اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: عن الإطار المحكم

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 66

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:06:30 AM

    المشاركات
    4,823
    العمر
    41

    عن الإطار المحكم

    مما شرع حال النِّزَالِ والتقاء الصفين ما يكون من الذِّكْرُ ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فهو أعظم ما ينصر به الْمُقَاتِلُ ، فيحصل به من الثبات ما لا يحصل بعدة أو عتاد ، فإن الآلة لا تمنح حاملها قوة حتى يكون من المدد ما يعين صاحبه أن يثبت فيحسن القتال ولا يفر حال النِّزَالِ ، فالآلة لا تصنع إنسانا ذا إرادة جازمة ، وإنما الإنسان هو الذي يصنع الآلة ، فلا يمكن أن تسيطر آلة صماء على إنسان يسمع ويعقل ، فيكون الإطار الذي يحكم العالم هو إطار المادة الصلب فهو إطار جائر لا يعقل فلا يملك من التصور ما به يصح الأمر ، فلا يصلح ، بداهة ، حاكما في أمر الإنسان الحي الحساس ، فَلَهُ من الإرادة ما لا تسد حاجته الآلة فلا بد من مستمد من خارج ، يحصل به من التصور والإرادة والقول والعمل ما تستقيم به حال الإنسان ، فكيف تكون الآلة هي المحرك الرَّئِيسَ لقوى الحس والإرادة ، وكيف يصير منتهى السؤل استعمال الآلة في تحقيق لذة الحس على وجه يفضي إلى تعطيل المحل الأشرف ، محل الجنان ، الذي لا يغتذي ، بداهة ، بغذاء الآلة ! ، فإن الجنان لا بد له من مستمد شريف من الوحي به يصلح الأمر ، فلا يسعد الإنسان ما اجتهد في تحصيل أسباب السعادة إلا أن يكون الوحي هو رائده في التصور والحكم ، فمنه يستمد التوحيد تصورا ، والتشريع حكما ، فحصل التدافع بين حضارة الوحي ، وحضارة الحس ، حضارة مستمدها الخبر الصادق والحكم العادل ، وأخرى مستمدها شهوة البطن والفرج ، فاللذة غايتها والقوة المادية وسيلتها ، وهذه القوة لا تَنْفَكُّ تظلم وتطغى ، وذلك ما خافه موسى وهارون ، عليهما السلام ، فـ : (رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) ، فهي تمارس من الطغيان بقوى مركبة من اقتصاد وسياسة وإعلام وحرب ، فتلك ذرائع السيطرة على العالم وهو ما يَرُومُهُ الطاغية إذ نَازَعَ الرب ، جل وعلا ، منصب السيادة ! ، فهو يروم التشريع مع أنه عاجز أن يضاهي الرب ، جل وعلا ، في التكوين والتدبير فَلَوْ كان له من ذلك قدر إذن لصحت دعواه أن ينازع مولاه الحكم ! ، وإنما طغى وبغى في الأرض بغير الحق على وجه عطل فيه الوحي ، وإن أظهر من تعظيمه دعوى تكذبها حاله فهي الحال الدنيا ! ، فإن تعظيم الوحي لا يكون إلا بامتثال الأمر والنهي ، في كل نازلة ، فلا يكون الشرع فاعلا في مواضع ، عاطلا في أخرى ، على وجه يحقق مصالح الناظر العاجلة فقد أبى أن يسلم لِلْوَحْيِ كمرجع يُعَيِّنُ المصالح والمفاسد ، فالوحي ، وحده ، هو الذي يُقِرُّ ما يَرَى فيه الصلاح الخالص أو الراجح ، وينكر ما يرى فيه الفساد الخالص أو الراجح على وجه يواطئ قياس العقل الناصح فمن لم يأرز إليه فَمَا آمن به مرجعا صحيحا صريحا يُبَيِّنُ من الأحكام الباطنة والظاهرة ما يكون به الصلاح العاجل والآجل ، فلا تُنَالُ سعادة في الأولى ولا نجاة في الآخرة إلا أن يكون الوحي هو الرائد فيسلم له الناظر في كل قول وعمل ، في كل أمر وَنَهْيٍ ، في كل تصور عام وخاص فلا ينظر إلا بعين الوحي في اعتبار المصالح والمفاسد ، فهي العين الوحيدة التي بها تحصل العصمة في العقيدة والشريعة ، إذ جاءت ، كما تقدم ، بأصدق الخبر الذي يصحح التصور ، وأعدل الأمر والنهي الذي يصحح الحكم ، فَثَمَّ من عَظَّمَ الوحي في الجملة ، بل وسلك جادته في مواضع عدة ، ولكنه لم يحرر معنى التوحيد أن يكون الوحي هو مناط التشريع الأوحد ، فلا يجزئ أن يكونَ الوحي مناطَ التشريع الأول فَيُزَاحِمُهُ الوضع ، ولو جاء بعده ، في أمر قد نص عليه ، أو دل عليه باستقراء نصوصه ، أو عارض فيه الهوى والذوق مقاصد الشرع العامة ، فغاية العقل في هذا الباب أن ينظر في مصالح أرسلها الوحي فلم يَعْتَبِرْ ولم يُلْغِ فهو يجتهد في تقدير المصلحة على وجه لا يخالف الشرع لا في أصل كلي ولا في فرع جزئي ، فلا يخالف الهوى والذوق نَصَّ الوحي وإن ظَنَّ صاحبه من كمال العقل وجودة الرأي ما ظن ! ، ولا يعتبر العقل مصلحة أهدرها الوحي ، فإن دلالة العقل تضطرب ، ودلالة الوحي ليست كذلك فهي من رب واحد قد صدرت له ، جل وعلا ، من كمال الوصف علما وحكمة ما بلغ حد الإطلاق فلا يكون الشرع إلا معصوما إذ صدر ممن لا يجوز في وصفه أي نقص من أي وجه ، والعقل ، في المقابل ، يحتاج ويفتقر فَلَهُ حظ في التشريع أن يسن من الأحكام ما يحقق أغراضه ، وهذا الاحتياج يحيد به عن جادة العدل فيطغى ، ويقع منه الانحراف عن جادة الشرع إن بالزيادة أو بالنقص ، فالطغيان قد يكون غلوا في الزهد ، وهو مظنة الترك ، كما يكون غلوا في الحس ، وهو مظنة الإفراط في تعاطي أسباب اللذة والسعي في تحصيل ذرائعها من القوة ، إن حقا أو باطلا ، فاتهم العقل من هذا الوجه فلا تَزَالُ العقول الفردية والجمعية تَتَصَارَعُ وَتَتَنَازَعُ في محال يكون فيها الاختلاف الذي يُفْضِي إلى الاختصام بل والاقتتال في أحيان ، فتلك سنة جارية في الكون ، فَبِقَدْرِ ما يحيد الناس عن جادة الحق يكون الولوغ في الباطل الذي تعظم فيه الحظوظ فكل قد أعجب برأيه وظن الحق المطلق في قوله فلسان حاله العصمة ، وكل أمة تظن في نفسها السيادة المطلقة ! ، فَلَهَا من كمال الصورة الظاهرة جسدا ، والباطنة عقلا وذوقا ما ليس لغيرها ، فَرَأْيُهَا هو المقدَّم ، ولو دعوى بلا دليل ، بل وإن شهد الدليل بضد الدعوى فشاهد الحس يدل على ما حصل في هذا الكون من الفساد أن عُطِّلَ الوحي وَقُدِّمَ الوضع الذي يأرز ، كما تقدم ، إلى الهوى والذوق ، مع حصول التعارض الذي يفضي إلى فساد عظيم هو الدليل على ضد ما يزعم العقل ، فَرْدِيًّا أو جَمْعِيًّا ، أن المصلحة والخير تحصل في قياسه وإن لم يتخذ الوحي رائدا ، سواء أكان الرائد بِلَفْظِهِ ، فهو رائد بمعنى أخص هو ، عند التدبر والنظر ، نص في محل النزاع وتلك الريادة العظمى ، فهي تفيد القطع الذي لا تجوز معارضته بالعقل ، أم كان رائدا بمعناه الأعم ومقصده الكلي ، فلا يخرج العقل عنه في دقيق أو في جليل ، في عام أو في خاص ، في نص أو في مقصد .... إلخ ، فجاء الوحي يرب الباطن والظاهر بالخبر الصادق الذي يَرُبُّ الجنان ، والحكم العادل الذي يَرُبُّ الأركان ، وتلك من أعظم صور الرعاية والعناية ، فهي المعية الأخص التي امتن بها ، جل وعلا ، على من عَظَّمَ الوحي فجعله الرائد الحاكم في كل قول وعمل ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) ، فأناط المعية بوصف التقوى والإحسان على وجه لا يصح في الأذهان إلا أن يكون الوحي هو الرائد في الأقوال والأعمال جميعا ، فتلك التقوى التامة التي أطلق لفظها فعم جميع وجوه التقوى ، وهي ، من وجه آخر ، تَنْصَرِفُ إلى تصور الباطن ، والإحسان ، في المقابل ، يَنْصَرِفُ إلى حكم الظاهر ، وقد يعم كلاهما الباطن والظاهر جميعا فمن التقوى تقوى الباطن أن يقارف أسباب الشرك والكفر وتقوى الظاهر أن يقارف أسباب العصيان من الصغائر والكبائر ، ومن الإحسان ، كذلك ، إحسان الباطن تصورا ، وإحسان الظاهر حكما ، على وجه يستغرق جميع محال التكليف وأحواله .

    فلا يجزئ ، كما تقدم ، أن يكون الوحي مستمدا من مستمدات التشريع فهو أحد مصادر التَّقْنِينِ على وجه تُحَلَّى به الدساتير الوضعية الحادثة ذرا لِلرَّمَادِ في العين الناظرة ، واصطناعا لمعارك من الجدال محتدمة ليس فيها من تحرير الحق ما يشفي الصدر بل استدراج لأهل الحق أن يُسْتَنْفَدَ الجهد فيما لا جدوى منه ، فالشرع معطل في كل حال ، أصلا وفرعا ! ، فعلام التكلف في إظهار الغيرة على عبارة لا أثر لها في التشريع ؟! ، وإن كان ثم فائدة تعتبر فهي أدبية محضة لا أَثَرَ لها في الخارج ! إلا هوية مجملة لا يمانع خصوم الوحي أن يكون لها حظ من النظر ! ، وإن وقع ذلك منهم على مضض ! ، فَثَمَّ طيف واسع من طرح يقصر الأمر على الدعوة فقط بل وقد يَبْلُغُ به الأمر أن تُحْصَرَ الدعوة في الشعائر دون عناية بالتوحيد أصل الأصول ، فلا يصح ما بعده من قول وعمل إلا أن يصح فهو الأصل الأول ، فثم طيف من هذا اللون الذي وقع في نوع جفاء وتفريط ، إلى لون آخر وقع في نوع غلو وإفراط ، فلا يرى إلا المواجهة المسلحة ولو بلا مكنة تعتبر على وجه تؤمن فيه المفسدة ويغلب على الظن حصول نكاية معتبرة لا متوهمة ، فوقع الخطأ في التعجل في كسر الإطار الذي أحكمه الخصم فأهل الحق أسرى فيه لا يحققون من الناتج إلا بقدر ما يسمح النظام الصلب الذي وضعه أرباب الوضع في السياسة والحرب والاقتصاد والإعلام والذي يأرز إلى مرجع يخالف مرجع الوحي بل ويناقضه بالنظر في الأصل وإن حصل التوافق في جملة من الفروع فعرضا لا قصدا ، فإن العقول لا تَنْفَكُّ تجمع على معان من الصدق والعدل ضرورية ، فإنكارها سفسطة في النظر والحكم ، فقد يحصل التوافق عَرَضًا ، فيوافق الوحيُ هوى المستدل ، فما أسعده أن أقر له الخصم أنه على الحق ! ، فَأَقَرَّ له بالوسطية والاعتدال فهو الذي يضع معيار الحكم فَيَسِمُ من يَسِمُ بالاعتدال ، فهو يسير على الجادة السياسية التي خطها النظام المحدث ، ويسم آخر أنه مارق متطرف فهو في قائمة سوداء تأرز إلى مقياس في السياسة وضعه أصحاب السيادة من أبناء الحضارة الأخرى ، حضارة على شاطئ آخر في خريطة البلدان ، وهي ، في نفس الآن ، على شاطئ آخر في خريطة الأفكار ، وذلك اختلاف أعظم ، وهو ، كما تقدم مرارا ، مناط النزاع الرئيس بين الوحي والوضع ، إذ لكل مستمده الذي يأرز إليه ، فالخاتم بِيَدِ السيد الأبيض الذي يملك ، كما يزعم ، مقومات السيادة المادية والمعنوية ، فهو الأكمل في الخلقة ، وهو الأرقى في الفكرة ، فَلَهُ من مقومات السيادة الظاهرة والباطنة ما استجاز به أن يجعل نفسه خصما وحكما في نفس الآن ، فهو معيار الحضارة الذي يجب على جميع الأمم أن تحذوا حذوه فغاية أمرها ومنتهى سؤلها أن تقاربه في أفكاره وقيمه بل وطرائقه في المطعم والمشرب والملبس والمظهر ، فلا يحصل للعبد كمال إلا أن يواطئ سيده في الهيئة الظاهرة ! ، فيأكل في مطاعمه ويلبس من ملابسه ، وإن حرم المطعم أو أَضَرَّ بالطاعم كما تجد في هذه الأعصار من طرائق تفنن أصحابها في استثارة شهوة البطن بما يضاف من محسنات الطعم التي تخرج عن أصل الفطرة فهي تصيب بأدوائها المعدة وتضعف البدن ولو بعد حين يطول ، فَأَثَرُهَا الضار لا يظهر في الحال فسنة التراكم البطيء تصيب النفس أو البدن بالضرر الآجل وإن حصل من لذة العاجل إن في شهوة ، وهو ، ما يتبادر إلى الذهن بالنظر في معنى اللذة فهي تَنْصَرِفُ إلى معنى الحس الظاهر ، أو في شبهة يستحسنها العقل بادي الرأي ، لا سيما إن كان فيها من المعنى ما يصح كمعنى الحرية فهي مما يخدع كثيرا من أبناء الشرق الذي يئن تحت وطأة استبداد عظيم عطل فيه الشرع الحكيم فصار الحكم لسادة لهم من ظلم الحكم وشراسة الخلق واضمحلال الديانة والمروءة ما يجعل طلب الإنصاف منهم كطلب الهداية من إبليس ! ، فعظمت الشبهة أن يرد معيار الحكم ، كما تقدم ، إلى معيار الخصم الذي يرى نفسه الحق المطلق فلا يحصل كمال لغيره إلا أن يجهد أن يقاربه في الصورة الباطنة والظاهرة ولن يبلغ وإن تكلف من المشابهة ما تكلف ، لن يبلغ حد السيد الحاكم فقد انفرد بهذا المنصب استنادا إلى دعوى الجنس والعرق ، فهو تعصب أعمى لا يجيز بداهة أية شراكة في السيادة ، سواء أكانت سيادة الوحي الذي يخاصم العقل ، أو سيادة الأطراف التي تخاصم المركز الذي ما انْفَكَّ ينتهب ثرواتها ويصادر قرارها السياسي إما عمالة وخيانة ، وإما قهرا بآلة الحرب ، وإما بهما جميعا ! ، فلا يرجى إصلاح تام يرجع بهذا الوحي إلى الأصل الأول ، لا يرجى بداهة في إطار محكم وضعه الخصم فقد يجيز لأهل الحق من حركة الإصلاح الجزئي ما لا يمكن إهداره ، فثم خير يرتجى ، وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتأول نصوص الموادعة في مكة ، فجهر بالحق فلم يجامل أو يداهن ، ولكنه لم يَتَعَجَّلْ كسر الإطار الذي وضعته قريش وأحكمت به الأمر ، فعمل داخل هذا الإطار لا رضى به ، فهو إطار فاسد بل لا يحصل الحق المعتبر إلا أن يكسر هذا الإطار ، فلم يتعجل صلى الله عليه وعلى آله وسلم كسر هذا الإطار أن يتأول نصوص المواجهة دون أن يكون ثم عدة ، وإنما تأول نصوص الموادعة حتى صار له بعد ذلك من المكنة المعتبرة في المدينة ما أجهز به على الباطل فلم يُبْقِ له أثرا في مكة فأزال ، كما يقول بعض الفضلاء ، رِجْسَ الوثنية وطهر البيت من الكفر والشرك وزالت الأصنام من الأرض بعد أن زال حكم الطاغوت من النفوس فحرر عقد التوحيد وأخلص الناظر منصب التشريع لرب العبيد ، تبارك وتعالى ، فكان الفقه في تأول نصوص المواجهة في المآل ، ونصوص الموادعة في الحال ، على وجه قد يَنْفَعُ فيه ، في أحيان ، العملُ في إطار الواقع فهو إطار محدث باطل ، ولكنه مما قضى به الرب ، جل وعلا ، قضاءَ التكوين النافذ ليستخرج به من آيات المدافعة ما يصلح به أمر الأرض ، فتكون المدافعة بالحجة والبرهان حال الموادعة ، وتكون المدافعة بالسيف والسنان حال المواجهة ، فذلك مقتضى الحكمة أن يوضع الشيء في موضعه الذي يلائمه ، وهو تأويل الحكمة الربانية البالغة فهي ، كما تقدم مرارا ، مما يظهر أثره في حكمة التكوين بوضع أسباب الدنيا في المحال التي تلائمها على وجه تصح به الأركان ، ووضع أسباب الدين في المحال التي تلائمها على وجه يصح به الجنان ، فقد يقضي الفقه أن يهادن الناظر هذا الإطار الباطل فلا يتعجل بمواجهته رجاء كسره في الخارج ولما يكسر بعد في النفوس أن يحرر عقد التوحيد وحكم التشريع للرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فيقضي الفقه أن يعمل الناظر داخله تأولا لنصوص الجمال والموادعة فلما يأت بعد تأويلٌ صحيح لنصوص الجلال والمواجهة ، ولكن قصر الهمة على ذلك دون التطلع في آخر الأمر إلى كسر هذا القيد لا يخرج بالحق من رحم النازلة ، فلن يخرج المولود إلا بعد مخاض عسير ألمه عظيم فهو يروم كسر القيد الذي أحكمه الخصم طيلة أجيال بل وقرون من المكر والتخطيط ، ولن يحصل ذلك ، بداهة ، في يوم وليلة أن يَنْتَزِعَ الحق منصب السيادة من الباطل فيصير الخاتم بيده ، فهو القانون العادل الذي ينصف المظلوم فلا يَنْتَصِرُ للظالم أن استجمع أسباب السيادة في الخارج من قوى الحس ، لا سيما آلة الحرب التي يعظم إفسادها في الأرض إن وقعت في يد طاغوت لا يُعَظِّمُ الشرع بل ويخرج عن قانون المروءة والعقل فيسرف في القتل والهتك على وجه يدل على مرض كامن في نفس مرقت فَلَمْ تَرْعَ في مؤمن إِلًّا ولا ذمة بل قد حصل لها من الطبع والختم ما جعلها خصما للوحي ، فكان من عظم الشؤم في هذا الباب أن نكس الطاغوت على رأسه فلم يعد الأمر بغضا لخصمه أن نازعه السيادة ، وإنما صار بغضا لما ينتسب إليه الخصم من الحق ، ولو لم تكمل النسبة ، فأي انتساب إلى الحق يضيق به صدر الطاغوت ، وإن لم يُحَرَّرْ فكان فيه من النقص ما لا ينكر ، فهو يجحد الحق ، ولو دعوى ! ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، مئنة من غل كامن في القلب لا يَرْضَى بأية نسبة إلى الوحي ، ولو مجملة ، فغايته الرئيسة أن يطمس الحق من الأرض إذ لا بقاء لملكه وسلطانه إلا أن يَزُولَ رسم الحق من الأرض ، بكافة صوره وأطيافه فقد يهادن أطيافا فيستدرجها أن تطعن في طيف أخطر ! ، ومن ثم يجهز عليها واحدا واحدا على طريقة : أكلت يوم أكل الثور الأبيض ! ، وتلك حيلة ماكرة لا زال المركز يستعملها ، فيتألف أطيافا من أهل الحق ، ولو في الجملة ، ويجتهد في تحسينها في الأنظار فقد حازت وسام الوسطية من الطبقة الأولى ! ، وهي التي كان المركز يفتش عنها في ركام الرجعية والتعصب فما أجمل هذا الدين الذي أخرج مثل أولئك ممن توسطوا واعتدلوا ! فَرَضُوا ، طوعا أو مكرا إن أحسنت الظن أو كرها فالله جل وعلا أعلم بالسرائر وإن كان الحكم على الظواهر دون إغفال القرائن ، فرضي أولئك أن يدخلوا في إطار الخصم فنالوا التزكية الفكرية والسياسية والاقتصادية ، ومع ذلك لم يَنَالُوا من الثناء إلا بقدر ما يذم به المخالف من أطياف أخرى متشددة ! ، فما كان مدحه إلا لذم غيره ، فعظم المكر بهذه الحيلة على وجه لا يجعل المعتدل يأمن أن يأتيه الدور يوما بعد الفراغ من المتعصب فلن يرضى عنه الخصم ما تمسك بأي قدر من الحق ! ، ولو اسما ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، من تأويل الخبر المحكم في آي التنزيل المعظم ، فـ : (لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) .

    والتجارب السياسية والعسكرية والدعوية المعاصرة فد وقعت في هذا الفخ ولا تَزَالُ على وجه يدل على غفلة تستوجب النظر والتدبر وعدم التعجل في الحكم على وجه يفارق صاحبه العدل فيقع في الغلو أو في الجفاء ، على وجه يحقق غاية الخصم ، وإن ظن أنه يحقق غايته نصرة للحق بإظهار الجمال على حد يبلغ حد التفريط أو إظهار الجلال على حد يبلغ حد الإفراط ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، فيجتهد صادقا ، واجتهاده آخر الأمر يصب في قناة خصمه فيحقق ما خطط له أهل الباطل ليكيدوا به أهل الحق ! ، وتلك ، كما تقدم ، حيلة مشهورة في مخططات المركز ، أوحى بوسواسها إلى عملائه في الأطراف ولو مكرا باسم التجديد ! ، فحقيقة الأمر أنه تخريب وتعطيل ، بل ومحو لاسم الحق من الأرض ، ولو مجملا ، فضلا عن حكمه المفصل فذلك بداهة ما يقلم أظفار الطاغوت ، فإن الوحي يَنْتَزِعُ منه أسباب الطغيان أن يرد الأمر والنهي إلى الرحمن جل وعلا .
    فلن يحصل الصلاح في الأرض ، إلا أن يكون الوحي هو مصدر التشريع الأوحد في كل شأن ، في العقد والشعيرة والشريعة ، في الحكم والسياسة والحرب والاقتصاد والإعلام ...... إلخ ، فلا يجزئ أن يكون المصدر الأول وينازعه غيره ، فضلا أن يكون مصدرا من المصادر فهو يستوي مع غيره فضلا أن يؤخر فيكون الهوى أو الذوق أو العرف .... إلخ هو المقدم ، بل إن تجويز ذلك أن يُحْكَمَ بغيره فضلا أن يقدم عليه فضلا أن يعطل لأجله ، كل أولئك مما ينقض اسم الحق والإيمان أصلا وفرعا ! ، فلن يحصل الصلاح في الأرض إلا أن يَنْتَزِعَ الحقُّ منصب السيادة من الباطل فيصير الخاتم بيده ، فهو القانون العادل الذي يُنْصِفُ المظلوم فلا يَنْتَصِرُ للظالم ، كما هي الحال في القانون الدولي العام الذي يهيمن على مقادير الأمم في هذه الأعصار التي نُحِّيَ فيها الوحي فهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، قانون الأقوياء ، فقد وضعه من بيده أسباب القوة والهيمنة ليحفظ مكاسبه ويسوع لنفسه انتهاك حقوق غيره واستلابها إما طوعا بأسباب المكر ، أو كرها بأسباب القهر ، ولكل وسائله الناعمة والصلبة في صياغة القوانين التي تحفظ حظوظ النخبة التي تهيمن بما حازت من أسباب القوة ، فهي قوانين وضعها من يُتَّهَمُ في حكمه إذ يفتقر إلى الأسباب التي يجتهد في جمعها ، بحق أو بباطل ! ، فضلا عما يقع بين الأمم من التناقض الذي يفضي إلى التخاصم والتقاتل فيفسد أمر الكون ، فأين هذا من شرع الغني ، جل وعلا ، الذي لا يُتَهَّمُ اتهامَ البشر بالافتقار إلى الأسباب فهو الذي خلقها وأجرى سَنَنَهَا فلا يتهم بالافتقار إليها بداهة ، وأين هذا من شرع الواحد فلا شريك له ولا منازع فاستقام أمر الدنيا بأمر تكوين واحد ، فذلك التمانع في الربوبية ، فلا يستقيم أمر الدين في المقابل إلا بأمر تشريع واحد ، فذلك التمانع في الألوهية ، فـ : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) ، وهما مما يتلازمان على ما تقدم مرارا من التلازم الوثيق بين توحيد الربوبية علما وتصورا ، وتوحيد الألوهية تصديقا وامتثالا .

    وسنة الله ، جل وعلا ، جارية محكمة لا تجامل أحدا ، فإنه ليس بين الله ، جل وعلا ، والناس نسب ، كما ترى من أقوال لا ينقضي منها العجب فبلادنا محفوظة وأهلها أولياء صالحون ! ، وكلٌ يزعم في بلاده هذا الزعم وإن كان أهلها أظلم الناس وأكثرهم عصيانا ! ، فكل بلد عند أهلها نوع آخر ! ، وإن كان الشرع مبدل والظلم فاشيا ، ولكن الله ، مع ذلك يحفظها ! ولا يدري الناظر لم وكيف ؟! ، وهل ثم ما يقضي بالخروج عن سنن الكون فإذا كثر الخبث حصل الإهلاك العام وبعث كل على ما قد كان منه ، وذلك سنن لا يتبدل محاباةً لأحد شاء من شاء وأبى من أبى .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 37095

    الكنية أو اللقب : ابو يوسف

    الجنس : ذكر

    البلد
    الجوف

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : دعوة

    معلومات أخرى

    التقويم : 156

    الوسام: ۩
    تاريخ التسجيل15/1/2011

    آخر نشاط:03-03-2019
    الساعة:12:57 PM

    المشاركات
    2,537

    بارك الله فيك ..

    والناظر في حال الدول الاسلامية لا يكاد يجد أو يرى أثرا للعلماء الربانيين على أولئك الحكام .. ولا يعني هذا أن ثمة تقصير من العلماء .. لكن هؤلاء الحكام لا يستجيبون إما أنهم لا يملكون من الأمر شيء أو أنها فسدت اراداتهم فلا يرون إلا ما يرى العدو .. بل أن الشعب صار هو عدوهم الأول والعدو الأصلي هو الصديق .. ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
    فليس ثمة إلا الصبر والعمل وفق المتاح .. حتى نعذر لأنفسنا أمام الله جل وعلا

    التعديل الأخير من قِبَل الرماحي ; 11-08-2016 في 09:36 AM
    ليـس الجمال بمئزرٍ ** فاعـلـم وإن ردّيت بُردا
    إنَّ الجمـال معـادنٌ ** ومناقـبٌ أورثن حـمـدا

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •