح عن الحق ، ولم ينطق إلا عن الشنآن الذي هو توأم البغي والحسد ، وعن البغضاء التي هي نتيجة الغيظ والحرد (111) ، وكذلك وسمه بما ينبئ عن المقت الاشد ، ويدل على حنق الخصم الالد ، وعرف الخبر ليتم له البتر ، كأنه الجمهور (112) الذي يقال له الصنبور ، وأقحم الفصل لبيان أنه المعين لهذه النقيصة ، وأنه المشخص لهذه الغميصة (113) ، وذلك كله مع علو مطلعها ، وتمام مقطعها (114) ، ومجاوبة عجزها لهاديتها (115) ،
    ____________
    ( 110) سورة القصص 28 : 26 .
    (111) الحرد : الغضب . « تاج العروس ـ حرد ـ 2 : 334 » .
    (112) كذا .
    (113) يقال : اغتمصت فلانا اغتماصا : احتقرته « لسان العرب ـ غمص ـ 7 : 61 » .
    (114) مقاطع القرآن : مواضع الوقوف .
    ( 115) في الحديث : « طلعت هوادي الخيل » يعني أوائلها ، والهادي والهادية : العنق ؛ لانها تتقدم على البدن ، ولانها تهدي الجسد . « النهاية ـ هذا ـ 5 : 255 » .

    ( 237 )

    وسبيبها (116) لناصيتها ، واتصافها بما هو طراز الامر كله من مجيئها ، مع كونها مشحونة بالنكت الجلائل ، مكتنزة بالمحاسن غير القلائل ، خالية من تصنع من يتناول التنكيت ، وتعمل من يتعاطى بمحاجته التبكيت (117 ) ، وكأنها كلام من يرمي به على عواهنه ، ولا يتعمد إلى إبلاغ نكته ومحاسنه ، ولا يلقاك ذلك إلا في كلام رب العالمين ، ومدبر الكلام والمتكلمين ، فسبحان من لو أنزل هذه الواحدة وحدها ، ولم ينزل ما قبلها وما بعدها ، لكفى بها آية تغمر الاذهان ، ومعجزة توجب الاذعان ، فكيف بما أنزل من السبع الطوال ، وما وراءها إلى المفصل (118) ، والمفصل ، يالها من معجزة كم معجزات في طيها ، عند كل ثلاث آيات تقر الالسن بعيها ، لو أراد الثقلان تسلية المغيظ المحنق ؛ لاخذت من أفاصحهم بالمخنق ، إن هموا بإنشاء سورة توازيها ، وثلاث آيات تدانيها . هيهات قبل ذلك يشيب الغراب ، ويسيب الماء كالسراب .
    ودع عنك حديث الصرفة (119) ، فما الصرفة إلا صفرة (120) من النظام ، وفهة (121) منه في الاسلام ، ولقد ردت على النظام صفرته ، كما ردت عليه طفرته ، ولو صح ماقاله لوجب في حكمة الله البالغة ، وحجته الدامغة أن ينزله على أرك نمط وأنزله ، وأفسل (122) اسلوب وأسفله ، وأعراه من حلل البلاغة وحليها ،
    ____________
    ( 116) السبيب : شعر الذنب « لسان العرب ـ سبب ـ 1 : 459 » .
    (117) بكته بالحجة أي غلبه « لسان العرب ـ بكت ـ 2 : 11 » .
    (118) المفصل من القرآن السبع الاخير ، وذلك للفصل بين القصص بالسور القصار ، والفواصل آواخر الآي « مفردات ألفاظ القرآن ـ فصل ـ 381 » .
    (119) الصرفة : هي مما ذهب إليه النظام المعتزلي في إعجاز القرآن ، وهو صرف الدواعي عن المعارضة ، ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا ؛ حتى لو خلاهم سبحانه لكانوا قادرين على أن ياتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما . انظر « الملل والنحل 1 : 58 » .
    ( 120) يقال : إنه لفي صفرة ، للذي يعتريه الجنون ، إذا كان في أيام يزول فيها عقله ، لانهم كانوا يمسحونه بالزعفران . « الصحاح ـ صفر ـ 2 : 714 » .
    (121 ) الفهة : السقطة والجهلة . يقال : فه الرجل يفه فهاهة وفهة ، فهوفة وفهيه : إذا جاءت منه سقطة من العي وغيره « النهاية ـ فهه ـ 3 : 482 » .
    (122) الفسل : الرديء من كل شيء . « مجمع البحرين ـ فسل ـ 5 : 440 » .

    ( 238 )

    وأخلاه من بهي جواهر العقول وثريها ، ثم يقال لولاة أعلى الكلام طبقة وأمتنه ، ولارباب آنقه طريقة وأحسنه : هاتوا بما ينحو نحوه ، وهلموا بما يحذو حذوه ، فيعترضهم الحجز ، ويتبين فيهم العجز ، فيقال قد استصرفهم الله عن أهون ما كانوا فيه ماهرين ، وأيسر ما كانوا عليه قادرين ، ألم ترهم كيف كانوا يعنقون (123) في المضمار فوقفوا ، وينهبون الحلبة بخطاهم فقطفوا (124) ، ولا يقال الله قادر على أن يأتي بما هو أفصح وأفصح ، وأملح لفظا ومعنى وأملح ، فهلا أتى بذلك المتناهي في الفصاحة والمتمادي في الملاحة ، فإن الغرض اتضاح الحجة وقد اتضحت ، وافتضاح الشبهة وقد افتضحت ، وإذا حصل الغرض فليس وراءه معترض .
    وأما إغفال السلف لما نحن بصدده ، وإهمالهم الدلالة على سننه ، والمشي على جدده ( 125) ، فلان القوم كانوا أبناء الآخرة ، وإن نشأوا في حجر هذه الغادرة ، ديدنهم قصر الآمال ، وأخذ العلوم لتصحيح الاعمال ، وكانوا يتوخون الاهم فالاهم والاولى فالاولى والازلف فالازلف من مرضاة المولى ، ولانهم كانوا مشاغيل بجر أعباء الجهاد ، معنين (126) بتقويم صفات أهل العناد ، معكوفي الهمم على نشر الاعلام لنصرة الاسلام ، فكان ما بعث به النبي عليه الصلاة والسلام لتعليمه وتلقينه ، وارسل للتوقيف عليه وتبيينه ، أهم عندهم مما كانوا مطبوعين على معرفته ، مجبولين على تبين حاله وصفته ، وكان إذ ذاك البيان غضا طريا ، واللسان سليما من اللكنة بريا ، وطرق الفصاحة مسلوكة سائرة ، ومنازلها مأهولة عامرة ، وقد مهد عذرهم تعويلهم على ما شاع وتواتر ، واستفاض وتظاهر ، من عجز العرب وثبات العلم به ورسوخه في الصدور ، وبقائه في القلوب على ممر العصور .
    ____________
    (123) يعنقون : أي يسرعون . انظر « لسان العرب ـ عنق ـ 10 : 273 » .
    (124) القطاف : تقارب الخطو في سرعة ، من القطف : وهو القطع . « النهاية ـ قطف ـ 4 : 84 » .
    (125) الجدد : الارض الصلبة ، وفي المثل : « من سلك الجدد أمن العثار » . « الصحاح ـ جدد ـ 2 : 452 » .
    (126) معنين : أي متعبين . انظر « لسان العرب ـ عنن ـ 13 : 290 » .

    ( 239 )

    وبعد انقراض اولئك العرب ، المالئة دلو البلاغة إلى عقد الكرب (127) ، وبقاء رباعها ( 128) بغير طلل (129) ورسم (130) ، وذهابها ذهاب جديس وطسم (131) ، لم يبق من هذا العلم إلا نحو الغراب الاعصم (132) ، والنكتة (133) البيضاء في نقبة الادهم (134) ، وجملة تلك البقية قد اتبعوا سنن الاولين ، وكانوا على عجز العرب معولين ، ولم يقولوا كم بين إيمان السحار وبين إيمان النظار ، ثم ادرج هذا العلم تحت طي النسيان ، كما يدرج الميت في الاكفان .
    ولو لا أن الله أوزعني أن أنفض عليه لمتي (135) ، وألهمني أن أنهض إليه بهمتي ، حتى أنفقت على النظر فيه شبابي ، ووهبت له أمري ، وكانت إجالة الفكر في غوامضه دهري ، لم تسمع من أحد فيه همسا ، ولم تلق من ينبس منه بكلمة نبسا ، والله أسأل أن يهديني سبل الاصابة ، ويثيبني على ذلك احسن إثابة ، فما نويت بما لقيت فيه من عرق الجبين ، إلا التوصل إلى ما فيه من ثلج اليقين ، وإلا
    ____________
    (127) مثل سائر مأخوذ من قول الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب حيث يقول :
    من يساجلني يساجل ماجدا * يملا الدلو إلى عقد الكرب
    وهو الحبل الذي يشد في وسط العراقي ثم يثنى ، ثم يثلث ، ليكون هو الذي يلي الماء فلا يعفن الحبل الكبير . يضرب لمن يبالغ فيما يلي من الامر انظر « مجمع الامثال 2 : 421 |4715 » .
    (128) الربع : المنزل ودار الاقامة ، وربع القوم محلتهم ، والرباع جمعه « النهاية ـ ربع ـ 2 : 189 » .
    (129) الطلل : ما شخص من آثار الدار ، والجمع أطلال وطلول . « الصحاح ـ طلل ـ 5 : 1752 » .
    (130) الرسم : الاثر ، انظر « مجمع البحرين ـ رسم ـ 6 : 72 » .
    (131) جديس : قبيلة من العرب العاربة البائدة ، كانت مساكنهم اليمامة والبحرين ، وكان يجاورهم طسم ، وهي قبيلة من العرب العاربة أيضا ، تنتسب إلى طسم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح ، وقد انقرضت . انظر « معجم قبائل العرب 1 : 172 و2 : 680 ، ومصادره » .
    ( 132) الغراب الاعصم : الذي في جناحه ريشة بيضاء لان جناح الطائر بمنزلة اليد له . « الصحاح ـ عصم ـ 5 : 1986 » .
    (133) النكتة ، بالضم : النقطة . « القاموس المحيط ـ نكت ـ 1 : 159 » .
    (134) الدهمة : السواد . يقال : فرس أدهم ، وبعير أدهم ، وناقه دهماء ، إذا اشتدت ورقته حتى ذهب البياض الذي فيه . « الصحاح ـ دهم ـ 5 : 1924 » .
    (135) اللمة : الهمة ، والخطرة تقع في القلب « النهاية ـ لمم ـ 4 : 273 » .

    ( 240 )

    استبانه حجة الله وبرهانه واستيضاح أنوار قرآنه ، وأنه يوفقني للخير وطلبه ، وأن ينظمني في زمره أهله ويختم لي به ـ تمت .
    * * *


    مصادر التحقيق
    1 ـ القرآن الكريم .
    2 ـ أساس البلاغة : تأليف العلامة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري ( ت 538 هـ) ، تحقيق عبد الرحيم محمود ، اوفست مكتب التبليغات الاسلامي ، قم .
    3 ـ أسرار الصلاة : للشهيد الثاني ، المطبوع ضمن « مجموعة الرسائل » على الحجر سنة 1305 هـ ، اوفست المكتبة المرعشية قم 1404 هـ .
    4 ـ الاصابة في تمييز الصحابة : لشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد العسقلاني (ت 852) ، مطبعة السعادة ، مصر ، الطبعة الاولى 1328 هـ .
    5 ـ أعيان الشيعة : للسيد محسن الامين ، تحقيق ولده حسن الامين ، بيروت ، دار التعارف للمطبوعات .
    6 ـ الامالي : للسيد المرتضى الشريف أبي القاسم علي بن الطاهر أبي أحمد الحسين ( ت 436 هـ) ، تصحيح وتعليق السيد محمد بدر الدين النعساني الحلبي ، الطبعة الاولى 1325 هـ ، اوفست مكتبة السيد المرعشي في قم 1403 هـ .
    7 ـ إنباه الرواة على أنباه النحاة : تأليف جمال الدين أبي الحسن علي بن يوسف القفطي (ت 624 هـ) ، تحقيق محمد أبوالفضل ابراهيم ، الطبعة الاولى 1406 هـ ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، مؤسسة الكتب الثقافية ، بيروت .
    8 ـ الانساب : تأليف أبي سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني (ت 562 هـ) ، تحقيق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني ، الطبعة الثانية 1400 هـ ، نشر محمد أمين دمج ، بيروت .
    9 ـ البداية والنهاية : تأليف الحافظ أبي الفداء عماد الدين اسماعيل بن عمر بن كثير البصروي الدمشقي (ت 774 هـ) ، نشر دار الفكر ، بيروت ، 1402 هـ .
    10 ـ بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة : للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت 911 هـ) ، تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم ، الطبعة الاولى 1384 هـ .
    11 ـ بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب : تأليف السيد محمود شكري الآلوسي البغدادي ، تصحيح محمد بهجة الاثري ، الطبعة الثانية دار الكتب العلمية ، بيروت .

    ( 242 )

    12 ـ تاج العروس من جواهر القاموس : تأليف محمد مرتضى الزبيدي ، الطبعة الاولى 1306 هـ ، دار مكتبة الحياة ، بيروت .
    13 ـ تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والاعلام : تأليف الحافظ شمس الدين محمد ابن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 747هــ) ، تحقيق الدكتور عمر عبد السلام تدمري ، الطبعة الاولى 1407هـ، دار الكتاب العربي ، بيروت .
    14 ـ تأريخ بغداد : للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي بيروت ، نشر دار الكتاب العربي .
    15 ـ تذكرة الحفاظ : تأليف الحافظ أبي عبد الله شمس الدين محمد الذهبي ( ت 748هـ) ، تصحيح عبد الرحمن بن يحيى المعلمي ، نشر دار إحياء التراث العربي .
    16 ـ تهذيب التهذيب : تأليف الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت 582هـ) الطبعة الاولى 1404هـ، نشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع .
    17 ـ تهذيب الكمال في أسماء الرجال : تأليف الحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي (742هـ) ، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف ، الطبعة الثانية 1403هـ، مؤسسة الرسالة ، بيروت .
    18 ـ الجرح والتعديل : تأليف الحافظ أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت 327هـ) ، الطبعة الاولى ، بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن ـ الهند ، 1371هـ ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
    19 ـ حلية الاولياء وطبقات الاصفياء : للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني (ت 430هـ) الطبعة الرابعة 1405هـ ، دار الكتاب العربي ، بيروت .
    20 ـ حياة الحيوان الكبرى : تأليف الشيخ كمال الدين الدميري ، دار الفكر ، بيروت .
    21 ـ الخصال : للشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري ، نشر جماعة المدرسين ـ قم .
    22 ـ دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة : تأليف أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت 458هـ) ، تحقيق الدكتور عبدالمعطي قلعجي ، دار الكتب العلمية بيروت ، الطبعة الاولى 1405هـ .
    23 ـ رجال صحيح مسلم : تأليف المحدث أبي بكر أحمد بن علي بن منجويه

    ( 243 )

    الاصبهاني (428هـ) تحقيق عبد الله الليثي ، الطبعة الاولى 1407هـ ، دار المعرفة ، بيروت .
    24 ـ روضات الجنات : للعلامة المتتبع الميرزا محمد باقر الموسوي الخوانساري الاصبهاني ، نشر مكتبة اسماعيليان ، طهران 1390هـ .
    25 ـ سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار : تأليف الشيخ عباس القمي ، دار التعارف بيروت .
    26 ـ السنن الكبرى : تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (458هـ) ، دار المعرفة ، بيروت .
    27 ـ سير أعلام النبلاء : تأليف شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748هـ) الطبعة الثالثة 1405هـ ، مؤسسة الرسالة ، بيروت .
    28 ـ السيرة النبوية : لابن هـشام ، تحقيق مصطفى السقا وابراهيم الابياري وعبد الحفيظ حلبي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
    29 ـ شذرات الذهب في أخبار من ذهب : لابي الفلاح عبدالحي بن العماد الحنبلي ، بيروت ، دار الآفاق الجديدة .
    30 ـ الصحاح : لاسماعيل بن حماد الجوهري ، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار ، بيروت ، دار العلم للملايين .
    31 ـ طبقات المفسرين : للحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911هـ) ، ضبط لجنة من العلماء ، نشر دار الكتب العلمية بيروت ، الطبعة الاولى 1403هـ .
    32 ـ طبقات المفسرين : للحافظ شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداودي (945هـ) ، ضبط لجنة من العلماء ، نشر دار الكتب العلمية بيروت ، الطبعة الاولى 1403هـ .
    33 ـ الطراز المتضمن لاسرار البلاغة وعلوم حقائق الاعجاز : تأليف يحيى بن حمزة ابن علي بن ابراهيم العلوي اليمني ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1402هـ .
    34 ـ العبر في خبر من غبر : للحافظ الذهبي (ت 748هـ) تحقيق أبوهاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول ، الطبعة الاولى 1405هـ دار الكتب العلمية بيروت .
    35 ـ الفائق في غريب الحديث : تأليف العلامة جار الله محمود بن عمر الزمخشري ( ت 538هـ) ، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد أبوالفضل إبراهيم ، الطبعة الثانية ، دار

    ( 244 )

    المعرفة ، بيروت .
    36 ـ القاموس المحيط : تأليف مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي ، دار الفكر ، بيروت 1403هـ .
    37 ـ الكامل في التأريخ : تأليف الشيخ أبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد الشيباني المعروف بابن الاثير ، دار صادر ، بيروت 1402هـ .
    38 ـ الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الاقاويل في وجوه التأويل : تأليف العلامة جار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت 538هـ) ، دار المعرفة ، بيروت .
    39 ـ كنز العمال في سنن الاقوال والافعال : تأليف علاء الدين علي المتقى بن حسام الهندي البرهان فوري ( ت 975) ، ضبط وتصحيح الشيخ بكري حياتي والشيخ صفوه السقا ، الطبعة الخامسة 1405هـ ، مؤسسة الرسالة بيروت .
    40 ـ الكنى والالقاب : تأليف الشيخ عباس القمي ، مطبعة العرفان صيدا 1358 .
    41 ـ لسان العرب : لابي الفضل جمال الدين أحمد بن مكرم بن منظور الافريقي المصري ، قم ، نشر أدب الحوزة .
    42 ـ لسان الميزان : تأليف الحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ( ت 852هـ) ، الطبعة الثانية 1390هـ ، نشر مؤسسة الاعلمي للمطبوعات بيروت ، اوفست على الطبعة الاولى المطبوعة في حيدر آباد سنة 1329هـ .
    43 ـ مجمع الامثال : تأليف أبي الفضل أحمد بن محمد بن أحمد بن ابراهيم النيسابوري الميداني ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، الطبعة الثالثة 1393هـ ، دار الفكر ، بيروت .
    44 ـ مجمع البحرين : للشيخ فخر الدين الطريحي ، تحقيق السيد أحمد الحسيني ، الطبعة الثانية ، طهران .
    45 ـ المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء : تأليف المحدث الكبير محمد بن المرتضى المدعو بالمولى محسن الكاشاني (ت 1091هـ) ، تصحيح علي أكبر الغفاري ، الطبعة الثانية ، مؤسسة النشر الاسلامي ـ قم .
    46 ـ مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان : تأليف أبي محمد عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي اليمني المكي (ت 768هـ ) الطبعة الثانية ، 1390هـ ، نشر مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ، بيروت ، اوفست على الطبعة الاولى المطبوعة في حيدر آباد 1337هـ .

    ( 245 )

    47 ـ مراصد الاطلاع على أسماء الامكنة والبقاع : تأليف صفي الدين عبد المؤمن بن عبدالحق البغدادي (ت 739هـ) تحقيق علي محمد البجاوي ، الطبعة الاولى 1373هـ ، دار المعرفة بيروت .
    48 ـ المستدرك على الصحيحين في الحديث : تأليف الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري (ت 405هـ) ، دار الفكر بيروت 1398هـ .
    49 ـ المستفاد من ذيل تأريخ بغداد : للحافظ محب الدين أبي عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي (ت 643هـ) انتقاء كاتبه أحمد بن أيبك بن عبد الله الحسيني المعروف بابن الدمياطي (749) ، تحقيق الدكتور قيصر أبوفرح ، نشر دار الكتب العلمية ، بيروت .
    50 ـ المصباح المنير في غريب الشرح الكبير : تأليف العلامة أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي (ت 770هـ ) اوفست دار الهجرة في إيران 1405هـ .
    51 ـ معجم الادباء : تأليف أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (ت 626هـ) الطبعة الثالثة 1400هـ ، دار الفكر ، بيروت .
    52 ـ معجم البلدان : تأليف شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي ، دار صادر ، بيروت 1399هـ .
    53 ـ معجم رجال الحديث : لآية الله العظمى السيد الخوئي (دام ظله) ، الطبعة الثالثة ، بيروت 1403هـ .
    54 ـ معجم قبائل العرب القديمة والحديثة : تأليف عمر رضا كحالة ، الطبعة الثالثة 1402هـ ، مؤسسة الرسالة ، بيروت .
    55 ـ المفردات في غريب القرآن : تأليف أبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الاصفهاني (ت 502هـ) تحقيق محمد سيد كيلاني ، الطبعة الثانية ، المكتبة المرتضوية .
    56 ـ الملل والنحل : تأليف أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني ، تخريج محمد فتح الله بدران ، الطبعة الثانية ، مكتبة الانجلو المصرية ، القاهرة .
    57 ـ ميزان الاعتدال في نقد الرجال : تأليف أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748هـ) ، تحقيق علي محمد البجاوي ، دار المعرفة ، بيروت .
    58 ـ النهاية في غريب الحديث والاثر : لابي السعادات المبارك بن محمد الجزري

    ( 246 )

    (ابن الاثير) ، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناجي ، نشر المكتبة الاسلامية .
    59 ـ هدية العارفين : تأليف إسماعيل باشا البغدادي ، دار الفكر 1402هـ .
    60 ـ الوفا بأحوال المصطفى : تأليف أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (ت 597هـ) تحقيق مصطفى عبد الواحد ، الطبعة الاولى 1386هـ ، دار الكتب الحديثة .
    61 ـ وفيات الاعيان وأنباء أبناء الزمان : تأليف أبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان (ت 681هـ) ، تحقيق الدكتور إحسان عباس ، دار صادر بيروت (1398هـ) .
    * * *

  2. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (صالح بن سعد بن حسن المطوي) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  3. #2
    رحمه الله

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2680

    الجنس : ذكر

    البلد : قطر

    معلومات علمية

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل24/7/2005

    آخر نشاط:24-03-2007
    الساعة:09:33 PM

    المشاركات:332
    تاريخ التسجيل
    24/7/2005
    البلد
    قطر
    المشاركات
    332
    1426/9/19 هـ
    هذه الرسالة لأخونا في الله سبحانه له الحمد

    العجوري

    وليعذرنا على القصور

  4. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (صالح بن سعد بن حسن المطوي) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  5. #3
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 3165

    الجنس : ذكر

    البلد : بيت المقدس

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : أقل من جامعي

    التخصص : بلاغي

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل9/10/2005

    آخر نشاط:29-12-2010
    الساعة:09:11 PM

    المشاركات:657
    تاريخ التسجيل
    9/10/2005
    البلد
    بيت المقدس
    العمر
    45
    المشاركات
    657
    1426/9/19 هـ

    مشاركة



    الكشاف الزمخشري


    عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة أرأيت غفر الله له إن كان للزكاة مؤدياً".

    سورة الكوثر
    مكية، وآياتها ثلاث
    بسم اله الرحمن الرحيم
    "إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر،" في قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا أنطيناك بالنون. وفي حديثه صلى الله عليه وسلم: "وانطوا الثبجة" والكوثر فوعل من الكثرة وهو المفرط الكثرة. وقيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر. قال: وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن العقائل كوثرا
    وقيل الكوثر نهر في الجنة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قرأها حين أنزلت عليه فقال: "أتدرون ما الكوثر؟ إنه نهر في الجنة وعدنيه ربي، فيه خير كثير" وروي في صفته: أحلى من العسل، وأشد بياضاً من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد؛ حافتاه الزبرجد، وأوانيه من فضة عدد نجوم السماء. وروي: لا يظمأ من شرب منه أبداً، أول وارديه فقراء المهاجرين، الدنسو الثياب، الشعث الرؤوس، الذين لا يزوجون المنعمات، ولا تفتح لهم أبواب السدد، يموت أحدهم وحاجته تتلجلج في صدره، لو أقسم على الله لأبره. وعن ابن عباس أنه فسر الكوثر بالخير الكثير، فقال له سعيد بن جبير: إن ناساً يقولون: هو نهر في الجنة! فقال: هو من الخير الكثير. والنحر: نحر البدن؛ وعن عطية: هي صلاة الفجر بجمع، والنحر بمنى. وقيل: صلاة العيد والتضحية. وقيل: هي جنس الصلاة. والنحر: وضع اليمين على الشمال، والمعنى: أعطيت ما لا غاية لكثرته من خير الدارين الذي أعزك بإعطائه، وشرفك وصانك من منن الخلق، مراغماً لقومك الذين يعبدون غير الله، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت، مخالفاً لهم في النحر للأوثان إن من أبغضك من قومك لمخالفتك لهم هو الأبتر لا أنت؛ لأن كل من يولد إلى يوم القيامة من المؤمنين فهم أولادك وأعقابك، وذكرك مرفوع على المنابر والمنار، وعلى لسان كل عالم وذاكر إلى آخر الدهر، يبدأ بذكر الله ويثني بذكرك، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف، فمثلك لا يقال له أبتر: وإنما الأبتر هو شانئك المنسي في الدنيا والآخرة، وإن ذكر ذكر باللعن. وكانوا يقولون: إن محمداً صنبور: إذا مات مات ذكره. وقيل: نزلت في العاص بن وائل، وقد سماه الأبتر، والأبتر: الذي لا عقب له. ومنه الحمار الأبتر الذي لا ذنب له.
    عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة الكوثر سقاه الله من كل نهر في الجنة ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر أو يقربونه".
    قال تعالى :

    {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً }
    الكهف109

  6. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (موسى أحمد زغاري) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  7. #4
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2954

    الكنية أو اللقب : أبو جهــاد

    الجنس : ذكر

    البلد : بلاد الغرب أوطاني

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : Computational Linguistics

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل11/9/2005

    آخر نشاط:11-08-2011
    الساعة:01:30 AM

    المشاركات:324
    تاريخ التسجيل
    11/9/2005
    البلد
    بلاد الغرب أوطاني
    المشاركات
    324
    1426/9/20 هـ
    اشكرك يا اخي الكريم
    وجزاك الله خيرا

  8. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (منسيون) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع
  9. #5
    فريق إعراب القرآن الكريم

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 24759

    الكنية أو اللقب : بنت الإسلام

    الجنس : أنثى

    البلد : دار الممر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 20

    التقويم : 553

    الوسام: ⁂ ۩ ۞
    تاريخ التسجيل11/6/2009

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:01:53 AM

    المشاركات:16,720

    السيرة والإنجازات

    تاريخ التسجيل
    11/6/2009
    البلد
    دار الممر
    المشاركات
    16,720
    1432/1/22 هـ
    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد:

    الأستاذ الفاضل : صالح بن سعد المطوي

    جزاكم الله خيرا على ما قدمتم ، وجعله الله في موازين حسناتكم ، وكتب الله لكم الأجر والمثوبة ، ورحمكم الله رحمة واسعة ، وأسكنكم فسيح جناته ، وثقل الله صحائف أعمالكم بهذه المعلومات القيمة ، وغفر الله جميع ذنوبكم ، ورزقكم لذة النظر لوجهه الكريم / اللهم آمين
    وجزى الله خيرا كذلك / الأستاذ الفاضل :موسى زغاري على المعلومات القيمة ، أسأل الله أن يكتب لكم الأجر والمثوبة / اللهم آمين

    "إنا لله وإنا إليه راجعون "

    والله الموفق
    التعديل الأخير من قِبَل زهرة متفائلة ; 29-12-2010 في 01:37 PM

  10. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله" يرجى الضغط هنا لمنح (زهرة متفائلة) نقطة على هذه المشاركة للشكر أو التشجيع

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •