اعرض النتائج 1 من 4 إلى 4

الموضوع: ظاهرة "التناصّ" في شعرالانتفاضة الفلسطينية

  1. #1
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 33506

    الجنس : أنثى

    البلد
    رياض الفصيح الزاهرة

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : آخر

    التخصص : أدب عربي

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 2

    التقويم : 185

    الوسام: ۩
    تاريخ التسجيل9/7/2010

    آخر نشاط:19-10-2019
    الساعة:07:15 PM

    المشاركات
    3,228
    تدوينات المدونة
    13

    ظاهرة "التناصّ" في شعرالانتفاضة الفلسطينية

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    لقد ألهمت انتفاضة الأقصى المباركة الشعراء ،فألهبت وجدانهم ،وأثارت قريحتهم لتصوير بطولات شعبٍ مقاومٍ لا يستسلم للهزائم ،ولا يتراجع وإن غرقَ في موج الموت المتلاطم، يشدّه في ذلك عزم وحزم وإرادة لا تهزم، استلهمها من إيمان راسخ أن حزب الله هم الغالبون،وأن النصر آتٍ بإذن الله ولو بعد حين..
    يموت منّا الطفل والشيخ
    ولا يستسلم
    وتسقط الأم على أبنائها القتلى
    ولا تستسلم
    تقدّموا
    تقدّموا
    بناقلات جندكم
    وراجمات حقدكم
    وهدّدوا
    وشرّدوا
    ويتّموا
    وهدموا
    لن تكسروا أعماقنا
    لن تهزموا أشواقنا
    نحن القضاء المبرم
    تقدموا
    تقدموا .. (سميح القاسم)


    وقد استعان بعض شعراء المقاومة بأسلوب التناصّ "علاقة حضور متزامن بين نصين أو أكثر، أو هو الحضور الفعلي لنص داخل نص آخر" (جيرار جنيت).
    كما تعرّفه
    جوليا كريستيفا بأنه" كل نص يتشكل من تركيبة فسيفسائية من الاقتباسات ،وكلّ نص هو تشرّب وتحويل لنصوص أخرى"
    فالتناص هو خروجٌ من النص إلى نصوص غائبة يتم استحضارها ليكتمل النصّ الحاضر.
    ومن مظاهره: الاقتباس والتضمين (التناص الشعوري)،أما التناص اللاشعوري فيكون الأديب فيه غير واع بحضور النص الآخر في نتاجه الأدبي الجديد .

    سنقف في هذه الصفحات عند تجليات التناصّ في شعر الانتفاضة الفلسطينة،من خلال نماذج شعرية كشفت عن بطولات شعبٍ أبيّ يقتحم الوغى ونارُ المقاومة تستعر،في عزيمة وإرادة لا تقهر، وإقدام لا يعرف التراجع أو الخوَر ، مع التعبير عن الغضب والسخط من موقف الخزي والعار لحكام ا
    لعرب..

    وقد اعتمدت على مرجعين،مع بعض التصرف والإضافات..
    -عبد الرحيم حمدان حمدان،التناص في مختارات من شعر الانتفاضة،مجلة جامعة الشارقة،العدد 2006،3
    -عبد الجليل حسن، التناص في الشعر الفلسطيني المعاصر،مجلة جامعة الأزهر بغزة،المجلة 11،العدد 2009،2


    التعديل الأخير من قِبَل عبق الياسمين ; 29-05-2015 في 05:21 PM

  2. #2
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 33506

    الجنس : أنثى

    البلد
    رياض الفصيح الزاهرة

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : آخر

    التخصص : أدب عربي

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 2

    التقويم : 185

    الوسام: ۩
    تاريخ التسجيل9/7/2010

    آخر نشاط:19-10-2019
    الساعة:07:15 PM

    المشاركات
    3,228
    تدوينات المدونة
    13

    ظاهرة "التناصّ" في شعر الانتفاضة الفلسطينية

    أولا:التناصّ الديني


    شكّل الموروث الديني على تنوع دلالاته واختلاف مصادره مصدرا إلهاميا ،ومحورا دلاليا لكثير من المعاني والمضامين التي استوحاها شاعر المقاومة ،وحاول النفاذ من خلالها لتصوير معاناته ،والتعبير عن قضاياه ومواقفه،وتعميق تجاربه.

    ***ويعدّ النص القرآني مصدرا هاما من مصادر التعبير الشعري وتكثيف الدلالة ، وإثرائها بالرموز الخصبة. فاستلهم الشعراء بعض المعاني القرآنية ،أو الكلمات بفضل الاقتباس ،أو استحضار شخصيات الأنبياء والرسل ،يقول محمود درويش في قصيدته "أنا يوسف يا أبي":
    أنا يوسف يا أبي
    يا أبي إخوتي لا يحبونني
    لا يريدونني بينهم يا أبي
    يعتدون عليّ ويرمونني بالحصا والكلام
    يريدونني أن أموت ليمدحوني
    وهم أوصدوا باب بيتك دوني
    غاروا وثاروا علي وثاروا عليك
    فماذا صنعت لهم يا أبي؟
    فماذا فعلت أنا يا أبي؟
    أنت سميتني يوسف
    وهم أوقعوني في الجب
    واتهموا الذئب
    والذئب أرحم من إخوتي ..أبتِ
    هل جنيت على أحد عندما قلت إني : رأيت أحد عشر كوكبا
    والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين.
    جاء في القرآن الكريم من سورة يوسف:" إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ"
    وهي هنا تعبّر عن واقع الأمة العربية المتردي والممزّق.

    - ومن نماذج استدعاء النص الشعري للنص القرآني قول الله عز وجل:" أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ " فجسّد من خلالها صاحب قصيدة "مخلوقات غير عادية" - ويعني بهم (الصهاينة)- طبيعة الصراع الفلسطيني الصهيوني، واقفا على معاني المقاومة والصمود في وجه الاحتلال وادعاءاته السخيفة بأحقيته في أرض فلسطين حين زيف التاريخ افتراء على الإنسانية جمعاء..

    كلّ الذي في الأرض أعرفه ويعرفني
    ويشهد بانتمائي
    لن يأخذ المحتل ما ملكت يداي
    بالادّعاء والافتراء
    وأنا الفلسطيني،أصلي ثابت وفرعي في السماء
    كل الغزاة لفظتهم،وكتبت تاريخي المشرف بالدماء

    هذا ما يمنح النص عمقا ،حين يوحي بمعان خفية تفتح فضاء التأويل والتحليل،فما مزاعم الصهاينة إلا محض افتراء ،وكلام عابر لا يسمن ولا يغني من جوع.

    -كما استلهم الشاعر (كمال أحمد غنيم) من قصة هاجر أم اسماعيل عليه السلام، في حوار تخوضه مع سيدنا ابراهيم عليه السلام في قصيدته (هاجر) :
    ناشدتك ألا تتركنا
    الظمأ يجوس بأضلاعي
    وعروقي تنزف في قبري
    رحماك فلا كبش يثغو
    رحماك ولا نبع يتفجر تحت الأقدام
    رحماك ولا أفئدة تهوي
    لاأسمع خطوات قادمة
    لا أسمع حتى همس الأقلام

    إنه استحضار لقوله تعالى :" رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ "
    من خلال قصة السيدة هاجر عليها السلام،يجسد الشاعر الواقع المأساوي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني وحالة انتظاره الغوث والمدد من أشقائه العرب ،فالحوار الدرامي بين السيدة هاجر وإبراهيم عليه السلام أثرى دلالة النص وأضاف إليه عمقا،إضافة إلى تكرار (رحماك .. لا أسمع) التي تثير مكامن الأحزان والأسى وألم الخذلان.

    بينما يستلهم الشاعر فاروق جويدة في قصيدته"ماذا تبقى من بلاد الأنبياء" من قصة مريم عليها السلام قول الله سبحانه: " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ".
    حين يقول:
    يا ليلة الإسراء عودي بالضياء
    هزي بجذع النخلة العذراء
    يساقط الأمل الوليد
    على ربوع القدس
    تنتفض المآذن،يبعث الشهداء
    تتدفق الأنهار ،تشتعل الحرائق
    تستغيث الأرض
    تهدر ثورة الشرفاء

    إنه تعبير عن الحاجة إلى معجزة سماوية لتغيير حالة العرب ،وهذه الحاجة مرتبطة بأرض القدس.فالنخلة العذراء المغروسة في أرض القدس هي رمز للانتفاضة، لكن لم يسبق لها أن أثمرت حركة مقاومة،إنها شجرة بِكر خصبة ، لذا فإن الشاعر يطلب منها أن تهتز لا لتساقط رطبا ،بل تهفو روحه إلى أمل لا يتحقق إلا بالانتفاضة وتضحية الشهداء..
    وقد اختار لذلك الأفعال المضارعة التي توحي بالاستمرار والتجدد(يساقط،تنتفض،تشتعل،يبعث) مما أسهم في التعبير عن موقف الشاعر ورؤيته،الذي يحدوه الأمل لتحرير أرض المقدس.يقول:
    يا ليلة الإسراء عودي بالضياء
    هزي بجذع النخلة العذراء
    رغم اختناق الضوء في عيني
    ورغم الموت والأشلاء
    مازلت أحلم أن أرى قبل الرحيل
    رمادَ طاغية تناثَرَ في الفضاء
    مازلت أحلم أن أرى فوق المشانق
    وجهَ جلاد قبيح الوجه تصفعه السماء
    مازلت أحلم أن أرى الأطفال
    يقتسمون قرص الشمس
    يختبئون كالأزهار في دفء الشتاء.
    مازلت أحلم
    أن أرى وطنا يعانق صرختي
    ويثور في شمم ،ويرفض في إباء

    -وفي قصيدة (لبيكِ يا جِنين)يظهر الشاعر الموقف المتخاذل لحكام العرب ،الذين قتلوا النخوة والكرامة بصمتهم وتآمرهم ضد القضية الفلسطينية ،فيعقدون اجتماع الخزي والعار في القمم العربية ليعلنوا الاستسلام براية التفاوض والسلام ،يقول في استهزاء وسخرية:

    توافدوا كأنهم للموت زائرون
    وسقطت قلوبهم ودارت العيون
    وافتتحوا جلستهم بآية وأخذوا لها يرددون
    "إن جنحوا للسلم فاجنح"
    "إن جنحوا للسلم فاجنح"
    هذا هو خيارنا
    جاء به كتابنا المبين
    وصية للمصطفى الأمين
    قرت عيون القوم ... لكن
    قومنا تشبهوا بمالك الحزين..!!
    تجمعوا ... تسمعوا ... ثم عموا ..!
    عن طفلة مسحوقة وعائل سجين !
    تجردوا من نخوة المعتصم وكسروا سيف صلاح الدين !
    تناعسوا ...
    تقاعسوا... وبعدها
    تحمسوا ...
    تهامسوا ...
    فوعدوا أن يرسلوا لكل رب أسرة
    كيساً من الطحين!!
    وقرروا
    أن يشحذوا لجارنا السكين !!
    لبيك يا جنين

    يقول تعالى في محكم تنزيله:" وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ "


    ***ومن نماذج استحضار الحديث النبوي الشريف ما ورد في قصيدة "حين يصيح الفجر قد نطق الحجر" ،يقول الشاعر على لسان الطفل الفلسطيني الشهيد "محمد الدرّة" مخاطبا أخته:
    أختاه
    لا تخفي دموعك خلف جدران البيوت
    فالليل يمضي
    ثم ينفجر النهار
    فتحفزي انتظري الصباح
    إن كنت في محراب جمرك تنتظرين
    فتهيئي
    حتى يصيح الفجر قد نطق الحجر

    عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :" قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود" رواه مسلم
    إن ّ التناص قد جسد الصراع بين ليل الظلم الحالك ونور الحق الساطع ،فما جرائم اليهود إلا شعلة تذكي لهيب المقاومة الفلسطينية.
    ويظهر التناص مع هذا الحديث النبوي بشكل أكثر وضوحا ليجسد الصراع اليهودي الفلسطيني،مع التأكيد على الإيمان ببشرى النصر يوما ما.
    يقول الشاعر (محمد العائد) في قصيدته "اليوم قد نطق الحجر"
    لاخير إن سكت البشر فاليوم قد نطق الحجر
    هذا يهودي ورائي قد توارى واستتر

    كما يصور في قصيدته"خلاصة القول" واقع الأمة العربية وما آلت إليه من ضعف وهوان وتفرق وانقسام:
    تخطفنا العدا شلوا فشلوا ** فنحن اليوم كالنهب المشاع
    غدونا من تفرقنا غثاء ** كمثل الشاه تصبح دون راع
    فهل نحني الرؤوس رضا وذلا ** لشر الخلق أبناء الأفاع
    وداء الخبث في دمهم قديم ** وداء الحقد جاء من الرضاع

    وفي الحديث الشريف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت"

    التعديل الأخير من قِبَل عبق الياسمين ; 29-05-2015 في 12:51 AM

  3. #3
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 33506

    الجنس : أنثى

    البلد
    رياض الفصيح الزاهرة

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : آخر

    التخصص : أدب عربي

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 2

    التقويم : 185

    الوسام: ۩
    تاريخ التسجيل9/7/2010

    آخر نشاط:19-10-2019
    الساعة:07:15 PM

    المشاركات
    3,228
    تدوينات المدونة
    13

    ظاهرة "التناصّ" في شعر الانتفاضة الفلسطينية

    ثانيا: التناصّ الأدبي:


    وهو تداخل نصوص أدبية شعرا أونثرا مع النص الجديد ،للتعبير عن فكر الشاعر. ونجد له أثرا في شعر انتفاضة الأقصى بأشكال عديدة ،كالمعارضات حين عارَضَ الشاعر (عبد الرحمن العشماوي) معلقة عنترة بن شداد التي مطلعها :
    هل غادر الشعراء من متردم *** أم هل عرفت الدار بعد توهم
    ليعبرعن موقف حكام العرب المتخاذل في القمة العربية ،قائلا:
    هل غادر الرؤساء من متردم *** أم هل عرفت حقيقة المتكلم
    سنة على سنة تراكم فوقها تعب *** الطريق وسوء حال المسلم
    سنة على سنة وأمتنا على جمر *** الغضى والحزن يشرب من دمي
    قمم تشيد فوق أرض خضوعنا *** أرأيت قصراً يُبتنى في قمقم؟!
    يا دار مأساة الشعوب تكلمي *** وعمي صباح الذل فينا واسلمي
    إنا على المأساة نشرب ليلنا سهراً *** وفي حضن التوجس نرتمي
    ما بين مؤتمر ومؤتمر نرى *** شبحاً يعبر عن خيال مبهم
    التوصيات تنام فوق رفوفها *** نوم الفقير أمام باب الأشأم
    شجب وإنكار وتلك حكاية ماتت *** لتحيا صرخة المستسلم

    كما يستدعي شخصية (عنترة) كرمز للبطولة والإقدام ،وشخصية (عبلة) رمز فلسطين الأسيرة التي دنّس شرفها الاستيطان الصهيوني،وذلك ليجمع بين موقفين متناقضين:تضحية عنترة في سبيل عبلة قديما ، مقابل جُبن وتراجع العرب في مواجهة الصهاينة وتحرير فلسطين حاضرا .يقول:

    أأبا الفوارس وجه عبلة شاحب ** وأمام خيمتها حبائل مجرم
    أأبا الفوارس صوت عبلة لم يزل ** فينا ينادي ويك عنترة أقدم
    ترنو إليك الخيل وهي حبيسة ** تشكو إليك بعبرة وتحمحم
    هلا غسلت السيف من صدأ الثرى ** وعزفت في الميدان ركض الأدهم
    هلاّ أثرت النقع حتى ينجلي ** عن قبح وجه الخائن المتلثم


    إلى أن يقول:


    إني ذكرتك والجراح نواهل ** وحرفي قد تلجلج في فمي
    فوددت تمزيق الحروف لأنها ** وجمت وجوم جبينك المتورم


    ها هي المأساة تتجلى في أشد صورها ألما وغضبا..

    كما نجد أثرا للتناص الأدبي في قصيدته
    (جِنين) ،حين جعل فلسطين وجها آخر للأندلس ،من خلال استحضار نصوص غائبة من فن رثاء الممالك والمدن الأندلسية، كسينية ابن الأبار،مطلعها:
    أدرك بخيلك خيل الله أندلسا ** إن السبيل إلى منجاتها درسا
    ونونية أبي البقاء الرندي ومطلعها:
    لكل شئ إذا ما تم نقصان ** فلا يغرّ بطيب العيش إنسان
    يقول:

    خبِّريْنا يا قلوبَ الوالهينْ *** عن جراحٍ ودموعٍ وأنينْ
    خبِّريْنا عن جريحٍ لم يزلْ *** يلفظ الأنفاسَ بين الراحلينْ
    وعن الأجساد لما أصبحت *** قِطَعاً تُغْمَس في ماءٍ وطينْ
    وعن الرُّعب الذي نُبصرُهُ *** كلَّ يومٍ في وجوه النازحينْ
    عن صغارٍ أصبحوا في فَزَعٍ *** تحت زخَّاتِ رصاص الغاصبينْ
    وعن الأنقاضِ ماذا تحتَها *** من ضحايا قُتِلُوا مُسْتَبسلينْ

    نستشعر إيقاع الحزن والألم ،ونغم اللوعة والأسى بين ثنايا الأبيات ،بيد أن القصيدة قد صورت روح البطولة والتضحية والمقاومة الباسلة ،لتغدو (جنين) رمزا من رموز التحدي والصمود في وجه الغاصبين، يقول:
    خبِّريْنا عن فتاةٍ فَجَّرتْ *** نفسَها وهزَّتْ قلوبَ الواهمينْ
    هي في عمر الصَّبايا خَرجتْ *** حرَّةً من نظرات الحالمينْ
    غرَّدتْ للموت لمَّا أبصرتْ *** قومَها بين قتيلٍ وسَجينْ
    ورأتْ جُرحَ أخيها نازفاً *** غسلتْهُ الأُمُّ بالدمعِ السَّخينْ
    أَنِفَتْ أنْ تُسْنِدَ الأمرَ إلى *** وَعْد شُذَّاذِ اليهودِ الخائنينْ
    أو إلى تدبيرِ غَرْبٍ لم يزلْ *** يجد العُذْرَ لشارونَ اللَّعينْ
    يَدُها الناعمةُ امتدَّتْ إلى *** جَذْوةٍ تَشوي وجوهَ الحاقدينْ
    قدَّمتْ زَهْوَ صِبَاها ثمناً *** غالياً في نُصْرَةِ المستضعفينْ

    وفي قصيدة أخرى هي
    (فلسطين أمّي) للشاعر "محمد وليد" يظهر التناص مع نونية أبي البقاء الرندي إذ يقول:
    يا راكبين عتاق الخيل ضامرة ** كأنها في مجال السبق عقبان
    وحاملين سيوف الهند مرهفة **كأنها في ظلام النقع نيران
    وراتعين وراء البحر في دعة ** لهم بأوطانهم عز وسلطان
    أعندكم نبأ من أهل أندلس ** فقد سرى بحديث القوم ركبان

    يقول محمد الوليد:

    فلسطينُ أمي ..
    تنوحُ بصوت حزين ..
    تعيشُ على ضفة الموت ..
    بين الصراخ وبين الأنين ..
    وأعداؤها يقرعون الطبول ..
    ويحتفلون بنصر مبين ..
    لك الله .. يا قدسُ ..
    يا حبة القلب ..
    يا درة في الجبين ..
    لقد باعك الأقربون
    وضيعك التائهون بهذا الزمان المهين..
    فغرقي يقودون ركب السّفين ..
    وعُميٌ يعادون طب العيون ..
    فلسطين أمي ..
    تنادي أباة الرجال ..
    لقد قيدوني ..
    وشدوا بصدري الحبالْ
    وفي ساحتي سامريّ
    يجوسُ خلال الديار ..
    ينقّبُ عن جده في الرمالْ
    ويرعى الخنازير فوق سهولي ..
    وفوق الجبالْ
    ويعصر أعنابي الحُمرَ خمراً ..
    ليسقي رؤوس الضلالْ
    لقد ألحقوني .. بركب الضلال ..
    وقد هوّدوني ..
    فيا راكبين عتاق الخيول ..
    لمن تتركوني؟
    حنانك يا أمُ إني فداك
    برغم العذاب ورغم السجون
    وإني سآتيك فوق سروج الغمام
    وفوق الحُزون
    سأحمي حماك
    بخفق الفؤاد.. ونبض الوتين
    وأشعلُ قنديل حُبك ..
    خلف الوهاد .. وفوق الوكون
    وإن جوّعوني ..
    وهبتك لقمة عيشي .. وكدّ اليمين..
    وإن قتلوني ..
    وهبتك روحي ..
    ترف عليك بنور اليقين ..
    سأقهركم أيها الغاصبون
    برغم العذاب ورغم السجون ..
    فلا تفرحوا باعتقالي وقهري ..
    وتشريد أهلي بليل حزين ..
    ولا تفرحوا بسلام مُهين ..
    جناهُ الجناة بعصر مهين ..
    فلسطين أرضي وأرض جدودي ..
    وإن ما غصبتم ثراها لبضع سنين ..
    وإن ما ظننتم دوام المقام ..
    فلا تسرفوا في الظنون ..
    فموسى لنا .. ولك سامريّ
    يبيع هواه بعجل سمين ..
    وجيش محمد آتٍ بنصر مبين
    يبشرنا أنكم راحلون ولو بعد حين ..


    لم يتقتصر استحضار الشعراء لنصوص قديمة ،بل تعدى ذلك إلى نصوص حديثة ،كما فعل الشاعر محمد جعفر في قصيدته
    (فلسطينية العينين) يقول:

    فلسطينية العينين والكفين والمعصم
    فلسطينية العينين والأحجار لن تهزم
    فلسطينية العينين والدار
    جروح أنبتت نارا على نار
    دماء أشعلت في قلبي المحزون أشعاري
    وإن صمتوا..وإن ناموا... وإن قاموا ...
    فأنت لهيب إعصاري...



    والتناص جليّ معقصيدة محمود درويش (عاشق من فلسطين) يقول:

    فلسطينيةً كانتْ ولم تزل
    فلسطينيةُ العينينِ والوشْمِ
    فلسطينية الاسمِ
    فلسطينية الأحلامِ والهمِّ
    فلسطينية المنديل والقدميْن والجِسْمِ
    فلسطينية الكلماتِ والصمتِ
    فلسطينية الصوت
    فلسطينية الميلادِ والموتِ


    يتداخل النص الحاضر مع النص الغائب على سبيل التآلف والتوافق ،ليشتركا في تصوير تجربة إنسانية تنبض حبا صادقا تكون فيه (فلسطين) هي الحبيبة الأبدية.

    التعديل الأخير من قِبَل عبق الياسمين ; 29-05-2015 في 01:13 AM

  4. #4
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 33506

    الجنس : أنثى

    البلد
    رياض الفصيح الزاهرة

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : آخر

    التخصص : أدب عربي

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 2

    التقويم : 185

    الوسام: ۩
    تاريخ التسجيل9/7/2010

    آخر نشاط:19-10-2019
    الساعة:07:15 PM

    المشاركات
    3,228
    تدوينات المدونة
    13

    ظاهرة "التناصّ" في شعر الانتفاضة الفلسطينية

    ثالثا:التناص التراثي



    تم استثمار هذا الشكل من التناص لمنح الخطاب الشعري نوعا من الامتداد الزمني والإنساني ،من خلال استحضار الشخصيات التراثية في إطار معالجة الجوانب السياسية والرمزية ،والقضايا الوطنية المتعلقة بالانتفاضة المباركة ،ونضال الشعب الفلسطيني الأبيّ..وتجدر الإشارة إلى أن هذه الشخصيات المستحضرة لها جذورها الممتدة في ثرى الأرض المقدسة ،وفي تاريخ الأمة العربية ، فحضور أمجادها وانتصاراتها البطولية عبر التاريخ هو بمثابة البديل عن زمن الانتكاسات والضعف في الزمن الراهن.

    ففي قصيدة
    (رسالة إلى المعتصم) استدعاء شخصية الخليفة العباسي" المعتصم "رمز الإقدام والشجاعة في نجدة المستغيثين ،فإن كان "المعتصم" فيما مضى قد جهز جيشا فهزم الصليبيين وفتح عمورية بعد استغاثة المرأة المسلمة (وامعتصماه) ،فإن "المعتصم" في الحاضر هو رمز للحاكم العربي فاقد النخوة والكرامة والغيرة على الشرف ،فقد صمّ عن الدعاء الأسمع، وإن تعالت صرخات نساء الأمة الإسلامية، يقول:
    يا معتصم
    في أي حصن تختبئ
    ولأي حضن تلتجئ
    المسلمات صرخن من هول الألم
    يا معتصم
    نُزعت سُتوري
    واستباح الروم دُوري
    ما عاد ثم سوى الدماء تروي تراب الأنبياء

    كما يستدعي شاعرنا شخصيتين من التراث (هارون الرشيد ) كرمز لقادة العرب الخائفين في الوقت الراهن، و(نقفور) ملك الروم الذي يرمز به إلى الكيان الصهيوني ،فيتحول( نقفور )-الذي أذله المسلمون وهزمه هارون الرشيد ،وكتب على ظهر رسالة نقفور:
    "من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم،قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة،والجواب ما تراه دون أن تسمعه " - إلى حاكم قوي يقترف الجرائم ضد الفلسطينيين ويهدد الزعماء العرب دون أن يجد يدا تردعه.يقول:
    "نقفور" كلب الروم ينبح
    "نقفور" كلب الروم يَذبح
    "نقفور" يشرب من دمانا
    "نقفور" يسبح..
    نقفور صرّح:
    "من حاكم الروم العظيم إلى حقير المسلمين:
    جيشي يوافيكم غدا أو بعد غد
    وعديده من غير عدّ
    وعتاده من غير حدّ"
    يا معتصم،
    ديوان جندك فيه آلاف الجنود..
    وبيت مالك فيه أطنان النقود
    فعلام تصمت؟*
    هم يحسمون خيارهم فاحسم خيارك
    عفوًا قصدت:
    هم يحسمون خيارهم بدِّل "خيارك"
    هم يمنعون جوارهم فامنع جوارك
    هم يحرسون ديارهم فاحرس ديارك
    وأنا أراقب عاصف الريح البعيد..
    أقول: عصف المعتصم
    هو في الطريق
    وأحس بالحر الشديد
    أقول: نار المعتصم
    هي في الطريق
    ويهزني رعد السماء..
    أقول جيش المعتصم
    هو في الطريق..
    هل أنت حقًا في الطريق؟
    أم في المضيق؟
    يا معتصم!!

    التعديل الأخير من قِبَل عبق الياسمين ; 29-05-2015 في 01:19 AM

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •