القرائية حركة دائبة في فضاء النص والمفردات والفضاء خارجهما في الذهن وغيره لإنتاج التعلم النشط
(1)
إن القرائية مجموعة من طرق التدريس الجزئية في مستوى الأصوات والمفردات والموضوع؛ لامتلاك آلة القدرة على فك بناء الكلام صوتا وكلمة وجملة وموضوعا للفهم، ولإتقان ذلك كما يظهر في الطلاقة التي هي مظهر التمكن من كل مستويات اللغة. ويقتضي ذلك حركة دائمة ودائبة داخل الكلمة والجملة والنص والفضاء الخارجي في الذهن ومظان البحث- تعمل على الإلف منتج الفهم وما بعده من مهارات عقلية من تطبيق وتحليل وتركيب وتقويم وإبداع.
كيف؟
إن تأملنا مسائل المستوى الصوتي من تقطيع ودمج نجد حركة بين كل الكلمة وجزئها مما يعمق مفهوم الكلمة ويغرس أنماطها، وإن يممنا صوب التلاعب بالأصوات والكلمات متفقة الوزن والكلمات متفقة الوزن والقافية وجدنا الحركة داخل الحصيلة اللغوية والبحث الميداني يمثلان حركة داخل الذهن وخارجه.
وإن ارتفعنا إلى استراتيجيات المفردات وجدنا الحركة داخل سياق الجملة من خلال شبكة علاقات تحكم هذه الاستراتيجيات بعضها ببعض.
كيف؟
نجد الحركة في مجال "الحقل الدلالي" تحكم عمل استراتيجية "شبكة المفردات" حيث ربط الكلمة بما يلائمها من كلمات لها صلات ثقافية أو اجتماعية أو غير ذلك، واستراتيجية "تصنيف المفردات" حيث توزيع كلمات معطاة حول مفاهيم معطاة أو كلمات معطاة "تصنيف مقيد"، أو تصنيف كلمات معطاة حسب ما يُرى بينها من تشابهات "تصنيف حر".
ثم نجد الحركة داخل مجال "التحليل اللغوي للجملة" تحكم عمل استراتيجية "المعاني المتعددة" التي تعمق دلالة الكلمة الواحدة على معان سياقية متنوعة باختلاف المصاحبات اللغوية، واستراتيجية "مفاتيح السياق" التي توضح معنى الكلمة من خلال مصاحباتها في الجملة، واستراتيجية "ملصق الكلمات" التي توضح معنى الكلمة من خلال سياق يوظفها في جملة، واستراتيجية (الكلمات "التعريفات" الصديقة) التي توضح الكلمة من خلال سياق يوظفها في جملة تقرب مفهومها.
وليس هذا قاصرا على الاستراتيجيات التي تكون فيما بينها مجموعات داخل أسرة "استراتيجيات المفردات"، بل حتى الاستراتيجيات التي لا يضمها مجال واحد وتتحرك كل منها في مجال يخصها تؤدي المؤدى ذاته من الحركة خلال مسافات.
كيف؟
نجد أن استراتيجية "خريطة الكلمة" حركة بين المعنى والمضاد والنوع والاستعمال؛ مما يؤطر الكلمة تأطيرا لا يغادر الذهن، واستراتيجية "عائلة الكلمة" حركة بين تصريفات الكلمة من فعل ماض ومضارع وأمر ومصدر و...؛ مما يقرب الكلمة ويهيئ لعلم الصرف مستقبلا، واستراتيجية "الصفة المضافة" حركة بين الإطلاق والتقييد بذكر النعت الحقيقي وحذفه، واستراتيجية "المثال واللامثال" حركة في ضوابط التعريف بالحد وغيره لتوضيح ما يندرج تحت المفهوم وما لا يندرج تحته.
(2)
وإن ذهبنا إلى استراتيجيات الفهم القرائي وكشفنا شبكة العلاقات فيما بينها فإننا سنجد أنها تقوم على التحليل والتركيب وعلى وضع التصور النظري واختباره بالتطبيق العملي، وعلى الإحالة من لاحق إلى سابق. وكل هذا حركة ذهنية دائبة ودائمة.
كيف؟
نجد الحركة في مجال "التحليل قبل البدء" تحكم استراتيجية "التوقع من خلال الصورة/ قراءة الصور" التي تنهض على تحليل مكونات الصورة، ورسم شبكة علاقات بينها، وبناء إطار فكري حول الموضوع الذي تعنون هذه الصورة له. ثم تتم القراءة، ومن خلالها يظهر صدق ما تصوره المتصور من كذبه.
وهكذا الأمر مع استراتيجية "التوقع من خلال العنوان" التي تجمل الموضوع في ثنايا كلماته القليلة المعنونة، فيحاول القارئ فض هذا الاكتناز بتحليل الكلمات ومعايشة إيحاءاتها؛ لمحاولة التوصل إلى فحوى الموضوع الذي سيقرؤه لاحقا ومضمونه. ثم تتم القراءة، ومن خلالها يظهر صدق ما تصوره المتصور من كذبه.
ثم نجد الحركة في مجال " التحليل في أثناء القراءة " تحكم استراتيجية (المراقبة الذاتية التي هي التوقع من خلال النص أو الموضوع) مع اختلاف يسير عن السابقتين يتمثل في كون التحليل هنا يكون للفكر المنطبع في الذهن عما يُقرأ من الموضوع، وتعاد القراءة الجزئية لاختبار صدق ذلك من كذبه.
وتستخدم استراتيجية (المراقبة الذاتية التي هي التوقع من خلال النص أو الموضوع) استراتيجية "الأسئلة المباشرة وغير المباشرة" لتحقيق ذلك؛ فهي أداة وآلة، وليست هذه الاستراتيجية هي الأداة الوحيدة بل هناك استراتيجية (اقرأ "انظر" مرة أخرى) التي تأتي عقيب الإجابة غير الصحيحة المنبئة عن فهم بعيد عن الصواب.
ثم نجد الحركة داخل مجال "التلخيص" تحكم استراتيجيات كثيرة تنهض على إجمال التفاصيل عكس الاستراتيجيات السابقة التي تنهض على التحليل الجزئي؛ مما يعيد ترتيب بعض التفاصيل الموضوعة سابقا وضعا لا يرى الصورة العامة- على وفق نتائج العرض المجمل.
ما استراتيجيات التلخيص؟
إنها استراتيجية "خريطة القصة" التي ترسم الموضوع وفِكَره من خلال محاور الشخصية والحدث والزمان والمكان والبناء الفني المتمثل في بناء الحبكة من عقدة وحل؛ مما يجعل راسم الخريطة دائم الحركة بين عناصر الموضوع . وكذلك استراتيجية "شكل فن" التي تلخص الموضوع بحصر المتشابهات والمختلفات؛ مما يجعل الحركة الذهنية التجريدية دائمة .
وكذلك استراتيجية "أعرف - أريد أن أعرف - علمتk w l" التي تختلف عن كل استراتيجيات التلخيص في أنها تلخيص بنائي.
كيف؟
تلخيص قبل بدء الموقف التعليمي بحصر معلوم القارئ عن الموضوع "أعرف" know، ورجاء المعرفة "أريد أن أعرف" want، وتلخيص بعد انتهاء الموقف التعليمي التعلمي بحصر المعرفة المضافة "علمت" learn.
وكذلك استراتيجية "إعادة السرد" التي يعيد فيها معيد السرد بناء الأحداث وما يلابسها من شخصيات وعقدة وحل على وفق ما استقر في عقله ونفسه.
وإن كانت استراتيجية "إعادة السرد" هنا مطلقة غير مقيدة فهناك صورتان لاستراتيجية "إعادة السرد" تنتجان إعادة سرد مقيدة.
ما هما؟
إنهما:
استراتيجية "اقرأ - افهم - اكتب" التي تقيد إعادة سرد المقروء بكتابة خطاب داخلي إلى إحدى شخصيات القصة أو خارجي إلى شخصية خارجية. وكذلك استراتيجية "استمع - افهم - اكتب" التي تلخص المسموع بإعادة سرده بالكيفية السابقة نفسها.
(3)
إن هذه الحركة البادية في كل جزئيات القرائية تؤدي إلى إحداث العلم النشط الذي يكاد يكون تعلما فرديا مستمرا؛ مما يوجب عقد صلات القربي بين الاستراتيجيات التي تتحرك تحت مجال واحد حتى تتجلى عناصر الحركة العامة والخاصة.