الصبر واليقين ، كما تقدم في مواضع سابقة ، مادتا صلاح للأديان والأبدان ، فإن الدين لا يتم إلا بعلم به يحصل اليقين ، ولا يكمل إلا بصبر على هذا العلم ، فكم من عالم بالحق لم يصبر على ألمه الطارئ فسرعان ما تعقبه لذة تعظم هي مراد العاقل ، فالعلم مادة صلاح توجب من وجه آخر رحمة ، فمن كان أعلم كان أرحم ، إن كان علمه حقيقة لا دعوى ، فالعلم ذريعة إلى سعة الجنان ، فتكون فسحة نظر واستدلال ورحمة في موارد الخلاف فلا يكون ثم جور في الحكم ، فإن فساد التصور إنما يكون من نَقْصٍ في استقراء وجوه المسألة ، وأدلتها ، فضلا عما يكون من تعصب ، فهو يحجب النظر عن موارد حق تشهد للخصم فلا تَرَى إلا ما لها يشهد ، وقد يكون قولها في الجملة أرجح ، ولكن العدل يقضي أن يقبل ما في قول الخصم من الحق ، وإن مرجوحا قد غَلَبَهُ الباطل ، فلا يخلو أي قول يشتبه من حق ، فهو مادة الشبهة إذ يشتبه الحق بالباطل ، ولو كان القول كله باطلا ما خفي بطلانه على أحد وَلَسَهُلَ على كل ناظر أن يَرُدَّهُ بلا إشكال أو اشتباه ، مع أن الحق قد يخلص في النظر والاستدلال ، وهو ، مع ذلك ، لا يسلم من سحر القول والبيان الذي يقلب الحقائق وَيُزَيِّفُهَا في الجنان ، فيكون الحق خالصا ومع ذلك تكون الشبهة لا أنه قد مازج باطلا وَإِنَّمَا لما يكون من سحر المبطلين ، فينقلب باطلا محضا ! ، أو يكون حقا خالصا يراد به باطل خالص فالسياق يصرفه إلى معنى يهواه المستدل كما يقع كثيرا في طرائق أهل الأهواء فيكون نص التنزيه الصحيح ذريعة إلى النفي والتعطيل ! ، ويكون التنويه بمقاصد الشرع الكلية لهدم تفاصيله الجزئية والاقتصار على مجملاته دون مُبَيَّنَاتِهِ .
وذلك ، من وجه آخر ، أمر لا ينفك يقترن بفسادٍ في حال من يسمع الشبهة المتهافتة التي تروم قلب الحق الخالص باطلا خالصا ! ، وذلك ، لو كان ثم حال كاملة ، مِمَّا لا يشتبه على صبي لَمَّا يكلَّفْ فضلا عن ذي عقل كامل وقياس ناصح ، فقد نقصت حاله إما بمطعم محرم يفسد النظر والبصيرة فلا ينفك أكل السحت يقترن بسماع الكذب ، كما في قوله تعالى : (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) ، فحد الفعلان ، السمع والأكل ، على جهة المبالغة بما يدل على التكرار فـ : "فَعَّال" مئنة من التكرار كما قرر أهل الشأن ، وذلك آكد في تسجيل الجناية فهو مما تَكَرَّرَ فَتَقَرَّرَ فانتفت شبهة الجهل أو العذر فقد استمرأ السامع والآكل تلك الحال الناقصة فصار يباشرها كالعادة الدارجة ، ورفد اللفظ بلام التقوية في "للكذب" و "للسحت" ، إذ مثال المبالغة ، وإن عمل عمل مضارعه ، فهو فرع عنه في العمل ، إلا أنه أضعف منه في هذا الباب فالفرع أضعف من الأصل بداهة فحسن رفده بلام تقوي عمله ولا تخلو من توكيد للمعنى إذ زيادة المبنى مئنة من زيادة تضاهيها في المعنى ، فسماع الكذب فساد في قوة العلم والنظر ، وأكل السحت فساد في حكم الظاهر فالشبهة الباطنة قد أحدثت من الشهوة الظاهرة ما به فسدت الحال ، فَثَمَّ أحوال تفسد فيها الحال بشهوة تَعْظُمُ تجعل صاحبها يعرض عن الحق فهو سبب في إيلامه بحرمانه مما يحب ، ولو كان ظاهرَ التحريمِ وظاهرَ الضررِ بالنظر في المآل ، فَمَتَى تمكنت الشهوة من القلب فسدت حال الملِك فلا يحسن يسوس الرعية إذ سكرة الشهوة قد أذهلته فغاب عن معاني الحق التي لا تحصل في القلب إلا أن يتجرد من الحظوظ والأهواء ، ويجتهد في جمع أدلة الباب واستقراء وجوهه في الخارج ، فجمع المعلوم أول واتخاذ القرار وإصدار الأمر ثان بعد مراحل من التحليل والاستنباط ، وذلك أمر يعم جميع أمور الديانة والسياسة ، فلا بد ابتداء من جمع المعلوم ، وذلك ما يكون باستقراء في الخارج ، إن في نازلة شرع أو سياسة ، وثم منظومة قيم وأحكام ، وطرائق في التحليل والاستنباط فثم جملة نصوص هي المرجع الذي تأرز إليه كل أمة فهي دستور ينتظم أمرها فَتَعْرِضُ عليه ما يَجِدُّ من نَوَازِلَ ، فهو المعيار الحاكم ، وذلك محل النزاع الرئيس بين الأمم ، فإنها تختلف في مستمدها في التصور المجمَل والتشريع المفصَّل ، فتجد لكل أمة من المستمدات والدساتير ما يخالف غيرها ، فثم أمم تَرْجِعُ إلى الوحي ، وثم أمم ترجع إلى الوضع ، وثم أمم لها مذاهب في التأويل فهي تحكم بالوضع وإن زعمت أنها تحكم بالوحي ! ، فقد جعلت الهوى حاكما في الشرع فأمرها قد يخفى ما لا يخفى أمر من يحكم بالوضع الصريح فقد جاهر بمخالفة التنزيل ، فعطل الوحي صراحة وجهر بعداوته فلم يداهن أو يجامل فعدواته صلبة تضاد الدين فهي تجهر بِحَرْبِهِ وإن خَفَّتْ حِدَّةُ العداوةِ ، فهو يفسح هامشا من حرية التدين الخاص دون أن تظهر آثاره في الفضاء العام فذلك محظور في أي وضع محدث فما كان يصنع إذن ؟! ، وماذا يَبْقَى له من السيادة والسلطان وما اجْتَرَأَ فخرج عن شَرْعِ الرحمن ، جل وعلا ، إلا انْتِزَاعًا لهذا السلطان ، إما بتعطيل الوحي أو تأويله على وجه يواطئ أهواءه ، أو الأخذ منه ما يوافق الهوى وترك غيره في تَحَكُّمٍ لا يخفى لا يسلم منه كل من اعتقد ثم استدل فهو يقبل من الدليل ما يوافق هواه وإن ضعيفا ، ويرد ما لم يوافقه وإن صحيحا بل قد يتكلف من تضعيف الصحيح أو تصحيح الضعيف أو تأويل ما صح على وجه قد يبلغ في أحيان حد التأويل الباطن ، فثم ، كما تقدم ، منظومة قيم هي الحاكمة لكل أمة فهي دستور ومعيار تُعْرَضُ عليه الْقَوَانِينُ فما يلائمه فهو الصحيح المحكم وما يخالفه فهو باطل أو متشابه ، فيكون النظر في النوازل انطلاقا من هذه القيم مكتوبة مسطورة أو محفوظة معقولة فثم دساتير لا تكتب ولكنها تنطق بل وتقدس في العقل فهي المرجع المحكم الذي يهيمن على العقل الجمعي في نظره في النوازل واستنباطه للأحكام والشرائع ، فمن كان مرجعه الوحي فإن دستوره النص النازل إن في التَّنْزِيلِ أو في الأخبار ، وطرائقه في التحليل والاستنباط هي ما اشتهر في لسان الوحي ، فثم طرائق في النظر لا يحصل الانتفاع بها بِدَرْسٍ محض قد جرد من قرائن السياق والحال فلا بد من النظر في النازلة باستقراء وجوهها في الخارج ، فيكون جمع المعلوم من منظومة الأحكام وقرائن الأحوال في الخارج ، ويكون التحليل والاستنباط ، ومن ثم يكون اتخاذ القرار بفتوى في الشرع أو السياسة والحرب ، فتلك طريق واحدة أجمعت عليها الأمم كلها ، وإن اختلفت في المستمد وطريق النظر ومعيار التحسين والتقبيح ، فثم من يأرز إلى الوحي ، كما تقدم ، فلا يكون تحسينه ولا تقبيحه إلا بما يوافق الوحي في مقاصده الرئيسة وأحكامه الفرعية ، إن في العلم أو في العمل ، إن في السياسة أو في الحرب ، فتكون له السيادة المطلقة فلا يكون حاكما في باب محكوما في آخر ، فَلَهُ ولاية تامة على الأديان والأبدان على وجه لا يكون فيه تعنت في التأويل أن يستأثر بالأمر جملة من المنتسبين إلى العلم فهم يحتكرون منصب الاجتهاد والفتوى ، وإن كان ثم من بلغ مبلغهم بل وربما فاقهم في النظر والاستدلال ، فضلا أن ثم من الأهواء ما قد يميل بصاحبه وإن كان من أهل العلم ، فلم يرزق الصبر ، فالإمامة ، كما تقدم ، لا تكون بعلم فقط بل لا بد من الحلم والصبر أن يلجم الناظر نفسه فلا يطلق لها عنان الشهوات والرغائب فلا آخر لها إن فُتِحَ بَابُهَا ، وهي ما تقيد صاحبها فيخشى فوات حظوظ له دنيا تشغله عن المطالب العليا ، فكم من عالم له من الحفظ والفهم بل والفقه والاجتهاد حظ عظيم ، ولكنه لم يرزق الصبر ، فسرعان ما فتن بالشهوات وما يلقي السلطان من الفتات ، وذلك أمر قَلَّ من يسلم منه ، فكم من ناقد له قد ابتلي بعد ذلك فلم يصبر وهو الذي كان يظن في نفسه الخير ، وذلك أول الوهن ، فإن الناظر إذا وُكِلَ إلى نفسه فمآله الخذلان والخسران ، فلا يكون توفيق وسداد إلا فضلا من ربنا الرحمن ، جل وعلا ، فهو الذي يرزق العلم والفقه ، وهو الذي يَرْزُقُ الصبر فلا يَتَعَجَّلُ صاحبة ثمرة في الأولى ، فإن جاءت فخير ، فـ : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) ، وإنما الإشكال أن يكون ذلك مقصدا رئيسا يقدم على المقصد الأسمى ، رِضَى ربنا الأعلى ، جل وعلا ، فيكون الدين أداة بها تُدَارُ المصالح والسياسات النَّفْعِيَّةُ ، ولا تصلح الحال ، كما تقدم ، إلا أن يكون الدين هو الحاكم في مسالك الأفراد وعلائق الجماعات وسياسات الدول والحكومات ، ولا يكون ذلك بدعوى لفظ فما أسهلها في النطق فكم من زاعم يزعم أنه على منهاج الكتاب والسنة ، بل ويجعلهما مصدرا من مصادر التشريع ، وربما جعلهما المصدرَ الوحيد ، ولو في إعلان السياسة العامة ، ولكن ثم انحراف عظيم في التفاصيل لا سيما ما يمس السيادة ، مناط النزاع الرئيس بين الوحي والهوى ، كما سبقت الإشارة مرارا ، فكل انحراف في مسالك الأفراد والجماعات إنما يكون من هذا الباب ، وما هوى الجماعة إلا صورةٌ مجموعةٌ تتراكبُ فيها أهواء الأفراد فتصوغ التصور العام الذي به يكون معيار الحكم بالحسن أو القبح ، فإن كان الناس على الوحي حقيقة لا دعوى ! ، وكان لهم من الدين ما به تصلح حياة الأفراد فذلك يقوم ما اعوج من صورة العقل المجموع ، فيشبه ذلك ، من وجه ، ما يكون من حكم النبوة في الفطرة ، فالوحي يؤكدها ويفصلها ، ويقوم ما اعوج منها ، وهو محل الشاهد ، فالأفراد أجزاءٌ لصورةٍ ، إن اعوجت فهم يقومونها بما يكون من صحوة دين ويقظة ضمير ، فإذا صلحت أجزاء العقل المجموع صلح التصور العام ، فصارت السيادة للوحي رغم أنف الحاكم ! ، فلا يطيق وإن بلغ ما بلغ من الاستبداد أن يفرض على الناس قانونا لا يرضونه أو حكما لا يوافق ما يعتقدون من حق ، لا في شرع ولا في سياسة ، فعندهم من العلم ما به ينكرون ، ولهم من قوة التأثير ما به يغيرون المنكر ، فتلك حال عامة لا حال أفراد أو جماعات محدودة ، فلا يكون صلاح الأمر إلا أن يعم الإنكار على وجه يواطئ الحق المنزَّل فلا يطيق سلطان غشوم أن يوقف حركة الناس إذا رَامُوا الإنكار ، ولكن ذلك لا يكون ، من وجه آخر ، ألا أن يَعُمَّ الإنكار كل قوة فاعلة في الجماعة فلا يقتصر على بعض النخب والشرائح دون غيرها ، فإن تضحية المركز الرئيس ببعض المراكز في الفروع لا يحقق الغرض فلا زال السلطان للمركز فهو يضع من البدائل ما به تحفظ مصالحه ، وإن كان ثم تغيير في صورة الظاهر فَلَمَّا يَبْلُغِ الأمر بَعْدُ جوهرَ الباطن ، فلم يُكْسَرْ نِظَامُ المركز المستبد وإن قدم بعض التنازل فاتسعت دائرة الجدال ومنح الناس بعض الحقوق والحريات ، وذلك ما يسكن به الألم دون أن يشفى المرض فَشِفَاؤُهُ أن يكسر طوق المركز الذي أحكم به السلطان على الفروع ، فيكون ثم للحق والوحي سلطان يخرج عن سلطان المركز فهو يضاهيه ويدافعه ، فلا يداهنه ويخضع له فَيَرْضَى أن يكون تابعا له أو جزءا من نظامه في الشرع أو السياسة أو الحرب ، فلا بد من منظومة قيم تخالف منظومة المركز ، فَلَهُ من الشرائع ما بها يحكم وما بها يعطي ويمنع ، ويسالم ويحارب وفقا لأهوائه فهو الذي يرضى ويسخط ، وقد صار رضاه أحب إلى أمراء وملوك من رضى الرب المعبود ، جل وعلا ، فَلَئِنِ اقتضت الحكمة أن يكون ثم مداراة ومهادنة في مواضع فلا بد من عقد العزم أن يحرر الحق من هذا القيد المانع ، فلا بد من كسر قانون المركز والتحرر من طغيانه الذي لأجله عَطَّلَ الشرع النازل بل وَعَطَّلَ كل قانونٍ يخالف قانون المركز وإن كان مبدؤه أرضيا كمبدأ القانون الذي وضعه المركز الظافر بالحرب فهو بداهة الواضع لقواعد السلم ! ، التي يراها تحفظ مصالحه فهو سلمه وإن كان حربا ودمارا على غيره فلا يعنيه ما يشعل من الصراعات في الأطراف على وجه قد يبلغ حد المجازر التي يضحى فيها بقرابين كثيرة من البشر ! صيانة لمصالح المركز فهو السيد الأوحد ! ، ومن سواه فأشباه بشر لهم من صورة الآدمي ما يوافق السيد فلا يليق به أن يخدمه حيوان أعجم فجاملته العناية الإلهية كما جاملت يهود أن جعلت بقية الناس في مسالخ البشر ! ، وإن كانوا بهائم ومسوخا في حقيقة الأمر ، وتلك نظرية بغيضة في تفاضل العناصر بلا دليل إلا التحكم والحمية الجاهلية ، فلا تنفك تظهر في أي حكم يظلم ويستبد سواء أكان في المركز أم في الأطراف فتجد فيها من الساسة والحكام من ينظر في رعيته أنهم جملة من الحيوانات التي يكفيها ما يلقى إليها من الأعلاف ! فلا حاجة لها أن تتكلم أو تنكر ، بل ولا حاجة لها أن تفكر وَتَتَدَبَّرَ فيكفيها أن تأكل وتشرب وتنكح ! ، إن وجدت أسباب ذلك ابتداء ! ، وإن أثبت لهم وصف البشرية فليسوا ، بداهة ، بشرا مثله وغاية الأمر أن يكونوا بشرا من درجات دنيا ، فلا يحق لهم ما يحق له من أسباب الجاه والثروة والسيطرة ، ولا يليق بهم إلا فتات ما يلقي من موائده مع دعوته دوما إلى التقشف صيانة للأرزاق .
ولا يكون كسر هذا الطوق المحكم ، من وجه آخر ، دون قوة للحق بها يدافع خصومه ، فإن الحق بلا قوة مستباح وإن ظهر بالحجة وكان له من العدد ما يكثر فلا بد من سيف عدل يَزْجُرُ وَيَدْفَعُ ، فإن النخب الجائرة التي تقاوم حكم الوحي لما يبطله من حظوظها وشهواتها ، تملك من أسباب القوة في المال والسياسة والحرب فضلا عن نخب الإعلام والفكر التي تقترف خطيئة التزييف للوعي بما تخاطب به العقول من الشبهات المعقولة ، وما تخاطب به الأبدان من الشهوات المحسوسة ، ولا تُصَدُّ هذه الغارة الشعواء إلا بالصبر الذي يحكم شهوات الحس ، واليقين الذي يبطل شبهات العقل ، فلا بد مع الكتاب الهادي الذي يُقَوِّمُ ما اعوج من تصور العقل وسلوك الجوارح ، لا بد من سيف عدل ينصر فهو يزجر الخصوم ويدفع عدوانهم فإن التدافع قاض حَتْمًا أن يَتَكَالَبَ أعداء الحق من الشرق والغرب مع اختلاف تصوراتهم وتباين أغراضهم وسياساتهم التي بها يحكمون ويقررون ، فيقدم الجمع من التضحية بالنفس والمال ما به يحفظون مصالحهم وَيَنْتَزِعُونَ السيادة إما من أهل الحق ، فتلك ملحمة أولى يجتمعون فيها ، فإن حصل لهم نوع ظفر وغلب بما يكون من تقصير أهل الحق في نصرته فتكون الدولة لغيرهم إذ تجري سنة التداول عليهم وبما يكون من ابتلاء وتمحيص فظهور الباطل بالسيف في مواضع مما يفضح الخائن الكاذب الذي يسارع فيجهر بنفاقه الباطن إذ أَمِنَ العقاب فلا سيف للشرع فأساء الأدب بل وأظهر النفاق فَلَمْ تَعُدْ ثم حاجة إلى الكذب ! ، فإن حصل لهم شيء من الظهور على أهل الحق فإنهم يقتتلون على غنيمة غنموها من أهل الحق ، فلم يكن اجتماعهم إلا ضرورة ، والضرورة تقدر بقدرها حتى يتم التخلص من العدو الأخطر ، ومن ثم يكون التسلسل في التخلص من الأعداء على وجه يعظم فيه المكر فقد يتحالف القوم مع بعض أهل الحق ممن اعتدل ! فقاربهم في الصورة ليفنوا به الأبعد فمخالفته لهم أعظم ، ويكون التسلسل في ضرب الأعداء بَعْضِهِم بِبَعْضٍ بالتحالف حِينًا مع فئام منهم حتى تكون التصفية فلا يبقى في الصورة إلا أقطاب رئيسة لها من القوة ما تفرض به قرارها الذي يحفظ مصالحها وإن أجبرت على تنازل ففي الصورة لا في الجوهر كما تقدم ، واستدراج أهل الحق بإظهار التودد والعطف يشبه ، من وجه ، امرأة داعرة تمكر برجل ساذج لا علم له بحيل النساء في الاستيلاء ! ، فهي تظهر له من الود والعطف ما يجعله يخر صاغرا ويخرج ما في جيبه طائعا فإذا نفد ماله وانتهى دوره في الإنفاق فهي تستبدل به غيره ! .

ولو تدبرت الأمر لوجدته يدور مع شهوات الأفراد وجودا وعدما مع ما جبل عليه الإنسان من الطغيان إن حصلت بيده جملة من الأسباب فذلك من فساد التصور بمكان عظيم ، إذ لم يرزق صاحبه الفقه في سنن الكون فاغتر بما حصل له من أسباب الحس ، ولم يحسن يجمع أسباب الوحي ويتدبرها فهي مناط السعادة التي راح يفتش عنها في لذات الحس بلا قيد من الشرع بل ومن العقل والفطرة في أحيان ، فآلت به الحال إلى دركة أدنى من دركة الحيوان ، وكم فسد من الصالحين أن استدرجوا إلى هذا الفخ المحكم فكان مبدأ الأمر خيرا ، ثم عرضت شهوة الدنيا في الجمع والمنع ، وهي شهوة قَلَّ من يسلم منها أحد بِمَا جبلت عليه النفوس من حب الخير ، فوصف الإنسان في التنزيل أنه : (لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) ، ولا يحسم هذه المادة الفاسدة ، عند التدبر والنظر إلا الوحي ، فهو مادة صلاح للجنان بما يشرع من الأديان في العقائد والأحكام والسياسات فليس كما يظن الإنسان ، بادي الرأي ، بما يوسوس الشيطان الذي يخدع الإنسان بزيف الشهوة فيحسن له العاجل منها وذلك ما يصيبه بالألم إن جزع فلم يصبر ففسدت قوته العملية ولا يكون ذلك إلا من فساد أول في القوة العلمية فلا يكون ثم علم ويقين ، ولا يكون ثم تصور صحيح ! ، فثم اختلال ظاهر في معيار التحسين والتقبيح ، وهو ، كما تقدم ، محل نِزَاعٍ رئيس بَيْنَ الوحي والوضع ، ففسد التصور لمعنى الحسن الذي ينفع ، ومعنى القبح الذي يضر ، فرد الأمر إلى معيار الشهوة العاجلة في تحصيل لذة فانية ولو بانتهاج القوة الجائرة ، إن في السياسة أو في الحرب استلابا لحقوق الناس بقوة السلاح والتهديد بمنع الغذاء والدواء ، فثم شرع في المركز ، كما تقدم ، هو الذي يعطي ويمنع ، فبلغ به الطغيان أن نازع الرب ، جل وعلا ، منصب الربوبية في العطاء والمنع ، وهذا الشرع المحدث في المركز لا يحسن إلا لغة الشهوة والقوة ، فالشهوة غايته والقوة وسيلته على وجه ينحط بالعقل المكلَّف إلى عقل الحيوان الذي لا يحسن يفقه إلا ما يواطئ لذاته العاجلة من مطعم ومشرب ومنكح فاستجابته تقتصر على مقارفة موارد اللذة الظاهرة وإن أفضت إلى سوء العاقبة ، ومفارقة موارد الألم الظاهرة ، فالحس الظاهر هو محركه الرئيس وهو الذي يشكل تصوره وهو الذي يحدد حركته في الخارج ، فلا تكون الحركة إلا طلبا لشهوة بطن أو فرج ! ، فكيف يستجيز عاقل أن ينحط إلى هذه الدركة ، وذلك أمر قد عمت به البلوى جميع الأقطار ، الشرق والغرب ، في ظل حضارة تقدس المادة فلا تقر بالغيب بل تجعله حديث خرافة ! ، فقد انقضى زمانه فهو الحلقة الوسطى بين السحر والخرافة من وجه ، والعلم ، من آخر ، والعلم الذي يقصده صاحب هذه النظرية هو علم الحس والتجريب الذي لا يؤمن إلا بنتائج تدركها الحواس الظاهرة فما سواها فليس بمعتبر في مناهج في البحث تزعم الموضوعية والحياد ! ، وقد فارقت العقلانية التي تزعم انتحالها إذ انحطت بالإنسان فسلبته أشرف خاصة وهي خاصة الإيمان بالغيب سواء أكان في هذه الدار أم في الدار الآخرة ، وسواء أكان مطلقا فلا يعلمه إلا الخالق ، جل وعلا ، فله العلم المحيط في التكوين والتشريع ، في الأزل فهو الأول ، وفي الأبد فهو الآخر ، أم كان نسبيا يعلمه بعض الناس دون بعض ، فلا بد له أن يقر بهذا الجنس وهو العلم بالغيب وإن مطلقا ، وإلا صار حيوانا بهيما من كل وجه ، فعلوم التجريب التي يتبجح بها لا تخلو من أمور غيب لا تدرك فتفاعلات المواد في علم الكيمياء تنتظم فيها الذرات والجسيمات على وجه لا يدركه الحس وإنما يفرض له من الاحتمال ما به يحصل الناتج من تفاعل المقدمات ، فثم مواد تخلط ، وثم تفاعل يجري وثم محفز يسرع أو مثبط يبطئ وثم ناتج يحصل ، وثم مراحل من التجاور والتبادل والترابط بين الذرات في المركب الناتج على وجه يفرض فيه العقل ما لا يدركه بالحس فلا ينكر وجوده وإن لم يحط به علما ، كما لا ينكر وجود تيار الكهرباء وإن لم يشهد سيل الإلكترونات بحسه الظاهر ، وإنما يجد آثاره بما ينتفع به منه في أمور معاشه ، فكذلك الربوبية لو تدبر الناظر ، وأمرها أعظم والجحد والكنود لها أفحش ، فإن آثارها في صلاح الحال مما لا يجحد ، وهو أمر يدل عليه العقل ضرورة ، فإن استقراء أجزاء القسمة في العقل لو فرض الذهن أن ثم أربابا كثيرة يدل أن التدافع لا بد حاصل كما يحصل بين ملوك الدنيا ، وكما يكون بين الوحي والوضع ، فثم تدافع بين الحق والباطل وإن أفضى إلى خير إلا أنه لا يخلو من التنازع الذي تضطرب فيه الأمور ، فلا يصلح الأمر وتستقر الحال إلا أن يكون الحاكم واحدا فإذا تنازع الحكام وقع من الشر والفساد شيء عظيم ، فإما أن يطول أمد التنازع فيعظم الفساد كما ترى في هذ الأعصار من حروب ونوازل تطول أن تقاربت القوى المتصارعة فآل الأمر إلى نزاع طويل المدى تستنزف فيه الخصوم ويكثر فيه الهرج والهدم كما أخبر صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "يُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَظْهَرُ الجَهْلُ وَالفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ» ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ: «هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ»" ، وإما أن يغلب واحد فينفرد بالحكم ويستقر له الأمر ، فيكون الحاكم واحدا ، فلا تستقيم الحال وثم رأسان ، فلا بد للجسد الواحد من رأس واحد ! ، فهو الذي يدبر ويحكم وهو الذي يصدر القرار فلا تملك الأركان إلا أن تسمع وتطيع ، فالجنان ملك ، والأركان جند تعمل بأمره كما أثر عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، فإن فسد الرأس كما ترى في عامة رءوس الحكم والسياسة في هذه الأعصار فسدت الجند من الأركان الفاعلة فهي بأمر الرءوس تَأْتَمِرُ ، وفساد الرأس لا يرجى معه صلاح في الأطراف ، وإن كان للأطراف إن تَيَقَّظَتْ فلم تغفل عن تعظيم الشرع في الظاهر والباطن ، في القول والعمل ، وإن كان لهذه الأطراف من قوة الإنكار ما به يحصل الأمان من الخطإِ ، فهو حامل لمن يحكم أن ينهج الشرع المحكم فيخشى ما يكون من إنكار الجماعة إن خرج عن منهاج الديانة ، ولذلك تجده يجتهد في صرفها عن الحق ، طوعا أو كرها ، فيثير الشبهات ويذيع الشهوات ، فهو يروم إفساد الأديان والأخلاق فذلك ثابت رئيس في أي حكم مستبد يقمع فلا بد من الإجهاز على الأديان بما يكون من شبهات تحير الناس فتصرفهم عن الظالم لينفرد بالأمر ويحكم بما شاء من الجور والباطل ، فهم يستغرقون عامة زمانهم في الرد على تلك الشبهات التي تستنزف العقول والجهود فضلا أنها تفسد تصور العامة بما تُثِيرُهُ من شكوك فليس كل أحد يحسن الرد عليها ، ولا بد ، مع ذلك ، من الإجهاز على الأبدان فالشهوات المحرمة تضعفها ، فمن شؤم المعاصي أنها تطعن الهمة والمروءة في مقتل ، فلا يكون الهم إلا البطن والفرج وجمع أسبابهما من المال والجاه فهما سبيلان قد مُهِّدَا في كل عصر ومصر لنيل شهوات الحس ، ومن لم يستجب لهذه الدعاية التي تفسد الدين والدنيا ، فثم الإجهاز بالقتل والقمع فيكون إفناء الأبدان بالقتل ، وإعطابها بالجرح ، وتقييدها بالأسر ، فضلا عن سعي حثيث في تضييق الأرزاق ومنع العلاج والدواء وَشَغْلِ النَّاسِ بالضروري من حوائج الإنسان فلا تستقيم حاله إلا بها ، ولو تدبر الناس لوجدوا أنهم سبب رئيس في هذا الإشكال فما كان النقص في الدنيا إلا لنقص يضاهيه في الدين ، فـ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، فلو اجتهد الظالم ما اجتهد أن يفسد الأديان فصادف أمة تقف له بالمرصاد لها من العلم والصبر ما تحصل به إمامة الحق فهي تحسن تزجره وتفقه تُنْكِرُ في كل موضع بما يلائمه ، فلو كانت تلك هي الحال ما استطاع أن يحكم ويستبد ، فما ظلم وجار إلا وقد ظلم من تحته وجار ، فسلط عليهم ظالم في المركز فالجزاء من جنس العمل ، فمن ظَلَمَ ظُلِمَ ، ومن أعان ظالما سلط عليه فكان عاجل العقوبة أن يتسلط عليه بالظلم من كان بالأمس ينصره بل وكان آلة يستعملها في ظلم غيره ! ، وانظر في تخلص بعض دول الأطراف من الحمل الزائد من الموظفين وهم في الجملة أهل بطالة وعطالة فهم إرث الاستعباد الذي تمارسه الدول المركزية المستبدة فتسترق الأبدان إما بالقمع والقهر وإما بالأجر آخر الشهر ، فما يتقاضون ما هو ، عند التدبر والنظر ، إلا إعانة ، فليس نظيرَ عملٍ نافع ينتج ، وأولئك نواة صلبة لأي مركز مستبد فهم أنصاره الذين ينافحون عنه ويعملون بأمره إن في التسيير أو التعطيل ! ، فلا غنى له عن جهاز يحكم وإن فشا فيه الفساد بل وصار هو السنة التي بِهَا يدار الشأن ولا يخلو من تضخم يستغرق من لا يعمل بل وربما من لا يحضر فاسمه في القوائم يسجل وكل أولئك ما يضمن سِلْمًا يشترى بالمال فضلا عما تقدم من صناعة الأنصار باللقمة لا بالفكرة فتلك طريق مشهورة في دول الاستبداد المعروفة ! فيشترى النصير بما يسد الرمق وإن عافته نفوس الأسوياء وهو مع ذلك يضحي بأنصاره بتسريح جموع عظيمة من العاملين ورفع الدعم عن القوت الضروري مع رداءته وعدم صلاحيته فقد عجلت العقوبة أن تسلط الظالم على أنصاره الذين رضوا بالظلم فَعَمَّهُم الشؤم ، وذلك أمر ، لو تدبرته ، لوجدته يعم الأفراد والعوائل والجماعات والأمم والدول فظلم المركز الرئيس الآن للأطراف إنما هو بما يحصل فيها من مظالم ، فَفِيَها مركز قد استنابه المركز الرئيس وهو ، أيضا ، يظلم من تحته، فوكيل الظالم ظالم بداهة ! ، وكل من ولي ولاية فهو يظلم من ولي عليهم ، فَلَهُ حظ من دعاء المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ" ، إلا من رحم الرب جل وعلا ، فصارت الحال مراكز ظلم واستبداد تضيق الخناق على الناس فكل يظلم من تحته خشية أن يضيع حقه فلا ينال إلا بالظلم والتعدي على غيره ! ، فيكون الجمع في حال من التضاغط والتصارع ، بل والتقاتل على فتات من الدنيا زائل وتلك خير حال يحكم فيها الظالم المستبد فهو يتفنن في إثارة الصراعات والنزاعات المحكومة وبيده خيوطها يحركها كيف شاء فتشتد حينا وتنفرج آخر ، وفق ما يروم المركز الظالم ، وما خرج ، لو تدبر ، عن قدر الرب الخالق ، جل وعلا ، وإنما عوقب الناس به أن خالفوا عن منهاج الشرعة ولو راجعوا أمر الدين والملة لرفع الابتلاء بحاكم الجور وسنين النقص ، فـ : (لَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ، فَلَوْ حصلت الذكرى النافعة فراجعوا أمر الشرعة النازلة لارتفع الابتلاء بالسنين والنقص ، وتلك سنة جارية في كل أمة إذ العبرة ، كما يقول أهل الشأن ، بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب الذي جاء الوحي عليه .

وقد تكون مصلحة الظالم في تصعيد هذه النزاعات إن اشتد النكير عليه وضيق الخناق فتكون إثارة الشبهات واستثارة الشهوات وافتعال الأزمات والصراعات لينجو من هذا الضغط ، وقد تكون المصلحة في التهدئة مهادنة للجمهور لئلا يسقط عرشه تحت وطأة الاحتجاج المحموم ولكل صراع من فنون الإدارة والسيطرة ما يلائمه ! ، والحياة ، عند التدبر والنظر ، ما هي إلا جملة من الصراعات المحدودة حينا والخارجة عن السيطرة أخرى ، فذلك تأويل سنة المدافعة فلا تخلو الحياة من صراع ولو في أضيق الدوائر ، فتجد الصراع بين الزوج وزوجه على مصروف الشهر ! ، بين الجار وجاره على حدود البيت والأرض ، بين الحاكم الجائر والرعية ، بين الدول التي تَتَنَازَعُ حُدُودَهَا المشتركة ، فثم صراع في كل حال ، والفقيه من يحسن يدير الصراع ، فالصراع بين الزوجين إن أحكم الزوج السيطرة ! ، فإنه يمارس من فنون الأخذ والعطاء ، كما يقول بعض الفضلاء ، فقد يتنازل عن جزء من حقه لينال حقا أعظم عنده وإن لم يكن كذلك عند غيره ، إذ حاجات الناس تتفاوت ، فلا سياسة بلا تنازل ، وإنما يكون الفقه أن يتنازل الإنسان عما لا يضره ، أو يضره على وجه يحتمل لا يأتي على ثابت رئيس في حياته أو مبادئه ، فلا يتنازل عن ثابت يهدم الدين أو تفسد الدنيا بزواله ، وذلك ما يجعل المفاوض يَتَسَلَّحُ دوما بأوراق ضغط فاعلة ، وفي سياسات الأسرة ، على سبيل المثال ، وهي التي لا تصلح إلا أن يكون الرجل هو القيم بما فُضِّلَ به وبما أنفق ، في هذه السياسات فَقَدَ الرجل ورقة من أقوى الأوراق ، وهي القوامة في الإنفاق ، إذ خرجت المرأة إلى العمل فحصلت المال الذي يغنيها عن الزوج فلم تعد في حاجة ماسة إليه ! ، مع إلحاج آلة الإعلام المفسدة أن تحرش بين الأزواج وتحرض النساء على النشوز والعصيان إذ صار لهن من قوة المال ما لم يكن زمن الحريم ! .

وقد يخرج الصراع عن السيطرة ويفقد السائس زمام الأمر وذلك ما يفضي إلى الانفجار فتهدم البيوت بالطلاق ، وتهدم الدول وتزول بذيوع الظلم الذي يولد من الثورة ما يأتي على الأخضر واليابس ، فتلك سنة الرب الخالق ، جل وعلا ، في الكون ، إذ الضغط يولد انفجارا يضاهيه ، ورد الفعل يكون بقدر الفعل وإن ضاده في الاتجاه ، فكذلك الضغط فحركته إلى أسفل ضغطا على من تحتك ورد فعله انفجار لأعلى يطيح بالرأس والمركز ولو بعد حين من الصبر وإن شئت الدقة فقل بعد حين من القمع والقهر ! ، والعجب ، كل العجب ، من أمم تصبر على الظالم الذي بيده السوط والسيف فتسمع وتطيع كارهة فإن جاءها من يحكم بالعدل ، ولو في الجملة ، ومن يأخذها باللين إذا بها تَتَأَبَّى وتطغى ويحصل لها من الشجاعة ما لم يعهد من قبل ! ، فتكون العقوبة أن تُبْتَلَى باستبداد أشد يجعلها تتحسر على أيام الاستبداد الأولى ! .

والحياة بهذه المنظومة الأخلاقية التي يهيمن عليها الاستبداد فتزدهر فيها أخلاق الأثرة والأنانية والظلم والاستلاب لحقوق الآخرين والتحايل للسطو عليها ولو باسم الدين ! فيزدهر الاتجار بالدين في هذه الأعصار فكل شيء قد صار سلعة تباع وتشترى ، مع ازدهار الجبن والبخل والشح فكل يخاف من غَدٍ فيدخر ما عنده ويمنع غيره رفده ، الحياة بهذه المنظومة الأخلاقية جحيم لا يطاق فباطن الأرض زمن الفتن خير من ظهرها إن قدر الرب ، جل وعلا ، للإنسان حسن خاتمة ، وهو ما يحمل الناظر إن لم يطق مدافعة هذه الحال الردية أن يعتزل ويفر بدينه فلا طاقة له أن يقاوم هذا الطوفان الجارف ، فمن أطاق فهو خير إذا خالط الناس وصبر على الأذى ، ومن لم يطق ، فلا يكلف الله ، جل وعلا ، نفسا إلا وسعها ، بل قد تكون هلكته في المخالطة ويكون فقه النفس في حقه أن يفر ويعتزل ، وكل امرئ فقيه نفسه ولكل حال من الأحكام ما يلائمها ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، من حكمة التشريع أن يكون لكل حال ما يلائمها من الأحكام ، فتحسن الخلطة حينا والعزلة أخرى على وجه لا يبلغ حد الرهبنة فيعتزل صاحبها الناس في مواضع الحق الخالص أو الراجح فلا يشرع ذلك في أي دين صحيح بل تلك رهبانية ابتدعها من ابتدعها وَلَيْتَهُ أطاق القيام بحقها ! ، فـ : (رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) ، فلا هو سلك جادة الحق ولا هو صبر على الباطل الذي أحدثه .

وما أعظم ما يفسد الاستبداد من أديان الناس وأخلاقهم وأمور معاشهم فشؤمه ، كما تقدم مرارا ، يعم الدين والدنيا جميعا ، ومنظومة الكراهية التي تسود أخلاق الناس في هذه الأعصار هي من العقاب العاجل إذ لم تعظم شعائر الله ، جل وعلا ، لتحصل تقوى في القلوب تحسم هذه المادة الفاسدة ، فقد عم شؤمها ، بين الأزواج في البيوت وانظر في ذيوع الطلاق حتى صار يحصل في بلادٍ كل عشر دقائق ، بين الزملاء في الوظائف ، بل وبين الناس في الشوارع فتشعر أن الجميع يكره بعضه بلا سبب ولا يطيق يسمع الآخر ولو قال حقا ! .

وأخشى ما يخشى الناظر إن أخلص النصح لأهل الحق ، أخشى ما يخشاه الناظر أن يستدرجوا بدنيا فيظنوا في أنفسهم سواء أكانوا عامة أم خاصة أنهم لا يفتنون بالدنيا ، ولو مباحة ، ففضولها يلهي ويطغي ، وقل من سلم منها وإن تأول مبدأ أمره أنه يروم الكفاف والإعفاف لنفسه وأهله وذلك أمر لا يجحد بل هو مقصد رئيس من مقاصد التشريع فحفظ البدن ثاني المقاصد بعد حفظ الدين والشرائع ، والاستزادة من الطيب لا تذم ما لم تشغل صاحبها عن الحق بل قد تكون محمودة إن استعان بها على إقامة الحق في نفسه وغيره ، ولكن ذلك يفتقر إلى استحضار دائم لنية الخير وتجديد لها مع يقظة فلا يأنس الوسواس من النفس غفلة فيزين لها الجمع والمنع فضلا أن يقترن ذلك بالجحد والكفر ، كما جحد قارون فلم يَرُدَّ الأمر إلى الرب المعبود ، جل وعلا ، بل نسب الفضل إلى نفسه ، فـ : (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) ، فهو مثال صحيح على وصف الإنسان الذميم أنه كنود جحود ينكر خير الرب المعبود جل وعلا .

وإن سألت عن حل الإشكال فليس إلا الوحي والنبوة ، في الجملة ، وأما في التفصيل فكل امرئ فقيه نفسه فهو يأخذ من الوحي بقدره ليصلح ما فسد من أمره ، ويحصل أسباب السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ولن يكون ذلك ، بداهة ، إلا أن يجتهد الناس في إصلاح ما أفسد الاستبداد من الأديان والأخلاق والطبائع ، وما أفسد من الأرزاق والمعايش فهو ، كما تقدم ، سبب الفساد الرئيس للدنيا والدين جميعا .


والله أعلى وأعلم .