اعرض النتائج 1 من 13 إلى 13

الموضوع: قراءة جمالية في قصيدة (صلاة شوق) للشاعر العمري

  1. #1
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:09:48 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7

    قراءة جمالية في قصيدة (صلاة شوق) للشاعر العمري

    صلاة شوق

    نَجْوَى ابْتِسَامَةِ رُوحِكِ الحَزْنَى=دَلَجَتْ جَهَنَّمَ مُهْجَتِي عَدْنَا أَرْنُو وَجَفْنُ الْعَيْنِ زَوْرَقُ وَامِقٍ=يَخْشَى النَّجَاةَ مِنَ الَّذِي يَعْنَى
    وَعَلَى بِسَاطِ السُّهْدِ يَفْتَرِشُ الْمُنَى=لَيْلٌ لِبَهْجَةِ بَدْرِهِ حَنَّا
    فِي الْفَضْلِ صَوْمَعَةُ الْحَيَاءِ لِنَاسِكٍ=يَا مَنْ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ تُكْنَى
    نَفَشَتْ نِعَاجُ رَصِينِ فِكْرِكِ فِي النُّهَى=فَفَتَنْتِنِي دَاوُودَكِ الْمُضْنَى
    مَا حَلَّ طَيْفُ الشَّوْقِ إِلَّا بِالرِّضَا=أَثْنَى عَلَيْكِ الذَّوْقُ مَا اسْتَثْنَى
    بَشَّرْتُ يَعْقُوبَ الْحَنِينِ وَسِرْتُ فِي=دَرْبِ الْأَنِينِ لِيُوسُفِ الْمَعْنَى
    لَا جُبَّ يدَّلِجُ الرَّجَاءَ وَلَا صَدَى=يُنْجِي النِّدَاءَ وَلَا جَوًى يُجْنَى
    ضَاقَتْ عَلَيْكِ الْأَرْضُ مِنْ هَرَفِ الْوَرَى=فَسَمَوْتِ يَا فَلَكِيَّةَ السُّكْنَى
    فِي سَفْحِ قَلْبِكِ جَنَّةٌ مِنْ نَرْجِسٍ=وَعَلَى لِسَانِكِ عَنْدَلٌ غَنَّى
    وَلِحُرِّ رَأْيِكِ هَامَةٌ وَلِبَدْرِ رُو=حِكِ هَالَةٌ قَدْ ضَمَّتِ الْكَوْنَا
    خَفَرَتْ مَهَابَتُكِ الشَّغَافَ فَلَمْ تَزَلْ=تُقْصِي اللَّطَافَةَ كُلَّمَا أَدْنَى
    لَمْ تُبْقِ لِي إِلَّا الْتِفَاتَةَ خَاطِرٍ=لَأْدُسُّنِي فِي اللَّحْظَةِ الوَسْنَى
    أَوْقَفْتُ تَحْنَانِي عَلَيْكِ كَأَنَّمَا=حَمَلَتْكِ رَحْمُ حُشَاشَتِي وَهْنَا
    وَفَزِعْتُ مِنْ نَفْسِي إِلَيْكِ كَأَنَّنِي=قَلَقٌ رَأَى فَلَقَ الرُّؤَى جِنَّا
    أَجْرَيْتُ نَهْرِي لِلْجَنُوبِ سَكِينَةً=وَنَسِيْتُنِي فِي الضَّفَّةِ الْيُمْنَى
    وَعَصَفْت بَالْقَيْسَينَ عَصْفَ مَنِ ارْتَقَى=بِالْحُبِّ لَا لَيْلَى وَلَا لُبْنَى
    فَالْحُبُّ أُصْدَقُ مَا يَكُونُ مَتَى نَمَى=لِلرُّوحِ قَبْلَ الْحُسْنِ وَالْحُسْنَى
    شَيَّدْتُ قَصْرَكِ فِي الضَّمِيرِ بَلَاطُهُ=إِثْمُ الْأَنَا وَبَرَاءَةُ الْمَغْنَى
    وَأَقَمْتُ مِحْرَابَ الْمُرُوءَةِ قِبْلَةً=لِصَلاةِ شَوْقٍ أُتْرِعَتْ حُزْنَا
    فَإِلَامَ تُجْفِلُكِ الرِّيَاحُ وَقَدْ قَضَتْ=أَلَّا تُقِيمَ لِطَائِرٍ وَزْنَا
    وَالشَّكُّ مِقْصَلَةُ الْفُؤَادِ فَأَيُّنَا=أَغْنَى الْوِدَادَ وَأَيُّنَا اسْتَغْنَى
    أَهْمِي بِدَمْعِكِ كُلَّمَا حَزَبَ الْأَسَى=وَأَهُشُّ هَمَّكِ كُلَّمَا هَنَّا
    سِيَّانِ يَا صِرْفَ النُّضَارِ عَلَى الْمَدَى=أَحْنَى عَلَيْكِ الصَّرْفُ أَمْ أَخْنَى
    لَا تَحْرُثِي الْأَحْزَانَ كُلُّ جدُوبَةٍ=تَعْنُو أَمَامَ سَحَابِكِ الْهَوْنَا
    أَوْ تَسْفَحِي اللَّحَظَاتِ كُلُّ هُنَيْهَةٍ=قَدَرٌ مَضَى وَالعُمْرُ لَا يَأْنَى
    عِبْئًا نَكُونُ عَلَى الْحَيَاةِ إِذَا انْطَوَى=عَنْ كَوْنِهِ مِنْ يَمْلِكُ الشَّأْنَا
    وَإِذَا تَخَاذَلَتِ الدُّرُوبُ عَنِ الْهُدَى=أَنَّى سَنَبْلُغُ مَجْدَنَا أَنَّى
    فَتَوَهَّجِي نَحْوَ الْمَجَرَّةِ نَجْمَةً=تَلِجُ الْمَجَالَ لِنَجْمِهَا الأَسْنَى
    لَا يَحْفَظُ الْإِنْسَانَ مِنْ فِتَنٍ سِوَى=وَطَنٌ بِكَفِّ مَحَبَّةٍ يُبْنَى
    وَالدَّهْرُ يَدَّخِرُ الْبَشَائِرَ فِي غَدٍ=لَوْ أَنَّنَا بِاللَّهِ آمَنَّا

    ما أكثر ما يكتب الشعراء عن المرأة !
    وعندما أقرأ (كامرأة ) شعرا لشاعر معاصر يخاطب امرأة ، سرعان ما تقودني قراءتي للتعمق في ما هو كامن وراء أسلوب الشاعر من تقييمه الإنساني لمخلوق استوطن ملكوت الشعر منذ أن دنا إليه خيال الشعراء ( المرأة ). فلا زلت أقرأ المرأة عيونا، ورموشا ،وخدودا ، وجيدا، وخصرا.
    ولازلت أقرأ العلاقة معها : شوقا وعشقا وسهدا وأسرا.
    ولست أمانع إن فعل ذلك الشعراء وهو ديدنهم وجهدهم.
    ولكنني يلفت انتباهي أن يرى شاعر امرأة رؤية شاعرية وجدانية غير ملتزمة بموروث الشعراء الرجال من كيفيات التقييم والتعبير .
    الشاعر الكبير الأستاذ د. سمير العمري يمتلك تلك الرؤية التي تستشف الداخل الأنثوي استشفافا لا يدعك تخرج عنه لتبحث عن الجسد بعد .
    وفي هذه القصيدة ( صلاة شوق ) يتلو علينا تعاليمه الوجدانية التي تفتح للشعراء مدرسة جديدة لفنية ابتثاق الخطاب الشاعري الوجداني للكائن الأنثوي الداخلي (المرأة ) دون المرور بحواجز الجسد المهيمنة .
    هي إذن قصيدة ذات رؤية متفردة . تمثل اختراقا للعرف التعبيري عند الشعراء الرجال.
    وسنلاحظ كيف أبدع الشاعر باللمس العميق والتصوير النافذ الدقيق لمعانيه المبتكرة التي ما راودت خيال شاعر سواه من قبل .
    بدءا من العنوان ( صلاة شوق ) نفسر تنكير الاسمين بوصفهما دلالة على عدم التعيين الذي يعني أن الشوق في حقيقته النفسية عند الشاعر هو الفطري غير المعين . وإن كانت المرأة المخاطبة معينة .
    فإذا كان الموصوف عموميا فهو نكرة " شوق " وتخصيصه ب"صلاة" اسم نكرة أيضا ،يطلق معنى الصلاة ليخرج اللفظة من حيز المدلول الديني إلى حيز المدلول المعنوي .
    ونفهم بهذا أن التعميم غرض للشاعر يفيض عن تجربة إنسانية شاعرية ، تمتهن الحكمة في توجيه رسالاتها .

    نَجْوَى ابْتِسَامَةِ رُوحِكِ الحَزْنَى=دَلَجَتْ جَهَنَّمَ مُهْجَتِي عَدْنَا

    يخاطب الشاعر امرأة .
    نجوى ابتسامة الروح الحزنى؛ المطلع لوحة تشكيلية لوجه امرأة مبتسمة . ابتسامتها حقيقية ،ﻷن الشاعر أضافها إلى الروح .وهي ابتسامة حزنى ، وفي الجمع بين ابتسامة الروح والحزن طباق معنوي يمزج شعورين متضادين بريشة تسحب المعنى من عمق الروح لتفرشه ابتسامة حية على وجه امرأة .
    فهنا دواعي الحيرة التي تذكرنا باضطراب اجتماع مشاعر متعددة في ابتسامة الموناليزا.
    "نجوى الابتسامة" تعبير بسيط عن صورة شعرية شفافة . فيها حركة الكلام الخفي الذي تبثه النجوى .وفي النجوى لا يقال إلا المهموس الخافت الذي لا يسمعه إلا القريب .
    يقول الشاعر : إن تلك النجوى من ابتسامة الروح الحزنى قد " دلجت جهنم مهجتي عدنا " . وفي معنى " دلج" لغويا : يحتمل بأنه " ولج " كما يتطلبه المعنى العام للفكرة ، فمما جاء في معجم ( لسان العرب ):
    في مادة"دلج"
    (( وولج فقلبت الواو تاء ثم قلبت دالا قال ابن سيده الدال فيها بدل من التاء عند سيبويه والتاء بدل من الواو عنده أيضا قال ابن سيده وإنما ذكرته في هذا المكان لغلبة الدال عليه وأنه غير مستعمل على الأصل قال جرير متخذا في ضعوات دولجا ويروى تولجا وقال العجاج واجتاب أدمان الفلاة الدولجا وفي حديث عمر أن رجلا أتاه فقال لقيتني امرأة أبايعها فأدخلتها الدولج الدولج المخدع وهو البيت الصغير داخل البيت الكبير قال وأصل الدولج وولج لأنه فوعل من ولج يلج إذا دخل فأبدلوا من التاء دالا فقالوا دولج وكل ما ولجت من كهف أو سرب فهو تولج ودولج ...)

    فالمعنى : أن نجوى ابتسامة الروح الحزنى قد ولجت إلى جهنم مهجة الشاعر كأنها جنة عدن. فهنا الجنة تدخل إلى جهنم. وليس ذاك عقابا للجنة . إنما ثوابا لجهنم.
    وكيف تدخل الجنة إلى جهنم القلب وما الذي يدخلها ؟!
    تدخلها نجوى تلك الابتسامة الحزينة التي استشفها الشاعر على وجه امرأة .
    وقد وقفت طويلا أتأمل في هذا المعنى المبتكر . وكيف تدخل الجنة إلى جهنم القلب عبر ابتسامة !
    فقرأت في معنى " جهنم المهجة " الحاجة النفسية للخلاص من عذاب روحي . وهو عذاب غير مرئي.
    وقرأت في المقابلة بين "إدلاج جنة عدن " في داخل "جهنم القلب" نوعا من التجريد التعبيري الذي يبقي جوهر أثر الابتسامة فهو "جنة عدن"، وجوهر العذاب النفسي فهو "جهنم مهجة".
    ومثل هذا الإطلاق للمعاني يمنح الشعر بوصفه فنا بعدا جماليا يجسد المطلق الإنساني في التجربة الفنية الإبداعية .
    يتبع بإذن الله..

    التعديل الأخير من قِبَل ثناء صالح ; 04-09-2016 في 05:14 PM

  2. #2
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:09:48 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7

    في كتابه ( الأسس الجمالية في النقد العربي ) يقول د. عز الدين اسماعيل : اللغة في الفن غاية في ذاتها ، في حين أنها في غيره وسيلة " . ومعنى ذلك أن مهارة الفنان ( الشاعر ) وذكاءه في إنتاجه الفني يتوقفان على علاقته باللغة التي يستخدمها.
    ونحن لن نعكف على إحصاء الخصائص اللغوية التي يتميز بها الأسلوب عند شاعرنا د. سمير العمري. ﻷن هذه قراءة جمالية اختيرت في الأصل لهدف محدد؛ وهو التركيز على استقراء اللغة التعبيرية التي يستخدمها الشاعر للتعبير عن الجمال المعنوي للمرأة منفردا عن غيره من الشعراء الحسيين .
    غير أن القراءة الجمالية في شعر الأستاذ د. سمير العمري لا يمكن لها إلا أن تمر بأسلوبه اللغوي الذي بات معروفا به ومميزا له لشدة تعلقه بفنون البلاغة والبيان . بحيث أنه لا يقدم تركيبا لغويا إلا بتلغيمه باحتمالات متعددة للمعنى .واحتمالات متعددة لتفسير الصورة الفنية نفسها . لذا فإن المعجم الشعري الخاص بشاعرنا قد بلغ حدا من الدقة في اختبار الألفاظ فرض على المتلقي المتذوق حاجة ماسة للتأمل . بالعودة إلى البيت الأول مثلا:
    نَجْوَى ابْتِسَامَةِ رُوحِكِ الحَزْنَى=دَلَجَتْ جَهَنَّمَ مُهْجَتِي عَدْنا
    يمكننا البحث في تعدد احتمالات المعنى في الصدر ، من خلال تركيب الإضافة الذي أضاف فيه الشاعر النجوى للابتسامة ، ثم إضافة ثانية (الابتسامة للروح) ، فهكذا أصبح للفظة " نجوى " احتمالان : الأول أنها نجوى الابتسامة . والثاني أنها نجوى الروح. وهناك ثلاثة احتمالات جاءت بها الصفة " الحزنى" فهل هي صفة النجوى ؟ أم صفة الابتسامة ؟ أم صفة الروح؟
    كذلك في العجز ، نقرأ تعدد الاحتمالات في لفظة الفعل " دلج " فهو فعل متعدد المعاني: ففضلا عما اخترناه من معناه باعتباره " ولج " ، يمكن لغيرنا أن يختار احتمال المعنى على أنه (ملء دلو الماء من البئر وإفراغه في الحوض) . ويكون احتمال المعنى في الصورة الفنية :
    إن نجوى ابتسامة روحك الحزنى قد ملأت الدلو من جنة عدن وأفرغته في جهنم مهجتي . ..
    عدا عن احتمال آخر للفعل " دلج " يأتي بمعنى السير ليلا. وقد يذهب خيال القارئ لهذا المعنى ثم يعود عنه بعد محاولة إسقاطه في مكانه من الصورة الفنية .
    إذن ، نحن أمام مفردات لينة طرية تشبه عجينة الصلصال يضعها الشاعر في يد المتلقي لتتحول تحولا سحريا إلى الصورة التي يتوقعها والتي تلائم تطلعات ذائقته الشخصية .
    وبهذا نعود إلى أهم مبادئ التشكيل الجمالي للصورة الفنية في الشعر وهو اختيار المفردات التي تسبب إدراكا حسيا مبهما أو غامضا بعض الشيء عند المتلقي. بسبب هذه التعددية في احتمالات معنى اللفظ الواحد .
    يتبع بإذن الله


  3. #3
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:09:48 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7

    أَرْنُـو وَجَفْـنُ الْعَـيْـنِ زَوْرَقُ وَامِــقٍ
    يَخْشَـى النَّجَـاةَ مِـنَ الَّــذِي يَعْـنَـى

    في البيت الثاني تظهر مقدرة الشاعر الفنان على التشكيل الجمالي ، بأبسط صياغة لغوية ممكنة لمفردات هي الأخرى بسيطة وسهلة ومتداولة . إلا أن الغعل الإبداعي أنتج منها مشهدا فنيا جماليا رائعا.
    الفعل " أرنو " كلمة واحدة لكنها ذات أبعاد فراغية في مدلولها المعنوي .تظهر لنا صورة فنية عامة وبسيطة، نرى فيها شخصا( هو الشاعر ) وقد وقف يديم النظر إلى بعيد ما .
    ثم تأتي الواو الحالية فتزيح هذه الصورة العامة سريعا ، وتستبدلها بلوحة تشكيلية ذات تفاصيل تمور بالجمال المعنوي حتى تكاد تنطق وتحيا. عبر عبارة شعرية طويلة " وجفن العين زورق وامق يخشى النجاة من الذي يعنى " ؛ تتمثل الخطوط الأساسية العريضة لهذه اللوحة التشكيلية بتشبيه بليغ هو ( جفن العين زورق ) ' فمن الواضح أن الشاعر قد اقتنص بملاحظته الدقيقة التشابه الشكلي بين الزورق و جفن العين من حيث التكوين المنحني ( الخط المقوس ) ليحوله إلى تشبيه بليغ. لكن الحدس الشاعري أدى إلى توسعة هذا التشبيه الأساسي في الصورة الفنية باستيراد متعلقاته ..فجفن العين يحمل العين ويحيط بها كما يحمل الزورق راكبه المبحر ويحيط به. وهكذا أصبح لدينا تشبيه ثان وهو (العين / راكب الزورق )
    والزورق لا يركبه أي راكب بل هو راكب وامق محب (هو عين الشاعر التي ترنو نحو ذاك البعيد ). ويصف الشاعر ذلك الوامق المبحر في زورقه بأنه " يخشى النجاة من الذي يعنى "، فخشية النجاة من زورق الوامق تعني أنه يسعى للغرق سعيا،وتوحي بنضال حركي للزورق ضد النجاة لا ضد الغرق.
    وخشية النجاة من الذي" يعنى "يطرح فيها الفعل " يعنى " احتمالات متعددة لمعانيه . فهو إما بمعنى " يأسر " وعندذاك يصبح المعنى :
    إن الوامق في زورقه يخشى النجاة ممن يأسره. فهو راض بكونه أسيرا.
    أو يكون بمعنى " يهتم" وهذا المعنى لا أحبذ أخذه .ﻷن خشية النجاة توحي بشدة تعلق أكبر من مجرد الاهتمام.
    ومهما يكن من أمر هذا التشكيل الجمالي الأخاذ في البيت كله. فإن متعة تذوقه الذي يحتاج إلى التأمل تدفعني للاعتراف باستحقاق الشاعر براءة اكتشاف وبراءة شاعرية على صورة شعرية احتضنت هذا الجمال بصياغة لغوية بسيطة لمفردات بسيطة بدورها.
    يتبع بإذن الله

    التعديل الأخير من قِبَل ثناء صالح ; 06-09-2016 في 07:14 PM

  4. #4
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:09:48 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7

    وَعَلَى بِسَاطِ السُّهْدِ يَفْتَرِشُ الْمُنَى=لَيْلٌ لِبَهْجَةِ بَدْرِهِ حَنَّا

    يتكون هيكل الصورة الشعرية في هذا البيت من ثلاث طبقات من اﻷعلى إلى الأسفل :
    1-طبقة الليل الذي يحن لبهجة بدره. فالليل علوي وخال من تلك البهجة دون بدره . ودلالة " حن " تخبرنا عن الحنين الفطري .فالحنين يكون للعهد ،أي لما كان أصلا معهودا. وليس للطارئ الجديد.وبما أن العلاقة بين الليل وبدره هي علاقة أصلية طبيعية فطرية وليست علاقة عابرة.فالحنين فيها للأصل الفطري.
    2-طبقة المنى التي افترشها الليل ليتمدد عليها. وهي تنبئ بما هو غير متوفر في الواقع. ف"المنى " خيال باتجاه الحلم وليس باتجاه المحفوظ في الذاكرة . ونوفق بين الحنين إلى المعهود والاتجاه إلى الحلم بأن المعهود هو المطلوب فطرة ليكون واقعا. وليس الواقع نفسه.
    3- طبقة السهد وهي البساط الذي حمل المنى ثم الليل .وهي الأرق الذي يمنع النوم بالقلق .
    نتأمل هذا التكوين البنيوي انتقالا من حالة السهد العام إلى ما يحمله السهد من التمني ثم الحنين . كأنه محاولة الشاعر لإحاطة ما يريد قوله بأغلفة تجعل المراد جوهرا مكنونا وتزيد من حاجة القارئ للتأمل والسعي للوصول إلى ذلك المكنون. فالمعنى أعمق من الرصف العادي للكلمات البسيطة .
    وفيما لو أجهرنا المعنى ببسط الكلمات، ﻷمكننا تلخيصه بأربع كلمات تصف حال الشاعر ( سهد ، تمني ، حنين للبهجة ) .
    غير أن الشاعر آثر بناء تشكيل فني يتمكن فيه من صناعة استعارة مكنية ذات اتجاهين ؛
    1- شبه الليل بالإنسان المسهد واستعار من الإنسان حاجته للافتراش وهو مستلق يكابد السهد كما استعار حنينه للبهجة .
    2- استعار من الليل بدره فشبه المرأة التي حن إليها ببدر الليل فكان حنينه إليها كحنين الليل إلى بهجة بدره والبدر جزء من الليل.
    ونخلص من هذا التشكيل الجمالي إلى مكانة المرأة التي كنى الشاعر عن حضورها ببهجة البدر.والشعور بالبهجة من قبل الليل الذي هو أصلا يحتوي البدر كجزء منه. ثم كل تلك الطبقات نوع من التأطير للفكرة الجوهرية التي هي الحنين للمرأة . أو للأصل الفطري في حضور المرأة عند الرجل / الشاعر . فالمرأة عند الشاعر ذات مكانة جوهرية عميقة لا ينبغي تقريبها للسطح . وإن الوصول إلى مثل هذه النتيجة في استقراء الجمال المعنوي للمرأة عند الشاعر كان هدفا لهذا التحليل.


    فِي الْفَضْلِ صَوْمَعَةُ الْحَيَاءِ لِنَاسِكٍ=يَا مَنْ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ تُكْنَى

    يصور الشاعر الشخصية الأنثوية الداخلية بكونها " ناسكا " فيصبح المضمون طاهرا متبتلا ومنقطعا إلى الزهد . وهي الصفات التي تستعار من الناسك. ثم إن الناسك يسكن في صومعته. وتكون الصومعة هكذا هي الجسد الأنثوي أو ( الخارجي الشكلي ) . ومفتاح هذا التمثيل البلاغي"صومعة الحياء لناسك " هو " الحياء " فبهذا المفتاح يلفت الشاعر الانتباه إلى ما يرغب في استقرائه والتركيز عليه في الجمال المعنوي الأنثوي . ومن المعروف أن الصفات التي يستخدمها الشعراء هي ما تقتنصه ملاحظتهم الانفعالية فيما يركزون عليه حواسهم.

    فِي الْفَضْلِ صَوْمَعَةُ الْحَيَاءِ لِنَاسِكٍ=يَا مَنْ بِكُلِّ فَضِيلَةٍ تُكْنَى

    " يا من بكل فضيلة تكنى " خطاب مدحي مباشر . يخرج الجملة الإسمية (أنت في الفضل صومعة الحياء لناسك ) إخراجا إخباريا يلقى كنوع من التلخيص لشأن الممدوحة في الفضل. فالشاعر يهمه الحديث عن مكانتها في الفضل أو الفضيلة .
    وتلك معاييره في تقييم الجمال المعنوي لها.
    وهكذا نشهد خروجا عن المألوف في الشعر (الرجالي ) في اعتبار المديح لا الغزل بعضا من أغراض الشاعر إذ يخاطب المرأة وهو قليل نادر عند الشعراء وإن لم يكن غائبا كليا.
    ولعل هذا المديح يوحي ببرودة مشاعر الشاعر تجاه المرأة الممدوحة، إذ ينبغي للقارئ أن يفكر بأن الشعور الأكثر توترا هو ما يطفو على ظاهر التعبير وأولويته عند الشعراء. فاللجوء للمديح لا للغزل قد يعني اتزان العاطفة وقدرة المشاعر على الوقوف حيادا. غير أن الرد على هذا الاحتمال يأتي بقول الشاعر

    نَفَشَتْ نِعَاجُ رَصِينِ فِكْرِكِ فِي النُّهَى=فَفَتَنْتِنِي دَاوُودَكِ الْمُضْنَى


    فهنا نرى افتتان (الشاعر /داوود ) بشيء مختلف وغير متوقع من أسباب الافتتان بالمرأة ، وهو رصين فكر المرأة .
    لذا فإن مدح الفكر يتحول إلى غزل عند الشاعر . ومن مدلولاته استخدامه الفعل " ففتنتني " و الصفة " المضنى " وهي صفات تحمل من شحنة الانفعال ما ينتمي لروح العشق والغزل ما يرد تهمة المديح بسبب الحياد العاطفي.
    وكي نقف على تحليل جميل لجماليات الصورة الشعرية في هذا البيت نعود ونذكر بحاجة القارئ لاستخدام ملكة التأمل الفني

    نَفَشَتْ نِعَاجُ رَصِينِ فِكْرِكِ فِي النُّهَى=فَفَتَنْتِنِي دَاوُودَكِ الْمُضْنَى

    التضمين من الآية الكريمة :
    "وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ". { 78/ الأنبياء } .

    يقول المفسرون في معنى مفردة (نفشت): " هي من مادّة (نفش) أي التفرّق والتبعثر في الليل، ولمّا كان تفرّق الأغنام في الليل، وفي المزرعة سيقترن بالتهام نباتها حتماً لذا قال البعض: إنّها الرّعي في الليل. و(نفش) تعني الأغنام التي تتفرّق في الليل " .
    فداوود - عليه السلام -كان قد فتن بحكمه في قضية النعاج التي دخلت الكرم فنفشت فيه.إذ حكم بإعطاء الأغنام إلى صاحب الزرع عوضا عما أتلف من زرعه. دون أن يحكم بتعويض صاحب الأغنام خسارته ﻷغنامه وفقا لهذا الحكم.
    فكانت هذه فتنة ﻷنها حيرت داوود - عليه السلام - واختبرته في قضائه وحكمه.
    وشاعرنا يستعير من هذه القصة القرآنية حدث " الفتنة " في تقمصه لدور النبي داوود - عليه السلام - فيقول : إنه بسبب ما أحدثته نعاج الفكر الرصين من النفش في النهى قد أصبح مفتتنا في حكمه . فهو " داوودك المضنى ﻷنك سبب افتتانه.
    وتشبيه فعل الفكر الرصين بالنهى بفعل الأغنام إذ ترعى في الكرم تشبيه ضمني يقابل بين حركة الأفكار في تفاعلها وإتيانها على ما وجد في النهى من قبل.بحركة الأغنام التي ترعى دون مسؤولية فتأتي على ما في الكرم من نبات. وهذا كناية عن التأثر بفاعلية الفكر الرصين عند المرأة .
    فيصبح الآن للمرأة قوة تأثير فكرية ينتج عنها " داوودك المضنى " .
    وقد أحسن الشاعر بقوة بيانه في إضافة الاسم " داوود " إلى كاف الخطاب ، فدلل على أنه يتحدث عن تشبيه مخصص غير مطلق .فهو داوودها هي من حيث تعرضه للتأثر بالفكر وخضوعه للافتتان فقط .وليس من حيث التطابق بين شخص وصفات داوود - عليه السلام - مع شخصه وصفاته هو ذلك التطابق المطلق.
    أما بناء البيت لغويا فقد جاء في غاية التكثيف والاختزال مستبعدا أي حشو في تضمين قصة قرآنية عميقة المضمون متفرعة الهيئة على سبيل التناص الجزئي والمعنوي .ولم يحتج الشاعر أكثر من سبع كلمات(نفشت نعاج رصين فكرك في النهى ففتنتني ) ،فكان أسلوب الإضافة المتكررة ثلاث مرات سر هذا الاختزال الإبداعي الذي قال كل شيء بإسنادين اثنين فقط (نفشت )و(فتنتني ).
    وأما البدل " داوودك" فهو تقديم الشاعر لنفسه بعد أن تعرض للفتنة ليكون تأكيدا على ما تعرض إليه من سبب الفتنة .

    جماليا: أدى التناص وظيفته الجمالية الإسقاطية من جهة واحدة فقط في رأيي.فافتتان داوود /الشاعر .جميل ﻷنه رفع قدر الشاعر بتشبيهه بما هو أعلى منه مقاما.
    أما تشبيه رصين الفكر بالنعاج التي نفشت فقد أخل بمبدأ تشبيه الأدنى بالأعلى ، إذ الفكر الرصين أعلى من النعاج . فلا يجمل تشبيهه بها . إلا إن قرأنا التشبيه على أنه الاستسلام من النهى عند الشاعر لتأثير الفكر الرصين فيه.فهنا التشبيه بين أثر الفكر وأثر النعاج. ووجه الشبه هو" النفش" . ويزيد هذا من جمالية الانفعال وجمالية معنى الإسقاط .
    يتبع بإذن الله


  5. #5
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:09:48 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7


    بَشَّرْتُ يَعْقُوبَ الْحَنِينِ وَسِرْتُ فِي=دَرْبِ الْأَنِينِ لِيُوسُفِ الْمَعْنَى

    نقرأ الصورة الفنية جماليا في هذا البيت من بنائه الفني في مستويات المعنى و البلاغة والبيان:
    بلاغيا ومعنويا : " يعقوب الحنين" كناية عن نسبة ؛ فالشاعر ينسب لنفسه الصبر على الفراق والرجاء باللقاء. وكنى عن ذلك بذكر "يعقوب الذي عرف عنه الحنين لولده مع الصبر الجميل والرجاء بلقائه " . والشاعر إذ يبشر "يعقوب" إنما يبشر نفسه في ذلك الجانب الذي يتمثل فيه حنين يعقوب .
    على أن الشاعر قد عاكس ما بشر به آنفا بسلوكه اتجاها يبعده عن تحقيق البشارة ؛ إذ أعقب البشارة بسيره في درب الأنين ليوسف المعنى . ودرب الأنين هو اختيار الابتعاد وما يلزمه من المشقة أو العذاب . وفي القصة القرآنية التي تطل بنوع من التناص المعنوي، تعيدنا عبارة " درب الأنين ليوسف المعنى "إلى ذلك الدرب الذي كان مقدرا ليوسف النبي - عليه السلام - أن يسلكه. ولم يغن عن سيره فيه أن بشارته كان مكتوبا لها أن تتحقق يوما .
    ونلاحظ أن الشاعر قد وظف رمزه " يوسف " توظيفا مزدوجا في آن واحد ؛ فهو يوسف الذي سلك درب الأنين من جهة فراقه أبيه يعقوب ، وهو " يوسف المعنى " من جهة جماله.
    و"يوسف المعنى" كناية أخرى عن الجمال . ولكنه على أية حال جمال معنوي يتحقق بالسير عكسا .
    ومن الواضح أن التوظيف المزدوج للرمز لم يسء إلى وضوح المعنى ، وإنما زاده تعميقا وتفريعا . فالرمز المعروف تماما عند المتلقي لا يشتت ذهنه في البحث عن المغزى المراد، بل يزيده اطمئنانا إلى أنه قد بلغ المعنى المطلوب .
    بيانيا : يستخدم الشاعر كعادته ألفاظ الجناس والطباق المتعددة ليشكل مقابلة بيانية ترصع بيته بأجراس متناغمة على تضادها وتجانسها متجاوبة ما بين الصدر والعجز . وما بين المعنى وعكسه.
    وهذا من أسرار الصنعة التي وصلت عند الأستاذ د. سمير العمري مرحلة من الصقل والتطور أصبحت فيها طبيعة عفوية لا تشعر القارئ لا بالتكلف ولا بالاجتلاب. بل على العكس تماما فإن القارئ يشعر بضرورة تلك الألفاظ بحد ذاتها بحيث أن سواها لا يملأ فراغ حذفها أو استبدالها.
    وفي هذا البيت
    بَشَّرْتُ يَعْقُوبَ الْحَنِينِ وَسِرْتُ فِي=دَرْبِ الْأَنِينِ لِيُوسُفِ الْمَعْنَى
    الفعل "بشرت " ضده في المعنى "سرت في درب الأنين ". فهذا طباق معنوي.
    مع تجاوب سجعي متبادل بين أجراس الجناس الناقص بين (بشرت وسرت) و( الحنين والأنين) .
    أما تركيبا "يعقوب الحنين "و"يوسف المعنى" فالتجاوب بينهما بلاغي ومعنوي . ويتم عبر التناغم المعنوي الذي يحدثه وقع الاسمين يعقوب ثم يليه يوسف كل بما يخصه.
    والخلاصة : تشكيل فني جميل ذو مداخل متعددة هيمنت عليه العاطفة المترددة ما بين انفعالات عميقة ومتقلبة فزادته تألقا شعريا حيويا .


    لَا جُبَّ يدَّلِجُ الرَّجَاءَ وَلَا صَدَى=يُنْجِي النِّدَاءَ وَلَا جَوًى يُجْنَى


    استكمالا لمستلزمات الرمز " يوسف" في قصته القرآنية يبحث الشاعر عن " الجب " كي يدلج الرجاء منه. أي كي يملأ الدلو مما هو كائن في الجب. وليس في الجب إلا يوسف ورجاؤه بالخروج من المحنة . غير أن الجب نفسه غائب هنا . "فلا جب يدلج الرجاء " وإذن فإن النداء سيبقى ضعيفا دون صدى يردده ويضخمه. وهكذا لن ينجو النداء من الاضمحلال والتلاشي حيث لا استجابة من تلك المرأة تتحول إلى "جوى " يجنيه الشاعر .
    مشاعر الخيبة واليأس تتردد وتتكرر في البيت مع تقسيمه البياني : لا جب يدلج الرجاء / ولا صدى ينجي النداء / ولا جوى يجنى .
    هذا التكرار الذي يطال التركيب اللغوي و يطال المعنى نفسه هو التناسب الذي قال عنه أفلاطون إنه يمثل مع " الوزن " عنصري الجمال.


    يتبع بإذن الله


  6. #6
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:09:48 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7


    ضَاقَتْ عَلَيْكِ الْأَرْضُ مِنْ هَرَفِ الْوَرَى=فَسَمَوْتِ يَا فَلَكِيَّةَ السكنى

    جاء في (لسان العرب) في مادة هرف :
    "هرف : الهرف : مجاوزة القدر في الثناء والمدح والإطناب في ذلك حتى كأنه يهدر ......
    وفي التهذيب : الهرف شبه الهذيان من الإعجاب بالشيء . يقال : هو يهرف بفلان نهاره كله هرفا . "
    يقول الشاعر : ضَاقَتْ عَلَيْكِ الْأَرْضُ مِنْ هَرَفِ الْوَرَى ؛ الأرض تضيق عليها من هذيان الناس حولها ولغوهم. ولا تجد لنفسها مكانا بين الذي يهرفون تطمئن إليه وتسكن . فتسمو عن ذلك بانسحابها من الأرض إلى أفلاك السماء تتخذها سكنا .
    لا أحسب أن شاعرا قد طرق هذا المعنى من قبل في تصوير دواخل شخصية امرأة .
    فنجد التفاتا عن المعهود العام في تقييم الرجل للمرأة . والمعهود أن المرأة تحب الثرثرة . وهذه نكتة الرجل عن المرأة .

    فِي سَفْحِ قَلْبِكِ جَنَّةٌ مِنْ نَرْجِسٍ=وَعَلَى لِسَانِكِ عَنْدَلٌ غَنَّى

    السفح من أقسام الجبل. وإذا كان القلب جبلا فالتربع على قمته أو على عرشه يقتضي الصعود إليه صعودا. غير أن هذا الصعود سيبدأ من السفح بالمرور بجنة النرجس . والنرجس كما هو معلوم رمز لعشق النفس .فيكون المعنى أن من يرغب بالوصول إلى مبتغاه من قلبك فعليه أن يصعد صعودا وعليه أن يتجاوز اعتزازك أو( اغترارك) بنفسك .فأنت امرأة تغلو في شأن نفسها حد عشق النفس. غير أن هذا الاغترار النرجسي جنة من الجنان.ولن يكون المرور بالجنة أمرا مزعجا . فالشاعر لا يستنكر ذلك الاعتزاز بالنفس إنما يباركه بوصفه " جنة من نرجس " .وأيضا ،لم أر شاعرا بارك (الغرور) الأنثوي الغريزي ولفت النظر إلى جماله إلا الآن.

    فِي سَفْحِ قَلْبِكِ جَنَّةٌ مِنْ نَرْجِسٍ=وَعَلَى لِسَانِكِ عَنْدَلٌ غَنَّى

    أما عن " العندل" فقد جاء في (المعجم الوسيط): "
    العَنْدَل طائر صغير الجثة، سريع الحركة، كثير الألحان، يسكن البساتين، ويظهر في أيام الرَّبيع. ( ج ) عَنادِل. "
    وفي ( لسان العرب ) جاء في أصل كلمة " العندليب " العَنْدَلِيب طائر أَصغر من العصفور قال ابن الأَعرابي هو البُلْبُل وقال الجوهري هو الهَزَار و قال لأَزهري وجعَلْتُه رُباعيًّا لأَن أَصله العَنْدَل ثم مُدَّ بياء وكُسِعت بلام مكررة ثم قُلِبت باء وأَنشد لبعض شعراء غَنِيّ والعَنْدَلِيلُ إِذا زَقَا في جَنَّةٍ خيْرٌ وأَحْسَنُ من زُقاءِ الدُّخَّل والجمع العَنَادِل قال الجوهري وهو محذوف منه لأَن كل اسم جاوز أَربعة أَحرف ولم يكن الرابع من حروف المد واللين فإِنه يُرَدُّ إِلى الرُّباعي
    . فالعندل هو الأصل الرباعي لكلمة العندليب من كما هو من أسماء البلبل.
    وثمة معنى آخر للفظة "العندل" جاء في المعاجم و هو " البعير ضخم الرأس " . فاختيار كلمة " عندل " قد يثير جدلا حول معناها . فلماذا لم يختر الشاعر لفظة " بلبل " لتحل محل " عندل " وهي على الوزن نفسه وبالمعنى نفسه ؟
    أقدم جوابي عن هذا السؤال جماليا بتحليل البنية الصوتية أو الجرس الذي يحدثه لفظ " عندل " وهو في مكانه بين كلمتين كل منهما تنضوي على حرف النون (لسانك وغنى ).

    فِي سَفْحِ قَلْبِكِ جَنَّةٌ مِنْ نَرْجِسٍ=وَعَلَى لِسَانِكِ عَنْدَلٌ غَنَّى
    فالانسجام الصوتي بين الكلمات المتوالية harmony أو ما يسمى بالموسيقا الداخلية يتحقق مع كلمة تضم ثلاثة حروف متجانسة المخارج (بينية متوسطة الشدة )هي العين والنون واللام .أكثر من كلمة تضم حرف الباء ذي الوقع الانفجاري مكررا مرتين في كلمة " بلبل" .
    ولنلاحظ كيف نلفظ "وعلى لسانك عندل غنى "بانسجام وانسيابية تختلف عن لفظنا " وعلى لسانك بلبل غنى " الذي يشق فيه علينا بعد انسيابية لفظ " لسانك "تكرار ضغط نطق الباء الانفجارية (الباء من الحروف الشديدة ) مرتين متقاربتين زمنيا في كلمة واحدة " بلبل" . ثم ليحدث انزلاق مفاجئ مع نطق حرف رخو (الغين )وحرف بيني متوسط الشدة (النون )في " غنى" فالشاعر يحتاط لهذا التفاوت الصوتي في الأجراس احتياطا ذا أهمية كبيرة في العجز كونه يصور صوت تلك المرأة ويشبهه بصوت العندليب. فاختيار الألفاظ الذي يحقق هذا الغرض بطريقة مثلى مطلب فني مهم وفي وقته المناسب.
    يتبع بإذن الله


  7. #7
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:09:48 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7

    وَلِحُرِّ رَأْيِكِ هَامَةٌ وَلِبَدْرِ رُو=حِكِ هَالَةٌ قَدْ ضَمَّتِ الْكَوْنَا

    حسن تقسيم على مستويين :
    1- مستوى الجمل والتراكيب : ( وَلِحُرِّ رَأْيِكِ هَامَةٌ )/ (وَلِبَدْرِ رُوحِكِ هَالَة)
    2-مستوى الألفاظ (وَلِحُرِّ / وَلِبَدْرِ) (رَأْيِكِ / رُوحِكِ) (هَامَةٌ / هَالَةٌ) .
    يضر حسن التقسيم بالمعنى إذا كان متكلفا . لكننا نستقصي ذلك في مطابقة المفردات مع المعاني المطلوبة منها. فنكتشف التناسب المعنوي مقسما على قدر التوازن الصرفي.
    التحليل المعنوي لجملة ( وَلِحُرِّ رَأْيِكِ هَامَةٌ ) :
    الرأي تناسبه الحرية كصفة .ويناسبه ( الهامة /الرأس) كمنبع و مصدر.
    والمعنى :أن لتلك المرأة رأيا حرا لا تتبع به أحدا على سبيل التقليد أو المداهنة ، بل هو نابع من رأسها. ويمكن في معنى ( وَلِحُرِّ رَأْيِكِ هَامَةٌ ) القول: إنها تترأس برأيها.وذلك باعتبار الرأس مكانة يبلغها الرأي الحر .
    والصياغة مباشرة .انحازت نحو قوة المعنى عن التصوير الفني الشاعري .
    أما جملة (وَلِبَدْرِ رُوحِكِ هَالَة قَدْ ضَمَّتِ الْكَوْنَا ) : فقد محا فيها الشاعر ما كان من أثر حدة المباشرة برسم اللوحة الفنية بدرا تحيط به هالة من ألوان الضوء تتسع وتتسع حتى تضم الكون كاملا .ثم أوعز أن البدر هنا هو روح تلك المرأة . فرفع بهذه الصورة الشعرية الرائعة مستوى الشاعرية في البيت وأعاده إلى نصابه.

    خَفَرَتْ مَهَابَتُكِ الشَّغَافَ فَلَمْ تَزَلْ=تُقْصِي اللَّطَافَةَ كُلَّمَا أَدْنَى


    لتلك المرأة مهابة يشعر بها الشاعر شعورا عميقا. بحيث أنها وصلت إلى حد خفرت فيه شغاف قلبه . وخفرت هنا بمعنى (حرست وراقبت )مستعيرا الشاعر المعنى من عمل الخفر أو الشرطة إذ يحرسون ويراقبون.
    فالمهابة وقفت على شغاف القلب رقيبا (خارج القلب) تمنع القلب من إظهار اللطافة وإدنائها. بمعنى أنها تمنعه من التقرب أوالتودد إليها.فكلما أدنى إليها شيئا من اللطافة أقصته وأبعدته مهابتها.
    فهذا صراع نفسي بين الرغبة في التودد وعدم الاجتراء عليه. جسده الشاعر جماليا بتعبير اتسم بالحيوية. والحيوية - في رأيي- أقوى عناصر الجمال تأثيرا في المتلقي.ﻷن مفهوم الجميل نفسه يلتقي مع مفهوم الحيوي من حيث القدرة على إحداث الأثر التفاعلي المتبادل.
    ولنحلل الآن هذه الصياغة اللغوية على مستوى الدلالة ،لنرى مرتكزاتها التعبيرية التي أحدثت فينا الدهشة الجمالية المطلوبة. وبماذا تمثل عنصر الحيوية الجمالية؟
    الفعل( خفر )فعل تفاعلي يتضمن زمنا ممتدا لتحقيق معناه : حرس وحمى وراقب وأمن: والدلالة المعنوية تتضمن التردد بين التوجس والحراسة . فالتردد" الحركة التفاعلية " داخل في الدلالة .
    الحارس الفاعل (مهابتك) : والمهابة ليست هي الخوف المكروه و المرفوض.بل هي حالة وسطى تتردد بين التعظيم والخشية.وهذا التردد القلق يضيف الحركة التفاعلية .
    المفعول به " الشغاف" رقيق ضعيف ويحاول تقريب اللطافة لكنه ما زال يتعرض للخفر وللمنع بإقصاء ما ييدنيه. و التفاعل الحركي المتردد بين الإدناء والإقصاء واضح.
    والتفاعل الحركي هو السر الدلالي الذي كان عاملا مشتركا بين الألفاظ التي شكلت الصورة الشعرية لغويا. هو الذي جسد عنصر الحيوية جماليا فيها. وليس ثم أمثل من هذا !

    التعديل الأخير من قِبَل ثناء صالح ; 10-09-2016 في 05:10 PM

  8. #8
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:09:48 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7

    في تقصينا لتشكيل الجمال المعنوي الذي يتخذه الشاعر غرضا بديلا عن الغزل المعهود ، عثرنا على ذلك المعنى الجميل الذي صاغه الشاعر ليعبر عن صراع نفسي عنده بين المحاولة والإحجام في قوله

    خَفَرَتْ مَهَابَتُـكِ الشَّغَـافَ فَلَـمْ تَـزَلْ
    تُقْـصِـي اللَّطَـافَـةَ كُـلَّـمَـا أَدْنَى

    وكان لابد من الإشارة إلى ما يتركه التضاد المعنوي في الطباق بين الفعلين "تقصي " و " أدنى " وتضادهما من حيث الجرس بين قوة القلقلة والصفير في قاف وصاد " تقصي " ورخاوة الهمس والليونة في دال ونون " أدنى " .
    ونسأل على سبيل البحث : هل تختار سليقة الشاعر الألفاظ تحت تأثير التضاد المعنوي بطريقة مختلفة عن اختيارها الألفاظ تحت تأثير الترادف والتجانس المعنوي ؟ سؤال للبحث في عفوية اتخاذ قرار الاختيار اللفظي عند الشعراء في لحظة الإبداع الشعري . ويحتاج جوابه إلى دراسات أسلوبية إحصائية .
    ثم نتابع مع الشاعر رسم تلك الصورة الفنية ليمدد أبعادها خارج البيت السابق فيقول :
    لَـمْ تُـبْـقِ لِــي إِلَّا الْتِفَـاتَـةَ خَـاطِـرٍ
    لَأْدُسُّنِـي فِــي اللَّحْـظَـةِ الوَسْـنَـى

    فيمثل تأثير المهابة تمثيلا تفاعليا دقيق الوصف . كيف يمتد تأثير المهابة عميقا في النفس البشرية حتى يمنع الشاعر نفسه من التفكير الإرادي فيها بتأثير مهابتها .ونستقرئ من دلالة تعبيره " لم تبق لي إلا التفاتة خاطر " أن التفاتة الخاطر هي التفكير العفوي الطارئ طروءا غير مقصود، إذ لا تدل الالتفاتة إلا على النظر الطارئ قصير الأمد . وهكذا التفاتة الخاطر عفوية طارئة . فمهابتها لم تبق له إلا هذه الالتفاتة الخاطرة.والتي يستغلها الشاعر أبرع استغلال بأن يدس نفسه في لحظة هذه الالتفاتة التي تحين وقت نعاسه ودخوله في حالة النوم عسى أن يحلم بها دون رقيب من نفسه ممتثل لمهابتها.
    هذا الوصف النفسي الدقيق اختصره الشاعر في مفردات البيت التي ربطها بوشائج معنوية تكاد تخفى عن النظر لولا تأملها في سياقها الذي يشف عن تلك الوشائج شفا جماليا قوامه الدلالات اللغوية فقوله " لم تبق لي " الضمير الغائب يعود على المهابة . والمهابة لم تبق له إلا التفاتة خاطر .
    وقوله " ﻷدسني " اللام لام التعليل التي يفسر بها الشاعر سبب دسه نفسه في اللحظة الوسنى . فالسبب أنها لم تبق له إلا تلك الالتفاتة .
    وﻷنها التفاتة خاطر فهي تطرأ وقت النعاس في اللحظة الوسنى . وهي لحظة الدخول في حرية الحلم.


  9. #9
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:09:48 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7

    أوْقَـفْـتُ تَحْنَـانِـي عَـلَـيْـكِ كَـأَنَّـمَـا
    حَمَلَـتْـكِ رَحْــمُ حُشَاشَـتِـي وَهْـنَــا

    في معنى " أوقفت تحناني عليك " يمكننا قراءة الفعل أوقفت بمعنى ( توقفت عن )، ويصبح المعنى : توقفت عن تحناني إليك بإرادتي. وهذا يتماشى مع ما ذهبنا إليه من معنى البيت السابق
    أو يمكننا قراءته بمعنى ( جعلت تحناني عليك أنت خاصة دون غيرك فكأن تحناني توقف عليك ) . وهذا يتماشى مع سياق المعنى في كامل البيت إذا يبرر الشاعر شدة تحنانه عليها بأنه شبيه الأم التي تحمل جنينها في أحشائها وهنا على وهن .
    فشبه حشاشته بأم ذات رحم تجن فيه جنينها وهي متعبة . فلذلك يكون لهذا الجنين نصيب كبير من حنانها عليه بعد ولادته. ولو أردنا ربط هذا البيت مع ما سبقه لبرز هذا التحنان سببا في الاستجابة للمهابة كنوع من الحرص والرعاية .
    ونحن هنا ندخل في مجال من دقة التعبير الحميم قل نظيره أو ربما انعدم عند الشعراء الرجال في وصفهم علاقاتهم مع النساء .

    وَفَزِعْـتُ مِـنْ نَفْسِـي إِلَيْـكِ كَأَنَّنِـي
    قَـلَـقٌ رَأَى فَـلَــقَ الـــرُّؤَى جِـنَّــا

    وَفَزِعْـتُ مِـنْ نَفْسِـي إِلَيْـكِ كَأَنَّنِـي قَـلَـقٌ رَأَى فَـلَــقَ الـــرُّؤَى جِـنَّــا

    علي أن أقرأ هذا البيت متصلا هكذا دون انقطاع بين شطريه. ذلك ﻷن تلك الفزعة من النفس إليها والتي تتحق إثر الحلم الكابوسي تفرض هذه السرعة في القراءة لتخيل كيفية الفزع من إنسان قلق " هو القلق بعينه " رأى الجن في حلم واضح . وكأن ما رآه ليس حلما بل هو فلق الرؤى؛ هو رؤيا حقيقية . فشفافية الفزع من الرؤيا إليها دلت على مكانتها ودلت على القلق أو الخوف من هواجس العلاقة بينهما . هذا القلق الذي يريد الشاعر الرجل تخليصها هي المرأة منه فيقول


  10. #10
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:09:48 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7

    فيقول :

    أَجْـرَيْـتُ نَـهْـرِي لِلْجَـنُـوبِ سَكِيـنَـةً
    وَنَسِيْتُـنِـي فِــي الضَّـفَّـةِ الْيُمْـنَـى

    فنهر السكينة يجري باتجاهها إلى الجنوب. وهو نهر من الشاعر يجريه بنفسه كي يصل إليها فتسكن نفسها ويهدأ قلقها . غير أن المفارقة في انتباه الشاعر إلى أنه هو الآخر محتاج لتلك السكينة . فهو يجري نهر السكينة إليها في الوقت الذي ينسى نفسه على الضفة الأخرى من النهر قلقا .
    وجماليات صورة النهر الجاري بضفتيه اليمنى واليسرى وبتشبيه السكينة بالمياه الجارية .فهي رقيقة منسابة تحمل الحياة معها.
    ونلاحظ كيف يعيد الشاعر استخدامه لضمير الملكية الشخصية ( ياء المتكلم ) متصلا بالفعل المضارع مرتين ( ﻷدسني ، ونسيتني ) فيوقع فعله على نفسه بوصفه مفعولا به. في دلالة على التحكم بنفسه أو اللاتحكم . وفي الفعلين نرى المفعول به معرضا للفعل تعرضا سلبيا يوحي بالاستسلام أو نكران الذات أو تحييدها. وهذا الخطاب عن النفس ليس بالأمر الجديد في مضمار التضحية في سبيل إرضاء المحبوب . والشاعر هنا لا يعبر عنه ذلك التعبير الصريح الذي يفعله الشعراء. لكنه يحوم حول المعنى ويعرض به دون التلويح به في وجه المتلقي . ومن هنا نفهم أننا أمام حالة تعبيرية راقية أراد لها الشاعر أن تتراءى بلمحات غير مركزة وبصفات غير كثيفة . و مع هذه اللغة التعبيرية الشبيهة بخيوط الدخان المتلاشية لن يتمكن من لمس المعاني إلا القارئ الذي أدرك المطلوب منه من حيث تتبع المعاني والتحديق في ألفاظها مليا. فلذلك يدل الشاعر قارئه على ذلك المستوى الانفعالي الراقي بوصفه هذا النوع من الحب بالبيتين

    وَعَصَفْت بَالْقَيْسَينَ عَصْفَ مَنِ ارْتَقَى
    بِـالْـحُــبِّ لَا لَـيْـلَــى وَلَا لُـبْــنَــى
    فَالْحُبُّ أُصْدَقُ مَا يَكُـونُ مَتَـى نَمَـى
    وَعَصَفْت بَالْقَيْسَينَ عَصْفَ مَنِ ارْتَقَى
    بِـالْـحُــبِّ لَا لَـيْـلَــى وَلَا لُـبْــنَــى

    فَالْحُبُّ أُصْدَقُ مَا يَكُـونُ مَتَـى نَمَـى
    لِلـرُّوحِ قَـبْـلَ الْحُـسْـنِ وَالْحُسْـنَـى

    العاصفة تحمل الشاعر صعودا وهو يرتقي في سماء الحب ارتفاعا، فيمر في أحد مستويات سماء الحب بالقيسين العذربين العاشقين (المجنونين )قيس بن الملوح وقيس بن ذريح ، وكلاهما معروفان بشدة الحب . غير أن الشاعر يعصف بهما عصفا في حركة ارتقائه العلوي ،وكأنه يقول لهما : لقد قصرتما الحب على حب الجسد الحسن و الخلق الحسن. وإنما الأصدق من ذلك أن يبدأ الحب بحب الروح المجردة عن الجسد والنفس وأخلاقها .
    والشاعر كأنما ينتقد بهذا البيت جملة الحب المشروط بشرط الجسد والنفس .فهو ليس بعشق وإن كان أسمى من العشق. ولربما رد عليه القيسان -رحمهما الله- ما يفاضل بين عشقهما وحبه لو كانا في قيد الحياة .
    غير أننا إذا تلمسنا المعنى الذي يذهب إليه الشاعر في ضوء مطلب المبالغة الفنية نقول : إن الشاعر ناجح تماما في إيجاد فرق معنوي يجعله يتفوق على القيسين ويعصف بهما . فالفرق بين مستوى (الجسد المتلبس للنفس) وهو مستواهما (القيسين). وبين مستوى الروح وهو مستواه واضح ولا شك.
    يتبع بإذن الله


  11. #11
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:09:48 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7

    شَيَّدْتُ قَصْـرَكِ فِـي الضَّمِيـرِ بَلَلاطُـهُ
    إثـــمُ الْأَنَـــا وَبَـــرَاءَةُ الْـمَـغْـنَـى

    "إثم الأنا " هو القاعدة والأرضية " البلاط " الأساس الذي شيد الشاعر فوقه قصرها في الضمير .وفي الضمير حيث تتم المحاكمات بين الاستحقاق وضده .تختبىء الأنا خلف كل رغبة بالاستحواذ . وهذا هو الإثم الذي تقابله براءة المغنى (المنزل ). إذ يصبح الاستحواذ منزلا يضم ساكنه ويغنيه . فإثم الأنا لا يتعدى كنه الرغبة بالاستحواذ وأصلها.وهو اعتراف من الشاعر بأمر النفس التي تطلب وتستزيد مما تريد . فيما يمثل " المغنى " الذي يغني ساكنه أصل وكنه الرغبة في العطاء .
    وهكذا يقيم الشاعر ميزان العدل في الضمير بين رغبته بأخذها أو الأخذ منها ورغبته بإعطائها ..
    صورة فنية متوغلة في الكثيف اللاشعوري من الذات الشاعرة . يرسمها الشاعر بخطوط (مجرد خطوط ) مضيئة ، على خلفية من التعتيم والغمو ض المقصود .

    شَيَّدْتُ قَصْـرَكِ فِـي الضَّمِيـرِ بَلَاطُـهُ
    إِ ثْـــمُ الْأَنَـــا وَبَـــرَاءَةُ الْـمَـغْـنَـى

    يلفت النظر في هذا التشكيل الجمالي قدرة الشاعر على اختيار ألفاظ البيت لتكون ذات دلالة تصلح لبناء هيكلي عام (خطوط عريضة واضحة ) للصورة الفنية دون تفاصيل زخرفية دقيقة .كما تصلح للتعتيم والغموض المقصود : في صدر البيت" شَيَّدْتُ قَصْـرَكِ فِـي الضَّمِيـرِ بَلَاطُـهُ" قصر مشيد في الضمير لامرأة. وهو ذو أرضية " بلاط " .الألفاظ وحدات البناء :الضمير : وفر المكان . القصر : وفر الفخامة وعلو المكانة إذ لا تشاد القصور إلا للملوك .بلاطه الإثم والبراءة : وفر الأرضية الغامضة للبناء. إثم وبراءة .خطوط عامة مضيئة تشير إلى وظيفة المكان الذي تم فيه البناء "الضمير "وتوحي بتأثير العمق الذي تمددت منه وهو العقل الباطن في هندسة مبنى الصورة !


  12. #12
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:09:48 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7

    وَ أَقَـمْـتُ مِـحْـرَابَ الْـمُـرُوءَةِ قِبْـلَـةً
    لِـصَــلاةِ شَـــوْقٍ أُتْـرِعَــتْ حُـزْنَــا

    في البيت السابق" شيدت قصرك "' . وفي هذا البيت " أقمت محراب المروءة قبلة لصلاة شوق "
    ربما كان المحراب في الضمير جزءا وركنا من البناء الأول " القصر المشيد " . وقد يكون محرابا للشاعر وحده بعيدا عنها . فهو محراب لصلاة الشوق. والشوق ينم عن البعد الحادث بين الشائق (هي ) والمشوق (هو ) .وأقمت - بالفعل الإرادي- محراب المروءة قبلة .
    حيث المحراب ليس مجرد مكان للتوجه في تلك الصلاة .إنه (محراب المروءة) وكأن بعض دوافع الشاعر ذات مغزى أخلاقي اجتماعي يفرضها ناموس أوعرف أو واجب يتطلب المروءة على سبيل رعاية الرجل للمرأة . المروءة مفردة تكتنز الانتماء والكرم والرجولة في دلالتها المعنوية .وأن ينسب المحراب للمروءة من قبل الشاعر فذلك للتنبيه إلى دور بطولي يتمثله في نفسه يزيل عنه وهم الخضوع الذي يوحيه مجمل المعنى من فعل الصلاة الذي يوحي بالخضوع. فحيث المحراب للمروءة لا تكون صلاة الشوق خضوعا، بل تكون رجولة و بذلا .
    غير أنها صلاة شوق أترعت حزنا. ولعل مبرر الحزن
    كامن في كونها صلاة شوق يستلزم القلق ومرادفاته من الحزن واللاسكينة من قبل الشاعر تجاه اللاستجابة من قبلها .
    والعناصر الجمالية في هذه الصورة الشعرية تنم عن الطابع الديني للتقييم القداسي عند الشاعر في نظرته للمرأة . فحين يشيد الشاعر قصرا للمرأة في ضميره (في البيت السابق) فهي عزيزة ورفيعة المقام . وحين يقيم محراب المروءة قبلة ليتصل بها عبر أشواقه فهي قداسية المقام. وتدل استعارة الألفاظ الدينية الإسلامية (محراب، قبلة ،صلاة ) كوحدات بناء للتعبير الانفعالي العميق عن الشوق المترع بالحزن عن نمط التقييم الجمالي المتماهي مع المكنون العقدي المتأصل عند الشاعر.
    وفي الحقيقة فإنني ألاحظ هذا الإسقاط التعبيري المتماهي مع المكنون العقدي كسمة من سمات التشكيل الفني للصورة الشعرية عند الشاعر الأستاذ د. سمير العمري في شعره عموما ،مهما تنوعت أغراضه. وليس في هذه القصيدة خصوصا.
    والقارئ المتابع له يستطيع أن يراهن على استخدام الرمز الديني مرارا وتكرارا في كل نص شعري له.
    وإذا كان الأمر كذلك فسنحكم بأن التقييم الجمالي للمرأة عند شاعرنا منسجم تماما مع نهجه الذاتي الخاص في تقييم كل مدلول جمالي على أساس منبثق من تقييمه العقدي كما لو كان فطرة وأصلا .
    غير أن شاعرنا يخالف غيره من الشعراء بعدم الخروج عن محيط الوصف الغزلي المنسجم مع طبيعة ذلك التقييم الجمالي .وذلك بقدرته على أن يسوق المعاني ويحشد الصور ليحاور في المرأة كيانا داخليا جماليا ممتلئا ومشبعا بحقيقة التصور الإنساني الذي يوجد حقا داخل المرأة .في حين يفضل الشعراء تجاهل ذلك الكيان الداخلي في محاورتهم لعناصر الشكل الخارجي فلا يتجاوزون إيحاءات الشهوة الجسدية التي يوحيها كل عنصر جمالي خارجي منبت ومنقطع عن الداخل الأنثوي /الإنساني .


  13. #13
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:09:48 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7

    فَـإِلَامَ تُجْفِلُـكِ الرِّيَـاحُ وَقَـدْ قَـضَـتْ
    أَلَّا تُـقِــيــمَ لِــطَــائِــرٍ وَزْنَــــــا

    لذا، وﻷن المحاورة مع الداخلي الأنثوي نجد الآن هذا الخطاب الذي يدرك فيه الشاعر موقفا إنسانيا أنثويا تجفل فيه المرأة من الرياح التي اعتادت أن تجفل منها في كناية عن الظروف الاجتماعية التي تؤثر في المرأة وتمنعها من المثابرة والإقدام. فالمرأة " طائر خفيف الوزن " طائر ينشد التحليق وهو مهدد بالرياح التي تجفله وتخيفه وتجعله يحجم عن الطيران.
    فَـإِلَامَ تُجْفِلُـكِ الرِّيَـاحُ وَقَـدْ قَـضَـتْ
    أَلَّا تُـقِــيــمَ لِــطَــائِــرٍ وَزْنَــــــا

    ذلك القضاء وذلك الحكم بأن لا يقام وزن للطائر .هو الاستهانة التي تعانيها كل أنثى أو كل امرأة محاصرة بخوفها ﻷنها أنثى .فإلام تجفلك الرياح؟ ويستحثها الشاعر على أن تصمد فلا تجفل . إذ لا ينبغي لها أن تجفل من رياح عاتية ظالمة .
    مثل هذا البيت أقرؤه كامرأة فأرغب بالبكاء .ﻷنه يستوعب بمفرداته معنى وجدانيا لا يطاله شاعر رجل فيما عهدناه في الشعر الذكوري.
    والصورة الشعرية هي الأولى من نوعها إذا اعتبرنا هذا المعنى الوجداني معيارا لها. ﻷن هذه الصورة تجعل الخارج متشحا بالانفعال الداخلي . فصورة طائر يطير في الرياح فيجفل منها وهي تقلبه في جوفها وتعيق حركته بسبب خفة وزنه التي تغريها بإفشال محاولاته بالتوازن والاستمرار. وهي تعيد ذلك كلما حاول الطيران من جديد .
    لننظر إلى طريقة التعبير في تساؤل الشاعر " إلا م"
    إن هذه ال "إلى م "اختصرت زمنا طويلا من مكابدة الرياح ومن رد فعل الخوف منها.
    ولننظر إلى الجملة " تجفلك " ودلالة الإجفال تختلف عن دلالة الإخافة بكون الإجفال يتضمن المباغتة والمفاجأة المقصودة في التخويف. فمن يجفل يجفل من الطوارئ المباغتة التي تواجهه دون سابق إنذار .
    وهنا نرى حركة الطائر المسكين الذي يفقد توازنه بعد أن علق في جوف الرياح التي تستخفه وتستهين بوزنه فيجفل ويجفل في كل مرة.
    الحركة والانفعال يمثلان عنصر "الحيوية " الذي أراه أروع عناصر التشكيل الجمالي .
    يتبع بإذن الله...


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •