اعرض النتائج 1 من 3 إلى 3

الموضوع: معاوية وصلاح الدين

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-02-2019
    الساعة:07:18 AM

    المشاركات
    4,814
    العمر
    40

    معاوية وصلاح الدين

    مما يدل على حكمة الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، ما فاوت من أمر التكليف بين الرعية والراعي ، فلكلٍّ من التكليف ما يلائم حاله وما يواطئ قدرته وما توافر له من أسباب القوة والمكنة ، فالرعية تكون تحت الراعي فهو يمتاز عنها بما له من سلطان عام خلافا لسلطان الآحاد فلا يتجاوز رعية مخصوصة ، الأهل والولد والخدم ..... إلخ ، والجميع داخل في عموم : "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" ، فذلك عموم يستغرق فلا مخصص له ، فيجري مجرى الحفظ فدلالته دلالة القطع ، إلا ما خص بالعقل من مجنون لا يكلف ، أو صغير لا يدرك ، أو من ليس بذي زوج فلا رعية له ، وإن استغرقه العموم من وجه آخر ، فلا يخلو من رعاية واجبة في علم أو عمل فَلَهُ من التكليف بقدر ما له من السلطان ، عم أو خص ، فهو مسئول عما تحت يده ، وهو مسئول عما استرعاه الرب ، جل وعلا ، من أمانة الدين أقام بها أم فرط وقصر ، فيعم ذلك كل تكليف ، فهو ، من هذا الوجه ، يعم كل مكلف ، سواء أكان ذا ولاية أم كان ممن عوفي من ابتلاء الملك والرياسة ، وإن خُصَّ بمصر أو قرية فكانت ولايته ولاية مقيدة ، فمن ابْتُلِيَ بشيء من ذلك فقد ابْتُلِيَ بأمر عظيم لو فَقِهَهُ ما نام الليل كحال عمر ، رضي الله عنه ، فأعياه الأمر إن نام نهارا أضاع حق الرعية ، وإن نام ليلا أضاع حق رب البرية ، جل وعلا ، فعجبا لمن ابْتَغَى الفتنة طوعا فسقط فيها إذ لا يخلو من تَكَلَّفَ الإمارةَ من حرص وشح يحمله على القتل والسفك ، والمكر والدس ، والملك قد حمل فقيه المدينة ! ، عبد الملك بن مروان أن يذبح بيده ابن عمه عمرو بن سعيد الأشدق في مجلسه بعد أن غدر به فأعطاه أمانا ثم خان ، فجمع السوأتين ، الغدر بالعهد المقدس ، والسفك للدم المحرم ، فكيف بمن لا حظ له من الفقه ، وكيف بإمارات وممالك أقيمت على قواعد الظلم ، وصنعت على عين محتل غاشم يباين هذه الأمة عقدها وشرعها ، بل ويحمل لها إرثا من الحقد ، فتاريخه أحمر لا يحمل إلا لون الدم ! ، وإن اجتهد من اجتهد من المستغربين أن يضفي عليه طابع الحضارة والتمدن ، فما كان الشرق إلا غرفة مظلمة أضاءها نور الحضارة الساطع من الشاطئ الآخر ، فلا بد من اقتباس الضياء من حضارة الأعداء ! ، مع أن الناظر ليس في حاجة أن يقتبس من حضارة الغرب أفكارا ، فغايته أن ينتفع بمنجزات هذه المدنية أعيانا ، فإنها لم تَرْقَ بعد أن تستحق لقب الحضارة ، بشهادة كثير من أبنائها ، فالحضارة لا بد لها من غاية شريفة ، وهذه حضارة بلا غاية قد فقدت التوجيه إذ حادت عن جادة النبوة ، فمن رضي بخطة الخسف أن يعمل وكيلا لاحتلال لما يَرْتَوِ بعد من دماء الشرق ، فلا أشهى منها ، كما كانت دماء الروم زمن خالد ، رضي الله عنه ، فمن رضي بهذه الخطة فقد خان الرعية التي استرعاه الله ، جل وعلا ، وذلك ذنب لا يعظم في عين من غفل فأسكره خمر الرياسة ، وما تستجلبه من جاه وثروة ، فهو ، كما تقدم مرارا ، أعظم ما صد الناس عن اتباع الحق ، ولم يسلم منه الأخيار فكيف بالأشرار ، فإن الأخيار يتأولون نصوص الوحي أن توطئ لهم بعض الحظوظ ، وقد يبلغ بهم الأمر أن يخالفوا صراحة ، وإن عظموا النصوص ديانة بل واجتهدوا في امتثالها ، فلئن كان لهم من الخير سابقة تعظم ، إلا أن الحق حاكم على كل مكلف ، فلا يعلم حق بقول رجل أو عمله ، وإنما يعلم الرجال صلاحا أو فسادا بحكم الحق الذي ينصف فلا يظلم والذي يجمع الأمر كله فلا يجتزئ ببعضٍ ليتخذه ذريعة أن يغلو في المدح فلا يرى النقص ، ولا يعكس الأمر ليتخذه ذريعة أن يغلو في الجفاء فلا يرى الكمال ، وإنما العدل أن تجمع أدلة الباب جميعا والحكم لمن غلب فإذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث وليس ذلك بداهة مما يوجب إنكار الخبث بل وتكلف التأويل لجعله من الطاهر الخالص ! ، ومن طالع سيرة الناصر لدين الله ، صلاح الدين يوسف بن أيوب ، الذي فرج به الرب ، جل وعلا ، ما نال الشرق من كروب ، فدك معاقل الصلبان ورفع لواء الإيمان في مصر والشام ، ولم يَبْقَ لعباد الصليب آخرَ الأمر إلا شريط ضيق على ساحل المتوسط ، كما نص صلح الرملة سنة 588هـ ، فكسر به الرب ، جل وعلا ، حملة الظلم ورفع به الضيم ودخل البيت المقدس وطهره من الدنس ، ولكنه مع ذلك لم يكن في أمر العهد على منهاج الشرع ، إذ قسم المملكة قبل وفاته بين أولاده وكأنها تَرِكَةٌ توزع ، فكان ابنه الأفضل نَوَّامًا غافلا ليس بأهل أن يَتَوَلَّى الأمر ، فَقُسِّمَ الملك بين الأفضل والعزيز والظاهر غياث الدين ، وكأنه كعكة ! ، وكان تقسيم الناصر صلاح الدين ، رحمه الله ، المملكة بين أبنائه سَبَبًا في تراجع دور الأيوبيين التاريخي الذي بدأ بتطهير مصر من رجس المذهب الباطني ، عبر سلسلة من الإجراءات السياسية والعسكرية المحكمة ، والتي اتسمت بالدقة والأناة فلم يكن ثم استعجال وإن كان ثم حسم وحزم في القضاء على ملك بني عبيد ، وقد استمر مشروع التطهير ثلاث سنوات ، من 564_567هـ ، اعتمد خلاله الناصر ، رحمه الله ، استراتيجية القضاء على مراكز القوى القديمة لا سيما في البلاط والجيش ، مع تكوين جيش جديد يوازي جيش الدولة الذي لا يمكن الاتكال عليه في حماية المشروع الجديد فهو يدين بالولاء لنظام نشأ عليه ودرج ، لا سيما إن كان الأمر معتقدا ، فجيش بني عبيد جيش يأرز إلى العقيدة الإسماعيلية الباطنية لا سيما المستعلية نسبة إلى الخليفة المستعلي بعد انشقاق جناح النزارية ، نسبة إلى أخيه نزار ، والذي تولى كبره الحسن بن الصباح في قلعة "ألموت" أو عش النسر في جبال فارس ، فكان الباطنية جناحين ، جناح المستعلية في مصر ، والنزارية في فارس ، وذلك ، لو تدبرت ، أمر لا ينفك يظهر في الدول والممالك ، لا سيما إن كان الأمر دنيا وإن أُلْبِسَتْ رداء الدين ، فما كان بنو عبيد ممن يعظم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو يعظم الآل ، رضي الله عنهم ، فهم قوم يأرزون في أصلهم إلى يهود ، أعداء النبوات جميعا ، والنبوة الخاتمة خصوصا ، فطفح مقالهم بسب الأنبياء عليهم السلام ، وبلغ الأمر حد اللعن لعائشة ، رضي الله عنها ، وبعلها ؟! ، ولعن الغار ومن حوى ! ، وقد حوى زوجها صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأباها الصديق ، رضي الله عنه ، فكيف يؤتمن أولئك على الدين ؟! ، وكيف يزعم مقدمهم الهالك أنه المهدي الكامل ، وإنما كان الأمر دينا يخدع به السذج الجهلاء من أبناء قبائل بعيدة عن مركز الوحي والعلم ، فعظم الجهل وغالبا ما يقترن بالتعصب وذلك ما يجعل صاحبه أشد فتكا ، فكلما عظم جهله سهل توظيفه أن يتحول إلى آلة قتل وفتك ، بما جبل عليه الإنسان من الطاعة ، فإن لم يهتد بما ركز فيه من قوى التأله الباطن ، والطاعةُ هي تأويلُها في الخارج ، فما العبودية إلا طاعة في الأمر والنهي ، والفعل والترك ، فإن لم يهتد أن يصرف هذه القوة في طاعة الوحي فسوف يصرفها لا محالة في طاعة غيره ، فيكون عبدا يُسْتَخْدَمُ لمن يأمر وينهى ، وإن أمر بالكفر وحض على القتل والسفك بلا وجه حق ، فالأوامر العليا لا تُنَاقَشُ ، والسيد الأعلى لا يُرَاجَعُ ، فأمره وحي منزل ، ولذلك كان من أفحش صور الشرك ، شرك الطاعة ، ويعظم الدس والخداع أن يكون ذلك باسم الدين فهو أعظم ما تقدس النفوس فتجيش الجيوش باسم الدين ويظهر الساسة من تعظيم الديانة ما يخدعون به العامة تأليفا للقلوب وحشدا للجموع أن تدافع عن المقدسات والحرمات وحقيقة الأمر أنها تدافع عن الممالك والإمارات والإقطاعيات ! ، فتلك حال الجيش العبيدي الذي لا يمكن الركون إليه في مشروع تطهير لا بد له من قوة ، فالولاءات القديمة راسخة لا سيما إن كانت باسم الدين والوطن ... إلخ ، فالساسة يخدعون والمغفلون يبذلون ثمن الحفاظ على العروش والكروش ! ، فضلا عن امتيارات السياسة والتجارة وهي من أعظم ما تبذل لأجله النفوس ! ، فثم من يحرق بلادا بأكملها ألا يُنْتَقَصَ من ثرواته وممتلكاته ومصانعه وشركاته ، فرجال الأعمال من الساسة والعسكر خطر عظيم على الدول والأمم لا سيما إن نسجوا شبكة مصالح معقدة فكثر المنتفعون ، ولو فتاتا ، فثم نفوس دنية ترضى بأية عطية ولو بَذَلَتْ لأجلها ما بذلت من الدين والمروءة ، ولكلٍّ عطيةٌ تليق بمنصبه ودرجته في جيش الفساد المدني والعسكري ، ولكلٍّ سعره ، فسعر القيادي ذي الرتبة العليا في منظومة الحكم يخالف ، بداهة ، سعر الموظف من الدرجات الدنيا ، حتى صارت الرشاوى توزع طبقا لتراتب القادة والمسئولين في أية منظومة إدارية ولو مجلس مدينة صغيرة ! ، فرئيسها يقبض ما لا يقبض من تحته من الموظفين وصولا إلى السعاة وَالْبَوَّابِينَ ، ففي كل مرحلة لا بد من عطية تحرك المياه الراكدة لإتمام المصلحة ، صحيحة كانت أو فاسدة ، وتلك طريق رائدة في أية دولة أو مؤسسة فاسدة ، فالفساد لا بد له من منظومة إدارة تحكم السيطرة على الأطراف ، فلكلٍّ في العادة من أدلة الإدانة في وقائع فساد مالية أو أخلاقية ما يجعله يخضع لهذه المنظومة شديدة المركزية وإلا كانت الفضيحة وهي التصفية المعنوية وربما بلغ الأمر في أحيان حد التصفية الجسدية .
    والولاءات تصطنع على وجه يحفظ لها الامتيازات ، ولكل ، كما تقدم ، ما يحرك دواخله ، فإن غفل عن الحق وجهل أمر الشرع فما أيسر أن يُنَالَ فتصيبه الفتنة التي تعم الشبهات والشهوات فثم من يوظف بوعد الآخرة صك غفران يدخله الجنة الخالدة ! ، فيكون خداعه باسم الدين ، وثم من يخدع باسم الوطن فهو دوما في خطر ! ، وحقيقة الأمر أن مصالح السادة في خطر ! ، وثم من يوظف بعطية الدنيا العاجلة فقد غلبت القوة الشهوانية فليس ثم معنى يستحثه إلا بطنه وفرجه ! ، وثم من يجمع الاثنين ! ، فكيف يمكن الوثوق بجيش تلك حاله ، وجند قد فسدت عزائمهم ، لا سيما والجهل فيهم فاش ، إن بالدين أو بالدنيا ، فلا دين ولا مروءة ، بل ولا عقل في أحيان كثيرة فليس إلا الطاعة العمياء لمن يأمر من قيادة أعلى في تراتب يحقق لكل رتبة من النفع ما يضاهي منصبها في منظومة الإدارة والسيطرة ، ولأجل إحكام السيطرة على المجتمع لا يتورع أولئك عن إثارة الأحقاد والنزعات الجاهلية ولو أفضى الأمر إلى انشطار المجتمع رأسيا وتحوله إلى حزبين أو أحزاب تتصارع على وجه يبلغ في أحيان حد الاقتتال الأهلي حفاظا على المصالح العليا ! ، فيتحول الأمر إلى مباراة في القتل على الأرض ، وجمهور يتنابز بالألقاب في المنتديات العامة وليس له في الأمر ناقة ولا جمل بل ولا حمار أعرج ! ، فليس دوره إلا دور المشجع الأخرق الذي ينعق بما لا يفقه ، ويمارس من السب والقذف ما يوجب في أحيان كثيرة الحد والجلد ! ، وذلك أمر لم تسلم منه الحركات الإسلامية فثم اقتتال يدور على الأرض بين فئام منها تُسْفَكُ فيه دماء مئات وثم جمهور ساذج ضعيف العقل لا يعرف إلا لونا واحدا ، فصورة الأمر لا تحتمل أجزاء فيها حق يمدح ويقبل ، وباطل ، في المقابل ، يذم ويرد ، فليس إلا القبول التام أو الرد التام في مسالك تشبه إلى حد كبير مسالك الأطفال فسرعان ما يغضبون ثم سرعان ما ينقلبون فيرضون ، على وجه يوحي بسذاجة وعدم اكتمال في العقل والفهم ، وما ذلك إلا من رؤية أحادية الزاوية لا تنظر بِعَيْنِ العدل من بقية الزَّوَايَا ، فلا تكمل صورة الاستدلال ، كما تقدم مرارا ، إلا بجمع أدلة الباب جميعا ، ولو كان الأمر انشطارا أفقيا في المجتمع بمشاجرة هنا أو هناك لهان الخطب ولكنه انشطار رأسي أحدث في المجتمع شرخا غائرا قد يستغرق التحامه سنين بل وأجيالا حتى تزول الأحقاد من القلوب فضلا أن ثم من يحرص على إذكاء نارها كلما بردت فهو يروم دفع المجتمع دفعا إلى حرب أهلية أو حال من الغليان تجعله دوما في أمان فلا بقاء لملكه إلا أن يكره الناس جميعا بعضهم بعضا ، فذلك يشغلهم أن يصرفوا أنظارهم إليه ويصبوا جام غضبهم عليه ، فهل رأيت ملكا يستند إلى هذه المعطيات التي لا تصلح مادة اجتماع ولو لقطيع من البهائم ؟! .

    فقام صلاح الدين ، رحمه الله ، وهو محل الشاهد ، قام بهذا الإنجاز العظيم أن نجح في تصفية هذه المراكز وما بقي منها بعد ذلك من جيوب تَتَآمر ، ومن ثم أعاد بناء الدولة وجمع مصر والشام تحت حكمه ، فكان لبني أيوب الدور التاريخي في استعادة مصر وإدخالها في خلافة بني العباس ، كرمز سياسي للإسلام السني ، فقد فقدت الخلافة آنذاك بريقها ، وصارت اسما بلا مسمى ، إلا المسمى الروحي مع صحوة لا تجحد بعد ضعف ملك السلاجقة واسترجاع الخلفاء بعض الصلاحيات ولو في إطار ضيق لم يَتَعَدَّ العراق وبعض أجواره في أحسن أحواله ، ومن ثم بدأ صلاح الدين المشروع الأكبر في جهاده المقدس ، فكل أولئك مما لا يجحد ولا ينكر ، كما تقدم ، ولكن ذلك لا يستوجب غض الطرف عن قراراته السياسية الخاطئة ، وأخطرها وأظهرها ما كان من توريث الأمر وتقسيم الملك وكأنه حق خالص لأسرة بني أيوب ، على وجه اختص به من ليس بأهل أن يملك ، ولو داخل البيت الأيوبي نفسه ، فَلَوْ كان لا محالة مستخلفا أحد أفراد البيت الأيوبي فليجعل الأمر فيمن هو أهل ! ، ولكنه جعل الأمر تركة تقسم بين أولاده ، وكأنه إرث خاص ، وهو ما أفضى إلى ضعف بل وانهيار سريع في ملك عظيم صد هجمة الصليب فكان أن تَوَزَّعَ الملك على أكثر من مركز ، ولا يستقيم الأمر إلا أن يجمع أمر الملك في مركز واحد ، لئلا تَتَعَدَّدَ الرءوس فَتَتَعَدَّدَ الأوامر وهي لا بد تَتَعَارَضُ في مواضع بما جبلت عليه العقول من الاختلاف ، وذلك مما استدل به من استدل على توحيد الفعل ربوبية اختراع وعناية ، فإن تعدد الأرباب التي تقدر وتخلق ، يفضي إلى تعارض في الإرادات به يحصل التنازع والاضطراب بل والتقاتل فَيَفْسَدُ الكون ، فـ : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) ، وامتناع ذلك في الخارج يدل ضرورة أن المدبر واحد وذلك تمانع في أمر الربوبية يفضي إلى تمانع في أمر الألوهية أمرا ونهيا ، فذلك من لازم العقل الصريح ، فكذلك الشأن في ملك الدنيا ، مع القدر الفارق ، بداهة ! ، فإن أمر الملِك في الدنيا ليس شرعا إلا أن يكون نبيا يوحى إليه ، ولكن الأمر لا يستقيم إلا أن تكون الرأس واحدة ، فتأمر والأطراف تمتثل ، فإذا تعددت الرءوس فسد الملك ، فكيف استجاز الناصر صلاح الدين ، رحمه الله ، أن يقسم الملك أثلاثا ، فذلك باستقراء التاريخ والحاضر سبب في فساد الأمر وزوال الملك ووقوع الفتن ، فقسمة الرشيد ملكه بين ثلاثة من أبنائه ، الأمين والمأمون والمؤتمن ، قد وقع بِهَا الفتنة ما قد علم في تاريخ بني العباس حتى كاد الملك يزول ! ، وقد سار على خطاه المتوكل ، فقسم الملك بين المنتصر والمعتز والمؤيد ، فكان ذلك ذريعة أن يقع الاختلاف بين أبنائه ، بل وحمل المنتصر أن يقتل أباه المتوكل لما أغراه قادة الجند بذلك إذ رام أبوه صرف الأمر عنه ! ، فقتله وَتَوَلَّى الأمر بعده ستة أشهر ! ، وبئست الصفقة كما يصفها البحتري :
    أكَان ولي العهد أضمر غَدْرَةً ******* فمن عَجَبِ أو وُلِّيَ العهد غادرُهْ
    فلا مُلِّيَ الباقي تراث الذي مضى ******* ولا حملتَ ذاك الدعاء منابره .

    وكذلك الشأن في ملك بني أيوب ، فالسنة واحدة فقسمة الملك أثلاثا أفضت إلى تنازع بين الإخوة انتهزه العادل أبو بكر شقيق صلاح الدين فأغرى بينهم العداوة والبغضاء حتى نجح بمكرِ سياسةٍ وحنكةِ قيادةٍ أن يَسْتَلِبَهُم الملك ويجمعه مرة أخرى تحت سلطان واحد ، فلا يستقيم هذا الأمر إلا أن تكون الرأس واحدة ، وصراع الأجنحة في الأسر المالكة أمر اطرد أيضا في الماضي والحاضر ولكنه في الماضي لم يكن يخضع لمركز من خارج فجميع الأجنحة الملكية أو الجمهورية الآن إلا ما رحم رب العباد ، جل وعلا ، جميعها مهما تنازعت الأمر فهي تدين بالولاء للمركز حتى يتحول الصراع بينها في أحيان إلى تنافس محموم في التقرب إلى المركز وتقديم فروض الولاء والطاعة والتَّفَانِي لنيل ثقة المركز أن يكون الجناح الفائز وكيله النائب في رعاية مصالحه في المصر المبتلى بأولئك القادة والزعماء ! ، ولم يكن الأمر كذلك بداهة زمن العادل إذ كان صراع الأجنحة محتدما ولكنه على أدنى تقدير لم يكن يصب في قناة مركز يفرض إملاءاته طوعا أو كرها فمن خرج عن سلطانه فليس إلا التصفية المعنوية والتهميش وربما بلغ الأمر في أحيان حد التصفية الجسدية بالقتل كما وقع في حوادث مشهورة وقعت لبعض زعماء الشرق وإن لم يكن أمرهم يأرز إلى الإسلام عدو الحضارة الغربية الأول ، بل يجزئ في استباحة دم الزعيم أي خروج طفيف عن جادة المركز التي وضعها خارطة طريق لا يزيغ عنها إلا هالك مارق ! .

    وسرعان ما انقسمت الدولة مرة أخرى ، فتصارع الأبناء والأحفاد ، وَفَرَّطَ من فَرَّط منهم في ملك الآباء ، بل وملك الأمة فلا يقيم لها وزنا إذ يهب من شاء من أرضها ما شاء فبلغت الحال أن تنازل الملك الكامل بن العادل ، وما أجدره باسم الناقص الظالم ، أن تَنَازَلَ عن بيت المقدس ! ، قِبْلَةِ الإسلام الأولى ، إلى فريدرك الثاني صديقه بعدما توسل له لئلا يَشْمَتَ فيه أعداؤه ! وقد جاء يَتَسَلَّمُ البلاد بِبِضْعِ مئات كان القضاء عليهم أمرا يسيرا ولكن الكامل لم يشأ أن يُخْلِفَ الوعد فيلحقه الذم ! ، لا سيما وقد كان دَيِّنًا ورعا يكثر من سماع الحديث النبوي وله في القاهرة مدرسة حديث باسمه لا تزال آثارها إلى اليوم باقية في القاهرة المعزية ، وهي المدرسة الكاملية ! ، فهو من خدم الدين وحماته ومن المعظِّمين لِسُنَنِهِ المكثرين من روايتها ! ، وهو مع ذلك يفرط في البيت المقدس الذي بذل أجداده ما بذلوا استردادا له من عباد الصليب بعد تسعين عاما أو يزيد من الاحتلال ، فَجِهَادُ سنين وتضحيات أجيال تبذل بلا مقابل هدية من مجامل ! ، ولا يوجد من يعترض فذلك شأن سياسي محض فلا يدخل في إطار الدين ، فليس ذلك مما يقضي فيه الكتاب والسنة بحكم نافذ ! ، وتلك لو تدبرت صورة متقدمة جدا من صور العلمانية السياسية ، إذ لا شأن للدين في هذا الأمر السياسي البحت ! ، وإذا سكت الناس عن سفيه ينقض ثوابت الدين ويسفك دماء المسلمين ويفرط في أرض الإسلام فَيَهَبُهَا لمن يشاء ولو في إطار اتفاقيات ومعاهدات فَلَهُمْ بشرى عظيمة بعذاب عاجل أن يبتليهم الرب ، جل وعلا ، بظالم آخر غشوم ، ومن بعده من هو أظلم فلا يزال الرب ، جل وعلا ، يجري عليهم من السنين ونقص من الثمرات وقلة في الأموال وغلاء في الأسعار وشح في الأقوات وسعار في الأسواق يجعلهم كالكلاب العاوية طلبا لأية جيفة يطعمونها ، فلا تزال تلك حالهم حتى يراجعوا دينهم أو تجري عليهم سنة الاستبدال ، ومن سكت على ظالم وَأَيَّدَهُ فأول عقابه أن يسلط عليه الظالم فيسومه سوء العذاب .

    وقد اشتغل أحفاد صلاح الدين ، رحمه الله ، بقتال بعضهم ، بل ودخل بعضهم في تحالف مع نصارى أوروبا ضد إخوته وأبناء عمومته ، كما صنع الصالح إسماعيل ، وما أجدره بلقب الطالح ، كما كان الكامل هو الناقص ، فهي أسماء جليلة على غير مسمى في الخارج .

    وعظم الخلاف والتتار على الأبواب فقد بدأ جنكيز خان مشروعه والقوم يتقاتلون في مصر والشام وأجزاء من الجزيرة الفراتية ! ، بل وثم منهم من تورط في قبول الخضوع لخاقان التَّتَرِ استبقاء لإمارته التي لا تجاوز رقعة من الأرض صغيرة ، فآذن ذلك الانقسام بسنة كون تَطَّرِدُ فهي لا تحابي ، كما تقدم ، أحدا ، ولو صلاح الدين والدنيا ، رحمه الله ، فآذنت شمس بني أيوب بالأفول بوفاة آخر ملوكهم الصالح نجم الدين أيوب واستلمت الراية قوة فتية ، وهي قوة المماليك التي صد الله ، جل وعلا ، بها هجمة التتر على أمة الإسلام بل وعلى النوع الإنساني كله في عين جالوت سنة 658هـ بعد سنتين فقط من سقوط خلافة بني العباس فما أسرع نُزُولَ النصر إذ سارع الناس فَرَاجَعُوا دينهم فاستحقوا تأييد ربهم جل وعلا .

    وإذا لم تجامل سنة الكون صلاح الدين ، رحمه الله ، أن خالف عن منهاج الشرع في أمر الولاية فكيف بمن يورِّث الملك وليس له معشار ما لصلاح الدين رحمه الله من الفضل فلم يصد غارة ولم يغضب لحرمة دين أو دم ، بل ما كان ملكه ، بادي الأمر ، إلا تفويضا من احتلال قَسَّمَ وجزأ وأعطى كل تابع قطعة ليحكم السيطرة عليها فلا تخرج عن هيمنة المركز ، أفيجامل الرب ، جل وعلا ، أولئك ولم يجامل صلاح الدين ؟! ، فبأي منطق نحكم ونحن نبرر ونتحايل بأن الله ، جل وعلا ، لنا حافظ ، وإن بدلنا من الحق ما بدلنا وعطلنا من الشرع ما عطلنا ؟! .

    وقد يعتذر من يعتذر في حق صلاح الدين ، رحمه الله ، أن ذلك عرف عام في الممالك آنذاك لا يمكن الخروج عنه ، والجواب أن العرف الفاسد لا يقضي في الشرع الحاكم ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، وإنما يؤخذ بالعرف دليلا وحجة إذا وافق الشرع المنزل فإن خالفه فهو هدر ، إذ لا حكم يعلو حكم الوحي أو يتقدمه ، فذلك من التقدم المذموم بين يدي الله ، جل وعلا ، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فيدخل في عموم النهي في قول الرب جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .

    ولو كان أحد أولى بالتكلف في التأويل في هذا الباب لكان معاوية ، رضي الله عنه ، إذ اجتهد فعهد لابنه يزيد في ظرف تاريخي معين بعد فتنة عظمى حصل فيها من الشر ما حصل ، وإن لم تخل من خير في الجملة ، ولكن ذلك بداهة كان اجتهادا خاطئا ، وليس ذلك مما يضر معاوية ، رضي الله عنه ، وإن كان له فيه ميل إلى ابنه فقد علم حبه له ، فحصل من شبهة التأويل وحصل من هَنَّةِ النفس أن مالت بما جبلت عليه من فطرة الحب للأهل والولد فذلك حظ نفس لم يسلم منه معاوية ، رضي الله عنه ، فإن اعتذر عنه بالنظر في السياق التاريخي الذي حصلت فيه هذه البيعة إذ نظر في حال بني أمية وقد حصل لهم من حظوة السلطان ما حصل عشرين عاما وكانت معهم قوة الجيش وعصبية القبيل فَلَوْ خرج الأمر عنهم ما أُمِنَ شرهم ، فذلك ما اعتذر به بعض الفقهاء والمؤرخين كابن العربي المالكي وابن خلدون الأندلسي ، رحمهما الله ، وقد حصل في اعتذارهم تكلف لا يخفى ، وإن لم يخل من وجه حق ، فإن العهد ليزيد قد يحفظ عصبية الملك أن تنفرط فتقع حرب جديدة لا تؤمن بوائقها والأمة لما تشفى بعد من جراحها يوم الجمل وصفين فالعهد بها قريب ، إلا أن ذلك لا يمكن معه إنكار ما حصل بسبب ذلك من الشر العظيم فكانت تلك سنة تخالف سنة الراشدين ، رضي الله عنهم ، في أمور الحكم والسياسة حصل بها من الاقتتال بعد ذلك ما كان معاوية يخشاه ، فإحسان الظن به حتم لازم لما له من سابقة فضل فهو الحكيم الأريب الذي ساس الناس في بلاد الشام عشرين واليا ، ثم عشرين أخرى خليفة اجتمع الناس عليه فلم يحصل في عهده فتنة ، وكانت الثغور عامرة والحدود آمنة والعدو يحذر ويترقب فيخشى بأس الجار المسلم لما كان لملكه من الهيبة والأبهة التي حمدها عمر ، رضي الله عنه ، وهو الفطن الذي لا يُخْدَعُ ، فكان يعرف أقدار الرجال وكان يحسن استعمالهم وإن كان ثَمَّ من هو خير منهم كما أثر عنه اعتذارا لشرحبيل بن حسنة وقد عزله وولى معاوية مكانه ، رضي الله عن الجميع ، فإحسان الظن بمعاوية ، حتم لازم ولكن ذلك لا يحمل الناظر أن يقر الاجتهاد الخاطئ وإن كان صاحبه الصديق الأعظم أبا بكر ، رضي الله عنه ، فليس أحد بعد صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم براج عصمة ، وإنما ينظر في الأمر ، كما تقدم ، نظر المجموع ، فتجمع الحسنات والسيئات وتوزن بميزان العدل ، فصاحبها لمن رجحت كفته ، فلا يكون الناظر كالذباب الذي لا يقع إلا على القيح والصديد والغائط وما يستقذره صاحب المروءة الكامل ، فيغلو في الإنكار لا سيما وقد عظت البلوى في هذه الأعصار بالاستبداد والظلم في أمر السياسة والحكم وهو ما قد يحمل الناظر أن يتحامل على معاوية ، رضي الله عنه ، فَيُسِيئَ الأدب ويخرج عن قانون الشرع في توقير الصحب ، رضي الله عنهم ، وقد وقع ذلك من بعض الأفاضل مِمَّنْ له في الدين قدم راسخة فطعن وجرح في عثمان ومعاوية ، رضي الله عنهما ، أن لم يكن له حظ من هذا الفقه الذي يعدل في الحكم فلا يغلو في المدح بتكلف التأويل لاجتهادات خطؤها ظاهر أو راجح ولا يغلو في المقابل في الذم على وجه يحمله على تكلف المثالب ، فضلا أن مادته في النقل غالبا مادة فاسدة فتجده ينقل كلام المستشرقين وأذنابهم من المستغربين الطاعنين في تاريخ هذه الأمة وتراثها ، فيجهدون في تتبع الهنات ليسوغ لهم ذلك أن يطعنوا في نقلة الوحي وحملة السنة فيسهل عليهم الطعن في الدين بعد ذلك فالطعن في الناقل طعن في المنقول ، وهو ما يعطي ذريعة أخرى لقطيعة المعرفة مع الماضي الأسود ! ، ماضي الاستبداد والظلم والقهر ..... إلخ ، وذلك ، كما تقدم ، ما يروم أصحاب الطرح الحداثي وما وراءه من الطور النسبي الذي يجادل في مطلقات العقل الضرورية التي أجمع عليها العقلاء كافة ، فكيف بثوابت الشرع ونصوصه المحكمة التي بلغت حد التواتر في مدح الصحب الكرام ، رضي الله عنهم ، وإثبات عدالتهم في النقل ، فهي أولى بالطعن إذ لم تبلغ حد الضرورة العامة التي بلغتها المطلقات العقلية التي أجمعت عليها البشرية ، والصحيح لو أنصف الناظر ورام الحق وامتثل ما يزعم من الحياد والموضوعية ، أن يجتهد في جمع النصوص ويجتهد في توثيقها فلا يقبل أي خبر صح أو ضعف لمجرد أنه يوافق ما يهوى فيجعل رائده الهوى الذي حكم قبل أن يستدل فجعل الاستدلال نافلة تؤيد فريضة ما استحسن بعقله ، بادي رأيه ، فأنى يرجى لمثله هداية إلى الحق ولم يتجرد في الجمع والاستدلال كما يزعم ، ويجتهد في تخريجها على أصول الشرع المحكمة دون تكلف في تصحيح اجتهاد أو تأويل خاطئ ، وإنما ينظر في المتشابه فيرده إلى المحكم ، فلو أنصف لنظر في محكم أقوال القرن الأول ، رضي الله عنهم ، وأفعالهم ، فهو الغالب الذي بلغ الكثير قلتين بل وقلالا ، فلا يضره أن حمل خبثا من تأويل خاطئ أو معصية ، فذلك استثناء عارض لا يقدح في الأصل الراسخ ، فتاريخنا ليس أسود كما يزعم أهل الاستشراق ومن لف لفهم من بني جلدتنا جهلا أو هوى ولا ينفكان يقترنان بنقص يوجب الذم والإنكار على صاحبه فلئن كان جاهلا فَلْيَتَعَلَّمْ ، ولئن كان ذا هوى فليتب إلى ربه ، جل وعلا ، من القدح في الأعراض فهو أمر يعظم في حق آحاد الناس فكيف بصدر الأمة خير طباق الأرض بعد الأنبياء والمرسلين عليهم السلام ؟! ، فتاريخنا تاريخ ناصع البياض زمن الصحب الكرام رضي الله عنهم وإن كان فيه نقاط سواد لا تخلو منها أفعال البشر سوى الأنبياء عليهم السلام لا سيما زمن الفتن التي يشتبه فيها الحق بالباطل ويكون مع كل تأويل يعتبر وإن رجح أحدهما الآخر فالحق ، كما تقدم مرارا ، واحد في كل مسائل الخلاف أصولا وفروعا ، فضلا أنها مما غُمِسَ في بياض غالب من صالح أقوالهم وأعمالهم ، فهو السواد الأعظم كحال الخبث القليل إذا مازج الماء الكثير فلا يضره ، فليس القوم ، كما تقدم ، براجي عصمة وأكثر ما نقل في هذا الباب ، كما يقول بعض المحققين ، إما أن يكون كذبا صراحا امتلأت به كتب التواريخ وقد علم ما فيها من تساهل في الرواية فلا يعول عليها كثيرا في أمور الديانة من الحكم بالعدالة ومسائل العقد والحلال والحرام .... إلخ ، وإنما يطلب أمر عظيم كهذا من الكتب المحققة ، كتب الحديث لا سيما الصحيحين والسنن ومن اشترط الصحة مع النظر في الإسناد والمتن فيما لم يتواتر ولم تجمع الأمة على تلقيه بالقبول من جمهرة أحاديث الصحيحين إلا آحادا يسيرة فاتها هذا الإجماع على تفصيل في ذلك .

    وإما أن يكون ما نُقِلَ من ذلك مما لهم فيه تأويل سائغ ، أو هو مما كذب فيه عليهم إما باختلاق الأصل فهو كذب من ألفه إلى يائه أو بزيادة على أصل صحيح ما يوافق هوى الكاذب المفتري الذي زاد ما يوافق هواه وذلك من أخبث الكذب وأعوصه فإن صحة الأصل قد تخدع الناظر ، بادي الرأي ، فيكون الأصل من الصحيح بل وأصح الصحيح ، كخبر ورد في الصحيحين ، فلا يفطن الناظر لما زيد فيه من افتراء الوضاع الكاذب في كتب أخرى لا في الصحيحين بداهة فتلك الزيادة تكون في نفس الرواية ولكن في كتاب تاريخ أو قصص ولا يخلو إسنادها من كذاب أو وضاع أو متهم هو آفة هذه الزيادة وإن صح الأصل كما تقدم .

    فلئن اجتهد معاوية ، رضي الله عنه ، فأخطأ ، فليست توليته يزيد من سنة أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، كما زعم مروان بن الحكم لما أراد أخذ البيعة ليزيد من أهل المدينة ، بل هي سنة هرقل وقيصر في توريث الملك كما أجابه عبد الرحمن بن أبي بكر ، رضي الله عنهما ، تبرئة لأبيه من هذا الزور أن ينسب إليه الخروج عن سنن الهدى في الحكم والولاية وهو الذي عهد لعمر وليس من أهل بيته ولا من بني قومه ، ثم أوصى بها عمر بين ستة وأخرج ابن عمه سعيد بن زيد وأوصى أن يحضر ابنه عبد الله وليس له من الأمر شيء فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم واحد في هذا الخطب الفادح ، فلئن اجتهد معاوية فَسَنَّ الملكَ وصية وعهدا فسنة عمر الفاروق ، رضي الله عنه ، أحب إلينا من سنته فهي سنة خليفة راشد أمرنا بِاقْتِفَائِهَا ، وجميعهم مع ذلك أحب إلينا من كل من جاء بعدهم فهم آباؤنا في الدين والعلم وهم من حمل إلينا هذا الخير فلهم من سابقة الفضل ما يمحو أثر الزلة والهنة التي لا يسلم منها أحد إلا الأنبياء ، عليهم السلام ، فخير لنا أن نشتغل بالدعاء أن : (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) ، دون تكلف البكاء وإن شئت الدقة فقل التباكي على الحسين وآل بيته ، رضي الله عنهم جميعا ، مع ما دس في الأمر وزيد على وجه حاد صاحبه وناقله عن جادة العدل وإن عظم جُرْمُ يزيد وفحش إلا أن الظلم لا يكون ذريعة إلى ظلم آخر بتكلف أخبار كاذبة وافتراء أحوال باطلة ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، وأكثر من يتباكى في هذا الباب إنما يتجر بفاجعة الناس في الحسين ، رضي الله عنه ، فيروم تأجيج الأحقاد المذهبية ، أو هو على الطريقة العلمانية اللادينية التي لا يقر لها قرار إلا أن تشوه تاريخ هذه الأمة الناصع الذي لم يخل من هنات عظمت بعد انقضاء الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، ولكنها مع عظمها لم تكن كالجرائم العظمى التي وقعت في تاريخ الأمم الأخرى ، والتاريخ حكم بين الأمم ، فضلا أن دفاعنا في هذا الباب إنما ينصرف ، بادي الرأي ، إلى الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فهم النواة الصلبة لهذا الأمر فلئن توصل الطاعن إليهم بِبَاطِلٍ أو بحق يُرَادُ به باطل ، فالتوصل لمن بعدهم أيسر بل لا حاجة لهم فيه فقد طعنوا في الأصل فسقط الفرع تَبَعًا فأولى حلقات الإسناد لهذا الوحي هو ذلك الجيل العظيم ، فإذا قَدَحَ من قَدَحَ في عدالتهم فقد انتهى الأمر وسقط الخبر فالأصل مطعون ، وذلك ، لو تدبرت ، يفضي إلى باطل أعظم فيتوصل الطاعن به أن يطعن في حجية التنزيل المتواتر فمن حمله هو الذي حمل الأخبار التي يطعن فيها أولئك ، فضلا أنه يتوجه بالقدح آخر الأمر إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما يلزم بعض المحققين من نعق بهذا القول الخبيث ، إذ لو كان رجل خير وصلاح لأحسن تربية أصحابه ولكنه أساء وقصر فهو رجل سوء مثلهم ! ، حاشاه هو بأبي وأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فضلا أنه يستوجب الطعن في التنزيل الذي أفاض في الثناء عليهم على وجه بلغ حد التواتر ، فـ : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) ، و : (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) ، وهو ما حمل من حمل أن يتكلف قولا أخرجه من الملة قولا واحدا فزعم تحريف القرآن والزيادة فيه والنقص لما جعل دِينَهُ الطعن في أولئك السادة ووجد أن الوحي يخالف ما ينعق به بداهة ، فتكلف لأجل ذلك أن يطعن في التنزيل المتواتر انتصارا لرأيه الباطل وقاتل الله التعصب وحمية الجاهلية التي تحمل صاحبها على تكلف أقوال تخرجه من الملة الإسلامية .
    وشيوخ الإسلام أحباء إلى النفوس ، كما قرر بعض المحققين ، وقل مثلهم في السادة الأوائل والقادة الأفاضل في الصحبة والعلم والسياسة والحرب ولكن الحق أحب إلى من تقصد الهدى وَأَراده ، فجرد النية وأحسن الطلب ، على وجه لا يحمله أن يطعن فيمن ثبتت فضيلته بِيَقِينٍ فالعقل والشرع يقضي أن اليقين لا يزول إلا بيقين مثله فلا يزول أصل محكم بفرع متشابه فضلا أن يكون كاذبا لا أصل له ، فلا يزول به اليقين من باب أولى ، وإنما إحسان ظن وإقرار بالفضل على وجه لا يبلغ حد الغلو في المدح بتكلف التأويل المرجوح والقوم ليسوا بحاجة إلى ذلك فلم يكونوا ، كما تقدم مرارا ، براجي عصمة .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 37095

    الكنية أو اللقب : ابو يوسف

    الجنس : ذكر

    البلد
    الجوف

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : دعوة

    معلومات أخرى

    التقويم : 156

    الوسام: ۩
    تاريخ التسجيل15/1/2011

    آخر نشاط:17-02-2019
    الساعة:10:41 AM

    المشاركات
    2,539

    بارك الله فيك ..

    إنما هو أمر حتمي أن يقع في الأمة ما وقع بعد عهد الخلفاء الراشدين لأن رسولنا صلى الله عليه وسلم قد اخبرنا بشيء من ذلك حينما قال : ( تكون الخلافة فيكم ما شاء الله ان تكون ثم يرفعها الله إذا شاء ان يرفعها ..) الحديث .. او كما قال

    ليـس الجمال بمئزرٍ ** فاعـلـم وإن ردّيت بُردا
    إنَّ الجمـال معـادنٌ ** ومناقـبٌ أورثن حـمـدا

  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 37095

    الكنية أو اللقب : ابو يوسف

    الجنس : ذكر

    البلد
    الجوف

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : دعوة

    معلومات أخرى

    التقويم : 156

    الوسام: ۩
    تاريخ التسجيل15/1/2011

    آخر نشاط:17-02-2019
    الساعة:10:41 AM

    المشاركات
    2,539

    واما حال الولاة في زماننا فبعيد كل البعد عن منهج الصالحين فضلاً عن منهاج السلف .

    ليـس الجمال بمئزرٍ ** فاعـلـم وإن ردّيت بُردا
    إنَّ الجمـال معـادنٌ ** ومناقـبٌ أورثن حـمـدا

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •