اعرض النتائج 1 من 4 إلى 4

الموضوع: من آية : (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ..)

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-11-2017
    الساعة:02:33 PM

    المشاركات
    4,704
    العمر
    39

    من آية : (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ..)

    السجود للبشر تعظيما مما نسخ في هذه الشريعة ، وإن جاز في شرائع تقدمت كما في سجود يعقوب ، عليه السلام ، وإخوة يوسف ، فـ : (خَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) ، فاختص أبويه بتكريم زائد إذ رفعهما على العرش ، فـ : (رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) ، ودلالة "أل" في "العرش" مئنة من عهد خاص فهو سرير الملك الذي تولاه ، وهو ملك الخزائن لا الملك المطلق لقرينة ما تقدم من طلبه : (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) ، فلا تخلو دلالة "أل" أن تكون من بيان الجنس ، فقد أبانت عن ماهية ما دخلت عليه دون استغراق له لا حقيقةً ولا معنًى ، فَفِي الأرض عروش أخرى كثيرة فضلا عن العرش الذي في السماء ، عرش الرب الخالق ، جل وعلا ، الذي استوى عليه استواء يليق بجلاله ، فثم اشتراك في أصل المعنى وهو ما يثبت في الذهن مطلقا من معنى العرش فدلالته دلالة العلو ، وهو ، كما تقدم ، سرير الملك ، وذلك معنى يثبت في الذهن مطلقا فلا يلزم منه إثبات اشتراك أو تشابه أو تماثل بين حقائق العروش في الخارج ، فلكلِّ عرش من الأوصاف ما يليق به وما يليق بصاحبه ، فثم ، من وجه آخر ، اختلاف في الحقيقة والماهية في الخارج ، تبعا لما تقدم من الاختلاف في القدر ، وفي وصف صاحبه ، فلكلِّ عرشٍ ملكٌ عليه قد استوى استواء يليق بذاته ، فاستواء ملوك البشر على عروشهم يخالف ، بداهة ، عن استواء الله ، جل وعلا ، على عرشه ، وإن كان ثم اشتراك في معنى العرش المطلق في الذهن ، ومعنى الاستواء والعلو ، وهو ، أيضا ، مما يحصل فيه الشركة في المعنى المطلق في الذهن دون الحقيقة في الخارج ، فذلك أصل يطرد في جميع الغيوب سواء أكانت من الجنس المخلوق كالعرش فهو أعظم المخلوقات وأعلاها فسقف الخلق هو العرش الذي استوى عليه الرب ، جل وعلا ، وعلا علوا يزيد على علو الذات العام فهو من وصف الفعل الخاص الذي يناط بالمشيئة ، فاطرد هذا الأصل في جميع الغيوب سواء أكانت من الجنس المخلوق كالعرش أم كانت من وصف الرب المعبود ، جل وعلا ، كوصف العلو الذي تقدم ، فإن الاستواء على العرش جنس عام قد أطلق في الذهن فاندرجت فيه آحاد لكل منها من الحقيقة والماهية ما يلائمه ، فاستواء الخالق ، جل وعلا ، مما قيد بالإضافة إليه فثبت له منه قدر يليق بجلاله ، وهو مما لا يدركه الذهن إذ لا يدرك الأصل هو الذات التي اتصفت به فالكلام في وصفها فرع على الكلام فيها فكما لا تعلم حقيقة الذات فكذلك حقيقة الوصف وإن أدرك الذهن المعنى المطلق في كلتا الحالين ، الذات والوصف ، واستواء المخلوق ، في المقابل ، مما قيد بالإضافة إليه فثبت له منه قدر يليق به ، وهو مما يدركه الذهن إذ يدرك الأصل هو الذات التي اتصفت به فالكلام في وصفها فرع على الكلام فيها فكما تعلم حقيقة الذات المخلوقة فكذلك حقيقة الوصف الذي يقوم بها ، فثم قدر مشترك وهو المعاني المطلقة في الذهن ، معنى العرش ومعنى الاستواء ، وثم قدر فارق ولو بين الملوك في الأرض ، فَلَئِنْ أدرك الناظر ببصره استواء الجميع فهو مما يطيقه المخلوق ، إذ استواء المخلوق مما يطيق المخلوق له دركا ، فلئن كان ذلك فلا يخلو الأمر من قدر فارق فبعض العروش أعظم من بعض ، وماهية الاستواء قد تختلف وإن كان الجنس المبصَر المدرك بالحس واحدا ومع ذلك امتنع الجزم بالتماثل والتشابه من كل وجه ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فالاستواء في حقه من وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة وهو مما لا يدرك بالحس أو القريحة وإن أدرك الناظر معناه المطلق في الذهن ، فثم تفاوت ، أي تفاوت ! ، وذلك ما يثبت بقياس الأولى إذ الاختلاف بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق يثبت من باب أولى ، فلا بد من قدر فارق بين الحقائق في الخارج ، بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، وإلا وقع الناظر في التشبيه ، كما أنه لا بد من قدر مشترك بين المعاني في الذهن وإلا وقع الناظر في التعطيل ، فمذهب أهل الحق في هذا الباب ، التوسط والاعتدال ، فهو إثبات وتنزيه معا ، وهو وسط بين التمثيل غلوا والتعطيل جفاء ، وذلك أصل في هذه الملة ، فهي ملة الأمة الوسط التي بلغت حد العدالة في الأخبار والأحكام والسياسات والشهادات ، فلا غلو ولا جفاء ، فالعدل في الخبر وسط بين التعطيل والتمثيل ، والعدل في الحكم وسط بين الإفراط والزيادة في العقوبة فذلك الظلم ، والتفريط والنقص فذلك اللين الذي لا يحمد في مواضع الشدة إذ يجب فيها من الحزم ما يزجر صاحبَ الجرم وَيَرْدَعُ غيره ، والعدل في الأخلاق وسط بين الإفراط تهورا والتفريط جبنا ، فالشجاعة وسط بينهما ، وكذا الشأن في الكرم فهو وسط بين البخل والإسراف .... إلخ ، فجنس الحكم واحد وإن اختلفت أبوابه ، فالعدل حتم لازم في الأخبار والأحكام والأخلاق والسياسات ..... إلخ ، فالمعنى يجاوز ما قد يتبادر إلى الذهن من قصر هذا الباب على المسائل العلمية الخبرية دون أن تظهر آثاره في المسائل العملية الحكمية ، السياسية والأخلاقية ، بل القانون يطرد ، فالعدل واجب في جميع أبواب الديانة والسياسة وهو عماد الملك وبه قامت السماوات والأرض ، وهو ما جعل ابن رواحة ، رضي الله عنه ، يقسط إلى يهود خيبر وقد أرادوه أن يداهنهم في الخراج ، وهم أبغض الناس إليه فما منعه ذلك أن يؤدي إليهم الحق الواجب وإن كَرِهَهُم كُرْهَ الشانئ ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، وهو ما أدى به عمر ، رضي الله عنه ، الحق إلى رجل قتل أخاه فلا يحبه حتى تحب الأرض الدم ولكنه لا يحيف ولا يظلم في الحكم فيؤدي الحق وإن كره القلب ، فالنفوس الكبيرة لا تطيق الظلم وإن أبغضت المخالف فلا يمنعها ذلك أن تؤدي الحق الواجب ، فالعدل يحفظ الدنيا أن تَزُولَ ، ويحفظ الآخرة أن تضيع ، فضلا أنه قياس العقل الصريح الذي يوجب إعطاء كل محل من الحكم ما يستحقه ، فالعدل يحفظ القياس أن يفسد ، ويحفظ الأديان التي بها النجاة في الآخرة ، ويحفظ الأبدان التي بها صلاح الدنيا بما تَسْعَى في الأرض وَتُبَاشِرُ من السبب ، فلا قوام لشيء إلا بالعدل ، فالبدن إن خرج عن حد الاعتدال فسد مزاجه بزيادة أو نقص ، والدين إن خرج عن حد الاعتدال أفضى بصاحبه إلى الغلو أو الجفاء ، فَثَمَّ من اطرد في دينه الغلو ، كما وقع من النصارى إذ غَلَوا في المسيح عليه السلام ، وَغَلَوا في رسل الكنيسة ، فذكر المؤرخون من ذلك أمورا خرجت عن حد العدل ، فكان طغيان الحكم والسياسة الذي غلب على أقوام زعموا رياسة الدين زهدا وورعا فَقَارَفُوا من الجنايات السياسية والأخلاقية ما صار مضرب مَثَلٍ في النِّفَاقِ والرياء ، إذ جلس على عرشش الديانة ! من يحض الناس على الزهد والرياضة وهو قد قارف من الجناية ما لا يقارفه آحاد الناس من أصحاب الديانات والمروءات ! ، وكان الصراع على المنصب الديني من جنس الصراع على المنصب السياسي ، فنظر المتصارعين إلى مغانم كثيرة ، فثم سلطة روحية بها يطغى صاحب العرش فوحده الذي يغفر الذنب ! ، وثم سلطة سياسية ، وإن من وراء ستار ، فكان الأمر ، من وجه ، كما اطرد في مقال في السياسة اشتهر في هذه الأعصار وإن اتشح برداء الدين فولاية الفقيه الدينية جعلته يفتي في النوازل السياسية ، وإن كان ثم رأس في السياسة فلا يستمد سلطانه إلا من رأس الديانة ، وذلك حق إن كان رأس الديانة يروم الحكم بالوحي فلا حظ له أن يطغى فينازع رأس السياسة الحكم على وجه يفضي إلى فساد عظيم في الأمر فضلا عن آخر أعظم في الفكر والتصور ، إذ يرسخ في ذهن الناظر مبدأ الفصل بين السلطات على وجه يتذرع به صاحبه أن يفصل بين الدين والسياسة ابتداء ، ثم الدين والدنيا فلكلٍّ رجالاته فَبَرَزَ في الأعصار المتأخرة اصطلاح رجل الدين في مقابل رجل الدولة ، فقيل عن فلان أنه رجل دين لا يفقه إلا مسائل الروح ، وأما الدولة فلها رجالاتها وهي بمعزل عن الدين فَلَهَا شرع يستقل ، ولها من نظر المصلحة ما يسوغ لها الخروج عن الشرائع والأخلاق والأعراف إذ انتحلت الغنيمة العاجلة مناطَ ولاء أول وربما أوحد ، فلا يعنيها إلا تحصيل المكاسب ولا تأرز في تحسين أو تقبيح إلا لهوى النفس ووجدانها مع ما اتصفت به من النقص والحاجة وما جبلت عليه من الأثرة والشح وحب المال والجاه والرياسة ، فالحرص عليها قد أذل أعناق الرجال ، فكانت القسمة الجائرة التي نَبَتَتْ في أعصار الطغيان الديني ، وهي ، في مفارقة تثير العجب ، قد كرست مبدأ الفصل بين الدين والدنيا ، وهو ما تطور لاحقا فصار مبدأ رئيسا في الدول الحديثة ، فكان الفصل بَيْنَ السلطات ، وهو ما لا يحظر إن اقتصر على جوانب الإدارة والتنظيم ، فكان ذلك من تقسيم العمل لئلا يضيع الجهد أو يتحمل واحد من الأعباء ما لا يطيق فيكون للفتوى رجالها من أهل العلم الذين تفرغوا لتحصيل الأدلة والأحكام ، ويكون للسلم رجاله فهم يديرون الشأن العام ، ويكون للمال والأعمال من يجيد فنون التجارة والزراعة وسائر الصنائع ، ويكون للأبدان من فقهاء الطب وحكمائه من به تحصل الكفاية في هذا الباب الجليل ، فالأديان أعظم ما نَزَلَ والأبدان أعظم ما خُلِقَ إذ أنيط بها التكليف فصحة الجوارح والآلات مقصد رئيس من مقاصد الشرع ، فهو المحل الثاني بعد حفظ الدين ، ويكون للحرب رجالاتها ، فَلَهُمْ من فِقْهِ القتال ما يكيدون به الخصوم ، فذلك أمر يحمد إن كان الجميع تحت سلطان الشرع فَلَمْ يكن الأمر قسمة حظوظ فكل يَتَّجِرُ في بابه ، فصار رجل الدين يتجر بالفتوى سواء أكان رأسا تضاهي رأس السياسة كما كانت الحال في الحكومة الدينية الجائرة ، أم كان خاضعا لسلطان السياسة كما آلت إليه الحال في الحكومة اللادينية الجائرة ، فكلاهما قد فارق حد العدل ، فَغُلُوُّ في الدين أفضى إلى جفاء أن زهد الناس في دين رجالاته يَتَصَارَعُونَ على المكاسب والحظوظ ويسارعون في الشهوات والنزوات التي تنزه عنها آحاد العقلاء أصحاب الحجى والمروءة ، فكان أن دَبَّ الشك في نفوس العامة التي اعتادت تقديس أصحاب الرياسات الدينية فجعلت لهم من العصمة ما ورثه الكهنة كابرا عن كابر ! ، فانقلبت الحال وتبدلت ، فصار العقلاء ، كما يقول بعض الباحثين ، ينظرون في هذه الهيئة الدينية أنها هيئة سياسية من صنع البشر فليست حكومة إلهية منزَّلة فلا تعدو أن تكون حكومة سياسية منتخبة ! ، وإن مَارَسَتْ السياسة من وراء ستار من الدين يَخْدَعُ من لم يسبر أغواره ويفقه طبائع النفوس التي تطغى إن آنست من السلطان فسحة ولم يكن لها وازع من الشرعة والمروءة ، وصار رجل السياسة يتجر بالمصالح ، فهو يزعم الحكمة والنصح لعامة الرعية وليس له غاية إلا تحصيل مآربه السياسية وما تستجلبه من مكاسب ومطاعم ، وهو ما فطن له من فطن من المحققين فجعله من آيات الفساد في الدنيا إذ تضيق الأرزاق وتضيع الحقوق إن اشتغل السلطان بالتجارة ، وصار رجل الحرب يتجر بالقتل ، فله غاية أن يطول أمد الحرب إذ بها معاشه ولو بلا غاية شريفة أن تكون الحرب دفعا أو طلبا لنشر الحق فهو شعار يرفعه رجالات الحرب والسياسة الفاسدة كما رفعته الحكومة الدينية في روما لحشد الجموع في جيوش النصرانية وليست عند التدبر والنظر إلا جيوش البابوية التي تشبع نهمة الحاكم الديني في السلطان الروحي والسياسي المطلق ، فكل غاية وضيعة تكسى لحاء يخدع فتخوض الشعوب معارك السادة ! ، بِاسْمِ الذَّبِّ عن الديانة والكرامة والأرض ، والثأر من أهل الشر والإرهاب والتطرف ! ، ويكون من الخداع والمكر في إدارة هذه الحرب ما يفضح زيف الدعوى فليست إلا سُوقًا لبضاعة رائجة في سوق السياسة إذ خرجت عن سلطان الديانة ، فلم يكن الأمر قسمة أعمال بها يوفر الجهد ويعظم النفع ، فلم يكن إلا قسمة غنيمة عاجلة ، فتذرع بعض المقتسمين بسلطان الديانة ، وتذرع آخرون بسلطان السياسة ، وتعددت الأسماء والغاية واحدة فلم يرد رجل الدين الحق وإنما أراد حظه من الرياسة وما تستجلبه من نفوذ وجاه وثروة وما يحصل بعدها من إفراط في الشهوة وسقوط في النزوة يخالف ما يعظ به الناس من الزهد والرياضة والاقتداء بالمسيح والقديسين الأوائل ، فكل أولئك ما خالف به أصحابه عن حد العدل فإنه لا يقتصر على باب دون آخر ، فَهُوَ حتم لازم في جميع الأبواب الخبرية والإنشائية والسياسية والأخلاقية ...... إلخ ، ومنه الإثبات في باب الخبريات ، كما تقدم في محل الشاهد من لفظ الْعَرْشِ ، فكانت دلالته دلالة العهد الخاص في الآية لقرينة السِّيَاقِ ، فذلك عَرْشٌ في مصر قد نُصِبَ ، وهو مناط الحكم والسلطان المقيد فلا يطلق إذ ليس ثَمَّ عرش في الأرض ينفذ سلطانه في الكون فليس ذلك إلا عرش الرب ، جل وعلا ، فلا يجوز حمل "أل" في "العرش" في هذه الآية على العموم المستغرق لأوصاف الكمال المطلق ، وهو وصف العلو الذي اشتقت منه مادة "عرش" ، فليس ذلك إلا عرش الرحمن ، جل وعلا ، إذ السياق قرينة في كل موضع ، فَفِي نحو قوله تعالى : (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) ، ينصرف العرش إلى عهد خاص وهو عرش بلقيس ، وفي نحو قوله تعالى : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، ينصرف العرش إلى عهد آخر قد استجمع وحده دون بَقِيَّةِ العروش قد استجمع أوصاف الكمال المطلق ، فـ : "أل" فيه مئنة من العهد الخاص ، من وجه ، ومئنة من الاستغراق العام لأوصاف الكمال ، من وجه آخر ، فوصف في موضع أنه عظيم ، فـ : (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) ، وفي آخر أنه كريم ، فـ : (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) ، ودلالة "أل" في "الكريم" وفي "العظيم" مئنة من العموم المستغرق لأوصاف العظمة والكرامة فذلك ما يواطئ دلالة العموم المستغرق لأوصاف العلو في "العرش" .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    غفر الله لها

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 24759

    الكنية أو اللقب : بنت الإسلام

    الجنس : أنثى

    البلد
    دار الممر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : لغة عربية

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 20

    التقويم : 697

    الوسام: ⁂ ۩ ۞
    تاريخ التسجيل12/6/2009

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:12:59 AM

    المشاركات
    21,473

    السيرة والإنجازات


    الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله ....أما بعد :

    الأستاذ الفاضل : مهاجر

    جزاكم الله خيرا ، هل لدى فضيلتكم كتبا ضمّت مقالاتكم البلاغية أو مقالاتكم ذات الصبغة السياسية المنشورة أو غير المنشورة ؟
    وإن كان يوجد ، فهل هناك تحميل لها ؟

    ونسأل الله أن يبارك في علمكم وأن يزيدكم من فضله !

    التعديل الأخير من قِبَل زهرة متفائلة ; 11-07-2017 في 12:49 AM
    "اجعل بينك وبين الله خبيئة صالحَة، لا تُخبر بها أحداً، فطُوبى لك لو اطَّلع الله على قلبك ووجد فيهِ سراً صالحاً بينهُ وبينك "
    اسأل نفسك الآن : ما العبادة التي تعملها والتي لايعلمها أحد من الناس؟
    العبادات الخفية والأعمال الصالحة السرية ، بها من كنوز الحسنات ما لا يعلمه إلا الله.
    "من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل"
    _ شيء يحبه الله فلا تفرط في ترديده " سبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم "

  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-11-2017
    الساعة:02:33 PM

    المشاركات
    4,704
    العمر
    39

    جزاكم الله خيرا على المرور والتعليق وشكر لكم ونفعكم ونفع بكم وبارك فيكم وزادكم من فضله ، أنا لست مؤلفا محترفا وإنما أكتب بعض خواطر تدور في عقلي من باب التفريج عن النفس فتلك وصاية بعض الفضلاء لي أن أَكُبَّ ما في يجول بخاطري في الورق ، في كلمات مسطورة فذلك مما يخفف عن النفس ويفرج ، ولذا يحصل فيها من الإطناب في أحيان كثيرة ما يخرج عن حد الكتابة المحترفة ذات الغايات والطرق الواضحة ، وذات المصادر والإحالات الخاصة التي تجاوز حد الإحالة العامة المجملة .... إلخ من طرائق البحث ، فيكون في هذا الإطناب انشعاب في الكلام على وجه يشتت في أحيان كثيرة ، ولم يخل الأمر ، مع ذلك ، أن يَسَّرَ الله ، جل وعلا ، لي أن أعرض هذه الكلمات عَلَى القراء الأفاضل في هذه الشبكة .

    والعرش ، من وجه ، جنس عام تندرج فيه آحاد ، فثم قسمة العدل والجور ، فعرش العدل المطلق هو عرش الرحمن ، جل وعلا ، إذ يحكم في عباده بالحق ، فلا ظلم في حكومة الشرع ولا ظلم في حكومة الجزاء يوم الحشر ، ولا ظلم في قدر التكوين وإن كان ثَمَّ شَرٌّ فهو في المقدور الكائن لا في وصف الرب الخالق ، جل وعلا ، ولا ظلم في قدر التشريع بل هو العدل المطلق الذي به يقضى في جميع أجناس العدل المحدث التي سَنَّهَا البشر في شرائع الوضع فلا تخلو من عدل وإن في مواضع إطلاق تفتقر إلى القيد المبيِّن وإن في دعاوى يطلقها الواضع وهو في دعواه كاذب فَيَزْعُمُ أنه يروم الخير للناس وما أراد إلا إضلالهم بشعار من القول براق فهو خداع يخلب لب السامع إن لم يكن له من هُدَى الوحي وسداد الرأي ما يجعله يفطن لمراد المتكلم ، وإن كان حقا يراد به باطل فثم من إطلاقات العدل في قول البشر ما صح ولكنه مما تذرع به الوضاع ليستجيز السطو على الحقوق فلا ينفك يفتقر إلى الحظوظ التي بها يطغى ، فجعل احتلاله للأمصار استعمارا فهو يروم لها الخير ويريد بأهلها اليسر أن يجعلهم أهلا للحضارة والمدنية وما أراد إلا تأهيلهم أن يكونوا خدمه وعبيده ! ، فالعقول قد تصيب العدل ، ولو مجملا ، ولو كان لها شاهدا في قسمة حظوظ فما رضيت به إلا أن حكم لها ، فـ : (إِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ) ، فلا تنفك تصيب العدل في مواضع ، فما أصابت فيه فَفِي الْوَحْيِ مثله وزيادة ، وذلك ما يجعل الناظر المحقق يعدل إلى حكومة الوحي فيجعلها عرش السلطان الحاكم فَفِيهَا العدل الناجز والآجل ، فلا ظلم لا في كون ولا في قدر ، ولا ظلم في حساب ولا جزاء ، وما اقترف الناس من مظالم فذلك ما كسبت أيديهم وإن لم يخرج عن قدر الرب الخالق ، جل وعلا ، ولو استمسكوا بالوحي المنزل فأقاموا حكمه لانتفت مادة الظلم من الأرض وما احتاج الناس إلى قاض يفصل في الخصومات فقد فصل فيها أصحاب الحقوق إذ عظموا الشرع حقيقة لا دعوى ، فكان من فقه الأحكام وسخاوة الأخلاق ما أذهب من الأرض مادة الخصام والتشاح ، وما أبطل أحكام الجور والطغيان ، فَعَمَّ الخير وَفُتِحَتِ البركات ، فـ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، فذلك عرش أعلى لا صلاح للعالم إلا ان يشفع التصديق بالامتثال فكما صدق الناظر أن العرش قد علا ، فكذلك الشرع فلا يجاوز عنه ولا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يديه وإنما يجعله الحكم المهيمن في جميع أمره ، فيعلو بالشرع ، بالخبر الذي يصدق والحكم الذي يمتثل ، فلا يجزئ التصديق أن العرش هو العالي دون أن يصدق الناظر ذلك أن يكون الشرع هو العالي فيجمع لصاحبه ، جل وعلا ، علو الذات وعلو الحكم ، فيصدق الفعلُ القولَ .
    وثم عروش في الدنيا بعضها كان حكومة عدل وإن لم يتخذ رسوم الملك المعهودة ، فهو سدة حكم نافذ لصاحبه من السلطان ما به يسوس الرعية ، فهو صاحب أمر ونهي وذلك عرش في المعنى وإن لم يكن عرشا في المبنى ، فَقَدْ كان لِلنُّبُوَّةِ عرش عظيم ، وهو ما اجتهدت خلافات الرشد التي على جادة الوحي قد سلكت ، وهو ما اجتهدت أن تقتدي به ، وذلك ما لا يقتصر على خلافة الرشد في الاصطلاح وهو ما كان من خلافة الأربعة ، رضي الله عنهم ، وإنما عم ، لو تدبر الناظر ، كل خلافة تجتهد في إنفاذ أحكام الرسالة ، فحكمها حكم ناصح قد سلم من الشبهة ، فلا حظ لصاحبه إلا أن يسوس الناس بأحكام الرسالة فهي مناط العدل يَقِينًا لا شك فيه لمكان العصمة ، فلا غَرَضَ لها في عاجل حَظٍّ فذلك ما تَنَزَّهَ عنه الوحي فهو حكومة شَرَعَهَا وَسَطَرَهَا من لا حاجة له في سبب ، فجاهه الأعظم ووصفه الأكمل فلا يعدله وصف ولا يقاربه ، فلا ند له في ذات أو وصف ، فهو الغني عن الأسباب ، الناصحُ من أسباب النقص والفساد ، الناصحُ لعباده بصادق الأخبار وعادل الأحكام ، فنصحت الذات وخلصت من وصف النقص ، ونصحت الشريعة وخلصت من وصف الجور ، فعدل الأحكام فرع عن كمال الأوصاف غنى وعلما ورحمة فما أنزل الوحي ليشق على الناس ، وإنما أراد بهم الرحمة ، وإن اقتضت الحكمة نوع مشقة فَبِهَا تهذيب النفوس وهي ، مع ذلك ، مما تطيقه العامة ، فلا تخرج بصاحبها إلى عنت أو حرج ، فذلك مما رَفَعَهُ الرب الخالق ، جل وعلا ، فَمَا شَرَعَ في الدين من الحرج ما يشق ، وإن كان النعيم الآجل مما لا يدرك إلا بمشقة عاجلة بها يمهد صاحب العقل الكامل أن يستحصد من الثمر ما به يلتذ فقد جهد في الحرث والزرع والسقاء ، فأحاط بزرعه وصانه من الآفات حتى آذن بالحصاد ثمرا نافعا يجد من لذته ما ينسيه مشقته ، فـ : "يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ: لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ" ، فما وجد آثار التعب إذ امتن ، جل وعلا ، على أهل الإيمان أن أذهب الحزن وأورث دار نعيم ناصح فهي لمن التزم الشرع الناصح ، وذلك قياس العقل الناصح ، فما نصح من لذة لا يكون إلا لمن آمن بشرعة ناصحة من الكذب فخبرها الصدق ، ومن الجور فحكمها العدل ، فسياق الخبر يجري مجرى المقابلة بين شطرين بهما استوفى الناظر أجزاء القسمة في الخارج ، فضلا عن طباق إيجاب بين ألفاظ الشطرين ، ولا يكون ذلك إلا أن يكون عرش الرسالة هو المعظَّم ، فَلَهَا عرش عظيم يهيمن ، ولها وصف عظيم يُقَدَّمُ على أوصاف العروش الأرضية المحدثة ، فعرش الرسالة عرش العلم والعدل المطلق ، فاستوى ، جل وعلا ، بأعظم أوصافه على أعظم مخلوقاته ، فـ : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، واستواء الفعل الخاص بمشيئة نافذة لا راد لها هو مما يجاوز في النظر المحكمِ حَدَّ التصديق بالخبر فذلك أول ما يجب على كل ناظر أن يجري اللفظ على ظاهره المتبادر فلا يَفْتَئِتُ على الوحي أن يقترح معنى يخالف عن ظاهره بلا قرينة تشهد إلا اقتراح العقل المجرد فيكون المعنى ابتداء على ما تواتر في لسان العرب فهو آلة الفهم والفقه ، فمنطق العربية منطق الأخبار والأحكام الشرعية وهو منطق يجاوز الصوت فلفظه آيةٌ على معنى قد اشتهر فصار أصلا في المعجم الأول مرجع الناظر بما استجمع من مادة اللسان فاختزنها في فؤاده وراح يحكيها بِلِسَانِهِ ، فاللسان يترجم عن الجنان ، وهو ترجمان أمين إلا إن كان في النفس نفاق تُخْفِي به ما لا تُظْهِرُ ، فلا يكون لفظ الناطق دالا على معنى حاصل ، وإنما يحكي معنى زائفا لا حقيقة له ، فهو وإن كان كلاما به يناط عقد إيمان ينفع في أحكام الدنيا إلا أنه ليس كلاما ينفع في أحكام الآخرة ، فليس كلاما يعتد به في دار الحساب والجزاء ، إذ لم يواطئ المنطوقُ المعقولَ ، بل المعقول عنه قد خالف ، فهو ينقضه نقضا ، فاستبطن صاحبه من عقد الكفران ما ينقض دعوى الإيمان التي نطق بها اللسان زورا ، فالإيمان قول وعمل في الخارج يشهد لما قام بالجنان من معنى التصديق والإرادة ، فاستجمع المؤمن حد الكلام المفيد ولم يخالف عن مقتضى اللسان الفصيح ، فكان كلامه لفظا مفيدا على وجه جاوز فائدة الإفهام في الدنيا ، فهو يفيد صاحبه في الدنيا سعادة واطمئنانا بالذكر ، وفي الآخرة نجاة وَفَوْزًا بدار الخلد ، فكانت سعادته بالذكر ، وهو ما يعم فعل العبد إذ يذكر ربه ، جل وعلا ، بما شرع له من أذكار اللسان ، ولو تدبر لوجد المعنى يَتَّسِعُ فهو يستغرق ذكر الجنان إذ يصدق ، وذكر الأركان إذ تصدق بالأفعال والتروك ، وهو ، من وجه آخر ، يستغرق خاصة الشأن وَعَامَّةَ الأمر مِمَّا عمت به الْبَلْوَى فِي الفتاوى الشرعية والحكومات السياسية ، فَلَا يكون حكم سياسة أو حرب إلا وذكر الوحي رائده وباعثه فضلا أن يكون حاكمه وشارعه فهو الذي يرشد إلى الجادة بمقاصده الكلية وهو الذي يُبِينُ عن أحكامه بأخباره الجزئية ، فلا يكون الوحي سلطانا بلا ولاية فيكون ظاهره التعظيم وحقيقته التعطيل فذلك مثله كمثل من يتلو آي الأخبار ومنها آي العرش محل الشاهد ، فمثله كمثل من يَتْلُوهَا بلسانه ولا يفقهها بجنانه ، فلا يدرك منها معنى صحيحا نافعا يصح انتحاله فتلاوته لا تجاوز تلاوة الأماني وذلك ما قد عمت به البلوى في نصوص الأخبار والأحكام جميعا ، فصار الوحي يُتْلَى لفظا بلا فقه ، فالمعنى معطل في باب الأخبار وباب الأحكام ، فلم يعد كلام الوحي كلاما ينفع كما حده صاحب "الخلاصة" رحمه الله مطلع نظمه المشهور فكلامه لفظ مفيد كاستقم ، فاقتصر أولئك المعطلة في الأخبار والأحكام أن جعلوا كلامهم لفظا لا يفيد ، فهو لفظ مجرد من معناه قد أفرغ من فحواه فصار صوتا مجردا من الدلالة ! ، فَيُتْلَى بلا فقه وَيُحْفَظُ بلا فهم ، فتلاوته باللسان قد صارت هي الغاية فكان الفساد في حَدِّ التلاوة ، إذ تحكم الناظر فَقَصَرَهَا على فَرْدٍ من أفرادها وهو تلاوة اللسان دون أن تُشْفَعَ بتلاوة الجنان تدبرا والأركان تمثلا يستغرق الخاص والعام ، كما تقدم ، وذلك أمر لم يسلم منه أحد إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، فلا يكاد تال لآي الوحي إلا وهو يخالف عن بعض أمره ونهيه سواء أدرك ذلك أم لم يدركه وسواء أقر بعصيانه أم كابر بطغيانه ، فَقَلَّ من استوفى حد التلاوة فَوَاطَأَ ظاهرُه باطنَه ، وصدَّقَ عملُه قولَه فاستوفى حد الإيمان النافع إذ استجمع مادة الذكر النازل فكان ذكر الجنان والأركان شاهد الصدق لما يجري به اللسان من ألفاظ الذكر المنزَّل ، فكانت البلوى العامة أن عُطِّلَتِ الأخبار فَأُفْرِغَتْ من معانيها ، وعطلت الأحكام فصار سلطان السياسة والحرب لغيرها فعروش السياسة ورياسات الحرب قد نازعت عرش الرحمن ، جل وعلا ، منصب السيادة المطلقة فَرَامَتِ العلو في الأرض بغير الحق ، وانتحلت من ذلك ما علت به عرش الوحي ، فصار ثَمَّ في العقل عرش أعلى هو الحاكم ، وما سواه فمحكوم وإن كان كلامَ المشرِّع المعبود بحق الذي ما أَنْزَلَ الكتاب من أعلى إلا ليطاع الطاعة المطلقة ، فلا يُنَازَعُ فحوى الأخبار بما تقترح العقول من التأويلات في الإلهيات والسمعيات ، ولا يُنَازَعُ فحوى الأحكام بما تقترح العقول من التأويلات في الشرعيات ، فضلا أن يجهر المخالف فيعطل صراحة بل ويجاهر بالعداوة فهو حرب على الوحي وأتباعه ساع في إبطاله واستئصالهم لا يسره إلا انخفاض أمره وأمرهم ، ولا يحزنه إلا ارتفاعه وارتفاعهم ، ولا حركة له باختيار إلا أن يوقع بهم نكاية فيحرض عليهم في السر والعلن ، فلا تنفعه تلاوة الشهادة إذ قد أتى على أصلها بالناقض المبين وإن سلك في ذلك ما سلك من سبل التأويل التي حاد بها عن جادة الحق المنزَّل ، فتأويله باطل باطن لا يرفع حكما ولا وعيدا ، إذ قد بلغت جنايته نَقْضَ ما تواتر من الوحي وَتَتَابَعَ من نصوص جعلت الولاية مناط الإيمان ، فـ : (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) ، وجعلت ضدها مناط الكفران ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ، وذلك ما فصل فيه أهل الشأن القول ، فولاية الظالمين تَتَفَاوَتُ ومنها ما يقدح في أصل الدين الجامع ومنها ما يقدح في كمال الدين الواجب ، ولا يدخل فيها ما كان من محبة الطبع كمحبة الزوج زوجه إن كانت كتابية ، وإن وجب الاحتراز ألا يسترسل الإنسان فينقلب حب الطبع والجبلة حبَّ شرع وملة .
    فكل أولئك ، وهو محل شاهد تقدم ، يدخل في حد العرش الأعلى ، فليس الإيمان به ينفع لفظا مجردا من الدلالة يُتْلَى تلاوة الأماني ، كحال أهل التفويض والتوقف في الإلهيات ، فلا يثبتون ولا ينفون ! ، على تفصيل في ذلك يدق ، فقد صار هذا القول الحائر ذريعة لأهل التأويل الباطل أن يسلكوا بالألفاظ كل مسلك ولسان الحال ، كما يقول بعض المحققين ، أن طريقهم أعلم وأحكم من طريق رامت السلامة زعمت ! ، ولا سلامة إلا بالإيمان والإثبات لما أثبته الوحي ، آيا وأخبارا ، على ما تواتر في اللسان واشتهر ، وما تعاضد من لفظ وسياق ، فحصل بهما من الظاهر المركب ما ينفع في حصول الإيمان الصحيح المحقَّق ، فلا سلامة إلا بسلوك الجادة الرسالية في الإثبات والنفي الخبري ، والأمر والنَّهْيِ الشرعي على وجه يَجْرِي على الظاهر الْمُتَبَادَرِ دون عدول عنه إلا لِدَلِيلٍ مُعْتَبَرٍ ، وليس الإيمان بالعرش يَنْفَعُ مع تعطيل المعنى سواء أجحده المعطل صراحة فخالف عن قياس المنطق إذ أفرغ النطق من المعنى فأخرجه عن حد الكلام المفيد إذ جعله دليلا بلا مدلول فهو لفظ بلا معنى يَتَضَمَّنُهُ ، فليس الإيمان بالعرش ينفع مع تعطيل معناه سواء أجحده المعطل صراحة أم تحايل بالتأويل الذي يضطرب بأصحابه فليسوا على جادة واحدة وإن استغرقهم جنس التأويل الأعلى ، فلكلٍّ من آحاده ما يستحسن على وجه يضطرب به الاستدلال فلا يحسم هذا النزاع إلا حكم من خارج قد علا عرشه العروش الأرضية ، فحكمه فيها نافذ ، فكما علا العرش الكون فهو سقف الخلق ، فالشرع المنزَّل قد علا كل شرع محدث فهو سقف العلوم إذ يحيط بكل معلوم ، خلافا للعقول فما تعلم دون ما تجهل ، بل الجهل فيها أصل حتى تكتسب العلوم بما تُحَصِّلُ من أسبابها أو يحصل لها وهبا بلا اكتساب وذلك ما اقتصر على طائفة الأنبياء عليهم السلام فلا يحصل لغيرهم من علوم الوهب ما يجيز الخروج عن سلطان الوحي ، كما زعم من زعم من غلاة السالكين ، فضلا عمن جعل النبوة كسبا لا وهبا فَصَارَ كُلٌّ أهلا أن يكتسبها إذا اجتهد في تحصيل أسبابها وشرائطها ، رياضة نفس وتأمل فكر ، فالجهل في العقول أصل فلا تستقل باليقين إلا في علوم ضرورية هي مبادئ في الاستدلال النظري ، وليس ذلك ما ينفع في درك الغيوب والقطع بوجوه المصلحة ، إذ لا تدرك العقول منها إلا الحال الطارئ ، فضلا عما يَكْتَنِفُ حكمها من الفقر والحاجة والهوى الذي يُزَيِّنُ لصاحبه ما يرى ويجد ، فيجتهد في النظر طلبا لدليل أو شبهة دليل فيتعسف في تأويل الأخبار أن تشهد لما رجح ، وإن لم تكن له بمرجح ، ويجتهد في تأويل ما يخالف عنه وإن كان نصا لا يحتمل ، فإما أن يكذبه أو يضعفه بلا دليل إلا مخالفة هواه ، فهو العرش الأعلى الذي يحكم ! ، فيرد ما يخالف عن حكمه ، وإما أن يتأوله ليحمله ولو قهرا على ما قاس بعقله أو ذاق بوجده ، وهو أمر لم يسلم منه أحد خالف عن جادة الوحي سواء أكان خلافه في جادة علم في إثبات أو نفي ، أو جادة عمل في أمر أو نهي .

    فلا بد من إثبات المعنى ابتداء ، وهو الأساس الراسخ الذي عليه يقوم بُنْيَانُ الإيمان في النفس ، فيكون الذكر العام الذي جاوز ذكر اللسان ، كما تقدم ، فالإضافة في قوله تعالى : (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) ، إما أن تنصرف إلى فعل العبد فهو الذاكر ، والله ، جل وعلا ، هو المذكور بما شرع من العلوم والأعمال ، من الأدعية والأقضية ، فمعنى الذكر ، كما تقدم ، عام يستغرق كل اختيار إن في العقد أو في الشرع أو في السياسة أو في الحرب أو في الأخلاق أو في الزهد .... إلخ ، فتكون الإضافة ، من هذا الوجه ، من إضافة المخلوق إلى الخالق ، فالذكر هو فعل العبد الباطن والظاهر ، عقدا وقولا وعملا ، وفعل العبد مخلوق فأضيف إلى خالقه وهو الله البارئ ، جل وعلا ، ولا يذكر العبد ربه ، جل وعلا ، إلا بما شرع على ألسنة الرسل ، فلا يجزئ الإخلاص في الذكر أن يوحد الذاكر الإله الحق في القصد والطلب ثم يعدل عن جادة ما شرع فيقترح بهواه أو ذوقه ذكرا آخر يخالف عن ذكره الذي شرعه على ألسنة رسله ، عليهم السلام ، فلا نجاة إلا بتوحيد المذكور ، جل وعلا ، وتوحيد المذكِّر به بما تحمل من أخبار الرسالة وأحكامها فهي مادة الذكر الذي أنزله الرب ، جل وعلا ، فتكون الإضافة ، من هذا الوجه ، إضافة وصف إلى موصوف فمادة الذكر هي كلام الرب ، جل وعلا ، خبرا وإنشاءا ، فهي عرش العقل إذ ينظر فلا يجاوز بنظره عرش الرسالة الأعلى ، وهي عرش النفس فلا تجاوز بوجدانها عرش الأمر والنهي ، فهو حاكم مهيمن لا ناقض له من قياس أو ذوق ، فعرش العدل في الأرض لا تثبت أركانه إلا أن يقتدي صاحبه بعرش السماء ، فيجتهد في تحرير المعاني الصحيحة ، ولا يقتصر على الألفاظ ، كما تقدم ، ويجتهد في تَأْوِيلِهَا التأويل الصحيح ، فتأويل الخبر تصديقه ، وتأويل الحكم امتثاله .

    فرفع يوسف ، عليه السلام ، أبويه على العرش الذي استوى عليه إذ صار له من الحكم ما يُصْلِحُ الأرض ، فـ : (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) ، وفعل الجعل مئنة من التصيير ، فصيرني وليا على خزائن الأرض فلا يخلو السياق من إيجاز حذف للمفعول الثاني على تقديره بمادة الولاية ، وذلك طلب استند إلى حجة صحيحة على وجه واطئ الطريق العقلية الصريحة أن يناط الحكم بالعلة ، فصدر بالطلب الذي عم بدلالة الإضافة في "خزائن الأرض" ولا يخلو من دلالة العهد الخاص ، فالأرض هي مصر لا الأرض جميعا فسياق القصة بذلك يشهد ، وذلك وجه تأويل صحيح إذ استند إلى قرينة معتبرة ، فَخُصَّ المعنى العام الذي دل عليه لفظ الأرض الْمُحَلَّى بـ : "أل" ، خص بدلالة السياق أَنْ قُصِرَ على أرض بعينها وهي أرض مصر ، فذلك يجري مجرى المجاز عند من يجوزه في الشرع واللسان إذ أطلق العام وأراد خاصا فذلك من المجاز المرسل كما قد حده أهل البيان ، ومن ينكر المجاز في الوحي فهو يطرد القول أَنَّ الحقيقة ليست دلالة المعجم المفردة ، بل الحقيقة لفظ في سياق مفهم لا لفظ من القرائن قد جُرِّدَ ، وقرينة السياق في هذا الموضع قد رشحت هذا التخصيص دون حاجة أن يتكلف الناظر علائق المجاز وقرائنه ، ولا تخلو دلالة "على" من دلالة استعلاء وتمكن ، فلم يطلب ولاية بلا أمر ونهي ، بل طلب ولاية حكم نافذ ليحسم مادة الفساد الذي عَمَّت بِهِ البلوى ، فَرَأَى في بيت العزيز من وجوه التقصير في الإدارة فضلا عن فساد الأخلاق والدياثة ، رأى ما جعله أحق بالولاية المالية ، إذ استجمع الشرائط الأخلاقية والسياسية ، فثم استئناف بالناسخ المؤكِّد ، فـ : (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) ، ولا يخلو أن يكون مئنة من تعليل لما تقدم من طلب الولاية المالية ، فهو يجري مجرى الجواب عن سؤال دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة طلبه الولاية ؟ ، فأجاب : لأني حفيظ عليم ، وقد اختار مادة الحفظ فهي مئنة من الكفاية الأخلاقية ، والعلم فهو مئنة من الكفاية الإدارية والسياسية ، كما في قول بنت شعيب : (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) ، فالقوة قوة السياسة والإدارة ، والأمانة أمانة الأخلاق ، فلا تجزئ أخلاق بلا حنكة ودراية فصاحبها وإن رام الخير فإنه يضر ولا ينفع إذ لا طاقة له أن يجهد ويعمل على نحو يستوجب دراية بالحال ، فلا يقتصر على مثل عليا مجملة دون أن يَضَعَ خططا على الأرض مفصلة ، فلا تجزئ أخلاق مجردة في إنشاء بناء محكم بل لا بد من عقول تحسن النظر في الجمل الكلية ، الأخلاقية والسياسية ، وأخرى تحسن النظر في الفروع والتفاصيل فلها من الإتقان والدربة ما يجعلها أهلا لتولي الأمر ، فلا بد من حفظ وأمانة وعلم ودراية وإلا حصل من الشر ما يعظم وإن أراد صاحبه الخير فما كل مريد للخير ببالغه وذلك أمر شهد به التاريخ والحاضر فهو مما اطرد من سنن الرب الخالق ، جل وعلا ، ولن تجد لسنته تحويلا ، وقد حُدَّ اسما الحفيظ والعليم حَدَّ المبالغة إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده في موضع تحسن فيه تزكية النفس لا عجبا وغرورا وإنما بَيَانًا للحال بلا كذب ولا رياء .


    والله أعلى وأعلم .


  4. #4
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-11-2017
    الساعة:02:33 PM

    المشاركات
    4,704
    العمر
    39

    فكان استواء يوسف ، عليه السلام ، على عَرْشِ مصر ، تأويلا صحيحا لرؤيا تقدمت ، فكان ظهوره وحصول الملك تأويل سجود الكواكب والشمس والقمر فما كان ذلك إلا بَعْدَ أن أظهره الله ، جل وعلا ، فكان التمكين الذي أُسْنِدَ في آي التَّنْزِيلِ إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، فـ : (كَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، فذلك من فعل الجلال ولا يخلو من عظم المنة الرَّبَّانِيَّةِ ، وزيادة المبنى فِيهِ مِمَّا زَادَ المعنى أن تَعَدَّى إلى المفعول الممكَّن ، فَثَمَّ الرب الممكِّن ، جل وعلا ، وَثَمَّ العبد الممكَّن ، وَتَمْكِينُهُ قَدْ يَكُونُ نعمة وقد يكون استدراجا يُفْضِي إلى الهلكة والعذاب ، فكان تمكين النعمة بالقدرة والحكمة أن صار يوسف ، عليه السلام ، إلى بَيْتِ الْعَزِيزِ فهو يحوطه ، وكان من فقه التأويل للرؤى ما أنجاه به الرب ، جل وعلا ، فـ : (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) ، فذلك تأويل أَوَّلُ يُفَسِّرُ الرؤيا ، وشاهده في الخارج ما يُصَدِّقُهُ من وقوع ما أخبر به المعبِّر إذا صح تعبيره فذلك مثال مضروب في النَّوْمِ لآخر فِي الْيَقَظَةِ مع تفاوت في القدر فالمثال عنوان العام إذ به تحصل الحقيقة والماهية في الخارج وإن في فرد واحد فمعنى الجنس العام يحصل في الفرد الخاص وكذلك الرؤى فإن المثال فيها قد يلطف ويكون تأويله في الخارج أعظم ، كرؤيا البقرات السمان يأكلهن العجاف فصورة ذلك في الخارج سبع عجاف يأكلن ما قُدَّمَ لهن ، فالحقيقة في الخارج أعظم إذ عمت السنة ، خلاف ما كان في الرؤيا من أكل بضع عجاف لِأُخَرَ سمان فهو مثال خاص بعينه .
    وكان من تمكين الرب الحميد المجيد ، جل وعلا ، لعبده يوسف الصديق أن قَدَّرَ له العيش في بُيُوتِ ذات هيبة فكان له من الحياطة والرعاية وإكرام المثوى ما أمر به العزيز امرأته ، فـ : (قَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) ، فَجَاءَ الأمر إيجابا بالنظر في معنى القوامة وإن ناقصة فَقَدْ ظَهَرَ من نَقْصِ دِينِهِ وَمُرُوءَتِهِ ما يخالف عن مروءة الرَّجُلِ الكامل ، وذلك ما عمت به البلوى أن خمدت جذوة الإيمان في القلب فحرارته تحفظ الأخلاق أن تَنْحَلَّ ، وتحفظ في النفس من الفحولة والحشمة ما به تكون الهيبة وهي محل استحسان في جميع الأديان والمذاهب إلا مذاهب جعلت ذيوع الأبضاع فضيلة فراحت تَتَأَوَّلُ لذلك ما نَقَضَ أصول الفطرة والشرعة وسائر ما تُعَظِّمُ النفوس من الأخلاق والطبائع ، فهي تَأْنَفُ أن تُهْتَكَ حرمتها وهي تَغَارُ الغيرة المحمودة التي بِهَا امتاز الإنسان المكلَّف ذو العقل المسدَّد ، فضلا أنه من الاقتداء الجائز وبه يكون التأول الصحيح لوصف الرب ، جل وعلا ، إذ يغار على الوجه الذي يليق بجلاله ، فَتَأَوُّلُ الوصف يكون بامتثال معناه إن كان مما يحمد في حق البشر وبه حصل الفرقان في باب الصفات بَيْنَ ما يجب إثباته له ، جل وعلا ، من الوصف وما يجوز فيه الاقتداء بل ويحسن بل ويجب ، فالرب ، جل وعلا ، قد وصف نفسه في أخبار الرسالة أنه رحيم كريم عفو جميل رفيق يحب الرفق فهو ما يَزِينُ القول والعمل ، فـ : "إنَّ الرِّفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شَانَهُ" ، وأخبر عن نفسه أنه يغار ، فـ : "إن الله تعالى يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه" ، فحصل اشتراك في الألفاظ وأصول المعاني المطلقة في الذهن دون الحقائق والماهيات في الخارج ، ومنها وصف الغيرة ، محل الشاهد ، فهو من الوصف الذي يحمد إلا إن جاوز الحد فصار شكا وذلك ، بداهة ، من نقص العلم فلا يشك إلا الجاهل ، فيظن السوء والشر ، وذلك مما تَنَزَّهَ عنه الرب ، جل وعلا ، إذ أحاط بكل شيء علما ، فخبره يقين جازم لا شك فيه ، وحكمه عدل مطلق إن في الكون أو في الشرع ، فكان الابتلاء بما يشهد الناظر من ظهور الباطل في مواضع ، وعظم مكره حتى استأيس من استأيس وظن أن أولئك هم من يدبر الكون ! بما يُبَاشِرُونَ من أسباب المكر ، وما خرج أولئك عن علمه ، جل وعلا ، فَثَمَّ من دخل في حكم الوحي كافة ، في السلم والحرب ، في السياسة والحكم ، في الأخلاق والزهد ، فكانت حاله أكمل حال إذ اقتفى آثار الوحي ، فقد جاء بما يكفي ويشفي ويحسم مادة الشك باليقين الجازم ، فشك من شك في أعظم العلوم الضرورية ، العلم برب البرية ، جل وعلا ، ذاتا واسما ووصفا وفعلا وحكما ، فجاء الوحي ينكر ويبطل ويأمر بالتدبر والنظر في خلق السماوات والأرض ، فالوحي قد دل على الحق إما إصابة عين ، أو دلالة على طريق في الاستنباط والنظر تأرز إلى أصول في اللسان والاستدلال المحكم ، فهو سبيل هدى في كل موضع ، إن بالنص أو بالقياس ، فالوحي نور سطع في سماء الجنان فبدد ظلمة الجهل ووحشته ، فهو روح شريف بَثَّهُ الرب ، جل وعلا ، في روع نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فأنزل عليه الوحي بواسطة الروح الأمين يقظة ، سواء أكان التنزيل المتواتر أم خبر الآحاد فمنه ما عالج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منه الجهد والشدة ، كما في خبر يعلى بن أمية ، رضي الله عنه ، وفيه : "فَإِذَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحْمَرُّ الْوَجْهِ يَغِطُّ سَاعَةً ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ : أَيْنَ الَّذِي سَأَلَنِي عَنْ الْعُمْرَةِ آنِفًا" ، وثم قدر آخر من الوحي الذي لم يتواتر بَثَّهُ روح القدس ، عليه السلام ، في روعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما في الخبر : "إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي أَنّه لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ وَلاَ يَحْمِلَنّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَن تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِطَاعَتِهِ" ، وثم ما اجتهد فيه صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَأَقَرَّهُ الوحي أو استدرك عليه ، فالوحي حكم من خارج يرقب صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويرقب أمته زمنَ الرسالة فلا يُقِرُّهَا على خلاف الأولى فكيف بالباطل فلا تُقَرُّ عليه من باب أولى ، وبعد الرسالة كان المرجع المجاوز من خارج من الشرعة المحفوظة ، فَثَمَّ من انقاد اختيارا ، فَتَحَرَّى الوحي ما استطاع فلم يعطل لا في الأخبار ولا في الأحكام ، وإن فاته الامتثال في مواضع فعصيانا لا جحودا وكفرانا ، وإن تأول فَعَارِضًا لا يطرد فَيَزِلُّ في موضع والأصل فيه أن يصيب فَلَهُ من سابقة الفضل ما يجبر الكسر والزَّلَلَ ، فَيُوَافِقُ في أغلب أحواله الإرادة الكونية والشرعية معا ، وثم من خالف إرادة الشرع فلم يخرج عن إرادة الكون ، فالجميع في علم الرب ، جل وعلا ، داخل ، فغيرته غيرة العالم لا الجاهل الذي يشك ، فهو ، جل وعلا ، يغار أن تنتهك المحارم وأعظمها التوحيد فهو أعظم الغايات وما سواه فليس إلا وسائل ، فالسياسة والحرب في نفسها ليست غايات ، وإنما بها يرسخ حكم التوحيد في الأرض ، وذلك أعظم ما يغار عليه الرب ، جل وعلا ، ويغار عليه المؤمن فهو الوصف المحمود الذس لا نقص فيه فيثبت لله ، جل وعلا ، وقد يقال ، من وجه آخر ، بقيد في العقل ، فإن الغيرة قد تخرج في أحيان عن حد الاعتدال فَتَنْقَلِبُ سوء ظن ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم ، إلا من نقص العلم ، فوجب التقييد لتخليص الوصف من شائبة نقص قد تَعْرِضُ ، ولو فرضا في العقل ، فتلك شبهة تلطف بها تأول من تأول إذ لم يدرك من معنى الغيرة إلا الصورة المخلوقة في الخارج ، فَقَاسَ على من زادت غيرته فعظمت بليته ! ، قاس عَلَيْهِ غيرة الله ، جل وعلا ، على محارمه أن تنتهك ! ، ولو قاس على ماهية من الغيرة في الخارج ، ولو كانت على حد الاعتدال ، لو قاس ذلك ما صح القياس إذ يطرد القول في هذا الباب فلا يقاس الخالق ، جل وعلا ، على المخلوق في حقيقة أو كيف في الخارج ، فقياس التمثيل أو الشمول مما انْتَفَى في حق الرب المعبود ، جل وعلا ، فلا يكون ذلك لا في وصف كمال مطلق كالعلم ، فلئن حصل الاشتراك وجاز القياس في اللسان بالنظر في أصول المعاني في المعجم ، فلا يكون قياس آخر يضاهيه في الحقائق والماهيات في الخارج ، فلا يكون ذلك لا في وصف كمال مطلق ولا في وصف كمال مقيد كما هي الحال في الغيرة فإنها في حق المخلوق قد تزيد على الحد فتنقلب إلى ضد يذم ، فالغلو والجفاء ضدان يُذَمَّانِ وَبَيْنَهُمَا العدل الواجب إن في الخبر أو في الحكم ، فوجب الاحتراز في وصف يحتمل كالغيرة فمناط الباب الرئيس هو خبر الوحي الذي يثبت أو يَنْفِي ، ثم يكون العدل في النظر والتدبر فلا يخلو الباب من اجتهاد في تحصيل المعاني النافعة وإن كان الباب ابتداء باب توقيف فلا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الرسالة ، فيجتهد العقل أن يحرر المعاني الصحيحة النافعة ، ويبطل كل ما يشتبه من معاني نقص قد يتوهمها الناظر إذا زاد عن الحد المشروع فَقَاسَ القياس المذموم على الجنس المخلوق وذلك ما يحمله على ضده من التعطيل فِرَارًا من نَتِيجَةٍ فاسدة في الذهن قد وَطَّأَتْهَا مقدمات فاسدة ، فالمقدمات الفاسدة لا تُفْضِي إلى نَتَائِجَ صحيحة إذ لو صحت المعطَيات لصحت المخرَجات ، فذلك قانون يطرد في سائر العلوم إن في الشرع أو في الكون ، فلما قدم الناظر بمقدمة فاسدة أن قاس وصف الخالق ، جل وعلا ، على وصف المخلوق ، كانت النتيجة الفاسدة أن عَطَّلَ الوصف الثابت في الخبر أو تأوله بحرفه عن مسار الإثبات الصحيح فأثبت بعض المعنى وأنكر بعضا ، على وجه يظهر فيه الاختلاف والاضطراب ، إذ فرق بين متماثلين ، فَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا في موضعين فأثبت واحدا ونفى آخر أو تأوله ما سلم من الاعتراض أنه يفرق بين متماثلين فكيف إن كان ذلك في الموضع الواحد فهو يتحكم إذ يَتَأَوَّلُ الوصف بلازم صحيح من لوازمه ، وذلك حق فأثبت بَعْضًا وهو اللازم ، ولكنه وقع في فساد آخر في الاستدلال أن تذرع بإثبات اللازم وهو الفرع ، تذرع به إلى إبطال الملزوم وهو الأصل ، فأثبت اللازم ونفى الملزوم ! ، أو تأول الملزوم بلازمه فذلك قد يصح في حد الحقيقة تقريبا إلى الأذهان لا في حدها الحد المطابق فيكون الملزوم هو عين اللازم ، فذلك ما لا يصح في الاستدلال فإن اللازم ليس عين الملزوم وإنما هو من توابعه ولواحقه ، فإثباته صحيح ، ولكن الاقتصار عليه نقص في الاستدلال فضلا أنه خلاف للبدائه إذ كيف يُثْبِتُ الناظر اللازم وهو قد نَفَى الملزوم ، أصل الاستدلال ! أو جعل إثبات الفرع ذريعة إلى نقض الأصل بصرفه عن معناه الظاهر المتبادر إلى آخر لا يتبادر بلا قرينة صحيحة معتبرة ولا تكون في هذا الباب إلا قرينة سياق أو قرينة خبر آخر يعضد الخبر الأول ، فذلك من الجمع المحمود للأدلة لا أن يضرب بعضها ببعض فذلك ما ذمه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ خرج على القوم فوجدهم يتجادلون الجدال المذموم الذي يروم كل مجادل فيه أن يظهر على خصمه ولو تَكَلَّفَ لأجل ذلك ما تَكَلَّفَ من صنوف التأويل والاحتيال في الاستدلال ! ، فلا يريد إلا الانتصار لقوله إذ غلب حظ النفس في الظهور والغلبة وقهر الخصم وإفحامه رَجَاءَ الاشتهار في مجالس البحث والمناظرة فيقال : فلان لا تنقطع حجته ، فقد رُزِقَ من البديهة الحاضرة ما به يسارع في الرَّدِّ ، فلا يتلجلج ولا يَتَلَعْثَمُ ، فلسانه يواطئ عقله ، فلو سبق اللسان لكان الحمق في الجواب على وجه لا يفطن فيه المتكلم إلى لوازم قوله إذ قد ينطق بكلام لا يدرك تَبِعَاتِهِ ، وإن لم يكن لازم القول قولا على ما اشتهر في كلام النظار ، فلازم القول لا يكون قولا إلا إذا أُوقِفَ صاحبه عليه فالتزمه ، فإن لم يلتزمه فليس قولا له وإن لزمه في مواضع الحِجَاجِ ، فَأُتِيَ من قِبَلِ استعجاله في الرد فكان لسانه سابقا عقله في الجواب ، وذلك ما قد يوقعه في الحرج أن يُلْزَمَ بلازم فاسد فينقطع وإن لم يلتزمه فلا يكون من قوله الصريح وإن ثَبَتَ في القياس الصريح الذي يقضي بالتلازم بين الملزوم واللازم ، فكان من تعجل الأحمق أنه يتكلم ثم يتدبر ما به ينطق ! ، فيكون من لوازم الباطل ما غفل عنه إذ لم يُقَلِّبِ المسألة في ذهنه فيقسم ويسبر وجوه الاحتمال ويعد لكلٍّ من الجواب ما تسلم به حجته ، لا جرم كان من فقه المحققين في مواضع الجدال أن يَتَمَهَّلُوا فلا يسارعوا بالجواب ، ولا ينقطعوا في المقابل لبلادة في الذهن لا تحسن استحضار المعنى ، فهي تذهل وتغيب فلا تحسن تجيب ، أو تستحضر المعنى لا على وجه محكم فيكون الاضطراب والتلعثم إذ لا يحسن يصوغ الحجة في مقال بَيِّنٍ يجمع فصاحة الألفاظ وبلاغة الجمل والتراكيب فيختار في كل مقام من المقال ما يلائمه فلا يكون خطابه واحدا مع اختلاف المخاطبين ، وإنما يختار لكل مخاطب من الكلام ما يفهمه ، فالتوسط والاعتدال في هذا الباب الجليل ، باب المناظرة والجدال ، التوسط والاعتدال أن يكون اللفظ المنطوق مواطئا للمعنى المعقول بلا زيادة ولا نقص ، فلا يسبقه فذلك الحمق ، ولا يستأخر فذلك العي ، ولا ينطق ، مع ذلك ، إلا وقد حرر النية فلا يقصر الهمة على الظهور والغلبة فذلك حظ نفس يخرج بالمناظرة من الجدال المحمود إلى ضده المذموم الذي يورث الإحن في الصدور ، إذ يغري الجدال في دقائق المسائل على وجه لا يخلو من التكلف الزائد ، يغري العداوة والبغضاء فلا يكون في العادة إلا صارفا عن حظ أعظم من الوحي المنزَّل فهو الأولى بالنظر إذ لا يكون الخلاف محمودا إلا إذا تحرى أصحابه العدل في الخصومة فجاهدوا النفس ألا تسترسل في الطغيان فتخالف عن جادة القصد ، وهم ، مع ذلك ، لا ينفقون الوقت والجهد في جدال بلا ثمرة نافعة ، وذلك مما يَتَفَاوَتُ ، إذ قد ينفع الجدال في مواضع ، وقد يضر في غيرها ، فالبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ، ويجوز تأخيره عن وقت السؤال ، بل ويجوز العدول عنه إلى غيره إن كان خيرا منه ، كما عدل صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الجواب لما سئل : "متى الساعة ؟!" ، فلا يعلم مرساها ، فـ : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) ، فلم يجب بالنفي وإنما أجاب بسؤال آخر هو مناط الفائدة التي يحسن التعجيل بها بل ويجب إذ أرشده إلى واجب الوقت أن يعد للأمر عدته ، فأجاب السائل الذي انقلب مسئولا ، أن : "وَيْلَكَ ! وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ قَالَ : مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ , قَالَ : إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" ، وذلك قياس آخر صحيح ، إذ يقضي بالجوار بين المتحابين ، فثم مشاكلة تشهد بذلك ، فالمعية في حق الله ، جل وعلا ، معية معنى ، فهي معية التأييد والنصرة في الأولى ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) ، و : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، وهي معية الإكرام والقرب في دار الخلد على وجه لا يستلزم بداهة الامتزاج أو المخالطة بحلول أو اتحاد ، والمعية في حق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم معية ذات إذ المشاكلة في الخلقة حاصلة ، وإن كان ثم تفاوت في المنزلة فلا تخرج صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام عن حد البشرية ، فـ : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) ، وذلك ، أيضا ، من قياس العقل الصريح إذ يقضي بالملاءمةِ بين الرسول ومن أرسل إليهم ليطيقوا الاقتداء ، فلو نزل ملك ما أطاقوا الاقتداء إلا أن تَنْقَلِبَ أعيانهم ملائكة ! ، فـ : (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا) ، فجاءت البشرى في الخبر ، فـ : "إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا أن يستوفي المخاطب شروط هذه الدعوى فليست دعوى يطلقها اللسان مجردة فلا يحسن يُقِيمُ عليها شاهد صدق من عمل الجوارح والأركان ، ولا يكون ذلك إلا أن يقتدي بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويتبعه ، فـ : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إن كان الرسول من جنس آخر يغاير ! ، بل لا بد من التماثل في أصل الخلقة ليكون الاقتداء ، ولا يخلو الأمر ، مع ذلك ، من خصائص لا يجوز فيها الاقتداء لا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخالف في حقيقته الحقيقةَ البشرية ، وإنما امتاز بجمل من الخصائص لا تخرجه عن حد الإنسان ، فدعوى المحبة في الخبر لا تقبل حتى تستوفي الشروط من وجه ، وَتَنْتَفِيَ عنها الموانع من آخر ، فلا يقع صاحبها في ناقض ، فلا تقبل دعوى المحبة بلا ولاية كاملة يحرر فيها الإنسان النصيحة لله ، جل وعلا ، ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وللمؤمنين كافة كل بقدر إيمانه فَيُوَالَى الولاية التامة من حرر الإيمان الواجب ولا يستلزم ذلك ، في المقابل ، اتباعه في موضع اجتهد فيه فأخطأ ، أو جهل الحق فَوَقَعَ في ضده متأولا ، فيعتذر عنه في خطإه ولا يتابع عليه ، وَمَنْ دونه ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا فإنه يوالى بقدر ما معه من إيمان ، ويعادى بقدر ما معه من عصيان ، إلا إن كان عصيانه ناقضا لأصل الدين فقارف من الكفران ما هو أكبر فذلك يوجب البراءة فلا يُوَالَى من كفر ومرق سواء أكان ذلك أصلا أم ردة تطرأ ، فالعدل قاض بالتفاوت في الولاية ، وهي مما ينشأ في القلب محبة فإرادة ، ولا تنفك آثارها تظهر في الخارج فمن أحب أحدا نافح عنه بالقول والعمل فهو ينصره بما أوتي من سبب .
    فكان من حسن الجواب أن اقتصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على القدر النافع الذي تظهر ثمرته في الخارج في القول النافع والعمل الصالح لا الجدال والمراء المذموم كما اطرد في جدال المتأخرين فكان ذلك من الترف الذي أفسد النفوس إذ صرفها عن الفاضل إلى المفضول فخالفت عن قياس الحكمة الذي يوجب تقديم ما حقه التقديم وتأخير ما حقه التأخير ، فضلا عما وقع في جدالها من رياء وإعجاب بالرأي حملها على على العدوان والبغي باختلاق الحجج الباطلة وتزييف المعاني بضروب من التأويل البعيد أو الباطن يعدل فيه الناظر عن الظاهر إلى الخفي المشكل ، فيسلك جادة التدقيق والتشقيق في المقال ويغرب في ألفاظه ومقدمات قياسه رجاء المغالبة فلا يروم ظهور الحق وإنما يروم ظهور رأيه وافق الحق أو لم يوافق ، فلا يكون له أجر في ذلك إذ لم يجعل الإخلاص له رائدا ، ولم يجعل الدليل له هاديا ، وإنما استدل به نافلة من القول فقد صادف ما يهوى عرضا ، وربما زاد فتأول اللفظ على وجه يشهد له ، وإن بعيدا لا يخفى ما فيه من تكلف وَتَعَسُّفٍ ! ، فجمع السوأتين أن أَخَّرَ النقل وقدم العقل ، بل وتأول النقل فلم يستأنس بظاهره ، بل قد تعظم البلوى أن يستدل بلفظ ظاهره ينقض مقاله ! ، فهو يستدل بما يُبْطِلُ قولَه فيجتهد في التدليس والتحريف لِيُلَفِّقَ من الأدلة ما يشهد لرأيه ! ، أو يستدل بوجه من وجوه الرواية فلا يجمع طرق الباب ، كمن يستدل بنصوص النفي في الإلهيات ليرجح مقال التعطيل فلا يجمع أدلة الباب وفيها من الإثبات ما ينقض استدلاله ، فنصوص الإثبات أكثر إذ الأصل فيه التفصيل ، وما استدل به من النفي فهو المجمل ، فأعرض عن المحكم إلى المتشابه ، وجعل المتشابه ذريعة إلى إبطال المحكم من نصوص الإثبات ، ولو هدي وسدد فأحسن في الاستدلال لرد المتشابه من نصوص النفي إلى المحكم من نصوص الإثبات دون أن يخوض في الحقيقة والماهية في الخارج فلا يمثل ولا يعطل ، فصورة الاستدلال لا تصح إلا بجمع نصوص الباب ابتداء ، والنظر في أسانيدها إن كانت من الآحاد فما صح فهو حجة ، ثم يكون الاجتهاد في الجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض ، فلا تعارض بين دليلين صحيحين صريحين ، لا سيما في نصوص الأخبار إذ احتمال النسخ متنف فلا نسخ في الأخبار لما يستلزمه ذلك من كذب المخبِر أو جهله وذلك مما تَنَزَّهَ عنه كلام الوحي بداهة ، فهو الصدق المطلق ، فلئن توهم الناظر اختلافا بين نصوص النفي ونصوص الإثبات فذلك مما يزول إذ محل الإثبات يغاير محل النفي ، فالجهة ليست واحدة ، وإنما انفكت ، كما يقول أهل الأصول ، فجهة النفي تخلية للمحل من وصف النقص تنصرف إلى الحقائق والماهيات في الخارج فلا بد من قدر فارق يوجب انتفاء التماثل ، فمن نفى القدر الفارق وقع في التمثيل ، وجهة الإثبات في المقابل تحلية للمحل بوصف الكمال تنصرف إلى المعنى المطلق في الذهن فلا بد من قدر مشترك وإلا بطلت دلالة اللسان على المعاني فمن نفى القدر المشترك وقع في التعطيل ، فلا تعارض إلا في ذهن المتأول الذي لم يحسن يميز المحكم من المتشابه في هذا الباب ، فالمحكم هو المعاني المجردة في الذهن ، والمتشابه هو الحقائق والماهيات في الخارج .
    فالجدال لا يؤتي أكله إلا أن يكون بالتي هي أحسن ، فيتحرى المجادل الحق فهو غايته جرى على لسانه أو لسان خصمه ، وذلك ، بداهة ، مما يسهل في المقال حَدُّهُ ، وحال الجدال يذهل الجميع إلا من رحم رب العالمين جل وعلا ، فيذهل من يذهل إذ تأخذه العزة بالإثم أن يظهر على خصمه ولو اضطر إلى وجه من التأويل بعيد أو باطل ، فذلك تحكم ثان إذ قد يتحكم في الرواية فيصحح الضعيف الذي يشهد لمقاله أو يضعف الصحيح الذي يشهد بضده ، وقد يتحكم في المقابل في الدراية لا سيما في الألفاظ المشتركة التي تحتمل وجوها في اللسان فيختار منها هوى وتشهٍّ ! ، فلا يستند اختياره إلى معيار ترجيح محكم ، وإنما يرجح ما يهوى فقد صير عقله حكما وإن كان ظاهر أمره أنه يستدل بألفاظ الوحي ، فلم يحتج بها إلا أنها وافقت قياسه عرضا ، أو أنه تأولها فاختار من المعاني ما يشهد لرأيه ، أو تكلف للألفاظ معان لا عهد بها في اللسان ! ، فاستحدث من معجم الألفاظ ما لم يأت به الأوائل من أصحاب اللسان الذين يحتج بكلامهم ، فذلك ، أيضا ، من الجدل المذموم الذي عظمت به البلوى في هذه الأعصار فاتسعت دائرة التأويل حتى أتت على أصل الدين بالإبطال ، فعطلت الوحي إن في آحاد من النصوص قد بلغت حد الضرورة فلا ينكرها إلا جاحد أو مسفسط ، أو في أصل الحجية وذلك أعظم في البلية ! ، إذ رام إبطال المرجع المجاوز من خارج من كلام الوحي النازل ، فلم يرض بالوحي حكما سواء آمن بلفظه وتأول معناه ، أو جهر بالعداوة فلم يستح فهو يَرُومُ بَتَّ الصلة بالوحي إذ هو مرجع عتيق لا يطيق فنون الرفاه والتحديث فلكلِّ زمان شرع يلائمه على وجه تتناسخ فيه الشرائع العقلية التي تستند إلى أهواء وأذواق بشرية فكل من استحسن طريقا في الدين جعله المحكم الذي إليه يُرَدُّ الخلاف ! ، وإن لم يسلك جادة الوحي ، فصارت الشريعة شرائع إذ العقول كثيرة ، وصار التناسخ بين الشرائع الأرضية أمرا لا ينكر وإن أفضى إلى شقاق وتنازع فلكلٍّ من القياس والرأي ما يعجبه ولا يحسم هذا التنازع ، كما تقدم مرارا ، إلا كتاب من السماء نازل بمادة صدق تصحح العلم ومادة عدل تصحح العمل .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •