اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: المحاور الخمسة للإدارة الجمهورية الحالية

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:07:52 AM

    المشاركات
    4,506
    العمر
    38

    المحاور الخمسة للإدارة الجمهورية الحالية

    ثم نَزَقٌ يجده الناظر في تصرفات الرئيس دونالد ترامب ، مع حال من الفوضى والاضطراب جعل الرأي العام الأمريكي يَتَسَاءَلُ في الآونة الأخيرة : مَعَ مَنْ نَتَعَامَلُ وما الجهة التي تخاطبنا فتجيب عن تساؤلات تحيرنا ، وآخرها استقالة مستشار الأمن القومي مايكل فلين أحد رءوس المؤامرة ! في سابقة فريدة من نوعها أن يستقيل رجل في منصب كهذا المنصب الرفيع بعد أقل من شهر من تولي إدارة جديدة مقاليد الحكم ففضائح تخابره مع روسيا قد أزكمت الأنوف وهو أمر لن يسلم منه ترامب نفسه ، كما ينوه بعض الفضلاء ، فدفاع ترامب عن بوتين في لقاء إعلامي قريب حتى استجاز أن يصف الأمة الأمريكية أنها حفنة من القتلة ، ولو تلميحا ، لما نَعَتَ مُحَاوِرُه الرئيسَ بوتين أنه قاتل فيا عزيزي كلنا قتلة ! وهي لحظة صراحة نادرة بل وربما فريدة يطلقها رأس النظام الدولي ليكشف زيف القيم الأممية التي يتشدق بها الخطاب الدبلوماسي المثالي فهو خطاب المبادئ التي لا تصمد أمام المصالح عند أول مواجهة ، فهذا الدفاع عن بوتين فضلا عن علائق خاصة لا تخلو من لَيِّ الذراع على طريقة التسريبات المصرية ! فبوتين يملك من التسريبات ما يفضي بترامب إلى العزل والمحاكمة فالأمر لا يقتصر على مايكل فلين ولعل ذلك ما جعل ترامب يحجم عن إدانة فلين لأن إدانته تعني إدانة ترامب نفسه بل لم يجرؤ على فتح تحقيق ولو لتبرئة مستشاره فهو يخشى من أي تحقيق شفاف قد يجره هو الآخر إلى دائرة الاتهام ! ، ومايكل فلين ، من جانب آخر ، رجل يواطئ ترامب في نَزَقِهِ السياسي ، فضلا عن ستيف بانون ضلع المؤامرة الثالث ، والإدارة الحالية ، كما يقول بعض المحللين ، قد وضعت خطة محكمة تَرَى الآن من تأويلها مبادئ فهي خطة ذات اتجاهات خمسة تسير بالتوازي وهدفها الرئيس القضاء على الظاهرة الإسلامية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مع عقد تحالفات تكتيكية مع بعض أفراد الظاهرة ، كما ترى الآن من تحالفات تكتيكية مع محاور توصف بالاعتدال والبراجماتية ، وهو ما أبانت عنه زيارة رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية ابتداءً بِتُرْكِيَا فالخليج فكيان صهيون ! ، مع تسرب أنباء تثير السخرية أن ترامب يدعوة إلى تدشين حلف ناتو عربي بقيادة مصر لمكافحة إيران راعي الإرهاب الأول في العالم كما يصفها ترامب ! ، ومن المثير للسخرية والضحك أن تقود مصر هذا التحالف وهي لا تكاد تستوفي احتياجاتها اليومية على طريقة ربات البيوت اللاتي يدبرن شأن المنزل يوما بيوم ! ، وهي مع ذلك تقود حلف الناتو العربي بديل حلف الناتو الأصلي في خوض الحرب المقدسة فترامب أعجز أن يخوض هذه الحرب ولو في الوقت الراهن فأمريكا في حال من الضعف والاضطراب السياسي يجعلها تَنْكَفِئُ على ذاتها ولو إلى حين حتى تسترد عافيتها ، وإذا تكلم أحد على مظلة سياسية جامعة للمسلمين باسم الخلافة او أي شكل من أشكال الاتحاد السياسي أو حتى مظلة عربية نُعِتَ ، كما يقول بعض مشايخ السياسة في الخليج ، أنه يجتر خطابا قوميا كلاسيكيا أكل عليه الزمان وشرب ! ، ولو دعى ترامب إلى هذا التحالف فذلك أمر وجيه يستحق البحث والنظر ، وتلك كوميديا أية كوميديا ولكنها كوميديا سوداء قاتم لونها تسوء الناظرين ، وهي ، من وجه آخر ، نتاج طبيعي للهزيمة الفكرية والنفسية أمام الحصارة الغربية وهو ما يفضي تلقائيا إلى العمالة السياسية على وجه يجعل الناظر يتأمل في حقيقة هذه الأنظمة الحاكمة فيفتش في تاريخها وأصولها ومتى نشأت وكيف نشأت وعلى أنقاض من نشأت ومن أنشأها ولماذا أنشأها ..... إلخ من التساؤلات المحرجة لجميع هذه الأنظمة ! .

    وذلك التحرك الاستخباراتي الأمريكي هو مِمَّا واكب دعوة رئيس وزارء الكيان الصهيوني الدولَ العربية إلى التدخل الفاعل في حل الإشكال التاريخي ، إشكال الهوية السياسية للأرض المقدسة فقد رضي العرب جهرا أو سرا ، أن يطبعوا مع الكيان الصهيوني ، فثم فرصة تاريخية إذ الدول العربية جميعا قد صارت أكثر من حليف ، والمستوطنون الآن يَتَبَجَّحُونَ : لقد ترككم العرب أيها الفلسطينيون فريسة بين أنيابنا واكتفوا بالرقص معنا في الغرف والمنتديات التي صارت الآن مفتوحة فلم تعد مغلقة كما كانت الحال أيام زمان ! لما كان ثَمَّ بقية خجل من الشعوب التي كان فيها رمق حياة تم قتله قتلا بطيئا متدرجا عبر سلسلة محكمة من التشويه للذاكرة التاريخية الإسلامية والعربية ، وذلك مسلسل بدأ من اتفاقية التسليم والاستسلام ، اتفاقية 1979 إلى مدريد 91 وأوسلو 93 وما بعدهما إلى توصيات القمة العربية 2002 في المبادرة المشئومة إلى اتفاقيات بيع الجزر وتدويلها على خلفية خيانة دِينِيَّةٍ وسياسية عظمى لم يسلم من أوضارها أحد ، فكل أولئك يندرج في عملية التطبيع التي اتخذت مسارات عدة ، فكل دولة تطبع قدر استطاعتها ! ، ومن عجب ، كما يقول بعض الإعلاميين أن يَتَنَامَى التيار المعارض للصهيونية في الدول الأوروبية مع دعوة المثقفين فِيهَا إلى قطع العلائق مع كيان صهيون احتجاجا على انْتِهَاكَاتِهِ فِي الأرض المقدسة لا سيما التوسع في الاستيطان ، فأولئك يقاطعون والعرب ، في المقابل ، يطبعون ويرقصون مع الحاخامات ! ، فضلا عن مشاريع جيوسياسية تصنع حدودا جديدة للكيانات العربية الخادمة للمشاريع الصهيونية في إطار منظومة وظيفية هدفها الرئيس رعاية مصالح الكيان الصهيوني والسهر على حماية حدوده المقدسة والحفاظ على نقائه العرقي والثقافي في دولته أحادية الهوية ، كما تسرب من مُهَاتَفَاتٍ سياسية تراجع الاتفاقيات الخادمة للكيان كاتفاقيات ترسيم الحدود ، وكما أطلق في الآونة الأخيرة من بث تجريبي لمشروع الوطن البديل في سيناء مقابل مبالغ تسيل اللعاب ! ، فضلا أنها تعزز دور الأنظمة الخادمة فهو من جملة أثمان تدفعها رجاء الاحتفاظ بكرسي الرياسة أطول وقت ممكن ، فذلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، مما يختبر ممانعة الرأي العام ، فيكون التسريب لقياس رد الفعل ، فإن كان قويا فذلك ما يقتضي التَّرَيُّثَ وتأجيل الفكرة ، فضلا عما يكون من تمهيد للعقل الجمعي أن يقبل الفكرة ، ولو في مرحلة آتية فضلا عما يمارسه الإعلام من قصف مركز لتشويه أهل سيناء ونبزهم بتهمة الإرهاب ، وهي تهمة ذائعة الصيت بها يحشد الرأي العام المحلي لا سيما مع حدوث المواجهات المحسوبة بدقة والتي يزج فيها بالجند غير المدرب ليعودوا في توابيت هي وقود المعركة الإعلامية في إطار سياسة التحريش بين الناس وإثارة بعضهم على بعض ، فإثارة أهل سيناء بما يكون من تحرشات وانتهاكات متعمدة تتسم بالفجاجة والفظاظة مع تعمد تسريب بعضها ولو من طرف خفي فذلك ما يؤجج نار العداوة في الصدور فضلا أن ثم إحنا وثارات سابقة فلا يزيدها ذلك إلا اشتعالا ، فثم فصام هوية بين الدولة المصرية وأهل سيناء ، فلكلٍّ هوية تفارق هوية الآخر مع حال من التحفز والترصد زادتها تلك الانتهاكات حدة ، وثم إثارة للرأي العام في مصر ، في المقابل ، فلا يرجع من سيناء إلا التوابيت التي يتم توظيفها إعلاميا لاستثارة مشاعر البغضاء في نفوس الناس فيرتبط اسم سيناء في أذهانهم بالتطرف والإرهاب والقتل فضلا عن الدعاية الكلاسيكية أنهم جواسيس وعملاء ..... إلخ ، فضلا عما تكرر في الآونة الأخيرة من حوادث قتل لبعض الأقباط النصارى في محاولة لاستحضار الفتنة الطائفية فذلك ما يضفي على المعركة نكهة "حماية الأقليات" ، وهي نكهة تعجب الغرب بل إنها قد تكون في مرحلة تالية ذريعة التدخل الأجنبي المباشر لحماية الأقليات الدينية وهل احتلت بريطانيا مصر إلا بنفس الذريعة حماية للأقليات الأوروبية في الإسكندرية بعد حادثة شهيرة قتل فيها من المصريين أضعاف ما قتل من الأوروبيين فتدخلت بريطانيا لحماية القتلة بذريعة أنهم أقلية مستضعفة ! ، وذلك ما قد يلقى إعجاب السلطة الحاكمة إذا أفلت الزمام من يدها فتطلب الحماية الدولية كما طلبها الخديوي محمد توفيق من قبل ، فَرَضِيَ أن يكون خديوي مصر تحت الوصاية البريطانية ! .

    فكل أولئك مِمَّا يزيد في الهوة بين سيناء ومصر ! ، مع قطع سبل الاتصال بسيناء التي أصبحت جزيرة معزولة لا يدخلها إعلام محايد ينقل الصورة بل ولا يدخلها المصريون إلا بتصريح خاص يجعل صاحبه يشعر بالغربة إذ يُمْنَحُ تأشيرة جواز إلى دولة مجاورة ! ، فكل أولئك مما يمهد العقل الجمعي لمشروع الانفصال ، ولو لم يكن صريحا ، فتخرج سيناء فعليا من الخدمة ، ويكون من السهل تدويل القضية استدعاء لقوى من الخارج تشرف على إنشاء الوطن البديل ، وتكافح الإرهاب الذي تجيد أطراف الصراع توظيفه لتحقيق مآربها في إدارة المشهد على وجه يكرس تفوق الكيان الصهيوني ، وهو أمر يجري الإعداد له أيضا في جزيرتي تيران وصنافير بعد تدويل الممر المائي فإسناد مهام الحماية إلى قوات دولية يحفظ مصالح الكيان الصهيوني فدول المنطقة قد تحولت ، سواء أعلمت أم جهلت ، إلى كيانات وظيفية خادمة في إطار منظومة شرق أوسط جديد يتم رسم حدوده الجديدة بعناية فائقة .

    وهذه حال استثنائية يشكو فيها الجسد الإسلامي والعربي ضعف المناعة الفكرية والسياسية ، فثم الآن إعادة تعريف لمفاهيم عدة : مفهوم الهوية الجامعة ، هل هي إسلامية أو عربية أو شرق أوسطية أممية فهي التي بشر بها رجالات السياسة الصهيونية لإزالة الحواجز الفكرية والسياسية وإزالة جدار الممانعة في العقل العربي بعد إزالته في دوائر صنع القرار السياسي فلم يبق إلا ممانعة الشعوب التي يجب انتزاعها بتخفيف جرعة العنصرية والتطرف في الخطاب الديني ومناهج التعليم فلا بد من إعادة صياغة الهوية لتتوافق مع مشاريع السياسة الجديدة في المنطقة ليحصل كيان يهود على اعتراف سياسي يُشَرِّعُ وجوده فلم تعد تهمة التطبيع تحظى بنفس القدر من الإنكار بعد مراحل متدرجة في تخفيف حدتها ولا زال الأمر جاريا على قدم وساق .

    والشاهد أن مشروع الإدارة الأمريكية الجمهورية الحالية يسير في خمسة محاور متوازية :
    أولها محور القضاء على الإسلام الجهادي الذي يمثل أقصى اليمين الراديكالي المتطرف ، فلا بد من عقد تحالفات تكتيكية مع دول المنطقة وإن كانت على قائمة الاستهداف ، ولكل دوره ، فثم تحالف مع بعض قوى المنطقة ولعل ذلك ما يُبَرِّرُ زيارة رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية إلى تركيا ثم الخليج ، وبعدها كانت زيارة الرئيس التركي إلى الخليج لتدشين تحالف سني يُرَادُ له لعب أدوار من أبرزها التصدي للإرهاب والتطرف الذي يمثله الإسلام الجهادي لا سيما تنظيم الدولة مع إعلان الرئيس التركي قبلها أن قواته لن تقتصر على حرب التنظيم في شمال تركيا بل إنها ترغب في التوغل في سوريا لتنظيف الرقة من التنظيم في إطار ما اصطلح على تسميته بعملية "تنظيف الرقة" ! ، وهي التي أُعْلِنَ عنها في مؤتمر صحفي لوزير الخارجية التركي مع نظيره السعودي ، وهو ما يجعل للخليج دورا في هذه المعركة لا سيما وهو على قائمة استهداف التنظيم ، فبعد هذا التصريح ، أبدى الرئيس التركي في اتصال مع الرئيس الأمريكي رغبة تركيا في مشاركة فاعلة في الحرب ضد الإرهاب وهو ما صادف هوى واشنطن التي جعلت مكافحة الإسلام الجهادي على قائمة أولوياتها لا بنفسها وإنما عبر وكلاء محليين ، كما هي الحال في مصر ، فبضاعتها السياسية الرئيسة هي مكافحة الإرهاب عسكريا وفكريا بشن الحرب الميدانية وإهانة الرموز الدينية والتحقير من شأنها كما يصنع قادة المشهد السياسي في مصر الآن مع شيخ الأزهر مع تسليط الأذرع الإعلامية لإهانته وإجباره على الاستقالة فذلك بند رئيس في مشروع تجديد الخطاب الديني بحذف نصوصه وإهانة رموزه وإن كانوا مُتَوَاطِئِينَ متآمرين مع أنظمة الجور والاستبداد وَتِلْكَ سنة الرب ، جل وعلا ، فِيمَنْ أعان ظالما أن يكون أَوَّلَ من يُسَلَّطُ عليه ، وكما هي الحال في سوريا ، فنظام دمشق يدعو واشنطن صراحة أن تتدخل عسكريا لمكافحة الإرهاب والتطرف فلا مانع عنده أن تُحْتَلَّ بلاده احتلالا أمريكيا مباشرا بعد الاحتلال الروسي فضلا عن الاحتلال الفارسي ، فهو يمثل أصدق تمثيل دور المجموعة الوظيفية الخادمة التي لا تملك من قرارها السياسي شيئا فغاية أمرها إطالة عمرها الافتراضي في السلطة , وربما في الحياة ! ، فـ : (لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) ، فنكرت الحياة تحقيرا فهم أحرص الناس على أية حياة ، ولو حياة الخادم الذليل الذي يجتهد في خدمة السادة ولا ينال منهم إلا الاحتقار وإن زعموا أنهم حلفاؤه وأولياؤه وأن بَيْنَهُمْ كيمياء نفسانية مشتركة ! .

    وثم في المقابل من يروم التعاون مع واشنطن على قاعدة أخرى ، كما هي حال تركيا والخليج في إطار ما تقدم من إبداء رئيس تركيا استعداده لتنظيف الرقة وأجوارها ، مع اشتراطه تحييد الأكراد الذين بدءوا عملية تحرير الرقة بكفاءة محدودة وربما معدومة ، رغم بدء واشنطن في تسليحهم بسلاح نوعي ثَقِيلٍ ، وإن كان ذلك في إطار متدرج ولعله اختبار لكفاءة قوات سورية الديمقراطية فإن أحسنت وأجادت فلا مانع من تفعيل التجربة بزيادة جرعة التسليح الثقيل ، فرئيس تركيا يختزل على واشنطن هذه العملية المتدرجة فَلَدَيْهِ جيش محترف وهو من أقوى جيوش المنطقة بل ومن أقوى جيوش الحلف الأطلنطي وهو ما يعطي الأمر بُعْدًا دوليا فمظلة الحلف الأطلنطي تُضْفِي على العملية شرعية دولية جامعة فثم إجماع إقليمي ودولي على مكافحة الإرهاب والتطرف ، فثم رغبة تركية أن يتولى محور تركيا الخليج هذه المهمة في مقابل اختزال الدور الكردي فذلك ما يعني تركيا في المقام الأول ، واختزال الدور الفارسي فذلك ما يعني الخليج في المقام الأول ، فمقابل مشاركتنا الفاعلة في القضاء على تنظيم الدولة فلا بد أن تتخلى واشنطن عن خطابها الناعم مع إيران ولا بد من تشديد الضغط عليها في ملفات سورية واليمن ، ولعل ذلك ما يفسر زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى بعض دول الخليج لتخفيف الضغط المتصاعد عليه لا سيما مع مضي واشنطن قدما ، ولو في خطابها الرسمي ، أن تضع الحرس الثوري الذراع العسكرية الفاعلة للثورة على قائمة المنظمات الإرهابية وكذلك الشأن في الذراع الحوثية في اليمن ، فثم تصعيد في النبرة أعجب دول الخليج وجعلها تتقارب مع واشنطن بعد جفوة شهدتها العلاقات إبان حكم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لا سيما بعد توقيع الاتفاقية النووية مع طهران ، فثم الآن إجماع على مكافحة النسخة الإسلامية الجهادية ، بغض النظر عن أخطائها التي بلغت في مشاهد كثيرة حد الجسامة والفداحة وهو ما لا يخلو ، عند التدبر والنظر ، من حظ نفس عاجل في الرياسة فَقَلَّ من يسلم من ذلك وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من الإخلاص والتجرد إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، فقد استعجلت الحركات الجهادية في مشاهد كثيرة استعجلت اقتسام غنيمة لم تحصل في يدها بعد فأفضى ذلك إلى التَّنَازُعِ الذي حذر منه الوحي ، فـ : (لَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ، وهو ما ساهم في انشطار الكيان الواحد إلى كيانات عدة فتعددت الأسماء وتعارضت الأهداف وبلغ الأمر حد الاقتتال البيني الذي يستنزف الخصوم كما هي الحال الآن في إدلب التي غصت بالفصائل المقاتلة فيكاد تجميعها في بؤرة واحدة مع اختلاف توجهاتها ، يكاد يشبه من وجه ما يكون في السجون من حشر أصحاب التوجهات السياسية المختلفة في غرف تضيق بِنُزَلَائِهَا فذلك ما يسهم في إذكاء نار العداوة بينهم وهو ما يصرف عداوتهم إلى بعضهم ويكفي الخصم مؤنتهم ، فَتُسْتَنْزَفُ قواهم في معارك جانبية فالصورة واحدة سواء أكانت سياسية أم عسكرية ، فتجد من التعارض بين الفصائل المجتمعة في إدلب لا سيما مع تدشين كيانات جديدة تعمق هوة الخلاف وإن كان الأمر يحتاج مزيد استقصاء ، تجد من هذا التعارض ما يبلغ في أحيان حد الاقتتال البيني وهو ما يستنزف الخصوم ويسهل مهمة العدو المشترك أن يجهز على من تَبَقَّى منهم بعد إضعافه وإجهاده بوسائل شتى كالقتال الْبَيْنِيِّ ، كما تقدم ، والحصار وقطع الدعم وتهييج الحاضنة الشعبية ..... إلخ ، وذلك يشبه ، من وجه ، تخبط خصوم الانقلاب العسكري في مصر فالناظر في تخبطهم واختلافاتهم التي تبلغ في بعض المواضع حد التراشق الإعلامي الظاهر أو الخفي ، فضلا عن تعدد الأسماء والأهداف وتباين الآراء في إدارة المرحلة الانتقالية ! وهو ما يسهم النظام الحاكم في مصر في إذكاء ناره بطرائق من الاختراق والدس فلديه خبرة كبيرة في اختراق الخصم السياسي استخباراتيا فيدس عناصر تنقل الأخبار وتسهم ولو بشكل غير مباشر في تصاعد حدة الخلاف وهو ما يضعف هذه الجبهة السياسية المقاومة أو المعارضة ويزهد أي طرف إقليمي أو دولي أن يقدم لها الدعم في إطار نظام سياسي براجماتي لا يقيم وزنا إلا للغة المصالح فلا يهمه أن تكون صاحب حق أو مبدإ وإنما يعنيه مدى قوتك على الأرض وجدية طرحك السياسي أو العسكري في تحقيق مآربه وحفظ مصالحه وما سوى ذلك فلن تحصل إلا على كلمات التعاطف الباردة وربما أخرج لك الطرف الآخر صدقة من جيبه ! ، فيكاد الناظر في المشهد الميداني في بلاد الشام والمشهد السياسي في مصر ، يكاد الناظر فيهما يجد من التماثل أو التشابه الكبير ما يوجب الاعتبار ، ولعل حظ النفس الخفي عامل رئيس في هذا الانقسام الذي يسهل ، كما تقدم ، مهمة العدو أن يتلاعب بخصومه ، فما آل إليه الوضع الآن في جبهة الشام من اقتتال بَيْنِيٍّ هو خير شاهد على تخبط الفصائل الجهادية في إدارة المشهد وإن التمس العذر في الجبهات المشتعلة أنها جبهات تَتَدَاخَلَ فيها القوى ويسهل اختراقها لِتَنَوُّعِ الطيف السياسي والعسكري الذي يبلغ في أحيان كثيرة حد التعارض وربما التناقض فيسهل إذكاء الصراع البيني بالاختراق الاستخباراتي فلكل أجندة خاصة ربما تحظى بدعم دولي أو إقليمي مباشر أو غير مباشر لتحقيق أهداف تجازو أهداف الفصيل المقاتل على الأرض بمراحل كثيرة فهي أشد تركيبا وتعقيدا من هدف الفصيل المقاتل على الأرض والذي يتسم في أحيان كثيرة ببساطة تبلغ في أحيان حد السذاجة فيكون دون أن يشعر أداة لمشروع أكبر وأشد تعقيدا في ظل سياسة دولية تَتَّسِمُ بمستويات عدة في استراتِيجِيَّاتِهَا الدائمة وتكتيكاتها المؤقتة فهي تقضي بالتحالف المؤقت مع بعض الخصوم للقضاء على بعض آخر كما تجد الآن من تحالف واشنطن المؤقت مع تركيا والخليج في مقابل الأثمان آنفة الذكر من تقليص دور الأكراد وتقليم أظفار إيران ، ولو في الخطاب الرسمي ذي النبرة الحادة ، فواشنطن لا تجد مانعا من التحالف مع كافة قوى المنطقة في حربها في تنفيذ أول محاورها في الشرق الأوسط طبقا لمشروعها خماسي المحاور ، فأول محاوره القضاء على الإسلام الجهادي فذلك ، كما تقدم ، محل إجماع ، ففي القاهرة وفي دمشق وفي شرق ليبيا مجاميع وظيفية جاهزة ، وثم محور تركي خليجي ، وثم كيانات سياسية في الخليج قد تقمصت دور القوة الإقليمية الفاعلة فهي تدك بقواتها الجوية الباسلة معاقل الإرهاب في شرق ليبيا انطلاقا من قواعد مصرية على الحدود الليبية ! فضلا عن مشاركتها في عمليات إنزال مشتركة مع القوات الأمريكية لضرب معاقل الإرهاب في اليمن وثم طهران التي تحارب الإسلام الجهادي والإسلام السني عموما بمجاميعها الوظيفية العراقية واللبنانية والأفغانية والباكستانية ..... إلخ ، وثم روسيا التي تدخلت لإنقاذ نظام دمشق في إطار صفقة مع واشنطن فهي تحل ضيفا ثقيلا في الشرق الأوسط ، وثم رغبة أردنية في استنساخ تجربة درع الفرات في جنوب سوريا لصد الخطر الجهادي القادم من درعا ، فيتم التنسيق الأردني الروسي على غرار التسيق التركي الروسي في عملية درع الفرات وربما كان ذلك من المواضيع التي بحثها العاهل الأردني مع الرئيس الأمريكي في زيارته الأخيرة إلى واشنطن ، فثم ، كما تقدم ، إجماع على هذه الحرب العالمية المقدسة ، فالأحلاف قد عقدت مع اختلاف الرايات فما جمعها إلا هذا الهدف التكتيكي المؤقت ، وهو تحالف ، لو تدبره الناظر ، لوجد فيه التناقض ما يؤرق من له أدنى رصيد من القيم الدينية أو الأخلاقية فإن من يحتفي بتركيا اليوم في الخليج ويدشن عهدا جديدا من العلاقات الدافئة في ظل حركة تبادل تجاري كبير فضلا عن التقارب السياسي مع استحضار المعاني الدينية فثم إرث ثقافي مشترك عماده الرئيس الإسلام بحضارته التي جمعت التركي والعربي تحت مظلة سياسية جامعة وإن انتهى الأمر إلى ما قد علم من ثورة العرب على الترك بعد أن عانوا من إقصاء الترك أواخر أيام الخلافة الجامعة ، فإن من يحتفي بتركيا في الخليج وفق المحددات السياسية آنفة الذكر ومن سارع في تهنئتها بفشل المحاولة الانقلابية في الصيف الماضي ومن يشاطرها وجهة النظر السياسية في شجب الانقلاب الحوثي في اليمن مع التدخل العسكري المباشر لاستعادة مسار الثورة ، فإنه مع ذلك هو الذي دعم الانقلاب في مصر وساهم بشكل فاعل في تمويله وتثبيت أركانه وإن وجد شؤم ذلك في الآونة الأخيرة مع ظهور أمارات الخيانة المبكرة ! وتصاعد نبرة التهجم الذي بلغ حد السب في استحضار لمعان قومية شوفينية ضيقة تظهر فيها آثار الجاهلية الأولى ! ، وتلك ، كما تقدم ، سنة الرب ، جل وعلا ، فيمن أيد ظالما فهو أول من يكتوي بناره ويتأذى من بذاءة لسانه ، ولا عزاء لمن أيد خائنا جاء ليفسد الأديان والأخلاق ويفني الأبدان ويضيق على الناس الأرزاق فَثَمَّ كفل من ذلك على كل من أَيَّد وَدَعَمَ ولو بالكلمة فضلا أن يشارك في ذلك مشاركة فاعلة فكفله أعظم لا ينقص من كفل المباشِر شيئا ، وأعظم ما يجد العامة من ذلك هو فسادُ ذات البين فالشعوب دوما هي من يُزَجُّ به كوقود لمعركة النخب التي تَتَصَارَعُ على مقاليد الحكم والسياسة ، فتجد التراشق في المنتديات العامة ومواقع التواصل الاجتماعي والبرامج الحوارية ...... إلخ مع أن العلة ، لو تدبر الجميع ، من أعلى كما يقول علماء الحديث في تعليل حديث صح مخرجه فتكون العلة من الراوي المتأخر فيقال إن العلة من أعلى فكذلك الشأن هنا فالعلة من أعلى إذ الخيانة من أعلى من الأنظمة لا من الشعوب التي تدفع الثمن في تبادل الشتائم ! ، فلا يحسم هذه المادة الفاسدة إلا امتثال الأمر أن : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ، وليدع العامةُ الساسةَ في معاركهم التي لا جدوى منها إلا إفساد العلائق بين المسلمين ! .


    وَبِمُوَازَاةِ المحور الأول ، وهو القضاء على الإسلام الجهادي ، يكون المحور الثاني وهو الإجهاز على الإسلام السياسي بعد التهادن معه في مراحل سابقة فكان يجتهد دوما أن يخطب ود الغرب أنه النسخة الإسلامية المتسامحة التي تقبل التعايش مع منظومة القيم العلمانية ، وبذل لأجل ذلك أثمانا سياسية باهظة بلغت في أحيان حد المزايدة على التيارات الجهادية ولا زالت آثار ذلك حاضرة إلى يوم الناس هذا وهي مادة تهارش وتهارج تحسن الأنظمة الحاكمة استخدامها في إطار سياسة استنزاف الخصوم بضرب بعضهم ببعض ، فكريا وسياسيا وربما ميدانيا في مراحل تالية فذلك مشروع يتم الإعداد له الآن في سجون ومعتقلات تمهيدا لمرحلة قادمة من الصراع في إطار نظرية الإشعال المتدرج لبؤر من الاحتراب الأهلي سواء أتسعت أم كانت تحت السيطرة لتحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى تسهم في تقسيم الكيانات السياسية الهشة وتجعل الكلمة لصاحب القوة الذي لا يعنيه في المقام الأول إلا حفظ رياسته وربما حياته في مراحل متقدمة من الصراع كما قد آلت الحال برأس النظام في دمشق فهو أنموذج يسير غيره على خطاه حذو القذة بالقذة ! .

    فالإسلام السياسي الآن في قائمة الإدارة الأمريكية الجديدة لا سيما مع سعي أطراف إقليمية أن تسارع واشنطن بوضعه على قائمة المنظمات الإرهابية ، وهو إلى الآن محل أخذ ورد ونقاش محتدم في أروقة السياسة الأمريكية لا سيما مع تحذير جهات استخباراتية أمريكية كثيرة من خطورة هذا القرار الذي قد يعجل بفتح جبهة صراع مع فصيل واسع من الفصائل الإسلامية الفاعلة وهو ما قد يهدد مصالح واشنطن الحيوية في المنطقة ، وذلك ما جعل بريطانيا تحجم عن هذا القرار مع انتقادها هذا التيار ونبزه بالتعصب ، ولو من طرف خفي ، ولكنها لم تجرؤ على اتخاذ هذا القرار ولو في هذه الآونة ، وَنَزَقُ ترامب ونرجسيته قد تحمله على اتخاذ هذا القرار الذي تجد آثاره في تصريحات الرئيس التركي الأخيرة ، فهو يمهد ولو على المدى الطويل لمصالحة هذا التيار مع الأنظمة السياسية في المنطقة بنزع وصف السياسي عنه فهو تيار فكري وليس إرهابيا إلا إذا حمل السلاح فيتم تحجيم دوره كما وقع في التجربة التركية وهي الأنموذج الذي يراد لحركات الإسلام السياسي في بقية الدول أن تسلك جادته ، فتلك رسالة يبعثها الرئيس التركي إلى أنظمة في الإقليم ، لا سيما في القاهرة ، في إطار سياسة التقارب وإن لم تبلغ حد التصالح فالأمر يجري مجرى : "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ" ، مع التضييق ولو نسبيا على حركات الإسلام السياسي التي لجأت إلى تركيا بعد يوليو 2013 ، فلا يروم الاستكثار من العداوات بلا طائل ! ، فَهَذَا التصريح ، عند التدبر والنظر ، يَتَضَمَّنُ إِقْرَارًا ضمنيا بالأمر الواقع في مصر فهو إقرار بشرعية الأمر الواقع فلم يعد الرئيس التركي يكثر في حديثه من انتقاد السلطة الحاكمة في مصر الآن بل إن الخطاب الرسمي لرئيس وزراءه أنه يسعى في مزيد من التقارب مع مصر في ظل القيادة الحالية ، فضلا أنه يروج لطرح حزب النهضة التونسي إذ أعلن في مؤتمره الحزبي الأخير في العام الماضي الفصل بين الدعوي والسياسي في انقلاب علماني ناعم على المضمون الإسلامي ، فتيار الإسلام السياسي لا بد أن يخلع عباءة الدين إذ يروم اقتحام ميدان السياسة الذي تحكمه مبادئ علمانية فلا تحدثه نفسه أن يخرج عن قيم النظام الدولي ، فلا بد أن يقتصر على الجانب الفكري والدعوي والاجتماعي كجماعة ، وأما السياسة فَلَهَا حزب يمثلها على وجه يجتزئ فيه الساسة على هوية إسلامية مجملة تلحقه بالأحزاب ذات الأصول المسيحية في أوروبا ، كالحزب الحاكم الآن في ألمانيا بقيادة المستشارة ميركل ، فهو حزب علماني بامتياز ولكن اسمه ينتهي بلقب "المسيحي" ، فليست إلا هوية باهتة لا أثر لها في أداء الحزب فهو علماني بامتياز ورئيسته كاثوليكية نشأت في بيت كاثوليكي متدين فأبوها قس من قُسُسِ الكاثوليك وهي مع ذلك تحسن العمل السياسي العلماني بامتياز وهكذا يراد لتيار الإسلام السياسي في مصر بعد تقليم أظفاره بآلة القمع التي تسحقه الآن ليهوي سقف طموحه إلى الحد الذي يجعله أهلا أن ينضم إلى النادي الدولي فلا يقبل في عضويته إلا من تنطبق عليه شروطه الصارمة التي لا تعرف الرحمة ولا الشفقة .

    وهو درس آخر للتيار الإسلامي السياسي الذي بالغ في استعمال أدوات البراجماتية على وجه جعله مثار النقد ، فهو ، على سبيل المثال ، ينتقد اليوم استدعاء نظام القاهرة لوجوه ما قبل يناير 2011 بإعطائها حقائب وزارية فهو يروم الانتفاع بالبنية التحتية لنظام بائد مع بقائه على سدة الحكم ، وذلك ما استعمله بعض الكتاب المحسوبين على تيار الإسلامي السياسي في معرض النقد لنظام القاهرة العسكري فقد أعاد إنتاج النظام القديم مع أن تيار الإسلام السياسي لما استلم الحكم الصوري في مصر ! ، استعان بكثير من رجال النظام السابق في إطار نفس النظرية : نظرية الانتفاع بالبنية التحتية للنظام البائد مع محاولة تعديلها لتوافق أغراضه فتكون السيطرة له بأدوات غيره ، فعلام تُنْكِرُ على النظام العسكري أمرا قد وقعت فيه ؟! ، وليس ذلك منافحة عن الوضع السياسي الكائن في مصر ، فهو وضع أقل أوصافه أنه جائر ظالم ، ولكنه استدراك يجري مجرى النقد الذاتي فلا تنكر على أحد عين ما وقعت فيه ، فلا بد من الإقرار بالخطأ وإجراء المراجعة الحقيقية لا المراجعة الدعائية ! ، ولا بد مع ذلك ألا ينجرف النقد إلى باب الغلو الذي يفضي إلى جلد الذات فإن الناظر المنصف يُقِرُّ أَنَّ ثَمَّ كفلا ليس باليسير من هذه الدماء يتحمله تيار الإسلام السياسي بسوء إدارته فقد رضي شعر أو لم يشعر أن يلعب دور المحلِّل السياسي لهذا الانقلاب لما قبل التحالف معه في إطار صفقة سياسية مباشرة أو غير مباشرة ورضي البقاء في سلطة لا يملك من أمرها شيئا ولم يصارح الناس بالحقيقة من أول يوم ولو معذرة إلى الرب جل وعلا ، وحشد الناس دفاعا عن شرعية سياسية ربما كان له فيها حق ولكنه أخطأ في تضليل من حشد بإقحامه في صراع غير متكافئ أفضى إلى الحال الراهنة ، فكل أولئك مما يجب إنكاره والاعتبار به ولكن ذلك لا ينبغي أن يتحول دون أن يشعر الناقد إلى تحامل على المظلوم أن يُسَوَّى بالظالم فقد يدخل صاحبه دون أن يشعر في خانة التحريض وما أغناه أن يحرض على مظلوم يُبْتَلَى لا سيما إن كان ممن طاله هذا الابتلاء فوجد ألمه في نفسه أو في أهله فأشد الناس إنكارا للظلم من ذاقه وإن وقع على من لا يحب ، فتحري العدل في هذا الموضع حتم لازم وهو أمر يشق على النفس فلا يطيقه إلا أصحاب النفوس الكبيرة الذين امتثلوا الأمر والنهي في قوله تعالى : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) .

    فهذا الإسلام السياسي هو المحور الثاني في خطة الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط ، وهو أمر تسعى فيه دول كثيرة في الإقليم فمنها من وضعه بالفعل على قائمة الإرهاب وإن كان منها من يستعمل ذلك ورقة سياسية في إطار صراع مكتوم مع القاهرة بدأت آثاره تظهر شيئا فشيئا ولم يكن نصيب التيار الإسلامي منه إلا أن يكون كالعادة ورقة في يد غيره ! يستعملها على وجه يحقق مصالحه لا أكثر .

    وأما المحور الثالث فهو إيران ، فلغة التهديد ظاهرة في خطاب واشنطن مع التضييق على الأذرع الفاعلة كالحرس الثوري لا سيما بعد تجربة الصاروخ الباليستي بعيد المدى فثم ، كما يقول بعض المحللين ، ثَمَّ خطوط حمراء صهيونية من أبرزها حظر امتلاك أي دول مجاورة لقوة نووية ولو سلمية وهو ما يفسر به بعض الفضلاء اضطراب العلاقة بين القاهرة وموسكو إذ يرغب الرئيس ترامب أن يتوقف العمل في مشروع الضبعة لإنتاج الطاقة الكهربية بواسطة مفاعلات نووية قدمتها القاهرة رسم مصالحة مع موسكو بعد حادث الطائرة مطلع نوفمبر 2015 ، في إطار صفقة جائرة وهي مع ذلك من جملة الديون الآجلة التي تثقل كاهل الشعب فوحده كالعادة من يدفع أثمان الحرب والسياسة ! ، فرغبة الرئيس ترامب في توقف هذا المشروع مِمَّا أَثَارَ حفيظة موسكو وجعلها تَتَرَيَّثُ في إعادة السياحة الروسية إلى مصر للضغط عليها وهو ما ظهرت آثاره في إلغاء زيارة وزير الطيران المدني المصري إلى موسكو فضلا عن تصاعد نبرة الانتقاد لإجراءات الأمن في المطارات المصرية مع أن موسكو كانت قبل وقت قريب تُثْنِي عليها ! ، والثابت الآخر ، وهو محل الشاهد ، ألا تمتلك دولة تجاور الكيان الصهيوني سواء أكان جوارا مباشرا أم جوارا في الإقليم ، ألا تمتلك قدرة صاروخية بعيدة المدى وهو ما انتهكته طهران على وجه استدعى العقاب فضلا عن إقحامها ولو بشكل غير مباشر في الصراع الدائر الآن في بلاد الشام فهو مما يندرج في إطار سياسة ضرب الخصوم بعضهم ببعض ، فبعد أن كانت إدارة الرئيس أوباما تميل إلى طهران فرجحت كفتها جاءت إدارة ترامب لتعدل الكفة حتى يبلغ الصراع حد التكافؤ الذي يجعله يمتد مع بقائه تحت السيطرة .

    وأما المحور الرابع فهو ضرب المرجعية الفكرية للإسلام في المنطقة ، لا سيما دعوة التجديد والإصلاح في الجزيرة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، رحمه الله ، وهو ما ظهرت آثاره ولا تزال في أرض الجزيرة لا سيما بعد الضغوط الهائلة التي مارستها واشنطن بعد أحداث سبتمبر 2001 مع بزوغ تيار علماني حظي بالدعم الخارجي ونجح في التقارب مع بعض دوائر صنع القرار في إطارة سياسة التجميل فثم حرية فكر وثم انفتاح يَنْفِي تهمة الإرهاب والتطرف ! ، فكانت الصفقة التي تَنْسِفُ قيم الحرية التي يزعم التيار الليبرالي انتحالها فقد اختار بعض المثقفين ، وإن شئت الدقة فقل بعض أنصاف المثقفين من المستغربين اختار في بعض بلاد الشرق المتخلفة أن يهادن السلطة الحاكمة مع أنها مستبدة تمارس من القمع ما يخالف عن أبسط مبادئ الليبرالية ، ولكنها رأت في ذلك اغتناما لعطايا السلطان الجاهل الذي يروم دوما إحاطة نفسه بإكسسوار زائف من الكتاب والمفكرين فهو راعي الفكر والثقافة وإن كان لا يحسن يكتب جملة صحيحة فأحسن أحواله أنه نصف أُمِيٍّ ! ورأت النخبة الليبرالية في ذلك ، كما ينوه بعض الفضلاء ، رأت فيه التفافا على السلطة المستبدة في استنساخ لتجربة النخبة العلمانية في أوروبا إبان عصورها الوسطى فقد رأى المثقفون آنذاك استحالة المواجهة المباشرة مع سلطة الاستبداد فتحايلوا أن يدخلوا في حاشيتها وَيُغَيِّرُوا فيها من الداخل باستخدام أساليب أشبه ما تكون بأساليب الماسونية التي تحسن اختراق الهيئات السياسية والاجتماعية لبث قيمها الأممية اللادينية ، فهذه هي الصفقة البراجماتية التي عقدتها النخب المثقفة مع النخب المستبدة في بلاد الشرق المتخلفة والتي لا يزال الناظر في أحوال الشرق يرى آثارها في أنظمة الاستبداد وتأمل خيانة النخبة المثقفة إلا آحادا معدودة ، تأمل خيانتهم لقيمهم الليبرالية في مصر إذ انحازوا انحيازا تامة للنخبة العسكرية المستبدة التي استولت على السلطة بآلة القوة الصلبة ، فأين هم من قيمهم التي صدعوا بها رءوس الناس ورسائلهم إلى مراكز البحث الغربية تَتَبَاهَى أنها نجحت في إفشال الإسلام السياسي إذ نجحت في إرباكه بتحريض الشارع عليه وإشاعة الفوضى والتحالف مع نخبة المال والأعمال والارتماء آخر الأمر تحت أقدام العسكر وهكذا فلتكن الليبرالية التي تقدس قيم الحرية والكرامة ! .

    ولا بد ، أيضا ، من ضرب مرجعية الأزهر في مصر بما لها من ثقل فكري في العالم الإسلامي مع ما وقع في مناهجها من القصور إذ نهجت نهج المتكلمين في الأصول وسيطر عليها التصوف والتقليد في الفقه إلا أن ذلك مبحث أكاديمي دقيق لا يعني الغرب بقدر ما يعنيهم دور الأزهر السياسي بوصفه محل احترام وتقدير في الداخل وفي الخارج فلا بد من ضرب هذه المرجعية بإجبارها على تقديم مزيد من التنازلات في إطار مشروع التجديد الذي يهدف إلى إفساد الأديان والأخلاق كما ترى الآن في مصر من تسارع لوتيرة هذا المشروع على كافة المستويات الدينية والاجتماعية والإعلامية والثقافية ولا بد من إهانة رموزه كما تقدم من سياسة النظام الحالية في الانتقاص من قدر شيخ الأزهر بمناسبة وبدون مناسبة لإجباره على الاستقالة أو تقديم جرعة أكبر من التنازل مع الانتقاص من قدره وإسقاط هيبته في القلوب بخطاب يتسم بقدر بالغ من الإسفاف والسوقية فتلك هي اللغة العسكرية الرسمية التي لا تعرف إلا ازدراء المخاطب فهي لا تراه إلا جنديا في وحدة عسكرية لا دور له في الحياة إلا خدمة القادة والتفاني في الدفاع عنهم إن في السلم أو في الحرب فيجب أن يضحي بنفسه من أجلهم وإن اضطر الأمر أن يبيع دينه ودنياه وكل ما يملك من أجلهم ! .

    وأما المحور الخامس فهو آخر المحاور إذ يروم القضاء على أية تجربة قد تكون محضنا لأية نبتة إسلامية ولو ضعيفة باهتة كما هي الحال في تجارب تُرْكِيَا وتونس والمغرب فهي أيضا في قائمة الانتظار وإن لم يأت الدور عليها إلا متأخرا .

    وإذا نظرت في هذه الخطة وجدتها خريطة اجتثاث للظاهرة الإسلامية تحت شعار يطلقه بعض مُثَقَّفِي الغرب ، وهو ستيف بانون آنف الذكر الذي يشكل مصدر الإلهام الثاني للرئيس ترامب ، فخلاصة فِكْرِهِ أن الإسلام قوة لا يمكن صد تأثيرها إلا عبر القوة العسكرية ، فهو خيار يجاوز طرح الإدارة الديمقراطية التي اقتصرت على محاولة الاحتواء والتدجين باستعمال أدوات السيطرة الناعمة دون اللجوء إلى القوة الصلبة ، ولو في الظاهر ، فإن إدارة الرئيس أوباما قد قتلت من المسلمين عددا كبيرا يناهز خمسة آلاف باعتراف الرئيس أوباما نفسه في سياق التذكير بإنجازات إدارته فقد استعملت سياسة التصفية النوعية لا القتل العشوائي ، وهي ، كما يقول بعض المفكرين ، قد امتازت بخطاب باطني ناعم خلافا لخطاب ترامب فهو خطاب ظاهري خشن لا يجيد لغة التقية التي كان الرئيس أوباما يجيدها .

    وتقسيم الإسلام إلى مستويات هو من نتاج النظرة العلمانية التي لا تستوعب معنى الدين كنظام حياة وإن كانت تدرك ذلك نظريا فهي تخوض الصراع مع الإسلام الشامل الذي يستغرق كل جانب في الحياة ، لا سيما الجانب الفكري والقانوني والسياسي والأخلاقي ، فهو مرجع قيم وشرائع وسياسات تضاهي منظومة القيم العلمانية في الغرب ، فتقدم البديل الذي يسارع فيه أبناء المركز فُرَادَى فلا تملك الهيئات السياسية إلا أن تشن الغارة الفكرية والإعلامية والسياسية والعسكرية تحقيقا لسنة التدافع فلا يمكن لها أن تحتفظ بمكاسبها إذا أفسحت الطريق لمنافسة عادلة ، فذلك ما يفضح زيفها في أول مواجهة متكافئة ، فهذا التقسيم ، محل الشاهد ، إلى سياسي وجهادي وعلمي ودعوي وشعائري ..... إلخ هو من نتاج النظرة العلمانية التي تفصل الدين عن الحياة في النماذج العلمانية الكلية أو تفصله عن السياسة في النماذج العلمانية الجزئية ، وهو ما لم يسلم منه فئام من الإسلاميين في تعاطيهم مع الظاهرة الإسلامية فوقعوا في فخ التصنيف حتى صار الإسلام نسخا عدة وليس ، عند التدبر والنظر ، إلا إسلاما واحدا ، فلو أجمعوا عليه لانحل الإشكال التاريخي الذي جعلهم شذر مذر وسهل على الخصم التصنيف والترتيب فبدأ في مواجهة الأخطر فالأخطر مع تحريض فئام على أخرى في سياسة طويلة النفس وهو أمر تمارسه الأجهزة الأمنية في الداخل والدوائر السياسية والاستخباراتية في الخارج ، وذلك مكر القوم الذي قد علمه الرب ، جل وعلا ، أزلا ، وإنما قدر وقوعه ابتلاء أن يقع التدافع بين قبيل الحق وقبيل الباطل ، فيبذل أهل الحق ما استطاعوا من الأسباب ليكونوا من أهل : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 37095

    الكنية أو اللقب : ابو يوسف

    الجنس : ذكر

    البلد
    الجوف

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : دعوة

    معلومات أخرى

    التقويم : 152

    الوسام: ۩
    تاريخ التسجيل15/1/2011

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:12:12 PM

    المشاركات
    2,419

    بارك الله فيك .. وجزاك الله خيراً


    دائما أجد ما في نفسي هنا


    يحار المرء في مثل هذه المؤآمرات ما هو دوره .. فسبحان الله

    أسأل الله أن يرزقنا البصيرة

    ليـس الجمال بمئزرٍ ** فاعـلـم وإن ردّيت بُردا
    إنَّ الجمـال معـادنٌ ** ومناقـبٌ أورثن حـمـدا

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •