اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: الأبوة

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:19-07-2018
    الساعة:06:24 AM

    المشاركات
    4,760
    العمر
    40

    الأبوة

    الرب الرحيم الغفور ، جل وعلا ، هو ، وحده ، الذي يغفر الذنوب جَمِيعًا ، فيغفر الشرك ما لم يُغَرْغِرِ المشرِك فَيُعَايِنَ ، ولا يفتقر ذلك إلى شَفِيعٍ عند الرحمن ، جل وعلا ، أو صك غفران ، فلا يوجد في دين الأنبياء ، عليهم السلام ، سر لِلتَّوْبَةِ ، فذلك مما أَحْدَثَ كهنة الدين المبدَّل فَبِهِ يُحْكِمُونَ القبضة على رعايا الكنيسة ، وذلك ، كما يذكر بعض الباحثين ، أمر لا يطيقه إلا الأب وحده ، وهو الرب الذي في السماء ، فوحده الذي يَتُوبُ ويصفح ، وهو حق ، وإن كان في تسمية الرب ، جل وعلا ، بالأب تجوز ظاهر ، إذ الباب باب توقيف ، على الراجح من أقوال أهل العلم ، وإن جاز الاشتقاق فلا بد من معنى كمال مطلق يشتق منه اسم للرب المهيمِن ، جل وعلا ، واسم الأب لا يظهر فيه معنى مدح مطلق ، فهو مما يحتمل إذ ينقسم مورده في الخارج ، فالأب قد يكون رفيقا رحيما ، وقد يكون قاسيا ظالما ، فَلَئِنْ جاز إطلاقه في حق الرب ، جلا وعلا ، فهو مما يجب تقييده إذ يدل في هذه الحال على ربوبية العناية فَيَرْعَى الرب ، جل وعلا ، عباده ، كما يَرْعَى الأبُ أبناءَه ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فرعايته أكمل إذ لا يغفل ولا يعجز ، فهو الأعلم بعباده ، الأنصح لهم بما أَنْزَلَ من رزق التكوين ورزق التشريع ، وهو الحكيم إذ ينزل من رحماته بقدر فالتربية قد تقضي في حال بالمنع ، كما يؤدب الأب ابنه أن يمنعه بَعْضَ ما يحب لا ظلما ولا شحا ، وإنما تأديبا واستصلاحا ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فاستصلاحه لعباده أحكم ورأرحم إذ هو بهم وبما يصلحهم أعلم ، والأب قد يَسْتَعْمِلُ خُلُقَ الجلال في العقاب لا قسوة وإنما يجري ذلك ، كما تقدم ، مجرى الاستصلاح ، فكان الضرب في الخبر أَنْ : "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَوَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ" ، وكان الضرب في الآية : (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) ، فذلك ضرب استصلاح لا ضرب تعذيب قد يفضي إلى الكسر أو الجرح ، وقد بَيَّنَتِ ذلك السنة في مواضع ، كما في خبر عائشة ، رضي الله عنها ، وفيه : "فَلَهَدَنِي فِي صَدْرِي لَهْدَةً أَوْجَعَتْنِي ، ثُمَّ قَالَ : أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ" ، وكما في وصاية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنساء وفيها : "وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذلك فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غير مُبَرِّحٍ" ، وذلك ، آخر الدواء ، بعد العظة والهجران ، وتلك عقوبة تجري مجرى الضرورة فهي مما يُقَدَّرُ بِقَدَرِهِ إذ الهجران والضرب مما يخالف عن آداب العشرة ، فلا يلجأ إليه الزوج إلا اضطرارا ، وأما العظة فهي مما يحسن مطلقا ، وإن قيل ، من وجه آخر ، إن معنى العقوبة فيها يظهر ، إذ لا تخلو في أحيان من الإغلاظ والزجر ، فيكون التأديب باللفظ الشديد فلا يُظْهِرُ صاحبُه من لطف المعشر ما يُحْمَدُ في الجملة فهو الأصل الذي لا يعدل عنه إلا لضرورة ، فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما ، فاللطف يحسن في أحوال ، والشدة تحسن في أخرى ، فإن وضع أحدهما محلَّ الآخر أَضَرَّ ولم ينفع كما قال أبو الطيب ، فـ :
    وَضْعُ النّدىفي موْضعِ السّيفِ بالعلى ******* مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى .

    وكذلك الشأن في ضرب الأبِ ابنَه في الخبر أَنْ : "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ" ، فلا يظهر فيه وجه عقوبة إذ لم يكلف الصبي المميِّز تكليف الإيجاب إلا على قول في مذهب أحمد رحمه الله ، وإنما تكليفه تكليف الندب ليعتاد الطاعة فإذا كلف لم يجد حرجا أن يَمْتَثِلَهَا ، فمجاوزة الحد في التأديب يخرج به عن الغاية ، فيكون العنف الذي يفسد الأخلاق فالمعنَّف يلجأ إلى أخلاق الكذب والخداع لِيَنْجُوَ من العقاب ، والأب الحكيم من يحسن يرحم تارة ويشتد أخرى فيضع في كل حال من الأخلاق ما يلائمها ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فهو يَرُبُّ عباده بالجمال تارة ، والجلال أخرى ، فيكون الفتح إنعاما ويكون الأخذ بالسنين عقابا به يَتَذَكَّرُ من يَتَذَكَّرُ ، فذلك غرض رئيس في التنزيل ، كما قد استقرأ بعض المحققين آي التنزيل المحكم فهو توحيد وتشريع وتذكير ، فتوحيد في الذات والاسم والوصف والفعل ، ولا يخلو من دلالة توحيد زائد هو توحيد التشريع أَمْرًا وَنَهْيًا فذلك تأويل الألوهية فشهادتها شهادةُ العبادة بالحق فلا تكون إلا للإله الحق ، جل وعلا ، والإله الحق هو الرب الذي يَرُبُّ الأبدان بما يُنْزِلُ من رزق التكوين ، وَيَرُبُّ الأديان بما يُنْزِلُ من الوحي ، فهو الذي يخلق من العدم ويدبر أمر ما خلق تَدْبِيرَ الحكمة والقدرة ، وهي ، كما تقدم ، قد تَقْضِي بالحرمان في أحيان فيكون الخير في ذلك ويكون الشر في الإعطاء والإغداق إذ قد يفضي إلى الطغيان بما يستجمع الإنسان من أسباب تَصْرِفُهُ عن المسبَّب الأول ، الرب الأول ، جل وعلا ، الذي خلق السبب وخلق فيه قوة الْأَثَرِ وخلق في المحل القبول لآثاره ، وخلق من الأسباب ما يعضده ونفى من العوائق ما يمنعه فكان هو الخالق المقدر في الغيب والخالق الموجد في الشهادة ، وذلك خلق يَعُمُّ الأعيانَ والأحوالَ جَمِيعًا ، ويعم التدبير بصنوف العناية عطاء أو حرمانا على وجه يظهر فِيهِ ، كما تَقَدَّمَ ، وجه الحكمة البالغة ، فكان التوحيد ، شطر التنزيل الأول ، وهو ما دل عليه الوحي في مواضع كالخبر الصادق في قوله تعالى : (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ، فكان العموم الذي دل عليه الضمير المجموع في "إلهكم" ، وكانت التوطئة بالخبر الأول "إله" ، فلا يَتِمُّ به المعنى بل المعنى يَتِمُّ بالخبر الثاني "واحد" ، أو هو مما يجري مجرى الوصف فَوَطَّأَ بالموصوف "إله" ، وَضُمِّنَتِ الفائدة في الوصف "واحد" فهو محل الشاهد ، إذ لا يستفيد المخاطَب معنى تاما إلا إذا أُرْدِفَ الموصوف بالوصف ، فإن النظر يدرك بداهة أن الإله إله ، سواء أكان إله حق أم إله باطل ، وسواء أكان واحدا أم كثيرا ، وإنما التوحيد مناط الفائدة وهو ما جعل الجمع المشرِك يستنكر في آي ص : (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) ، فذلك جعل الاعتقاد ، فتقدير الكلام أعتقد الآلهة إلها واحدا ؟! ، فاستنكروا ولا يخلو استنكارهم من دلالة إبطال إذ دَرَجُوا على هذه السنة الباطلة ، فَصَارَ الحق مَثَارَ استنكار وتعجب أن خالف عَنْ دِينِ العادة والتَّرْبِيَةِ ، دين الآباء المعظَّمين المقلَّدين فذلك من أعظم ما يصد الناس عن الحق ، فضلا عن حَظِّ نَفْسٍ في هذا التقليد فهو يحفظ للمقلِّد جاها وَرِثَهُ عن المقلَّد ، فَثَمَّ من إرث الجاه والسيادة ما صد أصحابه عن الحق فاجتمع فيهم : تعظيم الآباء بغير حق وحفظ الرياسات وهو ما يُلْجِئُهُم أن يَتَأَوَّلُوا لهذا الباطل ما يكسوه لحاء الحق ، فهو من كمال الأدب والكياسة ، وهو من كمال الحكم والسياسة ، فلا تكمل الهيبة إلا بذلك وإن خالف عن حكم الشرعة ، فهي نَفْلٌ من القول يزيد فالفرض ما يحكم به الأب ويرثه الابن وإن جورا ظاهر البطلان ، فهو المحكم وما سواه متشابه ، وإن كان من الوحي المنزَّل ، فهو معظم في تلاوة الحرف لا امتثال الحد ! ، فليس إلا أماني يحصل بها الأجر الآجل في الآخرة ، وتحصل بها البركة في المجلس ! ، فلا يجاوز الوحي هذا القدر إلا بما يحفظ رياسات الدنيا فيستصحب حال التَّعَارُضِ مع حظ النفس ، فإذا عارضه قُدِّمَ المحكم من حظ النفس وَأُخِّرَ المتشابه من الوحي ! ، فصار الهوى هو الإله فهو ند يضاهي الإله الحق ، وذلك مناط التدافع الرئيس بين الإله الواحد في الآية وآلهة الباطل التي انْتَحَلَهَا القوم فَاسْتَنْكَرُوا إلها واحدا يحكم حكم النفاذ فيقدم حكمه على سائر الأهواء ! ، فهي آلهة تَتَعَدَّدُ بِقَدْرِ ما في الدنيا من عقول فلكلٍّ عقلٌ يستحسن ويستقبح ، فمعياره قد صار إلها يحكم ، وإن بلسان الحال ، وصار الوحي تَابِعًا فنصه متشابه يجب تأويله ليوافق ما أُحْكِمَ من هوى العقل وذوق النفس أو معيار جديد في الحكم هو ، كما يذكر بعض المحققين ، ما ذَاعَ في الأعصار المتأخرة من قِيَمٍ في الفكر والحضارة تخالف عن قيم الوحي وأحكامه فَيَرَى بعض النظار أن الحكمة في تخريج الشرع وإن شئت الدقة فقل في تأويله وتحريفه لتخريجه على أصول الحداثة ليبرأ من تهمة الرجعية والتخلف ! ، فانقلبت الآية وانعكس معيار الحكم أن صار الوحي محكوما لا حاكما فهو المتشابه الذي يلجئ من يؤمن به أن يجد له تخريجا يرفع به الحرج عن نفسه لئلا يُنْعَتُ أنه متخلف في زمن الحداثة والتمدن ! ، وصار المحكم في المقابل هو قيم العصر ، وتذرع من تذرع باصطلاح مجمل يحتمل حقا ويحتمل ضده ، وهو اصطلاح الأصالة والمعاصرة ، فصاحبه يزعم انتحال الأصول فلا يبرأ منها ، وإنما يمزجها بمادة عصرية تلحق صاحبها بركب الحضارة ، فلو اقتصر على أسباب الحس ما توجه إليه لوم ، أن أخذ من المباح ما يَنْفَعُ ، وَاعْتَبَرَ من المصالح ما أُرْسِلَ فَأَدَّاهُ اجتهاده أن الخير في اعتباره وهو ، مع ذلك ، قد سلك جادة الوحي فَلَمْ يخالف عنه لا في أصل ولا فَرْعٍ ، فجعل مرجع الوحي هو الحاكم المهيمن ، فَأَخَذَهُ أَخْذَ المسترشد بالوحي الذي أباح الطيب النافع ، فلا يقتصر على غذاء الأبدان من مطعوم ومشروب وإنما يعم كل ما يجم البدن فَبِهِ يكون الرَّفَاهُ فذلك من المباح الذي يحسن الأخذ منه بِقَدْرٍ يَنْفَعُ ، فلا يكون الأخذ لفضول يضر ، ولا يكون أخذ المباح ذريعة لأخذ الباطل ، كما يَرُومُ من يَرُومُ من أرباب الحداثة المعاصرة فليست إلا تَغْرِيبًا للعوائد والأخلاق والقيم بذريعة الأخذ بأسباب الحضارة والرَّفَاهِ ، وذلك من التلازم الباطل فالجهة منفكة إذ قد يأخذ الإنسان أسباب الحس ولا يأخذ أسباب المعنى من قِيَمِ الأخلاق والعوائد فضلا عن الأديان والعقائد والتصورات ومناهج الفكر والنظر وطرائق الحياة والمثل والغايات العليا ..... إلخ من القيم التي بها يكون التَّمَايُزُ بَيْنَ الأمم ، فلا يكون التمايز بأسباب الحس فذلك مما يشترك فيه البشر جميعا فليس مناط اختلاف أو تدافع ، فالبشر جميعا يأكلون ويشربون ويباشرون أسباب المدنية من رفاه العيش المباح ، وإنما يقع التخالف بينهم في الغايات من هذه المباحات ، فهي في يد بعضهم نقمة بها يُبَارِزُ الطواغيتُ الربَّ ، جل وعلا ، وهو الذي أنعم بها ابتداء ! ، وهي في أخرى نِعْمَةٌ وذريعة إلى شكر المنعِم ، جل وعلا ، ودليل صحيح صريح يفضي بالناظر أن يوحد الإله الخالق الرازق المدبر ، جل وعلا ، فيمتثل التوحيد في قوله تعالى : (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) ، فيكون الرب الذي يخلق وَيَتَعاَهَدُ بالعناية والرعاية هو الأب فالخلق جميعا عياله ، وذلك وجه صحيح قد يصح إطلاقه من باب الخبر لا الاسم أو الوصف فَيُقَالُ هو ، جل وعلا ، أَبٌ لا على قول من غلا من الْمُثَلِّثَةِ فجعل الآلهة ثلاثا : الأب والابن وروح القدس ، فالأبوة التي يصح الإخبار بها تعدل الربوبية التي ينفرد بها الرب ، جل وعلا ، بما يكون من خلق وعناية ، وهو ما يوجب إفراده بالعبادة التي اسْتَغْرَقَ حَدُّهَا ما بطن وما ظهر ، ما خص وما عم ، وذلك ما يخالف في العادة عن أهواء السَّاسَةِ إن جعلوا الْمُلْكَ فَوْقَ الحق ، فهو الثابت الأول ، وربما الوحيد ! ، فَمَا سواه يَتَغَيَّرُ وإن كان الوحيَ المنزَّل فوجب تأويله أن يوافق أهواء الساسة ويحفظ مُلْكَهُمْ فوحدهم من يضع معيار الحكم بالحسن والقبح ، بل الإيمان والكفر في أحيان ! ، فَمَنْ قاتلهم فهو كافر أو خارج مارق ، ومن والاهم فهو المؤمن الصادق ، وإن خالفوا عن الحق بل وَقَارَفُوا من الفعل سياسة أو حربا ما يَنْقُضُ أصلَ الإيمان فَثَمَّ من نواقضه ما يكون بالعمل ، ولو بالقلب ، كولاية أهل الكفران ، ولو باطنا ، فالقلب إليهم مائل وعن أهل الحق عادل وهو في ظهور الكافر على المؤمن راغب فذلك في نفسه عمل وإن لم تظهر آثاره في الخارج ، فكيف إن انضم إليه آثار في الخارج تَشْهَدُ فتكون مظاهرة الكافر على المؤمن باللسان واليد ، بدعاية الإعلام وقرار السياسة والحرب ؟! .
    فكان من صنيع بعض الساسة أن جعل نفسه معيار العدالة ! ، إسلاما أو سنة ، فَمْنَ قَاتَلَ فَهُوَ كافر أو خارجٌ محدِثٌ في الديانة ما يوجب الحد أو التَّعْزِيرَ فتلك ذريعة الاستئصال والتنكيل تحت ستار كثيف من قصف الفتاوى التي تحصر الحق في اختيار الحاكم فهي تدور معه وجودا وعدما فصارت الفتوى ، كما يَتَنَدَّرُ بعض الفضلاء ، تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ ولي الأمر ! ، لا بِتَغَيُّرِ الزمان والمكان على وجه لا يعتبر إلا المباح من العوائد والأعراف فذلك التغيير الجائز في الفتوى لا التغيير بالهوى إرضاء لخاصة أو عامة باختيار الأيسر مطلقا على وجه يلائم النفوس فهي تميل إلى الراحة والكسل فلا تريد من التكليف ما يثقل ! ، وتلك طريق في الفتوى قد عمت بها البلوى في هذه الأعصار ولم يسلم منها بعض أهل الفضل أَنْ رَامَ تقريب الدين إلى الناس فَتَأَوَّلَ لأجل ذلك أن يَنْتَقِصَ من أحكامه لئلا يَنْفِرَ المخاطَبُ ! .
    فعظمت البلوى بفتاوى في السياسة والحرب تَتَنَاسَخُ تِبَاعًا على وجه يُصَيِّرُ العلم خادما للحكم ، وهو ما يدخل الجماعة في حال من الشقاق وَالنِّزَاعِ فَثَمَّ من يُعَاضِدُ وثم من يُعَارِضُ ، وثم من له حظ نفس يجعله يَتَأَوَّلُ أنه يمتثل الشرع إذ أمر بطاعة أولي الأمر من الحكام والعلماء ، وذلك ما قيد في مواضع فلا طاعة إلا للحاكم العادل والعالم الناصح وطاعتهما مع ذلك لا تكون في مواضع خالفوا فيها عن الحق ولو تأويلا يعتبر فصاحبه يحمد على اجتهاده ولو يوافق في مقاله ، وما سواهما فلا يطاع إلا فِي مَعْرُوفٍ إن أمر به ! ، فلا يخلو من نَقُصَتْ حاله أن يوافق الحق ولو عرضا ! ، فالحق وحده هو مدار الولاية التامة وجودا وعدما ، فما والاه قُبِلَ وَاعْتُبِرَ ، وما خالفه رُدَّ وَأُهْدِرَ فلا كرامة له وإن تأول له من تأول من الحكام والأحبار فما ضل الناس في أعصار الظلمة إلا بتحالف الشر بين سلطان جور وعالم سوء كما كانت الحال في دين النصارى الذي صار ذريعة إلى تكريس السيادة المطلقة لأرباب السلطان السياسي من الأباطرة وأرباب السلطان الروحي من الكهنة ، فاقتسما الرعية فهم الآباء الأوصياء على أرواح الناس وأبدانهم ، فقولهم لا يراجع وحكمهم لا يعارض إذ لا يقولون إلا الحق ولا يحكمون إلا بالعدل ، وتلك أبوة تذم ، خلاف ما تقدم من معنى الربوبية الصحيحة ، فإن أولئك الآباء المؤسِّسين في عالم السياسة أو المعظَّمين في عالم الديانة ، ليسوا ، آخر الأمر ، إلا بَشَرًا ، وإن بَلَغُوا من كمال الوصف ما بَلَغُوا ، فما يجهلون أكثر مما يعلمون ، وما يعجزون أكثر مما يقدرون فليسوا أهلا لطاعة تامة فلا تكون إلا للإله الحق الذي يخبر بالصدق ويحكم بالعدل مطلقا فوحيه قد عصم ، خلاف ما يوحي به آباء السياسة والديانة ، فمنه الحق الذي يقبل ، ومنه الباطل الذي يرد ، وأبوتهم ، باستقراء تاريخ الأمم ، أبوة الوصاية التي تقارف من الظلم والاستبداد ما قد علم حتى صار اصطلاح الأب في السياسة يُطْلَقُ في حق مَنْ له الحق الإلهي الذي يُكْسَى لحاء الدين ، فهو اختيار السماء فلا يحسن بأهل الأرض أن يخرجوا عنه وإلا نَازَعُوا الأب الذي في السماء حكمه ! ، مع أن آباء الأرض من رجالات السياسة ومن رجالات الكهنوت يُنَازِعُونَهُ بلا حرج ، بل ثَمَّ منهم مَنِ استلب حق التشريع فصار ما يعقد محكما لا يطيق الأب الذي في السماء حله ، وما يحل فهو منسوخ لا يطيق الأب الذي في السماء عقده ! ، فصار الأب في الأرض هو الإله الحق ! ، إذ آل إليه حق التشريع وهو من أَخَصِّ الأوصافِ الإلهيةِ ، فصارت الأبوة الأرضية أبوتان : أبوة الكهنة فهم الذين يمنحون الحق الإلهي في الحكم تارة وينزعونه أخرى ، وأبوة السياسة ، فصاحبها له حق إلهي في الحكم ، فَيُسْبِغُ على حكمه ثِيَابَ الديانة ، إذ اختاره نواب الأب في الأرض وهم في نفس الآن خلفاء الابن فهم رسله الذين أورثهم سلطانا مطلقا بَلَغَ حد الغفران للذنوب ، فتلك سلطة وَرَّثَهَا الأبُ الذي في السماء لابنه ، وَوَرَّثَهَا الابن إلى رجال السلطة الدينية الكهنوتية ، فصار لهم من الإرث الديني ما جعلهم عامل الترجيح السياسي فوظيفة الحل والعقد ، كما ينقل بعض الباحثين ، وهي تَعُمُّ أمر السياسة كما تعم أمر التشريع ، وظيفة الحل والعقد قد انتقلت من المسيح عليه السلام إلى بطرس إلى هيئة الرسل فالمصالحة مع الكنيسة لا تنفصل عن المصالحة مع الله ! ، ولا تكون هذه المصالحة إلا بتقاسم النفوذ على وجه لا يخلو من التَّنَازُعِ فكل طرف يَرُومُ الظهور على الآخر مع اشتراكهما في جناية الطغيان الذي لا يجد شُؤْمَهَا إلا الرعية المغلوبة ! فهي من يدفع الثمن فالهيئات الدينية والسياسية تَتَنَازَعُ على النفوذ فقد خرج كلاهما عن سلطان الوحي الحاكم ورد إلى حظ النفس العاجل فحصل بينهما من التنازع ما لا يرد إلى الله جل وعلا ورسوله وإن زعما ذلك صورةَ لفظٍ بلا معنى ودعوى زور تشهد بَيِّنَةُ الحال بِبُطْلَانِهَا ، فكان التَّنَازُعُ الذي يأرز إلى حظ النفس فَعَظُمَ الفساد في الأرض إذ غاب الوحي فَلَمْ يَعُدِ الحاكم وَنَقَصَ أهلُ الحل والعقد فصاروا رجالَ السياسة والحرب لا رجال العلم والفضل مع كفاية في أمور السياسة والحرب تجعلهم أهل الدراية التامة ، وصار الترجيح الديني في الشأن السياسي لا على وجه يحمد كما هي الحال في أهل الكفاية من أصحاب العلم والديانة فهم أهل الشورى في الحكم الراشد فلا يجمعون على باطل ، خلافا للحكم الجائر فأهل الحل والعقد فيه أصحاب الحظوظ والأهواء الذين يَتَقَاسَمُونَ السلطة مع الحكام ، فَيُضْفُونَ عليهم الشرعية نظير ما يحصل لهم من الجاه والرياسة على وجه لا يخلو ، كما تقدم ، من التَّنَازُعِ ، فالأب الديني يمنح الحاكم منصب الأب السياسي بقيد الطاعة لهيئة الكهنوت ، فيخضع الأب السياسي مكرها لا بطلا ، فلا يُعَظِّمُ دينا قد علم بطلانه ، ولا يعظم رجالاته الذين ارتدوا مسوحه زيفا ، فأظهروا للناس الزهد وهم أحرص الناس على حياة ، وذلك مِمَّا طَرَأَ على الأمة الخاتمة مصداق الخبر أَنْ : "لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ" ، وإن فارق الوحي الخاتم وحي الكنيسة أنه محفوظ من نَقِيصَةِ التبديل والتحريف ، وإن عظمت جناية التأويل في حقه ، فإنها مما عمت به البلوى في القديم وفي الحديث ، فكان التأويل ذَرِيعَةً أن تُعَطَّلَ النصوص أخبارا أو أحكاما ، ولا تخلو الأرض ، مع ذلك ، من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة ، فذلك وعد الحق بحفظ الذكر ، فليس حفظ الألفاظ وحده ، وإنما حفظ المعاني والدلالات .
    فطرأ على الأمة الخاتمة من النقص أن ظَاهَرَ علماءُ السوء حكامَ الجور ، فصارت البيعة بيعة الكتاب والسنة وإن خالفت الحال عن الطريقة المثلى وصار التأويل لآي الكتاب على وجه لا يخلو من التلاعب فالمداهنة ظاهرة إذ يد الحكام الآن باطشة ، خلافا لقسمة الجور في أعصار الاستبداد الوسيطة ، فقد كان لآباء الكنيسة من السلطان ما غلب سلطانَ الحاكم الذي كان يخضع لسلطة الآباء الدينيين فهم الذين يمنحون الآباء السياسيين الحق الإلهي الذي صار بعد ذلك مذهبا في السياسة فصاحبه نائب عن الأب الذي في السماء في تدبير أمور الأرض ، أو نائب عن الابن ، ولو بواسطة الآباء الدينيين الذين ورثوا الابن فصاروا آلهة الأرض ! ، وذلك وجه آخر يحمد في حركة الإصلاح الكنسي الْبُرُوتُسْتَانْتِيِّ أن أبطلت هذا الحق المطلق لآباء الكنيسة أن يغفروا إذ وحدهم من يملك سر التوبة ! ، وثم من جعل النظرية السياسية أُبُوَّةً يَنُوبُ صاحبها عن آدم فهو أبو البشر ، فَكُلُّ حاكم من بعده أب لرعيته أُبُوَّةَ الوصايةِ المطلقة فوحده الذي يتخذ القرار وليس للرعية إلا السمع والطاعة فلا تَفْقَهُ ما يَفْقَهُ من دقائق الحكم والسياسة فوحده من يعلم ووحده من يصدق فلا يكذب ولا يخدع ولا يخون أبدا ! ، فلا يطاع غيره وإن خالف عن حكم الوحي والأخلاق والسياسة وسائر ما يعظم الناس من القيم سماوية كانت أو أرضية ! ، فكان لآباء الكنيسة في الأعصار القديمة من القوة ما رَجَحَ سلطانَ الأب السياسي الذي اضطر أن يخضع لهم وهو مع ذلك يتربص بهم الدوائر فيروم الانخلاع من سلطانهم الذي أثقل كاهله واستنزف موارده بما يفرضون عليه من الإتاوات وبما يقحمونه فيه من صراعات بها تحفظ رياساتهم وتعظم وهو لا ناقة له فيها ولا جمل ، وإنما اضطر أن يخضع لئلا يسلب الملك ، فإذا آنس فرصة انقلب على الهيئة الدينية وصارت له السلطة المطلقة كما قد صنعت الثورة العلمانية إذ قَلَّمَتْ أظفار الكنيسة وصيرتها مؤسسة تابعة للدولة لا حاكمة عليها ، وانتقلت هذه العدوى إلى الشرق ، فصارت مؤسسة الدين تابعة لمؤسسة السياسة فهي التي تعطيها البيعة وهي التي تدعو الناس إليها ، وعظمت الشبهة بالقياس الجائر على الحال الناقصة في الصراع الذي احتدم بين آباء الكنيسة وآباء السياسة فَلَمْ يُرِدْ أحدهما أن يحكم بشرع الله ، جل وعلا ، وإنما رام أن يحكم باسمه ، حكم التأله والاستبداد المطلق ، فلسان حالهم لسان الفرعونية السياسية : (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ، وهو ما يقضي لصاحبه بحق التأله إذ لا يخطئ ولا يكذب أبدا ، فـ : (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) ، ولن يكون ثم خلاص من هذا النقص ، كما يُنَوِّهُ بعض المؤرخين ، إلا أن تُدْفَنَ هذه الفرعونية السياسية مع ما دُفِنَ وَانْدَثَرَ من الحقبة الفرعونية فقد انتهت كنظام حكم قائم ولم تَنْتَهِ كنظام فكر وتربية تظهر آثاره في الحال الأسرية والسياسية ، فرب الأسرة الصغرى يمارس من الاستبداد البسيط في محيط العائلة فلا رأي إلا له وما الأبناء إلا قطيع يساق فليس إلا السمع والطاعة ولا حق في إبداء رأي أو مشورة ، فيمارس رب الأسرة الصغرى من هذا الاستبداد ما يُنْتِجُ آخر أمره استبدادا وتحكما في دوائر الجماعة كلها ، إن في معاهد الدرس فالمعلِّم يسفه آراء الطلاب فوحده من يفقه الصواب وإن كان أجهل الناس ! ، أو في دوائر الخدمة العامة فَرَئِيسِ الهيئة هو صاحب العصمة في قراراته وإن كان ضعيف العقل فاسد الذمة ، أو في دوائر الحرب فالقائد لا يراجع وإن أمر بالباطل واستحل ما استحل من المحارم ، أو في دوائر السياسة فَوَلِيُّ الأمر هو رأس هذا الْهَرَمِ الْهَرِمِ الذي بَلَغَ من العمر عِتِيًّا وأفسد ما أفسد من الأخلاق والقيم الدينية والسياسية والاجتماعية ، فمآله الزوال ، ولو بعد حين ، فتلك سنة العدل في آباء الظلم والاستبداد سواء اكتسوا لحاء الدين أو السياسة ، فقد عَمَّتْ بهم البلوى أن فَتَنُوا الناس في الدين والدنيا جميعا ، فصارت الرعية تُفَتِّشُ عن أب آخر ، وإن لم يَرُبَّهَا بالوحي ، فهي تُفَتِّشُ عن العدل في دُورٍ وأمصار عُطِّلَ فيها الوحي ، ولكنها في أسوإ تقدير تحكم بالعدل ولو في الجملة فلا تخلو من تعصب للدين أو العرق ، وإنما صارت مطمح كل مظلوم أن لم يجد في أرضه دينا ولا دنيا ! ، ولو وُجِدَ الدين حقا لا دعوى لَسَلِمَ من هذه الفتنة وَلَزَالَتْ شبهة القياس الفاسد باتباع سنن من تقدم إذ عزلوا الكنيسة فحصل لهم من الحرية والعدل ما يحمد فَقَاَس من قاس وحي الختام على شريعة الرهبان ، فإذا عُزِلَ هو الآخر حصل ما يرجى من الحرية والعدل ورغد العيش ! ، مع أن الوحي بضد ذلك يشهد ، فـ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، وإنما عظمت الشبهة ، كما تقدم ، بما قارف علماء السوء أن ساروا على سنن الآباء الكنسيين فعقدوا مع حكام الجور صفقة من جنس الصفقة الأولى بل هي أخس وأدنى ، فآباء الكنيسة كانت لهم اليد العليا ، وأولئك لهم اليد السفلى فالحاكم الجائر عليهم ظاهر ولهم قاهر بما أجرى عليهم من الرياسات والمطاعم ، فأخذوا عرض هذا الأدنى وخالفوا الميثاق الأعلى : (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) .

    فالأبوة ، عند التدبر والنظر ، تستغرق معنى الوصاية سواء أكانت محمودة أم مذمومة ، فهي وصاية تجعل لصاحبها من السمع والطاعة ما هو واجب ، وتجعل له من حق التأديب ما يضاهي في الوحي حق التشريع إذ لا يكون التأديب إلا بقانون ملزم ، وتجعل له حق التذكير بالوعد والوعيد ، فَيَعِدُ من يمتثل الأمر بالثواب وَيَتَوَعَّدُ من خالف بالعقاب ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فإن ولايته العظمى لا تعدلها ولاية في الأرض ، فيجب له من الطاعة والامتثال ما لا يجب لآحاد الأولياء ، فوحده من يطاع مطلقا وغيره لا يطاع إلا في المعروف ، وإلا نازع الرب المعبود ، جل وعلا ، وصفا من أخص أوصافه وهو العبادة إذ هي الطاعة التامة انقيادا واستسلاما في الباطن ، وتصديقا وامتثالا في الظاهر ، وَلَهُ ، جل وعلا ، من حكم الشرع مَا يُلْزِمُ مَا لا يُلْزِمُ أي قانون آخر في وصاية ولي أو رعاية أب ..... إلخ ، سواء أكانت الأبوة حقا كأبوة الوالد الراحم ، أم كانت باطلا كتسلط الحاكم الجائر ، وهو ، جل وعلا ، الذي يَعِدُ فضلا وَيَتَوَعَّدُ عدلا ، فَلَهُ وحده الثواب والعقاب في الشرع إن في الدنيا حدا مقدرا أو في الآخرة وعدا ووعيدا يَتَرَاوَحُ بَيْنَ الفضل والعدل ، فإن شاء عفا فضلا وإن شاء عاقب عدلا ، وأما التعزير في الدنيا فهو كأبوة الوالد فالأنظار فيه تتفاوت والاجتهاد فيه جائز على وجه يحقق الغاية من التأديب والاستصلاح .

    والإخبار عن الله ، جل وعلا ، بهذا الاسم مما يحتمل ، كما تقدم ، فَلَهُ معنى صحيح فضلا أنه في اصطلاح الكتاب الأول باستقراء مواضعه لا يعني المعنى الحرفي الذي يعتمده الدين النصراني الآن سواء أكانت الأبوة حقيقية أم مجازية ، كما يزعم من يروم الخلاص من لازم هذه القول الباطل لو حُمِلَتِ الأبوة على المعنى الحقيقي ، فلا ينفك كلا القولين يَغْلُوَانِ في المسيح عليه السلام فهو الابن ، والله ، جل وعلا ، هو الأب ، فـ : (قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) ، فَوَقَعَ في ذلك ، أيضا ، فِئَامٌ من يهود في حق العزير عليه السلام وإن كان الأصل فيهم الجفاء في النبوات في مقابل غلو النصارى .
    فالأب هو الولي ، والابن لفظ يطلق في الكتاب الأول بُنُوَّةَ محبة لا بُنُوَّةَ ولادة ، فـ : (قَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) ، فقصدوا معنى المحبة والولاية فضلا أن الخلق جميعا يصدق فيهم أنهم أبناء الله ، جل وعلا ، وعياله ، لا أنه قد ولدهم كما يلد بعضهم بعضا ، وإنما يكلؤهم ويرعاهم فتلك ربوبية تضاهي الأبوة ، ولو من وجه ، فالأمر ، أيضا ، يجري مجرى الاشتراك في الجنس العام الذي يجرده الذهن وهو معنى الأبوة ، مع قدر فارق في الخارج ، فشتان أُبُوَّةُ الخالق ، جل وعلا ، وَأُبُوَّةُ المخلوقِ إذ شتان ذات الله ، جل وعلا ، وذات المخلوق ، وذلك أصل في جميع مسائل هذا الباب الجليل ، باب الاسم والوصف وما يصح وما لا يصح الإخبار به عن الله ، جل وعلا ، كاسم الأب وإن كان الأولى الاقتصار على المنصوص لا سيما وغير المنصوص كاسم الأب مما يحتمل معنى النقص فضلا أنه قد صار علما مشتهرا على معنى باطل ، فاسم الأب قد صار أقنوما من أقانيم ثلاثة اشتهرت في مقال النصارى المبدل فصار النطق به بلا حاجة مظنة الموافقة لأهل الباطل ولو في صورة اللفظ فضلا أنه قد يُفْضِي إلى شبهة في حق من لم يفقه المسألة وَيَمِيزَ حقَّها من باطلها .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 52396

    الجنس : ذكر

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : شاعر

    معلومات أخرى

    التقويم : 1

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل10/10/2016

    آخر نشاط:03-12-2017
    الساعة:07:52 PM

    المشاركات
    32

    جزاك الله خيرا

    أسطر من القلب
    أفضل الذكر لا إله إلا الله
    و أفضل الدعاء الحمد لله

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •