اعرض النتائج 1 من 5 إلى 5

الموضوع: العنف

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:22-11-2017
    الساعة:05:13 PM

    المشاركات
    4,706
    العمر
    39

    العنف

    ظاهرة العنف ، ظاهرة يجري عليها ما يجري على سائر المجملات ، فهي تحتمل بقسمة العقل أن تكون مشروعة محمودة أو محظورة مذمومة ، وهي أمر كائن لا محالة بما جبل عليه الإنسان من فطرة التدافع وما غلب على النفس من طبائع الشح والاستبداد والأثرة وهي لا محالة توجب التصارع استلابا بغير حق حال الظلم ، أو استردادا بحق حال العدل الذي لا يمكن تأويله في الواقع بلا عنف يحوطه ، فلا بد من قوة نافذة بها تجري الأحكام وإلا فهي هدر وإن سطرت وحفظ نصها ، بل وَعُظِّمَ سواء أكان ذلك باسم الوحي أم باسم الدستور ، فكم من أمم قد فشا فيها حكم الاستبداد والشمول وهي تزعم أن لا أحد يعلو القانون الذي وضعته ليحفظ مصالحها ويكفل لها الحصانة ، فهو نقطة توازن للمصالح ، فإن استقامت الحال فنقطة التوازن هي نقطة الحق المطلق الذي لا يخضع لأهواء الساسة والنظار في حده ، فالعدل المطلق مما أجمع على حسنه سائر من عقل ، ولكن الاختلاف في حده في مواضع النِّزَاعِ والقضاء مما اختلف فيه الناس ، فلكلِّ عقلٍ من الأهواء ما لا حد له ! ، فلو تُرِكَ له العنان فإنه يطغى ويظلم ويقارف من العنف ما يستلب به حق غيره ، لا سيما إن احتكر آلة العنف فوضع من القانون ما يَنْزِعُ به القوة من الجماعة ليحتكرها هو وآله وعصبته ، فصارت القوة في يد فئة بعينها تمارس من العنف ما يشرع ! ، وما سواه فهو محظور ، فأطلقت يد الطائفة التي احتكرت القوة فهي تبطش وتظلم وتحظى بغطاء محكم من القوانين والتشريعات المحكمة التي صاغها بعناية رجال يعرفون ما يكتبون ، فهم كهنة الطواغيت الذين يصوغون من الأحكام ما يوافق أهواء السادة ، فتلك مجموعة وظيفية يستعين بها الحكم الجائر لترسيخ أركانه ، فاحتكر سلطة التشريع ، واحتكر سلطة التنفيذ ، واحتكر سلطة القضاء ، وهي سلطات لا تخلو جميعا من قدر من العنف ، فإن من يضع القانون الذي يرسخ طغيانه ويحفظ جاهه ورياسته لا يتورع أن يضع من العقاب في حق من يعارض ما يجعله عبرة بها يَنْزَجِرُ كل مخالف ! ، ولا يولي سدة القضاء إلا من يحكم بهذا القانون الجائر فمن وضعه ناقص في تكوينه وإن رَامَ العدل حقا فإن ما يجهل أكثر مما يعلم ، فكيف إن انضم إلى ذلك فساد الطبع وسوء القصد ورقة الديانة والمروءة ؟! ، ولا يختار من رجال التنفيذ لأحكامه إلا من هضم قيم العنف وتشربها فهو آلة تنفيذ لا عقل لها إلا بقدر ما يحقق أغراض السادة ، فنقطة التوازن النفسي لهذا العنصر التنفيذي قد انحرفت فمالت عن العدل فضلا أنها قد مالت عن قيم الدين والمروءة ، فلم تعد تعرف مرجعا إلا أمر القائد الأعلى في تراتب هرمي يمثل الانحراف السياسي والاجتماعي ، فَلَوْلَا أن ثم عناصر وخامات قد تشوهت من جراء العنف العام الذي مارسه السلطان ومارسته الجماعة في طرائقها في التربية والتنشِئة ، فالعنف هو ما يتبادر إلى ذهن أي أب أو أم إذا رام عقاب الابن فذلك ما يجعله ذا شكيمة وحقيقة الأمر أنه يفقده الثقة بنفسه فلا يطيق اتخاذ القرار فقد انطبع ذلك في ذهنه بما يلقاه من الشتم والضرب إذا حاول فأخطأ أو اتخذ قرارا ولو صغيرا لا يؤبه فكيف يفكر دون إذن أبويه فتلك أبوة تمارس الاستبداد كما تمارسه الزعامات السياسية المحلية والإقليمية والدولية التي تمارس نوعا من الوصاية المقيتة على الشعوب وربما مارستها على غيرها فهي أدرى من شعوب المنطقة بما يصلحها وفي دائرة العالم الأوسع نجد المركز يَرُومُ فرض قيمه ولو بالعنف ، فهو ، أيضا ، أعلم بصالح العالم من جميع ساكنيه فوحده الذي يفقه ويعلم الصالح العام فوجب اتباع شرعه فهو الشرع المحكم وإن كانت حاله في حقيقتها مما يَرْثِي له عقلاء المركز الذي يكاد يشهر إفلاسه الروحي والفكري وإن كان ثم بقية رصيد في السياسة والحرب ، وجنس العنف واحد وإنما تضيق الدائرة حتى الأسرة الصغرى ، وَتَتَّسِعُ حتى الأسرة الكبرى وهي الدولة التي تمثل الهرم السياسي والاجتماعي ، فمرض القاعدة لا تسلم منه القمة فهي من إفراز القاعدة ، فثم تَرَاتُبٌ في الدرجات من القاع إلى القمة ، والسمة الرئيسة في المجتمعات التي تعاني الانحدار وربما الانهيار هو ذيوع ثقافة العنف سواء أكان ذلك إفرازا من إفرازات الحرية المطلقة كما هي الحال في المركز فعنف الدولة قد تقلص وَأُعْطِيَ للمجتمع هامش حرية يتحرك فيه تحت سمع السلطة وبصرها فكان العنف الاجتماعي المتزايد لا سيما مع توافر السلاح وغياب القيم الحاكمة له ، فسواء أكان ذلك العنف إفرازا من إفرازات الحرية أم كان إفرازا من إفرازات الاستبداد فالدولة قد امتلكت آلة العنف وراحت تسلطها على الشعب لترويضه بما يحفظ لها الهيبة ! ولا يخلو الأمر أن يكون برعاية المركز وإشرافه المباشر في أحيان لضمان معادلة سياسية في الأطراف تحفظ له مصالحه الاستراتيجية .
    والعنف أمر لا يُؤْتِي أكله في الغالب إلا في أحوال نادرة لا يقاس عليها ، فإن أمثال عمر ، رضي الله عنه ، قد خرجوا من بُيُوتَاتٍ فِيهَا من الشدة والغلظة ما فيها ، كما أُثِرَ عن عمر إذ يحكي حاله مع أبيه الخطاب مُعْتَبِرًا بها فهو رجل شريف النفس عظيم القدر لا يخجل من ماض من عمره قد ولى ، فلم يَغُرَّهُ السلطان أن يستر عيبا أو نقصا في المنشإ فإن العبرة ، كما يقول بعض النظار ، بكمال النهايات لا بِنَقْصِ البدايات ، فكانت البداية شدة وغلظة تركت آثارها في نفس عمر ، رضي الله عنه ، بما اشتهر من حاله ، فكان من أقوى الفتيان جسدا ، وكان مع ذلك من أشد الناس عنفا ، وإن كان عنفه في أحيان دفاعا عن قيم الجماعة القرشية التي نشأ فيها فرآها حقا مطلقا فكان انتصاره لها ، وهو الذي جاوز حد العدل فَقَارَفَ من الظلم والعنف ضد الوافد الجديد ، دين التوحيد ، قارف ضده ما يقارفه كل مستمسك بأصولٍ يَرُومُ الذَّبَّ عنها فهو يعتقد أنها الحق في نفس الأمر ، والغالب في هذا المعتقِد المستمسِك أنه مخلص في دفاعه عن قيم المجتمع الذي نشأ فيه فتقليده للأباء تقليد من يعظم الإرث المتراكم من قيم السياسة والاجتماع والأخلاق ، فيرى أي تغيير عدوانا على هذا الإرث المقدس ! ، فيكون رد الفعل عنفا مفرطا فهو يكافح الخيانة العظمى لقيم الجماعة ، فالجماعة القرشية لها قيم عظمها السادة وقلدها الأتباع على وجه لا يخرج التابع من العهدة فله عقل ينظر ويفكر فليس أعجم لا يفقه وإن رضي من رضي أن يصير آلة في يد باطش يضرب فليس له من الفعل إلا فعل الاضطرار ! ، فهو كالنار التي تحرق طبعا فلا إرادة لها لتختار من تحرق فهي تحرق من يختاره الحارقُ بها ، فإن أراد حرق فلان أشعل فيه النار فلا تختار النار فتمتنع إذ لا عقل لها لتنظر أيستحق المحروق الحرقَ أم لا ؟! ، فلا يخرجه ذلك ، بداهة ، من عهدة ما قارف من العنف ، لا سيما وهو يتطوع في أحيان رجاء حظوة عند القائد الأعلى ! ، فذلك مركب عجيب : مجتمع رُبِّيَ في حجر العنف المفرِط ففسدت طبائعه وصارت الكلمة فيه للأقوى وهو ما يستغرق البناء الاجتماعي والسياسي من القاعدة إلى القمة فالظلم والعنف في إطار الأسرة الصغيرة يفضي إلى اتساع دوائر العنف في المدارس وسائر المؤسسات التي تصنع الأفراد فيكون العنف الذي لا يقتصر على العنف الجسدي وإن كان ذلك أول ما يجده النشأُ ففلسفة العقاب قد اختزلت في العصا إن في البيت أو في المدرسة على وجه يصيب النفس مبدأ أمرها بالخوف والجبن فلا يرجى ممن نشأ على هذه الأخلاق أن يكون يوما قائد إصلاح أو عنصر تخطيط وتنفيذ نافع فالعنف يقتل في الطفل مواهب الإبداع فهو دوما يخشى العقاب الذي ينتظر أي مبدع تحدثه نفسه أن يَتَمَيَّزَ أو يَبْرُزَ فلا بد من القضاء عليه ابتداء قبل أن يستفحل خطره فيصعب استئصاله ! ، ومن ثم يكون العنف الذي يلائم كل طور في الحياة ، فلكلِّ سِنٍّ ما يلائمه من صور العنف ، فإذا شب الطفل انتقل من عنف البدن إلى عنف اللفظ ، ومن إرهاب العصا إلى إرهاب الاضطهاد في دوائر الدراسة العليا في الجامعة أو المعهد فلا يصل في هذه المنظومات الأمنية ! ، وإن كانت في الظاهر مدنية ! ، لا يصل فيها إلا العنصر الذي يَتَّسِمُ بالطاعة المطلقة لأوامر السادة فهو كالجندي المغيَّب الذي تقصد السلطان الجائر تجهيله وإفقاره ليكون طوع أمره فيسهل استخدامه كآلة عنف تضرب وتقتل مباشرة ، خلافا لآلات أخرى تمارس من العنف أجناسا أخرى أشد نعومة ولطفا ! ، والهدف الرئيس هو تطويع المجتمع وتطويقه بأحزمة محكمة من الخوف مع تقصد السلطان استهداف من يقاوم مباشرة ، فهو ينكل به ليكون عبرة لا سيما إن لم يكن ثَمَّ من يسأل أو يضغط من الداخل أو الخارج ، فثم طباق من الناس في الشرق ، محل الاستبداد المعاصر وإن لم يكن مهده فما عرف الشرق في ظل الوحي هذا العنف الذي عرفه بعد أن غُيِّبَ حكم الشرع قسرا فكان العنف المفرط في عزله وطمس معالمه الرئيسة والاجتزاء بآثار باهتة وود المستبد العنيف لو طمسها بآلة عنف تحصد كل من يقاوم ، فثم طباق من الناس في الشرق الآن لا بواكي لهم ! ، إلا ذرا للرماد في العيون فقد مُورِسَ ضدهم من العنف ما كسر في النفوس كل معنى إنساني ، ولم يسأل أحد من أصحاب المنصب الحقوقي ، لم يسأل بهذا العذاب الواقع الذي فاق كل وصف ولم يظهر أحدٌ من الغيرة ما يظهر إذا مُسَّ غيرهم بسوء ، فالنشاط السياسي قد قُصِرَ على فئام يختارهم المركز بعناية فهم نخبة منتقاة قد تَتَعَارَضُ مبادئهم مع مبادئ الحاكم الستبد في دوائر لا تبلغ بداهة دائرة عليا هي الخط الأحمر الذي لا يطيق أحد أن يجاوزه وإلا كان العنف الشديد من دوائر المركز الرئيس ، فهو يمارس العنف الذي يخالف عن قيمه الأخلاقية والسياسية فالحرية لها سقف وإن زعم أنها بلا سقف فهي من جملة الأمور النسبية التي تخضع لهوى القوي الذي يحتكر آلة العنف المسلح وغير المسلح فثم أدوات عنف ناعم يمتلكها المركز فهو يحاصر ويجوع ويثير الفتن النائمة ويرزع العيون ويجند أولياءه بل ويمكر بخصومه في أحيان فيستعملهم بلا وعي في تحقيق مآربه لا سيما إن كان لهم في ذلك حظ يخفى فيكون ذلك قادحا في الإخلاص ، وشؤم ذلك يُفْضِي إلى الانكسار فلا يثبت إلا من حرر مادة الإخلاص فلم تشبها شائبة دنيا ، وما أكثر شوائبها وأدق مزالقها فقد يستدرج لها أهل الفضل فيكون المبدأ خيرا ثم يستزل الشيطان من الجن والإنس ، يستزل هذا الشيطان أهلَ الفضل فيكون النقص الذي لم يسلم منه الصدر الأول يوم التقى الجمعان فكان التولي لخبيئة عصيان لا يسلم منها بشر إلا من عصم ، فلم يسلم منها الصدر الأول إلا أن تداركهم الرب ، جل وعلا ، بالعفو ولم يكن ذلك برافع لعقوبة الدنيا أن يُهْزَمَ الجمع وينكسر وإن كان على الحق المنزَّل ، فاقتضت الحكمة أن تحفظ للوحي الهيبة فمن خالفه وإن كان أفضل طباق الأمة فهو محل العقاب الناجز الذي يذكر أهل الفضل ويطهرهم من الذنب ، ولا يُقْدَحُ سننٌ نافذ مداهنةً لفاضل من الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فكيف بمن دونهم ؟! .
    فالقوي الذي احتكر القوة في مركز السلطة إن في المركز أو في الأطراف هو الذي يضع المعايير والحدود فيعرف الإرهاب والتطرف والأصولية والفوضوية وهو الذي يضع الحد الفارق بين المعارضة البناءة ونظيرتها الهدامة التي تهدم سلطانه بداهة ! ، فلئن كان ثم توزيع أداور في الأطراف على وجه يضع تفاصيله المركز فهو الذي يختار النخب الحاكمة وهو الذي يختار النخب المعارضة ، أو يخترقها بمكره الكبار فيوفر لها من الدعم السياسي والحقوقي فضلا عن منح التدريب في مراكز بحث تعيد صياغة الأفكار وتضع في العقول من قيم المركز ما يصنع هوية جديدة وإن شئت الدقة فقل هوية بديلة ، فهو يكافح هوية الشرق بما يزرع من قيمه السياسية والأخلاقية والاجتماعية ، وقد كان الاختراق المبكر بعد أن مارس المركز في طور الاحتلال المباشر تنفيذا لمخطط التقسيم لتركة الرجل المريض ! ، بعد أن مارس في هذا الطور من العنف ما مارس وهو أمر يتكرر مطلع كل غزو حتى يستتب له الأمر ، فضلا أنه لا يجد في هذه الانتهاكات حرجا بل هي مما يوافق نظريته السياسية التي تركن إلى حقائق بيولوجية احتكرت السيادة فمنحتها للجنس الأبيض الذي يمثل ذروة الحضارة فلا يعرج على الشرق إلا لماما ، فهو يتجاهل تاريخ الشرق فلا يدرسه في مدارسه ومعاهده فليس بذي ذكر نافع يستحق به إشادة أو إشارة في مناهج الدرس التي تصنع عقول الناشئة في المركز ، فالشرق إما همل لا دور له في صناعة الحضارة وإما حافظ لمادتها ناقل لها غيرُ مبتكرٍ فليس له من إسهام فيها ، لا سيما مع النظرة المادية المفرِطة التي جعلها المركز معيار الحضارة فَقَصَرَ الاستشهادَ بها على هذا الجيل الذي فاق فيه المركزُ الأطرافَ في التقنية الحديثة ، ولو صدق في الاستشهاد ، ولو بقصر الحضارة على أمور المادة ، لو صدق في الاستشهاد ما جاوز حقبة من تاريخ الشرق كان فِيهَا هو الرائد في علوم الكون فضلا عن مناهج البحث التي تحملها علماء المركز عنه ، وإن جحد أكثرهم هذه النسبة ليستأثر بنسب الحضارة الشرعي فهو ابنها الوحيد ومن سواه فَلَقِيطٌ أو ابن خطيئة لا نسبة له تصح ، ولم يخل المركز من رجال قالوا الحق فأشادوا بهذا الشرق فهو مهد النبوات التي جاءت لتحرر الإنسان من قيد العبودية البشرية التي صار العنف فيها تسلية ، وتلك صورة قديمة جديدة ، فما مارسه الرومان قديما من لعب بالعبيد في ساحات المصارعة هو من جنس ما يمارس جندُ المركز الآن من انتهاكات في الأطراف فهي تجري مجرى اللعب ! وذلك ما لا يخجل القوم منه فلا ينكرونه إلا ذرا للرماد في العيون ، لئلا يتهم المركز بالتناقض فهو الذي أنشأ المراكز الحقوقية وجعلها رقيبا على أنظمة القمع والعنف في الأطراف لا طلبا لعدل فذلك ما يهدد مصالحه الاستراتيجية ، وإنما تلك ورقة من جملة أوراق يحسن المركز استخدامها في إطار سياسة الضغط على المجموع الوظيفي الحاكم في الأطراف فلا بد من أدلة تثبت تورطه في جرائم عنف يعاقب عليها قانون المركز إن شاء ! ، ولا يعاقب فهو يتغافل وربما أعطى الذريعة والضوء الأخضر وإن أظهر الامتعاض أن جاوزت الأطراف الحد ، فهي كذلك الجندي الجاهل محل الشاهد ، الذي يتحول في أحيان إلى طور من العنف يفوق ما يُرَادُ منه فهو يظهر من الإخلاص والتفاني في أداء المهمة ما قد يفضي إلى فشلها بافتضاح الأمر وفجاجة المشهد التي تجعل من له بقية دين أو مروءة يخجل من هذا المجموع السياسي المنحط الذي يمارس الحكم ببدائية لَيْتَهَا كانت كالبدائية التي يصورها القصص الكلاسيكي في المركز ، فقد كانت بدائية ألطف ، وإن كانت هذه الصورة من ضمن ما رُوِّجَ من الباطل في إطار ما يقرره المركز من نظرية التطور التي لم تقتصر على الأبدان والهياكل وإنما جاوزتها إلى الأديان والمبادئ توصلا إلى سيادة العقل آخر الأمر فذلك الطور الأعلى الذي بلغ سقف الحضارة فقد انقضى طور الخرافة ومن بعده طور الديانة .
    فالأطراف ، وهو محل الشاهد ، تحرج المركز في أحيان بما تمارس من عنف يفوق الوصف ولو ضد خصوم المركز ، وهو أمر مع ذلك ينفع ولا يضر ، فهو يقمع حركة الإصلاح التي تستند إلى الوحي ، روح الشرق ، دون أن يحمل المركز التبعة الأخلاقية بشكل مباشر وإن تحملها من وجه آخر فهو يزعم أنه حامل لواء الحضارة وواضع معايير الأخلاق وجندي الحراسة لقيم الفكر والسياسة فكيف وسعه أن يسكت عن هذا الجور ؟! ، فسكوته في موضع البيان بيان ، فذلك ضوء أخضر في الجملة وهو مع ذلك دليل إدانة يستخدم في وقته إذا حان أوان التغيير الذي يفرضه المركز بما له من نفوذ كبير في دوائر السياسة والحرب فلم يعد بحاجة أن يتدخل التدخل المباشر فله الآن إرث متراكم من المجاميع الوظيفية مختلفة المشارب ، بل وربما وقع بينها ما وقع من التناقض ، كما يقع بين المجاميع العسكرية العتيقة والمجاميع العلمانية المدنية الحديثة .
    فالمجاميع العسكرية هي الابن البكر للمركز ، فما نشأت هذه النخبة التي تقترف من جرائم العنف ما يخالف عن مقررات المركزِ السياسية والحقوقية ، ما نشأت هذه النخبة إلا في مهاده ، فقد كان الظرف آنذاك لا يحتمل حكما سياسيا عادلا وإن علمانيا مارقا من الوحي يبارزه العدواة في ميدان الفكر والجدال ، فالظرف آنذاك انتقال فكري وسياسي جذري يتطلب من إجراءات القمع والعنف ما يحدث الصدمة التي تشل الخصم وتهبط بسقف طموحه فقد نجح خصمه في صعقه بجمل من الإجراءات والانتهاكات رَسَّخَ بِهَا أمرا واقعا لا يرسخ إلا بالسيف فلا يكون العفو واللين ابتداء في إطار أي تغيير جذري صادم يتسم بالقسوة ، وذلك مما فارقت فيه السياسةُ الشرعية السياسةَ البراجماتية المعاصرة ، وذلك أمر ، لو تدبره الناظر ، لوجد له أصولا في تاريخ السياسة عند المسلمين ، فلم يكن كله ، بداهة ، تأريخا لسياسة شرعية راشدة بل ناله من النقص ما نال كل أمة ، فقد كان تغيير بني العباس ، كما ينوه بعض الفضلاء ، كان تغييرا دمويا قاسيا تولى كبره رجال من أمثال أبي مسلم الخراساني الذي اتخذ قاعدة القتل على الشبهة في الولاء التام ، اتخذها أصلا في تحركاته في السياسة والحرب ، فقتل لأجل ذلك ستمائة ألف إنسان ! ، وصنع بنو العباس بالنخبة الأموية ما صار مضرب مثل في التفنن في القتل والتشفي ، وإن لم يَنَلْ ذلك النساء والأطفال بسوء فهم خط أحمر في أشد أنظمة الحكم قسوة في زمان لم يمح منه رسم الدين وإن نقص وضعف فكان الدين في تلك الحقبة الحالكة ! ، كان ، هو الآخر ، خطا أحمر ولو في أصوله الكلية وتشريعاته الرئيسة فانتقص منها في أمر السياسة ما عظم وفحش أثره في الجماعة فليس ثم ما يفسد الأخلاق ويذهب المروءات كالاستبداد وهو ما فطن له المركز في الأعصار المتأخرة فجعل نخبة الاستبداد لا سيما النخبة العسكرية جعلها آلته الفاعلة في القضاء على نخوة المجتمعات ومدافعتها لمشاريعه الفكرية والسياسية والعسكرية والاقتصادية ، فكان من نقص السياسة في عهد بني العباس ، محل الشاهد ، ما جعل الأمر في مبدأ حكمهم استئصالا وقتلا على أدنى شبهةِ ولاءٍ للحكم الأموي البائد ، ولم يكن ثم مجال ، أي مجال ، لعفو ، أي عفو ! ، وذلك ما يغلب على خطة الاستيلاء العنيف على الحكم بحرب أو انقلاب ..... إلخ ، فالصفح واللين يُفْضِي إلى فشل المخطط الذي يقوم على قاعدة الصدمة بِحِزَمٍ مُتَتَالِيَةٍ من الإجراءات العنيفة التي تستأصل الخصم وتجفف منابع مقاومته الناعمة أو الصلبة ، فيصاب بشلل كامل أو غالب بما يمارس ضده من عنف ، وهو ما ذكره داهية بني العباس أبو جعفر المنصور الذي قام بأمر بهذا الأمر فهو المؤسس الحقيق لهذا الملك العتيد الذي جاوز خمسة قرون ، وهو فحل بني العباس سياسةً وحربًا مع ما قارف من الجرائم ضد الإنسانية ! ، فضلا عن طبع الغدر الذي استحكم في نفسه فلم يجد غضاضة أن يستعمله مع خصومه في إطار براجماتي يخالف بداهة عن الإطار الشرعي ، فذكر ذلك الفحل ! ذكر ما يحول بينه وبين العفو مبدأ الملك ، فإن بني أمية لم تبل رِمَمُهُم ، وبني علي أبناء العمومة لم تُغْمَدْ سيوفهم فالدعوة كانت باسمهم قبل أن يستلبها بنو العباس ، فإذ كان الأمر كذلك فليس إلا السيف فلا يستقيم الأمر مبدأ الملك بعفو يعطي الخصم مهلة أن يجمع أشتاته ويعاود الكرة ، وذلك ما فطنت له الانقلابات العسكرية المعاصرة ، أو فطن لها المركز فهو المخطط الرئيس والمشرف المباشر وهو قارئ ذكي لتاريخ الأمم إذ بها يعتبر في وضع استراتيجياته الرئيسة في السياسة والحرب ، فليس ثم عفو أو تصالح مبدأ الأمر فلا زال المشهد ساخنا فليس إلا العنف المفرِط الذي يبلغ حد القتل والتصفية في الشوارع ثم القتل النَّوْعِيَّ إذا هدأ الأمر واستقر ، ولو في الجملة ، فتكون عمليات الاستهداف الخاصة بعد انتهاء مرحلة المواجهة المباشرة والاستهداف العام الذي يفرض به الحكم الجديد أمرَه الواقع بسيف لا يعرف الشفقة فهل عَرَفَ أحد قرأ سيرة الوحي ، في أعصار النبوة والخلافة الراشدة ، هل عرف أحد هذه السياسة في استئصال الخصوم وإفنائهم ؟! ، أو أن العنف كان خيارا لا يجحده الناظر فكان سَيْفًا يدفع ويطلب ، وكان فعل مفاجأة تصعق الخصم ، وكان فعل إرهاب للخصوم كما صنع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم الفتح الأكبر ، فأرى أبا سفيان الجموع راية راية فاختصر هذا الإجراء الإرهابي ! ، اختصر معارك كثيرة فحقن به من الدماء ما حقن ، إذ أصيبت مكة بالصدمة السياسية والعسكرية وأسلمت القيادة دون مقاومة كبيرة ، ولم يكن ثم من القصاص إلا ما كان في آحاد عظمت جنايتهم ، فكان العفو من قوة سلطان نافذ قد أحكم السيطرة لا من موضع مضطرب لم يحكم فيه السلطان الجديد زمام الأمر فراح يعفو وَلَمَّا يُحْكِمِ الأمر بعد ! ، فأعطى الخصم فسحة أن يجمع أشتاته ويعاود الكرة في فعل مضاد استرد به الأمر ثم أعمل في رقاب خصومه الذين عفوا عنه السيف ! ، فلم يكن عفو النبوة يوم الفتح عفو سذاجة وإنما كان عفو القوي الذي أعد للأمر عدته واستجمع آلات العنف في يده ولكنه أحسن يستعملها فلم يكن في تاريخه من إراقة الدماء إلا ما جرى مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها ، فالحرب دفعا أو طلبا ضرورة فهي وإن كانت ذروة سنام الدين ، من وجه ، إلا أنها ليست مرادة لذاتها من وجه آخر ، بل هي ذريعة من جملة ذرائع أن يظهر الوحي على الدين كله ولو كره المشركون فلأجل ذلك بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم برساله ربه الخالق ، جل وعلا ، الذي : (أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) ، وقد احتذى أساطين السياسة حذو هذه السياسة الراشدة كما أثر عن أمثال معاوية ، رضي الله عنه ، وإن كانت سياسته دون سياسة النبوة والخلافة الراشدة فلا يضع السيف حيث يجزئ السوط ولا يضع السوط حيث يجزئ اللسان فالعنف هو آخر خيار في السياسة العادلة وهو أول خيار في السياسة الجائرة .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:22-11-2017
    الساعة:05:13 PM

    المشاركات
    4,706
    العمر
    39

    وفي إطار سياسة إدارة العنف في الأطراف يلعب المركز دور المحرِّض ودور المهدِّئ في نفس الآن ، فكما اصطنع النخب العسكرية التي تولت قيادة الأطراف ، وهي نخب ، لو تدبر الناظر ، ليست وليد تدريب عسكري محترف بل قد تقصد المحتل تَقْزِيمَهَا وحجز أساليب التخطيط والتدريب الحديثة عنها ، فتحولت إلى قوة قمع في الداخل أو قوة إسناد للمحتل في حروبه الخاصة فلا ناقة للأطراف فيها ولا جمل ، كما صنعت بريطانيا في مصر ، وقد كانت تجربتها في هذا الاتجاه تجربة رائدة إذ حُلَّ الجيش الثائر بقيادة عرابي مع أن مرجعيته الفكرية لم تكن إسلامية وإن كانت أحسن حالا مما تلا إذ مُسِخَ العقد العسكري ، وتراجع المضمون الديني ، واستبدل به المضمون الوطني وليته كان وطنيا كما الحال في الغرب أن يكون ولاء الجيش للوطن والشعب حقا ، مع ما في ذلك من النقص العظيم فإنه يهدر القيم الحاكمة لثقافة الشرق وحضارته ، قيم الوحي التي قهر بها خصومه في حملات الصليب الأولى ، فعلم الغرب ما جهله كثير من المسلمين في هذه الآن ، أن الإسلام هو المشكل الرئيس ، وهو ما اقتضى تخطيطا محكما وجهدا مكثفا لنقل المجتمع كله قبل الجيش وسائر المؤسسات ، لنقل الجميع إلى فكر جديد يخالف عن فكر الوحي ، فلا بد من تشكيك المسلمين في هذه الرسالة ، ولا بد من إثارة كل ما دق من الشبهات لشغل المسلمين بِمَعَارِكِ الكلام والفلسفة ، فيكون الجدال العقيم الذي يفضي إلى التناحر والتباغض وَقَصْمِ العلائق ، ولا بد من إثارة الغرائز في الأدوار المتأخرة التي أحكم فيها المركز قبضته على الأطراف فصار هو الذي يَتَحَكَّمُ في وسائل التسلية والتَّثْقِيفِ ، فهو الذي يُمْسِكُ بِزِمَامِ الإعلام في ظل ثورة رقمية جعلت الصورة هي بطل المشهد فهي التي تحرك النفس شهوة أو غضبا ، ولاء أو بَرَاءً ، فَتُعِيدُ بما خفي من دقائقها تُعِيدُ صياغة العقل إذ تُلِحُّ بِرَسَائِلِهَا ، ولو رمزية ، تُلِحُّ بها حتى يقبلها العقل ، ولو مكرها ، فالكذب المستمر سحر يبطل خاصة العقل فلا يستقل بنظر صحيح وإنما ينحاز إلى الصورة التي سلبته قوة الفكر والتدبر ، وكل أولئك لا يؤتي أكله في جيل أو اثنين ، بل نقل الأمم من طور إلى آخر يستغرق زمانا قد يطول أو يقصر تبعا لممانعة الأمة وأصالة ثقافتها وقدرتها على الصمود والمقاومة فضلا عن الهجوم والمبادأةِ ، لا سيما إن كان الانتقال إلى الضد ! ، فَنُقِلَتْ أمة كان الوحي رائدها ، نُقِلَتْ إلى خيار جديد في الفكر والسياسة والحرب يجعل الحس هو الرائد في ظل ثقافة أرضية تأبى الانقياد لأي مرجع يجاوزها بل وتجعل الاستمساك بالوحي مئنة من التخلف والرجعية التي تثير في نفس الناظر مكامن التهكم والسخرية ففقد الدين الهيبة والتعظيم في النفوس بما كان من نقص عام في المجتمع الذي بهرته أضواء الحضارة الغربية من لدن كان الصدام الأول في العصر الحديث ، فالصدام الأول في العصر القديم إبان حملات الصليب قد أصاب الغازي بالصدمة الحضارية ! فوجد الفارق أي فارق بين أمة قد بلغت من التحضر في سلوكها وعلومها وسياستها ما بلغت في ظل طفولة حضارية كان الغرب يعيشها آنذاك فكانت مراهقته الدامية في الحروب الصليبية التي أبانت عن همجية في الطبع لا تنفك تأرز ، لو تدبر الناظر ، إلى أصول فلسفية أرضية فالإشكال دوما في غياب الوحي أن يكون رائد الفكر والسياسة والحربِ ، فوحده الذي يهذب طبائع المنتصر الغالب فالقوة والصلف ونشوة النصر التي تسكر العقل وتصيب النفس بالطغيان كل أولئك مما يجعل الإنسان يخرج عن طور الاعتدال فيكون الإفراط في العنف والاحتقار للخصم بل يصير تعذيبه واستعمال العنف المفرط ضده إما تسلية يُمَارِسُهَا السيد المنتصر في أوقات فراغه وإما تَدَيُّنًا يَعْظُمُ به الأجر فَثَمَّ شحن معنوي زائد يكاد يصيب المشحون بالغليان بل والانفجار فهو يتوق أن يقتص من عدو الدين والوطن فإذا تمكن من الخصم تأول فيه ما قد لقن في محاضن العنف التي تتخذ تارة رسم الدين ، وتتخذ أخرى رسم الوطن فجند الديانة وجند الوطن هم خير من يذب الخصم ويقمعه وخير من يستأصل الوثنيين الذي احتلوا الأرض المقدسة وأهانوا المسيح فنبيهم يذله ويضربه في صور مرسومة رُوِّجَتْ في أوساط العامة في أوروبا إبان الحروب الصليبية فاتقدت في النفوس شعلةُ الغضب فلا بد من تحرير البيت المقدس والانتقام للمسيح الذي أهانه نبي الإسلام وَأَذَلَّهُ وَبَيْنَهُمَا ستة قرون أو يزيد ! ، والنبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أولى الناس بالمسيح عليه السلام فلا نبوة بَيْنَهُمَا والمسيح هو المبشِّر قبل البعثة النَّازِلُ آخر الزمان بشريعتها الناسخ لِجِزْيَتِهَا فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف فولاؤه للرسالة الخاتمة يظهر ما لا يظهر غيره وإن كان الميثاق قد أُخِذَ على النبيين جميعا ، ولكن المصدق بالفعل لهذا الميثاق هو المسيح عليه السلام إذا نَزَلَ آخر الزمان ، فَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا ، كما تقدم ، حاصل ما لا يحصل في ميثاق آخر ، ولكنه مكر الصورة الذي يجيد صاحبها دغدغة المشاعر وتشكيل العقول على وجه يحقق مآرب السادة من رجال الدين أو السياسة أو الحرب فلا يكون وقودا لمغامراتهم إلا العامة الذين يسلمون العقول لصورة يرسمها السادة لتحقيق مآربهم ويكن الثمن ما يُبْذَلُ من دنيا العامة وآخرتهم فَلَوْ اقتصر الأمر على دنياهم لهان الخطب نوعا ، ولكن السادة يهلكون الأتباع في المحيى والممات بصورة تخدع فهي تعيد صياغة المفاهيم ، كما هي الحال في الصورة المرئية في هذه الأعصار فآلة الإعلام تكرس ثقافة العنف وتهون على الناظر القتل إذ تشحن النفوس بالغضب ضد دين أو عرق أو فصيل سياسي أو فئة ضالة منحرفة خرجت على ولي الأمر الذي تضاهي خلافته خلافة الرشد ! بل ربما فاقتها فالمداهنة والنفاق في أروقة السياسة والإعلام لا منتهى له حتى استجاز من استجاز من تجار السياسة أن يصف بالرسالة ! زعيما خالدا من زعماء هذا العصر الذي ذل فيه الشرق وانكسر بعد أن حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دينه وكان ذلك الزعيم أداة فاعلة من أدوات المركز في السيطرة على الشرق كله على نحو دقيق محكم لم يخل من تنافس وندية أو هكذا تَصَوَّرَ العامة ، فكان المركز الصانع لهذا الزعيم الخالد يرى فيه خطرا ، ولو على المدى البعيد ، بما كانت آلته في الإعلام تنعق به من الخطر الإمبريالي الذي يهدد المشروع الوحدوي الاشتراكي .... إلخ ، وهو ، مع ذلك ، يمارس دورا أعظم يجعل المركز يتغاضى عن سقطاته ولو إلى حين ! ، فكان يناهض من جملة ما يناهض ، الرجعية والإقطاع ، والرجعية مصطلح يجاوز حد الثقافة القديمة كإرث منقول فهي ذاكرة الأمة وعقلها الجمعي ورائدها في التصور وباعثها إلى المستقبل فليست ماضيا يحكى قصصا بل لم تزل منطلقات الأمم إلى يوم الناس هذا ، وإن مادية أو وثنية ، لم تزل تصدر عن ثقافة تشكلت عبر أجيال فهي إرث يتحمله الأبناء عن الآباء ، ولم يتهم أحد منهم أنه رجعي أصولي فنظرته إلى المستقبل لا تنفك تأرز إلى طرائق في الفكر والنظر تناقلتها الأجيال ، فأوروبا في الجملة لا زالت تأرز إلى الثقافة اليونانية ذات الطابع العنصري الذي يحتكر مادة العقل والحضارة فالعرق أو الجنس الآري هو الأصل وهو محور الحضارة الرئيس ومنه أشرقت شمس الحضارة على بقية الشعوب ، فوجب رد جميع الحضارات إليه فهو المبدأ وإن لم يكون على جادة الوحي المنزل بل إن أصوله وثنية ولم يتهم ، مع ذلك ، أبدا بالرجعية إذ لا زال ينهج نهج الأسلاف في الصلف والاستعلاء بِالْعِرْقِ والفكر ، وإنما اتهم بها أتباع الوحي وهو الأشد أصالة وإحكاما ، وهو الأوفق للعقل والفطرة والحس وسائر وجوه الاستدلال الصحيح .
    فكان الزعيم الخالد يناهض الرجعية الإسلامية ! فاستتر وراء المصطلح المذموم ، مصطلح الرجعية ، ليكون ذلك ذريعة إلى الهجوم على الوحي سَعْيًا في إبطال حجيته أو قصرا لها على معان تخدم ثَوْرَتَهُ المجيدة فيوظف الخطاب الديني في الترويج لها باسم العدالة ومكافحة الإمبريالية العالمية ومكافحة الرأسمالية الإقطاعية ذات الطابع الزراعي باشتراكية هي ، عند التدبر والنظر ، أمر يهدد رءوس الأموال وإن كان الهدف الرئيس لكلا الطرحين ، الرأسمالية والاشتراكية ، هو انتقال المجتمع إلى الطور الصناعي وهو الذي انتقلت إليه الرأسمالية في المركز بعد انتهاء عصر الإقطاع الزراعي ، فالجميع يَرُومُ الانتقال إلى طور الصناعة ، ولكن الرأسمالية لا تمارس من استبداد السلطة ما تمارسه الشيوعية ومشتقاتها الاشتراكية ، فالرأسمالية تعطي رءوس الأموال هامش حركة أوسع إذ تخفف قبضة الدولة خلافا للدولة المركزية شديدة المركزية التي تقبض بِيَدٍ من حديد على مقدرات المجتمع فيقع في أسرها ويضعف ويستسلم فَتُحْسِنُ قِيَادَهُ دون حاجة إلى العنف إلا في أضيق الحدود ! ، فقد مارست من العنف العام ما أضعف المجتمع فإن ظهرت بُؤَرُ مقاومة وممانعة ، ولو في نطاق الأفكار ، فليس إلا العنف المفرط لا سيما إن كان هذا المقاوم يأرز إلى الوحي ، فتلك الرجعية الإسلامية التي تكفل هذا الزعيم الخالد وغيره من زعماء الشرق بمكافحتها بعد انهيار البناء السياسي الجامع ، تلك الرجعية هي ما جعلت الغرب يَتْرُكُه حينا مع عدم رضاه التام عنه فهو ابن عاق نشأ في أحضان المركز ثم أنكر جميله وَنَفَى نسبه وانتسب إلى المعسكر الشيوعي المخالف الذي يصادم قيم المجتمع الغربي في السياسة والاقتصاد ..... إلخ ، وهو ابن طويل اللسان يسب أباه الذي رباه برعاية رجالاته في السياسة والاستخبار ، فيجهر في دعايته الثورية بالحرب المقدسة على الإمبريالية المتوسِّعَة والرأسمالية المتوحشة فهو يقدم أنموذج التكافل الاجتماعي في إطار المنظومة الاشتراكية التي تُحِلُّ الدولة مَحلَّ الأب والأم ، بل ومحل الإله ! ، وتلك نظرية الدولة المدنية اللادينية الحديثة في مقابل الدولة الدينية الثيوقراطية في الغرب ، والدولة الإسلامية في الشرق مع ما تقدم مرارا من الخلط المتعمد بين أنموذج الحكم الثيوقراطي الكهنوتي الذي تحالف فيه آباء الكنيسة مع الأباطرة لتقاسم السلطة والمغنم ، وأنموذج الحكم الإسلامي الذي يحكم بالوحي ، فهو يحكم بكلمة الله ، جل وعلا ، التي أنزلها فلا يحكم باسمه ، كما هي الحال في الدولة الثيوقراطية ، فلا يحتكر الشرع ويصير وحده مرجع الإباحة والحظر ويستجيز نسبة ما يهوى إلى الوحي بل ويجعل ذلك نصا يقدس فسلطة الآباء في الأرض تعدل سلطة الله ، جل وعلا ، في السماء ، بل وتفوقها فَهُمْ كثير وهو واحد ، والجمع الكثير أولى بالصواب والحق ! ، فما أجمعوا عليه أن يجعلوه شرعا نافذا وإن خالف عن الوحي والعقل والفطرة والحس وما شئت من أدلة الأحكام المعتبرة ! ، فما أجمعوا عليه من ذلك فهو الحق المحكم وإن كان بطلانه مما يدركه العقل ضرورة ! ، وما أجمعوا أنه محظور فهو المحظور وإن كان توحيد الرب المعبود ، جل وعلا ، آكد فرائض الدين ! ، فقد نسخ التوحيد بالتثليث ، فما بعده من الأحكام أيسر ، فصار لهم من السلطان المطلق ما يفضي إلى حال من التصارع بين أجنحة الحكم المتنفذة ، إن في سلك الكهنوت أو في سلك السياسة والحرب ، فكان الصراع بين المؤسستين الدينية والسياسية على اقتسام الغنيمة وداخل كل مؤسسة أجنحة تَتَصَارَعُ على الامتيازات المادية والمعنوية ، والترقياتُ في هذا الأنموذج السياسي لا تكون إلا بِوِصَايَةٍ وَتَزْكِيَةٍ فلا يصل إلى منصب القيادة إلا من قدم فروض الولاء والطاعة المطلقة ، فيؤول الأمر إلى نخبة محدودة من رجال الدين والسياسة والحرب بَيْنَهُمْ ما بَيْنَهُمْ من المشاحنات فكل يريد اقتصاص جزء من امتيازات الآخر والشعب في معزل عن ذلك فَكُلُّهُ أو جُلُّهُ من رقيق الأرض الذين صاروا بعد ذلك من رقيق المصنع فهم ، كما يقول بعض الفضلاء ، الحلقة الأضعف في هذا التدافع العنيف الذي يفتقر إلى أدنى معايير الإنسانية فضلا عن معايير الدين ، فوحدهم من يدفع ضريبة هذا الصراع بين رجال الحكم ، رجالِ الدين والسياسة والأعمال ..... إلخ من النخب المتنفذة في كل أنموذج من نماذج الحكم الجائر الذي خرج عن منهاج الوحي الحاكم ، ولكل أنموذج رجالاته ، فقد تقلص دور رجال الدين في الدولة المدنية الحديثة فصارت تفخر أنها لا دينية فلا تقحم الدين في الشأن العام ، فتخلصت من رق الأرض عند رجالات الكنيسة ورجالات الإقطاع وكلاهما كان من كبار الملاك الذين ساموا الناس خطة الخسف ، فكان الزارع في الدولة الوسيطة في أوروبا كالصانع في الدولة المدنية الحديثة التي نسخت ظلم الدولة الثيوقراطية بظلم آخر أفدح مع ما صنعت من القضاء على ما بقي من الأخلاق المحافظةِ التي كانت الكنيسة تحض عليها ولو رياء ونفاقا فقد كان رجالاتها في أوحال الرذيلة خائضين بل وغائصين ! ، ولكن كان الخطاب الرسمي الحفاظ على القيم ومدح الفضيلة والعفة التي صارت بعد موجة الإفساد المدني الحديث مئنة من الرجعية والكبت ، فهي قيم ساذجة لا يتمسك بها إلا أبناء القرون الوسطى المظلمة كما ظهر في الدعاية الإعلامية في الأطراف بعد انتقال هذا الأنموذج الشائه إلى بلاد الشرق التي ما كانت بحاجة إليه فليس دواءَها ، فهو ، إن سلم أنه دواء يَنْفَعُ ، فلا ينفع إلا المركز الذي ما علم من الدين إلا دين الكنيسة الذي حض على العنف والإرهاب ! باسم الدين فكان الشحن الزائد الذي تحول به العامة من بسطاء النصارى إلى قنابل انفجرت في الشرق في مذابح سطرها مؤرخو الحملات الصليبية فكانت شهادة عدل من أهلها ، فكانوا بين عنف الرق وسطوته إذ كانت الكنيسة تخدر مشاعرهم تارة فتحمل ظلم الإقطاعيين سبب في دخول الملكوت رفقةَ المسيح عليه السلام ، وكانت أخرى تستثمر هذا الكبت فَتَصْرِفُ فائض الثورة في النفوس أن تقتل الوثنيين في الشرق فتنقل المعركة إلى ميدان آخر عوضا أن تَثُورَ الجماهير المطحونة على رجال الإقطاع والسياسة ، سببِ الظلم والتخلف الذي أصابهم ، فلم يكن سببه الحضارةَ الأخرى على ضفاف الحد الجنوبي من المتوسط فإنها ما حملت إليهم إلا كل خير في نقاط التماس بين الضفتين ، والأندلس ، كما تقدم مرارا ، شاهد عدل على أول احتكاك حقيقي بين الشرق والغرب يومَ أن كان الشرق هو الرائد ، وفي مقابلها حملة التنوير الفرنسية على مصر ! والتي تركت سجلا حافلا من المذابح والجرائم الإنسانية في مصر وما دخلته من بلاد الشام حتى اضطرت للانسحاب بعد اتفاقية العريش ، فكان ذلك صنيع الحضارة الغربية يوم أن كانت هي الرائدة ، فالحملة الفرنسية في المقابل أول احتكاك حقيقي بين الغرب والشرق في العصر الحديث على وجه أصاب الشرق بالصدمة التي طالت آثارُها فكرَه وعقلَه ، ولو على المدى البعيد ، فَلَيْتَ أَثَرَهَا اقتصر على الأبدان والبلدان مع عظم ذلك ولكنه جاوزه إلى الأخطر فَأَثَّرَ في الأديان والأخلاق وأصاب الشرق بالهزيمة النفسانية الِّتِي وطأت بعد ذلك إلى ظهور النخب العلمانية اللادينية في الشرق عبر سِلْسِلَةٍ طويلة متدرجة من الغزوات الثقافية مع دعمها إن لزم الأمر بقوة عسكرية قاهرة فتلك نظرية ما بعد الحروب الصليبية الأولى إذ كانت القوة هي الخيار الرئيس وربما الوحيد ولم تسبق بإعداد جيد يدرس الشرق وآدابه وقيمه الحضارية ويحلل النفس المسلمة التي تعيش في هذه البقعة من الأرض ويدرك من تأثيرات التاريخ والجغرافيا على طبائعها ..... إلخ ، فكانت الدراسة المتأنية للحملات الأولى وهو ، كما يذكر بعض الفضلاء ، ما عهدت به الكنيسة إلى راهب إيطالي أرخ لهذه الحملات ورام استخلاص العبر وتقديم التوصيات كأي باحث يدرس ظاهرة من الظواهر فكانت الحملات الصليبية وهي من أعنف فترات التاريخ الوسيط وإن لم تبلغ بداهة عنف الموجة التَّتَرِيَّةِ ، فالفارق الحضاري بين الغرب والمغول ، أن كان الغرب ، ولو في أسوإ تقدير ، ذا دين وإرث فكري ، ولو أرضيا محدثا ، فقد مازجه من الوحي ما خَفَّفَ ضرره وإن لم يُزِلْ أَثَرَهُ ، ولكن بركة الوحي ظهرت ولو مبدلا ! ، فكيف بالوحي المحفوظ ؟! ، فالناس كلما قاربوا الوحي كانوا أقرب إلى الفطرة فتهذبت طبائعهم ، ولو نسبيا ، فَلَمْ يظهر في سلوكهم من العنف والهمجية ما يظهر في آخرين أبعد من الوحي والرسالة ، وذلك قانون محكم يطرد وينعكس ، فأهل الكتاب أقل عنفا من الملحدين الذين لا يؤمنون بإله فتصور الحساب والجزاء قد انْتَفَى من عقولهم فلم يعد ثم رادع ، ولو في الضمير ، والوثنيون أصحاب الأديان الأرضية أقل عنفا من الملحدين ، فمعنى الدين ، وإن أرضيا ، يفرض جملا من القيم الأخلاقية تهذب النفس ، ولو في الجملة ، مع أن انطلاق الإنسان من الأرض سواء أكان ذلك إلحادا أم وثنية أم دينا سماويا مبدلا خالطته الآراء الأرضية ، الفلسفية والكهنوتية ..... إلخ ، مع أن هذا الانطلاق من المرجعية الأرضية يذكي في النفوس نار العنصرية إذ تُعَظِّمُ هذه المرجعية قيمةَ العقل فهو المرجع في مقابل الوحي سواء أكان هذا العقل يستتر برداء الدين ، كعقل الكهنوت الذي كسا أفكاره الأرضية المحدثة ، أفكار الكهنة ، كساها لحاء الدين ، أم كان عقلا أرضيا لا يعظم الدين فهو عقل فلسفي مجرد كما هي الحال في فلسفة الإغريق ، فقد أكسبت ، كما يقول بعض المفكرين ، أكسبت الأوروبيين نظرية في السياسة والحرب تعظم قيمة القوة وتجعلها الذريعة إلى التحكم والسيطرة في الطبيعة وفي البشرية جمعاء أن تكون خدما للعرق الآري اليوناني الأرقى فنظر من نظر من فلاسفتهم أن اليوناني يجب أن يُعَامِلَ الأجنبي بما يُعَامِلُ به البهيمة العجماء ، فاليوناني نوع فريد من البشر ، يحق له أن يمارس من العنف ضد الآخر غير اليوناني ما لا يذم ، بل ذلك في أحيان أمر يحمد فلا بد من قوة قاهرة بها يَفْرِضُ المتحضر المتمدن قيمه الفكرية والحضارية على البدوي المتخلف ! ، فاليوناني هو السيد الذي احتكر آلة العنف واحتكر أسباب التحكم والسيطرة سياسة واقتصادا فهو الذي يستمتع بمنجزات الحضارة المادية فلذته هي الأصل المحكم الذي ينطلق منه وإن صبغه بصبغة أخلاقية لا تخلو من العنصرية فهو رسول الحضارة الذي بعث ليخرج البشرية من البداوة إلى الحضارة ولو باتخاذها رقيقا يخدم في مدنه الفاضلة ، مدن السادة الذين يحق لهم من العسف والظلم ما لا يحق لغيرهم فليس إلا سادة يَحْكُمون وعبيد يُحْكَمون ، فتلك نظرية السياسة الأرضية إذ رُدَّ فيها الأمر إلى العقل فالإنسان بكل نقائصه المادية والمعنوية هو مركز الكون ومنطلق الفكر والتشريع مع ما جبل عليه من الأثرة والأنانية وذلك ما يوجب ضرورة وقوع الصدام العنيف مع الآخر ، فالخصوم جميعا في صراع عنيف لتحصيل أسباب اللذة والقوة والنفوذ ، وذلك أمر تَتَفَاوَتُ دوائره ضيقا واتساعا من قاعدة المجتمع إلى قمته فلكلِّ طبقة من الصراع ما يلائمها ، فالقاعدة تَتَصَارَعُ على الغث ، والقمة تَتَصَارَعُ على السمين ! ، فالسادة لهم من النفوذ والقوة ما يجعل صراعهم أعنف فهو يقوم على نظرية صفرية تَقْضِي بسحق المنافس والإجهاز عليه ، فضلا عن عنفه المفرط ضد الطبقات الدنيا وضد الأمم الأخرى ، فنظرية الطغيان الفردي تتسع دائرتها فيظهر من آثارها ما يظهر من العنف الاجتماعي والسياسي والعسكري والذريعة الأخلاقية تُقَدِّمُ التبرير لهذا المسلك ، بل وربما استعمل الدين في تَبْرِيرِ ذلك كما كانت الحال في الدولة الكهنوتية ، كما تَقَدَّمَ ، فكان رقيق الأرض فيها أضعف حلقات المجتمع فهم أكثر من يعطي وأقل من يأخذ ، فالسادة من النبلاء والقساوسة ، وهم أصحاب الإقطاع ، أولئك السادة هم من يمتص خيرات الطبقة العاملة في الأرض ، فإذا شبعوا وبشموا فامتلأت البطون ألقوا بفضلات موائدهم إلى رقيق الأرض ، وتلك نظرية انتقلت إلى الدولة المدنية الحديثة فهي ، أيضا ، دولة مستبدة مركزية ، وإن ظهر ، بادي الرأي ، أنها دولة حريات وحقوق ، فلا تعطي من ذلك إلا قدرا يسيرا لا يهدد سلطانها ، فيقتصر مفهوم الحرية فيها على حرية الإلحاد والانحلال ، وحرية سياسية خادعة إذ ثم وسائل عنف ناعمة توجه العقل الجمعي أن يختار من قد اختارته الدائرة المتنفذة من وراء ستار ، فانتقل الفرد من رق الأرض إلى رق المصنع ، سواء أكان الرأسمالي أم الشيوعي ، وفي كِلَيْهِمَا يكون العامل أيضا هو الحلقة الأضعف ، كما كانت حال الزارع في الدولة الإقطاعية الزراعية ، فالعامل في الدولة الرأسمالية يذهب معظم إنتاجه إلى صاحب المصنع الذي يساوم العمال ويهددهم بالفصل والطرد ويقيدهم بعقد العمل الجائر الذي يحقق مآرب رجال الأعمال ويهدر حقوق العمال ، فلا يعرف قيمة تعظم إلا قيمة الربح المادي ولو بانتهاك الحق الآدمي ، وتلك صورة مارسها المركز ضد الأطراف فاتسعت دائرة الاستبداد من المصنع الصغير إلى القطر الكبير فالمحتل يديره كما يدير الرأسمالي مصنعه فلا يهم المركز إلا تحقيق أكبر المكاسب من الأطراف فهو يستنزف ثَرَوَاتِهَا ويسترق شعوبها لتعمل في خدمته ، سواء أكان الرق الصريح وهو الفضيحة العظمى في تاريخ الاستعمار الحديث ، أم كان الرق الناعم ، وفي كلاهما يكون العنف واستلاب الحق هو السمة الغالبة ، بما جبلت عليه النفوس من النقص والافتقار إلى أسباب القوة فإن لم يكن الوحي الرائد فإن العنف هو عامل الترجيح حال الاختصام والتنازع ، فيكون الحق لمن يملك أسباب القوة وإن لم يشفعها بشرائع وأخلاق تضبط حركتها في الخارج ، فحق القوة هو المنطلق الفكري لهذا الطرح الأرضي ، لا قوة الحق .
    والعامل ، في المقابل ، في الدولة الشيوعية يذهب معظم إنتاجه إلى الدولة التي استأثرت بالملكية فصارت الثروة وأدوات الإنتاج في قبضتها ، فهي التي تمتص خيرات العامل ولا تُلْقِي له ، أيضا ! ، إلا الفتات ، مع أنها تزعم أنها الأب العادل في التوزيع ، وحقيقة الأمر أنها قد نازعت الإله الحق منصب التشريع ، فهي إله يحكم لا أب يَرْعَى ، كما أن رأس المال ومجاميع الضغط السياسي هي الآلهة الحاكمة في النظام الرأسمالي ، وكما أن الكهنة والأباطرة قد تقاسموا منصب الإله في الدولة الثيوقراطية في العصر الوسيط ، وكما أن آلهة الأوليمب في الخرافة اليونانية هي التي تحكم الأرض وَبَيْنَهَا من الصراعات ما بَيْنَ البشر ! ، فثم صراح أجنحة في الهيئة الإلهية الحاكمة ! تضاهي صراع الأجنحة في الدولة الأرضية الحاكمة .
    وهذه الدولة تملك ، كما تقدم ، من قوة الإعلام ما تُشَكِّلُ به العقل الجمعي فهي التي تحدد غايات الأمة وقيمها العظمى وهي التي تضع معيار الخصومة السياسية والعسكرية ، فلا بد من خصم استراتيجي يعبأ الشعب كله ضده ، فهو يصرف الناس أن يطلبوا حقهم في العيش الكريم ويوجه العنف إلى الخارج إلى عدو حقيقي أو افتراضي يصنعه الإعلام صناعة الأيديولوجيا ، كما هي الحال الآن إذ صار الإرهاب الإسلامي هو العدو الذي يسدد الجميع إليه سهامه عوضا أن يسددها الشعبُ إليهم في الداخل ! ، فهو يفرغ شحنة العنف في نفوسهم تجاه العدو الأول لكل مستبد ، وهو الوحي الذي يحسم هذه المادة الفاسدة في العقائد والشرائع والسياسات والأخلاق ، فصار الوحي هو العدو ، وَكُسِيَ أتباعه أو المنتسبون إليه ، ولو في الجملة ، كُسُوا جميعا لحاءَ الشر فهم أعداء الوطن الذين يسعون في خرابه فلا بد من المواجهة الحاسمة الشاملة التي لا تقتصر على المعالجة الأمنية الصلبة بل لا بد من معالجة فكرية تَتَّسِمُ ، أيضا ، بالعنف إذ تحرض الناس باسم الدين أو الفكر على استئصال الخصم فقد نجحت آلة الإعلام أن تصنع منه العدو الأول في أذهان العامة ، فالصراع قد صار صراع وجود بين الحق الذي احتكرته الدولة أو الحاكم ، والباطل الذي ينعت به كل مخالف على تفاوت ، فالعدو إن كان الوحي فهو الأخطر والعنف معه أوجب وإن بلغ غاية من الانحطاط والضعة يستنكف عنها الحيوان الأعجم .
    وإن لم يكن العدوُّ هو الوحيَ فأمره أهون ، وإن اقتضى الأمر ، أيضا ، جرعة عنف تلائمه ، فلكل مقام مقال ! ، ومصر الآن على ذلك خير شاهد ، فإن ثم من الحراك ما هو إسلامي ، وثم ما هو علماني ، ولا يستويان مثلا لا في الخطورة على مصالح المركز ووكلائه في الأطراف ، ولا في القوة الفاعلة في الفكر وعلى الأرض ، فآلة العنف تستعمل ضد الجميع ، ولكن على تفاوت ! ، وهو ما أقر به بعض رموز الحراك العلماني وهو الآن في السجن فَيُقِرُّ أنه يَلْقَى معاملة أفضل بكثير من أصحاب الاتجاه الإسلامي ، وقد يجتمع التياران في أحيان فتكون المصلحة المشتركة لا الغاية العظمى فالمنطلقات والمسالك والغايات تتباين بل وتتناقض ، وقد يشكل كلاهما تهديدا للسلطة ولكنهما ، لا يستويان في الخطر ، إذ لا يستويان في الفكر والغاية والقوة الفاعلة على الأرض ، فضلا أن التيار العلماني الذي يقاوم السلطة المستبدة على قاعدة من القيم الغربية التي لا تجعل الدين أصلا ولا غاية بل تجعل الحرية المطلقة هي الأصل والغاية ، وخصومتها التاريخية مع الدين تجعل الالتقاء معه على كلمة سواء ضربا من المحال وإن تكلف له من تكلف من الطرفان من التأويلات التي تروم الجمع بين المتناقضات فتكاد تبلغ في أحيان حد التأويلات الباطنية فباطلها ظاهر ومناقضتها لأي قياس صريح صحيح أمر لا يماري فيه إلا جاهل أو غافل أو متغافل صاحب هوى في عالم السياسة فهو يقيم من التحالفات البراجماتية التكتيكية ما يجعله في أحيان يَتَغَاضَى عن منطلقاته الفكرية ، وذلك أول الوهن ، وهو ما يعطي السلطةَ الفرصةَ أن تخترق خصومها وأن تصطنع من الدسائس ما يجعلهم شذر مذر ! ، كما كانت الحال في مصر وهي مثال رائد في هذا الشأن .
    والحركات المدنية ، مع كل ذلك ، تحظى بغطاء سياسي وفكري فالمركز يتبناها بل ويجعلها خيارا رئيسا في التغيير إن رام التخلص من وكلائه القدماء فَلَهُمْ من العمر الافتراضي ما ينقضي وإن طال ، فلا بد من جريان سنة الاستبدال عليهم ، وذلك ما يجعل التيارات المدنية ورقة ضغط ومساومة في أحيان ، وورقة تغيير وإصلاح في أحيان أخرى ، فالنظام السياسي العلماني في الأطراف قد تصدع وبلغت به الحال أن صار عَصِيًّا على الترميم فقد صمم لمرحلة معينة وهي مرحلة ما بعد الاحتلال المباشر ، فكان القمع العنيف هو الخيار الرئيس ، وهو ما تسبب في نشوء حركات مقاومة قابلت العنف بمثله كرد فعل في الطبع والجبلة فلم تستقر الأنظمة في الأطراف بل زادت حال الاحتقان ، وإن نجحت السلطة أن توظف هذا العنف سياسيا ودعائيا بل وأن تستدرجه إلى ساحات تكون الكلمة العليا فيها للدولة بما تملك من أدوات الحكم والعنف المشروع ! الذي أطلقت يده في الاستئصال مع اصطناع العداوات بين أفراد السلطة وخصومها ، وهو استثمار آجل تجني أنظمة الاستبداد ثماره بعد ذلك ، إذا احتاجت سَبَبًا به تُنْعِشُ آمالها في البقاء وتطيل عمرها الافتراضي قدر المستطاع ، كما كانت الحال في بلاد الشام إذ نجحت السلطة أن توظف المظالم المتراكمة في مشهد عنف مركب اختلط فيه الحق بالباطل وسهل على أي خصم اختراقه لا سيما إن كان يملك من رصيد المكر ما جعله مَضْرِبَ مَثَلٍ في اختراق الخصوم وتوظيفهم ، وكل أولئك مما يجعل تغيير هذه الأنظمة بمقتضى السنة الربانية مسألة وقت لا أكثر ، وإن طال زمان احتضارها ، فهي تَتَشَبَّثُ بأسباب البقاء وإن واهية ، فالسنة الربانية قاضية بتغيير هذه الأنظمة ، وهو ما فقهه المركز فسبق إلى الأخذ بالأسباب أن يجهز البديل ولا بد له من قدر من الوجاهة السياسية ولا بد له من رصيد في النضال ضد الظلم والاستبداد يجعله يوما خيار التغيير والإصلاح مع آلة إعلام تضخم هذا النضال ، وتغفل نضالا آخر دُفِعَ فيه من الدماء ما دُفِعَ ، وَفَنِيَ فيه من الأعمار خلف القضبان ما فَنِيَ ، والأمر ليس بهذه البساطة فإن أي تحول سياسي يتضمن حلقات من العنف تَتْرَى ، فالسلطة قد نجحت في اصطناع العداوات بين أجهزتها وبين الشعب ، وإن اختصت الفصيل الإسلامي بمزيد عداوة ، فصار الجهاز الأمني في واجهة الصراع ونجحت الدولة أن تنقل الصراع بينها وبين الشعب إلى صراع الأجهزة مع الشعب ، فالأجهزة تقاتل بشراسة فقد تورطت في مظالم ودماء فصارت تدافع عن وجودها قبل أن تدافع عن الدولة التي تدير مشهد العنف من غرفة التحكم ! فخسائرها هي الأقل وأرباحها هي الأعظم وصفقتها واحدة : الاختراق وإثارة الفرقة والعداوة ، فإنها لا تستطيع البقاء على قيد الحياة إن صار خصومها على كلمة سواء ولو لحظة مواجهتها ، فضلا أن يكونوا على كلمة سواء من الحق الذي تتجرد فيه النفوس من الحظوظ والأهواء .
    ولو تَدَبَّرَ الناظر لوجد المركز يدير الصراع بالطريقة ذاتها ، فهو يصطنع من أنظمة الحكم في الأطراف ما يمارس القمع الشديد فتكون العداوة المستحكمة بين الشعوب والحكومات وتلك مادة ثورات تشتعل ذاتيا أو يتم إشعالها وبعد ذلك يتم توظيفها في صراع بين الأنظمة والشعوب ، والمركز ، كالعادة ، يدير الصرع من غرفة التحكم ! على وجه يطيل أمد الصراع ويستنزف الخصوم جميعا ، وإذا أراد تغيير النظام فسجل جرائمه حافل والذرائع الأخلاقية لتغييره حاضرة ولكنها لا تحضر إلا إذا استحضرها المركز بعد انتهاء دور النظام القامع ، فضلا أن هذا الصراع يفرز بدائل يتعاطى معها المركز ببراجماتية ، فقد تكون بدائل إسلامية تقاوم فلا بد من اسْتِئْصَالِهَا أو احْتِوَائِهَا تهذيبها إن كانت مما يقبل التهذيب والدخول في مظلة المركز السياسية والعمل وفق قواعده ، مع إضفاء الصبغة الإسلامية على الفكرة العلمانية فيكون الإسلام كهوية مجملة قد أفرغت من مضمونها ، يكون مانع صواعق يمتص غضبة الجماهير إذا أحست بالخطر يحدق بثقافتها وهويتها ، ولا مانع من اختراع محاور ، كمحاور الاعتدال والمقاومة ، ولا مانع من تقسيم الأدوار بين الدول فبعض يمارس دور الصقر الذي يجهر بالعداوة ، وآخر يمارس دور الحمامة التي تحتضن الوافد ، وقد يقع بينهما من الشد والجذب ما تظهر آثاره الآن على سبيل المثال ، في أزمة الخليج ، فثم صراع نفوذ ولكن الجميع آخر أمرهم تحت سيطرة المركز بل والجميع معه يتحالفون في السر والعلن فلم يخرج نطاق المشاجرة عن النطاق المحلي الذي لا يهدد مصالح المركز ، وهو يمارس دوره الرئيس في إحداث حال من التوازن بين الخصوم فيدير الأزمة على وجه يجعله يربح ولا يخسر ، وإن خسرت الأطراف فذلك لا يعنيه في شيء ، فجناح في المركز يميل للدول المحاصِرة ، وآخر يدعم الدولة المحاصرَة ، ولا يدري الناظر أهذا من التضارب بين الأجنحة وهو ما اتسمت به الإدارة الجديدة في المركز ، أم هو خداع وتقسيم أدوار لا أكثر في إطار نظرية إدارة الصراع دون التدخل لحسمه لا سيما إن كان الصراع يحقق على المدى البعيد غايةَ المركز من إعادة التشكيل لخارطة المنطقة السياسية والجغرافية ؟! .

    والله أعلى وأعلم .


  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:22-11-2017
    الساعة:05:13 PM

    المشاركات
    4,706
    العمر
    39

    وقد كانت حضارة الإسلام حضارة اختيار لا إكراه ، فـ : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ، وكانت ، مع ذلك ، حضارة حسم لا وهن فلم تتأول نصوص الحكمة والموعظة الحسنة أن تعطل سيف الجلال ، ولم تتأول آيات القتال أن تسلك جادة العنف المفرِط فتقهر الناس على انتحال الدين وإنما كفلت لأهل الكتاب والمجوس من حرية الاعتقاد ما لا يخدش صورة الإسلام ، فكان هو الحاكم المهيمن ، وهو ، مع ذلك ، العادل المقسِط ، وكان في مقابله ما شهد به تاريخ الدول والأمم من العنف الذي اقْتَرَفَهُ أعداء الديانة لما صارت لهم الدولة واجتمعت في أيديهم أسباب القوة والمنَعَةِ ، فكان لحضارة الإسلام من العدل والتسامح مع الحزم فلا تساهل ، كان لها من ذلك قدر يُحْمَدُ ، وإن لحقها من النقص ما لحقها ، فكانت حملات الصليب ، وهي محل شاهد بِهِ يُضْرَبُ المثالُ على القدر الفارق بين حضارة الشرق وحضارة الغرب ، كانت موجة عاتية من العنف إبان فترة ضعف سياسي وعسكري في الشرق ، فالخلافة في بغداد قد صارت صورة حكم بلا حقيقة سلطان وأهل المحدثة المغلظة من البدعة الباطنية قد صارت لهم دولة في العدوة المغربية وما بعدها حتى بَلَغَتْ دولتهم مصر والحجاز ، مع ما لَهُ من رمزية روحية وسياسية فهو أصل الإسلام ومأرزه الأول ، وامتد نفوذهم إلى الشام والعراق يهدد سلطان الخلافة بل قد دَبَّرُوا من الكيد ما أزال رسم الخلافة من بغداد عاما أو يزيد إبان فتنة البساسيري المشهورة حتى نجح السلاجقة الأتراك ، وهم القوة السنية الْفَتِيَّةُ آنذاك وقد وَفَدُوا من الشرق ، أن يُبْطِلُوا هذا الكيد وَيُرْجِعُوا الخليفة إلى بغداد ، وكان عنف الباطنية مع أهل السنة في المغرب ومصر ، لا سيما المغرب فقد كان من قتل علماء السنة وعامتهم ممن أبوا الانقياد لهذا الحكم ومنهم من أنكر باليد فخرج على ولاية مَنْ ثَبَتَ مُرُوقُهُ من الدين بما اقترف من بَوَاحٍ لا يقبل تأويلا فبدعة الباطنية بدعة تذهب بأصل الملة وتنقض الضروري من أحكام الشرعة ، فكان النقص الذي قضى به الرب ، جل وعلا ، وكلما باعد الزَّمَانُ عن الرسالة كان الشر أعظم والخير أقل حتى يكاد يذهب في أعصار ، ثم يندثر آخر أمره فلا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض : الله الله ، كما في الخبر ، فإن الوحي إذا غاب من ثقافة الشرق فإنه يَتَحَوَّلُ إلى مسخ شائه ويفقد خاصته التي بها عدل في أحكامه وَطَرَائِقِه في السياسة والحرب ، وإن وقع النقص في الأعصار المتأخرة ، فصار العنف وسيلة رئيسة في التغيير ، سواء أكان عنفا خشنا أم ناعما فانقلابات السياسة تُمَارِسُ من الكيد ما به يُنْتَزَعُ الملكُ وإن كُسِيَ ذلك لحاء الرِّضَى بِالْبَيْعَةِ على الكتاب والسنة وهو أمر يُبَاعِدَ من هدي الرسالة في أمور الحكم والسياسة كما يُبَاعِدُ الرضى من صورة الانقلاب الناعم أو الخشن فلا يكون التنازل إلا بترغيب أو ترهيب أو مزيج منهما وتكون الصورة آخر الأمر صورة الرضى والزهد والنفوس قد أصابها من الشح ما الله ، جل وعلا ، به عَلِيم ، وتلك خاصة رئيسة في الملكِ إذا خرج عن منهاج الرشد الأول ، فهو عقيم لا يصل رَحِمًا ولا يحفظ ودا ، وكان الغدر في الحرب ، وهو أمر لم يكن لأهل الإسلام به عهد وإن في أَشَدِّ مراحل تاريخهم صِرَاعًا وَتَنَاحُرًا ، فكان الوحي هو الحاكم للنفوس الكاظم لطبائعها في العدوان والطغيان ، فلما زال هذا القيد الحاكم وحصل التحول الذي واكبه من العنف قدر هائل ، فلم يستسلم المجتمع بسهولة ! ولم يخضع لسلطان الدولة الحديثة التي جردته من أدواته في الإنكار والمقاومة بعد أن وَجَدَ المحتل من قُوَةِّ الجمع العام ما ناب عن القوة المحترفة لما هُزِمَتْ لِفَارِقِ القوة والعدة ، فكان عنف الاحتلال الذي ظهر في حملات العصر الحديث وأولها حملة فرنسا على مصر ، فقد كانت حملة تَنْوِيرٍ بلون الدم الأحمر القاني ! ، فدكت بمدافعها معاقل المقاومة الفكرية والسياسية والعسكرية ، ولم يكن دخولها الأزهر وانتهاك حرماته إلا رسالة ذات مَغْزَى دقيق فهمه من جاء بعدهم ، فإن الأزهر هو نُوَاةُ المقاومة الصلبة التي تستمد قُوَّتَهَا من قوة الوحي روح هذا الشرق وإن في أضعف أحواله ، فكان الأزهر آنذاك كالخلافة في آخر أيامها فهي ضعيفة قد أنهكت ولكنها مع ذلك منارة جامعة يلتف الناس حولها في الشدائد وَإِنْ رَمْزًا يحفز النفوس أن تدفع المحتل وتذب عن الدين والأرض وَالْعِرْضِ ، فكان للأزهر دَوْرٌ فاعل على ما طاله آنذاك من انحراف في العقد والسلوك والفقه ، فكان الانحراف في الدرس الإلهي والسمعي بِانْتِهَاجِ المذهب الكلامي الذي غلا متأخروه ما لم يَغْلُ متقدموه ، فكان ذلك ، أيضا ، من صور العنف الحاد في مجال الأفكار ، أن حصل التحول المقترن بالتعصب ، فتحولت الهيئات العلمية من الطريقة الأولى إلى طريقة محدثة في الإلهيات جعلت التأويل عمدة في التفسير على وجه أفضى إلى إفراغ النصوص من مضامينها مما أطفأ وهج الإيمان في القلب فَلَمْ يَعُدْ ثَمَّ حمية دين أو حرارة يقين ، وإنما صار البحث بحثَ كلامٍ وفلسفة يَتَنَاوَلُ الدقائق ويسهب في شرحها ويقيم عليها من الحجج والبراهين الجدلية ما يخرج بصاحبه عن الطريقة الإيمانية الأولى التي جعلت النصوص زادا به اغتذت وتأولت ذلك في الخارج عملا يثمر لا جدلا يضيع الوقت ويستنفد الجهد ويثير الضغائن في الصدر بما يكون في مجالس الجدال من حرص على قهر الخصم بحق أو بغير حق ! ، فصار الدين محل اختلاف وتشاحن لا محل اتفاق وتآلف وهو ما أفضى إلى العنف والإغلاظ في القول للخصم ، بل وأفضى بعد ذلك إلى العنف والقتال وإن لِخِلَافٍ في الْفُرُوعِ فكانت معارك أَتْبَاعِ المذاهب من غلاة المقلِّدة والمتعصبة في الأعصار المتأخرة ، فذلك ما يُثْمِرُ الغلو في التقليد والتعصب بلا نَظَرٍ في الدليل طَلَبًا للحق وإن خَالَفَ عن قول الإمام المتَّبَعِ ، فأفضت هذه الحال الناقصة إلى عدواة وَبَغْضَاء في القلب تأويلها في الخارج التَّنَابُزُ بالألقاب والتقاتل بالأبدان ، فكان هذا الجدال الكلامي وهو من آثار الدرس الفلسفي العقيم الذي اشتغل بالمطلقات النظرية فجعل العلم غاية في نفسه ولو بلا عمل يصدقه لا سيما مع ظهور الإرجاء في الأعصار المتأخرة حتى صار قول أهل السنة أن العمل يدخل في حقيقة الإيمان سواء أكان شرط كمال واجب أم كان جنسه شرط صحة أم كان من آحاده ما هو شرط صحة لدليل اختص به كما في الخلاف المشهور في حكم تارك الصلاة ، حتى صار هذا القول يكافئ قول الخوارج المرَقَةِ من الدين الذين يُكَفِّرُونَ مرتكب الكبيرة ، فكان هذا الغلو في الإرجاء في مقابل ما كان من غلو الخوارج الأوائل ، وكان هذا العنف في الاتهام للمخالف أنه من الخوارج ، وذلك ما يفضي في العادة إلى عنف آخر مضاد ، فإن الحق فضيلة بين رذيلتين ، فمذهب أهل السنة في الإيمان وسط بين الخوارج والمرجئة ، فالخوارج يغلون في اعتبار العمل حتى جعلوا ترك آحاد منه لم يرد النص بكفر تاركها أو اقتراف معصية لا تنقض في نفسها أصل الدين الجامع فليست من نواقض الإيمان ، حتى جعلوا ذلك ناقضا لأصل الدين واستحلوا به ما استحلوا من المحارم في صورة من صور العنف الذي تكرر في دورات تَتْرَى من تاريخ الإسلام من لدن ظهر الخوارج الأوائل على تفاوت في العنف وعلى تفاوت آخر أدق في إطلاق لقب الخوارج ، فإن ذلك مما حصل فيه التعدي في هذه الأعصار كما يرى الناظر في فتاوى عليها خاتم السياسة تصدر من هيئات علمية ذات شأن كان لها من التعظيم في القلوب ما يكاد يذهب به أصحاب الرياسات السياسية البراجماتية أن جعلوها مطية لتحقيق مآربهم في السياسة فهي تَنْعَتُ خصوم السلطة أَنَّهُم الخوارج وهو ما يمهد ولو على المدى البعيد لحملة استئصال عليها خاتم الفتوى الشرعية فَيَكُونُ رد الفعل دَفْعًا لهذا العدوان على وجه لا ينضبط فما أعسر ما تلجم النفوس حال هياجها فيكون من الشر ما تُلْقَى تَبِعَتُهُ على الطرف المظلوم وإن كان منه تجاوز محظور ولكن تجاوز الصائل الذي بادر بالعدوان أعظم وأفحش ولا يجد الناظر مع ذلك من ينكر ، بل يجد من اكتسى ثياب العلم يسارع في السلطان طَلَبًا لرضاه بفتاوى يعلم يَقِينًا بطلانها فالهيئة التي تُفْتِي بضلال الخصم هي التي كانت تمدحه قبل ذلك أن وافق ذلك هوى السلطان ، فإن رأى المصلحة في مهادنة الخصم سارعت هيئات الفتوى والفكر تمدح ، وإن رأى المصلحة في مهاجمته سارعت ذات الهيئات أن تَنْسَخَ الفتاوى الأولى بفتاوى جديدة تُلَبِّي غَرَضَ السلطة فهي الأصل المحكم الذي لا ينسخ أبدا إلا بسلطة جديدة لها فتاوى جديدة في السياسة والحرب فلكلِّ سلطة من الأهواء ما يخالف عن الأخرى ! وفتاوى الهيئات والمؤسسات التي تسبح في فلك السلطة لا تجد الحرج أن تنسخ فتاواها باستمرار ولو بلا موجب ترجيح معتبر يقضي بهذا النسخ المفاجئ ! أن يظهر من القرائن ما كان خافيا فليس الأمر إلا ترجيح السلطة الجديدة فهي المرجح من خارج ! فيقضي بمعيار المصلحة السياسية البراجماتية ويكون لأهل الفتوى تخريج الأمر على الأصول الشرعية ! ، وربما صدقت الفتوى أن تناولت من الخصم وجوهَ نقص ، ولكنها لم تجهر بذلك آنفا ، بل نص كلامها السابق إشادة في الجملة من رجال السياسة أيام التصالح إذ لم تَتَعَارَضِ المصالح ! ، مع نقد لطيف لأمور يصح فيها النقد ويحسن فيها النصح بل والإنكار في أحيان ، فكان الأمر عدلا في الحكم وافق ما يهوى الساسة فلم يكن ثم ما يوجب الصدام ، بل كان التحالف في إطار مكايدات السياسة لخصوم في الجوار جهروا بعداوة الدين فاضطهدوا كل حركة إصلاح وتجديد تَرُومُ الرجوع إلى أصول الرسالة الأولى ، وإن في الجملة ، لا سيما الأصول السياسية التي لا يطيق الساسة في هذا العصر أي مجدد لها فما قامت رياساتهم إلا على أنقاض الوحي ، كما يقول بعض المفكرين ، فما شُيِّدَتْ الأفكار القومية والوطنية إلا على أنقاض الخلافة الجامعة التي رَفَعَتْ لِوَاءَ الإسلام على ما نَالَهَا من النقص العظيم أواخر أيامها ، فَيَعْزُو ذلك المفكر ازدهارَ الأفكار القومية ذات الطابع العنصري إلى انحلال العقد الإسلامي ذي الطابع الجامع لجميع الأجناس والأعراق فوحده الذي جاوز العصبيات السياسية الضيقة إذ اتسعت دائرته للبشر جميعا ، فكان هو الجامع الفكري والسياسي فدوره يجاوز دور العقيدة الباطنة والشعيرة الظاهرة وإن كان ذلك مما يعظم أمره بل لا يصح دين إلا به ، ولكن قَصْرَ الدين عليه وإخراج السياسة والحرب وسائر الشأن العام هو طَوْرٌ من أطوار العلمانية اللادينية وإن كان طورا ناعما يغاير عن طور آخر صلب رام القضاء على الدين كله بل وجعل الإلحاد عقيدته الفكرية وهو ما انعكس بداهة على سائر أنشطته السياسية والاجتماعية والاقتصادية بل والعلمية فصار العلم التجريبي خادما لعقيدة الدولة فأصحابه يجتهدون في إثبات النظرية العظمى ! أن لا إله والحياة مادة ! ، وذلك ، أيضا ، من صور العنف الفكري الذي تأوله أصحابه في حراك ميداني أراق دماء الملايين لتثبيت أركان النظرية قهرا والحكم بها جبرا كما كانت الحال في ثورة البلاشفة على القياصرة ، فكانت ثورة اللادين على الدين ولو مبدلا ، فهي ثورة على فكرة الدين نفسها إذ صار في تَأْوِيلِهِمْ سَبَبًا في التخلف والرجعية وذيوع المظالم الطبقية ، فكان لا بد من ثورة سياسية واكبتها ثورة صناعية انتقل بها المجتمع من طور الإقطاع الرزراعي إلى طور آخر من العبودية والاسترقاق ! ، ولكن في المصنع لا في الأرض ، وكان الغلو في اللادين في مقابل الغلو في الدين كما اقْتَرَفَ من اقْتَرَفَ من الجناة إذ بدلوا دين المسيح عليه السلام وصيروه عقارا يخدر الطبقة الدنيا التي تظلم ويسلب حقها في العيش الكريم وَتُسَكِّنُ نفسها بدخول الملكوت يوم الوعيد ! ، فكان العنف الثوري الذي قضى على الحكم القيصري وقضى على الإقطاع الزراعي ، فكان ثَمَّ غَرَضٌ اقتصادي لِقِوًى رأت المصلحة في انهيار هذا البناء السياسي واستبدال آخر به يجعل لهم رِيَادَةَ المال والأعمال ، وقضى هذا العنف الثوري على الدين فجعله شريكا في جناية الاستبداد ، وقد صدق وإن كذب في إطلاقه ، فَلَيْسَ الدين مطلقا هو الشريك في هذه الجناية ، وإنما الشريك هو دين الكنيسة ذات المصالح والمطامح في عالم السياسة والاقتصاد والتي وَظَّفَتْ الدين في تحقيق مآربها وصيرته صكوكا تُبَاعُ ، وحملت بعض أرباب الإصلاح الكنسي في العصور الوسطى ، وهو المصلح الكنسي مارتن لوثر ، أن يتهكم فيقول : لا أشك أن البابا هو المسيح الدجال ! ، فكان من أوائل من انتقد هذه الفضيحة التاريخية ، فضيحة الصكوك التي يغفر لحاملها فيدخل الملكوت بلا حساب فقد حوسب في الدنيا ودفع ثمن النجاة ، وذلك ، أيضا ، مما استعمل في صور من العنف المفرِط رائدها التعصب الكنسي الذي أحسن هو الآخر يُوَظِّفُ الدين ، فمن يملك ثمن الصك فهو يدعم اقتصاد الكنيسة ، ومن لا يملك فعليه لزاما أن يشارك في المجهود الحربي الذي يرسخ سلطان روما على الأرض كلها فهي محل القديس بطرس رسول المسيح لنشر التعاليم ، فصارت الدعاية دعاية هداية ، وصارت الحقيقة حقيقة غواية ، وصار العنف هو الذريعة لتحقيق مآرب الهيئة الدينية التي وظفت الدين لتحقيق الإنجاز السياسي والعسكري ، وذلك عنف مفرط قد بلغ الغاية فلم يَنْجُ منه أتباع الكنيسة الشرقية المناوئة لروما فضلا عن الشرق المسلم فهو أحق بهذا العنف إذ ليس في الجملة إلا عُبَّادَ أوثانٍ احْتَلُّوا الأرض المقدسة فَسَفْكُ دمائهم فضيلة بها تَرْسَخُ القدم في الديانة ! ، وذلك ، أيضا ، ما طال حركة الإصلاح الكنسي في العصر الوسيط فكان عنف الحروب الدينية التي ختمت بالحرب الثلاثينية ، 1618_1648 ، التي رسخت مفهوما جديدا كان تمهيدا مبكرا لثورة العلمانية اللادينية إذ بدأ المفهوم الوطني الخاص يظهر ، وبدأ المفهوم الإمبراطوري ذو العقد السياسي الكنسي التشاركي ! ، بدأ يَنْزَوِي ويضعف وإن ظل للكنيسة سلطان استمر قرنا أو يزيد حتى جاءت الثورة العاصفة ، ثورة فرنسا 1789 ، التي استعملت الْعُنْفَ ، أيضا ، في شنق آخر إمبراطور بأمعاء آخر قس في إشارة رمزية إلى حقبة من التاريخ السياسي انقضت ، وَشُيِّدَتْ على أنقاضها حقبة جديدة ، وذلك ما يُخْشَى أن يَتَكَرَّرَ في أمصار من الشرق رآى الناس فيها ريادة في الفتوى ، مع تقدم في الرياسة بما خصت به من بقاع القدس في الحرمين ، فإقحام الرياسات الدينية في الصراعات والتجاذبات السياسية أن توفر غطاء الشرع لكل حراك في السياسة والحرب ، فهي تُبَارِكُ ما يصنع الساسة أصابوا أو أخطئوا ، عدلوا أو جاروا ، بل وَتُحَرِّضُ ، ولو في الجملة ، على عنف ضد فريق من أهل الإسلام ، فهي تذمه بجمل صحيحة ولكنها لا تَرُومُ بذلك نصحا وإنما تحقق بذلك هدفا ، وهو ما يَرُومُ الساسة في نَبْزِ خصومهم لإعطاء ذريعة تمهد لدك حصونهم السياسية وربما بلغ الأمر حد المناجزة المسلحة للخوارج الذين يَرَوْنَ الخروج على الدولة ! فقد صارت هي الأخرى إلها وإن اكتسى ثوب الديانة في مقابل الدولة العلمانية الصرفة فهي ، أيضا ، إله بديل ولكن بلا دين ! ، فذلك من العنف في الحكم الذي يخضع لأهواء الساسة على وجه لا يخلو من تَنَاقُضٍ فمن نظر في التاريخ الحديث وجد الخوارج الجدد إن في السياسة أو في الحرب ! وجدهم موضع ثَنَاءٍ سابق أن كانوا حلفاء النظام الحاكم فإذا تَغَيَّرَتْ المصالح السياسية الناجزة صار المجاهد في سبيل الله ، خارجا على الدولة مارقا من الدين ! ، مع أنه حليف في جبهات قتال أخرى ! ، فهو خارجي تارة سني أخرى على وجه لا يسلم من التناقض الذي لا يعجب الناظر في السياسة المعاصرة أن يقع مثله وأضعافه في تصريحات تَتَبَدَّلُ باستمرار فهي تُنْسَخُ تَبَعًا لما يجد من المصالح ، خلافا لأحكام الدين وشرائعه فهي لا تعرف هذا التلاعب البراجماتي والذي يُمْلِيهِ سلطان من الخارج ، فالمركز هو الَّذِي يُدَبِّرُ هذا الأمر وَيَرُومُ به فَرْضَ خارطة جديدة في السياسة ويروم قَبْلَ ذلك فَرْضَ عقد جديد به يستبين العدو من الحليف ، فمعيار الولاء والبراء قد تَغَيَّرَ فلم يعد الدين باعثه ، وإنما صار الدين ذريعة من ذرائعه فهو يُسْتَدْعَى فَتْوَى تحل أو تحظر ، تَذُمُّ أو تَمْدَحُ ، تبارك وتهنئ الحاكم الجديد الذي يباركه المركز ابتداء فهو حليف المستقبل في إطار معادلة مركبة من الفكر والسياسة يعاد بها تشكيل العقل والوجدان بنقل مركز الثقل الديني من نقطة توازن كانت أقرب في الجملة إلى مركز أهل السنة إلى أخرى تهادن المركز ورجاله في الإقليم فتستعمل خطابا رقيقا يخدع ، بادي الرأي ، وهو خطاب سطحي يشبه أن يكون من الخطاب الكنسي الذي يتشدق بمواعظ باردة لا أَثَرَ لها في الخارج ، فالحياة عنها بمعزل ودوره لا يجاوز دور المتحف الأثري وإن استدعي من وراء جدرانه التي يقبع خلفها أسيرا ، وإن استدعي في نوازل السياسة والحرب لِيُضْفِيَ القداسة على مواضع النجاسة التي يَتِّسِمُ بها العمل السياسي البراجماتي المعاصر فلم ينفك يلعب دوره الأول فهو حليف السياسة ، وإن كان حلفه الأول حلف الطرف المؤثر فكانت البابوية تناجز الإمبراطورية بل وتقهرها في أحيان ، فكانت هي التي تعطي شرعية الحكم ابتداء فهي التي تُعَيِّنُ من له الحق الإلهي أن يحكم فلا يحكم إلا بمباركتها ، خلافا للدين في هذه الحقبة العلمانية فهو حليف أدنى لا يتدخل إلا لماما في ترشيح قيادة في السياسة أو في الحرب ، فالمرجع قد تبدل ونقطة الاتزان قد تحولت من الله ، جل وعلا ، الذي احتكرت الكنيسة الحديث باسمه تبديلا وتحريفا ! ، فتحولت نقطة الاتزان من الدين إلى الشعب فهو الذي يختار ، ولو في الظاهر ، من يحكمه ، وإن حددته القوى الفاعلة في السياسة والحرب ابتداء ! ، فالشعب يستدعى لينتخب من ترشح هذه القوى الفاعلة فلا يخرج المرشحون في الجملة عن سلطانه فكلهم يخضع له ولو من طريق غير مباشرة بما يكون من جماعات ضغط وتمويل فَلَهَا دور فاعل في عالم السياسة ، ومن يخرج عن النص خروجا يهدد مصالح هذه القوى الفاعلة فمصيره عنف آخر ، وهو عنف الجريمة السياسية اغتيالا وتصفية ، فضلا عن فضائح وانتهاكات للقانون تحتفظ بها هذه القوى حتى يَأْتِيَ أوانها فهي تحسم معارك الانتخاب في لحظاتها الفارقة فتسريب واحد قد يرجح الكفة في آخر لحظة ! .
    فدور الدين الآن في المركز دور تابع وإن رام استعادة بعض النفوذ بما يضفي من شرعية على بعض الحروب التي يعلنها الساسة في المركز دينية خلافا لساسة الأطراف فقد صاروا علمانيين أكثر من العلمانيين في المركز ! ، فبلغ عنف العلمانية في بلاد الشرق ما لم يَبْلُغْ في المركز ، فهي ، في المركز ، ولو في الجملة ، علمانية لادينية تَرُومُ الحياد تجاه جميع الأديان أو تزعمه ! ، فلا تريد لأي دين أن يحكم إذ اختارت المرجع الأرضي الذي لا يجاوزها فهي تأبى الانقياد لأي مرجع ديني سماوي ، بل وأي دين في الجملة لا سيما على قول من يَرُدُّ كل دين وإن وَثَنِيًّا صرفا إلى أصول رسالية ولو اندثرت فَثَمَّ من المحققين من يثبت تقدم الوحي السماوي على الفلسفة الأرضية من هذا الباب ، إذ يجعل الدين سابقا للفلسفة في الظهور فهو ركز كامن في النفوس بما جبلت عليه من فطرة التدين ، وهو ظاهر في الأديان الأولى التي كان الشرق مهادها فلم يكن للغرب منها حظ ، إذ لم يكن له من الحضارة حظ فالتاريخ شاهد عدل أن الحضارة لا تزدهر ولو أرضية إلا إذا اقترنت بمعنى الدين ، ولو باطلا أو مبدلا ! ، فذلك ما ينقض الأصل العلماني من منظور عام لا يقتصر على دين الإسلام وإن كان هو ألد خصوم العلمانية وأشدها شكيمة إذ له من العقد والشريعة ما ينازع العلمانية نظريةَ السيادة إذ لا يَرْضَى أن ينازعه فيها أحد فضلا أن يستلبها ويستأثر بها ويجعل الدين لها خادما يُصَدِّقُ أحكامها ويبارك أفعالها وإن بلغت ما بلغت من الشناعة والمخالفة الصريحة الْفَجَّةِ لأحكام الملة ، وذلك ، كما تقدم ، ما يخشى أن يقارفه أهل العلم ممن لهم في الناس كلمة تسمع فإن انجرافهم في هذا التيار السياسي البراجماتي وتوظيفهم على هذا النحو الردي يجعلهم طرفا في خصومة ليسوا فيها الحكام فقد نُزِعَتْ منهم السيادة وإن كان الخطاب الرسمي مدبجا بتعظيم الكتاب والسنة ، فصاروا شهود الزور باسم الدين ، فلو كانت الشهادة بغيره لكان الخطب أهون ، وإن كانت شهادة الزور مما يقبح في كل حال ، ولكن النقص يَزِيدُ إن كانت شهادةُ الدين الذي يُبَارِكُ من أعمال السياسة ما صار لأربابه من السيادة ما نَازَعَ الوحي وَعَزَلَهُ سواء أكان العزل الصريح في نماذج علمانية قد بلغت الغاية في العنف ، فهي علمانية ضد دينية وذلك طور آخر يجاوز العلمانية اللادينية التي تروم الحياد ، ولو في الظاهر ، فلا تَنْفَكُّ تختص الدين الخاتم بعداوة وإن لم تجهر لئلا يفتضح أمرها فتنبز بالتمييز والعنصرية فهي تمارس جرائم الكراهية الدينية التي يجرمها دستورها الحاكم فلا مناص أن تتلطف في الخطاب وإن خانها اللفظ في أحيان ، فـ : (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) ، وذلك ما يظهر في ازدواجية خطابها تجاه جرائم القتل ذات الخلفية الأيديولوجية فإذا كان القاتل مسلما فالخطاب الإعلامي قد أعد سلفا ليندد بالإرهاب الإسلامي ذي النزعة الراديكالية الكارهة للآخر التي تغذي العقول بمادة حرب لا تقبل السلام أو التعايش ، فلا يكون التعايش إلا في ظل ما يفرض المركز من قيم وأخلاق في السياسة والاجتماع والاقتصاد ..... إلخ ، فإما أن تعيش ولو كرها بما يضع المركز من قيم محدثة تعارض الشرعة المنزلة في أصلها فهي تلامس الخط الأحمر ، خط السيادة وهو محل النزاع الرئيس من لدن عصى إبليس ربه ، جل وعلا ، فجعل السيادة لعقله وأبى أن يجعلها للوحي فعارضه بما رأى ونظر ، فاستحسن ما هوى وإن خالف عن الوحي ، وصار حكمه هو الأصل الذي يرد إليه الوحي فإن وافقه قبله وإن لم يوافقه رده ، فصار المرجع في التحاكم هو العقل لا الوحي ، وصارت السيادة للأرض لا للسماء ، وصار المركز الأرضي هو الذي يعين الحدود والتعاريف فيضع تعريفا جديدا للدين ودوره في الحياة ، ويضع تعريفا للتطرف والإرهاب ، ويضع تعريفا للحرية والتسامح ، ويضع تعريفا للتعايش ، فليس ثم تعايش يحمد إلا أن يكون المركز هو السيد فتعيش الأطراف في سلطانه ولو كرها ، فليست إلا تابعا يطيع ما يملي المركز إذ صارت إملاءاته تضاهي إملاءات الوحي بل تقدم عليها عند التعارض ، فحكمه في الأطراف هو المحكم ، وحكم الوحي فيها إما أن يصدق فيشهد شهادة الزور وَيُلْبِسَ الباطلَ ثِيَابَ الحق وَيُخَرِّجَ أحكام السياسة على أحكام الديانة إذ يلتمس لها من وجوه التأويل ما يظهر فيه التكلف مع أنه يسارع فيحسم الحكم بمروق من يخالف فهو خارجي ضال ينعت بجمل من الأسماء والأحكام فيها من التجاوز ما يقبح وما يثير اشمئزاز الناظر إن كانت له بقية دين ومروءة فالفطرة الأولى تجعله يَنْفِرُ من هذا التوظيف الوضيع لأحكام الدين في نصرة مذهب في السياسة أو في الحرب يُوَافِقُ هوى الساسة والقادة فهم يطلبون الفتوى التي تبارك ولا يرضون بأي قول يخالف فمصير القائل التضييق والإقصاء والعزل والغمز بالنقص تَنْفِيرًا منه إن بحق أو بباطل فقد استدرج من استدرج فوقع في حبائل الساسة إذ يجيدون اصطياد الأخطاء فهي من جملة الأوراق التي يساوم بها أهل العلم ، فثم من يساوم بخطإ يقدح فعلا ، وثم من يصطنع له من الخطإ ما يفضح ، وثم من يقع في إغراء السلطة أو الثروة ، وثم من يختلط في نظره الأمر ولا يخلو من هوى وإن لطف قد يحمله على المسارعة في الفتوى بما يُرْضِي الساسة ، والوحي في جميع هذه الأحوال الناقصة ليس هو السيد الحاكم وإن بدا ذلك في الظاهر فلا يعدو أن يكون من المتشابه أو المنسوخ الذي انقضى زمان العمل به فَبَطَلَ الحكمُ به إما مطلقا في العلمانيات ضد الدينية أو في أمور السياسة والحكم والثروة فتلك خطوط حمراء في المركز والأطراف جميعا ، فالعلمانيات اللادينية وإن وفرت الهامش في أمور العقائد والشعائر والأخلاق إلا أَنَّهَا لا ترضى أبدا أن يكون الحكم للدين مطلقا والإسلام خاصة فهي تُؤْثِرُهُ ، كما تقدم ، بالقدر الأعظم من العداوة ، وهو ما يظهر الآن في المركز ، إذ أعطي الضوء الأخضر لآلة إعلام جائرة لا تَتَحَرَّى الحياد فليست متجردة وإن زعمت المهنية والاحتراف فَتَتَظَاهَرُ بذلك فإذا جاء الأمر من السلطة بِتَبَنِّي خطاب متحيز يحقق أغراض الساسة والقادة ولو ببث الكراهية التي يزعم القوم مكافحتها ، فيكون التجاوز في الحد كما يظهر في جرائم القتل آنفة الذكر ، فإذا كان المقتول مسلما فهي تصنف أنها جريمة جنائية ليس لها أية خلفية أيديولوجية ، وإن كان المقتول غير مسلم والقاتلُ مسلمًا فهي بداهة ! جريمة ذات أبعاد عنصرية تندرج تحت عنوان رئيس هو العنوان الإسلامي الأصولي البغيض ! الذي يجب الوقوف معا في صف واحد لاستئصال آفته من الصدور ، فلا بد من سيادة قيم المركز وتنحية قيم الوحي فهي سبب الإشكال الرئيس فخطابها لا يعرف إلا لغة القتل والتدمير والتفجير الذي يلهج الأئمة في هذه الآونة أن يقي الله ، جل وعلا ، الشباب شره ! ، وذلك حق من وجه ، ولكنه ، من آخر ، انعكاس لما يصدر في المركز من توصيات بمكافحة التطرف والإرهاب فالأطراف تستجيب فنخبها السياسية قد صارت الوكيل الفاعل ونخبها الدينية قد صارت الشاهد المصدِّق الذي يثبت الجناية دون أن يشعر ، وهي ، جناية لا يُنْظَرُ فيها إلا من وجه واحد ، وهو رد الفعل العنيف لا الفعل العنيف الذي مارسته السلطة الحاكمة في دولة ما بعد الاحتلال وريثة الفكر والسياسة ، والإشكال الأعظم أنها قد ورثت الفكرة العلمانية بل وورثت منها أقبح طريقة ، وهي الطريقة اللاإسلامية فليتها كانت لادينية كالفكرة العلمانية في المركز ، ولكنها قصرت عداوتها في الجملة على الإسلام بوصفه ، كما تقدم مرارا ، الخطر الرئيس الذي يهدد مراكز صنع القرار إذ ينازعها حق السيادة المطلقة فأعمال السيادة في الوحي لا تكون لرجال سياسة أو رجال كهنوت أو هما معا على تفاوت في الأدوار ، فتوزيعها يكون تبعا للأحجام والأوزان النسبية ! ، فالوحي لا يعرف هذه الطريقة الشائهة وإنما يحرر القصد والعمل فطريقته في العقد والشرع والسياسة والحرب على كلمة سواء : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، وذلك ، بداهة ، ما يجاوز حد العبادة في المعجم العلماني الذي قصرها في أحسن أحوالها على الشأن الفردي ، العقدي والأخلاقي ، بل رُبَّمَا ضَيَّقَ في ذلك إن رأى أَثَرَهُ يجاوز محل الفرد ليؤثر في الجماعة ولو بشكل غير مباشر ، فلا بد من حسم الداء في مبادئه قبل استفحاله ، ولو كان ثم هامش أوسع فالأحوال تختلف تبعا لاختلاف الأمصار والمجتمعات ، فلا يزيد هذا الهامش فيجاوز نطاق الفتوى في المعاملات البينية بين الأفراد فلا يتطرق إلى المعاملات البينية بين الدول ، فذلك أمر تُفْتِي فيه هيئات السياسة الدولية بما لها من سلطة أخلاقية وسياسية تضع من المعايير ما يوافق أهواء المنتصر فوحده من يضع القانون وينسخه ووحده من يملك الفيتو الناقض لأي قرار عن هواه يُخَالِفُ ، فالإشكال قبل أن يكون في طرائق السياسة والحرب في مجموعات الأطراف الوظيفية ، الإشكال هو في الفكر الذي نجح المركز في تحريفه وصناعة نخب جديدة قد تشربت المبادئ الحديثة وفق نظرية المركز فالحداثة ، أيضا ، من اصطلاحاته التي بها يَحْرِفُ بَوْصَلَةَ العقول أن يقطعها عن الإرث المنقول ويجعلها في حل من ماضيها ولو كان قاعدة انطلاقها إلى المستقبل فلا يروم للأطراف إلا المستقبل الذي رسمه ، فتدخلاته في السياسة والحرب قد جاوزت الحد فصار الآن يتدخل في وضع مناهج الدرس التي تخرج النشأ ، وإن شئت الدقة فهو قد بدأ بذلك فَوْرًا بعد أن استتب له الأمر فنجح بقوته العسكرية الصادمة أن يقضي على أية مقاومة فاعلة على الأرض ، فبعد ذلك كان المكر الكبار أن تهزم العقول بعد هزيمة الأبدان فبعد تقييد الأمم بقيد العسكر الأجنبي كان العبث في الأديان باسم التمدن والتجديد في ظل عملية تغريب تنقل نقطة التوازن في الأطراف من الوحي المنزل إلى الوضع المحدث ، واختلفت طرق المركز فلكلِّ مصر ما يلائمه تبعا لموقعه على الخارطة ومدى تأثيره في مصالح المركز ومدى تجذر الدين في وجدانه ودوره في حياته ، فثم تجارب صلبة وأخرى ناعمة ، ومنها ما يجري الآن في نقطة توازن رئيسة في المحور السني المعتدل ! فالأمر وإن كان ظاهره صراعا بين أجنحة سياسية تَرُومُ الحكم إلا أن ثم أهدافا أخرى أعظم خطرا ولو على المدى البعيد إذ يراد الآن نقل نقطة التوازن الفكري من فكر إصلاحي ولو في مبدإ أمره فقد كان له دور كبير في تجديد كثير مما اندثر من مذهب أهل السنة ، فيراد نقل نقطة التوازن منه إلى نقطة أخرى تتسم بالنعومة وإن شئت الدقة فقل بالميوعة فخطابها عاطفي متكلف ، ومنهاجها كلامي متصوف ، وذلك خير منهاج يزدهر فيه طرح الحداثة ويثمر إذ لا بجد مقاومة تذكر من طرح مهادن لا يحسن إلا تخدير المشاعر وتسطيح المعارف الدينية فلا تجاوز حد العقائد والأخلاق على وجه يحفظ سلطان الحكم ، من وجه ، ويحفظ مصالح المركز ، وهو ما يؤدي بداهة إلى رد فعل عنيف يغلو في الإنكار لما يرى من نقصان الدين والحال فيكون العنف الذي تمارسه السلطة ضد خصومها ، ويكون العنف الذي تستفز به المشاعر بما يكون من ظلم فضلا عما يقع فيه أهل العلم من مداهنة تطلق يد الساسة فلا منكر ، ومن أنكر فالعقاب المعنوي والمادي يردعه ! ، ويكون إلباس التغريب ثياب التحديث ذي الرؤية الاستراتيجية الثاقبة ، يكون كل أولئك مادة العنف المضاد الذي ينصب عليه الإنكار وحده دون بحث في سببه الأول من العنف الذي مارسته السلطة فهي مصنع الغلو بما تقارف من الظلم الممنهج الذي يستثمر فيه المركز استثمارا سياسيا واستخباراتيا واسع النطاق بما تحصل عنده من قاعدة بيانات هي قاعدة محكمة لمراكز الأبحاث التي قتلت الأطراف بحثا فعلمت نقاط القوة والضعف وراحت تلعب عليها في دوائر استراتيجية بعيدة المدى وأخرى تكتيكية قصيرة المدى ، ودراسة ردود الأفعال السلوكية التي تنعكس آثارها في شئون السياسة والحرب هذه الدراسة مما يجب على خائض في شأن عام أن يتقنها ، فالظاهر أنه مشروع التحديث ، وهو مما تختلف فيه الأنظار فَثَمَّ من يتمهل وهو أعقل ! ، إذ لا يرى التعجل في صدام فكري مع قيم المجتمع المحافظ ، وثم من يتعجل لا سيما وقد استجمع أسباب الحكم ، وحقيقة الأمر أنه مشروع تغريب وتقسيم .
    وأعظم جناية هي جناية النقص الذي أصاب المنتسبين إلى العلم فلم يصونوا العلم ليصونهم ، وإنما جعلوه ذريعة إلى التكسب فذهبت حشمته من النفوس وهو ما يعجل بمشروع التحديث ذي الطابع العلماني استنساخا لصورة ، ولو مصغرة ، من الثورة الفرنسية على المؤسسة الكنسية العتيقة التي فقدت شعبيتها فلم يَرَ الناس فيها إلا ممالئة السلطة السياسية طلبا لمغنم عاجل من جاه أو ثروة ، وذلك ما ذمه الوحي من صنيع الْخَلْفِ الناقص ، فـ : (خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) .

    والله أعلى وأعلم .


  4. #4
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:22-11-2017
    الساعة:05:13 PM

    المشاركات
    4,706
    العمر
    39

    وَثَمَّ من صور العنف ما كان قَبْلَ العصر الحديث ، وهو أمر شهد مَدًّا وجزرا في الصراع المحتدم بين الخير والشر ، بين العدل والجور ، وهو ما رامت الفلسفة الأرضية ، لا سيما اليونانية علاجه أن تنتصر لقيم الخير التي تصلح قوة العلم نظرا والعمل حكما ، على وجه يستغرق قوى الإرادة والحس الَّتِي بِهَا امْتَازَ الإنسان عن سائر الأجناس ، فهي مناط تكليفه بالأمر والنهي ، وهي تَأْرِزُ إِلَى معنى رئيس لو تدبره الناظر لعلم أنه أصل كل حركة في هذا الكون ، وهو معنى الحب فبه يحصل الترجيح والاختيار فلا يختار العاقل إلا ما يحب ، ولا يحب إلا ما ينفعه حالا أو مآلا ، وذلك أمر يفتقر إلى معيار ترجيح محكم يجاوز معيار الأرض المحدَث ، فهو معيار لا يسلم من التهمة التي تحمل المحِبَّ إذا غلبت شهوتُه عقلَه أن يمارس من العنف ما به يستلب لذته أن صارت هي غايته دون نظر في المآل ، وَلَوْ قَرِيبًا في هذه الدار ، فضلا أن يكون مِمَّنْ يؤمن بالدار الآخرة ، فحاجته إلى معيار السماء أعظم إذ يُبَيِّنُ ما أُجْمِلَ في نفسه من العلوم الضرورية والأخلاق الإرادية ، فالأخلاق كما يقول بعض فلاسفة الأخلاق الإنجليز ، الأخلاق مجموعة قوانين شَرَعَهَا للناس إله ، فهي تفتقر إلى مرجع يجاوز الذات فَلَهَا حظوظ وغايات تَرُومُ دَرَكَهَا ولو استعملت في سبيل ذلك العنف ، فالشهوة سكرة تذهب بالعقل فلا يحسن يختار وإنما يشتغل بعاجل لذة وإن أعقبها من التبعة الأخلاقية والجنائية ما يذهب بِنَشْوَتِهَا فلا يَبْقَى منها إلا الحسرة والندم ، فالعنف ينبئ الناظر أن ثَمَّ نقصا في قوة العمل ، عفة وعدلا ، فالعفة تهذيب للقوة الشهوانية ، والعدل تهذيب للقوة الغضبية ، وذلك محل إجماع بين كافة العقلاء ، فالحلم محمود يدل على رجحان في العقل ما لم يخرج بصاحبه إلى حال من الدياثة فلا يغار صاحبها على الحرمات ، الدينية أو الدنيوية ، وإنما دَنَتِ النفس واستفلت الهمة فصار منتهى الغاية تحصيل لذة وراحة ولو مازجها من الذل والقهر ما يُنَغِّصُهَا إن كان ثم نفس تَتَأَلَّمُ فَبِهَا بَقِيَّةُ حَيَاةٍ وإلا فهي جثمان ميت لا يألم بالجرح إذ نُزِعَتْ منه روح الحس والحركة والإرادة فخمدت وهمدت ، فكان الهوان الذي اعتادته النَّفْسُ ، فإذا اعتادت شيئا سَهُلَ وإن كان ضارا يخالف عن فطرة الصحة والكمال ، فمن اعتاد الظلمة أَضَرَّ النور بعينه ، لا أن النور في نفسه يضر ، وإنما فسد المحل القابل لآثاره بما اعْتَادَ من أضداده ، ففسدت العين إذ باشرت من الظلمات ما جعلها تَتَأَذَّى بالنور ، وهو سبب نافع ، ولكن المحل الفاسد لا يقبل آثاره فلا يحسن ينتفع به ، ولا يصبر أن يعتاده ويخالف عن إلف ما اعتاد من الظلمات ، وقد كان ذلك ، كما تقدم مرارا ، من أعظم ما صد الناس عن الحق إذ جاءهم ثقيلا لم تطقه نفوسهم الضعيفة التي أَلِفَتِ الباطل سواء أكانت من السادة فالمانع أَقْوَى إذ انضم إلى الإلف والاعتياد ما كان من حظوظ الجاه والمال ، أم كانت من العامة فلم تخل حالهم من نقص حملهم أن يَرْضَوا بخطة الخسف والضيم فاعتادت النفوس العنف المفرط الذي فرضه السادة بقوة القانون والدستور ! ، فإن منظومة الأخلاق في المجتمعات التي يحكمها الوضع المحدَث ذو المرجع الأرضي ، منظومة الأخلاق فيها منظومة يضعها أصحاب السلطان السياسي بما لهم من قوة السلطان النافذ ، فأهل السياسة والحرب والمال والقانون والفكر قد تَوَاطَئُوا أن يضعوا معيارا من القيم والمبادئ يحفظ لهم رياساتهم وَاسْتَنْبَطُوا من هذه القيم أحكاما مفصلة لم تغادر صغيرة ولا كبيرة ما استطاعت ، فكانت المنظومة الأخلاقية الأرضية نظيرَ المنظومة الإلهية ، فمن يضع معيار الحسن والقبح ، ومن يضع الحدود والتعاريف للعنف والجريمة والتمرد ..... إلخ ، هو الإله الذي يحكم ، سواء أكان إله باطل في دولة الوضع المحدَث أم الإله الحق في دولة الوحي التي تأرز إلى المرجع السماوي ، ووحده ، كما يقول بعض المحققين ، من يدل السالك فلا سعادة له ولا كمال إلا أن يكون الإله الحق هو محبوبه ومعبوده ، والحب والعبادة آثار عملية إن في الباطن أو في الظاهر ، فالمحبة أَثَرٌ باطن يحدث في القلب إرادة بها يكون الترجيح والاختيار ، فإن كان المرجع هو الوحي ، فالاختيار نافع إن في الشأن الخاص أو في القانون العام ، وهو محل شاهد تقدم ، فالوحي آيات يَتْلُوهَا صاحب الشرع المرسَل ، وهي الدالة والعلامة التي تصحح التصور ، والوحي أحكام عملية بها تكون التَّزْكِيَةُ الباطنة والظاهرة ، الخاصة والعامة ، فكانت المنة بالتلاوة والتزكية في قول رب البرية جل وعلا : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ) ، فتلاوة بها تصح قوة العلم ، وَتَزْكِيَةٌ بها تصح قوة العمل ، فصحة التصور بما يُتْلَى من الأخبار الصادقة ، وصحة العمل بما يُتْلَى من الأحكام العادلة ، فَتَعْتَدِلُ قوى النفس الشهوانية والغضبية ، ولا يكون العنف اختيارا أول فضلا أن يكون أوحد إذا استرسل صاحبه فلم يدفع وسواس الشهوة التي تُزَيِّنُ اللَّذَّةَ وتجعلها غاية وتستجيز لأجل ذلك من صور العنف ما يقبح في أي قانون صحيح صريح إلا قانون الغاب الذي عبث بالحدود والتعاريف الضرورية فَحَدَّ الحقيقةَ أنها المنفعة المادية المحضة وهو ما أفضى إلى اضطراب عظيم في التصور إذ المنفعة قيمة نسبية تختلف باختلاف الأهواء والأذواق ، فإذا اعتدلت قوة الشهوة بمادة العفة واعتدلت قوة الغضب بمادة العدل والحلم انحسرت موجة العنف التي تضرب العالم الآن ، إن في الشرق أو في الغرب ، وهي امتداد لموجة عنف استعمارية قديمة حديثة ، فالمركز لم يجد في منظومته الأخلاقية ذات المرجع اليوناني إلا تقديسا لقيم اللذة والقوة ، وهو ما انعكست آثاره في حد الحقائق فصار الحق هو القوة المطلقة ، فمن يملك القوة فهو الذي يضع معيار الحق ويسن من القانون ما يحفظ المصالح الْمَادِيَّةَ سَوَاءً أَجَاوَزَ المبادئ الأخلاقية صراحة أم احتال فتأولها أن توافق ما يهوى فكسى عنفه وظلمه في الأطراف لحاء العدل والتحديث والمدنية ...... إلخ من القيم العلمانية اللادينية التي بَتَّتِ الصلة بالسماء فصار معيار العدل من الأرض ، وهو مما تختلف فيه أهواء النظار وأذواقهم ، فَكُلُّ يضع من معيار العدل ما يوافق هواه ، فكان العنف المفرِط الذي استعمله المركز في الأطراف وكانت الذريعة أنه حتم لازم لإخماد قوى الرجعية والتخلف ، فذلك ورم أصاب الشرق واستئصاله لا بد له من جرح يؤلم ، فلا بد من آلام مخاض يخرج بها الشرق من ظلمة القرون الوسطى إلى شمس الحضارة المشرقة من الغرب ، مع أنها في العادة تشرق من الشرق ! ، فالتاريخ شاهد أن أصول الحضارات قد خرجت من الشرق ، وأنها ، في الجملة ، تَرْجِعُ إلى الوحي ، سواء أكانت على جادته أم تحملت من آثاره ما ينفع ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، أصل يطرد في كل جيل ، فكلما كانت الأرض أقرب إلى السماء ، ولو في الجملة ، كانت أَقْرَبَ إلى الحق في العلم والعمل والسياسة والحرب والأخلاق والزهد .

    وقد وُضِعَ هذا العنف في إطار قانوني محكم ، كما كانت الحال في الجمهورية اليونانية الأولى ، أنموذج السياسة الأرضية ، وهو أنموذج استنسخته النخب الحاكمة في كل مجتمع انقطعت صلته بالوحي أو ضعفت ، فهو يَتَأَلَّفُ من سادة يَحْكُمُونَ ويسيطرون بقوة السياسة والحرب والثروة ، وعامة يُحْكَمُونَ فَلَيْسَ لهم من أسباب القوة ما يجعلهم طَرَفًا فاعلا في معادلة السياسة فليسوا إلا مفعولا به في عالم السياسة البراجماتية ، سياسة اللذة والقوة ، أعظم القيم الأرضية ، فاللذة تأويل الشهوة ، والقوة تأويل الغضب ، وغاية الفلسفة الأرضية وهي المرجع الأول في كتابة الدساتير وسن القوانين ، غايتها ، كما يذكر بعض المحققين في سياق الفرقان بين فلسفة اليونان ووحي الرحمن جل وعلا ، غايتها تعديل هذه القوى النَّفْسَانِيِّةِ فَجَعَلَتِ الغايةَ في العلم المجرد ، وهو حكمة نظرية لا تَتَضَمَّنُ ما تضمنه الوحي من العلم المفصَّل بأركان الإيمان النافع ، الإيمان بالله ، جل وعلا ، والملائكة والكتب والنَّبِيِّينَ والقدر واليوم الآخر ، فالإيمان بالبعث فرقان عظيم في التصور فشتان من يسن قانونا وهو لا يؤمن بالبعث الآخر فنظره لا يجاوز هذه الدار ، أو يؤمن به إيمانا نظريا مجردا لا أَثَرَ له في الحياة كما هي الحال في كَثِيرٍ من المنظومات العلمانية اللادينية التي لم تقف من الدين موقف الخصومة الصريحة ، فضلا عن المنظومات العلمانية ضد الدينية فهي لا تؤمن بالدين ولو مرجعا عاما يسهم في تَشْكِيلِ الهوية الوطنية ، والمصيبة تعظم في العلمانيات ضد الإسلامية ، العلمانيات المستحدثة في الشرق وهي نسخة أشد عنفا سواء أكان ذلك في عنف الفكرة أم في عنف السلطة ، فهي نسخة بلغت الغاية في العنف ، واقترفت من الجرائم السياسية والأخلاقية والجنائية ما يجعل أي عاقل ينظر في هذه الحال يختار الاعتزال ، فـ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ" ، وهو ما لا يحسن إلا بِقَيْدِ الاعتدال ، ولا يكون ذلك إلا بعلم يعصم النفس من الْوَسِاوِسِ .
    وتلك ، لو تدبر الناظر ، علمانيات مركبة تداخلت فيها مصالح النخب في المركز وفي الأطراف ، فتقاطعت مواضع النفوذ ، واقتضت المصالح إهدار المبادئ ، ولو أخلاقية عامة ، فسكت المركز عن جرائم عنف اقترفتها نخب الأطراف بمجموعاتها الوظيفية ، فالمجتمع في الطرح السياسي اليوناني ، وهو محل شاهد تقدم فإليه يرجع الفكر السياسي المعاصر في استمداد القيم والمبادئ الرئيسة في الحكم ، المجتمع في هذا الطرح الأرضي الذي لم يكن له نسبة إلى السماء ولو نسبة إجمال ، المجتمع قد انقسم إلى نخبة السادة ، ونخبة العامة أو العبيد ! وقد كانوا المجموع الغالب في المدينة الفاضلة التي يحسن باليونان فيها أن يُعَامِلُوا غيرهم معاملة البهائم ! ، وَبَيْنَهُمَا نخبة وسيطة هي نخبة الوظيفة الاقتصادية جمعا للضرائب ، والأمنية قَمْعًا لأي معارض يحتج على هذا النظام ، ولو كان احتجاجه من داخل المنظومة فهو يَرُومُ إصلاحا وإعادة هيكلة مع الحفاظ على مراكز الثقل دون تغيير فلا يروم الهدم سواء أكان مرجعه في التغيير وضعا آخر محدَثًا أم كان المرجع من الوحي الذي لا يطيق مصالحة مع المنظومة الأرضية الجاهلية ، مدنية كانت أو عسكرية ، ملكية كانت أو جمهورية ...... إلخ من أنظمة الحكم المحدَثة التي اختلفت وتباينت بل وتصارعت وتقاتلت على مناطق النفوذ والسيطرة ، وإن داخل النظام الواحد الذي انشطر أجنحة بَيْنَهَا من الخلاف ما يَرْشَحُ في أحيان ضرباتٍ موجعةً تحت الحزام ! ، أو انقلابات ناعمة تقصى فيها أجنحة ويقص من ريشها ما يجعلها رهن الاعتقال ولو في أقفاص من ذهب ! ، حتى ينهي الخصم استئصال العناصر الخطرة التي تدين بالولاء للجناح المقصوص ، فلا بد من استئصال أوليائه الذين اصطنعهم في مؤسسات الحكم ولو في دوائر ثانوية بعيدة عن صناعة القرار بشكل مباشر فلا تخلو أن تؤثر ولو بشكل غير مباشر ، فالقرار السياسي ليس إلا مجموع آراء تتداخل وَتَتَرَاتَبُ من القاعدة إلى القمة ، سواء أكانت القاعدة خاصة في أنظمة القمع والاستبداد التي استأثرت فيها النخبة الحاكمة بالاختيار المباشر إذ لها من الوصاية الجبرية على الرعية ما يجعل طاعتها دينا ينتحل ومراجعتها في القرار خطيئة لا تغتفر فضلا عن الإنكار ، ولو في مواضعه المشروعة ، فليس له جزاء إلا العقاب الذي يكسى في أحيان لحاء الشرع والورع فذلك افْتِئَاتٌ على ولي الأمر أو الولي الفقيه ! ، فلا تختلف الحال باختلاف المذهب ، فجنس الاستبداد واحد وإن اختلفت صوره وأقداره في الخارج فالترجيح بين جائر مستبد وأشد جورا واستبدادا ، سواء اتخذ القيم الأرضية معيارا أو القيم السماوية ، وسواء اتخذ القيم المذهبية صحت أو فسدت فهو يحسن الاتجار في عالم السياسة فيخاطب كل جمهور بما يستحسن ويجد من الغطاء السياسي ما يستر سَوْأَتَهُ ولا يعدم من يَخِيطُ له الثوب الساتر سواء أكان آلة إعلام أم قلم فكر أم فتوى عالم أو مرجع ، فالقاعدة التي ينشأ منها القرار السياسي إما أن تكون قاعدة خاصة من أجنحة داخل النظام تتصارع ، سواء أكان الصراع حادا أم هادئا ، وسواء أكان الإقصاء بالقتل والتصفية أم بالعزل وفرض الإقامة الجبرية طال زمانها أو قصر حتى يأمن الجناح المنتصر بأس الجناح المنهزم ، فيستأصل أولياءه في جهاز الحكم المؤثر وَيَتَتَبَّعُ فُلُولَهُ في دوائر ثانوية لا تشكل خطرا مباشرا ولكنها قد تضر ولو آجلا بما تختزنه الصدور من الإحن والأحقاد لا سيما والصراع سياسي براجماتي لا تحكمه إلا قواعد الشح والأثرة ! ، والوسواس إذا لازم الجناح المنتصر فذلك ما يؤذن باستمرار موجة العنف النوعي إذ يَرُومُ تصفية كل معارض سياسي ، سواء أكان مرجعه وحيا أم أرضا ، وإن اختص أهل الوحي بالقدر الأعظم من العنف المباشر قتلا وجرحا وهتكا وأسرا ومصادرة ، فلا يسلم المعارض العلماني من بطشه وإن كان أخف وطأة فالعنف ضده ناعم لا يستعمل القتل إلا في مواضع لا يحسمها إلا الكي فهو آخر الدواء فيكون القتل النوعي لآحاد من المعارضين إن في السياسة أو في الحرب ، وذلك أمر مشهور متداول وما خفي منه أعظم مما ظهر ، وذلك ما يحمل العاقل في هذه الآونة أن يجتزئ بالاعتبار والتدبر مع الحرص على التعلم والتفقه فذلك خير زاد ينفع في أعصار فِتَنٍ تَتْرَى جاوزت فيها الأحداث الفاعلين فضلا عن المفعول بهم من الجمهور الذي يُقْضَى كل شيء باسمه فهو الشعب العظيم وهو السيد المكين وليس له إذا اعترض إلا الضرب والتنكيل ! ، لا سيما إن سلك جادة الوحي فذلك الخط الأحمر الذي يجعل الأجنحة المتصارعة تُؤَجِّلُ معاركها الْبَيْنِيَّةَ فالعدو المشترك أحق بالقمع ، وادخار العنف لمواجهته واجب الوقت حتى يتم القضاء عليه .

    فالقاعدة التي ينشأ منها القرار السياسي إما أن تكون قاعدة خاصة من أجنحة داخل النظام تتصارع ، أوقاعدة عامة في الأنظمة التي تعطي هامش الحرية في الاختيار ، ولو في الظاهر ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، آلة إعلام تمارس دور وظيفيا يزيد في خطورته عن دور المجموعة الوظيفية الأمنية في أنظمة الاستبداد والقمع المباشر ، فالمجموعة الوظيفية الإعلامية والفكرية ، سواء أكان الفكر علمانيا يستعمل مفردات السياسة أم دينيا يستعمل مفردات الوحي فيحسن توظيفها في صناعة القرار السياسي فهي ديباجة المرسوم السياسي وهي أدلة تُضْفِي الشرعية وربما القداسة على قرار السياسة ! ، فهذه الآلة تشكل رأيا عاما هو قاعدة الاختيار واتخاذ القرار في المجتمعات التي تعطي فيها السلطة الظاهرة هامشَ حرية للجمهور ، فلا يحسن يختار مع ذلك إلا ما تختاره السلطة الخفية ، التي تحكم سيطرتها على مواضع التأثير والنفوذ في النظام السياسي الحاكم فليس إلا صورة تحكي حقيقة التوازن بين مجموعات الضغط وإن شئت الدقة فقل مجموعات القمع ، الناعم أو العنيف ، وهي القوة المخيفة كما يسميها بعض المفكرين ، فليس الخطر الأعظم من آلة السياسة أو الحرب أو الإعلام وإنما الخطر الأعظم هو قوة الأجهزة الَّتِي تَتَحَكَّمُ في هذه الآلات فهي التي تضغط زناد السلاح القاتل في صدر المعارِض أو المناوِئ أو حتى المنافِس داخل نفس الدائرة السياسية أو الأمنية ، وهي التي تضغط زناد الإعلام أن يطلق من الأفكار والشائعات ويذيع من القيم الأخلاقية والاجتماعية ما يرسخ نظام الحكم فالأفراد قد صاروا منفعلين لا فاعلين ، فهم يستجيبون لعامل الإثارة ، وردود الأفعال قد درست سلفا في مراكز بحث واستشارة تحسن قراءة أخلاق الشعوب فتعد لكل شعب من الاحتمالات ما يجعل الشعب يستجيب طوعا أو قهرا ، فتحسن التحكم فيه بشائعة تقيمه وأخرى تقعده ، ولذة تسكره وفكرة تؤرقه وهي تتحكم في أدق خصوصياته ولو ظاهرَه فتختار له أزياءَه نيابة عنه ! ، فهو قاصر لا يحسن اختيار ملابسه ! ، فضلا عن أخلاقه وثقافته وقيمه العليا ومناهج التعليم والبحث وطرائق السياسة والحرب فليس إلا قطيعا يسوقه الحاكم إن في الأطراف أو في المركز فدليل الإدارة واحد وَثَابِتُهُ الرئيس أن تُقْطَعَ صلة العقل بالوحي ، فلا يكون ثم مرجع يجاوزه من خارج يدله على الغاية العظمى والمعنى الشريف الذي خلق لأجله ، فصار العصر الحديث كما يقول بعض الفلاسفة الإنجليز وهو يحكي أزمة المركز الفكرية في هذا القرن ، فهو قرن "اللامعنى" ! ، فهي أول حضارة في تاريخ الإنسانية تَفْتَقِرُ إلى أهداف محددة ، لا سيما بعد موجة العنف الرهيب الذي اجتاحت المركز في الحربين العالميتين فكان لهما دور كبير في رسم الخريطة السياسية على الأرض والخريطة الفكرية في العقل وهي الأشد خطرا وتأثيرا فَانْتَابَ النفسَ الأوروبية قَلَقٌ هائل وشك عظيم في قيم الدين فكانت قبلها في شك فجاءت الحرب لتقطع الشك باليقين ! فلا دين يحكم المركز ، فكانت موجة الإلحاد والانحلال العارمة التي ظهرت آثارها في الإنتاج الفكري والأدبي في أعقاب الحربين العالميتين فالنظام الدولي الجديد يشكل عقول الجماهير قبل أن يفرض عليهم خيار سياسة أو حرب فآلة الفكر والإعلام تهيئ العقل الجمعي ولو على المدى البعيد ليخوض معارك النخب الحاكمة فهي آخر من يدفع الثمن وأول من يجني الثمرة ، ولا بد من صناعة العدو الذي يُبَرِّرُ ما يُقْتَرَفُ من العنف إذ لا صوت يعلو صوت المعركة الوجودية إن في المركز أو في الأطراف ! .
    وَثَمَّ نظام في الفكر اصطلح أن يسمى البنيوية وهو يبحث في إنتاج المعاني والأفكار فيركب لأجل ذلك شبكات معقدة اجتماعية أو سياسية ، فكرية أو لغوية لتكون آلة إِنْتَاجٍ نشطة لمعان ومبادئ جديدة تنسخ ما استقر في الضمائر والعقول ، فلكلِّ زمان دعاية ، ولكل جيل أبطاله ولو من ورق ! ، بل والحال تبلغ في أحيان أن يعاد النظر في المعاني الضرورية التي ركزت في العقول فيكون العبث بدلالات الألفاظ توطئة لمناهج في التأويل تخضع النصوص لما اصطلح أن يسمى بالتفكيك فهو ينكر دعوى الجماعة اللغوية أنها تمتلك قاعدة محكمة من إرث الألفاظ والدلالات التي تصلح مستندا لتفسير النصوص ، فلا يصلح مرجعا إلا تجربة القارئ فهو الذي يضع المعيار الذي يفسر به النص ولو خرج عن عرف اللسان بل وخالف بدائه العقل ، فلكلٍّ معجمُ لسانٍ يخصه وهو ما يشعر به تجاه النص ! ، ولكلٍّ تجربة نفسانية وحال مزاجية حال قراءة النص تخالف عن غيره ، وذلك ما يفضي إلى اضطراب عظيم في المرجعية الفكرية فقد صارت نسبية مطلقة لا سيما مع دعوى أخرى تحرض العقل أن يقطع علائقه بالوحي ، بذريعة الحداثة فهي اصطلاح جذاب يتذرع به صاحبه أن يطعن في الإرث ، صح أو بطل ، حفظ أو بدل ، فعقله قد طغى بما حصل من أسباب المعرفة فأحل عقله محل الحاكم في النصوص ولو بوجوه من التأويل محدثة لا أصل لها في إرث دين أو لغة ، فما رام بها إلا التمرد على هذا الإرث بذريعة التحرر من القيد العتيق الذي يكبح جماح التحديث ! ، فكانت الحداثة النسبية التي جحدت المطلقات والثوابت بتأويلاتها العقلية التي بلغت حد التلاعب بالدلالات فأفضى ذلك إلى اضطراب عظيم لم يقتصر أثره على نصوص الدين والأدب بل جاوزه إلى نظم الحكم والسياسة فالبراجماتية ، كما تقدم ، قد اضطربت في حد الحقيقة إذ جعلتها المنفعةَ المادية وهي مما لا ينضبط إذ تختلف من حال إلى آخر ، ولو في المحل الواحد ، وهي ذريعة لاستباحة الحقوق وممارسة العنف المفرِط إذ صارت القوة هي معيار الحكم فهي الحق المطلق الذي يحسم النِّزَاعَ السياسي أو العسكري فالبقاء للأقوى على وجه ينحط بالإنسان إلى دركة الحيوان فتلك شريعة الغاب إذ البقاء لا يكون إلا للأقوى الذي يلتهم الأضعف ولا يجد في ذلك غضاضة فلم يكسر قانون الغابة ! وليس ثم قانون أعلى يجاوزه ، وإنما يجد الإنسان حرجا إذا كسر القانون وجاوز أحكامه ، فإذا فسد العرف واضطرب معيار الحسن والقبح فصار القبيح حسنا ، فأي حرج يجده من يقارف القبيح ولو أتى محارمه في الطريق ! ، فـ : لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع وباعا بباع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب دخلتم وحتى لو أن أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم" .
    فقد اجتهد في إبطال الوحي المنزَل وَنَقَلَ مركز الثِّقَلِ في التصور والحكم إلى الوضع المحدَث ، فالقانون حكر على نخبة الأقوياء فهي التي تضع فلسفة الدستور وروحه وهي التي تكتب مواده وهي التي تفصل من الأحكام ما يوافقه فهو المرجع المحكم الذي يرد إليه ما تشابه من النصوص والأحكام والأعراف ..... إلخ ، وهي التي تضع استراتيجية السياسة والحرب وهي التي تصنع قرار النخبة الحاكمة بما يحقق أهدافها الخاصة وإن خالفت عن المصلحة العامة ، فتأويل الإعلام يحسن يصرف الألفاظ عن ظواهرها ، فالمصلحة العامة تُخْتَزَلُ في المصلحة الخاصة وباعثها شح جبلت عليه النفوس فلا تطيق من يقاسمها السلطة سواء أكان أفرادا أم جماعات أخرى تصارعها مواضع السيطرة والنفوذ ، فضلا أن يكون المقاسِم هو الوحي ، وهو حاكم لا يقبل الشركة ولا التقاسم على وجه يجعل الصراع حتما لازما وإن اقتضى التكتيك في أحيان أن يكون ثم مهادنة بل وإن بلغت الحال نَقْصًا يفضي إلى المداهنة .
    وخلاف الوحي مع خصومه ليس مع أعيان الحكام فلا يعينه حكم فلان أو فلان ليختزل الصراع فهو مع شخص الحاكم لا مع نظام الحكم ، فإذا سقط الحاكم انتهى الأمر !َ ، فذلك من السذاجة بما لا يخفى ! ، فَلَيْسَ الوحي معارضا في السياسة أو في الحرب ، وإنما هو حكم لا يقبل ندا ولا شريكا ، وليس الوحي خيارا من جملة خيارات ، وإنما الوحي ، كما يقول بعض المفكرين ، بديل بعد انهيار الشيوعية وتفاقم أزمة الرأسمالية ، فَلَئِنْ سُلِّمَ أنه كان خيارا من خيارات ثلاثة قبل سقوط الشيوعية لا سيما مع انحسار الوحي بما اقترف ضده من الإقصاء والقمع فلم تكن فضائله ظاهرة ، في مقابل ظهور القيم الرأسمالية والشيوعية بعد خروجها ظافرة في الحرب العالمية الثانية فنشوة النصر وسكرة الحكم آنذاك قد صرفت الأنظار عن أصل الداء الذي تفاقم حتى صار الوحي هو البديل الذي لا يقبل الشريك لإخراج الإنسانية من أزمتها الروحية المعاصرة ، فالفلسفة لم تنجح بحكمتها النظرية أن تدل العقل على المطالب الْعَلِيَّةِ من أجناس العلوم النافعة من أركان الإيمان فذلك ما لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي وإن ركز في القلب جملة فلا ينفك يفتقر إلى البيان المفصل الذي جاء به الوحي المنزل ، والفلسفة لم تقدم الحل في إشكال العمل فجاءت بجمل نافعة في تهذيب قوى النفس ، شهوة وغضبا ، وسياسة الفرد والمنزل والدولة ولكنها لم تُقِمْ دولة العدل المطلق إذ افتقرت إلى معيار محكم ، لا سيما مع ذيوع النظريات النسبية في الفكر والسياسة حتى صار القول بالمطلقات ولو في الذهن مئنة من الأصولية والرجعية ! .

    والله أعلى وأعلم .


  5. #5
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:22-11-2017
    الساعة:05:13 PM

    المشاركات
    4,706
    العمر
    39

    وفي الشرق المسلم كانت دائرة العنف في التربية ، وفي السياسة بعد انتقال الحكم من الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض إلى الملك الجبري ، وفي العصر الحديث كان عنف الاحتلال الأجنبي ثم عنف الأنظمة الحاكمة التي خلفت الاحتلال بعد رحيله مع إمساكه بزمامها وإن أفلت الزمام في أحيان لما يكون من تدافع المصالح في مواضع فلا يخرج ذلك عن الإطار العام المحكم الذي وضع فيه المركز الأطراف فلم يغادرها إلا بعد إحكام وثاقها وترويض شعوبها ، فقبل النبوة كان العنف هو لغة السياسة ، كما تقدم من حال اليونان ، فإنهم وضعوا الإطار الفكري لنظرية التفوق العرقي والعقلي للعقل الإغريقي ، وهذا العقل الذي تفوق له أن يسلك كل مسلك في سبيل ترسيخ سيادته وإدخال غيره في حضارته ، ولو رغم أنفه ! ، فلا يدرك صالحه ، وتلك أبوة فكر وسياسة لا زال الناظر في عالم السياسة المعاصر يجد آثارها إن في المركز أو في الأطراف ، فثم حكومات تمارس الأبوة والوصاية باسم الدين في استثمار بغيض لنظرية في المذهب أو مكانة روحية تحسن توظيفها ، وَثَمَّ أخرى تمارس الأبوة والوصاية باسم المدنية والعلمانية وما خرج من رحمها من أطروحات فكرية وعسكرية واقتصادية ، فكانت الديمقراطية التي انتحلها الجميع ! ، الأمريكي الرأسمالي الذي حرر السوق من كل قيد ، والروسي الذي لا يحكم إلا بالحزب الواحد ، حزب الدولة القابض على زمام السلطة والاقتصاد ولو أطاق التحكم في الأنفاس لفعل ، فالمجتمع أسير في قبضته ، والعنف الشديد سمة رئيسة في سلوك الجيش الأحمر ، جيش الثورة الفتاك ، وأجهزة الحزب الاستخباراتية والأمنية والتي تمارس التطهير الدوري ، ففي كل اجتماع للحزب تعد قائمة سوداء لخصوم النظام ، وإن من داخله ، فهو يمارس التطهير الذاتي ، الذي يبلغ حد الوسوسة فكل من يشك في ولائه فقتله جائز بل وحسن يحمد ، بل وفرض يلزم للحفاظ على الثورة من خصومها ، فلم تتحول الثورة بعد إلى دولة ، وإطالة زمن الثورة في أحيان قد يكون ذريعة لعنف أعظم ، فكلما طال زمان المعركة التي لا يعلو على صوتها صوتٌ كان العمل بالإجراء الاستثنائي السياسي والأمني ! ، فهي معركة الثورة ضد الإمبريالية الغربية والرأسمالية الدولية ..... إلخ من الاصطلاحات الكلاسيكية التي تسللت إلى الخطاب السياسي في الشرق في أواسط القرن الماضي ، حتى ابتذلت وصارت ذريعة إلى السخرية والتندر ، فالمؤامرة على الزعيم منعقدة باستمرار ! ، والرغبة في إسقاط النظام الممانع الذي يسوم الغرب خطة الخسف ، وإن كانت خطة صوت لا أكثر في خطب تثير الملل ، وتثير العجب من حال من حضرها وصفق ، ومن رصدها في الأثير فهو ينتظرها انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط ! ، فصار الرباط حلف المذياع لسماع خطب الزعيم الخالد ، والمركز يرقب ويرصد في ظرف سياسي مركب شهده الشرق الأوسط عقيب ميلاد الكيان الصهيوني المسخ ، فلا بد من إضعاف دول الطوق كما هي وصية أحد الآباء المؤسسين للكيان ، وإضعاف هذه الدول أمر بدأ من عقود طويلة وكان العنف عاملا رئيسا من عوامله الفاعلة ، سواء أكان عنف القتل أم عنف الفكر ، وكانت مصر رائدة التجربة العلمانية اللادينية فاشتهر أنها واكبت التجربة العلمانية في تركيا أوائل القرن العشرين ، فكانت مصر نسخة فكرية ناعمة ، وكانت تركيا نسخة عسكرية صلبة ، مع أن البداية كانت قبل ذلك بقرن أو يزيد ، فكانت حملة التحديث الفرنسية ! ، وهي التي استأنفت سلسلة طويلة من أعمال العنف المنظم الذي تقترفه جيوش نظامية وهيئات سياسية في أول لقاء مباشر بين الشرق والغرب في العصر الحديث بعد حملات الصليب في العصر الوسيط ، والناظر هنا ، أيضا ، يجد أن عنف الاحتلال لم يبدأ بهذه الحملة الفرنسية ، وإنما شهد العالم الإسلامي موجات عنف مبكرة لا سيما بعد سقوط الأندلس ، وَتَنَامِي القوة البحرية الإسبانية والبرتغالية ، فكانت لها حملات مبكرة على أطراف الشرق وسواحله ، كما كانت الحال في سواحل المغرب الإسلامي من ليبيا إلى المغرب الأقصى وموريتانيا ، وفي سواحل شرق إفريقية في إطار الصراع بين السلطنة العمانية والبحرية البرتغالية ، وكان تحرش البحرية البرتغالية بالسلطنة العمانية ، وتحرشها بالبحرين ، وهي في اصطلاح المتقدمين تَسْتَغْرِقُ الساحل الشرقي للجزيرة العربية ، وتحرشها بماليزيا وإندونيسيا ونجاحها في احتلال أجزاء منها ، كجاوة وسومطرة وتيمور الشرقية القاعدة الكاثوليكية التي استقطعت من جسد إندونيسيا المسلمة وأعلنت استقلالها بمباركة المجتمع الدولي سنة 1999م وتعرضت الأقلية المسلمة فيها لعنف الحكم الكاثوليكي الجديد وهو أمر لم يحظ بتغطية إعلامية كافية كما هي الحال غالبا في موجات العنف ضد المسلمين فلا تعالج بموضوعية إذ تُنْزَعُ عنها الصبغة الدينية فهي صراع سياسي لا أكثر ! خلاف ما يقع من المسلمين فهو مما ينسب مباشرة إلى دينهم الراديكالي المتطرف ، وإن كان الأمر في تيمور الشرقية لم يبلغ حد المأساة التي شهدها الإسلام في الجزيرة البلقانية في الحقبة التسعينية والتي كانت أنموذجا قياسيا لتعاطي المركز مع الإسلام وحاضنته الشعبية فهو يشن حروب الاسئتصال والتحجيم في الأطراف ، ففي مناطق التماس وهي خطوط حمراء للمركز لا بد من موجات عنف تعيد التوازن إلى المشهد وفق الرؤية التي يضعها المركز فكان الهدف المركب من تفتيت آخر كتلة شيوعية صلبة في أوروبا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والقضاء على القوة الإسلامية الناشئة في هذا الجيب الأوروبي ، ولا بد مع هذا التغيير الجذري في خريطة جزء رئيس من أوروبا يقع على حدود التماس مع العدو التاريخي في الشرق لا بد من حرب إقليمية يعاد فيها رسم الحدود وتوزيع النفوذ بالدم ولا مانع من استخدام الدين في إشعال الحرب فكانت كنائس بلغراد الأرثوذكسية تحشد وكانت البابوية تحشد لكرواتيا الكاثوليكية ولم يكن ثم من الحشد ما يضاهيهما في حق المسلمين حلقة الصراع الأضعف وهم من دفع الفاتورة الرئيسة في هذا التغيير الجيوسياسي الجذري ، ولم يطلق أحد على المجازر التي اقترفت في حق المسلمين أنها إرهاب نصراني أرثوذكسي أو كاثوليكي ! ، ومعيار التوازن في السياسة كمعيار الاصطلاح في حدود كحد الإرهاب فلا يستقل بدركه إلا المركز ولا يضع حدوده ومعالمه إلا القوي المنتصر الذي يكتب القانون كما تَقَدَّمَ من مثال الإغريق فإنه خارطة الطريق الفكرية التي سار عليها العقل الأوروبي في جميع مراحله الوثنية والنصرانية والعلمانية على ما بين هذه المراحل من تداخل وما شهدته أوروبا نفسها من موجات عنف كبيرة بلغت حد الحروب الإقليمية والعالمية والتي قتل فيها الملايين على وجه أحدث من الخلل الديموجرافي في بعض الأمصار الأوروبية ما يرى الناظر آثاره حتى الآن ، وألمانيا بوصفها القوة الأوروبية الأعظم ، كانت أكثر من نالته هذه الحروب إن في تعيين حدودها أو تقليص قوتها البشرية فكانت المقتلة فيها عظيمة في حرب الثلاثين عاما التي آذنت بانتقال أوروبا من المرحلة النصرانية إلى المرحلة العلمانية مرحلة الدولة الوطنية ، وقاعدة السياسة المعاصرة أنه لا بد من عنف مفرِط قبل أي تغيير سياسي جذري فعملية استئصال نظام واستبدال آخر به عملية جراحية كبرى يُنْزَفُ فيها من الدماء قَدْرٌ هائل ، وهي ، لو تدبر الناظر ، سنة جارية في أي تغيير جذري في خارطة القوى الحاكمة في الأرض فلا بد من تغيير بالسيف يُرَاقُ فيه الدم ، إن بحق أو بِبَاطِلٍ ، وسواء أكان لتحرير الشعوب حقيقة أم لاسترقاقها بزعم تحريرها من الاستبداد والطغيان وكل يدعي وصلا بهذا المعنى الشريف ولا يُقَرُّ إلا لمن أقام على هذه الدعوى الْبَيِّنَةَ التاريخية والحضارية في سلوك فاتحيه لَمَّا لاقوا خصومهم في الحرب ، ولما دانت لهم البلاد وخضع لحكمهم العباد ، فَتَبَيَّنَ من بكى ممن تَبَاكَى والتاريخ ، كما تقدم ، أصدق شاهد ، فأوروبا التي تَنْبِزُ الإسلام أنه دين العنف والتطرف والإرهاب والأصولية الراديكالية التي تحض على اقتراف جرائم الكراهية ...... إلخ ، أوروبا ليست إلا سلسلة محكمة الحلقات من العنف المفرِط سواء أكان عنف التأصيل كما هي الحال في الفلسفة الإغريقية ، مصدر الإلهام الأول ، فإنها أَصَّلَتْ للعنف وجعلته ذريعة مباحة في إطار مشروعها لِبَثِّ قِيَمِ التمدن والحضارة التي اتسمت بفوقية الجنس اليوناني فهو الذي يمتلك أدوات الحضارة فعقله الأكمل وحقوله الدلالية في المنطق العقلي والمنطق اللفظي هي الأحكم فَلَهُ في الفكر جادة لا يحيد عنها إلا هالك متخلف قد فارق الحضارة إلى البداوة ، فكانت بلاد اليونان الوثنية تحتكر الدعوى المعرفية ، الإلهية والسياسية والتجريبية ، ولا ينكر الناظر أن لها إسهاما يحمد في الحضارة بالنظر في أسباب المادة فكان لها في علوم التجريب باع طويل انتفع به من جاء بعدهم ممن حمل تراثهم في الطب والرياضيات والكيمياء ..... إلخ فذلك ، كما تقدم مرارا ، إرث إنساني مشترك فكل أمة تزيد فيه ما قُدِّرَ لها إسهاما في عملية التحديث والتطوير لطرائق الحياة وأسبابها المادية فذلك ما لا حرج في تحمله انتفاعا بطرائقه المباحة فالمعنى الأرضي في هذا الشق لا حرج فيه ، في الجملة ، ما لم يخالف حكم الشرعة السماوية كأن يكون الأمر في نفسه محظورا ولو كان في ظاهره أمرَ تجريب فلا يخلو من مخالفة عن أمر تشريع ، واضرب له مثلا بما في هذا العصر من طرائق في التلقيح الصناعي أجرى فيها بعض الأطباء تجاربه باستخدام نطفه في تلقيح بُوَيْضَاتٍ لنساء عدة ! فكان ما كان من اختلاط الأنساب ولو لم يكن ثم معنى السفاح الصريح الذي يوجب الحد ، فقد خالفت هذه الطريق التجريبية عن الطريق الشرعية وإن لم يكن ثم فعل سفاح مباشر ، إذ نقضت مقصدا رئيسا من مقاصد الشرع الذي نَهَى عن السفاح صيانة لَهُ وهو حفظ النسل ، فنقض هذا المقصد وسواء أنقض بسفاح مباشر أم بطريق في التقليح يفضي إلى نفس النَّاتِجِ فالعبرة في الشرع تعم الغاية والوسيلة فالغاية لا تبرر الوسيلة فكيف إن أفضت الغاية إلى نقض صريح لحكم التشريع ولو في إطار من التجريب قد يظهر ، بادي الرأي ، أنه عمل مادي محض لا علاقة مباشرة له بالشرع .
    والشرع ، عند التدبر والنظر ، يحكم في طرائق التجريب في هذه الحال فلا يكون الفصل الحاد الذي يظهر في الطرح العلماني اللاديني ، فهو يبرر الوسيلة بما يروم من غاية على وجه استغرق عالم الفكر والسياسة والتجريب ...... إلخ ، فالغاية في هذا الموضع هي إجراء التلقيح الناجح خارج إطار الزوجية فينظر في هذا الأمر أنه إنجاز مادي ولو عوقب الفاعل فإنه يعاقب في إطار قانوني أرضي فلا بد أن يُجَرِّمَ القانون المحدَث هذا الفعل وأما قانون السماء فهو معطل في كل حال ! ، سواء أكان الفعل في أعراف الناس جريمة فهي جنائية قانونية لا شرعية وعقوبتها مما تضعه الهيئات التشريعية الأرضية فلا دور للسماء في حكم الأرض إذ انْتَهَى دورها بانتهاء عملية الخلق وإن كان لها دور بعد ذلك فدور التدبير لأحداث الكون دون أن يكون لها دور في أحكام الشرع فذلك خط أحمر آخر من خطوط الطرح الفكري المعاصر الذي تبناه النظام الدولي الحاكم والذي يرجع كما تقدم إلى الطرح الإغريقي ، فمعيار التحسين والتقبيح لأي فعل إن في الشرع أو في الكون هو العقل الذي يضع من نظريات السياسة والحرب والاقتصاد والاجتماع ..... إلخ فضلا عن مشاركته في ميدان التجريب على وجه وإن لم يخل من النفع إلا أنه ، كما تقدم ، يأبى الانقياد لأي مرجع يجاوزه من خارج في إطار بحثه إِنْ وسائلَ أو غاياتٍ ، واضرب له مثلا آخر أفحش وهو أدل على معيار العقل الغربي في التحسين والتقبيح ، فهو كاشف فاضح لقيم الحضارة الغربية الرئيسة ، ومنها قيمة القوة المادية المفرِطة فهي آلة التحكم والسيطرة ، وهي في نفسها غاية إذ بها تحصل لذة الرياسة ولو قهرا واستبدادا ، فذلك ما يُنْعِشُ في نفوس الطواغيت شهوة التأله ، وتلك شعبة من الإبليسية والفرعونية ، فإبليس قد رام الطغيان فأبى أن يَنْقَادَ ورام الظهور والعلو ، ولو بغير حق ، فاستجاز لأجل ذلك أن يخالف عن أمر الوحي النازل إذ رأى فيه انتقاصا له وطعنا في كبريائه الذي أصابه بالعجب فكيف يسجد لجسد من الطين قد خُلِقَ ؟! ، فكان الفعل الإبليسي الظاهر امتناعا من السجود وهو ما سبقه تصور إبليسي فاسد وإرادة طغيان واستعلاء ، وكذلك كانت حال فرعون فإنه علا في الأرض ومارس ضد أهلها من العنف قتلا واستضعافا ما رام به حفظ سلطانه المطلق كحال أي طاغوت سياسي في الماضي أو في الحاضر ، فَفِي الجميع شعبة من إبليس وفرعون الذي طغى وجاوز الحد فادعى لنفسه من ربوبية التدبير وألوهية التشريع ما جعله معبودا بلسان المقال والحال جميعا ، وذلك ما يطلق يد الطاغوت فأمره نافذ وحكمه ماض ولو بالقتل والسفك وانتهاك كافة الحرمات ، فبلغت الحال في هذه الأعصار أن شُبِّهَ من شُبِّهَ من الحكام بالله ، جل وعلا ، فاتخذت ألقاب طغيان من قبيل ولي النعم وصاحب الجلالة وصاحب الزعامة الخالدة وصاحب الرسالة النازلة ...... إلخ ، وكل أولئك ما يصيب الطاغوت بالكبر والعجب فلا يرى رأيا إلا ما يرى ، وهو لأجل ذلك يقارف من العنف المفرِط ما يرسخ به سلطانه ويحفظ ملكه ورياسته ، ولو بَغَى على غيره فَظَلَمَ مَنْ وَلِيَ أمره فَشَقَّ عليهم قصدا ورام إفساد أديانهم وأبدانهم ، فشؤم الظلم وما يقارنه من العنف لا يقتصر ضرره على باب دون آخر ، بل يعم أديان الناس ومعاشهم ، وحفظ الرياسة واحتكار أسباب القوة إذ قد صارت الذريعة الرئيسة في ظل حضارة لا تقيم للوحي وزنا بل تجعله مُثُلًا عليا مجردة لا تصلح في عالم السياسة القذرة ! ، فغايتها أن يتشدق بها الساسة سترا لسوءاتهم ، فلا بد من حد أدنى من الذرائع الأخلاقية ، ولو باهتة ، فهي تأويل يبيح العنف باسم الحفاظ على الأمن ، ويبيح الغزو والتدمير باسم التحرير من حكم المستبد ، وَشَاهِدُ ما بعد التحرير من التدمير شاهد عدل على هذه الدعوى الأخلاقية ! ، ويبيح الاستبداد والاستئثار بقرار السياسة والحرب وإبطال الشورى إلا رسما باهتا لا حقيقة وراءه ، فالاسم شورى والحقيقة استبداد وأثرة ، والاسم طاعة لولي الأمر والحقيقة تَعْطِيلٌ لشعيرة الأمر والنهي ولو بضابط الشرع مع احتكار آلة العنف ، والسعي في تحصيل أكبر قدر من أسباب القوة ، فضرب المثل ، كما تقدم ، بمثال آخر معاصر رامت فيه قوة احتلال غاشم وهي القوة الفرنسية إبان احتلال الجزائر ، رامت فيه تحصيل القوة النووية فهي من الأسباب الفاعلة التي تضمن لها قدرا من صناعة القرار في عالم لا تحكمه إلا شريعة الغاب فالقوة هي الحق الذي به تحصل المكاسب إِنْ في السياسة أو في الحرب ، فآلة القوة فاعلة في القتل ، فاعلة في التأثير وإحداث توازن الرعب بَيْنَ أقطاب السياسة فذلك ما يلجئهم إلى تقسيم النفوذ سلما وانتهاب الثروات سرا دون صوت عال يفضح ، كما في مجامع سياسية مشهورة فيها كان تقسيم بلاد الشرق بعد الإجهاز على الرجل المريض ، فتوازن القوى في عالم السياسة البراجماتية المعاصرة لا يعرف إلا عاملا وحيدا وهو القوة بمفهومها المادي المجرد من المبدأ الأخلاقي ، فالحظوة فيها لرجال المصالح لا رجال المبادئ ، ولو سياسية فضلا أن تكون رسالية ، فأصحاب المبادئ الرسالية لا دور لهم في صياغة القرار السياسي المعاصر ، وإنما غايتهم أن يكونوا وسائل وآلات تحدث تغييرا مؤثرا في الميدان يستثمره رجال السياسة في صفقات تقسيم النفوذ ، فيكون رجال المبادئ هم الجند المخلص الذي يقع منه التقصير إذ لا يعتبر بتجارب التاريخ القديم والحديث فيقع في نفس الأخطاء فهو الذي يباشر الحرب فتكون مشروعة إذا وافقت أهواء المركز وتكون محظورة مجرَّمة إذا خالفت عنها ، فيكون الدعم المعنوي والمادي بضوء أخضر من مراكز صنع القرار ، ويكون التداخل في مشهد السياسة والحرب المركب الذي لا يعرف حسن النوايا ، فصاحب المبادئ فيه لا بد أن ينظر ويرى بعين تستشرف المستقبل ، فلا تكفي الرؤية المجملة حتى تشفع باستراتيجيات طويلة المدى تَتَّسِمُ بالأناة ، فالعاطفة لا تجزئ وحدها وإن كانت هي السبب الرئيس في استنهاض النفوس وانعقاد الإرادات النافعة ، فلا بد من محرك لعناصر الحضارة ، كما يقول بعض المفكرين ، فالحضارة في طرحه تَتَأَلَّفُ من الإنسان والتراب والوقت ، فالإنسان هو عنصر الحضارة الأول فلا حضارة إلا بإنسان فاعل ، وهو الإنسان الذي كرمه الوحي فكفل له من الحقوق ما يحفظ آدميته فلا ينهض بِبُنْيَانِ الحضارة إنسان قد أُهِينَ وَأُذِلَّ وَطُعِنَ في كِبْرِيَائِهِ ، لا جرم كان المحتل الغاشم في الحقبة الاستعمارية الحديثة ، لا جرم كان حريصا على ممارسة العنف المفرِط ، ولو مبدأ حكمه حتى يستقر له الأمر ، وتلك سياسة ورثتها أنظمة الاستبداد التي خلفته ، مع ادعاء الجميع ، المحتل الخارجي ونظيره الداخلي ، مع ادعائهما الحفاظ على كرامة الإنسان والسعي في إلحاقه بركب الحضارة وصيانة حقوقه التي كفلها الدستور والقانون ..... إلخ ، فكان عنف المحتل الذي شرع في بناء حضارته على أنقاض أمم وشعوب اسْتَرَقَّهَا وأمعن في إهدار إنسانيتها ليقتل فيها هذا المعنى فوحده الذي يقاوم مشروع المحتل ، ولا تبلغ الإنسانية الغاية العظمى إلا أن يكون رائدها هو الوحي فهو الذي بالغ في التكريم ، وهو الذي استخلف ابتلاء لإقامة الشرع والحكم بالعدل فوحده الذي يحفظ للإنسان حقه فلا يخاف ظلما ولا هضما فإذا أمن وزال عنه الخوف وإذا كُرِّمَ فلم يستذل فهو إنسان قوي فاعل يطيق حمل الرسالة وهو مادة تحرير حقيق للشعوب المقهورة كما كانت جيوش الفتح الأولى ، فكان رجالها أحرارا قد خرجوا عن كل عبادة أرضية إلى العبادة الشرعية ، فجردوا التوحيد لرب البرية ، جل وعلا ، على وجه جاوز الحد النظري فكان المنطق العملي الفاعل وهو ، مع ذلك منطق رسالي ينطلق من المبادئ الأخلاقية لا من المصالح البراجماتية ، فوصفه بالعملي أنه إيجابي بناء للأمم لا مصلحي نَهَّازٌ للفرص ، فوحده إنسان الرسالة من استكمل أوصاف الإنسان الحر الذي يطيق تحرير غيره ، فإنه لا يطيق ذلك إن كان عبدا مستذلا ، وإن كان ظاهر أمره الحرية فهو يمتلك أسباب القوة المادية ، فالجندي والقائد في جيوش الاحتلال الحديث كان يحظى بِتَفَوُّقٍ ملحوظ في القوة البشرية والنارية ، ولكنه لم يحظ بِتَفَوُّقٍ أخلاقي يبعث صاحبه أن يحترم الحقوق ويصون الحرمات وإن أطلق ما أطلق من الشعارات الجوفاء فهي لا تصمد لنشوة الانتصار والظهور إذ لم تشفع بإطار محكم من القيم والأخلاق يحسم في نفس صاحبه شهوة البغي والطغيان التي تصيب كل منتصر في عالم السياسة والحرب فلا يحسم هذه الشهوة المفرِطة التي يستجيز صاحبها ما يستجيز من العنف المفرِط ، لا يحسمها إلا مرجع محكم ، فإناء كل حضارة بما فيه ينضح إذا ظهر صاحبه وانتصر ، فانظر في أخلاق المنتصر وسلوكه فهي تأويل ما يحمل من قيم الدين والأخلاق وهي قيم الحضارة حقا ، فالحضارة هي أخلاق المنتصر وغاياته التي يُصَدِّقُهَا بالفعل فليست أقوالا مجردة ، فكان تأويل الحضارة المركزية المعاصرة ما كان من احتلال الأمصار واستباحة الحرمات وانتهاب الثروات ، وكانت صور من العنف المفرِط مع استهانة بقيمة الإنسان المهزوم في الأطراف على وجه جاوز الدعاية المشهورة : دعاية الحوادث الفردية التي لا يقاس عليها ! ، فهي الأصل وما يكون من احترام الإنسان هو النادر فلا حكم له ! ، وإنما صورة الإعلام في إطار الترويج لقيم المركز تخدع فهي تغض الطرف عن انتهاكات بالجملة ، وَتَتَفَنَّنُ في إبراز صورة أخلاقية تقع عرضا من آحاد بل قد تكون مما اصطنع فلا حقيقة له ! ، وهي المقابل ، تغض الطرف عن أخلاق الفاتحين الأوائل وما تحملوه حقيقة لا دعوى من عبء التحرير للإنسان الذي قهرته الأنظمة السياسية القيصرية والكسروية فاستباحت منه كل محرم ، طبقا لما تقدم مرارا من الأصل الذي تأرز إليه الحضارة الأرضية ، وهو الأصل الإغريقي الوثني الذي جعل اللذة غاية والقوة وسيلة ، فهي وسيلة السيطرة والتحكم في مقدرات الشعوب القاصرة التي تقبع جميعا تحت خط الفقر الفكري فلا بد من وصي ناضج هو العقل اليوناني الكامل الذي يمارس أبوة الفكر والسياسية وهو ما يجيز له التدخل بالقوة حفاظا على المبادئ والقيم التي أسس بُنْيَانَهُ السياسي عليها فذلك ما يظهر تأويله في العصر الحديث في النظام الدولي العتيد الذي يشرع في الحرب إذا آنس خطرا واستنفدت الدبلوماسية أدواتها الناعمة ، فيكون الحصار والإضعاف تمهيدا للغزو والاحتلال ، فكان الأساس الإغريقي هو الأساس الفكري الذي ورثه الرومان ، فإن اليونان كانوا إلى التنظير الفكري أقرب خلافا للرومان الذين خلفوهم فقد كانوا إلى التطبيق العملي أقرب ، فكان الطابع العسكري في دولتهم هو الغالب ، وكان العنف المفرِط والاضطهاد لخصوم الدولة سواء أكانت وثنية فكان اضطهاد العبيد واضطهاد النصارى الأوائل ، ثم كان العنف المفرِط بعد اعتناقها النصرانية ، فلم يكن ذلك اعتناقا للحق وإنما انْتِحَالًا له وتطويعا أن يقبل النظم الرومانية ، فَتَرَوَّمَتِ النصرانية ولم تَتَنَصَّرِ الرومية كما أُثِرَ عن بَعْضِ المصنفين الأوائل في مسائل العقائد ، فكان العنف المفرط بعد أن تَبَنَّتِ المذهب الكاثوليكي فاضطهدت خصومه في دائرة النصرانية فضلا عن موجة عنف مفرط إبان التحول من المرحلة الوثنية إلى المرحلة النصرانية كما في حروب أوروبا الدينية القديمة ، فمع كل تحول لا بد ، كما تقدم ، من موجة عنف مفرِط فذلك أصل يطرد في حضارة المركز ، فكل تغيير جذري لا بد له من جراحة قاسية ، فكانت الحرب المقدسة ضد الوثنيين من قبائل أوروبا لإدخالهم قسرا في دين النصرانية على وجه لم يَخْلُ من رِدَّاتٍ تكررت فكانت حملات التأديب للخارجين ولم يكن يَعْنِ البابوية آنذاك إلا أن تصطنع لها حليفا في السياسة والحرب فهو الذي يوسع نفوذها ويحارب خصومها إن في المركز أو في الأطراف بعد ذلك إبان الحروب الصليبية في العصر الوسيط ، ثم كان التغيير من المرحلة النصرانية إلى المرحلة العلمانية إبان العصر الوسيط ، عصر الإصلاح الديني البروتستانتي الذي وجد مقاومة عنيفة من السلطة البابوية ، فكان عنف اللفظ في إخراج المخالف من الملكوت والحكم بمروقه من الدين فتهمة الهرطقة أول تهمة توجه إلى أي خارج عن منهاج الكنيسة وإن في مسائل تجريب كما كانت الحال في عصر النهضة ، فضلا عن الخارج عن منهاجها في مسائل التشريع ، كما كانت حال الحركة الإصلاحية البروتستانتية فقد فضحت من عوار الكنيسة الأم ما صار بعد ذلك ذريعةً من ذرائع استحداث نظم في المحاكمة والعقاب صارت مضرب المثل في العنف المفرِط وهي دواوين التحقيق التي اصطلح على تسميتها بمحاكم التفتيش فإنها نشأت مبدأ الأمر لقمع أي هرطقة إصلاحية ! ، فلا بد من سيادة الكاثوليكية داخل الدائرة النصرانية الغربية ، لا سيما اللاتينية التي كانت في دائرة النفوذ المباشر لكنيسة روما ، خلاف الأنجلوساكسون فقد تأثروا بالإصلاح ما لم تتأثر الأمصار اللاتينية ، ثم اتسعت دائرة العنف الكنسي بعد انتقال هذه الفكرة البشعة إلى الأندلس فكان ضحاياها من المسلمين واليهود ، وإن اخْتَصَّتِ المسلمين بالقدر الأعظم من عنفها المفرِط ، فكان رد الفعل لهذا العنف المفرِط عُنْفَ الحروب الدينية في العصر الوسيط بين القوى الكاثوليكية التقليدية والقوى البروتستانتية الإصلاحية ، وهو ما كان تمهيدا مبكرا لموجة عنف أخرى شهدتها أوروبا إبان انتقالها من المرحلة النصرانية إلى المرحلة العلمانية اللادينية ، فكان انتقالا ، لو تدبر الناظر ، من النصرانية إلى العلمانية ضد الدينية ، فكان سفك الدماء بالمقاصل في فرنسا الكاثوليكية , وبالبنادق في روسيا الأرثوذكسية ، فهذا العنف ليس أمرا عارضا في تاريخ المركز بل هو أمر مازج الجينات فظهرت آثاره في الأخلاق والعادات ، وقد انتقل ذلك العنف إلى العالم الجديد ، فكان خيار القوة المفرِطة هو الحل لأي صراع ، وهو ما حمل المحرر الأبيض ، المهاجر البروتستانتي الأنجلوساكسوني الأول ، أن يضع خطة مزدوجة لإفناء أمة من السكان الأصليين واسترقاق أمة أخرى من الأفارقة ، فأقام القوم حضارتهم على أنقاض أمم تقصدوا تدميرها ولم يخجل المنظِّر لهذه الحضارة أن يصرح بسيادته المطلقة الَّتِي تجيز له استعباد الآخر ، كما يظهر في خطاب ماجلان لحاكم الفلبين المسلم ، فـ : "إنني باسم المسيح أطلب منك التسليم ونحن العرق الأبيض أصحاب الحضارة أولى منكم بحكم هذه البلاد" ، فكان الطرح إقصاء للآخر وتوظيفا لكل سبب أخلاقي أو مادي لاستكمال المشروع الاستعماري عَابِرِ القارات والمحيطات ، فكان نفوذ البحرية الإسبانية في بروناي وجزر الملوك الإندونيسية والفلبين ، فضلا عن نشاط البرتغاليين في الساحل الإفريقي الغربي ، والجنوبي الغربي في أنجولا ، والجنوبي الشرقي في موزمبيق ، والشرقي في إطار ما تقدم من الصراع مع السلطنة العمانية وهو ما بَلَغَ حد التهديد لمعاقل إسلامية في البحر الأحمر والخليج العربي فكان للبرتغال نفوذ مبكر في الخليج قبل أن تنشط البحرية البريطانية وتستولي على السواحل الخليجية وتعيد تقسيم المنطقة على وجه يلائم أغراضها الاستعمارية لا سيما مع وجود الحكومة البريطانية في دلهي ، فقد نجحت في السيطرة على الهند بعد أن هزمت القوى الهولندية والبرتغالية ، وكل أولئك كان نتاجا غير مباشر لتفوق الأسطول الإنجليزي على الأسطول الإسباني الشهير أسطول "الأرمادا" ، فقد كان انتصار البحرية البريطانية على البحرية الإسبانية في 1588م هو البداية المبكرة لانهيار إسبانيا كقوة بحرية عظمى وإن استغرق ذلك زمانا فلم يقع فجأة ، إذ سنة الرب ، جل وعلا ، في تداول الأيام بين الناس بانتقال مركز الثقل من أمة إلى أخرى ، هذه السنة تقضي بالانتقال المتدرج فلا يقع فجأة ، وذلك ما لم يُدْرِكْهُ كثير من أهل الخير استعجلوا الإصلاح فكانت العجلة سببا في التأخير إذ افتقر مشروع الإصلاح والتغيير ، السياسي أو العسكري ، افتقر إلى الدقة والإحكام فسهل على الخصوم اختراقه لإفساده تارة وتوظيفه أخرى في سلسلة من التجارب لها ما لها وعليها ما عليها فكانت الرؤية صحيحة ولكن الاستراتيجية والتكتيك قد شابهما من القصور ما لا يسلم منه اجتهاد بشري وكان القصور في استقراء تجارب التاريخ القديم والحديث في توظيف أهل الخير في مشهد سياسة وحرب مركب يفضي آخر الأمر إلى ظهور أهل الشر ورسوخ سلطانهم واتساع نفوذهم بِيَدِ أهل الخير لا بيد عمرو ! .
    فلم يكن ظهور البحرية البريطانية ، محل الشاهد ، لم يكن في يوم وليلة وإنما استغرق حلقات من العمل الدءوب ، فكان إنشاء الشركات التجارية ذات الطابع الاستعماري الذي يحتكر طرق التجارة فاستعانت هذه الشركات بأسطول مقاتل يذب عنها الخصوم وبه انتقلت من العمل التجاري إلى العمل العسكري ، فرسخت أقدامها في الهند ثم الخليج وأجزاء من اليمن فضلا عن قناة السويس بعد احتلال مصر ، فسيطرت على طرق التجارة البحرية ، وكان استثمارها الحضاري من جنس ما استثمر الرومان الأوائل إذ احتلوا مصر والشام وأجزاء من الساحل الإفريقي فلم يكن إلا إذلال الإنسان المهزوم ، صاحب الأرض والجمهور ! ، ولكنه لا يملك من ترابها شيئا فخيراتها قد انتقلت إلى غيره ، فتحول من مالك للأرض إلى رقيق يحرثها أو أجير يزرعها ! فلا يناله إلا فتاتها بعد انتقال خيرها إلى المركز وصيرورته بآلة الصناعة الحديثة مُنْتَجًا يعاد تصديره إلى بلد المنشإ بأضعاف الثمن ! ، فكان استثمار بريطانيا في العنصر الثاني من عناصر الحضارة وهو التراب إذ استلب تراب غيره وراح يستخرج من خيراته ما بنى به حضارته على أنقاض الآخرين وجثثهم وهو ما حصل في العالم الجديد ، أمريكا ، وحصل في مستعمرات هولنده وإسبانيا والبرتغال فنجحت حملات البرتغال في جنوب شرق آسيا ، وهو محل شاهد تقدم ، وتلك انتصارات حَمَلِتَ البابا أن يقيم قداس الشكر في أوروبا أن بلغ نفوذ الكاثوليكية العسكري أقاصي الشرق الإسلامي ، فقد كان ذلك العصر ، كما تقدم ، هو عصر البحرية الإسبانية والبرتغالية لا سيما بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح فكانت أساطيل إسبانيا والبرتغال تجول البحار والمحيطات ، المحيط الأطلسي تجاه الأمريكتين ، والمحيط الهندي تجاه جزر الهند الشرقية وجزر الهند الصينية فضلا عن محنة الرق التي شهدها الساحل الإفريقي لا سيما غرب إفريقية ، فمعظم من أسر واسترق وشحن إلى الأرض الجديدة كان من هذه البقعة التي كان الإسلام فيها يوما رَائِدَ المشهد فَلَهُ ممالك وإمارات مشهورة في نيجيريا وغانا ومالي .... إلخ وهي التي اصطلح أن تسمى بلاد السودان الغربي في مقابل السودان المعروف الآن في شرق القارة ، والإطار الجامع لكل هذه المشاريع الاستعمارية هو إذلال الإنسان وقهره والانتقاص من آدميته بتسخيره لخدمة السيد الأبيض ، الكاثوليكي اللاتيني أو البروتستانتي الأنجلوساكسوني ، ثم الانتفاع بترابه المسروق ، ثم العمل الدءوب في مراكز البحث والإنتاج في المركز فقد كان لهم من الأخذ بالسنن الكوني ما لا يجحد بل هو محل الثناء في مقابل خمول الأطراف وخمود حركة الفكر والإنتاج فيها ، وهو ما يَسَّرَ الأمر على المركز مع ما بذلته الأطراف من مقاومة تحمد فقد جوبهت بعنف مفرِط مع فارق عظيم في القوة العسكرية ، فدخلت بريطانيا الهندَ درة تاجها ودخلت بقية مستعمراتها وارتكبت من جرائم العنف المسلح ما بلغ حد السادية كما في حادث مشهور في الهند طبخوا فيه للملك بهادور ، آخر ملوك المغول ، طعاما من لحوم أبنائه ! ، وتلك طبيعة عنف استقرت في النفس الأوروبية وهي تجد من الذرائع الأخلاقية ما يخدر الضمائر فكل ما يقترفه السيد الأبيض من جرائم فهو مغمور في بحار حسناته العظيمة فما رام إلا تحديث الأطراف المتخلفة ، فجرائم فرنسا في الجزائر والتي بلغت حد استعمال بعض سكان الصحراء في جنوب البلاد كفئران تجارب في التفجير النووي المشهور في راقان وعين أكر في 1960م قبل الجلاء بسنتين ، فذلك عمل أكاديمي خالص لا يخضع بداهة لأي مرجع مجاوز من خارج ! ، فما دخل الدين في أمر مادي بحت يدركه الحس الظاهر ؟! ، فَلَئِنْ كان للوحي دور باق ! فليقتصر على الروحانيات فحسبه أن احتفظ بسلطانه الروحاني بعد إبطال سلطانه الزماني في مرحلة العلمانية التي تلت مرحلة النصرانية ، فكان استثمار المركز في إنسان الأطراف استرقاقا واستخداما ماديا كأي آلة في الزراعة والصناعة بل وفأرَ تجارب ! ، لا استثمار العدل ، وإن زعم ذلك ، فوحده الوحي الذي صنع ذلك وتاريخ فتوحاته في مقابل فتوحات المركز على ذلك خير شاهد ، وهو تأويل القول المشهور لربعي بن عامر ، رضي الله عنه ، فإنه قد أبان في هذا القول الوجيز غايةَ الوحي من الإنسان في مقابل ما اقترفه الوضع المحدث في حقه من ظلم وقهر ، فلم تكن عبارات إنشاء دبجها ربعي في خطاب دبلوماسي وإنما كانت كلمات البديهة لقوم تحملوا أعباء الشريعة وفقهوا أحكامها حقيقة لا دعوى فآمنوا إيمان اليقين لا التقليد ثم تأولوا هذا الإيمان حركة في الأرض تفتح القلوب والأمصار وتخلص الشعوب من جور الحكام مع ما وقع في أحيان من تجاوزات لا يقرها شرع فلم تكن هي الأصل ، وإنما لعب الاستشراق الذي ينتحل زورا وصف البحث الأكاديمي المعاصر ! ، لعب دورا فاعلا أن يبرز الأخطاء الدقيقة فيجعلها جسيمة وأن يطمس الفضائل المتواترة أو يصيرها رذائل يذم صاحبها ، في مقابل تزوير آخر تابعه عليه بعض المستغربين ممن هزمت نفوسهم أمام حضارة المركز ، فاصطنعوا الفضائل الأخلاقية لحملات الاحتلال التي سفكت الدم واغتصبت الأرض وأفسدت الدين والمعاش فهي رسل حضارة وتنوير ، وقال بعضهم في مصر إن طاعة ولي الأمر البريطاني من الواجب الشرعي ! ، وهو قول اقْتُبِسَ بعد ذلك في عصر المحتل المحلي إذ صارت طاعته هو الآخر فرضا واجبا لا يصح الإيمان إلا به وإن قارف من العظائم ما قارف فالإنكار عليه خروج عن سنن الهدى ! ، وضخمت حسناته النادرة فصارت غالبة في مقابل احتقار الذات واحتقار تاريخ الشرق ، تاريخ الفتوحات والحضارة الذي امتدحه أهل التحقيق في البحث والتصنيف من رجالات المركز فَلَمْ يَرْضَ ذلك المنهزم إلا أن يُقَزِّمَ ذاته ويحتقرها تعظيما للسيد الأبيض ، رجل الحضارة والتنوير ، فكل أخطائه مغفورة فهو مجتهد يؤجر وإن أخطأ ، وكل جرائمه تهون في مقابل ما حمل للشرق من نور فلا بديل إلا السير في ركابه طوعا أو كرها وهو ما كان ذريعة إلى موجة عنف أولى بعد رحيل المحتل الفرنسي عقيب أول لقاء حضاري في التاريخ الحديث ، فجاء محمد علي رائد التحديث وإذلاله للإنسان ، وهو أول عنصر من عناصر الحضارة ، إذلاله له بالسيف والسوط أمر مشهور متواتر فكان العنف المفرِط مع الخصوم وكان الغدر بكل مراكز القوى الفاعلة في المجتمع فضلا عن الحروب الظالمة التي خاضها في الجزيرة ضد الدعوة الإصلاحية فهي تخالف في وجهتها الفكرية خياره العلماني اللاديني وإن وقع فيها من التجاوزات الميدانية ما لا تخلو منه أية تجربة حال انتقالها من النظرية إلى التطبيق وهو ما لا يُقَرُّ ولكنه ، من وجه آخر ، يفتقر إلى العدل والإنصاف في الحكم فلا تهدر فضائل عظيمة رجحَت أخطاءً ولو تَعَدَّدَتْ لا سيما وهي في الحركة لا في أصل الفكرة ، وكذلك الشأن في حروبه في بلاد الشام والأناضول ، فكان تسخير الإنسان بعد إذلاله وقهره ، كان تسخيره في التراب لينتفع بإنتاجه المادي في مشروعه السياسي الذي انتحل زورا لقب المشروع الحضاري ، وكان عامل الوقت فقد أحسن سياسته كما أحسنت بريطانيا في مثال طريف يضربه بعض الفضلاء فإن نموها الاقتصادي ونفوذها السياسي والعسكري لم يكن طفرة جينية مفاجئة وإنما استغرق قرنا من الزمان لم تتجاوز فيه نسبة النمو السنوي 2% فقط قبل أن يتراكم الإنجاز وتظهر آثاره في سيادة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ، فكان تراكم الإنجاز في العصر الفيكتوري ، عصر الملكة فيكتوريا من 1837_1901م فلم يكن مشروع يوم وليلة أو فورة عابرة في تاريخ الأمم لا تشكل إلا لحظات يسيرة لا تجزئ في صناعة حركة التغيير المؤثِّرِ فهي تستغرق مراحل وأدوار بل وقد تفنى فيها أجيال ، فانقلبت بريطانيا في عصر الملكة فيكتوريا من قطر زراعي إلى آخر صناعي ضخم ، مع نمو كبير في القوة البشرية من 14 مليونا إلى 32.5 مليونا ، وذلك ما لم يكن في مشروع كمشروع محمد علي الذي أرهق الإنسان المصري حتى انخفض متوسط الأعمار إلى الأربعين أو دونها ، فكان إضعاف الإنسان بإفساد الأديان بحركة تغريب وإضعاف الأبدان بسياسة تسخير فضلا عن مغامرات لا يدفع ثمنها إلا العامة كمجاملات الخديوي سعيد للإمبراطور الفرنسي نابليون أن شارك بقبيل من الجيش المصري في حروب الإمبراطورية الفرنسية في المكسيك ! فذلك عربون الصداقة والمودة بين الملكين فيبذله أحدهما للآخر جزءا من رعيته التي صارت تُسْتَعَارُ كالأخذية والنعال وتلك ، كما تقدم ، قيمة الإنسان في مثل هذه الأطروحات السياسية البراجماتية وهو ما يذكر الناظر بمشاركة جيش كالجيش المصري في حرب الخليج الثانية تحت راية التحرير وحقيقة الأمر أنه تخفيض للديون وَحِزَمٌ من المنح والاستثمارت نظيرَ جزء من الفائض البشري في مصر ! .
    وبعد محمد علي لم تجد بريطانيا عناء أن تحتل مصر فلم تكن المقاومة آنذاك كمقاومة شعب قوي كالشعب الذي وفد عليه المحتل الفرنسي فقاومه في كل مدينة وقرية حتى اضطره إلى الانسحاب وفق تفاهمات سياسية مشهورة مع الدولة العثمانية وحليفتها آنذاك بريطانيا العظمى ، وبعد الاحتلال البريطاني كان عمل دءوب آخر لصناهة نخبة جديدة في عالم الفكر والسياسة والحرب فهي الخليفة الأمين الذي تَوَلَّى حكم الأطراف وفق معادلات سياسية جديدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية فقد كانت هي الأخرى موجة عنف هادرة أعادت توزيع القوى السياسية في النظام الدولي المعاصر ، ولم يخل الأمر من تجاذبات بين المركز والأطراف فبعض من تولى الأطراف قد حَدَّثَتْهُ نفس أن يَتَمَرَّدَ ويخرج عن سيناريو المركز ولو في بعض أجزائه فصبر المركز صبر العاقل فهو ، كما يُنَوِّهُ بعض الفضلاء ، يضرب خصومه بعضهم ببعض ، فيضرب الوعي الإسلامي الذي نشأ في أعقاب انهيار الخلافة الجامعة يضربه بالمشروع السياسي القومي ثم لا يجد بعد ذلك كبير عناء أن يجهز على هذا المشروع بعد استنفاد أغراضه فهو حلقة من حلقات التأديب والتطويع لشعوب المنطقة لتقبل بالوافد الصهيوني الجديد فلا بد من إضعافها في حلقات تآمر تَتْرَى من 48 إلى 56 إلى 67 إلى معاهدة السلام إلى مبادراته ومؤتمراته الحالية وآخرها مؤتمر القمة الأمريكية الإسلامية وما أعقبه من إجراءات وتفاهمات جيوسياسية وقرارات حصار مفاجئة أفرزت أزمة الخليج الراهنة بعد صدور الضوء الأخضر من المركز ، فكل أولئك مما يمهد للتطبيع الكامل مع الكيان الغاصب في إطار صفقة القرن ، فلم يعد المركز يجتزئ بالتطبيع الجزئي الذي لا يمانع فيه أي طرف من أطراف الأزمة الرهنة فالمحاصَر ومن يؤيده لا يبدون اعتراضا على النظام الدولي وإن أرادوا بعض التغيير ليكون ثم دور أكبر لهم مع التقيد بالإطار العام ، ولكم طموح المركز قد ازداد وتعاظم فلا يرضى إلا بالتسليم الكامل ، ولكلٍ من هذه الصفقة حظه ، فثم من حظه البقاء في سدة الحكم ، وثم من حظه التأهيل والتصعيد استعدادا لموجة جديدة من موجات التغريب تضرب معقلا رئيسا من المعاقل المحافظة في بلاد الشرق وإن أصابه من النقص من جنس ما أصاب بقية الأمصار إلا أن فيه من مظاهر الشرع ما ليس في غيره ، فذلك ما نَوَى القوم في مغامرات سياسية ليتها اقتصرت على ذلك فلم تغامر بمنظومة القيم والأفكار في صالة القمار السياسي المنعقدة الآن في الشرق ، وذلك ما دبر المركز للأطراف في إطار خطة تقسيم جديدة لا بد لها من تمهيد يشعل فتيل الأزمات السياسية على وجه قد يفضي إلى الحرب ، ولو على المدى البعيد ، فهي الوسيلة الرئيسة في التقسيم والتغيير الجيوسياسي إلا أن يشاء الرب العلي إبطال الكيد البشري بآخر إلهي ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا باستقراء كامل للتاريخ القديم والحديث طلبا للعبرة ، وَأَخْذٍ فاعل بالأسباب في الدين والدنيا على قدر ما يُطَاقُ ولو يسيرا ، فـ : "لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" ، ولا أعظم من معروف يذب به عن الأديان أن تخترق حصونها إن في العقائد أو في الشرائع أو في السياسات أو في الأخلاق والعوائد .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •