من المسائل التي بسط الوحي فيها القول ما كان من تشريع القتال فهو مما لا يَتَوَجَّهُ إلى النساء حال السعة في جهاد الطلب إلا أن يخرجن في مؤخرة الجيش لتطبيب جريح أو سقاء عطشان ..... إلخ مما اصطلح في هذا العصر أن يطلق عليه اصطلاح الإمداد والتموين فتلك وظائف لا حرب فيها ولا قتال ، ومع ذلك فالأصل أن يتولى أمرها الرجال ، وإن جاز خروج النساء كما خرجن في غزوات السيرة الأولى ، فكن يسقين الناس كما في حديث الزبير ، رضي الله عنه ، يحكي حال النساء يوم أحد فكأنه ينظر إلى خدم سوقهن وقد انكشفت حال الركض بِالْقِرَبِ لسقاء الجرحى ، ومثله ما كان من خروج الناس في معارك مشهورة في تاريخ الفتح ، كمعركة اليرموك ، فكان النساء ، كما يقص بعض المؤرخين ، في مؤخرة الجيش وقد قاتلن اضطرارا إذ نفذ فرسان الروم إليهن ، ثم كان الفتح على يد خالد ، رضي الله عنه ، لما أخرج فرسان الروم من ساحة القتال بحيلة ماكرة ، فكان نفاذهم في قلب الجيش حتى بلغوا موضع النساء كان استدراجا أفسح لهم به طريق الهرب لَمَّا أحكم حصارهم فلما خرجوا من الميدان اختل جيش الروم وانضم فرسان المسلمين إلى بقية الجيش فكان الكر بعد الفر ، وهو ما أعطى جيش الإسلام المبادرة التي فاجأت جند الروم وقد ربطوا في السلاسل فسهل على المسلمين قتلهم ومن فر منهم فقد ألقى بنفسه في النهر فكانت مقتلة عظيمة في الروم قتلا وغرقا ، وذلك مما اقتفى ابن تاشفين ، رحمه الله ، آثاره في الزلاقة إذ ادخر نخبة الجيش من السودان شديدي البأس حتى أجهد جيش النصارى بموجتين من المقاتلة ، موجة أندلسية أولى استبسلت ولكنها تراجعت ، وأخرى مغربية ، وثالثة قادها يوسف أجهزت على الخصم فكان توزيع القوى مما ادخر به الجهد تَرَقُّبًا للحظة الحسم فكان الفتح المبين بإذن رب العالمين ، جل وعلا ، وكذلك صنع سيف الدين قطز ، رحمه الله ، في عين جالوت فاستدرج جيش المغول إلى ساحة قتال اختارها فكانت مفرزة الاستدراج بقيادة ركن الدين بيبرس الذي أظهر التراجع فتقهقر أمام جند التتر فأغراهم ذلك بالتقدم والدخول في مصيدة محكمة إذ أطبق عليهم قطز بِبَقِيَّةِ الجيش الذي لم يدخل به ساحة النزال ابتداء ، فليس من الحكمة إلقاء البيض كله في سلة واحدة ، فذلك مما يخالف عن مُثِلِ الحكمة والروية في السياسة والحرب ، فلا يوجد عاقل يُوَحِّدُ خياره في ميدان الفكر ، ففي المناظرات تكون حيلة الخصم أن يستدرج خصمه إلى خانة الدفاع بما يلقي من الشبهات التي تستنزف جهده بلا طائل فينجح الخصم في فرض إيقاعه ويختار ساحة الجدال التي تلائمه فيختار الموضوع والأسلوب ، فليست الحكمة أن يجارى في ذلك بل يَتَبَصَّرُ المجادِل بالعواقب فلا يقع في فخ أُعِدَّ سلفا ويدخر جهده فيحسن توزيعه على أجزاء المناظرة فلا يليقي بحججه كلها ويعد ما استطاع من جواب لاحتمال قد ينشأ من جواب يعارضه الخصم بحجة أخرى ، فلا يسارع بالجواب وإن علم حتى ينظر في الجواب وما قد يستدرك عليه فلا يفجأه ذلك كما أثر عن الخليل بن أحمد رحمه الله ، إذ كان يَتَأَنَّى في الجواب لئلا يقع في فخ الخصم إذ يعرض من الشبهة ما يعلم جوابه سلفا وقد أعد لذلك عدة لم يعدها الخصم إذ يسارع بالجواب بلا روية فإذا أورد خصمه الحجة التي أعدها ابتداء انقطع ولم يستطع جوابا أن لم يُعِدَّ من الحجة ما أعد الأول .
وكذلك يحسن ادخار الجهد في عالم السياسة حَالَ المناورة المشروعة في دائرة المتغيِّرَاتِ ، فدائرتها تَتَّسِعُ ما لا تَتَّسِعُ دائرة المبادئ فهي مما تَضِيقُ فلا يُنَاوِرُ فيها إلا مخذول قد أعطى الدنية وإن تأول أنه على جادة الوحي إذ يعتبر المصلحة التي اعتبرها الشرع ، فالشرع لم يطلق هذا الاجتهاد ، بل حده بمبادئ كلية وأحكام في الفروع جزئية لا يجوز لأحد أن يخالف عنها ، وإنما اجتهد النظار في بعض أفعال الرسالة أهي مما يجري مجرى الاجتهاد في السياسة والحرب أم هي من النص الذي يجب امتثاله فلا اجتهاد فيه ولا نظر للحاكم ، كما في الخبر المشهور ، فـ : "من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه" ، فذلك من مُثُلِ الرسالة التي اختلفت فيها الأنظار ، وهي محل اجتهاد يسوغ ، فثم من أجرى الخبر مجرى النص الموجِب ، فدلالته دلالة الخبر على وجه وافق مثال العقل الصريح إذ يدور الحكم وهو جواب الشرط يدور مع الوصف الجالب له وهو المعنى الذي اشتق منه الشرط ، يدور معه وجودا وعدما ، ولا يخلو من دلالة الإيجاب في حق الحاكم أن يعطي القاتل سلب من قتله فهو غنيمة خاصة لا تدخل في الغنيمة العامة التي يجمعها الحاكم ويوزعها على النحو المعروف ، وإن جاز له ، من وجه آخر ، أن يختص بعض المقاتلة بقدر زائد يكافئ ما بذلوا من الجهد فليس ذلك تخصيصا بلا مخصص أو ترجيحا بلا مرجح يحمل الحاكم أن يحيف عن مثال العدل والحكمة فيضع الشيء في غير موضعه ويعطي من لا يستحق ما لا يستحق أن كان وليا له يداهنه فيشتري ولاءه بعطية أو منصب لا يستحقه فذلك من الغش للرعية ، فـ : "مَنِ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ عِصَابَةٍ وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وخانَ رَسُولَهُ وخانَ الْمُؤْمِنِينَ" ، على كلام في إسناده ، وهو مما أثر ، أيضا ، عن عمر ، رضي الله عنه ، موقوفا بلفظ : "مَن اسْتعملَ رجلاً لِمَوَدَّة أو لِقَرابَةٍ ، لا يستعمِلُه إلاَّ لذلك ؛ فقد خانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ والمؤمِنينَ" ، فذلك من الشرط الذي عَمَّ إذ الشرط في نفسه نص في العموم كما قرر أهل الأصول ، فضلا عن عموم آخر إذ وردت النكرة "رجلا" في سياقه فَعَمَّ ذلك كل رجل ، ودلالته تزيد بقرينة التغليب ، إذ ثم من الاستعمال في حق النساء ما يجوز في أمور تصح فيها ولايتهن ، فالأصل أن تكون للرجال وما يَلِينَ منها فاستثناء لا يبلغ ولاية عامة ، كما استعمل عمر ، رضي الله عنه ، الشفاء فَوَلَّاهَا أَمْرَ السوق ، إذ النساء يَفْقَهْنَ في أمور البيع والشراء ما لا يفقه الرجال لكثرة المباشرة ، فجاز لها أن تَتَوَلَّى من أمور الحسبة مواضع لا تُمْتَهَنُ فيها بكثرة المخالطة ، فعرف الزمان إذا فسد فَعَمَّ الشر وكثر أهله ، كما هي الحال في هذه الأعصار ، هذا العرف الطارئ قد يقضي بتأويل جديد يحظر ما قد أبيح في أمر مصلحة تتفاوت فيها الأنظار إذ لا نص في المسألة ، فجاز الاجتهاد فيها اعتبارا أو إلغاء ، كما اجتهد عمر ، رضي الله عنه ، فاعتبر هذه المصلحة ولم يجد حرجا أن يولي الشفاء هذا الأمر فقد كان العرف في زمانه على الجادة ، وكان الدين معظما وسلطان الشرع مهيمنا ، وكان لعمر من الهيبة في النفوس ما يَقْمَعُ أهل الشر إن في سِلْمٍ أو في حَرْبٍ ، فجمع من الشدة بلا عنف ، واللين بلا ضعف ، والحشمة ما أخاف الناس ، وَرُزِقَ من الشفقة والود ما جعل حبه في قلوب الناس يعظم حتى خشي ابن مسعود على نفسه إذ أحب عمر حبا صار مضرب المثل ، فكان من غلظة الخطاب ما ترك آثارا في هذه النفس الشريفة فكان من الشدة في طبعه إن في جاهلية أو في إسلام ما جعله رجلا لا يعرف الوهن إلى عزمه سبيلا ، ولا يطمع الفساد في رأيه نَصِيبًا ، وذلك ما يعسر على كثير من الناس الجمع بين أطرافه ، فحض البيت المشهور على الجمع بين أطراف الرياسة ، الرأي والشجاعة ، فـ :
الرّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشّجْعانِ ******* هُوَ أوّلٌ وَهيَ المَحَلُّ الثّاني .
فَسَبَقَ الرأي ، إذ الشجاعة أمر يحمد ، وهو مما ينشأ في الجنان وتظهر آثاره في القول والعمل ، في السياسة والحرب ، ولكنها لا تصلح رائدا ، فهي عاطفة جنان صادق قد اشتعلت فيه جذوة الإخلاص لما يعتقد صاحبها صحته فهو يؤمن به إيمانا راسخا سواء أكان الإيمان صحيحا أم فاسدا ، فالشجاعة فعل حماسة وحمية لا بد له من عقل يلجمه وإلا كان إفساده أعظم من إصلاحه ، إذ لا رائد له من الرأي فهو الذي يضبط حركة القلب حبا وبغضا فلا يفرط لا في حب ولا في عداوة ، فذلك مما ينقلب على صاحبه فَتَرَاهُ يكثر التَّنَقُّلَ بين المذاهب وينتقل من طرف إلى ضده فيكون الانتقال المفاجئ إذ أفرط في الحب ، يكون إلى ضده فَيُفْرِطُ في البغض ، وهو ما يكون في الغالب ذريعة إلى عنف زائد يخرج عن حد الشرع والعقل ، وقد يعجب الناظر فيه إذ لم يفتش في أصوله ، فقد وضع صاحبه البيض كله في سلة واحدة ، فغلا في الحب والولاء ، وهو صادق العزم قد تجرد من الأهواء والحظوظ فلا يروم إلا نصرة الحق الذي يعتقده ، فذلك كالمعتقد الصادق فهو من أعسر الناس في الجدال ، إذ ينافح عما يعتقده الحقَّ المحكم وهو صادق في جداله فلا يماري مراءَ مَنْ يعلم أنه على باطل وإنما منعه أن يؤمن وَيَنْقَادَ ما حصل في نفسه من الكبر والإباء أن ينقاد لمن دونه في الرياسة والجاه ، فـ : (كَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) ، فمن جادل صادقا فجداله الأعسرُ وهو مما يحسن إذ صاحب الحق فيه يطمع أن يُهْدَى إلى الجادة المحكمة من الشرعة المنزَلة ، كما دعا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للعمرين ، فنالت ابنَ الخطاب بركةُ دعائه فكان العمر المهتدي بإذن الرب الحكيم الذي اختار ابن الخطاب دون ابن هشام وإن توجه تكليف الإيمان إلى كلا الرجلين ، ولكن محل الأول قد قبل من آثار الحق ما لم يقبل محل الثاني ، فتجرد الأول ولم يتجرد الثاني وكلاهما كان شديد الخصومة للوحي ، ولكن الأول كان يخاصمه صادقا فكان ينافح عما يعتقده حقا من إرث الآباء والأجداد فهو يحمي بيضة الدين وهو يدفع عن إلف الأولين الذي جاوز الاعتقاد المجرد فقد صار دينا يحكم فتخطى دين العقد إلى دين الشرع الحاكم فهو السيد الذي يحكم وهو العادة التي تعظمها النفوس في سائر العلائق بين أفراد الجماعة القرشية ، وبينها وبين غيرها من الجماعات السياسية ، فَأَثَرُهُ قد تخطى العقد فاتسعت دائرته فاستغرقت سائر أحكام الجماعة الإنسانية ، في السلم والحرب ، في السياسة والاقتصاد ..... إلخ ، فكان لقريش من منظومة الحكم والسياسة ما جاوز حد الديانة المجردة في الجنان ، فلم يكن التدافع بين عقد قريش الوثني ، وعقد آخر مجرد في القلب لا أثر له في القول والعمل ، في الشأن الخاص والعام ، كما آلت حال الشرق في الأعصار المتأخرة فكان من أعظم معضلاته كما يحكي بعض المفكرين ، أن انفصل الدين عن الواقع فكان خمود الفكرة وخمول الحركة وكان الركون إلى التقليد المذموم إن في أمور الفكر والديانة ، أو في أمور السياسة والصناعة وسائر المعاش النافع ، فاختل معيار الدين في النفوس بما كان من فصام نكد بين العلم والعمل ، وذلك ما خرج عن حد الإيمان النافع ، إيمان الفكرة والحركة ، إيمان الباطن عقدا جازما ، وإيمان الظاهر قولا صادقا وعملا شاهدا مصدِّقا للقول والاعتقاد ، ففشا التقليد في الفقه وهو قانون التشريع لِمَا يَجِدُّ من نوازل الحركة في الحياة ، وهي حركة دءوب لا تتوقف وقد تسارعت بعد دخول الدنيا عصر الصناعة وخروجها من عصر الزراعة فالتسارع فيه أبطأ ، فلئن جاز فيه التقليد الجامد فأثره لم يظهر ظهوره الفارق بعد اكتشاف الإنسان سر الآلة التي وفرت الجهد في الزراعة وسائر وجوه النشاط النافع ، فتسارعت حركة الحياة على وجه اطرد فَلَمْ يطق التقليد المذموم أن يواكبه ، فقد أبطل روح الشرع الفاعل في استنباط الحكم لكل طارئ من نوازل الحياة على وجه محكم لا يفارق حد العدل في النظر والاستنباط فلا يكون رد الفعل الذي يضاهي رد الفعل في الحب المفرِط فصاحبه ، كما تقدم ، ينقلب إلى ضده من البغض المفرِط فلا توسط ولا اعتدال ، ولا إصابة للفضيلة فهي وسط بين رذيلتين ، رذيلة الغلو وما يقابلها من الجفاء ، فكان غُلُوٌّ في التقليد المذموم أعطى الذريعة لخصوم الشريعة أن يقدحوا فيها إذ جمدت وخمدت حركتها ، بزعم القادح ، فلا تطيق حركة الصناعة المتسارعة التي لا يكاد الناظر فيها يَقَرُّ له قرار فَنَظَرُهُ يلاحق التطور ، وأهل التقليد القادح في روح الشريعة الفاعل قد جمدوا على منظومات في الفقه والفكر منها ما يخضع للاجتهاد فهو اجتهاد عصور انقضت بما توصل إليه العقل آنذاك من معارف الحياة ، فَثَمَّ فيها قَدْرٌ من المتغيِّرَات يقبل الاجتهاد فقد يَتَغَيَّرُ الحكم فيها لطارئ من العلم قد ظهر بعد خفاء ، وذلك ما يقتصر بداهة على الفروع التي يجوز فيها الاجتهاد وهي فروع المصالح المرسلة على وجه يصح فيه النظر سواء أكان ثم اجتهاد تقدم أم كان الأمر طارئا مستجدا من كل وجه ، فيصح في هذا الباب من النظر ما لا يخرج عن أصول الشريعة الكلية ولا يخالف عن حكم من أحكامها الجزئية ، فالوحي هو الحاكم وروحه هو الشارع ، بما اعتبر من الأصول وبما شرع من الفروع ، فأي إصلاح يرجى في فكر أو سياسة قد خالف صاحبه عن الأصول ؟! ، فاجتهد في نقضها باسم المصلحة واستنبط لها من واهي العلل ما ينقض الأصول فخالف عن البدائه ، وذلك ما يقترن في العادة بإسراف في المنطق النظري دون أثر فاعل في المنطق العملي ، فيكون الجدل العقيم الذي يَنْبِزُ به خصوم الشريعة من المجدِّدين ! ، الذي يَنْبِزُونَ به الشرع مع أنه خطابه وجيز المبنى عظيم المعنى قد جاء بجوامع من الكلم إن في الكتاب أو في الخبر ، وأتاح للعقل الناصح فضاء من الاجتهاد في النوازل فنص على فروع كثيرة فيها ينظر العقل فيستنبط ما عقل معناه من الأحكام ويقيس عليه الفروع الحادثة ، وفيها ينظر العقل نظرا آخر أعم إذ يستقرئ فروع الشريعة ويستنبط منها أصولا عامة ومقاصد كلية هي الإطار المحكم الذي يضبط حركة الاجتهاد فلا تخرج إلى فضاء واسع يغلو صاحبه في اعتبار المصالح بذريعة الاجتهاد والتجديد ! ، فيعتبر ما ألغى الشرع ويستنبط عللا للأحكام تأتي على أصولها بالإبطال فمآل اجتهاده ، عَلِمَ أو جَهِلَ ! ، مآله نقض الشريعة باسم الشريعة في مقابل ما جمد عليه المقلدة من الأحكام التي تَتَّسِعُ فِيهَا دائرة الاجتهاد فهي من المتغير الذي يسوغ فيه الخلاف فيصح فيه اعتبار العرف ما لم يفسد ويخالف عن حكم الشرع فهو ، كما تقدم ، الإطار المحكم الذي يضبط حركة العقل في هذا الباب الذي ضل فيه من ضل ، فغلا من غلا في التقليد في فروع الفقه وجفا من جفا في المقابل فَعَظَّمَ العقل وازدرى النقل بل وسعى في إبطال أصوله واستحدث من مراجع الفكر والتشريع ما استبدله بمرجع الوحي المحكم فكان مرجعه المحدَث في الأرض من قياس العقل إذ ضل فاستحسن واستقبح في مقابل الوحي فقدم المتشابه من الحكم الأرضي على المحكم من الوحي السماوي وكان الجدال بغير حق ضربا لأمثال تخالف عن القياس الصريح فما ضربها صاحبها إلا جدلا وخصومة فلم يرد بها عادل الحكومة في محال النِّزَاعِ إذ لا يكون العدل إلا بِرَدِّ الخلاف بين الخصمين إلى مرجع من خارجهما قد جاوز مداركهما المحدودة ، فهو حاكم من أعلى يهيمن بما له من سلطان العلم المحيط وسلطان القدرة في الخلق والحكمة في الشرع ، فالجدال النظري المجرد ولجاجة الخصومة وتشقيق الكلام والإسراف في الحدود والتعاريف باستعمال نظريات تضاهي التوافيق والتباديل فهي تخرج عن حد الاستقراء الصحيح الذي يستقرئ ما جاز من الاحتمال المعتبر فكان الإسراف في الاحتمال وضرب المثل بالنادر أو الْمُحَالِ وإضاعة الوقت والجهد في استنباط ما لا يقع ! واعتبار ما لا يفيد من نوادر وَمُلَحٍ في العلم لا تجاوز حد الطرافة في الفكر والإغراب طلبا للاشتهار ، ولو بباطل لا يشرع ، أو آخر لا ينفع ، فغايته أن يكون من فضول المباح في الكلام فجدال في الدقائق وإسراف في حد الحقائق بتجريدها في الأذهان بفصول واحترازات صَيَّرَتِ المحكم الواضح متشابها يفتقر إلى نظر زائد يلجئ صاحبه أن يتعاطى من فنون المنطق النظري المجرد ما يشغله عما هو أولى من المنطق العملي الذي يلائم حركة الحياة التي يزعم أولئك أنهم ما ثاروا على الشرع العتيق إلا رجاء اللحاق بِرَكْبِهَا فما كان منهم إلا منطق الفكرة المجردة وَتَرَفُ النظر في اصطلاحات محدثة ، في ألفاظ الوحي المحكمة ما يجزئ عنها ، فقد رام الإيجاز بلا إخلال ، فكان يقص من مسائل الخلاف ما ينفع مما يُبْنَى عليه العمل ، فـ : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ، فلم يَحْكِ كل خلاف فمنه ما لا ينفع ولا يفيد عملا ناجزا يتوجه التكليف به حالا على وجه لا يجوز فيه تأخير البيان فالوقت وقت حاجة إذ وجب التكليف ، فكان أن خاضوا فيما سكت عنه الوحي إذ لا تكليف يُبْنَى عليه ، بل الإسراف في النظر في المتشابه من مسائل الغيب قد أفضى بكثير أن يشك ويسفسط إذ لم يشغل المحل بالنافع من الوحي المنزَل وطرائقه الصحيحة الصريحة في الاستدلال ، فخلا المحل من النافع أن أعرض المجادِل عن محكم الشرائع ، فلم يستزد من زاد الوحي النافع في العلم والعمل ، في الفكر والنظر ، في ألفاظ الأدلة ووجوه الاستدلال ، فخلا المحل من النافع فشغله الوسواس بالباطل فكان الاشتغال بفضول المسائل الفلسفية وهو أمر ظهر في تقريرات القوم في القديم والحديث فليس إلا التَّقَعُّرُ والإغراب وليس إلا الإغماض والإلغاز في اصطلاحات تجعل العسير يسيرا ، فما كان منهم إلا ما نَبَزُوا به الوحي أنه عقيم لا ينفع فلا يصلح أن يواكب العصر وجاء البديل في تقريراتهم تشقيقات في الاصطلاح لا تسمن ولا تغني من جوع ، فلم يستفد بها الشرق تجديدا يحمد إذ لم تكن إلا أفكارا تحملها القوم عن فلاسفة المركز في إطار معادلة الهزيمة النفسانية فرعا عن أخرى في السياسة والحرب وقاس العقل المنهزم القياس الباطل كما زعم بعض المخذولين من رواد التنوير والتجديد في مصر وله عناية بالعمل في السياسة في إطارٍ وَضَعَهُ المحتل البريطاني ! ، فزعم أن العقل في المركز جدير بالتشريع فهو الذي اكتشف سر الآلة ! ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، أمر لا يحصل به التمايز بين الحضارات فهو إرث مشترك بينها لا تفاضل فيه بين العقول فلكلِّ أمة فيه إسهام ، وَكُلٌّ قد تحمل عن سلفه ما زاد فيه وطور بما توافر له من الأسباب في زمانه ، فقاس أمر التشريع وهو مناط الاختلاف بين العقول المتدافعة ، قاسه على ما تتوصل إليه من الاختراعات وذلك أمر لا ينضبط ، إذ الأمة المغلوبة اليومَ في عالم المادة قد تغلب غدا ! ، فتصير هي الحاكمة بما تهوى بعد أن كانت محكومة بما يهوى خصومها ! ، فيفضي الأمر أن تتداول الأممُ الأيامَ بحد السيف وحق القوة ، فهي معيار الحكم الناجز إذا غاب الوحي معيار العدل المطلق الذي تجرد من أهواء البشر فلا حظ له ليصارع الخصوم من أجله فقد صدر من غني لا يفتقر ، قوي لا يضعف ، عال لا يسفل فيقارف ما يقارب البشر من الأسباب الأرضية فقد تَنَزَّهَ عن الحوائج البشرية وهو ما يُبِينُ عن فحش المقال المبدَّل في دين النصارى فإن تجسد الإله في الناسوت الأرضي المحدث قد أعطى العقل ذريعة باطلة أن يقيس الخالق ، جل وعلا ، على المخلوق فلم يعد عاليا غنيا بل صار أرضيا فقيرا إلى الأسباب فهو يفتقر إلى الطعام والشراب والخلاء وهو ينام ويضعف بل ويقتل ويصلب فَهَانَ في الأنظار التي استجازت منازعته في الأحكام فلم يعد مرجعا من أعلى يجاوز إذ تَنَزَّهَ عما يقارفونه من أسباب النقص بل قلت هيبته في النفوس فهو مِثْلُهَا فقير يحتاج فما الذي يجعل حكمه يقدم فهو الذي في موارد التَّنَازُعِ يحكم ؟! ، فآل الأمر إلى صراع بين العقول البشرية التي احتكرت السلطة التشريعية في المنظومات الفكرية الجدلية المعاصرة فالغلبة المطلقة للأقوى فهو المنتصر الذي يضع القانون الذي يحفظ سلطانه ويحوط مكاسبه ! ، فلا يحصل بذلك حسم لمادة الصراع بل لا زال في ازدياد فكلٌّ يتوثب رجاء انْتِزَاعِ السلطان وَانْتِزَاعِ التشريع معه ، فلا يُسَلِّمُ خصم لخصم إذ لا يجاوز أمرهم مرجعيات أرضية تتصارع على حظوظ مادية فانية ، فلا مرجع من خارج يجاوزها ، ولا محكم يُنَزَّهُ عن الحظوظ والأهواء ، بل نقطة الاتزان لا زالت تتراوح فاحتكرها في العصر الوسيط الكهنوتُ الديني ونظيره السياسي الذي يحكم بالحق الإلهي ، ثم كانت الثورة اللادينية فانتقلت نقطة التأثير إلى الجمهور الذي غلا في مقابل غلو الكهنوت ، فذلك ، مع القدر الفارق بداهة ، ذلك من جنس ما غلا فيه المقلِّدَة في الفقه فكان غلو من رام الاجتهاد مطلقا وإن لم يكن له أهلا ، فكسر بابا محكما أغلقه المقلِّدة الذين عظمت جنايتهم في حق الوحي المحكم أن أهدروا خاصة من أعظم خصائصه ، وهي خاصة الاجتهاد المنضبط الذي يأرز إلى أصول محكمة إن في الأدلة المحفوظة أو في طرائق الاستدلال المعقولة ، فأغلقوا هذا الباب الفسيح الذي يستغرق نوازل الحياة جميعا إن بقياس على أصل منصوص ، أو اعتبارا في باب المصالح التي أرسلها الشرع على وجه محكم لا يجيز ، كما تقدم مرارا ، الخروج عن الوحي لا في مقصد جليل ولا في فرع دقيق ، فكانت هذه الجناية التي أعطت خصوم الوحي ذريعة أن يقدحوا فيه فقاسوه القياس الفاسد على الكهنوت الباطل ، فهو أيضا سبب التخلف وليس التخلف الطارئ إلا من جناية المقلِّدة الذين غلوا في هذا الباب وإن كانت حالهم أفضل كثيرا من حال الكهنة في العصر الوسيط إذ ما راموا في الجملة إلا الحفاظ على الشرعة بسد الذريعة إلى نقض أحكامها بحجة التجديد فذلك حق ولكنه لا يسوغ إغلاق الباب وإحكامه ، وإنما يكون الوحي حارسا يرقب فلا يَئِدُ الاجتهادَ والتدبر وإنما يقضي فيه باعتبار أو إلغاء فهو ، كما تقدم مرارا ، الحكم المجاوز من خارج فَبَرِئَ من التهمة ما لم يَبْرَإِ الخصوم من البشر فَلَوْ رُدُّوا إلى مراجع العقول في النظر والاستنباط فلكلٍّ عقل يستنبط ويحكم بما يهوى على وجه ينتشر فيه الخلاف ويزداد فيه الصراع الذي يزعم خصوم الوحي أنهم ما جاءوا إلا لحسمه بإخراج العقول من جدل الفقه العقيم الذي يغلو في التقدير لنوادر لا تقع وذلك ، أيضا ، من الحق الذي يُرَادُ به الباطل فليس صنيع المتأخرة من المقلِّدة إذ ركنوا إلى التجريد في الفروع والأصول واشتغلوا بفرض النادر أو المحال فضاع الجهد بين تقليد لا زيادة فيه أو تجريد لا فائدة فيه إن في الإلهيات أو في الشرعيات مع ما كان من إرجاء في العقد الباطن أخرج العمل من حقيقة الإيمان فَهَانَ في أنظار المتفلسفة والمتكلمة وصار عقدا مجردا تَتَنَازَعُهُ التأويلات الجدلية التي لا تخرج عن دائرة الدراسة النظرية فلا أَثَرَ لها في الخارج كما كانت الحال صدر الرسالة إذ كان الإيمان في القلوب حَالًّا حَارًّا فظهرت آثاره النافعة في القول والعمل وكانت حركة الفتح التي اكتشفت في نفوس القرن الفاضل من المواهب الفكرية والسياسية والعسكرية ما نقل مركز الثقل الحضاري إلى الشرق ، فَزَالَ الملكُ الكسروي وانحسر الملك القيصري وساد الملك الرسالي الذي أُسِّسَ على تقوى راسخة في القلوب جاوزت التشقيق في دقائق المعقول ، فكان الإرجاء تقريرا آخر لم يسلم من تشقيق الفلسفة إذ اجتهد في تجريد الإيمان في حد بارد متكلف قَصَرَهُ على تصديق مجرد في القلب فليس مشفوعا بالإقرار والإذعان والتسليم الذي يولد في القلب تعظيم الديانة وبه الوقود المشعِل لجذوة الإرادة في القلب ، فالدين ، كما يقرر بعض المفكرين ، هو الشرارة التي تصل دائرة الحضارة فأجزاؤها إنسان وتراب وزمان فلا بد من سلك جامع ينتظمها وشعلة تُوقَدُ فَتَصِلُ الدائرةَ لِتَظْهَرَ آثارها في القول والعمل فالدين شرارة تُشْعِلُ ودوره ، مع ذلك ، لا يقتصر أن يكون مبدأ تفاعل نافع بل هو حاكم جازم يقضي في الأمر فلا يكون حافزا من جملة حوافز ثم يضعف أثره أو يضمحل فلا يكون حكما في جادة التفاعل بل هو المبدأ وهو المنتهى فهو الغاية الرئيسة من الخلق ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فلا بد منه حافزا أول ، وهو أمر اختلفت فيه الأنظار ، فثم من نظار المركز من استنبط نظرية التحدي والاستجابة فجعلها هي شعلة الحضارة ، فالأمة المنهزمة تَتَحَدَّى الهزيمة وتعقد العزيمة أن تنهض من كبوتها ، وذلك ، من وجه ، قياس صحيح في النظر والاستدلال ، فالهزيمة بعدها سكرة لا يشعر فيها المهزوم بالألم حتى يجد آثاره فيدرك العلة وذلك مبدأ العلاج فلا بد ، كما يقول بعض المحققين ، أن يُقِرَّ ابتداء أنه مريض وأن هذا الألم سبب كاشف عن داء باطن ، فبعد الهزيمة تكون المقاومة وبعدها يكون إثبات الذات كخيار من جملة خيارات فقد نجح في إثبات وجوده ، ثم يكون التحدي أنه الأصلح فهو الخيار الوحيد للخروج من الأزمة ، فكذلك حال الإسلام كما يحكي بعض نظار المركز ممن آمن واهتدى وله في ذلك مصنف مشهور متداول عَنْوَنَ له بالإسلام بديلا ، فلئن سُلِّمَ أن الإسلام كان خيارا من جملة خيارات بعد ظهور المذاهب المعاصرة ، من شيوعية شرقية ، ورأسمالية غربية ، فكان الخيار ثنائيا إذ درست آثار الإسلام في حقبة سوداء أعقبت انهيار الجامعة الإسلامية السياسية ، جامعة الخلافة ، فَضَعُفَ أثرها وانحل عقالها بما كان من أسباب الضعف ثم كانت صحوة في مقابل تراجع الأطروحات الأخرى وإن كانت خيارا لا زال يطرح فصار الإسلام خيارا ، ولو تنزلا مع الخصم في الجدال ، صار خيارا ، ثم هو اليوم أشد خطرا على حضارة المركز بعد أن ظهر إفلاسها الروحي فصار هو البديل الوحيد لا الخيار الذي يقبل التعدد ، فنهض بعد ضعف كان التقليد المذموم ، كما تقدم مرارا ، أبرز سماته فتعطلت آلة الفكر والسياسة أن تواكب الحياة المتسارعة ، وانحسر نطاق الدين في مدونات فقه مذهبي فيها من الخير ما يعظم ، ولكنها ليست نصا يقدس فينافح مقلدوها عنها ما لا ينافحون عن الوحي المنزَّل بل ويجعلونها حاكمة عليه حال التَّنَازُعِ فكلُّ من خالف عنها من نصوص الوحي فمنسوخ أو مؤول ولو تأويلا بعيدا متكلفا تلوى فيه أعناق الألفاظ أن تخضع لقول المذهب فهو الحكم المهيمن وذلك ، لو تدبر الناظر ، من جنس ما صنع خصوم الوحي بعد ذلك ، مع القدر الفارق بداهة ، فقد اقترفوا من جناية التأويل ما اقترف المقلِّدة من الفقه بل وزادوا في الجرم وإن كان جنسه واحدا ، فاستحدثوا مرجعا في الفكر يجاوز عن مرجع الوحي ، فالوحي له خاضع ولتأويله قابل ، قَرُبَ أو بَعُدَ ، بَطَلَ أو بطن ، ولو أفضى إلى إبطال دلالة الوحي في حكم جزئي توسلا إلى جرم أعظم أن يبطل كمرجع كلي في النظر والاستدلال فَعُزِلَ عن منصب التشريع وَوُلِّيَ العقل ، كما صنع الغلاة من المقلِّدة في الفقه ، فقد عَزَلُوا الوحي وَوَلَّوا قول المذهب فجعلوه هو الحاكم فكل دليل خالف عنه فمنسوخ أو مؤول ، كما تقدم ، فجنس الجناية واحد وإن اختلفت آحادها في الخارج إذ جناية المتأخرين من خصوم الرسالة أعظم من جناية المقلِّدة فهم معظمون للوحي وإن توجه إليهم الذم أن لم ينصروه فيجعلوه الحاكم بلفظه ومعناه ، فسلبوه خاصة الاستيعاب لما يجد من نوازل على وجه يجزئ عن أي مذهب وافد في الفكر أو في السياسة فغاية ما ينتفع صاحب الحضارة الراسخة ، ولو أرضية ، غاية ما ينتفع من خصمه ما يكون من طرائق المباح من فنون المعاش في الصناعة والزراعة ..... إلخ فهو يحمل عنه هذا الإرث المشترك ويتعلم منه فلا حرج إذ الحكمة ضالة المؤمن وذلك ما فَقِهَ عمر ، رضي الله عنه ، ذلكم الرجل العظيم الذي صنعه الوحي على عينه فتحول من طاقة هدم هائلة إلى أخرى في البناء سابقة نسخت جاهليتَها الهدامة بإسلام بَنَّاءٍ فاعل عظم الأصول والشرائع فنافح عنها بما أغلق من باب الفتنة فلم تجرأ أن تطل برأسها في عصره فكان الحسم العمري في مواضع اشتهرت كما قص الأثر من خبر صبيغ بن عسل لما اشتغل بالمتشابهات التي لا ينفع النظر فيها فطلب حقائق وماهيات مغيبة من الملائكة ولم ينتفع بما قص الوحي من خبرها على وجه يطيقه العقل فهو مما يُجَوِّزُهُ فلا يحيله وإن حار في كنهه وحقيقته في الخارج فلا يدركها إذ لم تَرْكَزْ فيه خاصة الإحاطة بحقائق الغيب من الإلهيات والسمعيات فأبى ألا أن يخوض فيما نُهِيَ عنه واشتغل بالمفضول بل والمرذول من البحث في حقائق في الخارج لا يطيقها ، اشتغل بذلك عن الفاضل النافع من الإيمان بها إيمانا تظهر آثاره في العمل الفعال بما يستشعر المكلف من رقابة الملَك ، فـ : (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ، وما يستحضر من رحمة الرب ، جل وعلا ، أن خلق هذا السبب المغيَّب لينفع الإنسان في دينه وَحْيًا حَمَلَهُ ، وفي دنياه قَدَرًا يَنْفُذُ في إجراء الرياح وسوق السحاب ..... إلخ من وظائف كونية قَدَّرَهَا رب البرية ، جل وعلا ، وَقَدَّرَ أسبابها الفاعلة ، مشهودة أو مُغَيَّبَةً على وجه لا تخرج به عن المشيئة الإلهية المهيمِنة ، فاشتغل صبيغ بالمفضول عن الفاضل فَرَامَ إثارة فتنة ، عَلِمَ أو جهل ، أن خاض في المتشابه وراح يسأل من لا يفقه من عامة الناس فذلك ما يفضي بهم إلى شك يضاهي شكه ولو رام البيان الحق لسأل أهل الذكر فتأول الأمر في قول الرب جل وعلا : (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، فكان تعزير عمر الحاسم فهو رجل لا يعرف التردد ، فكان حاسما في جاهليته وفي إسلامه ، وكان فقيها يحسن القبول والرد فلم يقبل من حضارة فارس والروم إلا ما ينفع المؤمن من حكمة الإدارة والتراتيب في الدواوين أو الوزارات ، فَنَقَلَ النافع من حضارات الشرق والغرب ولم يكن كحال المنهزمة في هذا العصر إذ فُتِنُوا بالإنتاج المادي لحضارة المركز فصار الخيار أن يتحمل الشرق المنهزم كل ما يلقيه إليه الغرب المنتصر إن حقا أو باطلا فلا يحسن يميز إذ لا معيار محكم به يقيس فقد عطل الوحي وعزله بل وَنَبَزَهُ فقاسه القياس الفاسد على كهنوت الدين والسياسة في العصر الوسيط ، وعظمت الفتنة كما تقدم بتقليد جامد خامل في الفقه لم يظهر فيه من الابتكار ما كان في صنيع الأوائل إن في السياسة أو في الحرب كما تقدم من مثال خالد في اليرموك وابن تاشفين في الزلاقة وقطز في عين جالوت ، فالوحي قد استخرج من نفوس البدو الذين عاشوا أحقابا وأجيالا في جاهلية أخرجتهم عن جادة التاريخ فكانوا هملا لا أثر لهم ينفع فليسوا إلا قطاع طريق وإن ركزت فيهم فضائل نفسانية لا تحصل في النفوس الحضرية التي اعتادت قهر السلطة الحاكمة ، فلا تحتمل هذه النفوس من أعباء التغيير ما تَتَحَمَّلُهُ النفوس البدوية مع عظم انفلاتها وسرعة اندفاعها ، فكيف إن كان التغيير بوحي نازل هو عدو كل طاغوت جائر فليس الأمر صراعا بين أنظمة في السياسة أو هيئات عسكرية في الحرب ، وإنما الأمر أعظم فهو صراع بين الوحي المنزَل والوضع المحدَث وتلك أشرف موقعة يشهدها المؤمن الذي ينافح عن الرسالة التي صنعت من كم مهمل من البشر عاملا فريدا غَيَّرَ مسار التاريخ وأعاد كتابته من جديد على منهاج الوحي ، فكانت دولة العدل والفتح التي سادت العالم القديم ونقلت نقطة التأثير من وضع الطواغيت إلى حكم رب العالمين ، جل وعلا ، فأعيدت كتابة الدستور والقانون فلم يكن مَثَارَ جدال في لجان وهيئات تجتمع لتحدد للناس غاياتهم العظمى وتضع لهم طرائق تزعم أنها المثلى في الفكر والسياسة والحرب فأبطلت المرجع المجاوِز من خارجها وجعلت المرجع إلى الشعب زعمت ! ، وليس المرجع في النظم الأرضية إلا لآحاد من الطواغيت سواء أصرحوا في النظم الأوتوقراطية الديكتاتورية فهي نظام الفرد الذي يختزل الدولة في صاحب الجلالة أو فخامة الرئيس أو سمو الأمير ...... إلخ ، فكل شيء يقضى باسمه ! أم دلسوا كما هي الحال في الأنظمة الديمقراطية التي تزعم أن المرجع هو الشعب وليس المرجع إلا الشعب المخدوع المسيَّر بآلة إعلام خداعة تصنع رأيه العام وتختار نيابة عنه وإن كان الظاهر أنه هُوَ الذي يختار طَوْعًا فَثَمَّ من يمارس الوصاية عليه وإن بطريق ناعمة فلا تخلو حاله أن يكون مقهورا مجبَرا وإن لم يظهر ذلك ظهورَه في أنظمة القمع الصريحة ، فالوحي قد جاء يحرر الإنسان من هذه الأنظمة المستبدة التي تحتكر السيادة باسمه ، فتحجب عنه شمس النبوة وتمن عليه بما تلقي من فتات موائدها إذ استأثرت بالخير كله وإن تجملت فنسبت ذلك إلى الشعب الأبي الصبور الذي رضي مختارا أن يخوض معركة الوجود والمصير ضد أعداء الوطن الذي اختزل ، كما تقدم ، في شخص الملك أو الأمير أو الرئيس فالشعب كله يخوض المعركة نيابة عنه ! ، في صورة طغيان تكررت في التاريخ القديم والحديث ، والوحي وحده من صنع الجيل الذي قضى على هذه النظرية السياسية الجائرة ، فتجلت روح الوحي بحراء ، كما ينوه بعض المحققين ، وهي روح : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ، فكانت القراءة باسم الله ، جل وعلا ، وحيا يحكم الناس به لا باسم الله ، جل وعلا ، فالقراءة باسمه والحكم بشرعه ، تبارك وتعالى ، فلا يحتكر أحد الحكم باسمه نيابة عنه ! كما كانت الحال في الكهنوت فنقطة التأثير في سن القانون الحاكم كانت في طرف الكهنوت الباطل الذي احتكر الحكم باسم الله ، جل وعلا ، فأسند إليه ما يهوى الكهان ويشتهون ، ثم كان الانقلاب الهائل في العصر الحديث ، من لدن عصر النهضة وما تلاه ، فكان الانحراف الهائل في حضارة المركز إذ انتقلت نقطة التأثير فجأة إلى العقل المجرد الذي خلع كل وصاية ، باطلة أو صحيحة ، فناجز الوحي كله ، ما حُفِظَ وما بُدِّلَ ، ناجزه عداوةً مستحكمة لا تعرف أنصاف الحلول ! كالتي يعرفها بعض من داهن في الدين وإن قصد خيرا في أحيان فَرَضِيَ بأنصاف الحلول في الشرقِ أن يهادن الوحيُ الوضعَ فيشركه في الأمر ، فضلا أن يكسى الوضع بلحائه فيكون شاهد زور على حكم باطل ألبس ثياب الحق هوية مجملة لا تظهر آثارها إلا في فروع يسيرة فلا تظهر في أصل النظرية الحاكمة التي استأثر بها الشعب وإن شئت الدقة فقل : مَنْ وراءه ممن يصنع عقله وَيُزَيِّفُ وعيه فيصرفه عن الحق وَيُنَفِّرُهُ منه إذ يساويه بالكهنوت فهو ناصح أمين يروم وقاية الجماهير وإنقاذهم من الحكم الفاشي ، وإن كان حكمه أشد جورا مع عظم جهله بالاصطلاح فلا يحسن يميز النازية من الكهنوتية من الفاشية ، فالأولى تقدس العرق فتجعله فوق الجميع فعرق الآرية الأبيض هو سيد هذا العالم ومن سواه فخادم أو رقيق فلا عجب أن سعت النازية في استئصال يهود أصحاب نظرية الشعب المختار ، فغمد السيادة لا يتسع لسيفين فإما النازية وإما اليهودية المحرفة وهو دليل آخر على سيادة الطرح الفلسفي اليوناني في المحيط السياسي الأوروبي فهو أصل كل نظرية في الحكم جاءت بعد ذلك وإن اختلفت الأسماء فجوهرها الرئيس الاستيلاء على منصب السيادة المطلقة وإرجاع ذلك إلى تفوق العرق الأبيض الذي رُكِزَتْ فِيِه الحضارة دون غيره من العبيد الذين نص طرح أثينا السياسي أن يُنَزَّلُوا منزلة البهائم ! ، والثانية ، وهي الكهنوتية ، تقدس هيئة دينية تجعلها هي الحاكم المطلق فسلطانها يجاوز سلطان الأب الذي في السماء فما تعقده فلا يحله وما تحله فلا يَعْقِدُهُ ، فهي المحكمُ وهو المتشابه ، فيقضي المحكم الأرضي في المتشابه السماوي في قلب عجيب لآية الحكم على وجه يخالف عن قياس العقل الصريح فضلا عن النقل الصحيح ، والثالثة ، وهي الفاشية ، تعظم الدولة وتجعلها فوق الجميع وإن انتحلت اسم الوطن أو الشعب ، فهي معقد الولاء والبراء ثم تكون الطامة الأعظم أن صارت الدولة هي الحاكم القابع على رأس السلطة فمن عجب أن يَنْعَتَ غيره أنه فاشي ، وإن كان خصمه أقرب إلى الحق منه ، فليس فاشيا يطغى ولو بمعيار السياسة المحدَث فقد أعطى الناس من الحرية ما قد زاد عن الحد فانقلب إلى ضده إذ زالت هيبة السلطان وذلك ما يؤذن بالفساد ، ولم يكن ذلك ، أيضا ، رسم الحكم العمري الراشد ، فمع تواضعه في نفسه ومع لِينِهِ الذي حَمَلَ نَفْسَه الشديدة عليه توطئةً للأكناف لأهل التقوى والإيمان فكانت المرأة تستوقفه فتذكره باسمه صغيرا فقد صُغِّرَ "عُمَيْرًا" ، ومصارعته الفتيان في سوق عكاظ ولم يزد إلا أن أصغى واستمع فهي امرأة قد سمع الله ، جل وعلا ، شكواها ، فعمر أحق أن يسمع ، إذ قد سمع الخالق ، جل وعلا ، من فوق سبع سماوات فكيف لا يسمع المخلوق ؟! ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، ما يَعُمُّ دعوة المظلوم ففي أنظمة الجور والاستبداد لا يسمع الحاكم الظالم شكوى المظلوم التي يسمعها الخالق ، جل وعلا ، وَيَرْفَعُهَا إليه ويقسم بالعزة والجلال أن يَنْصُرَهَا ولو طال الزمان ، فتعم المظالم في دول الجور ولا سامع من الخلق وإن سمع الخالق ، تبارك وتعالى ، فقد استخف الطواغيت بسمع الخالق ، جل وعلا ، صَرَّحُوا أو كَنَّوا ، فلسان الحال : (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) ، فمع هذا التواضع العمري كانت هيبة السلطان في النفوس حاضرة فلا يستقيم الأمر إلا بذلك على وجه لا يُسَوِّغُ ما يَرَى الناظر في هذه الأعصار من مظاهر الأبهة في الملك وليست ، لو تدبر الناظر ، إلا أمارة من ذل كمن في النفوس فصاحبه يروم علاجه بما يبدي من آيات الكبر والعظمة ، فقد حفظ عمر ، رضي الله عنه ، الهيبة بالعدل فكانت الرعية تخشاه وإن أحبته واجتمعت على بيعته فكانت خلافته رحمة ، كما أثر عن بعض السلف ، حتى قال من قال إن سعادة المسلمين قد طُوِيَتْ في أكفان عمر ! ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر يجري فيه ما يجري في سائر الأحكام فالحق فيها وسط بين طرفين ، فلا يقام ملك مع ذهاب الحشمة والهيبة بذريعة التواضع فإنه إن زاد انقلب فصار ذلا ومهانة تُجَرِّئُ أهل الفساد والغواية ، ولا يقام مع ظلم وعسف يزعم صاحبه أن السلطان لا يُهَابُ جانبه إلا بذلك ، وإنما يقام بما أقامه به عمر ، رضي اله عنه ، فشدة بلا عنف ولين بلا ضعف ، فنقطة الاتزان في هذا الباب هي المنهاج العمري لينا وتواضعا قد مزجه بهيبة وحشمة تحفظ للسلطان في النفوس جلالة لا تكون ذريعة لتأله الحاكم أو الدولة ، فالحاكم قاض فيهم بالوحي لا بالرأي أو الذوق ، وهو قاسم بينهم بالعدل فلا يخص بعضا بعطية بلا مخصِّص بل يقسم بالسوية وهو ، مع ذلك ، يغزو بالسرية دفعا وفتحا ، كما قاد خالد ، رضي الله عنه ، الكتائب في العراق والشام فكان ما تقدم من فقه الشرع في خروج النساء ، وفقه الحرب في خطة مكر وخداع في استدراج الخصم ، فكل أولئك ، لو تدبر الناظر ، من مكنون النفس العربية التي استخرجها روح الوحي النازل في حراء ، كما يُنَوِّهُ بعض المفكرين ، فقد جاء هذا الوحي لينقل نقطة التأثير إلى موضع العدل ، فلم يكن كالطرائق الفكرية والسياسية المعاصرة التي غلت في رد الفعل فنقلت نقطة التأثير فجأة إلى طرف آخر غلا في حرب الدين إذ لم يجد منه إلا المبدَّل ، فلو نظروا في الدين الصحيح المحفوظ لأحسنوا الانتقال إلى مركز العدل فردوا الأمر إلى الوحي الخاتم ليقضي بينهم في الخصومات بشرع فاعل في الأرض سَلِمَ مما لم يَسْلَمْ منه الشرق في الأعصار المتأخرة من التقليد المذموم في الفقه ، والإرجاء المذموم في الإيمان ، والتصوف المذموم في السلوك ، فالدين الذي جاء يربط الدائرة الفاعلة من الإنسان العربي في الجاهلية ، والتراب والوقت فصنع منه في زمن يسير جنديا ذَا رسالة خالدة أن يحرر الناس من طغيان الديانة المحرفة والسياسة المحدثة ، فنشأت الحضارة ، كما يقول بعض المحققين ، جَنِينًا قد خرج من رحم : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ، أول ما نزل من روح الوحي في حراء فقد نُفِخَتْ في جسد هامد خامد لا عهد له بالتأثير في حركة التاريخ ، فإذا القوم يمسكون بزمام التاريخ وإذا الوحي ، كما يقول بعض المفكرين ، يثبت القبيل العربي على مسرح التاريخ بطلا أول يقود البشر برسم : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، فلم يستأثر بالبطولة أنه عربي وإنما استأثر بها أنه رسالي ، فأحدث في النفوس من روح التحدي ما يؤيد وجهة نظر تقدمت لأحد نظار الغرب أن الحضارة تتولد من نظرية التحدي والاستجابة ، فإن ثم نظرية أخرى أشار إليها بعض المحققين أن جعل الدين هو المبدأ ، ولا تعارض فالدين وحده هو الذي يثير في نفس الإنسان روح التحدي أن يغير الواقع السيئ ، سواء كان دينا صحيحا أو باطلا ، سماويا أو أرضيا ، محفوظا أو مبدلا ، فلا بد من معبود غيبي ، بحق أو بباطل ، تتوجه إليه النفوس فهو الذي يصنع حضارتها ، بل ولو كانت ممن لا يؤمن باليوم الآخر كحال من اعتنق الملك الألفي فزعم أن المخلص يَنْزِلُ في الشرق في الأرض المقدسية بسيف الاستئصال للوثنيين من العرب أعداء يهود ، ثم يدخل اليهود في دينه ويحكم ألف سنة في الدنيا فهي الفردوس ولا بعث وراءه ، فلو كان كذلك فهو لا يؤمن بحياة أخرى تعقب هذه الحياة فلا ينفك ، مع ذلك ، يؤمن بغيب وإن في هذه الحياة ، ولا ينفك يأرز إلى معنى دين ، ولو مجملا باهتا ، فوحده من يثير في النفس الحمية ويحملها أن تباشر أسباب الحضارة والسيادة ، عدلت أو ظلمت ، فأتباع الدين الحق أولى بهذه المعاني فهم باستقراء التاريخ ، ومنه سياسة عمر وحرب خالد محل الشاهد ، فهم بهذا الاستقراء التام أولى الناس أن يَقُودُوا ركب البشرية الذي ضل في هذه الأعصار الردية لما خالف عن الطريق الرسالية المحكمة وعدل عنها إلى سبل تَتْرَى من الوضع المحدث المتشابه إن في الفكر أو في الشرع أو في السياسة أو في الحرب أو في الأخلاق أو في الزهد .

والله أعلى وأعلم .