اعرض النتائج 1 من 5 إلى 5

الموضوع: محمد بن عبد الغفور الكَلاعي والبيان العربي

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 51551

    الكنية أو اللقب : بدا ليا

    الجنس : ذكر

    البلد
    المغرب

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ماجستير البيان العربي قيمه التداولية و مناهج تأويله

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل8/3/2016

    آخر نشاط:02-11-2017
    الساعة:05:01 PM

    المشاركات
    28

    محمد بن عبد الغفور الكَلاعي والبيان العربي

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه السادة الغرر ذوي القدر العليّ والفخر الواضح الجلي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي،وعلى كافة الصحابة والقرابة أجمعين.
    أما بعد : فإنه من يُمنِ الطالع السعيد أن يسر الكريم بإحسانه، قراءتي المتواضعة لكتاب «إحكام صنعة الكلام» لأبي القاسم محمد بن عبد الغفور الكَلاعي الإشبيلي، حيث حاول الكلاعي بثاقب فكره ان يُنظر للنثر،بعدما أدرك إهمال الدارسين القدامى له، ذلك أنهم اعتبروا النثر وفنونه من مسلمات الثقافة الأدبية العربية،فلم يكلفوا أنفسهم عناء النظر و البحث في ماهية النثر وفنونه. فحاول بذلك إرجاع القيمة الأدبية للنثر والتخلص من سطوة النظم الذي اتخذ منه موقفه الخاص، واعتبر النثر الأصل الذي تفرع عنه الشعر فيقول معللا:"وإنما خصصت المنثور لأنه الأصل الذي أمن العلماء_لامتزاجه بطبائعهم_ذهاب اسمه فاغفلوه، وضمن الفصحاء لغلبته على اذهانهم بقاء وسمه فأهملوه. ولم يُحكموا قوانينه، ولا حصروا أفانينه". وعبر بذلك في مستهل كتابه حيث أنه سيخصص الكتاب لدارسة النثر دون الشعر. ويعتبر الكتاب من المظان القليلة التي توصلنا بها وتكمن أهميته في"أنه يبحث في أمور نقدية وبلاغية، على قلة ما بين أيدينا من الكتب والرسائل في هذه الموضوعات"(1).فحاول الكَلاعي تأسيس بلاغة النثر في مقابل بلاغة النظم، فحصر أنواع ضروب الكلام ودرسها وفرعها تفريعات،وأورد مجموعة من النصوص النثرية التي تبرز بوضوح تصوراته النظرية، لأن غاية المؤلف هي"التنظير والتمثيل"(2).
     المؤلف :
    أبو القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي الإشبيلي، ولد في مطلع القرن السادس للهجرة(الثاني عشر للميلاد)(3). وهو فقيه وأديب عاش أيام حكم المرابطين، وهناك شكوك حول تاريخ مولده ووفاته،فمحقق كتابه الدكتور رضوان الداية يقول:" لاتسعفنا كتب التراجم التي تحدثت عن المؤلف بأخبار وافية عن حياته. فمولده ووفاته مجهولان، وإن كان واضحا أنه من أعلام القرن السادس"(4).
    ينتسب أبو القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي إلى أسرة عريقة من إحدى أسر إشبيلية،" وكان من جلة الكتاب، وأبوه عبد الغفور وجده أبو القاسم كذلك"(5). فجده كان كاتبا وصديقا للمعتمد بن عباد حاكم إشبيلية وكانت تربطه به علاقة قوية الأمر الذي أهّله لأن يطلق عليه لقب ذي الوزارتين" الذي ينوب عن الملك في سياسة الدولة فكان يلقبّ »ذي الوزارتين» ويكون غالبا من اهل الأدب"(6).
    وكان يعرف لملوك بني عبّاد أنهم ووزراءهم صدورا في بلاغتي النظم و النثر، ويشير إلى ذلك الرافعي بقوله:"وهذا القرن الخامس يصح أن يلقب بزمن الوزراء لأنهم كثروا فيه لكثرة لم تكن فيما قبله ولم تعهد فيما بعده، وإنما كانوا يستوزرون لأدبهم من الكتاب و الشعر- وبذلك عرفوا- فكأن الوزارة كانت كالشعر منافسة"(7).
    وآية ذلك نلمسه من خلال السجال الشعري الذي دار بين الأمير وصديقه أبو القاسم الكلاعي:بحر الرجز 
    "ظفرت بالأعداء يا ظافر ونلت مـجـدا نـوره باهر
    فمنك للباغي وللمبتغي عصب جراز وندى غامر
    فراجعه المعتمد بأبيات منها:بحر الرجز
    لي همة تدرك مطلوبها مافاتها ساع ولا طائر
    يفديك بالنفس فتى وده فيك مدى أيّامه ناظر"(8).
    ليرد بعد ذلك المؤلف على البيت الأخير في مؤلفه بقوله:" فما فداه، ولا دافعت عنه محتوم قدر يداه. بل توفي قبل ذهاب سلكه"(9).
    وكان جد المؤلف أديبا ذائع الصيت، فقد لمع نجمه ليشكل لبنة صرح الأدب، وذلك ما أكده ابن بسام الشنتريتي بقوله:" وجدت لأبي القاسم شعرا إن يكن شديد المتن، أزور الركن، فإنه مليح الإطراد، سلس القياد،قرب من متناوله، ويدل على قائله....فمن شعره يخاطب أحد أعيان بني الذب:بحر كامل 
    وزراء أكـابـر كـرمـــاء علماء أفاضل حلمـاء
    أي قوم وأي أعلام مجد أنجبتهم إلى العلا آباء"(10).
    وأما أبوه فهو محمد عبد الغفور وقد أثنى عليه ابن بسام، وذلك لمكانته الأدبية السامية التي كان بتصدرها فيقول:"وأبو محمد هذا في وقتنا عارض إذا همع استوشلت البحار، ونجم إذا طلع تضاءلت الشموس والأقمار،وهو أحد من آوى من الحسب بإشبيلية إلى ثبج عظيم، ومشى من الأدب على منهج قويم سابق لا يُمْسَحُ وجهه إلا بهيادبِ الغيوم، وصارم لا يحلى غمده إلا بأفراد النجوم"(11).
    وبالتالي فمن خلال هذه المكانة السامية التي كان يتبوؤها جده وأبوه لم يكن المؤلف أقل شأنا منهم، بل لزم غرزهم، فعلا كعبه وذاع صيته هو الآخر، ولعل نشأته في بلاط المعتمد بن عباد في أحضان والده يعد سببا وجيها في نبوغه الأدبي، ليشكل بذلك لبنة في صرح الأدب، لينافس أهل العلم والسلطان، ويقول عمر فروخ:"وكان أبي القاسم الكلاعي من بيت علم وأدب ومن الكتاب وقد كان مشاركا في عدد من فنون المعرفة مُقَدّمًا في الفقه وفنون الأدب من البلاغة والنقد والشعر، كما كان كاتبا مترسلا"(12).
    صفوة الحديث أن أبا القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي، نشأ في محيط واسع الثقافة، مما وسم فكره فأخذ يمتح من مختلف مشارب العلوم والفنون الأدبية و الفقهية، وقد أثنى عليه صاحب السمطكما يذكر ذلك ابن سعيد في كتابه المُغرب في حلى المغرب بقوله:"أثنى صاحب السمط، وذكر أنه اعتبط شابا، وأورد له رسالة طويلة سماها بالساجعة والغربيب يقول فيها: ومن القصائد مصائد تهيض أجنحة الوفر ومن الرسائل حبائل تعلق شوارد البيض والصفر"(13). ويذكر عمر فروخ"أنه أدرك وفاة ابن بسام صاحب «الذخيرة» سنة 542ه، وتوفي بعد ذلك معتبطا قريبا من منتصف القرن السادس للهجرة"(14).
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) – أبو القاسم الكلاعي(ق6هجري): إحكام صنعة الكلام، ت.رضوان الداية، عالم الكتب، ط2، 1985، ص5.
    (2) - نفسه : انظر: ص 160و ص190.
     - كلع: بالفتح واخره عين مهملة اقليم كلاع بالأندلس، من نواحي بطليوس، وكلاع أشبان محلة نيسابور. أنظر: (معجم البلدان: ياقوت الحموي، م السابع، ص272).
    (3) - عمر فروخ : تاريخ الأدب العربي(الأدب في المغرب والأندلس عصر المرابطين والموحدين)، ج5، دار العلم للملايين، ط2، 1982، ص280.
    (4) – إحكام صنعة الكلام: ص9.
     - وأما الكتابة فهي على ضربين: أعلاهما كاتب الرسائل، وله حظ في القلوب و العيون عند أهل الأندلس، وأشرف أسمائه الكاتب، وبهذه السّمة يخططه من يعظمه في رسالة، وأهل الأندلس كثيرو الإنتقاد على صاحب هذه السّمة، لايكادون يغفلون عن عثراته لحظة، فإن كان ناقصا عن درجات الكمال لم ينفعُه جاهُه ولا مكانة من سلطانه من تسلّط الألسن في المحافل والطعن عليه وعلى صاحبه....إذ هذا الشغل نبيه يحتاج إلى صاحبه عظماءُ الناس ووجوهُهم".أنظر: ( نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب: أحمد بن محمد التلمساني(ت1041)، ت.إحسان عباس، دار صادر، بيروت، ج1، ص217).
    -ويضيف الدكتور رضوان الداية:" وقد زاد من مكانة الكاتب أنه كان يصل في بعض الأحيان إلى مرتبة الوزارة لما يبديه من البراعة في تصريف الأمور، أو لما يكون فيه من المواهب".أنظر: (تاريخ النقد الأدبي في الأندلس: محمد رضوان الداية، مؤسسة الرسالة، ط2، بيروت، 1993، ص34).
    (5) - ابن الابار: التكملة لكتاب الصلة، ت.عواد معروف، م2، دار الغرب الإسلامي، ط1، 2011، ص140.
    (6) -عبد المنعم خفاجي: الأدب الاندلسي(التطور و التجديد)، دار الجيل، ط1، بيروت، 1992، ص573.
    (7) – مصطفى صادق الرافعي: تاريخ اداب العرب، دار الكتب العلمية، ج3، ط1، بيروت، 2000، ص219.
    (8) – إحكام صنعة الكلام: ص7.
    (9) – نفسه : ص7.
     - الذب: المخاطب هو الوزير أبو مروان ابن الذب كانت له منية بعدوة اشبيلية، وكان صهره هو الوزير الفقيه أبو أيوب ابن أبي أمية.أنظر( نفح الطيب:3/550.
    (10) – ابن بسام الشنتريني: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، قسم2، م2، ت.إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، 1997، ص324.
    (11) – نفسه : ص325/326.
    (12) – تاريخ الأدب العربي(الأدب في المغرب والأندلس عصر المرابطين والموحدين)، ج5، ص281.
     - صاحب السمط: هو ابو عمرو بن الإمام المتوفى(550ه) صاحب كتاب سمط الجمان وسقط اللآلئ وسقط المرجان.أنظر(هامش المغرب في حلى المغرب ص60/242).
    (13) – ابن سعيد المغربي: المغرب في حلى المغرب، ت.شوقي ضيف، دار الثقافة، ج1، ط1، 1964، ص242.
    (14) – تاريخ الأدب العربي: ج5، ص281.
    (تتمة الموضوع في وقت لاحق)
    مودتي.

    التعديل الأخير من قِبَل ألسنا الحب ; 04-05-2017 في 08:11 PM

  2. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 51551

    الكنية أو اللقب : بدا ليا

    الجنس : ذكر

    البلد
    المغرب

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ماجستير البيان العربي قيمه التداولية و مناهج تأويله

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل8/3/2016

    آخر نشاط:02-11-2017
    الساعة:05:01 PM

    المشاركات
    28

    (تتمة)
    5. إحكام صنعة الكلام:
    يعتبر كتاب (إحكام صنعة الكلام) من أهم الكتب النقدية التي وصلتنا كاملة، واعتبرها الدكتور إحسان عباس من أهم المصادر التي تصور لنا الحركة النقدية في عصر الطوائف والمرابطين حيث قال فيه:" لم يصلنا مؤلف كامل مستقل يمثل اتجاها واضحا في النقد الأندلسي لهذا العصر-يعني عصر الطوائف والمرابطين- سوى كتاب إحكام صنعة الكلام لابن عبد الغفور الكلاعي وهو ممن صاحب ابن بسام وكان من طبقته"(24).
    ويرى الدكتور إحسان عباس:" ان المؤلف في بعض صفحات الكتاب يتحدث عنه باسم«رسالة» كما سماه البلوي، وأكبر الظن ان المؤلف كان قد اختار ان يسمي كتابه هذا «رسالة إحكام صنعة الكلام»"(25).
    واقتصر الكتاب على فن النثر دون الشعر، حيث يرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذم الشعر وأورد لذلك حديثه فيه﴿لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا﴾(26). ويؤمن بأن النثر" أسلم جانبا، وأكرم حاملا وطالبا"(27).
    أما الشعر عنده داع إلى سوء الأدب من خلال الكذب الذي لا مناص للشاعر منه، ذلك أنه يمحدح الممدوح بما ليس هو أهل له فيقول:" يحمل على الغلو في الدين حتى يؤول إلى فساد اليقين،ويحمله على الكذب والكذب ليس من شيم المؤمنين"(28).ومن الدوافع أيضا التي جعلت الكاتب يعرض عن الشعر، كونه يأتي موزعا عكس النثر، والوزن في نظره داع إلى الترنم والطرب، وتلك أمور باعتقاده تعد:" من باب الغناء، وقد قال بعضهم الغناء رُقية الزنا"(29). ويقول الكاتب:" وأما الكتابة فبعيدة عن هذا كله، سليمة مما يدعو الى المهجور، او يتشبت بالمحجور"(30).
    ثم نقل إلينا بعد ذلك ما تعارف عليه الكتاب وأهل العلم لعدم ابتداء الشعر بالبسملة، في حين نجد أن الخطب والرسائل تبتدأ بها، وفي ذلك دليل على فضل النثر على الشعر عنده، فهو لم يأت بهذا الكم من الحجج من أجل أن يبعد عن نفسه قصوره عن إتيان الشعر، بل كان" مولعا بترصيعه وتصنيعه مائلا في تقريطه وتشنيفه الى مرتبة كنت أعدها أعلى المراتب، ومنقبة كنت أعتقدها أسنى المناقب. الى ان رفضته رفض الشعلة للزناد، ونفضته نفض القادم الغانم جافَّ الزاد، فنزعت منزعا كريما من علم الديانة. واقتصرت من قسمي البلاغة على قسم الكتابة، لأنها أنجح عاملا، وأرجح حاملا، وأكرم طالبا،وأسلم جانبا"(31).
    ومع ذلك فقد وضح الكاتب بعض من محاسن الشعر فيقول:"ولست بمنكر- مع هذا كله- فضائل الشعر، ولا قول الرسول عليه السلام، والصحابة رضي الله عنهم فيه، ولكن القوم غير هؤلاء القوم،واليوم غير هذا اليوم. والله يستعملنا فيما يرضيه، ويكون لنا الخير اجمع فيه بقدرته"(32).
    ولعل هذا الموقف هو الذي جعل الكاتب يسهب في الحديث عن فن النثر، حيث يقول الدكتور عبد الوهاب الأزدي:" الرسالة ليست كتابا في البديع أو في اصطلاحاته وإنما هي بحث في ضروب النثر و أقسامه"(33).


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (24) - تاريخ الأدب الأندلسي عصر الطوائف والمرابطين.ص74.
    (25) – إحكام صنعة الكلام: ص264.
    (26) – أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة والرميذي.
    (27) – إحكام صنعة الكلام: ص36.
    (28) - نفسه: ص37.
    (29) – نفسه ص 38.
    (30) – نفسه: ص39.
    ) – إحكام صنعة الكلام: ص 27.
    (32) –نفسه: ص39
    (33) – عبد الوهاب الأزدي: البحث البلاغي بالمغرب، تقديم محمد الطوكي، ط1، المطبعة الوطنية، 2008، ص31.


  3. #3
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 51551

    الكنية أو اللقب : بدا ليا

    الجنس : ذكر

    البلد
    المغرب

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ماجستير البيان العربي قيمه التداولية و مناهج تأويله

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل8/3/2016

    آخر نشاط:02-11-2017
    الساعة:05:01 PM

    المشاركات
    28

     مفهومه للبيان :
    بدأ الكلاعي حديثه عن البيان من خلال قوله عز وجل:" الرحمنُ. علَّم القرآن. خلق الإنسان. علَّمه البيان"(43) {سورة الرحمن:آيات1/2/3/4} .ثم عقب بعد ذلك أن الله قد" عد البيان في جملة نعمه الغامرة، وذكره في سائر آلائه الباطنة والظاهرة"(44). ثم أشار بعد ذلك إلى الحديث الشريف "«إن من البيان لسحرا». فقال بعض العلماء: هذا ذمُّ للبيان"(45).فأنكر على قولهم في ذم البيان وذكر أن بالبيان" تستخرج الحقائق، ويتوصل إلى معرفة الخلائق. وقد عدده الله علينا من آلائه، وجعله من آيات أنبيائه. وخص منهم نبينا عليه السلام بالحظ الأوفى، والقسم الأفضل الأعلى(....) وصفه الله بالبيان فقال﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِليهم﴾"(46) {سورة النحل:آية44}. ليعتبر بذلك الكلاعي أن "البيان روح الكلام"(47). من خلال فصاحتة و إبانته والإيجاز في التعبير مع إيراد الجحة والدليل . وهو نفس المفهوم الذي تداوله الدراسين القدامى فنجد المقولات البيانية الثلاث التي قال بها عمرو بن بحر الجاحظ (150/ت 255ه) في كتابه" البيان والتبيين" وهي:
    1. حسن اختيار اللفظ : مثاله" أما أنا فلم أر قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب، فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ، مالم يكن متوعرا وحشيا ولا ساقطا سوقيا"(48).
    2. إصابة المعنى المزيز باللفظ الوجيز، فيصير بذلك معنى البيان هو الإيجاز وهو إما إيجاز حذف أو قصر التي تنبني عليها الإستعارات و الكنايات.
    3. سلامة الكلام من الآفات الصوتية التي تنتج عن خلل في التركيب أو لعيب في الفم كاللثغة والحُكلة.
    وعلى نفس هذا المفهوم يبني الكَلاعي تصوره لمفهوم البيان فيمثله بحديث للرسول عليه الصلاة والسلام بعدما تكلم عنده رجل فقال عليه السلام:"كم دون لسانك من حجاب؟ فقال: شفتاي وأسناني.فقال: الله يكره الانبعاق في الكلام ب فنضّر الله وجه رجل أوجز في كلامه واقتصر في حاجته"(49). ونجد نفس التصور ايضا لدى ابن المعتز(247/ت296ه) وهو كما جاء في كتابه "البديع":" دنو المأخذ وقرع الحجة وقليل من كثير"(50).فورد هذا التعريف في باب الإستعارة، وبالتالي يفهم منه على أن البيان هو تحقيق الفهم وإقامة الحجة من خلال بناء الكلام بناءا استدلاليا للتبين مع الإيجاز، حيث"ان البيان عبارة عن أمر يتعلق بالتعريف والإعلام، وإنما يحصل الإعلام بدليل، والدليل محصِّل للعلم، فهنا أمور ثلاثة: إعلام وتبيين ودليل حصل به الإعلام أو علم يحصل من الدليل ولفظ البيان يطلق على كل واحد من تلك المعاني الثلاثة"(51).
    الــبــيــان
    إعلام  دليل  عـلــم
    ونجد نفس هذه الإشارات لدى الكلاعي وهي قوله في رسول الله صلى الله عليه وسلم:" فكان صلى الله عليه وسلم أفصح العرب بيانا، وأطلقهم بالخير لسانا، وأدلاهم بحجة، وأنطقهم بحكمة، وأنظمهم بخطبة"(52). ونجد نفس التصور لدى ابن وهب الكاتب في كتابه "البرهان في وجوه البيان" حيث ميز في بيان العبارة بين مستويين إبلاغي خال من كل قصد فني، وبلاغي حيث يقول:" حدها عندنا:القول المحيط بالمعنى المقصود، مع اختيار الكلام، وحسن النظام، وفصاحة اللسان"(53).فاعتبر حسن اختيار الكلام، وحسن التأليف، والمشاكلة التي تقع بين اللفظ والمعنى،ثم السلامة الصوتية، من جوهر الكلام المبين. وبالتالي يتضح لنا بشكل جلي أن مفهوم البيان لدى الكُلاعي هو نفسه لدى هؤلاء الدارسين.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    (44) – إحكام صنعة الكلام : ص 32.
    (45) – نفسه : ص 32.
    (46) – نفسه : ص 33.
    (47) – نفسه ص 35.
     - الجاحظ العلامة المتبحر، ذو الفنون، أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب البصري المعتزلي، صاحب التصانيف، أخذ عن النظام. أنظر( سير أعلام النبلاء: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي(ت748ه)، ج11، ت صالح السمر، مؤسسة الرسالة، ط11، 1996. ص 526.)
    (48) – أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: البيان والتبيين، ت.عبد السلام محمد هارون، ج1، ط2، 1960، ص 137.
    (49) – إحكام صنعة الكلام: ص 35.
     - ابن المعتز: أبو العباس عبد الله بن المعتز بن المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله العباس بن عبد المطلب الهاشمي، ولد بسامرا ببغداد سنة 247ه، وتوفي سنة ربيع الآخر سنة 296ه.أنظر( وفيات الأعيان وانباء أبناء الزمان: ابي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، ت.إحسان عباس، ج3، دار صادر، 1972. ص 76.)
    (50) – ابن المعتز: البديع، ت. إغناطيوس كراتشقوفسكي، لندن، 1935، ص 6.
    (51) – أنظر : كشاف اصطلاحات العلوم والفنون: مادة ب ي ن، ج1، ص 349.
    (52) – إحكام صنعة الكلام: ص 33.
     - وهو ابو الحسين إسحاق بن إبراهيم بن سليمان بن وهب الكاتب. انظر: البرهان في وجوه البيان: ابن وهب الكاتب، ت.حنفي محمد شرف، مكتبة الشباب. ص 254.) ونسبه يرجع إلى جده سليمان بن وهب الكاتب، فهذه العائلة اشتغلت في عصر بني أمية وازداد صيتها في عصر بني العباس.
    (53) - ابن وهب الكاتب: البرهان في وجوه البيان، ت.حنفي محمد شرف، مطبعة الرسالة،1969. ص 129.


  4. #4
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 33506

    الجنس : أنثى

    البلد
    رياض الفصيح الزاهرة

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : آخر

    التخصص : أدب عربي

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 2

    التقويم : 174

    الوسام: ۩
    تاريخ التسجيل9/7/2010

    آخر نشاط:11-11-2017
    الساعة:06:18 PM

    المشاركات
    2,897
    تدوينات المدونة
    12

    بارك الله في علمكم ،ونفعنا بكم أستاذنا الفاضل
    جزاكم الله الحُسنى وزيادة

    {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}

  5. #5
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 51551

    الكنية أو اللقب : بدا ليا

    الجنس : ذكر

    البلد
    المغرب

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ماجستير البيان العربي قيمه التداولية و مناهج تأويله

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل8/3/2016

    آخر نشاط:02-11-2017
    الساعة:05:01 PM

    المشاركات
    28

    بارك الله فيكم، مودتي وتقديري.


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •