اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: من العقود المحرمة

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:20-08-2017
    الساعة:07:08 PM

    المشاركات
    4,666
    العمر
    39

    من العقود المحرمة

    من أعظم ما يكون من الجدال بغير الحق ما يكون من التحايل في عقود الغرر ، فهي عقود باطلة إذ فحش الغرر ، فاليسير منه يغتفر إذ لا يخلو عقد من غرر ، والنادر لا حكم له ، كما يقول أهل الشأن ، ومن الغرر الفاحش الذي يحرم صورة المعاملة ما اصطلح أهل الفقه أن يسموه السوكرة ، وهو ما يكافئ في هذا العصر ما اصطلح على تسميته في القوانين الحديثة ، التأمين التجاري ، فتحايل من تحايل ، كما يقول أهل الشأن ، أن قاسه على عقد الوديعة بأجر ، فإن الأصل في الودائع أنها أمانات ، ويد الأمانة لا تضمن إلا إذا تعدت أو فرطت ، فَلَوْ حَلَّ الوكاء ضَمِنَ ، كما يقول أهل الشأن ، فلو استودعه أحد مالا فحل وكاءه فقد تصرف فيه فصار ضامنا كما هي حال المقترِض ، فإن المقترض لا يُطَالَبُ بِعَيْنِ ما اقترض ، وإنما يطالب بما يساويه في القيمة خلافا للمستودَع فإنه يطالب بعين ما اسْتُودِعَ ، فلو اسْتُودِعَ مائة أو ألفا ، فالواجب في حقه أداء عين المائة أو الألف ، فلا يجزئ أداء غيرها ، فالوديعة أمانة ، والأمانة ، كما تقدم ، لا ضمان فيها إلا أن يشترط فإن الشرط قيد يزيد فالعارية كالأمانة لا تضمن فإن اشترط صاحبها الضمان أو بُذِلَ له طَوْعًا جاز ، والأصل في ذلك حديث : "أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه ، (أي : من صفوان بن أمية) أدرعا يوم حنين ، فقال : أغصبا يا محمد ؟ قال : بل عارية مضمونة" ، فَثَمَّ أصل يستصحب فذلك يجري مجرى البراءة الأصلية ، فالأصل في الذمة البراءة فلا تشغل بعقد الأمانة أو العارية ما لم يكن ثم تَعَدٍّ أو تفريط فذلك ناقل عن الأصل ، تُشْغَلُ به الذمة فَثَمَّ قرينة من خارج تجري مجرى العلم الزائد الذي يوجب قبول قول الناقل عن الأصل ، فَلَمَّا كان التعدي أو التفريط في العارية أو الأمانة وجب الضمان ، وثم من أهل العلم ، وهو قول الحنفية والمالكية رحمهم الله ، ثم من قال بما تقدم أن ضمانها لا يكون إلا بالتعدي كالغل أو الجحد ، أو التفريط ، فالنص قد جاء يُبَيَّنُ حال المغل في الخبر أن : "ليس على المستعير غير المغل ، ضمان" ، فالتعدي يكون باستلاب ما ليس له ، وقيس عليه التفريط ، إذ مناط الحكم التقصير في حفظ الأمانة أو العارية ، فذلك القيد الزائد الذي يجري مجرى القرينة المرجحة الموجِبَةِ انتقال الناظر من الأصل ، وهو براءة الذمة ، إلى اشتغالها ، فالقرينة قد رجحت شَغْلَ الذمة والأصل عدمه ، فذلك جار على ما تقدم مرارا ، أن القرينة أصل في الترجيح ، فقد يرد الحكم في اللسان أو الشرع ، وقد رَجَحَ طرفٌ منه آخرَ ، فيوجب ذلك العمل به طردا للأصل فالاستصحاب هنا يكون لطرف راجح على مرجوح ، كما هي الحال في الظاهر ، فإن الأصل أن يحمل على الراجح دون المرجوح فإن جاءت القرينة تشهد للراجح فقد زادته قوة على قوة ، وإن جاءت في المقابل تشهد للمرجوح : انقلب الحكم فمالت كفة الاستدلال نحو المرجوح الذي استفاد بالقرينة قوة صيرته راجحا لا مطلقا ، وإنما في هذا الموضع بعينه فلا يتعدى إلى غيره فما خالف القياس فغيره عليه لا يقاس ، كما يقول أهل الشأن ، ولذا قال من قال أن لا قياس في الرخص ، إذ الرخصة خلاف الأصل فهي تخالف قياس الشريعة المطرد الذي يوجب العمل بالعزيمة ، فلما ورد من القرينة ما رجح المرجوح فأوجب العدول إلى الرخصة لضرورة أو حاجة ملجئة ، فذلك خلاف القياس فلا يقاس عليه غيره ، وثم من قال بجواز القياس على الرخص انتفاعا بمعنى الارتفاق فيها فلا تخصص المنة إذ ذلك ينغصها فلا تخصص إلا لحق الله ، جل وعلا ، فَجَوَّزَ بعض أهل العلم القياس على الرخصة ، كما قد قيل في قياس عارية العنب على عارية الرطب ، فمعنى الارتفاق بمن يروم الرطب الجديدة فيجوز له أن يشتريها بخرصها تمرا قديما عنده ، على تفصيل في ذلك ، هذا المعنى يحصل في شرائه العنب الجديد بخرصه زبيبا قديما عنده .
    وكذا الشأن في اللفظ المؤول ، فإن التأويل ، كما حده المتأخرون ، حمل اللفظ على خلاف الظاهر المتبادر وهو الراجح فيحمل على ضده من المرجوح لقرينة توجب ذلك لا تحكما أو تشهيا ، وإنما لكل محل من النزاع بين الظاهر والمؤول ، لكل محل من القرائن ما يوجب تارة العملَ بالأصل وهو الظاهر فالقرينة قد تَرِدُ فَتُرَشِّحُهُ ، وقد يخلو المحل من القرائن ، فذلك يرد الأمر إلى الأصل وهو العمل بالظاهر ، وقد ترد القرينة المعتبرة فتوجب العدول عن الأصل والانتقال عنه إلى ضد مرجوح لا يقاس عليه ، كما تقدم ، وإنما لكل موضع تأويل من القرائن ما يخصه فتلك علة لا تَتَعَدَّى ، فتشبه من وجه العلة القاصرة على محلها ، كعلة السفر والمرض في جواز الفطر في رمضان ، وعلة السفر في جواز القصر في الصلاة ، فلا تصلح هذه المعاني اللازمة القاصرة على محلها لا تصلح علة قياس إذ علة القياس لا بد أن تكون متعدية ليصح استعمالها في غير موضعها ، وقد يتنازع المحل أكثر من قرينة ، فيكون اللفظ مشتركا يحتمل معان فالقرائن تَتَنَازَعُهُ ، فواحدة تشهد للأصل وأخرى تنازعها تأويلا جائزا لا يمتنع ، فلا عبرة بقرينة تشهد لتأويل يمتنع لمخالفته ابتداء قياس العقل ، كما يقع كثيرا في كلام المتأولة في الإلهيات فإن قرائنهم قرائن عقل تأرز إلى المجاز ، والباب باب غيب فمداره على التوقيف فلا يعمل العقل في محل لا يدرك حقيقته في الخارج فعمله في الأحكام معقولة المعنى إنما جاز إذ يدرك الحقيقة في الخارج ، ويدرك مناط التعليل ، وهو مناط يجاوز فيحسن يجاوز به الأصل إلى فرع ، إما قياس أولى وهو الفحوى ، أو قياسا مساويا وهو لحن الخطاب ، أو قياس أدنى ، وأما الإلهيات والأحكام التوقيفية ، وإن عملية ، فلا تصلح فيها قرينة العقل صارفة عن الظاهر ، كما وقع من أهل التأويل ، سواء أكان بعيدا أم باطلا من كل وجه فهو تلاعب بنص الشرع ، كما قد وقع من غلاة المتأولة من الباطنية والفلاسفة ، فلا بد أن تكون القرينة صحيحة ، ولكل موضع من القرائن ما يلائمه ، وقد يكون التأويل قريبا سهل التناول فيجزئ فيه أدنى قرينة ، وقد يكون متوسطا فيحتاج قرينة متوسطة فهي أقوى من القرينة الدنيا في التأويل القريب ، وقد يكون التأويل بعيدا فيفتقر إلى قرينة عليا ، فلا تجزئ فيه أية قرينة ، وقد يكون بعيدا لا تشهد له قرينة فيكون مردودا من هذا الوجه ، وقد يبلغ حد التلاعب ، كما تقدم ، وقد يكون المحل قابلا لأي نوع من القرائن فتجزئ فيه قرائن العقل ، وقرائن السياق ، وقد يكون المحل محل توقيف فقرائن العقل فيه لاغية ، فلا اعتبار إلا لقرينة السياق ، كما في نصوص الأخبار لا سيما الإلهيات ، كما قال أهل الشأن في نحو قوله تعالى : (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) ، فتلك عين الرعاية فالسياق بذا يشهد على وجه لا يستوجب نفي الأصل ، بل تثبت صفة العين الخبرية ، وتثبت لوازمها في الخارج ومنها العناية والرعاية ، فلا يستنبط العقل معنى لازما فيبطل به الملزوم فَمَثَلُ ذلك ، كما تقدم في مواضع ، كمثل من استنبط علة لحكم في الفقه تأتي على الأصل بالإبطال ، كمن يَتَلَمَّسُ في الربا علة الارتفاق فيقيسه على القرض ، وذلك قياس مع الفارق ، فلو سلم أن فيه نوع ارتفاق وتعاون ، فتلك علة أتت على الأصل بالإبطال ، وهو تحريم الربا الصريح في آي متواتر من التنزيل ، ونصوص من الخبر فصلت ما أجمل من الربا في آي آل عمران أن : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فصدر السياق بنداء المؤمنين وذلك الغالب على الآي المدني ، ومنه آي آل عمران ، وإن دخل غيرهم ضمنا بقرينة العموم في التكليف فذلك أصل لا يعدل عنه إلا لقرينة فيجري مجرى ما تقدم من العمل بالظاهر حتى يرد الدليل الصارف إلى المؤول ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن القرينة قد انضمت إلى ظاهر اللفظ البسيط الذي يقتصر على دلالته الإفرادية في المعجم ، فانضمت إليه القرينة فصار ظاهرا مركبا ، فليس ثَمَّ تأويل وإنما حُمِلَ اللفظ على الظاهر المتبادر وهو ما يدل عليه اللفظ في سياقه الذي ورد فيه فإن اللفظ لا يفيد مجردا من السياق ، مذكورا أو مقدرا ، لا يفيد مجردا معنى يفهم ، فلا يكون كلاما في اصطلاح أهل الشأن ، فقرينة السياق في الآية المتقدمة ، في قوله تعالى : (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) ، هذه القرينة قد انضمت إلى الظاهر البسيط فحصل من التراكب ما أفاد المعنى الزائد بظاهر الكلام المؤلف من معناه المفرد وسياقه المركب ، ولو سلم أنه تأويل في باب الأخبار فلا يشهد لتأويلات أهل الكلام إذ استند في هذا الموضع إلى قرينة السياق لا قرينة العقل كما اطرد في تأويلاتهم فليست إلا نتاج قياس فاسد قيس فيه الغائب على الشاهد ، قياس الخالق الكامل ، جل وعلا ، على المخلوق الناقص ، فَثَمَّ فارق في الغيب والشهادة من وجه ، وفارق في الكمال والنقص من آخر ، فذلك القياس مع الفارق ، وهو ، كما تقدم ، قياس فاسد ، فَنَفَرَ العقل من ناتجه الفاسد فالتزم ما يلزم من نفي هذا اللازم الفاسد وذلك حق ، وزاد فالتزم ما لا يلزم من نفي الأصل ، وهو باطل ، فكان التعدي في التأويل بزيادة نَفْيٍ أتت على الأصل بالإبطال وإن لم يصرح المتأول بذلك فأشبه ، كما تقدم ، من استنبط علة أتت على الأصل بالإبطال ، فثم أصل يأرز إليه الناظر مبدأ استدلاله ، فهو نص لا يحتمل ، أو ظاهر راجح يحتمل ضدا مرجوحا ، فيصار إلى الظاهر إلا أن ترد قرينة صارفة إلى المؤوَّل المرجوح ، أو هو مشترك يجري مجرى المجمل الذي تزدحم فيه المعاني فذلك يوجب التوقف ، فقد تَزْدَحِمُ فيه المعاني ولكن أحدها أرجح فيكون الظاهر المتبادر فهو الأصل إلا أن ترد قرينة صارفة إلى غيره ، وقد تَتَسَاوَى الوجوه في الاحتمال فَتَتَنَازَعُهُ معان عدة على حد التساوي فلا يظهر ، بادي الرأي ، وجه يرجح بعضها على بعض ، فذلك يوجب التوقف من باب أولى ، حتى ترد قرينة ترجح أحد وجوه المشترك فيكون هو الظاهر الراجح بما انضاف إليه من القرينة ، أو يصير ، كما تقدم ، ظاهرا مركبا من : وجهٍ يحتمله اللفظ المشترك وقرينةٍ رجحته فهي دليل من خارج صيره الراجح بعد أن كان محتملا كغيره على حد التساوي فجاءت القرينة ترجحه دون غيره ، وذلك قد يبلغ به حد النص إذ تَعَيَّنَ المعنى المراد وانتهى الأمر فلا تأويل ، بل هو نص في معنى بعينه ، وإن لم يفده ابتداء بدلالة الإفراد ، فالقرينة قد انضافت إلى المعنى المفرد فرشحته دون غيره ، كما تقدم ، فصار نصا في محل النزاع وإن لم يكن ابتداء نصا بالنظر في أصل الوضع الأول في اللسان ، خلاف ما كان نصا ابتداء فلا يحتمل إلا معنى واحدا ، فالنص قد يكون ابتداء ، وقد يكون انتهاء بما يحتف بالظاهر من قرائن ، أو بما يحتف بالمشترك من القرائن التي رجحت وجها من وجوهه دون بَقِيَّتَهَا ، فكانت الوجوه على حد سواء ، فكان الإجمال بازدحامها في محل واحد فلا يحتمل منها إلا واحدا ، فالغمد لا يتسع لسيفين ، والمحل لا يحتمل معنيين ، فوجب التوقف حتى يرد الدليل المرجِّح فقد يأتي المرجِّح فيرجح أحدها سواء أكان المتبادر أم غيره ، وقد تكون الوجوه ابتداء على حد سواء كما تقدم فلا يظهر وجه ترجيح بالنظر في دلالة اللسان الأولى فذلك أشد إجمالا فيجب فيه التوقف من باب أولى حتى يرد دليل يرجح أحد الوجوه ، وقد ترد أدلة وقرائن عدة فمنها ما يشهد لوجه ومنها ما يشهد لثان ... إلخ فتكون المسألة من باب تراجح القرائن أو تراجح الأدلة ، فما كان أقوى فهو أرجح فإن تكافأت في نظر الناظر فلا يكون ذلك في الخارج ، أبدا ، إذ لا بد من دليل أو قرينة ترجح وإنما غابت عنه ، فلا يحكم بالرد وإنما يتوقف إذ عدم العلم لا يستلزم العلم بالعدم فعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود بل قد تكون القرينة موجودة لم تبلغه فتبلغ غيره على وجه يجيز له من الترجيح ما لا يجيز للأول الذي لم تبلغه القرينة ، وإن كان أعلم من الأول في الجملة فليس أعلم منه في هذا الموضع بعينه ، فيتوقف حتى تبلغه القرينة المرجحة ، فإذا تكافأت القرائن المرجحة لوجوهِ مشترك في اللفظ ، فجاء لكلِّ وجهٍ قرينةٌ تشهد له ، وكانت القرائن متعادلة فالواجب التوقف كما يتوقف من تكافأت الأدلة في نظره ، فإن رجح بعضها بعضا وجب اعتباره وترجيح الوجه الذي يدل عليه ، وقد يدل الدليل على أكثر من وجه ، على قول من يجيز دلالة العموم في المشترك وذلك ، أيضا ، خلاف الأصل ، فلا يصار إليه إلا بقرينة ، فالقرينة قد تجيز إثبات أكثر من وجه في لفظ مشترك مع أن الأصل فيه أن يدل على أحد وجوهه دون بقيتها ، فمن جوز العموم في دلالة المشترك فإنه يجوز من القرائن ما يشهد لأكثر من وجه لا وجهٍ بعينه ، وكذلك الشأن فيما تقدم من خطاب المؤمنين في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فالأصل فيه العموم ، فلئن خص به المؤمنون بالنظر في خطاب المواجهة فذلك أصل أو ظاهر إلا أن ثم قرينة من خارج بها اتسعت دلالة النداء فاستغرقت الكافر فخوطب بفروع الشريعة ألا وهي قرينة العموم في التكليف فهي ، أيضا ، أصل يجب المصير إليه إلا أن ترد قرينة صارفة توجب تخصيص المحل بالحكم فلا يتعدى ، كما هي الحال في دلالة التغليب ، فإن الأصل في لفظ المذكر ، اسما موصولا أو ضميرا ..... إلخ ، الأصل فيه كما في هذا الموضع في الاسم الموصول الذين" وضمير الجمع في "آمنوا" ، الأصل فيه أن يُقْتَصَرَ على دلالته على الجنس الذي وُضِعَ فِي أصل اللسان للدلالة عليه فلا يجاوزه إلى الجنس المؤنث ، ولكن ثم قرينة اطردت في نصوص التشريع ، وهي قرينة العموم في التشريع ، ويضاهيها في اللسان ما اصطلح على تسميته بدلالة التغليب فيطلق المذكر وَيُرَادُ الجميع ، فذلك يجري مجرى المجاز عند من يثبته في الشرع واللسان ، إذ أطلق الخاص وهو اللفظ الدال على جنس بعينه وأراد العام الذي يستغرق كل مكلف ذكرا كان أو أنثى ، ومن ينكر المجاز في الشرع أو ينكره في الشرع واللسان جميعا فإنه يقول إن ذلك مما اطرد في لسان العرب حتى صار حقيقة فلا مجاز ، فالتغليب أمر اطرد في اللسان واشتهر ، فصار هو الأصل مع أنه ، كما تقدم ، خلاف الأصل بالنظر في دلالة الحقيقة اللغوية المطلقة التي توجب قصر اللفظ المذكر في دلالته على الجنس المذكر ، ولكن اطراد التغليب في دلالة اللسان قد صَيَّرَ الأصل هو العمومَ المستغرق لكل فرد في الخارج ، ذكرا أو أنثى ، فذلك عرف زائد في اللسان قُدِّمَ على مطلق الحقيقة على ما اصطلح في باب الترجيح في الحقائق ، فالحقيقة العرفية أخص من الحقيقة اللغوية العامة فتقدم عليها إذ تقضي فيها قضاء الخاص القطعي في العام الظني ، فالحقائق تتراجح ، كما ذكر أهل الشأن ، فحقيقة الشرع أخص الحقائق فتقدم إلا أن ترد قرينة توجب الانتقال إلى الحقيقة في العرف ، كما قد قال أهل الشأن في الأسماء التي وردت في الشرع وأنيطت بها أحكام ولم يحدها الشرع بحد معين فأطلقها فَتَعْيِينُهَا يكون بالعرف كما قال أهل الشأن في اسم السفر واسم الغرر ، وهو محل شاهد تقدم ، فالغرر منه اليسير المغتفر ، ومنه الفاحش الذي لا يغتفر وبه أبطل من أبطل عقود كعقد السوكرة ، فإن قياس هذا العقد على الوديعة بأجر ، قياس مع الفارق ، ففي الوديعة يكون الأصل أن يد المودَع يد أمانة ، فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط فقيس على العارية إذ لا يضمن المستعير إلا أن يتعدى أو يفرط للخبر : "ليس على المستعير غير المغل ، ضمان" ، فثم نفي قد عم إذ تسلط على النكرة "ضمان" فليس ثَمَّ ضمان ، أي ضمان ، وقد قدم ما حقه التأخير "على المستعير" لِعِلَّةٍ في اللفظ إذ لا يجوز الابتداء بالنكرة ، فإن الكلام إن جُرِّدَ من الناسخ النافي "ليس" فمآله : ضمان على المستعير ، فلا يصح الابتداء بالنكرة في هذا السياق ، إذ ما بعدها يحتمل أنه نعت يخصصها ، أو هو خبر عنها فلما دخلها الاحتمال بطل بها الاستدلال على معنى صحيح يفهم ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن تقدم النفي يجوز الابتداء بالنكرة ، فلا إشكال إذ ثم قرينة أوجبت العدول عن الأصل فيجري ذلك مجرى ما تقدم مرارا ، من جواز العدول عن الأصل إذا وردت قرينة صارفة معتبرة بل قد يجب ذلك في أحوال ، فالأصل امتناع الابتداء بالنكرة إلا أن ترد قرينة تجوز ذلك ، كأن توصف النكرة أو تضاف أو يتقدمها استفهام أو نفي .... إلخ من مسوغات الابتداء بالنكرة ، فلما وردت القرينة في هذا السياق : "ليس" ، وهي النفي الذي تقدم النكرة فصدر به السياق ، فلما وردت هذه القرينة جاز الابتداء بالنكرة ، فيكون تأخيرها لعلة في المعنى إذ محل الفائدة معنى الإعارة الذي اشتق منه اسم الفاعل "المستعير" ، فإن "أل" فيه تجري مجرى الوصل إذ دخلت على اسم الفاعل المشتق "مستعير" ، فقد اشتق من الفعل "استعار" ، وقد زِيدَ في حده الألف والسين والتاء مئنة من الطلب ، كما قد قرر أهل الصرف ، فالزيادة في المبنى مئنة من زيادة تضاهيها في المعنى ، و "أل" ، من وجه آخر ، تجري مجرى البيان للجنس ، ولا تخلو من دلالة العموم الذي خص بالاستثناء في "غير المغل" ، فذلك يجري مجرى الاحتراز بالتخصيص المتصل بالاستثناء فأخرج فردا من أفراد العموم من الحكم ، فيثبت له ضد الحكم ، فالحكم منتف في حق جميع الآحاد فليس عليهم ضمان ، والحكم ، من وجه آخر ، ثابت في حق الغال إذ اسْتُثْنِيَ فثبت له ضد الحكم المنفي ، فيثبت في حقه الضمان إذ ظلم وتعدى ، فتلك دلالة المفهوم ، ولا يخلو القيد من دلالة احتراز إذ يخرج هذا الفرد لئلا يظن المخاطب اطراد الحكم في حق كل مستعير ، وأنيط الحكم فيه أيضا بمعنى الغل الذي اشتق منه اسم الفاعل "المغل" ، فذلك جار على ما تقدم من إناطة الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة في "المغل" بإجراء "أل" مجرى الوصل ، فكل أولئك مما استدل به أصحاب هذا القول أن لا ضمان على المستعير ، فالأصل في يده أنها يد أمانة إلا أن يتعدى ، فَذَكَرَ الغل مثالا لجنس أعم وهو التعدي ، فَذِكْرُ الغل هنا يجري مجرى الخاص الذي ورد مثالا يبين العام فلا يخصصه كما قرر أهل الأصول ، وثم قياس آخر صحيح ، وهو قياس التفريط على التعدي فمناط العلة ، كما تقدم ، التقصير الذي يوجب المؤاخذة ، فالأصل في يد المستعير أنها يد أمانة إلا أن يتعدى أو يفرط ، وذلك قول الحنفية والمالكية رحمهم الله ، كما نقل صاحب "المغني" رحمه الله ، فاستدلوا بهذا الخبر ، واستدلوا بخبر "العارية مؤادة" ، فذلك خبر يراد به الإنشاء أن أدوا العرايا ، والأداء في التنزيل قد جاء للأمانات في قول رب البريات جل وعلا : (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) ، فقيست العارية على الأمانة إذ تسلط عليهما عامل واحد وهو عامل الأداء ، وثم من قال إن العارية مضمونة مطلقا ، وذلك قول الشافعية والحنابلة رحمهم الله ، واستدل بخبر صفوان المتقدم وفيه : "بل عارية مضمونة" ، فَضَمِنَهَا صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ استعارها من صفوان بن أمية ، رضي الله عنه ، وكان آنذاك على الشرك ، وقد يقال إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد خرج عن الأصل فاشترط شرطا زائدا لا يجب ابتداء فليس داخلا في طلب العارية ، فتلك قرينة أوجبت العدول عن الأصل وهو عدم الضمان إلى الضمان ، كما يقال في باب الشروط عند من توسع فيها فقيد بها بعض المباح ، كما هي الحال في مذهب الحنابلة رحمهم الله فهم أوسع المذاهب في باب الشروط إذ هي مما يندرج في المعاملات والأصل فيها الإباحة فتوسعوا في الإباحة في المعاملات واحترزوا ما احترزوا في العبادات حتى ألصقت بهم وصمة التشدد وهو أمر قد يصدق في بعض فروع الطهارة وبعض فروع العبادات ولكنهم في المعاملات على ضد ذلك فهم ، كما تقدم أوسع المذاهب في الشروط ما لم تخالف أصلا منصوصا ، فجوز من جوز أن تشترط المرأة على زوجها ألا يتزوج عليها ، فالأصل إباحة ذلك لقوله تعالى : (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) ، فالأمر مئنة من الإباحة امتنانا كما في قوله تعالى : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ، فجاء الأمر الذي زيد في وجه المنة فيه أن تسلط على "ما طاب" ، فثم عموم الوصف الذي ينزل منزلة غير العاقل ، فمناط الفائدة وصف الطيب من النساء وهو ما يزيد في المنة ، وهو ، من وجه آخر ، مما يدل على إنشاء لطيف ألا تنكحوا الخبيث ، فـ : (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) ، فثم ، من وجه ، تأويل يجري الخبر مجرى الإنشاء ألا تُنْكِحُوا الطيب إلا طيبة ، وأما الخبيثة فهي بالخبيث أليق ، فلا يخلو من تعريض بمن نكح الخبيث فذلك مئنة من نقص في وصفه ، فـ : "الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف" ، فالروح الخبيث تألف مثلها وتقاربه ، فـ : "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخَالِل" ، وعموم الخليل يستغرق الزوج ، فالمرء على دين زوجه ، فشاهد الحال يرجح دلالة الإنشاء إذ قد يقع الطيب في خبيث ، ولا يخلو ذلك ، لو تدبر الناظر ، من تقصير في الاختيار بزخرف يخدع ، فيكون ذلك من الابتلاء أو العقاب ، وذلك إن جاز في حق آحاد من الناس ، فلا يجوز في حق الأنبياء عليهم السلام فهو مما تعظم به المعرة على وجه ينتقص من قدر النبوة ، وذلك إنما يصح إذا حمل الخبث على الفحش القادح في العفة ، لا الكفر القادح في الدين فثم من أزواج الأنبياء عليهم السلام من كانت كافرة فلم تلحقه المعرة بذلك خلافا للزنى ، لا عجب كان القذف بالزنى موجبا للحد خلافا للقذف بالكفر فهو يوجب التعزير وإن كانت جناية الكفر أعظم إلا أن المعرة في الزنى أعظم ، وثم وجه تأويل آخر أن الكلمات الطيبيات للطيبين ، والكلمات الخبيثات للخبيثين ، فيجري ذلك ، أيضا ، مجرى الإنشاء ألا تقولوا في حق الطيب إلا ما يستحق من الكلم الطيب ، وأما الخبيث فحقه الزجر والقدح لا على وجه يحصل فيه التعدي فينبز بما ليس فيه ، فإن الظلم لا يجيز الظلم ، وإنما ينبز بخبيث القول زجرا ، من وجه ، وتحذيرا من آخر ، على وجه يجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها فلا يزاد فيه عن حد الضرورة إذ ذلك من الجهر بالسوء الذي لا يحبه الله ، جل وعلا ، فـ : (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) ، فالمظلمة توجب الجهر بالسوء ومنه ما تقدم من تضمين الغال ، فهو متعد ظالم فشرع زجره بالضمان ، وإن كان الأصل أن يده يد أمانة ، ولا يخلو الأمر في قوله تعالى : (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) ، لا يخلو من دلالة تعريض أن انكحوا ما طاب لكم من النساء ، فإن طاب لكم الخبيث فالطيور على أشكالها تقع ! ، فجاء الأمر إباحة لا تخلو من المنة ، وزيد فيها بالتقييد بأحوال تَتْرَى بها كان القيد لما أطلق من الفعل فانكحوا ما طاب : (مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) ، فالأصل الزيادة ، والاستثناء الذي يندر أن يقتصر الناكح على واحدة ، فتلك دلالة "إن" في قوله تعالى : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) ، فهي مئنة من الندرة ، كما قرر أهل اللسان ، فهو الاستثناء الذي يخالف عن الأصل ، وثم ما يوجب الانتقال عن الأصل ، أيضا ، وهو ما أباحه بعض أهل الشأن من جواز اشتراط المرأة على زوجها ألا ينكح غيرها سواء أكان شرط اللفظ أم شرط العرف ، كمن قد يعلم من حال بيوتات أنهم يستنكفون أن يتزوج أصهارهم على بناتهم ، وذلك لا يصح إِنِ اشترط أن يجري مجرى الاعتقاد الذي يوقع صاحبه موقع الذم أن يجد الحرج فيما أباحه الشرع ، فيحصل التعدي الذي يبلغ بصاحبه في أحيان أن يحرم الحلال إما بلسان الحال بل وبلسان المقال في أحيان ، بل ثم من خالف فأنكر ما قد علم من الدين بالضرورة من إباحة التعدد في النكاح ، فسن من الشرائع ما يحظره بل ويجرمه فهو مناط عقوبة في شرعه المحدث الذي ضاهى به الشرع المنزَّل ، فابتلي به الناس كما في هذه الأعصار كما في بعض الأمصار أن كان ذا ولاية عامة فصار طاغوتا يضاهي الرب ، جل وعلا ، بل وينازعه وصفا من أخص أوصافه وهو التشريع ، فهو مناط التأله والتعبد بما شرع على ألسنة رسله ، عليهم السلام ، فنازعه هذا المنصب وحصل له من الطغيان ما يتفاوت فجنس الطاغوت يعم كل من ضاهى الشرع بالوضع ، وإنما يحصل التفاوت من طاغوت إلى آخر ! ، فثم طاغوت أطغى ، وإن كان جنس الطغيان لهم جميعا يستغرق ! . فَثَمَّ من أجاز هذا الشرط وإن قُيِّدَ به مباح ، لا اعتقادا لتحريمه ، وثم من نفى هذا الشرط ، فـ : "من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة شرط" ، وقد يقال إنه في كتاب الله ، جل وعلا ، إذ يجري مجرى العهد والعقد فكلاهما يجب الوفاء به ، فيدخل ، من هذا الوجه ، في عموم الأمر في قوله تعالى : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ) ، وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، فكذلك الشأن في العارية ، وهي محل شاهد تقدم ، فقد يقال إنها ابتداء مما لا يضمن ، فذلك الأصل ، وللمعير أن يشترط الضمان ، فذلك شرط جائز كما أن للمرأة أن تشترط على زوجها ألا ينكح غيرها ، وذلك ما لا يَصِحُّ قِيَاسُ عقد كالسوكرة أو التأمين المعاصر عليه ، فثم ، كما يقول بعض الباحثين ، ثم فارق أي فارق ، فإن جواز الوديعة بأجر ، والأصل أنها من عقود التبرع والإحسان ، فإن جوازها بأجر يحول اليد من يد أمانة تحسن إلى يد ضمان تضمن بما تُعْطَى من الأجر ، وذلك يجري مجرى ما يكون في بعض المصارف المعاصرة مما اصطلح أن يسمى "الحساب الجاري" ، فهو أهون الشرور إن أعيى صاحب المال أن يستثمر ماله في تجارة أو عقار ، فإن خاف ضياعها أو سرقتها لا سيما في أعصار يكثر فيها السلب والنهب كهذه الأعصار التي انحلت فيها عرى الدين والأخلاق لا سيما مع ذيوع الفقر الذي يسارع بوتيرة الإفساد للأخلاق فضلا عن فساد الأديان فهو رأس كل خطيئة ، فذلك ما يجعل الخوف ذائعا ، إذ انهار بناء المجتمع وتآكلت أركانه فانقلب تدريجا إلى فئام متشرذمة وعصابات مترصدة حملها الفقر أن تحترف السلب والنهب فضلا أن تكون ابتداء عاطلة من كل فضيلة فهي تسرق في السعة وفي الضيق فاحترفت المحظور وصار فيها من الطبع المركوز ! ، وذلك أمر يستوجب النظر والتدبر ، فإن بناء الأمم من أصعب ما يكون ، وقد يكون ظاهرها الصحة ، بل الريادة والسيادة كما كانت الحال ، على سبيل المثال ، في قرطبة قبل الفتنة الكبرى الذي أتت على الأخضر واليابس ، فكان القوم مضرب المثل في العلم والفصاحة ورخاء العيش ولين الطبع فلم يكن ثم مؤشر إجرام ! ، إن صح الاصطلاح ، فالمجتمع ساكن آمن ، والرخاء حاصل في الجملة ، والعلم فاش في الخاصة والعامة وهو من خير ما يهذب النفوس والطبائع ، فانقلبت الحال فجأة وانهدمت دولة الناصر وابنه المستنصر ، ودولة الحاجب المنصور وابنه الحاجب المظفر ، انهارت هذه الدول التي كان لها من الحشمة والهيبة في نفوس نصارى الشمال في الأندلس ما جعل ذكرها يثير في نفوس خصومها الفزع ، فانهارت دول أقيمت في عقود ، انهارت في بضع سنين فما أيسر الهدم وتبدلت الحال من أمن إلى خوف بما كسبت أيدي الناس ، وذاع القتل مع عصبية جاهلية أذكت نار العداوة بل وحملت الخصوم أن يستعينوا بالنصارى على بعضهم ! ، فذهبت الحشمة وزالت الهيبة وضعفت الشوكة وانحلت عرى الملك الذي كان واحدا فصار على أنحاء شتى بعد إلغاء رسم الخلافة في المركز ، فذلك ما يؤذن بالتنازع والفشل وذهاب الريح ، إذ انحلت عصبة الملك فصارت عصبيات جاهلية لا يعنيها إلا تحقيق مآربها السياسية ولو بإهدار القيم الدينية والأخلاقية ، فانهارت الأمة فجأة ، أو هكذا بدا ، فإن بذور الفساد لا بد أنها حصلت ولو خفية كامنة حتى آنست فرصة من فوضى فصارت ظاهرة ، لا سيما وقد سبقت باستبداد عظيم فهو مما يفسد الحال وإن منع الانفجار بقبضته ، فإذا ضعفت انهار البناء وذاعت الفوضى فجأة في أَثَرِهَا لا في أسبابها فهي حاصلة ابتداء بما أحدث الاستبداد والظلم من فساد النفوس وإنما منعها خشية السلطان إن كان ذا شوكة فلما ضعفت شوكته وذهبت دولته وأبطلت رياسته جاءت الفوضى عارمة فاقتلعت الفضائل من جذورها وانعكس اضطراب السياسة وفسادها في أخلاق الناس ومعاملاتهم فلا يأمن الناس على دم أو عرض أو مال ، فذلك من أشراط الساعة أن يكثر الهرج ، سواء أفسر بالقتل أم بالزنى فكلا الوجهين صحيح وكلاهما حاصل في أعصار الفتنة ، بل يفشو من الفواحش ما يخالف عن طبائع النفوس ، ولو شهوانية ، فيكون ثم جنس جديد من الفواحش والجرائم لا عهد للناس به فذلك من آثار الاستبداد والظلم فليس إلا فساد الدين والدنيا ، فيخشى الناس على أموالهم ، وهو محل الشاهد ، فإن لم يجدوا ما به يحفظونه من تجارة أو عقار وخشوا عليه الضياع فذلك ، والله أعلم ، مما يجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها فلا يكون ذلك مسوغا أن يوضع المال في أوعية ادخار ربوية كالوادائع الاستثمارية التي خالفت المصارف فيها عن حد اللسان والشرع جميعا فليست وديعة في شيء فإن الوديعة لا يتصرف فيها المودَع وهو المصرف ، وذلك ، بداهة ، ما لا يكون فإنه يتصرف فيها بإقراضها بالربا ويعطي المودِع جزءا ويقبض الآخر فذلك ربحه من الربا المحرم فليس ذلك من الوديعة في شيء بل هو قرض جر نفعا وهو الربح الزائد ، و : " كل قرض جر نفعاً فهو رباً" ، على كلام في إسناده ، فمعناه صحيح فكل قرض يجر نفعا ، أي نفع ، وإن لم يكن مالا ، فهو ربا ، فذلك من الربا الذي نهى عنه الرب ، جل وعلا ، في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فجاء النداء الذي عم ، كما تقدم ، بالنظر في دلالة التغليب في الاسم الموصول المذكر "الذين" ، وضمير الجمع المذكر في "آمنوا" ، وعم ، من وجه آخر ، بقرينة العموم في التكليف فلا دليل هنا يخصص على قول من يجوز خطاب الكفار بفروع الشريعة ، فيحرم في حقهم الربا ، وذلك ما يظهر أثره في المعاملات ، فلا يقتصر أثره على أحكام الآخرة بل يعم أحكام الدنيا لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى استباحة المعاملات المحرمة مع الكفار بذريعة أنهم غير مخاطبون بفروع الشريعة ! ، فيجوز التعامل معهم بالربا ، ويجوز بيع الخمر لهم ! ، فيعارض المحكم من تحريم الربا الذي أطلق فلم يخص بنوع دون آخر أو فئام من الناس دون آخرين فيكون حراما في حق المؤمنين حلالا في حق الكافرين! ، فذلك يجري مجرى : (وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ، فتلك شريعة يهود بعد التبديل أن جعلوا شَعْبَهُمُ المختار فوق الناس جميعا فاستباحوا أموالهم أكلا محرما ، وحظروا ذلك بين أفراد الشعب المختار ، فهو المخاطب بحرمة الربا وسائر وجوه الأكل المحرم وأما مع غيره فيباح له من دمه وعرضه وماله ما أطاق ! ، ويعارض المحكم من تحريم بَيْعِ الخمر ، فقد ورد في نصوص كثيرة بل قد لُعِنَ بائعُهَا مطلقا سواء أكان المبتاع مسلما أم كافرا ، فقد أطلق اللعن فلا وجه لتخصيصه بإخراج البائع من عموم اللعن إن كان المبتاع كافرا أن كان غير مخاطب بفروع الشريعة ، فالصحيح أنه مخاطب بها وبما لا تصح ابتداء إلا به وهو التوحيد شرط الصحة الأول في كل قول أو عمل ، فتلك دلالة التغليب التي تزيد في دلالة النداء في الآية في "يا أيها الذين آمنوا" فهي تستغرق الكافر كما المؤمن ، ولو سلم أن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة فالمؤمن الذي يعامله بالربا أو يبيع له الخمر مخاطب بفروع الشريعة التي حظرت عليه ذلك ! ، فلا حجة لهذه الشبهة على كلا الوجهين ، فجاء النداء ولا يخلو من دلالة التعظيم للمنادي ، وهو الله ، جل وعلا ، الذي علا بذاته ووصفه ، ومن ثم جاء النهي أن : (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً) ، والتقييد بـ : "أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً" يجري مجرى الوصف الكاشف بالنظر في حال ذلك الزمان فلا مفهوم له إذ خرج مخرج الغالب من حال الناس زمن نزول الآية ، فلا مفهوم ليقال بجواز ذلك إذا لم يكن الربا أضعافا مضاعفة ، بل كل ربا يحرم وإن قل ، فضلا أن مآل الربا ولو يسيرا أن يؤكل أضعافا مضاعفة لا سيما مع زيادة عند كل سداد يعجز المدين فيه أن يسدد على وزان : أَخِّرْنِي وأزدك ، فَيَتَزَايَدُ الدين ويتضاعف الربا ، وذلك من شؤمه العاجل فضلا عن العقاب الآجل ، وذكر الأكل يجري مجرى المشهور من استعمال المال أن يشترى به الطعام فهو أعظم ما يحتاج البدن من الأسباب ، فالمعنى : لا تأخذوا الربا وتقبضوه ، فَذَكَرَ الأكل المسبَّب وأراد سببه وهو ما يحصل من المال في اليد ، وبعد النهي الخاص جاء الأمر العام أن : (اتَّقُوا اللَّهَ) ، فاتقوا الله باجتناب ما نهى عنه عامة واجتناب الربا الذي خص بالذكر صدر الآية ، فيجري ذلك مجرى الإطناب بالعام بعد الخاص ، فقد عم فعل التقوى إذ أطلق ، ومن ثم جاء الختام بالعلة : (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، ودلالة "لعل" مما استعير من الرجاء للدلالة على التَّعْلِيلِ ، فذلك خلاف الأصل ولكن القرينة السياقية قد جَوَّزَتْ ذلك فهو جار على ما تقدم من العدول عن الظاهر المتبادر إلى المؤول الذي لا يتبادر لقرينة صحيحة تجوز ذلك ، وقد يقال بعموم الدلالة في المشترك "لعل" ففيه معنى التعليل على تقدير : لتفلحوا ، وفيه معنى الرجاء لا افتقارا من الرب ، جل وعلا ، وإنما رحمة بعباده فإنما يرجو لهم الفلاح ، وقد أطلق الفلاح ، أيضا ، فعم الفلاح في الأولى والآخرة . والشاهد أنه قد اجتمع في ربا المصارف : وصف الزيادة ووصف النسيئة أو التأخير ، فثم زيادة في الربح غير المشروع ، وثم نسيئة أو تأخير فيقبض المودِح زيادة ماله بعد زمن من إيداعه فيكون العائد سنويا أو نصف سنوي أو شهري ..... إلخ ، بل بعض المصارف يمنح المودِع ربحا أكبر إن قَبِلَ الشرط ألا يطالب بوديعته مدة من الزمن أكبر ، فذلك يجعل المصرِف يستثمرها ما أمكن في الإقراض بالربا فيحقق بها ربحا أعظم فيمنح المودِع نسبة أكبر ! ، وذلك ما يخرجها أن تكون وديعة فليس ذلك من الإيداع المشروع في شيء ، فالوديعة المشروعة إما أن تكون بلا أجر فيكون تبرعا من المودَع فيده في هذه الحال يد أمانة فلا يضمن إن تلفت الوديعة خلاف المصرف بداهة فإنه يضمن كل ودائعه ، بل ويضمن الخسارة في التجارة ، مع أن الخسارة في الشرع على رأس المال لا العامل الذي يتجر به وهو المصرِف في هذه الصورة ، فلا يضمن العاملُ المالَ إن خسرت التجارة إلا أن يتعدى أو يفرِّط ، فالوديعة المشروعة إما أن تكون بلا أجر تبرعا فتكون اليد يد أمانة لا تضمن إلا حال التعدي أو التفريط ، وإما أن تكون بأجر كما تقدم من "الحساب الجاري" في المصارف المعاصرة ، فيد المودَع وهو المصرف في هذه الحال ، يده يد ضمان فيضمن إذ قد قبض ثمن الاستيداع فلم يتبرع به ، فلا تقاس عقود التأمين ومنها ما تقدم من عقد السوكرة لا يقاس على الوديعة بأجر ، إذ في الوديعة بأجر يكون ثَمَّ عين يقبضها المودَع ويحفظها ويقبض أجر ذلك ، وأما في التأمين فإنه يضمن شيئا لم يدخل في حيازته كمن يؤمن على تجارة يستوردها فمن يحرر له عقد تأمين وهو لا يملك حراسة هذه التجارة أو صيانتها فهي خارج حوزته فكيف يضمن ما لم يدخل في حيازته ابتداء ؟! ، فضلا أن هذا العقد لا يخلو من الغرر الفاحش ، فمن يُؤَمِّنُ على حياته مقامر ، فقد يؤمن اليوم ويموت غدا فيفوز الورثة بقيمة التأمين كاملة ! ، وقد يمتد به العمر فيدفع جميع الأقساط فيكون هو الغارم الخاسر ، فضلا أن ما يبذل من أقساط يدخل في حيازة الشركة المؤمِّنة التي لا تتورع في العادة ! أن تتجر به تجارة الربا بإيداعه مصرفا يقرض بالربا ونحوه ، وذلك مما عمت به البلوى في جميع صناديق التكافل والزمالة فيكون رأس المال مادة استثمار في الربا أن يوضع في المصرف الربوي الذي يزيد في المال فيدخله من شؤم الربا ما يمحق بركته ، فـ : (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) ، فثم مقابلة استغرقت الشطرين وثم طباق إيجاب بالنظر في الألفاظ ، وكل أولئك مما يستوفي أجزاء القسمة في العقل بيانا للشرع ، وليس ذلك ، أيضا ، مما اصطلح أن يسمى "ضمان الغَارِّ" ، كما يشير بعض الباحثين ، فلا يضمن الغَارُّ متى خلت عبارته من الضمان ، كما يقول بعض أهل الشأن كالحنفية رحمهم الله ، فإن قال : اسلك هذا الطريق فإنه آمن ولم يضمن له ما قد يقع من التلف فلا يضمن إن سلكه المخاطَب فتلف ماله خلاف ما لو ضمن فإنه يُضَمَّنُ بما التزم ، فلا يدخل عقد التأمين في ذلك ، إذ لا يقاس المؤمِّن على الغار ، فالغار يعلم الخطر الذي يضمنه ، وأما المؤمِّن فلا يعلم الخطر ، فلا يعلم متى يموت المؤمَّن عليه ! ، ولا يعلم متى تحترق داره أو سيارته ، فذلك ، أيضا ، من القياس مع الفارق ، فالمؤمِّن يلتزم ما لا يلزم شرعا بل قد حظره الشرع لما فيه من الغرر .

    وأما ما يحل من التأمين فهو ، كما يقول بعض الباحثين ، التأمين الاجتماعي الذي تشرف عليه الدولة ، والتأمين التعاوني الذي يَتَكَافَلُ فيه الناس في صندوق جامع تحسبا لأية نازلة ، وهو مما يدخله بعض المحظور بما يكون من استثمار هذا المال في ربا المصارف طَلَبًا للزيادة فيكون ثم حساب يجمع هذه الأموال له رِيعٌ ثابت بما يكون من معاملات المصارف الربوية المحظورة ، وثم من يمنع التأمين في صورة الصندوق الجامع إذ لا يخلو من غرر قد يفحش ، فقد تقع نازلة شديدة تجعل من يدفع قسطا أو اثنين يحوز المال كله ! ، وقد يجاب عن ذلك بِأَنَّ معنى الإحسان والتبرع في هذه الصورة ظاهر خلاف معنى الاتجار في التأمين التجاري ، وقد يقيد ذلك بصور يكون فيها خداع يلطف فثم صناديق تعطي من يحال إلى التقاعد مكافأة كمكافأة نهاية الخدمة ، فيشارك من اقترب معاشه ويدفع أقساطا يسيرة ثم يحوز مبالغ كبيرة فيكون كالمقامر الذي يتقصد الربح لا الارتفاق أن يعين ذا الحاجة والضرورة بما يدفع من أقساط فلن يدفع إلا يسيرا لا يحصل به كبير نفع ثم هو يجوز الكثير النافع ، فلا يخلو ذلك من معنى أَثَرَةٍ يذم ، فضلا عن محظور الشرع .


    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:20-08-2017
    الساعة:07:08 PM

    المشاركات
    4,666
    العمر
    39

    فيه من انشعاب الكلام والاستطراد ما ينقص من فائدته وذلك عيب ظاهر ، وفيه بعض التطبيقات في دلالات الألفاظ كدلالات الموصول ودلالات الأمر والوصف الكاشف الذي لا مفهوم له ، فيه من ذلك في مواضع من آيات وأحاديث تضمنتها المشاركة ما قد يصلح أمثلة في علم المعاني ، ولا علاقة له بداهة بالنقد الأدبي لا من قريب ولا بعيد .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •