نقد مفرداتنا المعجمة (2 - التفاح )
علم اللغة - م سهيل فهمي شماس
نقد ما نسب لليونان والرومان والفرس والترك..الخ، من مفردات لغتنا العريقة.
أن يعمل أحدنا قاضياً يجرد أمتنا من إرثها الحضاري وحقوقها التاريخية فيه، عليه أن يفقه تفاصيل تاريخها ـ منتج لغتها ـ وكذلك تاريخ الأمم التي ينسب إليها مفرداتنا، وكذلك عليه أن يلم بأصوات لغة أمتنا والأمم المذكورة، وليس من حق الجهلاء بما أسلفت سابقين ولاحقين أن ينسبوا لأمم أخرى ما أجترحه أسلافنا من مفردات نتيجة وعيهم وتطويعهم لبيئة وطبيعة وطننا الشاسع، ولا أرى توصيفاً لمثل من فعل ويفعل ذلك غير الجهل الملازم لنكران الإنتماء ، وإليكم نقداً لما يسوق إليه أمثال هؤلاء:
2- التفاح ـ لقد صنفوا التفاح مفردةً فارسية ـ
آ - في إرثنا الثقافي: من المعروف أن أغلب إرثنا الثقافي ينبع من دياناتنا السماوية فوطننا كان مهداً لها وأمتنا كانت مصدراً لوحيها، مايعني أن لغة أمتنا كانت لغة الرسالات السماوية وكانت وستكون كما يقال لغة أهل الجنة!، ولأن قصة الخلق وشجرة التفاح وثمرتها التفاحة خص، كانوا ركناً رئيساً في قصة الخلق ولم تكن أية فاكهةٍ أخرى، فهذا يؤكد أن التفاح كان الفاكهة الأكثر وفرةً وشهرة في جنان وطننا منذ بدء البدايات، فلماذا مفردة تفاح فارسية؟ وهل يعقل أن الوحي نزل أنبياء أمتنا بلغة أمةٍ أخرى عرفت إله السماء بعد إعتناقها الإسلام.
ب- في صوتيات اللغة:
1ــ أعلنها في هذا المقال أنه على القاصي والداني أن يعرف ولو متأخراً أن صوت الـ العين ع والحاء ح هما الصوتين الوحيدين الذين لا تصوتهما أثنيةٌ أو أمةٌ أخرى غيرنا وهذه ليست رغبتي، إنما صيرورةَ حنجرةِ خلقِ اللهِ من الأجناس بيولوجيا يعني!، وصوتي العين والحاء هما ما يجمع أمتنا من خليج عربها حتى أطلس مغربها ومن طورها السليب في تركيا حتى أعالي نيلها في إفريقيا، وليس كما أعتقد شاعرنا الكبير فخري البارودي في قصيدته: لسان الضاد يجمعنا؟، فبأي منطق أدعى من أدعى بأن مفردة تفاح مقتبسة من لغةِ قوم ٍ لم ترتقي حنجرتهم مرحلة تصويت حائنا، هذه والله إحدى ظواهر فساد وعينا.
2 ــ إضافةً إلى أننا إذا ما عدنا للقاموس الفارسي فهو يقر بأن صوت الحاء هو صوت عربي وكافة المفردات التي ترد فيها الحاء عربية.
ج- والمضحك المبكي، أن المدعين بوجود مفردات فارسية في لغة أمتنا، جهلاً و نكران إنتماء لا يعرفون شيئاً عن أو من الفارسية وهم لم يكلفوا أنفسهم عناء النظر أو البحث في معاجمها لتأكيد إدعائهم، فما رأيكم في أن الفرس لا يعرفون شيئاً أسمه تفاح، وأن التفاح في اللغة الفارسية هو ( سـيب و سيف ).
د - في معنى التفاح: منذ عشرة أعوام خلت شاركتُ برحلةٍ جماعية إلى جزيرة ما بين النهرين العليا ـــــ المغتصبة من قبل الأتراك الذين سلبوها بعد أن فرغوها من أصحابها عام 1915 بإبادة ما يقرب المليونين ونصف من أبناء أمتنا بمختلف تسمياتهم الدينية والطائفية ـــــ وبينما كانت الحافلة تعب بنا الطريق الجبلي من مدينة ماردين إلى مذياد قصبة جبل طورعابدين، غمرت الحافلة رائحة عطر ٍ ذكية جعلتني أعتقد للوهلة الأولى بأن قنينةً عطر فرنسية قد إندلقت في الحافلة، وعندما أستفسرت أجابوني بأنها رائحة زهر شجر التفاح، وحيث لم ألحظ شجراً خلال الرحلة رحت ألتفت يمنةً ويسرى بحثاً عن الشجر، فأشاوروا لي بعيداً نحوى اليمين حيث تناثرت على بعد مئتي متر تقريباً بعض الأشجار المتفرقة، تملكتني الدهشة وسألت: هذه الرائحة النفاذة التي غمرت الحافلة هي من تلك الأشجار البعيدة؟، فأكدوا لي بأن شجر التفاح عندما يزهر ينشر رائحة زكية لمسافات بعيدة، وبعد لحظات وتقبلي لما سمعت على مضض، ميزت بحاسة الشم بأن الرائحة التي غمرت الحافلة هي فعلاً رائحة التفاح الذكية، حينها تفكرت في أسم التفاح الذي لم يكن محلولاً في أبحاثي اللغوية، ورحت أردد تــ فــ ا ـح ، تـ...فاح ... نعم نعم فاح من فح وفاح..الخ، ولأن الـ سُم يوصف كفاعل سام، وضر يوصف كفاعل ضار وجر في النحو يقال له جار وما جف يقال له جاف.الخ ، فإن ما يفح يوصف كفاعل فاح ولأن التاء بحسب أبحاثي تشير للتبعية وليس للتأنيث كما يعتقد اللغوين، وهذه قضية سأشرحها في حينها، فإن ما يتبع فح زهر الشجر الموصوف كفاعل فاح هو ثمر الـ تـــ فاح.
ولأن دمشق تعبق بعطر الياسمين، وغوطتها كانت بستان بلاد الشام وشجر تفاحها الفائح كان الأوفر والأشهر من بين أنواع فاكهتها الأخرى، لذلك وصفت دمشق بالفيحاء واللسان الذي وصفها بالفيحاء هو ذاته الذي وصف ثمار ما فاح من أشجارها بالـ تفاح، ولا علاقة للفرس بالشام الفيحاء ولا بتفاحها.