العولمة ، اصطلاح فضفاض ، أراد منه المركز الحلو وَتَرَكَ للأطراف المر ، على عادة الغرب في الاسْتِئْثَارِ بالطيب ، فيجعلون للأطراف ما يكرهون ، فالمركز قد انتفع بعولمة الاقتصاد أن يهيمن بنظرياته وآلياته على أسواق العالم ، فهو ينتفع بالأطراف التي وضع يده على ثرواتها من المواد الخام ، وهو الذي يُسَوِّقُ بضاعته في أسواق الشرق ، فهذه بضاعتنا ردت إلينا ، ولكن بأضعاف ثمنها ! ، والمستهلك يدفع مختارا أو مضطرا ، منعما مرفها يتفنن في الكماليات ، أو مقتصدا يقتصر على الحاجيات وربما الضروريات ! ، وقد انتفع المركز بهذه العولمة أن يسيطر على مراكز صنع القرار في دول الأطراف فجاوز حدوده الجغرافية وَسَعَى في بسط نفوذه على الأطراف بشبكة معقدة من المصالح ، وانتفع بها ، أيضا ، أن كانت جواز مرور لثقافته وقيمه الأخلاقية والسياسية في زمن السماوات المفتوحة التي انتهكت فيها الخصوصيات الثقافية للأمم الأخرى ، فصار المركز هو مصنع السياسة وملهم الأخلاق والقيم وأنموذج الفكر والثقافة والفن ...... إلخ مما تصاغ به العقول ، فهو سقف العالم ونهاية الحضارة فليس على الأطراف إلا أن تحاول جاهدة ملامسة هذا السقف بالقفز على جميع قيمها ومبادئها فذلك شرط رئيس أن تَنَالَ الشرعية السياسية ، والأمم الأخرى مع حضارة كهذه في مأزق أي مأزق ! فهي حضارة لا تعرف إلا لغة القوة ، وهو اصطلاح فضفاض ، فَثَمَّ أمم اشتغلت بتحصيل أسباب القوة العسكرية لتقف في وجه هذا الزحف الأنجلوساكسوني ، كما صنع المعسكر الاشتراكي ، وثم أمم اشتغلت بتحصيل أسباب القوة الاقتصادية كالأمة الصينية ، والجميع يريد صد هذه الغارة الشعواء ، بل إن ثَمَّ نخبا في المركز الغربي لا تطيق هيمنة الأنجلوساكسون ، فالأمة اللاتينية الفرنسية تُبْدِي امتعاضا ، والأمة الآرية الألمانية تُبْدِي تحفظا ، بل إن الأنجلوساكسون في أنفسهم ليسوا على قلب رجل واحد فمن بريطانيا المحافظة المنغلقة إلى أمريكا التي تريد أن تبدو منفتحة وهي الآن تقترب أكثر من بريطانيا التي خرجت من الاتحاد الأوروبي لإحساسها بخطر داهم على هويتها ، والجميع يدافع وَيُنَاوِرُ إلا نخب السياسة في الشرق فهي ، أبدا ، قد ارتهنت نفسها عند المركز ، فليس لها مشروع خاص ، سواء أكان مستنده الوحي الذي عطِّل ، أم اللسان الذي أفسد ، أم السياسة والمصالح فقد فشلت في إيجاد أي عقد جامع ، وفشلت في إيجاد شرعية سياسية راسخة ، فسياستها تتراوح بين الانقلابات تارة ، وشراء السلم الاجتماعي بفائض الثروة أخرى ، فالدول الفقيرة دول الانقلابات ، والدول الغنية دول شراء الولاءات المحلية والإقليمية والدولية بفائض الثروة ، والجميع يستعمل العصا لمن عصى ! ، فقد اشتركت جميعا في تكريس مفهوم القمع والاستبداد الذي أصاب الشعوب بالإحباط فَرَاحَتْ تلتمس النصير في المركز ! ، جاهلة أو متجاهلة العلائق التاريخية بَيْنَ نخب الشرق الحاكمة ونظائرها في الغرب ، وهي علائق ظاهرها الشراكة ، وباطنها التبعية المطلقة ، فشريان الحياة السياسية يصدر من المركز فيضخ دماء الحياة في الأطراف ، فلولا المركز ما بقيت هذه الأنظمة ، وهو أمر كان بَيْنَ السطور فأصبح في مقال المرشح الأمريكي الفائز ، دونالد ترامب ، أصبح ظاهرا في سطور كلامه فلولا نحن ما بقيت دول الشرق التي لا تملك شيئا إلا المال فنحن من ندافع بلا ثمن ونحن من نحرر الأرض بلا مقابل ! ، والله يشهد إنه لكاذب فقد جنى المركز ثمار ذلك أن احتل مصادر الطاقة بعد أن وعى درس السبعينيات جيدا فكان قرار الرئيس الأمريكي الراحل جيرالد فورد بإنشاء مخازن النفط الاستراتيجية سنة 1975 ، وَالَّتِي تَكْفِي البلاد 84 يوما متصلة حال العجز عن استيراد النفط من الخارج فالعاقل لا يجعل نفسه رهنا عند آخر ! ، ثم كان التخطيط لحرب الخليج الأولى فالثانية ، تخطيطا دقيقا استنزف المنطقة وَقَطَّعَ أَوْصَالَهَا ، وأعطى الذرائع القوية للتدخل العسكري المباشر بحجة التحرير وليس إلا الاحتلال ثم الاستنزاف في ظل عجز الشرق أن يحل مشاكله بنفسه ! ، فهو ، أبدا ، يولي وجهه شطر المركز ، ولم يسلم التيار الإسلامي السياسي من هذه الجناية ، فهو ، أبدا ، ينتظر دعم المركز ! ، وهو الذي فرح بالأمس القريب أن صفحت لندن فأعطته صك البراءة من تهمة الإرهاب فحمدا لله جل وعلا ! ، وذلك إن دل على شيء فإنما يدل على حال من الإفلاس ، وأخطره الإفلاس الفكري أن صار منتهى السؤل الحصول على رضى المركز ، والتعهد ليل نهار بالالتزام بقيمه السياسية وما تحويه من قيم الأفكار ، وذلك الأخطر ، لأن العولمة حزمة إجراءات لا بد من تنفيذها جميعا ، وهامش المناورة مع المركز ضئيل لا سيما وهو الأقوى وخصمه لم يصل بعد إلى درجة نضج تجعله صاحب مشروع خاص يستمد شرعيته من ذاته لا من النظام الدولي ، فما الذي يميزه عن أنظمة الاستبداد التي تسعى هي الأخرى إلى استمداد الشرعية من النظام الدولي فهي تشتري ولاءه ، وثم قدر فارق بداهة ، ولكن جوهر الإشكال واحد ، أن يكون لك مشروع خاص قد يستفيد من تناقضات الخصوم ولكنه لا يجعلها أصلا ينطلق منه فهو يتابع معركة الانتخاب في المركز ويضع يده على قلبه رجاء أن يفوز عدو على آخر ! ، فلا يناله آخر الأمر إلا ما يسوء ! ، فهو يفاضل بين أنواع الأخذية التي سيقذف بها ! ، وما أشبه ما وقع البارحة بما كان أواخر الألفية الماضية 1999م لما فاز إيهود باراك وزير الدفاع الصهيوني وأحد صقور الحرب وإن خاض الانتخاب مرشحا لحزب الحمائم ! ، حزب العمل ، فتنكر في هيئة حمامة سلام وهو صقر حرب وسفاك دم جعل دعايته في الانتخاب صورته وهو يطأ عنق فلسطيني بحذائه العسكري وإن خاض الانتخابات في الزي المدني ! ، ويومها تعلقت به الآمال أنه الشريك الجديد في سلام الشجعان ، ذلك الاصطلاح المضحك الذي ابتدعه رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ، والذي أشبه حذاء سندريلَّا فقد طاف به على جميع الأقدام لعل قدما تدخل فيه ! ، فكان الاحتفاء بفوز إيهود باراك الذي فاجأ الجميع بلاءاته المشهورة التي أَتَتْ على عملية السلام المزعومة ، ولا عَزَاءَ لأصحاب العقول المخبولة ! ، ثم كان ما كان من أحداث الانتفاضة الثالثة سبتمبر 2000 ، وفيها تخلى إيهود باراك عن دبلوماسيته المرنة وأعاد اكتشاف نفسه ، مرة أخرى ، كمجرم حرب ! .
وهو ما جعل بعض المتابعين للانتخابات الأمريكية بالأمس ، يحبذ فوز المرشح الجمهوري الصادق ! ، على المرشحة الديمقراطية المنافقة ، فخطاب الجمهوريين أشد فجاجة ولكنه صادق ، وخطاب أوباما كان أرق بكثير من خطاب بوش الابن ، ولكنه كان أخطر وأشد مكرا ، وحواره الشهير مع مجلة "ذي أتلانتك" يكشف عن هذه الاستراتيجية الناعمة ، استراتيجية القاتل الصامت لا القاتل الصادم .

والمركز يثبت من جديد أنه عنصري بغيض يحمل جينات الرجل الأبيض ، ورب ضارة نافعة ، فإن هذا الطرح يميل إلى الانعزال والاستعلاء ، وهو أمر صادف هوى في بريطانيا وكان سببا رئيسا في خروجها من الاتحاد الأوروبي حفاظا على الهوية البريطانية ، وقد يحصل ذلك في أمريكا لا سيما والشرق الأوسط يعج بالمشاكل ، وعقلية رجل الأعمال لا تحبذ الاستثمار في مشروع فاشل إلا بقدر ما يحفظ الحد الأدنى من المصالح فلا مانع من تسليم هذا الملف الشائك لموسكو صاحبة الخبرة الأكبر لا سيما بعد انخراطها المباشر في نازلة الشام ، وإشكالية بعض العقول في الشرق أنها تظن أن ساسة الغرب ينامون وهم يفكرون كيف يحلون مشاكل الشرق ، وكأن أوباما ينام ويستيقظ وهو يفكر في هموم المصريين ! ، أو يضع الخطط والاستراتيجيات المحكمة ليحفظ أمن الخليج وتماسكة السياسي والاجتماعي أو هو قد صرف جل وقته ليتابع أحداث الصراع في بلاد الشام فيستعلم لحظة بلحظة أين وصلت المقاومة ؟! ، فالرجل ليس فاضي ، كما يقال عندنا في مصر ، فعنده ملفات أهم بكثير من هذه الملفات الفرعية في نظر السياسة الأمريكية .

فالعولمة ، محل الشاهد ، سلعة لها ثمن قد اقتضت السنة الربانية أن يدفع المركز جزءا منها بما يكون من التدافع والممانعة وهو ما ساهم في ازدهار اليمين العنصري في الغرب ، بل إن ماري لوبان ، التي ربما تصبح هي الأخرى رئيسة فرنسا ربيع العام القادم ! ، ترحب بهذا المرشح الصريح ! ، وتعتبر نجاحه انتصارا على العولمة المتوحشة ! التي باتت تهدد هوية المركز بأفواج اللاجئين والمهاجرين من الشاطئ الآخر ، وتلك كلمة تستحق التأمل ، فالمركز الذي ابتكر العولمة وجعلها جواز المرور إلى مصالحه هو الذي يشكو منها الآن ، فقد فتحت باب شر ! ، ومزاج المركز الآن ربما تَغَيَّرَ وصار يميل إلى مزيد من العزلة والانكفاء على الذات البيضاء العنصرية التي تشعر بالخطر ، ولعل الغرب يَحُدُّ شيئا ما من تدخله المباشر في الشرق ولن يكون ذلك إلا بثمن يدفعه ، وأما الشرق فعليه أن يستيقظ من أحلام التحالف الاستراتيجي والخطوط الحمراء في علائق لا تحكمها إلا المصالح فهي تَتَبَدَّلُ بسرعة لا سيما مع ديناميكية السياسة الدولية في هذه الآونة ، فالأنظمة العتيقة المستبدة في الشرق لا تفقه كثيرا هذا الأمر فالجمود قد أصاب العقول والسياسات ، ولم تسلم من ذلك التيارات الإسلامية فلا زالت هي الأخرى تولي وجهها شطر المركز طمعا أن ينصفها كما أنصفتها لندن بالأمس ! ، وبعض الأفاضل يتمنى من واشنطن حيث يقيم أن يكون لدينا في بلاد الشرق يوما ما منظومة قيم سياسية كمنظومة أمريكا فقد صارت ، كما تقدم ، الأنموذج الذي يحتذى وهي ليست ساذجة لتعطيك ما تطلب ، فهي تعطيك ما ترغب هي فقط ! ، ومن ينتظر الفرج من لندن أو واشنطن أن ترفع عنه الظلم كيف يرجو الفرج من الله ، جل وعلا ، فذلك من التناقض الْبَيِّنِ ، وإن كان ثم أسباب يجريها الرب ، جل وعلا ، أن يضرب الخصوم بعضهم ببعض فلا يحسن أن تكون هي المستند الأول فذلك يفضي لا محالة إلى الفشل المحقق الذي نَرَى آثاره الآن ظاهرة .

وإن لم يكن لك مشروع خاص فسنة التدافع تقضي أن تكون جزءا من مشروع غيرك شعرت أو لم تشعر ، فتلك سنة الرب ، جل وعلا ، في كونه .

وجميع الاختيارات السياسية في الغرب ، وإن اختلفت فهي كأحشاء البطن ، كما يقال عندنا في مصر ! ، فقد تَتَعَارَكُ ولكنها سرعان ما تَتَصَالَحُ على قيم مشتركة أبرزها الانطلاق من الذات ومناصبة العداء للوحي ، حجر الزاوية في مشاريع الإصلاح في الشرق المسلم ، بغض النظر عن فشل هذه المشاريع في فهم الإسلام فهما كاملا حتى الآن ! ، والانطلاق من الذات قد رَسَّخَ قِيَمَ الليبرالية الغربية بكافة أنواعها على وجه صير الجمع بينها وبين الوحي من المحال ، فالحرية في الوحي لا تكون إلا بخلع الطواغيت في العقد والشرع والسياسة وتسليم الأمر إلى الرسالة الخاتمة في كل دقيق وجليل ، والحرية في الليبرالية الغربية لا تكون إلا باتباع الهوى ونبذ الرسالة فغاية أمرها أن تكون هوية باهتة ، ومن عجب ، أن تتصدر هذه الهوية الباهتة كلام عابث لاه كدونالد ترامب فيعرف نفسه ، ابتداء ، أنه مسيحي محافظ ، مع أنه ماجن داعر ، ومن عجب آخر أن تَصْدُرَ توصيات سياسية تشارك في صياغتها تيارات إسلامية لا تشير إلى الإسلام ، ولو هوية ، وقد تشير إليه أخرى بعد الوطن والعروبة فهويتنا وطنية عربية ثم إسلامية ذرا للرماد في العيون ! ، فدونالد ترامب أشجع في طرحه من هذا الطرح الباهت الذي لما تَهْتَدِ بوصلته بعد إلى اتجاه الحق المحكم .

وبعض قوى الاستبداد في الشرق المسلم ترحب بترامب صاحب الكيمياء الخاصة مع بعض الجنرالات ، والطيور على أشكالها تقع ، وقوى استبداد أخرى تُبْدِي التحفظ ، مع أن الجميع مستبد ! ، ولكن المصالح قد تتعارض إلا في أمر واحد وهو الحفاظ على قيم الاستبداد ! ، وترسيخ أركان الملك ولو على خلاف الشرع بل والعقل في أحيان كثيرة ! .

وهذه الانتخابات قد أظهرت بعض طبائع الأمة الأمريكية فهي أمة تحب التغيير ، وتستحسن الجديد ولو فجا ، وثم تقارير لا تسعف الذاكرة في تحديد أرقامها بدقة ولكنها تشير إلى ارتفاع كبير في معدل تغيير الدين أكثر من مرة عند كثير من الأمريكيين وكأن الأمر نعال تلبس وتخلع ! ، فيسهل ذلك في عالم السياسة من باب أولى ، فتجد هذا التغيير المفاجئ من طرح بوش الابن العنيف الذي أشعل الحرائق في كل مكان استنادا إلى قيم الجناج المحافظ الجديد واليمين النصراني العريق وهو جناح أبيض في الجملة وإن ضم بعض العناصر السوداء كالوزيرة كوندوليزا رايس ورئيس الأركان السابق الجنرال كولين باول والذي تولى رئاسة الأركان إبان حرب الخليج الثانية في 91 وهو ما يفسر كيف صوت بعض السود لمرشح عنصري أبيض مثل ترامب ، فمن هذا الطرح الأبيض إلى رئيس أسود من أصول إفريقية وذلك ، كما يقول بعض المفكرين في الشرق ، أمر لن يحصل في أوروبا ولو بعد مائة عام فأوروبا ، وهي معدن الحضارة الغربية ، قارة محافظة على المستوى السياسي ففيها تجد من العنصرية ما لا تجد في أمريكا العنصرية جدا ! ، ومن ثم كانت المفاجأة الأخيرة فرجوع إلى الجناح الأبيض مرة أخرى ، ولا زال في جعبة أمريكا كثير من المفاجآت فهي ، كما تقدم ، أمة تحب التجديد ، وذلك أمر قد ينفع أهل الحق في دعوة مجتمع ديناميكي كالمجتمع الأمريكي وهو ما يفتقر إلى نمط معين من الدعاة يملك من رصيد الشرع وحجة العقل وطلاقة اللسان وثقافة الكون ما يخاطب به العقل الأمريكي المادي بامتياز .

وفي رصد لهذه الانتخابات نوه بعض المحللين بما كان من ظاهرة أخرى قد تفوت فلا يتأملها الناظر وهي ظاهرة المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز ، وهو يهودي ، وذلك أمر يثير التأمل لكونه من أقلية دينية مع أن اليهود ، عند التدبر والنظر ، هم الحكام الفعليون فنحو 90% من اقتصاد البلاد في أيديهم فهم يمسكون بعصب الحياة الأمريكية ذات الطابع المادي الرأسمالي الذي يمثل الدولار فيه ثابتا رئيسا ! ، وهو ، أي بيرني ساندرز ، يساري ، في مجتمع تغلب عليه النزعة الرأسمالية الليبرالية ومع ذلك حظي بتأييد كبير من طبقة الشباب التي تحب التغيير ولو انقلابا على قيم الأمة الأمريكية الرأسمالية ولعل ذلك من أبرز الأسباب التي أدت إلى خسارة المرشحة الديمقراطية الوزيرة كلينتون فكثير ممن ساند بيرني ساندرز قد عزف عن التصويت لها رغم تأييد ساندرز لها ، وهذا ملمح آخر من ديناميكية هذا المجتمع لا سيما طبقة الشباب وهي الطبقة الفاعلة الثائرة في أي مجتمع وهي التي يسهل عليها التغيير ما لا يسهل على الشيوخ ولو انقلابا على قيم الأمة ، وذلك أمر يعجب كثيرا ممن يشكون من استاتيكية الفكر تحت وطأة الاستبداد الذي يقتل الطموح ويصيب النفس بالإحباط ويضعف قدرتها على التغيير ويجعلها تستسلم للأمر الواقع فتمارس الحياة برتابة وملل كما هي الحال في بلاد الشرق ، ولكن الإشكال أن هذه الديناميكية الأمريكية دينامكية لا سقف لها فهي تعتنق الحرية بالمفهوم المطلق لا سيما مع تبني قيم الحداثة التي تخالف العقل والبدائه إذ تنكر أية حقيقة ثابتة ، ولو مطلقة ، فكل شيء عندها يجري مجرى المتغير ، ولو كان من يقينات الوحي وضروريات العقل ، ولا يمكن لطرح كهذا أن يبلغ ساحل نجاة وطمأنينة ، وإن كان ثم هامش كبير من الحرية ، ولكن السباحة في فضاء المتغيرات تفضي إلى حال من الحيرة تبلغ حد السفسطة بالشك في أي شيء ولو يقينا جازما ، وذلك رد فعل لما كان من خمول العقل الأوروبي في العصور الوسطى المظلمة ، لا سيما وقد كسي هذا الخمول لحاء الدين زورا وبهتانا بعد أن تآمر رجال الإكليروس مع بلاط الحكم الجائر فنفر الناس من دين الباطل وحكم السلطان الجائر وكانت الثورة العلمانية اللادينية التي يروم من يروم اليومَ استنساخها على الرسالة الخاتمة المحفوظة في قياس باطل ظاهر البطلان ! ، وما أغراهم بذلك إلا ما كان من جملة من علماء السوء الذين رضوا بخطة الخسف أن يسلموا بجور الحكام ويلبسوه ثياب الشرع المحكم حتى ظن من ظن أن الدين المنزَّل من جنس دين أوروبا المبدَّل فهو ، أيضا ، يكرس الاستبداد ويتحالف مع السلطان الجائر مع أن الوحي الخاتم ما جاء إلا ليحرر العقل من قيد الخرافة ويرد الناس إلى صحيح العقد والشرع الذي به تطمئن النفس وتخرج من حال الشك والحيرة إلى حال اليقين والرسوخ ، فلا تقبل بضيم الشرك إن في التصور أو في الشرع أو في الحكم أو في السياسة .

وظهور شخصيات كترامب ذي الأصول الألمانية وهي مهد البروتستانتية ولعل ذلك جانب آخر من شخصية علمانية لا ترى ما يمنع من الجمع بين عقيدة البروتستانت التي أخرجت العمل من مسمى الإيمان فهي تشبه ، من وجه ، عقيدة الإرجاء ، في مقالات الإسلاميين والتي تهون على الناس التفريط في العمل فليس الإيمان إلا العقد الساذج ، فهذه الخلفية الفكرية ربما كانت أحد روافد شخصية كهذه الشخصية المنفلتة ، وظهورها مع تصاعد لافت لليمين في أوروبا وظهور شخصيات كماري لوبان في فرنسا ، وهي التي تجعل هذا الحدث نهاية عالم وبداية آخر ! ، هو عالم اليمين الذي يتوجس خيفة من الآخر مع أنه يزعم كل حين أنه أشد الناس انفتاحا على الآخر المزعوم ! ، فذلك الظهور ينبئ أن حضارة المركز قد ألقت بفلذات أكبادها في صراع محتدم مع حضارة الرسالة أعلنت فيه المفاصلة الكاملة وتخلت عن لغة الدبلوماسية الناعمة ، وقد كان شعار حملته : لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى وهو إذ يتحدث عن أمريكا فإنما يقصد أمريكا الرجل الأبيض ، أمريكا الأنجلوساكسونية لا أمريكا ذات التنوع العرقي التي انتخبت يوما رئيسا أسود لقيادتها ! .

ولا شك أن أمريكا ، كما تقول الوزيرة كلينتون ، منقسمة على نفسها أكثر مما يظن أهلها أنفسهم ، فهي تحاول إعادة اكتشاف هويتها مرة أخرى ، ولا شك أن أمريكا ، كما يقول بعض المتابعين ، تعيش حالا من الصدمة من لدن 11 سبتمبر 2001 وإلى يوم الناس هذا ولعل ما حدث بالأمس يشبه أن يكون تابعا متأخرا من توابع ذلك الزلزال المدمر والذي أصاب الشخصية الأمريكية في الصميم بغض النظر عن ملابسات الحادث وما احتف به من قرائن تجعل الحكم عليه جزما أمرا محل نظر ، وإنما آثاره هي التي ظهرت بعد ذلك ولا تزال حتى أوصلت رجلا كهذا إلى سدة الحكم إذ أحسن يستثمر مأزق الهوية البيضاء التي زاحمتها الهوية السوداء والهوية الملونة فضلا عن الهوية البروتستانتية التي زاحمتها الإسلامية الإرهابية ! ، والهوية الكاثوليكية القادمة من أمريكا اللاتينية .

والله أعلى وأعلم .