التَّعليم الإلكتروني
دراسة تطبيقية في برنامج التَّدقيق الإملائي في نظام الوورد لتعليم العربيَّة إعداد الباحثة: رضية حسن باحميد محاضر بجامعة الملك عبد العزيز (27/ 3/1438هـ)
إشراف الدكتورة: خلود الصالح أستاذ مشارك بجامعة الملك عبد العزيز (قسم اللغة العربية)


الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثير، أمَّا بعدُ،
فعلم اللُّغة الحاسوبي يعتبر واحدًا من أهم فروع علم اللُّغة جميعًا في عصر تتعاظم فيه أهمية الآلة والتقنية والمعرفة؛ فهو يقوم على دراسة الجوانب الحاسوبية للغة، والمشاكل الشائعة التي تواجه المعالجة الحاسوبية للغة المكتوبة والمنطوقة، كما يُعرَف بأنَّه علم دراسة أنظمة الحاسوب لغرض فهم وتوليد اللُّغة الطبيعية باستخدام تقنيات مثل: التحليل النَّحوي، والتحليل الصَّرفي، ونظرية النَّحو المعجمي الوظيفي وغيرها. فهو علم مخصوص وليد التطورات التكنولوجية المتقدمة، كما أنَّه علم دقيق يعرض لآخر النظريات والتطبيقات الحاسوبية، ويلتقي فيه الجانب النظري والتطبيقي اللساني بكلِّ خلفياته المعرفية والمنهجية مع الجانب التكنولوجي المعلوماتي بكلِّ تطوراته ليُشكل ميدان اللسانيات الحاسوبية.
فاللسانيات الحاسوبية ترتكز على مكونين متكاملين هما: أولًا: المكون النظري، ويُعنى بقضايا في اللسانيات النظرية، تتناول النظريات الصورية للمعرفة اللُّغوية التي يحتاج إليها الإنسان لتوليد اللُّغة وفهمها ، كما يُعنى بالبحث عن كيفية عمل الدماغ الإلكتروني لحل المشكلات اللُّغوية كالترجمة الآلية من لغة إلى لغة أخرى ، وثانيًا: المكون التطبيقي، ويُعنى بالناتج العملي لنمذجة الاستعمال الإنساني للغة، وهو يهدف إلى إنتاج برامج ذات معرفة باللُّغة الإنسانية، وهذه البرامج مما تشتد الحاجة إليه لتحسين التفاعل بين الإنسان والآلة؛ لأنَّ العقبة الأساسية في طريق هذا التفاعل بين الإنسان والحاسوب إنَّما هي عقبة التواصل .
والهدف من علم اللُّغة الحاسوبي هو البحث العلمي السريع القادر على برمجة اللُّغات البشرية ضمن إطار تجريبي مقنن وموضوعي؛ ليصبح الحاسوب قادرًا على تركيب اللُّغة وتحليلها، كما أنَّ معالجة اللُّغة آليًا تتطلب من الباحث اللساني أن يكون متمكنًا من إتقان نوعين من المعرفة العلمية وهما : المعرفة الدقيقة للنظام اللُّغوي وفق أحدث النظريات اللسانية الحديثة. والإحاطة بالمعرفة الحاسوبية ذات العلاقة بمعالجة اللُّغات الطبيعية.
ولعلم اللُّغة الحاسوبي مجالات عديدة تتصل بالجهود اللُّغوية، والبحث العلمي، وبالتَّعليم؛ لذلك تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
أولًا: المجال اللُّغوي: فإنَّ هندسة الحاسوب تتطلب جهودًا لغوية في الحروف العربية ذاتها وذلك من حيث كتابة الحرف العربي آليًا، كما تحتاج إلى معاجم إلكترونية متكاملة تشمل جميع المستويات اللسانية الأصوات والصَّرف والتركيب والدِّلالة .
ثانيًا: المجال العلمي: فإنَّ برامج البحث العلمي في مجال ميكنة اللُّغات الطبيعية ومن ضمنها اللُّغة العربية كثيرة ومتنوعة في العالم العربي، ومن مجالاته: التعرف البصري على الحروف سواء المطبوع منها أو المكتوب باليد، وقراءتها قراءة صحيحة، والترجمة الآلية، والتوليف الصَّوتي وهي تتمثل في إكساب الحاسوب مهارة القراءة الصَّوتية للنصوص المدخلة عن طريق لوحة المفاتيح أو القارئ الآلي.
ثالثًا: المجال التعليمي: يمكن تقسيم برامج التعليم بواسطة الحاسوب إلى نوعين : برامج محلية تقوم على وضع برامج تعليمية على أجهزة الحاسوب، أو على أقراص مضغوطة، وفتح المجال للمتعلمين للتفاعل مع الحاسوب الذي يقوم بدور المعلم، وبرامج عالمية تقوم على تطوير برامج توضع على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) بهدف تعليم عدد كبير من المتعلمين، إما بشكل متزامن أو غير متزامن، وذلك لتوسيع دائرة الحوار المباشر بين أكبر عدد من المتعلمين عن طريق تبادل الآراء فيما بينهم. ومن أمثلة هذه البرامج برنامج التعليم عن بعد (Black board) الذي يستخدمه أغلب الجامعات ومنها جامعة الملك عبد العزيز، وقد ساعد هذا البرنامج على تحسين العملية التعليمية في الجامعات، وذلك بإتاحة المادة العلمية للمتعلمين سواء عن طريق المحاضرات المقدمة لهم من خلال الفصول الافتراضية، أو المرفقة في ملفات المادة، كما أنه ساهم في تيسير الاتصال بالمعلمين.
ولقد تطورت البرامج التعليمية لتعليم اللُّغات وتعلمها مع تطور تقنيات الحاسوب، فأصبحت أكثر فاعلية، إذ أصبح باستطاعة المتعلم تطوير مهاراته اللُّغوية سواء مهارة الاستماع أو القراءة أو القواعد النَّحوية والصَّرفية وغيرها من خلال برمجيات حاسوبية تستخدم أنماطًا تعليمية متنوعة.
وإنَّ من أهم البرامج الحاسوبية لتطوير مهارة القراءة لدى متعلم اللُّغة هي :
1- برنامج فهم النَّص: ((Comprehension: وهو عبارة عن برنامج مصمم بحيث يظهر نص على الشاشة، ثم يليه أسئلة موضوعية من نوع ملء الفراغ، أو صح وخطأ، أو اختيار من متعدد.
2- برنامج معالجة النصوص: ((Text Manipulation: وهو برنامج يقوم بتحديد جملة من النص ثم يقوم بترتيبها عشوائيًا، ثم يطلب من المتعلم إعادة بناء الجملة بشكل صحيحز
3- برنامج سرعة القراءة: (Reading Speed): وهو يساعد متعلم اللُّغة على القراءة السريعة، دون الوقوف على قراءة كلمة كلمة، ويعتمد هذا البرنامج على عنصر التوقيت، إذ يتم عرض النص على الشاشة لفترة زمنية معينة ثم يختفي هذا النص، فتظهر أسئلة حول النص ليجيب المتعلم عليها.
كما أنَّ هناك العديد من البرامج الحاسوبية لتطوير مهارة الاستماع لدى متعلم اللُّغة وهي :
1- برنامج التعرف على الأصوات والحروف: (Voice Identification): وهو برنامج يتيح لمتعلم اللُّغة التمييز بين أصوات الحروف ومخارجها.
2- برنامج دعم النطق والتنغيم: (Pronunciation & Intonation): وهو برنامج خاص بمختبرات اللُّغات يساعد على التعرف على الأصوات ثم ممارسة اللفظ والتنغيم وذلك من خلال تمارين خاصة بالإصغاء والتكرار باستخدام تقنية الكلام الرقمي.
3- برنامج الاستيعاب السماعي: (Listening Comprehension): وهو برنامج يطلب من المتعلم للغة الاستماع إلى النص، ثم يلي ذلك أسئلة اختيار من متعدد، أو ملء الفراغ، فيقوم المتعلم بالإجابة عنها.
4- برنامج الاستماع الموجه: ((Directed Listening: وهو برنامج يقوم بعرض الأسئلة على متعلم اللُّغة قبل الاستماع إلى النص، وبعد ذلك عليه الإصغاء إلى النص ليتمكن من الإجابة على الأسئلة.
وأما مهارة المحادثة فقد ظهرت برامج حاسوبية متعددة لتطوير مهارة التحدث لدى المتعلمين، إذ يقوم المتعلم بالاستماع إلى الحوارات الجارية بين الأشخاص حول مواضيع مختلفة، فيتعلم من خلالها كيفية طرح الأسئلة على الآخرين في مواقف معينة، وكيف يرد على هذه الأسئلة إذا وجِّهت إليه. كما توجد برامج حاسوبية تتيح للمتعلم الدخول في حوار مباشر مع الآخرين عن طريق الرد الشفهي على التساؤلات الموجهة إليه وذلك بتسجيل صوته عبر الميكرفون، وبعدها يتلقى التغذية الراجعة عن آدائه .
كما تعددت البرامج الحاسوبية المساهمة في تطوير المهارة الكتابية لدى متعلم اللُّغة، ومن هذه البرامج معالجة النصوص في الكتابة، مثل: التدقيق الإملائي، والترجمة الآلية، وتحليل النصوص، وميكنة المعجم ،
ومن برامج معالجة النصوص في الكتابة وهي:
1- برنامج الإحصاء اللُّغوي:
وهو يقوم على التقييم الكمي لخصائص اللُّغة، كمعدلات استخدام الحروف والكلمات والصِّيغ الصَّرفية في النصوص المختلفة، ومن أمثلة هذه البرامج إحصائيات تواتر استخدام الحروف والحركات وأسماء الأعلام في النص القرآني الكريم، وذلك من خلال المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم.
2- برنامج تحليل النصوص أو تحليل النتاج الأدبي:
وهو من أهم البرامج التي تستخدم أساليب الإحصاء والتحليل اللُّغويين، وذلك بتحليل النتاج الأدبي تراثه وحديثه، وشعره ونثره للأغراض التالية :
أ‌- تحقيق التراث، وذلك مثل: تحليل ملحمة (الإلياذة) للتأكد من تفرد هوميروس بتأليفها.
ب‌- التقييم الكمي لخصائص أساليب الكُتاب، إذ أُجريت دراسة لتحليل أساليب بعض الأدباء المصريين من حيث طول الجمل، ومدى استخدامه للظروف بأنواعها، وروابط الجمل وغيرها.
3- برنامج التحليل الصَّرفي:
وهو برنامج يقوم بجميع عمليات التحليل والتركيب للكلمات والمفردات، إذ يقوم الجزء التحليلي بتفكيك الكلمة إلى عناصرها الأولية الاشتقاقية والتصريفية، والإعرابية، واللواصق السابقة واللاحقة مثل: تحليل كلمة (وإيجادهم) إلى حرف العطف (و)، وساق الكلمة (إيجاد)، والضمير المتصل (هم)، ثم تحليل (إيجاد) إلى الجذر (وجد) على وزن (إفعال) بعد حدوث عملية إبدال الواو إلى ياء.
4- برنامج التحليل النَّحوي:
وهو برنامج يقوم على تفكيك الجمل إلى عناصرها الأولية من أفعال وأسماء وحروف وظروف، وتحديد الوظائف النَّحوية لكلٍّ منها (فاعل، مفعول، مبتدأ، خبر، …)، وربط الضمائر بمراجعها، والتعويض عن المحذوف.
5- برنامج المعجم الآلي:
إنَّ المجامع اللُّغوية لجأت إلى الحاسوب لميكنة معاجم لغاتها؛ بسبب أنَّه أصبح من الصعب تحليل الكم الهائل من موادها يدويًا. وقد شملت تطبيقات النظم الآلية في المجال المعجمي الأغراض الآتية :
أ‌- تخزين المعاجم إلكترونيًا على وسائط ممغنطة أو ضوئية؛ وذلك لاستخدامها مع المعالجات اللُّغوية الأخرى، وفي أغراض الترجمة، والتعليم، وتصحيح الأخطاء الإملائية وغير ذلك.
ب‌- تحليل العلاقات التي تربط بين مفردات المعجم، كالعلاقة بين جذور الكلمات والصِّيغ الصَّرفية، أو العلاقة بين الترادف والاشتراك اللفظي والتضاد.
ج- تحليل تعريفات المعجم المستخدمة في شرح معاني مفرداته، التي تظهر أهميتها في إبراز المفاهيم الأساسية، والأبعاد المحورية لمدلولات الكلمات المترابطة، مثل: ألفاظ علاقة القرابة: (أم، أب، أخت، أخ، خال، عم، جد، جدة).
6- برنامج التَّدقيق الإملائي:
وهو برنامج يقوم على تحليل النصوص كلمة بعد أخرى، فهو يعتمد على المخزون المعجمي الموثق سابقًا في جهاز الحاسوب، أكثر من اعتماده على محلِّل نحوي أو محلِّل صرفي، فهو إذن يقارن الكلمات بقاعدة بيانات محفوظة في ذاكرة الحاسوب لكلِّ الكلمات الممكنة .وإذا أشار إلى الكلمات التّي لا يعرفها باعتبارها خاطئة أو محلّ شكّ، فإمّا أن يقترح البديل أو يترك الخيار للمستعمل في استبدالها أو المحافظة عليها وإدخالها في قاموس المستعمل.
ونجد أنَّ طريقة العرب في الكتابة مثلًا: عدم رسم الهمزة وإهمال الشَّدة، تجبر برامج التَّدقيق الإملائي على إتاحة الاختيار بين إمكان التَّدقيق الإملائي الصَّارم والتَّدقيق الإملائي المتساهل.
ومن الأخطاء الناتجة عن جهل بقواعد الإملاء إضافة ألف بعد الواو في مثل: (أرجو، ويدعو، ومعلمو المدرسة)، وإضافة ألف بعد الهمزة في مثل: (ابتداءً، ومساءً)، وعدم إتقان قواعد كتابة الهمزة، مما يؤدي إلى الخلط بين كلمات مثل: (تفاءَل، وتفاؤُل)، وكذلك عدم التمييز بين كلمتين مثل: (يطَّلع، يضطلع).
وقد تمَّ إعداد استبانة لتقييم أثر استخدام برنامج التَّدقيق الإملائي في نظام الوورد في تعليم اللُّغة العربيَّة، والوقوف على إيجابيات وسلبيات هذا البرنامج في تعلم وتعليم اللُّغة العربيَّة، وذلك من خلال طرح عدد من الأسئلة التي تقيس مدى فاعلية هذا البرنامج في تعلم اللُّغة العربيَّة، ومن ثم توزيع هذه الاستبانة بشكل عشوائي على مئة طالبة من طالبات جامعة الملك عبد العزيز.
ومن خلال تحليل نتائج الاستبانات يظهر لنا إيجابيات وسلبيات برنامج التَّدقيق الإملائي في نظام الوورد في تعلم اللُّغة العربيَّة المتمثلة في الآتي:
أولًا: إيجابيات برنامج التَّدقيق الإملائي:
ترى غالبية طالبات جامعة الملك عبد العزيز، التي تصل نسبتهن إلى (60%)، أنَّ برنامج التَّدقيق الإملائي في نظام الوورد برنامجًا ممتازًا؛ وذلك بسبب ما يمتاز به من الأمور التالية وهي:
- قيام البرنامج بإفادة الطالبات بتَّصحيح الأخطاء الإملائية،
- احتواء البرنامج على قاموس يضم عددًا من المفردات،
- قدرة البرنامج على التَّعرف على الأخطاء الإملائية،
- تنبيهه للطالبات بالأخطاء الإملائية، وذلك بوضع خط أحمر تحت الكلمات الخاطئة إملائيًا،
- مساهمته في كتابة النَّص كتابة إملائية صحيحة،
- سهولة استخدامه لدى جميع الطلبة.
ثانيًا: سلبيات برنامج التَّدقيق الإملائي:
نجد أنَّ هناك نسبة (34%) من الطالبات، يرين أنَّ البرنامج إلى حد ما، لا يقوم بمعالجة جميع الأخطاء الإملائية. ونسبة (30%) من الطالبات يجدن أنَّ البرنامج سيء؛ لأنَّه لا يساعد على تعلم القواعد الإملائية بشكل ممتاز. كما أنَّ هناك نسبة (29%) من الطالبات يعتمدن على ما تعلمنه من قواعد إملائية من الهمزات والتاءات وغيرها في كتابة الكلمات، أكثر من اعتمادهن على قاموس البرنامج؛ وذلك لعدم ثقتهن بالبرنامج.
إذن سلبية البرنامج تظهر في الأمور التالية وهي:
- لا يستطع البرنامج القيام بمعالجة جميع الأخطاء الإملائية.
- لا يساعد البرنامج على تعلم القواعد الإملائية؛ لاشتماله على معلومات خاطئة في كتابة بعض الكلمات إملائيًا، مثل: كتابة الهمزات، والتاء المربوطة والهاء والتاء المفتوحة، وغيرها؛ لذلك هناك من الطالبات من تعتمد على ما تعلمته من قواعد إملائية في كتابة الكلمات، بغض النظر عما يقدمه لها البرنامج من خيارات لكتابة هذه الكلمات.
وأخيرًا يجب أن تتضافر الأعمال والجهود في مجال اللسانيات الحاسوبية العربيَّة، وتتآزر بين اللُّغويين والحاسوبيين في أيّ مشروع علمي يهدف إلى برمجة الأنظمة اللُّغوية للعربيَّة، وتحليلها، ومعالجتها آليًا، وخاصة في تطوير وتحديث وتقعيد قاموس برنامج التَّدقيق الإملائي في نظام الوورد، لذلك ترى الباحثة أنَّ أيَّ عمل منفرد، أو مستقل عن الطرف الآخر، أو غير منسق بين هذه الفئات العلمية، إنَّما هو بمثابة جهد ضائع لا طائل من ورائه .

https://up.harajgulf.com/do.php?id=1371475