اعرض النتائج 1 من 1 إلى 1

الموضوع: التجزئة

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:17-11-2017
    الساعة:02:33 PM

    المشاركات
    4,704
    العمر
    39

    التجزئة

    فكرة التجزئة ، في الأديان وفي الْأَفْكَارِ وَفِي البلدان وفي الأبدان ....... إلخ ، وهي فكرة تقترن في الغالب بالعنف كأداة تعاد بها صياغة العقود السياسية والاجتماعية سواء أكان عنفا عاما أم جزئيا تمكن السيطرة عليه مع إبقاء حال الهياج والغليان الذي يُصَيِّرُ المجتمع فوق صفيح ساخن ولكنه هادئ ناعم يؤتي أكله على مهل ، هذه الفكرة مما اعتمدت عليه قوى فاعلة في التخطيط الاستراتيجي بَعِيدِ المدى ، فإن المجموعة الضعيفة التي تشعر بالضآلة وتشكو من إحساس أصيل بالنقص والدونية بما ضرب عليهم رب البرية ، جل وعلا ، من الذلة ، فـ : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) ، ولا يخلو السياق من فن من فنون البيان اصطلح أن يسمى الاستعارة المكنية إذ شبه الذل بالخيمة المضروبة التي تحيط بمن فيها ، وحذف المشبَّه به وهو الخيمة وكنى عنه بوصف من أوصافه وهو ضربها على من فيها ، فتقدير الكلام : ضُرِبَتْ عليهم الذلة كما تضرب الخيمة في البادية فتكون سترا لمن احتوته ، وقد حذف الفاعل فَبُنِيَ الفعل "ضربت" لما لم يسم فاعله فالله ، جل وعلا ، هو الذي ضرب عليهم هذا الذل الذي عم بدلالة "أل" في "الذلة" فهي مئنة من استغراق المعنى الذي دخلت عليه ، وذلك آكد في النكاية والذم ، فالذل قد أحاط بهم من كل جانب إلا بحبل من الله ، جل وعلا ، وحبل من الناس كما في هذا العصر إذ قيض لهم الرب ، جل وعلا ، من يعصمهم من الأمم التي نجحوا في امتطاء ظهورها بعد إفساد عقودها والتلاعب بشعوبها بآلة إعلام جعلت لهم من النفير ما يكثر استدراجا من الرب المعظَّم ، جل وعلا ، لا سيما وقد ضل خصومهم في كل واد فاشتغلوا عن الدين بالدنيا كما اشتغل بنو إسرائيل زمنَ المسيح ، عليه السلام ، فاستخفوا برسالته بل وسعوا في دمه فكان أن عوقبوا بالسبي الأول فسلط الرب ، جل وعلا ، عليهم من لا يرحم كما هي حال الأمة الخاتمة الآن فقد اشتغلت عن الديانات والمروءات بحظوظ من الدنيا في السياسة والمال وسائر صنوف اللذة فكان العقاب الناجز أن سامهم الذل قَبِيلٌ من البشر ناقص قد جُمِعَ من الشتات بعد أن نجح في اختراق المجتمعات وإفساد الديانات والأفكار وتوظيف الجموع الضالة أن تحقق مآربه في السياسة والحرب بما تحصل في يده من أسباب الجاه والثروة ، فكانت فكرة التجزئة للكيانات الأكبر ، كما يذكر بعض المحققين ، وهي فكرة بدأت في الغرب ، فكان الكيان الكاثوليكي الجامع الذي فَرَضَ الهيمنة المطلقة على الفضاء الروحي بل ونازع الأباطرة الفضاء السياسي على تفصيل مشهور في كتب التاريخ التي أَرَّخَتْ لأوروبا في العصر الوسيط ، فالكنيسة مع ما استعملت من العسف والقهر والإكراه في الدين ، قد نجحت ، ولو في الظاهر ، أن تجمع معظم الشعوب الأوروبية على قلب رجل واحد هو الرجل الكاثوليكي الأبيض ، قبل أن يظهر التقسيم الذي غَذَّاهُ الطرف الأضعف ، الذي يملك من الحقد التاريخي الأصيل والنَّفَسِ الاستراتيجي الطويل ، فكانت الجامعة الكاثوليكية العامة التي أقرها المجمع الكنسي بدعم سياسي ، ثم كانت مرحلة الانتشار بحد السيف ، لا سيما في الأوساط الجرمانية التي خضعت لسلطان البابا بعد جولات عدة ، وامتد هذا السلطان إلى الدول الاسكندنافية شمال أوروبا فكانت الكاثوليكية التي تمثلها الإمبراطورية الرومانية الغربية ، كانت هذه الكاثوليكية أول حقل لتجاربِ التقسيم والتفتيت الذي مارسه الطرف الحقير المهمَّش ، الذي يقبع في زاوية مظلمة من المجتمع مع تَعَرُّضِه المستمر لموجات من الاضطهاد تصطبغ بصبغة الدين ، فالكاثوليكي المخلص لا بد أن يَتَدَيَّنَ باضطهاد من تآمر على يسوع ، ولو ظلما وعدوانا ، فكان اضطهاد المجموع اليهودي دِينًا ، وهو ما جاوز فيه الكاثوليك حَدَّ العدل ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، والمجموع اليهودي ، عند التدبر والنظر ، مجموع حقير يستفز المخالف أن يظلمَه ويبطش به ! لما يمارسه من إفساد متعمد للأديان والبلدان ..... إلخ ، فكان دوره في تاريخ أوروبا دور المجموع الوظيفي الذي يعيش في الغالب على هامش المجتمع ، فلا يخالط الجماعة إلا في أضيق الحدود ليحفظ نقاءه العرقي والأيديولوجي ، ولذلك كان المجموع الوظيفي اليهودي آخر عنصر في بناء المدن ، فهو عنصر طفيلي ، والطفليات لا تستقل بذاتها وإنما تَفْتَقِرُ إلى جسد تَغْتَذِي عليه ، فالمجموع الوظيفي التجاري الذي يسيطر على حركة رأس المال إن بطريق مشروع أو محظور يأتي في الغالب ، كما يقول بعض المفكرين ، بعد استقرار المجتمع باكتمال الأنشطة الإنتاجية من زراعة وصناعة ..... إلخ ، فيكون المجموع الوظيفي التجاري الذي يحرص على اعْتِزَالِ المجتمع فهو يعيش على الأطراف وَيَرْضَى ابتداء أن يعمل في وظائف حقيرة ، كالبغاء والربا ..... إلخ من الأنشطة ذات الريع السريع الذي تتضخم به الثروات مع ما تمتاز به هذه المجموعات من دهاء ومكر ، وحسن إدارة الأموال ادخارا واستثمارا دون نظر في أي معيار ديني أو أخلاقي إلا المعيار المصلحي المادي وتلك نظرية نجح المجموع الوظيفي اليهودي أن يَبُثَّهَا في سائر الأمم ، على مراحل متدرجة تَتَّسِمُ بالتمهل والتفهم لطبائع الشعوب بعد دراسة محكمة لأخلاق المجتمعات وعوائدها فذلك بند رئيس في أي مشروع للهدم أو الْبِنَاءِ ، فهدم الأمم ذات العقد الجامع ، سواء أكان عقد دين وهو الأوثق أم عقد لسان أم عقد قومية أم عقد وطنية ....... إلخ ، هذا الهدم لا يكون في يوم وليلة ، وتقسيم الأديان وجعلها على أنحاء شتى بما ينسى الناس من حظ الذكر لا يكون إلا على مراحل ، فما كان هذا المجموع الوظيفي اليهودي أن ينجح في هذا المخطط الماكر لو أن الناس قد اسْتَمْسَكُوا بالوحي ، فلما نسي النصارى حظا منه نجح المجموع الوظيفي اليهودي في اختراقه ، ولو على مراحل ، ولا زال ذلك الاختراق ماضيا في طريقه ، فكان اختراق شاءول الطرطوسي أو بولس فَفَسَدَ العقد وبطل الشرع ، ثم كان العقبة الكاثوليكية الكؤود مع أنها لم تخل من تقسيم شطر الكنيسة إلى كاثوليكية وأرثوذكسية فضلا عن الطائفة الآريوسية التي خَفَتَ صوتها ، ثم كان الاختراق الثاني ، وهو الاختراق البروتستانتي ، وهو ما جعل الكاثوليكية في قبضة المجموع الوظيفي اليهودي الذي انتقل من مرحلة التآمر الحذر الذي يعيش فيه المتآمر على أطراف المجتمع فهو حريص على عدم الاندماج أو الخلطة إلا في أضيق نطاق ، فهو المرابي الذي يقرض فيفضي ذلك إلى تَرَاكُمِ الثروة في يده ، وهو القواد الذي يحترف الدعارة التي أصبحت صناعة كصناعة السياحة ! ، وهي الآن مصدر رئيس من مصادر العملة الأجنبية الصعبة في بلاد لا حظ لها من القيم الدينية والأخلاقية أو وسائل الإنتاج ، فذلك نشاط تافه لا يقيم اقتصادا راسخا فضلا أنه ، بداهة ، محرم يخالف عن بدائه الدين والأخلاق والمروءة إلا في تجمعات بشرية انحطت فلم يعد ثَمَّ معيار إلا معيار المادة ، فكل شيء قابل للبيع ، الدين والعرض والأرض ، وثم مجاميع وظيفية تدير هذه التجارة ، فمجاميع تباشر الفعل ، وأخرى تَتَوَلَّى الدعم اللوجستي ! ، فهي توفر الخدمات على أرقى مستوى أو أدناه ، فلكلِّ طبقة من المجتمع نَمَطٌ من اللَّذَّةِ المحرمة يلائمه ، فَلَهُ مستوى من الخدمات بِقَدْرِ ما يدفع في ظل منظومة فكرية وسياسية وَتَنْفِيذِيَّةٍ وإدارية تَتَّجِرُ في أي شيء يحقق الربح العاجل دون عناء ، فذلك طابع الرأسمالية لا سيما الليبرالية النوع الأشد قسوة وشراسة ، والأشد نَقْضًا لمبادئ الدين والأخلاق بل ومبادئ الإنسانية بما فطر عليه الإنسان من حرارة الغيرة والمروءة ، ومع تنامي الثروات في أيدي هذه المجموعات الوظيفية الهامشية ، زادت سيطرتها على المجتمع ، فصارت تمتلك عصب الحياة من المال ووسائل الإنتاج ، فمارست غسيل الأموال القذرة التي جمعتها من أنشطة الدعارة والربا والاتجار بالمخدرات لو أراد الناظر توسيع دائرة الاستدلال بإسقاطٍ على الواقع ، فمجاميع السياسة والأمن ...... إلخ في الكيانات السياسية المعاصرة ، وهي كيانات هشة تستقبل قريبا موجة أخرى من التفتيت ، وهو محل الشاهد الرئيس ، فهذه المجاميع مارست من التجارة غير المشروعة على وجه خالف عن معيار الدين والمروءة ، مارست من هذا النشاط الوظيفي الوضيع ما جعلها أداة فاعلة في التقسيم الذي يجري الآن على قدم وساق فهي تسهم بدور فاعل في زِيَادَةِ معدل الاحتقان ، بما يكون من صِدَامٍ بَيْنَ الأفراد والمجموعات الوظيفية داخل المجتمع وهو ما يزيد في الثارات بما يكون من تبادلٍ لإطلاق النار وتبادل للجثث ! ، فقد صار المجتمع ، وَلَوْ في مشاهد جزئية ، صار على أنحاء شتى وجبهات عِدَّةٍ بعضها يكره بعضا ، إذ بعضها يظلم بعضا ، والظلم من أعظم ما يحرك النفوس فَيَسْتَفِزُّهَا بما رُكِزَ فيها من جبلة الدفع لمن صال واعتدى ، كما يرى الناظر الآن في أحداث جزيرة الوراق ، الجزيرة النيلية التي تشهد الآن حدثا صار محط الأنظار ، وإن اشتغل كثير من الناس بمتابعة الحدث كإجراءات وصدامات .... إلخ ، دون نظر في مرمى أبعد ، فالأمر يجاوز حد الاتجار في الأرض ، فنظام الحكم الوظيفي الذي لا يملك رصيدا من القيم الأخلاقية لا يجد حرجا أو غضاضة أن يبيع الأرض قطعة قطعة كما تَبِيعُ بنات الليل أجسادهن لمن يدفع أكثر ، فَمَنْظُومَةُ الْبَيْعِ واحدة ، وإن اختلفت أجناس المبيع ، أرضا أو عرضا ....... إلخ ، فالأمر يجاوز هذا الحد ، فالبائع الساذج والمشتري الذي يروم الاستثمار أو الاستيلاء ..... إلخ ، كلاهما ليس إلا مجموعا وظيفيا يحقق بعض المكاسب التي لا يجاوزها نظره القاصر فلا يدرك إلا المشهد الجزئي الذي يحقق له الربح المادي ، دون نظر في بعد آخر أطول في النَّفَسِ فهو يُنْضِجُ طعامه على نار هادئة ، فتقسيم البلاد لا يكون فجأة ، وإنما هو نتاج عمل دءوب من زرع الأحقاد وتراكمها كما يرى الناظر في الصدام الذي يتسع نطاقه شيئا فشيئا في مصر فبعد أن كان في سيناء ، وكان المجتمع ينظر في الأمر أنه استثناء مؤقت في بقعة نائية لا تشكل خطرا على نشاطه اليومي الذي لا يجاوز في حكم الاستبداد حَدَّ اليوم فلا غد ! ، فأقصى الطموح في ظل هذه الحرب الفكرية والأخلاقية والاقتصادية والأمنية التي تشنها السلطة على المجتمع ، أقصى الطموح تدبير قوت اليوم والرجوع إلى البيت سالما دون إهانة أو استباحة ، ولو كان الطموح أعلى فلا يجاوز حد الفريضة الدينية فلا يجد مجتمع قد سحق بآلة القمع التي أفسدت الدين والأخلاق وقتلت في النفوس معاني الشهامة والمروءة ، لا يجد هامشا أن يفكر في غد أو يضع اسْتَرَاتِيجِيَّةً بعيدة المدى ، فانتقل الصراع من سيناء إلى الداخل ، فَتِرْمُومِتْر الصدام الأهلي يتصاعد ، وفي كل يوم ثأر جديد لم يعد يقتصر على الخصم الأيديولوجي أو السياسي وإنما اتسعت دائرته شيئا فشيئا فصار المجتمع هو الخصم ، فأهل سيناء لم تكن ثَمَّ خصومة بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السلطة ، ولو في الجملة ، مع ما اقترفته السلطة من جرائم إلا أنها لم تبلغ حد المواجهة الشاملة التي يروج لها الآن الإعلام الحربي ! ، فبعد أن كانت نطاق التهجير 500 متر ثم 100 ثم 1500 ، صار المطلب الإعلامي ذو الباعث الاستخباراتي الذي يكتب السيناريو اليومي ويوزعه على منابره في الشاشات التي تستعمل نَبْرَةَ التهديد والوعيد ، صار المطلب الآن تهجير السكان في منطقة عمقها 30 كيلومتر ! ، استثمارا للحادث الأخير الذي قتل فيه قائد إحدى كتائب الصحوات ! فاستراتيجية القتال تستنسخ تجربة الجنرال ديفيد بترايوس في إنشاء الصحوات في العراق ، وإن شئت الدقة فقل : تَسْتَنْسِخُ الشق العنيف منها والذي به تَعْظُمُ الثارات التي تشعل نار الحرب أكثر وأكثر ، ونظر السلطة القاصر لا يجاوز حساب المجموع الوظيفي المرتَزَق الذي يروم الكسب المادي السريع ، فالتهجير القسري وإخلاء المنطقة لاستقبال اللاجئين من غزة مع توفير سبل الحياة فذلك واجب الدين والمروءة ! فالمسلم لأخيه كالبنيان يشد بعضه بعضا لتخفيف الضغط على الكيان الصهيوني ! ، وهو المجموع الوظيفي الأعظم قوة واستقرارا في محيط ضعيف مضطرب ، فلا بد من زيادة الاضطراب في المنطقة بأيدٍ محلية تحركها أيد خارجية هي العقول الاستراتيجية التي تدير المشهد من المركز فليس عملها إلا الإشراف على مخططات رُسِمَتْ لها خرائط جديدة في مراكز بحث متخصصة هي الصانع الحقيقي للقرار السياسي ، فالسلطة السياسية في المركز ليست إلا سلطة تنفيذية تؤدي دورها الوظيفي ثم يستبدل غيرها بها طبقا لتكتيكات المرحلة الجزئية ، فإن كان التكتيك تكتيك حرب وتصعيد استجلبت إدارة صلبة ، وإن كان التكتيك تكتيك تهدئة مؤقتة استجلبت إدارة ناعمة ، والمحرك الرئيس للسياسة العامة هو نواة صلبة من جماعات تمويل ، بعضها يمول هذه المراكز البحثية لتضع من الخطط السياسية الاستراتيجية ما لا يتغير بَتَغَيُّرِ القادة فدولة المؤسسات الراسخة لا تضطرب إذا استبدلت الرياسة فَثَّمَ محرك رئيس هو المحكم الذي لا ينسخ ، فالرياسات ينسخ بعضها بعضا ، ومحرك السياسة واحد ، وجماعات التمويل بعضها يمول مراكز البحث التي تضع الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى وبعضها يمول الحملات الانتخابية والفضاءات الإعلامية لصناعة رأي عام موجه يختار ما اختارته له هذه الجماعات فهي الحاكم الفعلي الذي استتر خلف نظام سياسي ليس إلا أداة تنفيذ ، فدوره في التخطيط محدود إن لم يكن معدوما ، فإن خَطَّطَ فلا يخرج بإبداعه عن المخطَّطِ الرئيس وإلا كان الاستبعاد الصلب أو الناعم ، كما استبعد الرئيس كيندي بالقتل ، وكما استبعد رءوساء من قبله بالطريقة نَفْسِهَا ، فليس الرئيس كيندي أول رئيس أمريكي يتم اغتياله ، وكما استبعد بعض آخر بطرق ناعمة تجبره على الاستقالة كالرئيس نيكسون أو تجعله تحت السيطرة خشية الفضيحة والعزل كالرئيس بِيل كلينتون ففضائحه الأخلاقية قد قلصت من أدائه السياسي في فَتْرَةِ رياسته الثانية فكان أكثر طَوْعًا وَالْتِزَامًا ، مع أن إبداعات الساسة في ظل هذه المنظومة الصلبة لا تخرج ، في الجملة ، عن المخطَّط الرئيس وإنما قد تُعَارِضُ في تفصيل جزئي أو تَرُومُ التغيير المؤثر على وجه لا يهدم المعبد على رءوس الكهنة ، فكيف بمن يروم تغييرا يهدم المعبد ؟! ، فقتاله أوجب والشراسة في تأديبه أليق ، فهذه حال العقل الذي يخطط في المركز ، وهو عقل جمعي قد تراكم له من الخبرات السياسية والعسكرية ، وامتلك من أدوات القوة الفاعلة ما لم ينشأ بداهة في يوم وليلة ، وهو ، مع ذلك ، لا يخرج عن نطاق العمل البشري الذي يصيب تارة ويخطئ أخرى فليس رَبًّا يدبر الكون كما قد يَتَرَاءَى لكثير من المتابعين ، لا سيما من يقتصر على التحليل السياسي والاستراتيجي دون نظر في البعد الديني والفكري ، فهو يقتصر على ظواهر الأحداث دون نَفَاذٍ إلى بواطن تخفى ، فالأمر في مصر ، على سبيل المثال ، أعمق بكثير من مواجهات بين السلطة التنفيذية والمجتمع في سيناء لتحقيق بعض المآرب السياسية والاقتصادية ، فذلك نظر البائع والمشتري الذي يباشر صفقة كصفقة بيع جزيرة الوراق فهو من جملة الدَّيْنِ الآجل لجهات تمويل في الإقليم غَذَّتِ النظام بشريان متدفق من الدعم المادي واللوجستي الذي أسهم بشكل كبير في ترسيخ أركانه ، ولو في الظاهر ، فالمال المتدفق قد وُجِّهَ إلى مراكز النفوذ والمفاصل الصلبة في الدولة والحرص قد أذل أعناق الرجال فكيف بأشباه الرجال ؟! ، وهو ما استوجب ديونا مستحقة الدفع على صورة جزر هنا وهناك ، وهو ما يسهم في تكريس الفوارق الطبقية ، فثم عزلة فكرية وشعورية ومادية بين طبقة السادة سواء أكانوا من الداخل أم من الخارج الذي يفد سادته الآن في لباس المستثمر الأجنبي الذي يروم إنعاش الاقتصاد المحلي وتوفير فرص العمل .... إلخ ، وليس إلا إنسانا قد نشأ في كنف نظام اقتصادي وظيفي فهو جزء منه تماما كما كانت حال المجموع الوظيفي اليهودي ، وهو محل شاهد تقدم ، فقد نجح هذا المجموع الهامشي الحقير الذي كان المجتمع يَتَعَبَّدُ بإذلاله ، نجح أن يكمن ويمارس العمل الوظيفي الناعم للسيطرة على مفاصل المجتمع فاخترق نخبه الفكرية والسياسية والاقتصادية ، فضلا عن إفساده الديني وإن كُسِيَ ذلك لحاء الإصلاح البروتستانتي فلم يكن إلا خطوة ثانية بعد خطوة شاءول الطرسوسي ، وإن كان لهذه الخطوة أَثَرٌ أعظم في مخطط التقسيم والتفتيت فأوروبا التي أقامت كيانات إمبراطورية كبيرة عقدها الجامع ، كما يقول بعض المحققين ، هو الدين الكاثوليكي في ظل الصفقة المشهورة بين أقطاب الدين وأقطاب السياسة ، فكان قهر الشعوب الذي تراكم في الصدور ، وكان تعاطي المجموع الوظيفي اليهودي مع الجميع ! ، فهو يغذي السلطة الحاكمة فجسور التعاون معها ممتدة ، فيقرض الحكومات إذ صار له من بيوتات المال ما سيطر به على عصب الحياة ، وهو ، مع ذلك ، يوفر لنخب السياسة الأرستقراطية من صنوف المتعة المحرمة ما يحقق به كسبا زائدا من المال فضلا عن سجل حافل من الفضائح الأخلاقية يجعل النخب جميعا في قبضته خشية الفضيحة ، فالسجلات ملأى بالفضائح الأخلاقية والمالية .... إلخ ، ولكلٍّ نقطة ضعف تُحْسِنُ هذه القوى الخفية اختراقها ، فثم من يستجيب طوعا إذ خدعته دعاية الظاهر من معان إنسانية جذابة كالحرية والإخاء والمساواة ...... إلخ من الشعارات التي رفعتها أول ثورة علمانية ضد دينية ، وإن شئت الدقة فَقُلْ : ضد كاثوليكية إذ كان تقسيم هذه الإمبراطوريات الكبيرة التي تَنْتَظِمُ في سلك الكاثوليكية ، إذ كان هذا التقسيم يستوجب قطع هذا السلك الجامع ، فكانت حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر عاملا رئيسا في تقويض هذا البناء الديني السياسي المحكم ، فقد أفقد الجمهور الثقة في هذه الهيئة الدينية المقدسة ، فأظهر النقد الديني عَوَارَهَا ، وكان النقد العلماني ، من جانب آخر ، يبرز وجوها أخرى من النقص في الكتاب المقدس على وجه يزيد في الشَّكِّ وَالَّذِّي امتزج بمادة الحقد والغضب من تصرفات هيئة تَزْعُمُ الورع وفضائحها قد أزكمت الأنوف ، وتصرفات هيئة سياسية تقاسمت معها الغنائم إذ حظيت بمسحة التَّبْرِيكِ التي بها كان التنصيب ، وذلك ما جعل المجتمع في حال استنفار عام فهو يتوق إلى لحظة الخلاص وهي لحظة الثورة على هذا المجموع الديني السياسي الفاسد ، وكان علماء التجريب ، كما يذكر بعض المحققين ، يمارسون دورا فاعلا وإن كان خافيا في تكريس الأطروحة العلمانية فكان كثير من العلماء كلافوازييه وإسحاق نيوتن ، على سبيل المثال ، كانوا من رواد هذه الحركة العلمانية التي انصرفت إلى العلوم التجريبية لتضع من النظريات المادية التي تقطع الصلة بين علوم الكون وأي قوة عليا تدبر أمرها ، وهي القوة الإلهية التي انتحلتها الكنيسة ، وإن جعلتها آخر الأمر ذريعة احتكرت بها خطاب الدين إباحة وحظرا فهي المشرِّع باسم الأب الذي يسكن السماء والذي فَوَّضَ إليها الأمر أن تُدَبِّرَ أمر الشرع واقتصر هو على تدبير أمر الكون بإجراء الأرزاق وتعاقب الليل والنهار فكان ذلك ، أيضا ، من صور الفصل المبكر بين الدين والدنيا ، بَيْنَ قدر التكوين وقدر التشريع ، وهو ما جَاوَزَهُ أولئك العلماء التجريبيون ، فوضعوا من النظريات ما يقطع صلة الأرض بالسماء قطعا باتا ، فكان نظرية كنظرية لافوازييه أن المادة لا تفنى فهي قديمة غير مخلوقة ولا تستحدث من العدم فليس ثم فعل إلهي يخلق من لا شيء وهو ما جاء الوحي الخاتم بخلافه ، فـ : (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) ، فخلقه من العدم لا من مادة قديمة في الأزل فمادة هذا العالم حادثة لم تكن موجودة حتى شاء الرب الأول ، جل وعلا ، خلقها فقدر في الأزل وجودها ثم كان خلق الإيجاد تأويلا لخلق التقدير الأول ، وكانت نظرية نيوتن التي كرست في العقول مفاهيم الآلية الميكانيكية الطبيعية فليس ثم قوة تحرك الأشياء إلا قوة الطبيعة وهو قول يكرس الفلسفة المادية اللادينية ، فكان هذا المجموع مادة قاطعة لسلك الكاثوليكية الجامع إذ تعاظم الشك في النفوس ولم تَبْقَ إلا لحظة الثورة على هذا الوضع الفكري والسياسي والاجتماعي الفاسد .


    وقد أحسنت تلك القوى الخفية السيطرة على المجتمع باختراقها النخب ، كما تقدم ، وإفسادها وفضح عوارها أمام الجمهور ، مع إحكام السيطرة عليها بما احترفته من الوظائف الحقيرة لا سيما الربا والدعارة ، كما تقدم ، فَنَمَتْ هذه النخب الطفيلية على ضفاف المجتمع وكانت حريصة على العزلة الثقافية والمادية فلم تختلط بالجماعة إلا في أضيق الحدود ، فالجماعة الوظيفية جماعة نخبوية تروم الحكم والسيطرة على المجتمع بما تصنع من اضطرابات وأزمات وبما تمارس من احتكار لأسباب القوة لا سيما المال ، وهو ما يغريها بعد ذلك باصطناع ميليشيات مسلحة تحوطها فلا تأمن مجتمعا قد ناصبها العداء بما ترسخ في وجدانه الديني ، وإن نجحت في إفساده مرة بعد أخرى ، من التوحيد إلى التثليث ، ثم من الدين إلى اللادين ، وهو ما يَرَاهُ الناظر في هذه الأعصار فالنخب السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تقاسمت أسباب النفوذ والثروة ، سواء أكانت قوى الاحتلال المحلي من النخب الوظيفية المباشرة أم كانت النخب الوافدة من رجال الأعمال والمستثمرين ، كما هي الحال في مشهد جزئي من صُورَةٍ سياسية واقتصادية كُلِّيَّةٍ في مصر ، وهو مشهد بَيْعِ جزيرة الوراق ، فإن المستثمر الوافد قد تشرب ثقافة السيادة فلا ينظر إلى بقية المجتمع إلا أنه خادم يتخذ منه المجموع الوظيفي الحارس ، والمجموع الوظيفي الخادم ، والمجموع الوظيفي الذي يرفه عنه بصنوف اللذة المباحة أو المحرمة فهو وسيلة تسلية لا أكثر ! ، ومن يخالفه فهو العدو الذي تجب مناجزته حالا بالطرق الناعمة أو الصلبة وإن أدى ذلك إلى الصدام العنيف فلا يُعَظِّمُ هذا العقل المادي حرمة دم أو عرض أو أرض فكل شيء يجوز بيعه وشراؤه في إطار منظومة رأسمالية شرسة هي ، أيضا ، إحدى إفرازات المركز والذي نجح في تصديرها إلى الأطراف ، وهي وسيلة فاعلة في مخطط يجاوز بيعا أو شراء أو استثمارا .... إلخ فتلك غاية النخب السيادية في الأطراف في ظل حال عام من التخلف الفكري والانحطاط في الغايات ، فالمخطط الذي يضعف المجتمعات بموجات من التفتيت والتقسيم لا بد له من مادة عنف تولد في النفوس الكره والبغض الذي يؤدي إلى مواجهات تسال فيها الدماء وَتُنْتَهَكُ فيها الحرمات ، كما وقع في سيناء وكما يقع الآن بالتدريج داخل الجسم الرئيس للدولة ، فذلك ما يكرس ثقافة تأصلت من سنين طويلة بل ومن عقود وقرون من لدن دولة محمد علي ، وهي أول إفراز من إفرازات العلمنة الصلبة التي وفد بها المركز بأساطيله الفرنسية وتمويلها ، كما يذكر بعض المحققين ، لم يخرج إلا من جيب القوى السرية النافذة التي انتهت من تفتيت أوروبا باستبدال العقد اللاديني الوطني الذي قسم الإمبراطوريات الدينية الكبرى رقعا متناثرة فكانت حركة الإصلاح البروتستانتي ، وكانت الحركة النقدية والعلمية التي فضحت عوار الكاثوليكية ، ثم كانت حرب الثلاثين عاما والتي جاوز أثرها ما يبحثه عامة من يكتب في السياسة أنها مهدت لمفهوم الدولة الوطنية الْقُطْرِيِّةِ ذات الخصائص العرقية واللسانية مع استبعاد العامل الديني أو تهميشه فهو ، كما تقدم ، الجامع الرئيس لكيانات إمبراطورية كانت حجر عثرة أمام هذه القوى التي لا تستطيع إحكام السيطرة إلا إذا نجحت في اختراق الخصوم وتفتيت الكيانات الكبيرة إلى شظايا صغيرة يسهل التحكم فيها ، وهو الدور الذي نجحت فيه تلك القوى الخفية التي تحولت من مجموعات وظيفية هامشية تمارس ، كما تقدم ، الوظائف الحقيرة إلى نخب سيادية تَسْتَأْثِرُ بأسباب القوة الناعمة والصلبة فهي التي تشكل العقل الجمعي وهي التي توجهه بما لها من نفوذ سياسي وإعلامي فتصنع النخب وتمول مراكز البحث التي تصنع قرار السياسة والحرب على وجه يواطئ غاياتها في السيادة المطلقة وهي التي تتحكم في صناعة السلاح والاتجار به مع ما تَمْتَلِكُهُ من حضور فاعل في مَشَاهِدِ الحروب العالمية والإقليمية والأهلية ، وكلها ، لو تدبر الناظر ، تحقق الغاية الرئيسة من التفتيت والتجزئة إلى كيانات أصغر وأضعف لا تمتلك من أسباب القوة البشرية والمادية ما تمتلكه الإمبراطوريات الكبيرة ، لا سيما التي يجمعها الدين ، صح أو بطل ! ، فكانت الحروب ولا زالت ، لو تدبر الناظر ، عامل تفتيت وتجزئة للكيانات الكبيرة الفاعلة إلى أخرى صغيرة عاطلة ، فكانت حرب الثلاثين عاما مما مهد لهذا الطرح ثم كانت الثورة العلمانية اللادينية التي رسخت مفهوم الدولة الوطنية ، ثم كانت الحرب العالمية الأولى التي قضت على الإمبراطوريات الألمانية والنمساوية والعثمانية ، مع ما مارست أمريكا من دعاية الحرية التي كان عنوانها حق تقرير المصير للشعوب والقوميات التي تدخل في نطاق إمبراطوريات جامعة فليست ، عند التدبر والنظر ، إلا دعوة لتفكيك هذه الكيانات السياسية الجامعة إلى كيانات أصغر باستغلال ما بين الشعوب والقوميات من اختلاف مع افتقارها إلى عقد محكم يجمعها فليس ذلك ، لو تدبر الناظر ، إلا عقد الوحي الذي نجح في جمع أمم شتى اعتصمت بحبل واحد فتأولت أمر الرب الخالق ، جل وعلا ، أن : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ) ، فتآلفت القلوب واجتمعت الأبدان واتحدت البلدان ولم يجد عربي فضلا على أعجمي إلا بالتقوى معيار التفاضل المحكم ، فلم يكن الإشكال الذي شكت منه أوروبا طوال تاريخها لعظم ما بين شعوبها من تناقض وافتقارها إلى عقد صحيح جامع فعقد الكاثوليكية وإن نجح في جمع الشعوب مؤقتا بما ركز فيها من بقية فطرة تعظم الدين إلا أنه لم يصمد للانتقادات الموجهة إليه سواء أكانت إلى رجالاته أم له بشكل مباشر فالعقد في نفسه فاسد يورث النفس شكا ويقتلها قهرا وغيظا بما مارس رجالاته من استبداد باسم الدين فضلا عن تآمرهم مع رجالات السياسة على اقتسام الأرض والشعب ! ، ولئن أصيب الشرق في آخر أيامه بجملة من هذ الأعراض إلا أنها كانت محل انتقاد وإنكار ، فضلا أنها لم تجد لها مستندا صحيحا من الدين الذي حفظت أصوله فكانت المعيار المحكم الذي يرجع إليه المختلفون في سائر ما اختلفوا فيه من مسائل الفقه والسياسة والحرب ، فكان العيب أن خالف الناس عنها ففشا فيهم الظلم والاستبداد لا أنهم استمسكوا بها فأصيبوا بالنقص في دينهم ودنياهم كما كانت حال الناس في أوروبا لما انقادوا للكنيسة التي كانت تظلمهم بنص الدين المحرف فكان من أعظم التلبيس أن قِيسَ عليه نص الدين المحفوظ إذ أساء من أساء من أدعياء العلم توظيفه لتحقيق مأرب عاجل من جاه أو رياسة ، فضلا عن تغييب الحق المحكم الذي سوى بين جميع أتباعه ، فغيب وأزيح عن سدة الحكم واستبدل به باطل لم يبلغ في أفحش صوره ما بلغه المركز الذي كان ضلاله في أصل النظرية فضلا عن تطبيقها خلافا للشرق الذي ضل في التطبيق وإن كانت النظرية صحيحة محكمة وتاريخه بذلك يشهد فما كان له من سيادة لم يكن إلا بتعظيم الديانة وامتثال أحكامها التي بها حصل العدل الذي استغرق بمظلته المخالف كما شهد بذلك من أرخ لحقبة الازدهار في الشرق المسلم من أرباب الاستشراق بما فيهم من لم يرزق الإنصاف ولم يخل كلامه من طعن ولمز ولو استتر فقد أجرى الله ، جل وعلا ، على لسانه من الشهادة ما بلغ حد التواتر فاضطر أن يقر وإلا افتضح أمره وظهر كذبه الصراح الذي يفقده المصداقية التي يروم تحصيلها بذكر بعض الحقائق التي بها يستدرج المخاطب إذ يأمن له بما يظهر من قول حسن يدس فيه السم الخفي ، كما دس السم للعرب في مقال الرئيس الأمريكي ويلسون في حق تقرير المصير فهو الذريعة إلى التقسيم والتفتيت الذي يحقق أهداف القوى الفاعلة في المركز ، وتلك دعاية غَرَّتْ العرب في ظل ازدهار الأفكار القومية الطورانية في المركز والعربية في الأطراف ، فكان الصراع الذي اكتسب وصف الجاهلية المتبادلة ! ، وهو ما أحسنت بريطانيا توظيفه لتقسيم العالم العربي حتى بلغ الأمر حد القسمة المباشرة على الخرائط بقلم أحمر يمسكه بيرسي كوكس ، معتمد بريطانيا في العراق والخليج ، فيحد لكل سلطان وأمير ملكَه الجديد في ظل اتفاقيات مشهورة قضت على النفوذ العثماني في المنطقة ، وكانت عقد التأسيس والملكية لكيانات وظيفية جديدة في الإقليم هي الآن من يسارع في التطبيع مع كيان يهود لعلها تسلم من كيده الذي يروم بها الشر إن عاجلا أو آجلا فلئن حصلت المهادنة الآن بالتطبيع فمشروع التقسيم ماض على قدم وساق مهما أعطى القوم عن جزية المال والقرار السياسي عن يد وهم صاغرون فغاية أمرهم أنهم يؤجلون ولن يزيدهم ذلك إلا ضعفا على ضعف أن أعطوا الدنية في الدين وهو ما يجعل المركز يطمع أكثر في تفتيت المفتَّت رجاء الهيمنةى العظمى على مقدرات الشرق عبر كيان يهود الذي تزداد زعامته رسوخا في المنطقة يوما بعد يوم في مقابل تضاؤل من حوله وتقزمهم فهم كل يوم من سيئ إلى أسوأ وهو في المقابل من حسن إلى أحسن فالسنة الربانية لا تجامل ولا تداهن أحدا .


    فكان التفتيت الذي بدأ ، كما يقول بعض المحققين ، كيانا واحدا جامعُه : الإسلام والرسالة دون أن يكون لكيان يهود وجود فضلا أن تكون له السيادة في محيط من الفوضى والتخلف كما قال شيمون بيريز وصدق وهو الكذوب ، وَانْتَهَى كيانات قومية ثم وطنية لادينية وكيان يهود رائدها الذي يخطب الجميع الآن وده مباشرة أو بواسطة حتى تسنح فرصة التواصل المباشر كما تُرَوِّجُ جماعات الضَّغْطِ الْعَرَبِيَّةُ في واشنطن ، ولا زال في الجعبة خارطة تقسيم جديدة ، فقد انتهت هذه القوى من أوروبا ثم اتجهت إلى الخلافة العثمانية ، ولو تدبر الناظر الحروب الحديثة لوجدها جميعا تصب في هذه القناة ، قناة التفتيت ، ولو بمعدل بطيء ، لكنه يسفر آخر أمره عن مشهد دولي وإقليمي جديد يحقق مآرب صناع القرار الفعليين فليس من يرى الناظر من أول جندي إلى رأس السلطة السياسية ليس إلا أداة وظيفية تنفذ ما يوكل إليها من مهام جزئية لا تفقه ما وراءها فليس لها من الدين ما يعصم أو من العقل ما يفقه فليست إلا آلة أينما توجهت لا تأتِ بخير فلا يرى الناس منها إلا الشر الناجز فضلا عن شر أعظم في المدى المتوسط أو البعيد وما ربك بظلام للعبيد : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .


    ومشهد التقسيم والتفتيت للكيانات الكبرى أمر تكرر ، أيضا ، في الحرب العالمية الثانية إذ نجحت القوى الفاعلة في التخطيط الاستراتيجي ، نجحت في القضاء على ألمانيا النازية ذات الأطماع الإمبراطورية فضلا أنها أعطت ذريعة أخلاقية تقصدتها الصهيونية ، ولو بطريق غير مباشرة ، فقدمت ضحايا لا زالت إلى الآن تستثمر في دمائهم مع تضخيم أعدادهم وكانت سببا رئيسا في إضفاء مسحة الاستضعاف الذي يروم الاستقرار الآمن الوادع في الأرض المقدسة فما ذنبه أن أحاط به الأشرار العرب من كل جانب فلا بد من التأديب العاجل كما وقع في حرب الأيام الستة ، وهو ما حكاه الرئيس جونسون في مشهد ساخر مع كلبه الخاص في حضرة السفراء العرب ! ، وقل مثله في تفتيت الاتحاد السوفييتي بعد ذلك ، وتفتيت الاتحاد اليوغوسلافي الذي حقق مآرب عدة ، فهو يقضي على بؤرة إسلامية في القارة الأوروبية ، قارة المسيحية وحرمها الأقدس ! ، ويقضي ، أيضا ، على تكتل قوي ، ولو يَسَارِيًّا ، فهو من مخلفات الحرب الباردة ، ومن بقايا نظام ثُنَائِيِّ الأقطاب قد انتهى دوره ، وكانت الأطروحة الصربية التي امتزج فيها الدين بالقومية ، فكان استثمار الساسة في الدين كشاحن فاعل لقوى التعصب القاتل ، فلم تمانع السياسة البراجماتية أن تطلق الكنائس خطاب تعصب مقيت ينسب إلى الدين وهو يحقق مآرب مشتركة لرجالات الدين ورجالات السياسة فالعدو التاريخي المشترك واحد وهو العدو التركي المحتل فذلك الشق السياسي ، وهو العدو الإسلامي فذلك الشق الديني ، وما يهم السياسة أن تجد ضالتها في أي خطاب يحقق مآربها فإن كان دينيا كما هي الحال في خطاب الكنيسة الأرثوذكسية الصربية فهي أداة فاعلة في إنشاء صربيا الكبرى فلا بد لها من هوية يدخل فيها الدين ، وربما أفسح له الساسة أن يضاهي العرق والجنس ، فقد تقضي المرحلة السياسية والعسكرية بذلك لا سيما إن كان في الخصومة معنى أيديولوجي كالمعنى الإسلامي الذي اقترن بالوصف العثماني ، فلا بد له من مكافئ ديني ، فلا مانع أن يوظف الدين في هذا المشهد وإن كان أداة من جملة أدوات يظهر لها الساسة الخضوع والانقياد ولا مانع من الرياء بمظاهر دينية تجتذب الجماهير المتعطشة لدماء المسلمين الأتراك كما كانت كنائس صربيا تنشد وليس الأمر إلا صفقة من قبيل صفقات القرون الوسطى بين الدين والسياسة ، وإن رجح أحدهما الآخر في مواضع ، وتكافآ في أخرى ، وهو ما يصنعه ساسة الكيان اليهودي فمعنى الدين نفسه قد وظف في أطروحة سياسية لا تخلو من آثار علمانية فصار الدين هوية وجنسية لدولة قومية دينية ، وكان استثمار الساسة في الصفقة الأربح ، صفقة التعصب الديني الذي يرتبط بجبل الهيكل وأحلام العودة ...... إلخ ، فقد كان هذا الطرح حاضرا بقوة بين جميع أطياف العمل السياسي من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين إذ هو عماد رئيس من أعمدة الفكرة التي قامت عليها الدولة ، فكانت ذا جذر ديني لا أنها دينية بالمعنى الاصطلاحي ، الصحيح أو الكهنوتي الثيوقراطي ، وإنما هي دولة تحسن استعمال هذا العنصر الذي يكتسب أرضا جديدة في ظل معادلة سياسية ائتلافية هشة يسهل نقضها إذا خالفت الإجماع السياسي فانسحاب أي طرف يسقطها ، وهو ما يجعل الطرف الأقوى يقدم تنازلات للحلفاء وإن كانوا أضعف إذ وجودهم يكمل النصاب القانوني وإن لم يكونوا أغلبية ، فيكون لهم دور بارز في صناعة القرار إذ أحسن رجال السياسة احتواء هذا التيار وتوظيفه في تحقيق مآرب الدولة ، ووجد هذا التيار من غزل السلطة ما أعطاه ضوءا أخضر أن يسعى في الأرض ليفسد فيها كما هي الحال في الأيام الماضية في بيت المقدس فسارعت المجموعات الدينية لتملأ المشهد فتصلي في جبل الهيكل استثمارا لحال الاحتقان بعد عملية المسجد الأقصى الأخيرة ، ولا يخلو الأمر أن يكون استثمارا يروم صاحبه تحقيق مكاسب استنادا إلى شرعية الأمر الواقع واستثمارا للعملية كذريعة إلى تقليص الوجود الإسلامي في أوقات الصلوات فذلك ما يعطي التيار الديني اليميني في المجتمع اليهودي فسحة أن يظهر شعاره ويرسخ وجوده وذلك ما يخدم الساسة بشكل مباشر إذ يحظون بتأييد هذا التيار الذي صار رقما صعبا في معادلة السياسة اليهودية فالجميع ، كما تقدم ، يخطب وده بصفته تيارا شعبيا يزداد جماهيرية في ظل حال التعصب والاحتقان التي يشهدها المجتمع اليهودي في مقابل حال الاسترخاء والاستسلام في الطرف المقابل الذي صار خياره الاستراتيجي الوحيد هو التطبيع لينال رضى المركز بالتطبيع مع مجموعه الوظيفي في بيت المقدس ولو على حساب البيت المقدس نفسه وحساب من يرابط فيه وحوله من أهل الإسلام من الطائفة المنصورة التي أيقنت أخيرا أن الجيوش العربية العلمانية هي سبب رئيس من أسباب الكارثة ، فقد كانت أداة فاعلة مباشرة وغير مباشرة في ترسيخ الوجود اليهودي في الأرض المقدسة ، وقل مثله في الأطروحة الفارسية ، فإنها وجدت في المذهب ضالتها أن تكرس اختلافها الفكري عن مذهب الجماعة التي هزمتها في ميدان السياسة والحرب وأطفأت نارها المقدسة فاشتعلت نيران الحقد والغيظ في الصدور وكان التحول الاستراتيجي من الصراع المباشر إلى صراع آخر اتخذ المذهب ذريعة يطعن بها العرب والإسلام الذي جاءوا به فهو سبب النكبة الفارسية وهي الحقيقة والجوهر وما المذهب ، أيضا ، إلا أداة فاعلة من أدوات السياسة العرقية التي تَتَّسِمُ بقدر هائل من العنصرية ، وذلك توظيف مقيت للدين والمذهب قابله طرح آخر وقع في نفس الخطأ مع قدر فارق إلا أن الجنس واحد فكان توظيف الدين في طرح سياسي إسلامي ، إما تقليدي أو إصلاحي أو ثوري في أحيان ، وكان احتكار الحديث باسم المذهب السني في مقابل المذهب الإمامي فصار ندا يضاهي ويصارع في عملية سياسية فهو أداة من أدوات القوة الناعمة فلم يصر هو الغاية وإنما صَيَّرَهُ الساسة وسيلة وتلك مصيبية أي مصيبة ! ، فضلا أنها أنتجت ، بقانون رد الفعل ، أنتجت طرحا يكاد ينجرف إلى الطرف الآخر وهو الطرف العلماني اللاديني إذ يروم تنزيه الدين والمذهب اللذين ابْتُذِلَا فعلا ، ولكنه يروم تنزيهما بعزلهما من المحيط السياسي بإطلاق في موضع لا بد فيه من التقييد فلا بد من عزلهما من المحيط السياسي البراجماتي القذر الذي يتجر بهما لا عزلهما من العمل السياسي مطلقا بل لهما في السياسة دور رئيس بل دورهما هو الدور الرئيس فهما المعيار المحكم الذي تقاس به أحكام السياسة والحرب وسائر أحكام الدنيا .

    ومبدأ التفتيت والتجزئة أمر يتكرر في كل المشاهد الإمبراطورية ، ولو إقليمية ، واضرب له مثلا بمملكة صغيرة في البلقان ، وهي المملكة البلغارية ، فلم تكن ذات ثقل رئيس في معادلة السياسة الدولية قبيل نشوب الحرب العالمية الأولى ، ومع ذلك اختلف الحزب البلقاني الذي اجتمع على حرب الدولة العثمانية لما أرادت بلغاريا الاستحواذ على مقدونيا فذلك يجعلها تشكل قوة رئيسة في المنطقة ، فهي نواة إمبراطورية قد تتسع وتشكل خطرا على بقية الدول البلقانية في ظل معادلة جديدة تخاصم الإمبراطورية وتروم الجمهورية الوطنية ذات العقد الاجتماعي الأضيق إذ تقتصر على العرق أو مجموعة البشر التي تعيش على رقعة من الأرض وتجمعها لغة واحدة أو أصول واحدة ، وإن كان ثم أقليات فهي لا تحظى في العادة بحق المواطنة الكامل وهو ما يُزَيِّفُ أدلة هذه الدولة الفاشلة في إقرار العدل ولو في إطار المنظومة العلمانية اللادينية ، فهي تزعم إذابة الفوارق الضرورية بين البشر لا سيما الفارق الديني الثَّقَافِيِّ ، وتروم استبدال عقد المواطنة اللاديني بعقد الدين والهوية والثقافة ...... إلخ من العقود التي شكلت الجغرافيا السياسية القديمة وهو ما كان حجر العثرة الرئيس أمام الحركات السرية التي لا تسيطر إلا على قبيل من البشر لا دين له ولا أخلاق ، فلا بد من قطع هذا السلك الجامع فلم تكن أوروبا في إطار النظرية السياسية الجديدة ، نظرية الدولة الوطنية ، لم تكن لتسمح بقيام أي كيان كبير لا سيما إن كان العقد الجامع هو عقد الدين ولو هوية مجملة ، فكان اجتماع الحلف البلقاني في مفارقة عجيبة ، أن ينحاز للدولة العثمانية المسلمة ضد الدولة البلغارية الأرثوذكسية فاجتمع الأرثوذكس في البلقان ومذهبهم هو الغالب في تلك البقعة المضطربة من أوروبا ، اجتمعوا ضد واحد منهم ونصروا العدو التاريخي ، العدو العثماني الإسلامي ، نصروه عليه واستردوا منه ما انْتَزَعَهُ من العثمانيين ، فكانت تلك غنيمة الدولة العثمانية ، ولم يعطوه إلا 10% من مقدونيا وذلك مثال من جملة أمثلة قَدَّرَ الرب ، جل وعلا ، وقوعها فكانت سَبَبًا في استمرار الدولة العثمانية حينا من الدهر فكانت تناقضات الخصوم التي ألجأتهم في أحيان أن ينحازوا إلى الدولة العثمانية مع اتفاقهم جميعا أنها الخطر الاستراتيجي الأول ، إذ الإسلام كان ولا زال العدو الاستراتيجي الأول للمعسكر الغربي ، إن بالنظر في القوى الخفية التي تدير المشهد الأوروبي أو بالنظر في القوة السياسية والعسكرية الظاهرة التي تباشر الفعل العدواني على العالم الإسلامي ، فالأحلاف السياسية والعسكرية لا تستطيع أن تعيش بلا عدو استراتيجي حقيقي أو افتراضي ! ، فالعدو الكلاسيكي لحلف شمال الأطلنطي كان الاتحاد السوفييتي وهو عدو سياسي عسكري ولا تخلو الخصومة من خصومة أيديولوجية ولكنها لا تعدل الخصومة الأيديولوجية مع الإسلام لأن الخلافات الأيديولوجية بين أفراد الحزب الواحد يمكن احتواؤها باتفاقيات يتقاسم فيها الخصوم مناطق النفوذ ، فالمظلة العلمانية اللادينية تجمع الرأسمالية والشيوعية وإن اختلفا في طرق الإدارة والحكم إلا أن الفلسفة السياسية واحدة ، وهي إنكار أي مرجع يجاوز الأرض فالفرد في حياته الخاصة يأبى الانقياد لأي مرجع من خارج يجاوز عقله وذوقه فهو يروم الحرية المطلقة في أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية والعادات الشخصية فالأمر يجاوز الصورة الساذجة ، صورة الخمر والزنى ، وإن كان صاحب هذا المذهب يتبجح في الغالب بانحرافاته الأخلاقية ليؤكد حريته الشخصية ، فالأمر يجاوز هذا القدر من الانحراف الظاهر إلى انحراف آخر باطن وهو الأشد خطرا ، إذ ثم من يمارس الانحراف الأخلاقي ولكنه يقر ، ولو في الجملة ، بمرجع الوحي الذي يجاوز النفس فَلَهُ السلطان الأعلى وإنما خالف عنه من خالف أن غلبته شهوته فَقَارَفَ من الانحراف الأخلاقي ما يمكن استدراكه خلافا لمن كان منشأ انحرافه في الفكر والتصور فقد يكون من أعف الناس ولكنه يأبى الانقياد لمرجع الوحي فما امتناعه من الفواحش وقوادح المروءات إلا أنها تخالف عن هواه ، لا أنها تخالف عن حكم السماء فلو كانت على هواه لقارفها وما وجد حرجا فقد وافقَ الوحيَ في استقباحها عرضا لا قصدا ، وهو مع ذلك لا ينفك ينافح عن أصحابها باسم الدفاع عن الحريات العامة وإن خرقت ناموس الشريعة بل وهتكته هَتْكًا ! ، فحقيقة الأمر أن الهوى هو الأصل في الرؤية الشخصية الأخص وكذلك الشأن في الرؤية السياسية الأعم فالعقل الجمعي السياسي يأبى الانقياد لمرجع من خارج ، وهو مرجع الدين النازل سواء أكان حقا أم باطلا فتلك هي الفلسفة التي تحكم العالم في العصر الحديث إذ نجحت القوى الخفية التي تغلغلت في نخب المركز ، نجحت في القضاء على الإمبراطوريات القديمة ، فأعادت أوروبا اكتشاف نفسها ! فهويتها الكاثوليكية قد استبدلت بها الهوية العلمانية اللادينية ذات الروح الصليبية التي تشكو من عقدة نفسية تاريخية تجاه الإسلام فهو العدو الاستراتيجي الأول سواء أكانت أوروبا كاثوليكية محافظة أم بروتستانتية إصلاحية أم علمانية لادينية فتلك هي مراحل التطور الفكري التي انتقلت بها أوروبا من الدين إلى اللادين ولم يتغير العدو الاستراتيجي خلال جميع المراحل ، وإن كان ثم إعادة تموضع في وجدان الفكر والسياسة إذ انتقل من الكاثوليكية إلى العلمانية فكانت الكاثوليكية خصما مرحليا فنشأت البروتستانتية بتخطيط محكم لضرب العدو المرحلي والانتقال إلى الطور العلماني اللاديني الذي لم يجد غضاضة في التكيف مع العلمانية لا سيما والبروتستانتية لا تقيم للأعمال وزنا فهي تحاكي الإرجاء المحدث في المقالات الإسلامية فالدين ليس إلا عقدا ساذجا في النفس ، فمع إعادة التموضع من الكاثوليكية إلا أن ثبات الموقف ضد الإسلام ظل كما هو بل اشتد تعصبا كما في أطروحات اليمين النصراني الذي تحالف مع الجناح الجمهوري الجديد وكان من آثار هذا التحالف الآثم ما وقع من حروب مدمرة في بلاد الأفغان والعراق بعد هدنة مع العالم الإسلامي ما انفك فيها كبار الاستراتيجيين لا سيما الجمهوريين يحذورن من الإسلام فهو العدو الاستراتيجي الأول وإن كان ثم أعداء فهم أعداء مرحلة مؤقتة ، كما تقدم ، فكانت الكاثوليكية العدو المرحلي إبان الإصلاح الديني ثم الانقلاب الثوري العلماني وكانت الشيوعية العدو المرحلي بعد الحرب العالمية الثانية وظل الإسلام ثَابِتًا لا يتغير فعداوته ما حييت ! كما قال حيي بن أخطب لما رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَتَبَيَّنَ من صحة دعواه جبروه ، فالحلف الأطلنطي كما يحكي أحد مسئوليه المشهورين ممن أسلم وكان له جهد مشكور في التصنيف نُصْرَةً للدين الخاتم ، الحلف الأطلنطي ممثلا في كبار جنرالاته يرى الإسلام القادم من جنوب المتوسط هو الخطر الداهم ولذلك تَتَلَخَّصُ مشاريع الحلف ، كما يقول بعض الباحثين ، تَتَلَخَّصُ في تطويق العالم الإسلامي عبر سلسلة من القواعد التي تمتد من جنوب المحيط الهندي إلى البحار الإقليمية ، بحر العرب والخليج والبحر الأحمر إلى البحر الأبيض الحاجز المائي بين العالم الإسلامي وأوروبا العلمانية ذات الجذور الصليبية التي تحركها قوى خفية فَتَّتَتْ أوروبا إلى أجزاء ذات قوميات وأعراق لتسهل السيطرة عليها عبر مؤسسات تصنعها هذه القوى الخفية وتوجهها حيث شاءت عن طريق عقول استراتيجية ومراكز بحثية متخصصة ومؤسسات فاعلة كالبنتاجون والحلف الأطلنطي فدورها يجاوز دور الحرب كما يظهر بادي الرأي ، فهي مؤسسات ذات جذور ضاربة في الفكر والسياسة فدورها في الحرب يجاوز دور الحرب العسكرية المباشرة ، فَثَمَّ مؤسسات بحث تتبع هذه الهيئات ، وكبار موظفيها من المدنيين أو العسكريين يمرون بمراحل تكوين تجاوز حد التكوين العسكري فلا بد من رسائل علمية متخصصة في الاستراتيجيات الفكرية والسياسية .
    ولو تدبر الناظر لوجد أن الأرثوذكسية في الشرق ، لا سيما في مصر ، تمر بنفس المرحلة الإصلاحية العلمانية ! ، فإن التبشير البروتستانتي بديل ثوري للطرح الأرثوذكسي التقليدي الذي لا زال يحكم السيطرة على المجتمع النصراني المحافظ خلافا لجيل الشباب الثائر الذي يشكو من نفس ما شكت منه أوروبا الكاثوليكية ، فهي تروم الثورة على طرح كهنوتي مستبد ، ولكنها ، في المقابل ، تحمل في صدرها إرثا متراكما من التعصب ضد الإسلام فلئن رامت الانعتاق من الكهنوت فلا بد أن تبحث عن أي طرح آخر داخل الدائرة النصرانية فكل طرح يمكن التعاطي معه إلا الإسلام ، فجاءت البروتستانتية لتنقذ النصرانية من هذا المأزق ! ، وإن كانت خصما رئيسا للأرثوذكسية فهي تقدم لهذا الشباب الثائر البديل النصراني التجديدي دون أن يضطروا إلى التحول إلى الإسلام فَفِي النصرانية من التجديد والإصلاح ما يكفي ! ، لا سيما وفكرة المخلِّص والملك الألفي الذي يمر عبر سلاسل من الملاحم ، لا سيما وهذا الطرح يُغْرِي الشباب الذي يحلم بالبطولة في ميدان القتال ! ، وما أغفلته بعض التيارات الإسلامية السياسية أنها رامت احتضان هذا التيار البروتستانتي فهو تيار ثوري تجامل به النصارى الذين لا يدركون الفوارق الدقيقة بين المذاهب ، وتجامل به الغرب لتثبت أنها منفتحة على جميع التيارات ، وتجامل به الثورة مع حرصها في المقابل على علائق حميمة مع الكنيسة تغلب عليها المداهنة التي لم تُغْنِ عنها شيئا في أحداث 3 يوليو وما بعدها ، فَرَامَ الإسلام السياسي بعد الانفتاحة السياسية المؤقتة بعد يناير 2011 رَامَ كعادته اللعب على جميع الأوتار السياسية والفكرية والدينية والمذهبية ، فكانت المجاملة السياسية ! أن تولى أحد أقطاب الطرح البروتستانتي في مصر وهو الدكتور رفيق حبيب ، وهو باحث جاد يتسم بعمق الطرح وقوة الحجة مع إنصاف تغذيه الخلفية الأكاديمية الموضوعية ، أن تَوَلَّى هذا الباحث منصب نائب رئيس الحزب الأم الذي تصدر مشهد الإسلام السياسي في تلك المرحلة ، مع أن الناظر لو تدبر مآل الطرح البروتستانتي لعلم أنه خطر على جغرافية مصر السياسية بل هو أعظم من طرح الكنيسة الأرثوذكسية المباشر سواء رامت امتيازات أكثر أو زادت في الغلو والشطط فطالبت بحكم ذاتي أو استقلال كلي ! ، فهذا الطرح يَتَبَنَّى خيارا ظاهره بروتستانتي وباطنه صهيوني ، فعقيدة الملك الألفي تستوجب تأييد يهود باستجلابهم إلى الأرض المقدسة ، فلا عجب أن كان وزير خارجية بريطانية بلفور الذي أعطى الوعد المشئوم بوطن قومي ليهود في الأرض المقدسة في نوفمبر 1917م ، لا عجب أن كان هذا الرجل بروتستانتيا وكان الطرف الثاني أحد أقطاب عائلة روتشيلد العائلة اليهودية المشهورة التي تمسك بعصب المال والأعمال في بريطانيا بل والعالم كله ، فهذه العقيدة تهدد جغرافية مصر السياسية لأن تمكين يهود من الأرض المقدسة يمر عبر مراحل تنتهي بإضعاف الكيانات السياسية المجاورة تمهيدا لتجزئتها مع انحسار السلطة المركزية فيها أو انهيارها انهيارا تاما ، فكانت المرحلة الأولى اختراق النخبة العسكرية العثمانية إبان حركة التحديث للجيش العثماني التقليدي باستبعاد العنصر الإنكشاري واستجلاب نظم عسكرية حديثة لا تنفك تَقْتَرِنُ بمناهج في الفكر والتصور فإن العسكرية في الغرب ، كما تقدم ، ليست نظم قتال فقط ، وإنما مفهوم الحرب يجاوز ذلك إلى تشكيل العقول والعقائد القتالية .... إلخ ، وهو ما ظهرت آثاره ولا تزال في النخب العسكرية التي تهمين على الفضاء السياسي في العالم الإسلامي بعد انهيار الخلافة العثمانية على يَدِ نخبة عسكرية عثمانية نشأت على أفكار القومية والوطنية التي جعلت العالم العربي عِبْئًا على الجنس التركي الطوراني بعد أن ضاقت دائرة الولاء فلم تعد تجاوز حد الوطن التركي ، وهو ما قَابَلَهُ العرب بعقد ولاء ضيق قَصَرَ الولاية على رابطة العروبة فكانت رابطة الطورانية التي اضطهدت العرب وَهَمَّشَتْهُمْ ، وكانت رابطة العروبة رد الفعل الباطل على باطل ، فعصبية جاهلية عربية تقابل أخرى طورانية ، وأحسن الخصم توظيف هذه العصبية ، فالأفكار الطورانية جعلت التخلص من الخلافة الإسلامية حتما لازما لتعارض الرابطة الإسلامية مع الرابطة الطورانية ، وذلك ما مهد لتقسيم العالم الإسلامي وتفتيته بحل عرى الدين كما وقع قبل ذلك في أوروبا ، فالمخطط واحد وهو ، كما تقدم ، القضاء على أي رابطة فكرية تسهم في إنشاء كيان إمبراطوري كبير تصعب السيطرة عليه فلا بد من تفتيته أولا حتى يسهل التحكم في أجزائه ، وواكب هذا الصراع بين الرابطة الطورانية والرابطة الإسلامية في عاصمة الخلافة ، بزوغ نفس الأفكار القومية في الولايات العربية لا سيما وهي تعاني من إهمال الدولة العثمانية لما تمر به من ضعف ، ولما سيطر على مراكز القوى فيها من أفكار طورانية عنصرية ازدرت العرب الذين ردوا بالمثل وراموا الاستقلال بكيان عربي يقابل الكيان التركي ويستلب منه منصب الخلافة ، أو تكون الخلافة ، كما قال بعض المفكرين العرب من ذوي التوجهات القومية العربية ، تكون تاجا بُرُوتُوكُولِيًّا تَحْتَهُ مُلْكَانِ : واحد للترك وآخر للعرب ! ، فكل جنس يستقل بملك يدير شئونه بمعزل عن الآخر وإن جمعهما حكم صوري ضعيف الأثر بل وربما عديمه ! ، فكان انتشار هذه الأفكار بين العرب مادة ثورة أحسنت بريطانيا ومن ورائها قوى التخطيط المحكم ! ، أحسنت استثمارها بإشراف عميل الاستخبارات الشهير لورانس العرب الذي قاد جموع العرب أن تطرد الجيوش العثمانية من الولايات العربية في الحجاز والشام ، فكانت هي التي مهدت الأرض لإنشاء الكيان اليهودي فهي التي طردت العثمانيين من بيت المقدس وهي التي دخل الجنرال إدموند ألنبي القدس تحت حرابها ليعلن انتهاء الحروب الصليبية بالاستيلاء على البيت المقدس وكان ذلك إيذانا بمرحلة جديدة من مراحل إنشاء الدولة اليهودية فَقَدْ بدأت عملية التفتيت للعالم الإسلامي ، فحارب بعضه بعضا ، إذ حارب العرب الأتراك في الجبهة الشامية وفي الجبهة المصرية فكان الجيش المصري الذي يفتخر بذلك الآن على صفحاته الإلكترونية ، كان خطا خلفيا يدعم الجيوش البريطانية الزَّاحِفَةِ من سيناء إلى فلسطين ، ومن عجب أن كثيرا من المناضلين المخلصين كعزيز المصري الذي انضم لجمعية الاتحاد والترقي التركية وهي التي نادت بالأفكار القومية الطورانية المعادية للإسلام أولا ثم العروبة ثانيا فشارك عربي في حركة انقلاب عسكري مبكر على النظام السياسي الجامع للعالم الإسلامي آنذاك كرقعة أرض واحدة وإن كان الرباط الجامع واهيا يكاد ينحل ولكنه لا زال يحظى بسلطان روحي وإن ضَعُفَ سلطانه الزماني السياسي فكان في أضعف أحواله مُبَرَّئًا من الخيانة الدينية والسياسية ، كما ينوه بعض الفضلاء بالفارق بين الإنكشارية التقليدية والجيش الحديث الذي تشبع بالأفكار القومية الغربية ، فالإنكشارية مع عظم فسادهم وإفسادهم بتدخلاتهم في الحياة السياسية إلا أنهم كانوا جزءا من الكيان فلم يكونوا وافدا غريبا قد تشبع بأفكار تناقض الفكرة الإسلامية التي تتبناها الدولة مع عظم ما فيها من قصور وانحراف ، وأما الجيش الحديث فهو متهم بالخيانة الدينية والأيديولوجية وهي تهمة لم تسلم منها جميع الجيوش الحديثة في مرحلة ما بعد الخلافة فإنشاؤها وتصميمها كان ابتداءً لتطويق الشعوب إذا انتفضت لا سيما إن كانت الانتفاضة تروم استعادة الرابطة الإسلامية ، وهو السر فيما تقدم التنويه به من العنف الشديد الذي تمارسه هذه المجموعات الوظيفية العسكرية ضد الشعوب ولو في مشاهد جزئية صغيرة كمشهد اقتحام جزيرة الوراق محل الشاهد الأول ، فإنها تشعر في قرارة نفسها ولو على مستوى القيادة المركزية ، تشعر أنها تخالف الشعوب تَوَجُّهَاتِهَا الفكرية فضلا عن مصالحها الاقتصادية ، فتنظر إلى الشعوب باحتقار فنظرتها نظرة المعلِّم الذي نشأت في معاهده فنجح في غرس قيم الحضارة الغربية في نفوسها وهي قيم تَتَّسِمُ بالاستعلاء واحتقار الآخر ، فضلا عن الاستخفاف بالحرمات والاستهانة بالأرواح ، فأرواح العامة تخالف عن أرواح النخب ، فهي نخب قد تشبعت بالأفكار الغربية ، خلافا للشعوب التي لا تزال تحتفظ بقدر من الثقافة الإسلامية ، ولو في الجملة ، فلا زالت تشكل حاجزا أمام عملية التطبيع الكامل مع القيم الحضارية الوافدة والكيانات السياسية التي زرعت في المنطقة ، فالتطبيع أمر يجاوز حد التطبيع مع الكيان اليهودي في الأرض المقدسة ، فهو يجاوز التطبيع السياسي والاقتصادي ، إلى التطبيع الفكري الذي يكسر حاجز العزلة الذي فرضته الشعوب على كيان يهود فالحكومات قد صممت كتصميم الجيوش ، فالنخب السياسية ، أيضا ، قد نشأت في محاضن المحتل الذي قَسَّمَ الأرض ورسم الخرائط لتفتيت المنطقة واستعمال نخب وظيفية سياسية وعسكرية تحقق غاياته ولو على مدى استراتيجي طويل قد يَسْتَغْرِقُ أجيالا تَفْقِدُ ممانعة الدين والفكر ، ولو تدريجيا ، فمن وضع هذا الخط الاستراتيجي ليس في عجلة من أمره إذ رسم الخطوط ووضع القاطرة على القضبان وأطلق إشارة البدء لينطلق القطار على خط قد رسم بدقة وإحكام فهو يحقق أهدافه بإذن التكوين النافذ عبر مراحل بطيئة لا تلحظها العين إلا إذا دققت النظر أو انتهى بها الأمر إلى النتيجة فهي تدرك الحقيقة بعد فوات الأوان ، فليس من الحكمة الإسراع في إنضاج الطعام على نار مستعرة فذلك ما يفسده فضلا أنه يفضح الطاهي خلافا لوجبات السياسة التي تَنْضُجُ على نار هادئة دون إثارة لضجة قد توقظ النفوس فتقاوم بل قد يلجأ المخطط الاستراتيجي إلى توظيف خصومه دون أن يشعروا ، أو اصطناع خصوم يظهرون المقاومة لِيَلْتَفَّ الناس حولهم وهم جزء من المؤامرة كما اصطنع لكل مرحلة من مراحل التقسيم والتفتيت زعماؤها الخالدون ، فكان أتاتورك أبو الترك باكورة خط إنتاج لكثير من الزعماء ، وهو خط خدع بأفكاره الثورية كثيرا من المغفلين في الفكر والسياسة والحرب ومنهم عزيز المصري مع عظم بلائه ، فقد شارك القائد العربي في ثورة الاتحاد والترقي في 1908 والتي عزلت آخر خليفة قوي ذي نظر استراتيجي عميق وهو السلطان عبد الحميد الذي كان حجر عثرة رئيس أمام مشروع الدولة اليهودية ، حجر أساس التقسيم والتفتيت فكان عزله حتما لازما وشارك فيه من شارك من العرب كعزيز المصري ثم تبين له أنه مغفل قد شارك في ثورة طورانية عنصرية تحتقر العرب فتحول إلى نصرة الثورة العربية وتولى قيادة أركانها ثم تبين له مرة أخرى أنه مغفل ! لَمَّا رأى سيطرة الإنجليز والضباط المقربين منهم على مقاليد الجيش لتنفيذ مخطط غربي محض يعد العرب بخلافة عربية من الدوحة النبوية ! ، ليستعملهم كمجموعة وظيفية تطعن الجسم الإسلامي الواحد ، فثم مجموعة وظيفية طورانية تطعن في المركز ، وثم مجاميع وظيفية عربية تطعن في الأطراف ! ، والجميع قد استغفل فالغاية الرئيسة تفتيت هذا الجسد الواحد إلى أجزاء فَلَنْ يَنْشَأَ كيان يهود إلا بعد تفتيت الجغرافيا السياسية الإسلامية الأعم ، والعربية الأخص ، وبعد ذلك اتصل عزيز المصري بقائد الجيش العثماني المحاصر في المدينة المنورة فخري باشا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحلم العربي ! ، أن يدعمه في مقابل حكم ذاتي موسع للعرب تحت مظلة الخلافة العثمانية ولكن الوقت كان قد تأخر فعجلة التقسيم قد دارت ، وقضى الرب ، جل وعلا ، بتفتيت الجغرافيا السياسية العثمانية ، وإن ظلت الخلافة رمزا بلا سلطان في السياسة والحرب فكانت الحرب العالمية الأولى خطوة على طريق التقسيم لهذه الإمبراطورية مترامية الأطراف ، وكان زعماء المرحلة الخالدين ! ، أنور باشا ومن بعده جاء أتاتورك ، أبو الترك ! ، وهو الذي أعلن الوفاةَ الرسمية للخلافة الإسلامية الجامعة في 1924 بعد وفاتها الإكلينيكية في 1909 بعزل السلطان عبد الحميد آخر رجالات الخلافة الفاعلين فمن تلاه كان اسما بلا مسمى ، وصورة بلا حقيقة فكان واجهة سياسية للحركة الاتحادية ، وواكب ذلك إنشاء الجيوش الوطنية لتكون بديلا للجيش العثماني المركزي فصار لِكُلِّ إقليم جيش ، وهو ما صنعه المحتل على عينه ، سواء أكان أساسه علمانيا كما كانت الحال في مصر ، أم جمع إلى هذه السوأة سوأة أعظم نكاية وهي السوأة الطائفية كما كانت الحال في الدولة السورية وهو ما تدفع مصر وسوريا الآن ثمنه وإن قسطا متأخرا ! ، فكان لهذه الجيوش دور وظيفي فاعل في وأد أي صحوة لا سيما إن كان مستندها الإسلام ، ولو هوية مجملة ، وكان الدور التالي دور الإعلان الرسمي عن ولادة الدولة اليهودية بعد عمل دءوب تحت رعاية المحتل البريطاني وفي ظل حركة تغريب وعلمنة ، إن صلبة كما كانت الحال في تركيا ، أو ناعمة كما كانت الحال في مصر ، مع تحكم وسيطرة تامة على النخب السياسية والعسكرية ، واقتضت السنة الربانية أفول الشمس البريطانية وسطوع أخرى أمريكية وَلَاؤُهَا للفكرة اليهودية أعظم فتلك نقلة نوعية في الفكر واكبتها أخرى في السياسة والحرب فبدأت الانقلابات تترى في الدول العربية باسم الثورة التي اتخذت بعدا قوميا وهو بعد يهدد الدولة اليهودية ولكنه أهون من البعد الإسلامي فلا ضير أن يصبر المحتل على أذى الزعيم الخالد ! ، وهو رجل تلك المرحلة ، فثم حساب دقيق يراجح بين مصلحة بقائه ومفسدة تحرشه ولو لفظيا بكيان يهود مع أن نشأته وخلفيته الفكرية والسياسية تجعل ذلك التحرش جزءا من الخدعة ، وإن لم ينف ذلك أن الرجل كان فعلا ذا مشروع قومي وهو في حد ذاته يخالف عن الجغرافيا السياسية التي رسمها المركز للشرق المسلم ، ولكن مصلحة بقائه كانت أعظم إذ تولى الإجهاز على صحوة إسلامية ناهضة لم تخل من أخطاء جسيمة في التصور والاستراتيجية بعيدة المدى وهو أمر لا تزال تشكو منه مع تَوَالِي نكباتها بنفس الأخطاء وربما الأشخاص ! ، فكانت هذه الصحوة حجر عثرة برز فجأة فكان الصبر على الزعيم القومي ولو مؤقتا حتما لازما حتى ينهي مهمته بنجاح في ضرب الصحوة الإسلامية ضربة قوية في وقت كان كيان يهود يَنْمُو باطراد ، وَيُحَصِّلُ من أسباب القوة ما يجعله يستقر بعد انتهاء مرحلة النشأة ، فصبر الغرب على الزعيم القومي حتى أنهى المهمة في ضرب التيار الإسلامي ثم كان التخلص منه ليظهر زعيم جديد بطرح جديد وهو طرح الدولة الوطنية فاختزل الطرح من إسلامي إلى قومي إلى وطني فذلك تفتيت في الفكر تظهر آثاره في الأرض في الجغرافيا السياسية آنفة الذكر ، فكان التطبيع السياسي مع الكيان اليهودي وبعد انتهاء المهمة بنجاح تم التخلص من الزعيم كالعادة وجاء بعده من رسخ نفوذ يهود في المنطقة بإضعاف مصر التي سقطت في قبضة التطبيع الذي نال من دورها السياسي والعسكري فضلا عن إضعافها الفكري والاقتصادي والاجتماعي وكان الجيش والأمن مجموعا وظيفيا فاعلا في هذا المخطط بما منح له من امتيازات كبيرة مع إطلاق يده في البطش الصلب أو الناعم فالآلة العسكرية حارسة لمشروع التطبيع ، وهي آلة أنتجها مجتمع اختلبت معاييره في التربية فقد سرى الاستبداد من الدولة إلى الأسرة فصار العنف وسيلة التأديب على وجه يفقد الطفل ثقته بنفسه أن يجرب ويخطئ ليتعلم فهو يخشى التجربة والتفكير لئلا يخطئ فيعاقب عقابا عنيفا يدمر شخصيته فينشأ جبانا لا رأي له ، وتسهل السيطرة عليه بعد ذلك إذ تَنْتَقِي السلطة منه عناصر أمنها لتمارس ضدهم من سحق الإرادة في معاهدها العسكرية ما يجعلهم مادة خام يعاد تشكيلها وفق سياسة لا تعرف إلا الطاعة العمياء في الضرب والقتل فَتَتَحَوَّلَ هذه المجاميع إلى آلة قتل بيد السلطة تطلقها على المخالف أيا كان نوعه لا سيما المخالف الأيديولوجي الإسلامي فهو أعظم من استباحت تلك المجموعات الوظيفية الأمنية دماءه وسائر حرماته .
    والآن دخلت المنطقة طورا جديدا يفتقر إلى زعيم جديد يتسم بالجرأة السياسية ! ، وَهُوَ طَوْرُ تَوَسُّعِ الكيان الصهيوني فلا بد من تفتيت المفتَّت ، كما يجري الآن على قدم وساق في بلاد الشام ، والجزيرةُ العربية على مشارف ذلك ومصر كما يقول بعض الاستراتيجيين الجمهوريين هي الجائزة الكبرى فما يحصل فيها من هياج وفوضى يقحم فيها الجيش في معارك تصطنع بها عداوات مع كافة أطياف المجتمع ، مع النصارى كما حدث في ماسبيرو ، ومع التيار الإسلامي ، ومع المجتمع غير المؤدلج كما يحصل الآن في مواجهات جزئية كأحداث الوراق فالصورة المكبرة لذلك تجاوز حد مواجهة وصراع على جزيرة رجاءَ استلابها وتحقيق بعض الأرباح المادية فذلك هدف تكتيكي في طريق غايته هدف استراتيجي وهو تحويل مصر إلى كتلة ملتهبة يسهل تقسيمها أو تحجيمها على أدنى الأحوال بما يُصْطَنَعُ من العداوات الفكرية والسياسية والاجتماعية .... إلخ ، ولا بد من جرعة عنف يمارسها الزعيم الذي حُمِّلَ الآن ما حُمِّلَ من تقسيم الدولة الوطنية أو إضعافها بعد طور أول فُتِّتَتْ فيه الدولة الإسلامية ، وطور ثان فُتِّتَتْ فيه الفكرة القومية فلم تنجح في إقامة دولة وإنما كانت فكرة ضربت بها الصحوة الإسلامية ثم أجهز عليها في 67 ، فانتهت هذه القوى من تفتيت المركز في أوروبا ، كما تقدم ، ثم شرعت في اختراق العالم الإسلامي ، فكان محمد علي ودولته أول معول يهدم بنيان الكيان الإسلامي الجامع في الشرق مع ما أصابه آنذاك من وهاء إذ نسي حظا مما ذكر به فجرى عليه من السنن ما جرى على النصارى ، ثم كانت ثورة يوليو إلى ما بعدها من هزيمة 67 ، وحرب العاشر من رمضان ومفاوضات السلام وتغيير بوصلة السياسة تجاه المركز وهو ما أدى إلى ظهور نخبة جديدة أَثْرَتْ في عصر الانفتاح وكان لها دور رئيس في الإفساد لا سيما وقد تحالفت مع السلطة التنفيذية التي تمتلك أسباب القوة التشريعية والقضائية والتنفيذية ، ثم كانت نخبة تأولت مقررات السلام والتطبيع فامتثلتها خير امتثال ! ، ثم كانت نخبة التفكيك والتمكين ليهود أن يتوسعوا بعد أن وُلِدَ كيانهم ورسخت أركانه في الأرض المقدسة .

    ولا يكون ذلك ، عند التدبر والنظر ، إلا بموجة عارمة من العنف فهو أداة رئيسة في إعادة رسم الخرائط الجيوسياسية والديموجرافية ، وهذه الموجة من العنف تقترن بحال من البلادة الذهنية والانهيار الأخلاقي وذلك ما يسهم في ارتفاع معدلات العنف وتحول المجتمع إلى سادة في شق ، وعبيد في آخر ، وبينهما مجموعة وظيفية تمارس مهام الحراسة والتأمين للسادة ، والقمع للعبيد ، فهم إلى وصف الميليشيات أقرب ، كما كانت الحال أواخرَ الدولة العثمانية فكان ذلك ، أيضا ، من الخلل الجسيم في بِنْيَةِ الدولة العثمانية ، دولة الإقطاع العسكري ، فَتَفَشَّى الظلم شيئا فشيئا وذلك طابع الدولة العسكرية ، وإن بدأت دولة جهاد ، وكان لهذه الشعيرة سهم وافر أيام السلاطين الأوائل ، وهو ما استمر بعد ذلك وإن دخله النقص فلم يخرج الأمر من قبضة الشرع مع ما وقع من خلل عظيم في التطبيق ، فالنظرية الإسلامية كانت هي الأصل ، والفساد لم يبلغ أصل النظرية السياسية وإن نال من الدين بما كان من محدثات علمية وعملية كالإرجاء والتصوف والتأويل في الإلهيات ..... إلخ ، فكل أولئك لم ينل من أصل الدين الجامع بتنحية الشرع الخاتم ، وإن نَالَ من كماله الواجب ، فلم تكن الأفكار العلمانية قد تسللت إلى المحيط العثماني الإسلامي ، وإن كان الخلل في النظرية السياسية والعسكرية فضلا عن الخلل الفكري الذي اضطرب به التصور الإسلامي فكان التقليد والجمود ، وإن كان ذلك مما مهد لتسلل الأفكار العلمانية إلا أن البناء لم يكن قد اخترق في مراكز تحكم وسيطرة رئيسة هي مفاصل الدولة والجيش ، فبدأ الاختراق زمن السلطان محمود الثاني بعد فشل تجربة السلطان سليم الثالث الذي رام الإصلاح مع الاحتفاظ بهوية الدولة وثقافتها الخاصة ، فكان له باع في علوم التجريب مع تعظيمه الشرعَ ولكن التجربة فشلت لتعنت الإنكشارية الذي تحولوا تدريجيا إلى مجاميع ضغط في السياسة ، فأفسدوا فيها ما أفسدوا على عادة رجال الحرب إن اشتغلوا بالسياسة ولو في إطار محكم ، فلا يلبث تدخلهم أن يحدث من الفساد في عالم السياسة ما يظهر أثره في أجيال الدولة التالية ، إذ يزيد التدخل شيئا فشيئا لا سيما مع غياب الزعيم القوي الذي يهابه رجال الحرب فإذا شغر مقعد السياسة من رجل ذي حشمة ، اجترأ العسكر وزادت تدخلاتهم في الحياة السياسية وصار لهم من الامتيازات ما ينافحون عنها فهم أشد الناس خصومة لأي إصلاح فضلا عن الثورة ، لأن ذلك يسلبهم الامتيازات ويحجم نفوذهم الذي زَادَ عن حده حتى شغلهم عن الوظيفة الرئيسة وظيفة الحرب فكان انقلابهم الذي تكرر على السلطة عزلا بل وقتلا في أحيان ، ولكنهم في أسوإ أحوالهم ، كما ينوه بعض المحققين ، لم ينفذوا انقلابا على أيديولوجية الدولة ونظام الحكم فكان انقلابا داخليا لا انقلابا يستمد الأيديولوجية والتأييد من الخارج كما وقع بعد ذلك في انقلاب مصطفى كمال أتاتورك فهو أول انقلاب استمد أيديولوجية تخالف عن أصل النظرية الإسلامية في السياسة والحكم ، فضلا عن استمداد الدعم الخارجي لا سيما البريطاني ، فكان مصطفى كمال رغم نشأته الثقافية الفرنسية التي تشرب منها الأنموذج العلماني الصلب ، أنموذج الاستئصال للهوية الدينية واستبدال الهوية العلمانية بها دون أي هامش ديني ، ولو في المظاهر والأحوال الشخصية ، كان مصطفى كمال رغم هذا التكوين الثقافي الفرنسي ، كان مدعوما من بريطانيا ، فعقد معه اللورد كيرزن معاهدة لوزان المسمار الأخير في نعش الخلافة التي استبدلت بها الدولة التركية الحديثة التي حكمت بالحديد والنار وتحول الجيش فيها لأول مرة إلى جيش احتلال داخلي فهو يخالف عن هوية المجتمع خلافا للإنكشارية في أسوإ أحوالهم فلم يكن خلافهم مع الساسة خلافا أيديولوجيا وإنما كان خلاف نفوذ وسيطرة ، وهذا فارق رئيس بين انقلاب من داخل ، وانقلاب آخر يأتي من خارج أفكارا وتأييدا سياسيا وماليا وعسكريا ..... إلخ وإن كان كلاهما مذموما لما يَنْجُمُ عنه من فوضى ولما يُسْتَبَاحُ فيه من الدماء والحرمات ، فتحول الجيش من قوة تدعم المشروع السياسي إلى مجموع وظيفي يصارع المؤسسة السياسية النفوذَ والسيطرة داخل نفس الإطار الأيديولوجي ، إلى مجموع وظيفي يصارع الدولة نفسها فهو يروم الخروج عن أيديولوجيتها الرئيسة ، فالأمر يجاوز التحديث في التسليح والتدريب ..... إلخ فتلك الحجة التي دخلت بها أفكار التغريب إلى الجيش العثماني ابتداء ، أوائل القرن التاسع عشر مطلع خلافة السلطان محمود الثاني واستغرق الأمر نحو قرن من الزمان لتنشأ نخب جديدة في الجيش وفي السياسة بلغت أعلى مناصب الدولة التنفيذية ، وهي نخب تشربت أفكار التغريب إما بواسطة المدرِّب العسكري الوافد فقد وَفَدَ بِطَرْحٍ كامل يجاوز حد التحديث المادي فجاء بأفكار تخالف عن عقيدة الجيش القتالية التي كانت تدور في فلك الأيديولوجيا الإسلامية ، ولو في الجملة ، فكان شعار الجهاد هو الشعار الرئيس وإن أفرغ من جملة وافرة من مَضَامِينِهِ المحكمة ، إلا أن الأمر ، كما تقدم ، لم يبلغ أصل النظرية ، فتشربت النخبة الجديدة أفكار التغريب إما بواسطة المدرِّب العسكري الوافد أو بواسطة البعثات التي وفدت على أوروبا لطلب العلوم الحديثة ولم يخل الأمر ، أيضا ، من تمرير الأفكار العلمانية في مقررات الدراسة التجريبية ، وهو ما صنع محمد علي في نفس التوقيت في مصر ، فكانت التجربتان ، في تركيا وفي مصر ، تَسِيرَانِ على نفس الجادة ، وإن اصطدمتا عسكريا فلم يكن ثم خلاف بينهما في الغاية الفكرية والسياسية ، وإن لم يبلغ السلطان محمود الثاني من الخبث وسوء الطوية ما بلغ محمد علي ، فمحمد علي عسكري خائن بامتياز ، نجحت فرنسا في تجنيده بواسطة قنصلها في مصر الذي اختاره ليكمل مشروع العلمنة في مصر ، فالحملة الفرنسية ، كما يقول بعض الفضلاء ، قد فشلت عسكريا ، ولكنها نجحت في إحداث الصدمة الأولى التي تولدت منها شرارة العلمانية ، فبذرت الحملة بذرة جديدة في أرض تخالف عنها فهي أرض إسلامية شرقية لا تقبل بذرة العلمانية الغربية ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، أمر يجاوز البيئة الإسلامية وإن كانت حساسيتها أعظم لما تمتلك من مرجع سماوي محكم فهو أشد ممانعة لأي فكر أرضي محدث ، فالأمر ، مع ذلك ، يجاوز البيئة الإسلامية فأي بيئة فكرية تروم الحفاظ على خصائصها فتدافع الوافد الذي يروم اختراقها ، كما هي الحال في الصين واليابان والبيئات الثقافية في الشرق الأقصى ، كما ينوه بعض المفكرين ، فَمَعَ أنها تأرز إلى مراجع أرضية محدثة فلا تأرز إلى وحي محكم فدياناتها ومناهجها أرضية محضة ، فمع ذلك إلا أن الناظر في أحوالها الثقافية بل وعوائدها اليومية في الطعام واللباس الوطني وعلاقة الجنسين ..... إلخ ، إلا أن الناظر في ذلك يجد ممانعة ، ولو نسبية لا سيما في الأجيال القديمة ، فذلك سنن عام في أي مدافعة بين أفكار متعارضة تختلف مصادرها وإن كانت جميعا أرضية محدثة ، فالبيئة الشيوعية تمانع الأفكار الرأسمالية مع أنهما نتاج عقل بشري ، فجنس الاستمداد واحد وإن اختلفت آحاده ، فالتغاير والتدافع بين الإسلام ، وحي السماء ، وبقية المناهج ، هذا التغاير والتدافع يجب من باب أولى ، وهو ما يولد نفرة عظيمة بين المجتمع والنخب العلمانية اللادينية التي نشأت في كنف الاحتلال ، أو في كنف مَعَاهِدِ الخصم وجامعاته التي تدس له الأفكار في المناهج ، كما قالت سفيرة أمريكا في مصر بعد أحداث يوليو 2013 في جلسة استماع مشهورة في الكونجرس الأمريكي ، فأشادت بالنخبة العسكرية في مصر فهم جيدون للغاية إذ ينفذون ما نطلبه منهم وهم أبناؤنا الذين تَرَبَّوا في معاهدنا العسكرية ، كما قال أحد جنرالات تركيا بعد نجاح انقلاب 1980 فهاتف الرئيس فرحا جذلا ! فلقد فعلها أبناؤنا ، كما فعلها أبناؤهم في يوليو 2013 في مصر ، فالعقل الاستراتيجي الذي يدير مشاهد الانقلاب واحد ، وأدواته من العسكر واحدة وهي أدوات تمت صناعتها في الخارج فتشربت قيم المركز في معاهد يفترض أنها معاهد حرب ، ولكن مفهوم الحرب ، كما تقدم ، قد جاوز مفهوم القتال المباشر فحرب الأفكار أشد وطأة وإن كانت ناعمة فهي تسهم في إنشاء نخب تغاير المجتمع بل وتضاده في القيم والأفكار فضلا عن المصالح والامتيازات المادية ، فبدل الولاء المادي يعضد الولاء الفكري ، فتجمع النخبة بين شبهة الفكر وشهوة الجسد ، ولا تظهر هذه النخبة فجأة وإنما هي نِتَاجُ عملٍ دءوب يستغرق سنين وأجيالا ، فاستغرق العمل في الدولة العثمانية قرنا أو يزيد حتى آتَى أُكُلَهُ في انقلاب 1908 ، وكذلك الشأن في مصر المحروسة فمحمد علي رأس حربة لِمَشْرُوعٍ سياسي علماني لم يقتصر ضرره على فترة حكمه وإنما كان الرجل صاحب مشروع وَرَّثَهُ من بَعْدَهُ ، فَوُضِعَتْ مصر على أول الطريق ثم انطلق قطار التغريب فقد عرف وجهته فسار على قضبانه بشكل آلي لا يفتقر إلى إشراف يدقق في الجزئيات وإنما ينظر في الإطار الكلي الجامع فكل خلاف داخله يهون فلا يستحق التدخل المباشر إذ لا يهدد منظومة التحكم والسيطرة الأجنبية فإن كان ثم تهديد لها فالتدخل يكون سريعا وفاعلا إما بغزو من خارج أو انقلاب من داخل يتم التخطيط له بإشراف ودعم مباشر من الخارج ولو بتوفير الغطاء السياسي فضلا عن إيفاد خبراء الانقلابات إلى الأطراف لوضع الخطط وتفعيل الأدوات التي لا تملك من العقل الاستراتيجي ما يؤهلها لذلك ولا تملك من الجرأة ما يجعلها تستقل بالقرار فلا بد من ضوء أخضر من الخارج سواء أكان مباشرا ، كما وقع في يوليو 1952 ، أم بواسطة في الإقليم ، فثم رعاة إقليميون ، كما وقع في يوليو 2013 ، وهي رعاية توجب الكفالة السياسية والاقتصادية لعجز الحراك العسكري أن يثبت أقدامه ، مبدأ أمره ، فهو يحتاج في هذه المرحلة ، مرحلة التنفيذ ، يحتاج ، كما يقول بعض الفضلاء ، إلى قوة دعم كبيرة مادية ومعنوية ليستقر وَتَثْبُتَ أركانه فيسيطر على أجهزة الدولة سيطرة تامة بعد صدمة المفاجأة ، لا سيما إن غاب الحراك الاستراتيجي الفاعل وإن كان ثَمَّ حراك شعبي فهو بلا رؤية واستراتيجية ليس إلا حِرَاكًا عاطفيًّا يشكل ضغطا ولكنه لا يحدث فارقا على الأرض إذ خرجت أجهزة الدولة عن سيطرته ، فأقصى ما يحدثه هذا الحراك ، أن يكون اعتذارا أدبيا يعتذر به الأفراد أَنْ فَعَلُوا ما أطاقوا ، وأن يكون مادة للتوظيف السياسي لتقليل الخسائر لا أكثر أو المساومة السياسية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب وإن أفضى الأمر في أحيان إلى نوع من الاتجار السياسي بمشهد إنساني صادق وذلك ، لو تدبر الناظر ، من الوهن الذي لا تسلم منه النخبة التي تدير المشهد وإن سلم منه أفراد كثر قد حرروا النية والقصد وفعلوا ما أطاقوا نصرة للحق الذي يعتقدونه ، فهذا الفصام يفضي في الغالب إلى فشل النخبة وإن نجح الأفراد بقدر ما لهم من إخلاص في القصد مع خطإ الاجتهاد في مواضع تغلب فيها العاطفةُ العقلَ ، لا سيما والرؤية والاستراتيجية غائبة فذلك ما لا يطيقه أفراد في حراك شعبي يتسم بالعفوية فلا يحسن طرائق السياسة وفنونها ، فعملاء المركز قد نجحوا في مشاهد كثيرة إذ نالهم من الدعم شيء عظيم ، وفشلوا في أخرى ، إذ كان ثم رؤية واستراتيجية مضادة كما كانت الحال في تركيا ، أو كان ثم توازنات دولية أحدثت تغييرا جوهريا أوقف المسار الانقلابي كما في أزمة الخليج الحالية ، فتوازنات السياسة والنفط والغاز ومكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه وتجميد أرصدته ! ..... إلخ قد أوقفت المسار ، ولو مؤقتا ، في ظل تصارع الأجنحة في واشنطن ، فلولا أن قدر الرب ، جل وعلا ، هذا الاختلاف الطارئ ، وهو اختلاف في أساليب الإدارة لا في الغايات الاستراتيجية فهي واحدة ، فلولا أن قدر الرب ، جل وعلا ، ذلك لنجح المسار ، ومن عجب أن التيار الإسلامي في مصر عبر وسائل إعلامه يحتفي بالتجربة التركية وهو لم يحسن الاقتداء بها بوضع رؤية واستراتيجية مضادة ، ويحتفي بالتجربة الخليجية إذ نجحت في صد الانقلاب مع أن ذلك لم يكن إلا لعلائق وثيقة بالمركز ترجمت في اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب فهي علائق لا ينكرها أحد من طرفي الخصومة فالجميع ساع في رضى واشنطن ، فالاحتفاء بذلك يلزم صاحبه أن يقر هذا النمط من التبعية المباشرة وإن اختلفت فكانت تبعية مطلقة مهينة لطرف ، وأخرى لا تخلو من حشمة وهيبة ولكنها لا تخرج أن تكون تبعية ، وأدبيات التيار الإسلامي السياسي تنكر هذه التبعية إلا على طرائق من التأويل تبلغ في أحيان حد التلاعب بالثوابت والاستخفاف بالعقول فلا يجد متأولة السياسة بُدًّا أن يخرجوا هذا الإشكال تخريجا يرضي الجماهير ولا يخرج عن ثوابت الديانة والمقاومة والممانعة ..... إلخ والجميع قد سقطوا في شباك المركز ، على تفاوت بينهم لا ينكر فلا يستويان في الحكم ، ولكن المآل واحد إذ المركز هو الذي يدير المشهد ويستفيد من الصراع في تحقيق أكبر المكاسب من طرفي الأزمة فضلا أنه يحتفظ بمفاتيح التفجير إن أراد تغييرا جذريا في الجغرافيا السياسية فعنده خطط أخرى يفجر بها المشهد إذا رأى المصلحة في ذلك ، فلا يعدو الأمر أن يكون تأجيلا إذ لم يحن الوقت بعد ، أو كان ثم عائق يحول فليس أَمْرُ البشر كن فيكون ، إذ لا يخلو الطريق من عقبات قد تؤدي إلى تأجيل القرار أو إفشاله ، فسنة التدافع جارية ، وإن على مستوى المشاهد السياسية الجزئية ، فليس الأمر تفاعلا كيميائيا لحظيا يجري على سنن آلي ، فحراك البشر يتسم بقدر زائد من التفاعل إذ يدخل فيه من الحس والإرادة والوجدان ما لا يدخل في تفاعلات المعمل ، فالإنسان ليس مركبا في المعمل وإنما هو كائن حي حساس يتحرك بإرادة تحب وتبغض ، تُوَالِي وَتُعَادِي وَتُدَافِعُ ، فالتيار الإسلامي السياسي في مصر لا يقر طبقا لأدبياته تحالف وَلِيِّهِ في الأزمة الخليجية مع واشنطن ، وإذا كان التحالف معها في مكافحة الإرهاب ثمن استقرار الحكم وصد الانقلاب فذلك إقرار ضمني أن الحكم لن يثبت إلا بالتعاطي الفعال مع واشنطن ، وربما كان ذلك خيارا مطروحا لو سنحت الفرصة ! ، لا سيما والدرس الأمريكي واضح فلا بد من قدر معين من التنازلات تطال الأفكار والثوابت لا محالة وإن خرج ذلك مخرج الحنكة السياسية والمرونة التكتيكية كما رأى الناظر في الميثاق الجديد للمقاومة الإسلامية في غزة فهو أنموذج يحتذى في تحقيق التوازنات السياسية ولو بالقفز على الثوابت قفزا ناعما يصاغ في عبارات سياسية أنيقة تؤكد على ثوابت المقاومة والممانعة ..... إلخ مع إفراغها من المضمون الشرعي المحكم ، ولو جزئيا ، لتحقق أكبر قدر من الْمُوَاءَمَةِ مع القواعد السياسية الحاكمة للنظام الدولي ، وهو أمر يتكرر كثيرا في كلام رجالات التيار الإسلامي السياسي ، فالتأكيد أن الصراع مع الصهاينة مع أن الوحي قد نص على اليهود ، والنظر في كلامهم وتخريجاتهم المتكلفة لمشاهد منكرة كاجتماع رمز كبير من رموز العمل الإسلامي فتوى وسياسة ، كاجتماعه مع بعض أحبار يهود في صورة مشهورة في لندن ، فكان الاحتجاج أنهم يهود يعادون الصهيونية مع أن أولئك لو تدبر الناظر يكنون عداوة لا تقل عن عداوة الصهاينة وإن أظهروا المعارضة لكيان صهيون وهي معارضة حقيقية إذ يرون التعجيل بإنشاء الدولة واستجلاب يهود من الشتات قبل ظهور المخلِّص ، يَرَوْنَهُ خروجا عن التوارة ، فالمخلص هو الذي يظهر أولا ثم يجمعهم ثانيا ثم يحارب بهم الوثنيين الإسلاميين ثالثا ! فمآل الأمر في كلتا الحالين كراهية الإسلام وأهله وعدواته المستحكمة سواء أكانت صهيونية استعجلت العداوة والحرب أم يهودية تنتظر خروج المخلِّص ، وذلك ما يحاكي الخلاف الجوهري في الطرح السياسي الإيراني المعاصر ، طرح ولاية الفقيه النائب عن الإمام المنتظر فهو ينوب عنه في إقامة الدولة وقيادة السياسة والحرب وذلك ما يخالف عن الطرح الكلاسيكي الذي ينتظر خروج المهدي فلا حكم ينشأ ولا سيف يرفع إلا بعد أن يظهر ، فمن استعجل كما استعجل الصهاينة فهو خارج عن المذهب بل وكافر كما نصت فتاوى لمرجعيات معتبرة في المذهب كفرت الولي الفقيه الذي خالف عن الأمر الأول فاستعجل في أمر السياسة والحرب ، والجميع ، مع عظم خلافهم ، يُكِنُّ لأهل السنة مشاعر العداء فالمرجع الذي أفتى بتكفير الولي الفقيه هو المرجع الذي أفتى بحرمة قتال المحتل الأمريكي ! ، فكلاهما لا يريد بأهل السنة خيرا ، وكذلك شأن الصهاينة واليهود فالطرق قد تختلف ولكن الجميع قد اتفق على بغض الإسلام وأهله والتبييت لحربه ، فالصورة التي تجمع صاحبها بأحبار يهود لا تقل بشاعة عن الصورة التي تجمع صاحبها بساسة صهيون ، والتفريق بينهما ، هو ، أيضا ، من جملة المتناقضات الفكرية في الأطروحة السياسية الإسلامية ، وقل مثله في محل شاهد تقدم ، وهو أحداث جزيرة الوراق ، وليس المراد تسويغ هذا الجرم الذي سيؤدي إلى عواقب وخيمة لا على أبناء الجزيرة وحدهم أو على حرمة الملكية الخاصة فذلك أمر يعتبر ، ولكن الإشكال أنه أمر يجاوز هذا المشهد الجزئي فلا بد من نظر كلي يجمع أجزاء الصورة ، فانتقال الكفالة من الشقيقة الكبرى في الخليج إلى الشقيقة الصغرى ! ، هذا الانتقال لكفالة الجزيرة تبعا لمتغيرات طرأت جعلت لتلك الشقيقة الصغرى صوتا أكبر من حجمها الجيوسياسي والديموجرافي الضئيل لما تحظى به من دعم المركز وتوجيهه لتكون آداة فاعلة في مشروعه في الإقليم كما يظهر في هذه الآونة في تحركاتها في اليمن التي حرفت مسار الأمر ، وإن كان ابتداء مسارا خاطئا ، التي حرفته إلى مسار أعظم خطأ وخطرا على الكيان السياسي الأكبر في الجزيرة العربية إذ نجحت في استمالة القيادة إلى الطرح القديم ، طرح التخلي عن الثورة ففيها مكون إسلامي سياسي وهو عدو استراتيجي ، والاشتغال في المقابل بمكافحة الإرهاب الإسلامي المسلح واستدعاء دولة المخلوع في شخص ابنه والتوافق السياسي مع الحركة الحوثية وَمَنْ وراءها مِنْ رجالات الدولة الإيرانية ليتحقق لها ما كانت تروم من اصطناع حزب جديد لله في الجنوب كما اصطنعه في الشمال لتطوق الجزيرة العربية بإحكام بهلال في الشمال وخنجر طاعن في الجنوب تدعمه الشقيقة الصغرى التي تروم إزاحة الشقيقة الكبرى ولو بتوريطها وتفجيرها من الداخل بوسواس يزين لها مسارات تفتقر إلى أدنى معايير الحكمة السياسية فضلا عن الحكمة الدينية فهي غائبة في جميع الأحوال ، وكل أولئك مما يشرف عليه المركز طبقا لنظريته البريطانية الشهيرة : نظريةِ حكم المباراة الذي يراقب اللاعبين دون أن يتدخل في مسار اللعب إلا حال الضرورة القصوى فتكون صافرته الحاسمة إن خرج أحد عن الإطار العام للعبة فهو الذي خط حدود الملعب ووضع قوانين اللعب وتولى منصب الحكم فلا يخرج أحد من اللاعبين عن حكمه وإلا أبرز له الكارت الأحمر ! ، فهذا دور وظيفي سياسي تمارسه الشقيقة الصغرى في مكر كبار لا تطيقة بداهة عقول السفهاء الذين يتصدرون مشهد السياسة فيها فعقولهم دون ذلك بكثير ، وإنما الدعم من المخطِّط الاستراتيجي في المركز ، وهو دور لا يخلو ، وهو ، محل الشاهد ، من دور وظيفي اقتصادي في التحكم في البلاد التي يروم المركز إضعافها وتحجيم دورها تمهيدا لتفكيكها أو إخراجها من المشهد على أدنى تقدير كما هي الحال في مصر الآن ، فالأمر في مشهد كمشهد جزيرة الوراق يجاوز حد الصفقة التجارية التي انتقلت من كفيل إلى آخر ، فذلك مكسب جزئي ، ولكن ثم صورة استدلال أعم بجمع طرق الباب وأدلته ، فإن هذا مما يضعف الاقتصاد المصري على المدى البعيد إذ تجرد البلاد من أصولها ، شركات ومستشفيات .... إلخ ، ثم هي الآن تجرد من أرضها مع تكريس ثقافة البيع باسم التطوير تارة أو منح الأرض لإرساليات دينية كما تناقلت وكالات الأنباء خبر تخصيص الدولة قطعة أرض تجاور قناة السويس لإرسالية تنصيرية ألمانية لتقيم عليها كنيسة كاثوليكية في بلد أغلب النصارى فيه من الأرثوذكس خصوم الكاثوليك الألداء ، فضلا عما تقدم من التبشير البروتستانتي الذي ينشط في النوبة ذات الأصول النصرانية القديمة التي يروم المبشرون نفض الغبار عنها استعانةً بمظالم الدولة التي تجاهلت أهل النوبة ، فلا بد من استكمال هوية تخالف عن هوية الدولة ، فثم لغة تخالف عن العربية ، وثم دين يخالف عن دين الدولة بل ويخالف عن المذهب الأرثوذكسي لقطع الصلة قطعا باتا مع القطر المصري لتستقل النوبة بكيان مستقل ، وربما كان إدخال الكاثوليك ، أيضا ، لزيادة الاحتقان الاجتماعي بإدخال العامل الطائفي في النصارى ، وربما في المسلمين لاحقا بالسماح لإيران أن تبشر بمذهبها لا سيما في القاهرة القديمة وأجوارها إذ ثم إرث إسماعيلي باطني يتنافس عليه الإسماعيلية والإمامية ، فكل أولئك مما قد يؤدي ، ولو على المدى البعيد ، إلى تكريس ثقافة الانقسام الرأسي في المجتمع دينيا ومذهبيا مع اصطناع جمل من الحوادث أو تسهيلها فهي تستهدف دينا أو طائفة بعينها لتضج بالشكوى طالبة التدخل الدولي لحمايتها وهو ما تطوع به رأس السلطة السياسية نيابة عنها إذ دعا واشنطن أن تتدخل لتفي بوعودها في مكافحة الإرهاب ! ، وربما علت الشكوى فهي تروم كيانا مستقلا يحفظ الدين والطائفة من الاندثار والاستئصال ، فالأمر ، كما تقدم ، لا يخلو من مكاسب مادية كبيرة إذ تباع الأراضي بأسعار مجزية تشبع رغبات طارئة ، ولكن الأثر يظهر على المدى الطويل إذ يكرس في النفوس ثقافة بيع الأرض والأصول ، وبيع المبادئ والقيم والأديان لاحقا ، وهو يؤدي ولو على المدى الطويل أن يستحدث الناس من طرق مقاومة السلطة التنفيذية ما يبلغ حد القتال المباشر دفاعا عن الأرض فليس بعدها شيء فالتهديد قد بلغ الوجود نفسه ، فيتحول المجتمع تدريجيا إلى مناطق حكم ذاتي كما تقول بعض التقارير إذ ترصد العشوائيات الخارجة عن القانون والتي لا تستطيع السلطة التنفيذية اقتحامها إلا بإذن كبرائها ! ، فقد صار لها من منظومة الحكم الذاتي ما يوازي السلطة التنفيذية المركزية فَلَهَا ، كما يقول بعض الفضلاء ، كبير ولها قانون عرفي يصلح بين الأفراد في الخصومات .... إلخ وعندها من السلاح ما تُجَابِهُ به السلطة التنفيذية ، فكذلك الشأن فيمن يروم الدفاع عن جزيرته أو قريته أو حيه ، فيتحول المشهد إلى مشهد يضاهي مشهد لبنان إبان الحرب الأهلية فكل حي يتبع فصيلا له حواجز ومتاريس فلا يعبرها غريب ينتمي إلى فصيل آخر إلا أن يرهن شيئا يجيز له الدخول لقضاء حاجته في الحي ثم الرجوع إلى الحاجز الأمني واسترداد الرهن والمضي في سلام ! ، فقد جاوز حدود الحي التي صارت أشبه ما تكون بحدود الدولة ، وذلك مشهد ، كما يقول بعض الفضلاء ، قد يفضي في احتمال آخر إلى صوملة البلاد مع ضعف السلطة التنفيذية أو غيابها أو انحيازها إلى منطقة خضراء آمنة كما يصنع النظام الآن إذ يسعى حثيثا في مشروع العاصمة الجديدة لينقل إليها نخبته وثقله السياسي ، فهي مدينة محصنة تشبه اليوتوبيا ، وهي قصص رمزي ينوه به بعض الفضلاء لمدينة يحرسها الجند الوظيفي المدجج بالسلاح ، فمنه ما يحمي السادة ، ومنه ما يقاتل العبيد في بؤر التوتر خارج المدينة المحصنة ! ، فتتحول البلاد تدريجيا إلى أحياء وقطع مجزئة وإن كان ثم سلطة سياسية صورية فالصومال لها رئيس ولكنه لا يسيطر فعليا إلا على العاصمة مقديشو فثم جيش وشرطة ... إلخ من أجهزة الدولة ، ولكنها صورية هشة لا تحكم السيطرة إلا على أجزاء محدودة ، وكذلك الشأن في أي منطقة خضراء ، في كابول أو بغداد أو دمشق وربما كانت العاصمة الجديدة في مصر منطقة خضراء جديدة ، مع بقاء جسم الدولة ولو اسما بلا مسمى ، سواء أَقُسِّمَتِ الأرض رسميا إلى دويلات أم فعليا إلى كانتونات لها ميليشيات تدافع عنها سواء أكانت من أبناء الكانتون تطوعا أم مرتزقة تحرس بالأجر وهو ما يوفر لشركات الأمن الخاصة فرص عمل رائجة وهي ظاهرة بدأت في الانتشار في مصر ولو باسم حراسة المنشآت الحيوية وتولي أعمال الإدارة كما هي الحال في جامعة القاهرة على سبيل المثال فالشرطة الرسمية قد غادرتها وأوكلت أمرها لشركة أمن خاصة لها ميليشيات شبه عسكرية ، فلم توكلها الدولة لشركة مدنية ، وذلك أمر متعمد ، والله أعلم ، لتكريس هذه الثقافة الأمنية ، ولو على المدى الطويل ، فَكُلُّ أولئك مما يجب استحضاره في مشهد كمشهد جزيرة الوراق ، فالاقتصاد يضعف والأرض تباع وتقسم والثارات تعظم بين المجتمع والسلطة التنفيذية فضلا عن تحكم المال الأجنبي في اقتصاد البلاد باسم التطوير والاستثمار ، وزد عليه استثمارا آخر يعبث بمقدرات البلاد الاستراتيجية ، فنفس الأطراف التي تشتري البلاد جزرا في البحر الأحمر وأخرى في النيل هي التي تستثمر في سد النهضة لتعطيش البلاد أو على أقل تقدير ، مصادرة قرارها السياسي فالماء مقابل الدعم والتأييد ! ، فلا تملك قيادة سياسية أن تستقل برأيها وقد صارت حياتها في يد غيرها ، فثم استثمارات في السد تجاوز ، أيضا ، الشريك الظاهر من الشقائق في الإقليم فلهم غاية في إضعاف مصر وإذلالها ، ولكن ثم غاية لطرف آخر وهو من يحرك هذه المجاميع السياسية الوظيفية ، فله غاية أن يفاوض مصر فَإِمَّا أن يسهل لها مصادر مائية أو يكون هو الوسيط في عملية بيع الماء أو هبته من الحبشة ، مركز الثقل السياسي الجديد في المنطقة بعد اضمحلال دور مصر فإذا رضي ذلك الطرف الخفي ! أَمَرَ الحبشة فباعت الماء أو سمحت بمرور قدر منه يُقْتَسَمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مصر ! ، وإن تَمَنَّعَتْ مصر ! فمحبس الماء ، كما يقال في مصر ، في الحبشة لا في مصر ، وذلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، مخطط قديم إذ رام البرتغال في إطار مشروعهم للسيطرة على البحر الأحمر ، راموا هدم جبال الحبشة لتغلق الصخور مجرى النيل فلا يصل الماء إلى مصر فضلا عن عبث آخر بمنابعه في حوض النيل ، فإذا ضعفت مصر وعطشت سهل على البرتغال السيطرة على البحر الأحمر واحتلال سواحله وموانئه والوصول إلى المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة ، لمقايضتها بالمقدسات النصرانية في بلاد الشام فلن تمكن السيطرة على بلاد الشام إلا بإقصاء مصر من المشهد إقصاء تاما كما كانت التوصيات التي وردت في دراسة كنسية للحروب الصليبية أشار إليها بعض الفضلاء ، فالبدء بالشام قبل إضعاف مصر وإخراجها من المعادلة ، ذلك البدء خطأ استراتيجي ، وإنما يجب تحييد مصر ابتداء ، كما هي الحال الآن ، فلو كانت مصر في عافية ، ولو نسبيا ، ما بلغت الحال ما بلغت في بلاد الشام التي دخلت طور التقسيم الفعلي وكان ثم من أخطاء التيار الإسلامي ما يتكرر في كل مشهد ، وآخره الصراع بين فصائل المقاومة ، وتحديدا بين فصائل لها مرجعيات إسلامية على تفاوت بينها ، فنشب الصراع في آخر معاقل المقاومة الرئيسة في إدلب شمال سورية بعد تبريد الجبهة الجنوبية الغربية التي تطل على كيان يهود ! ، وانحلال الكيان المقاتل في الرقة ودير الزور ، مع ما سبقت الإشارة إليه مرارا من الأخطاء الاستراتيجية القاتلة التي لم تخل من اختراقات هائلة شطرت الصف إلى صفين تقاتلا فانحاز أحدهما إلى الرقة وكان التعدي في القتل والسفك ، ثم جاء الدور الآن على الشطر الثاني بما نشب من قتال بين مكوناته لا سيما والأمر قد بلغ حد الاختلاف الأيديولوجي وإن كانت المرجعية العامة واحدة ، فالاختلاف الأيديولوجي يُثِيرُ حَرْبًا قاتلة إذ يجاوز حد الاختلاف الميداني كما كانت الحال في الانقسام الأول ، فقد كان المرجع الإسلامي الأعم بل والأخص أيديولوجيا وحركيا ، كان واحدا بين فصيلين رئيسين من فصائل الجهاد ثم كان الانشطار فاتهم أحدهما الآخر بالغلو والإفراط وبادله الآخر الاتهام بالضد من الجفاء والتفريط وكانت تلك مادة صراع عنيف أحسن الخصوم تغذيته وإدارته ولو بشكل غير مباشر عن طريق الاختراقات تارة والتسهيلات أخرى ولكلِّ معركة أدواتها وظروفها الخاصة سواء أكانت سياسية أم عسكرية فقسمت البلاد فشمالها الشرقي للأكراد ، وجنوبها الغربي تحت الإشراف الأمريكي اليهودي وإن دخل الطرف العربي ضيف شرف كالعادة ! ، وبادية الشام وقواعد الساحل لروسيا ودمشق وسوريا المفيدة للنظام ومن يدعمه من إيران وميليشياتها متعددة الجنسيات فمشاركتها في القتال مع الجيوش قد صيرتها جيوشا إلهية ! كما في تصريح أخير للجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس نخبة الحرس الثوري الإيراني .
    فغياب مصر من المشهد مع انتظارها دورا في القائمة بعد أن يبلغ الجهد منها كل مبلغ ، هذا الغياب قد سهل المهمة في بلاد الشام تصديقا لتلك الدراسة التي اعتبرت بمعطيات السياسة والجغرافيا في هذه المنطقة .

    ولكل مرحلة زعيم ، كما تقدم ، فمحمد علي زعيم مبكر لمشروع يهودي كان آنذاك حلما فتم إضعاف مصر وإضعاف الخلافة المركزية فمحمد علي قد قاتلها قتالا ضاريا كاد يسقطها لولا توازنات القوى آنفة الذكر ، مع عملية التغريب ، ومع ذلك ظل في الجيش نوع وطنية تمازجها بعض القيم الدينية فلم يكن التغريب آنذاك قد آتى أكله ، فمع دخول المصريين الجيش كان ثم نوع تمرد على الحكم الجائر الذي استسلم لضغوط الخارج فكانت ثورة عرابي وهي حراك أخير يشبه زفرة الموت أو صحوة الحياة قبل استلابها ، فأعيد بناء الجيش بعد تسريحه عقيب الاحتلال البريطاني فحافظت بريطانيا على الأصول العلمانية الفرنسية التي نشأ عليها الجيش الأول ، جيش محمد علي ، ولكنها أعادت البناء في نسخة تالية تلائم متطلبات المرحلة ، مرحلة نشوء الكيان اليهودي ، فأفرزت هذه المرحلة نخبة عسكرية شديدة العداوة لدين الأمة وحضارتها وهي التي قادت مرحلة يوليو 52 ، مرحلة ترسيخ الكيان الصهيوني ، وإن ذاعت فيها فكرة الدولة القومية فكان بناء الفكرة القومية تكتيكا يقضي على الفكرة الإسلامية ثم كان الإجهاز عليه بضربة 67 وما بعدها إذ ظهر طرح جديد وهو الدولة الوطنية فهي دولة المرحلة ، مرحلة السلام فلا يكون إلا مع دولة وزعيم منتصر ، ثم كان التفعيل لمقررات السلام من التطبيع الهادئ الناعم ، ثم الناظر يرى الآن مرحلة جديدة وهي مرحلة التقسيم إلى ما دون الدولة الوطنية ، لترجع الحال قبلية جاهلية فلا بد من القضاء على المسلمين ثقافيا وفكريا قبل القضاء عليهم سياسيا وعسكريا ، كما يقول بعض نظار المركز من أرباب مشاريع التقسيم ، وهذا التقسيم يخدم المرحلة الثالثة من مراحل الدولة اليهودية وهي مرحلة التوسع ، فإنشاء ثم ترسيخ ثم توسيع ولكل مرحلة ، كما تقدم ، زعامتها ونخبها السياسية والعسكرية التي صنعها المركز على عينه ، فانتقلت مصر من باني الدولة الحديثة إلى باني الدولة القومية إلى هادم الدولة الوطنية أصغر الوحدات السياسية ! ، والمركز في مكره قد بلغ الغاية إذ نجح في توظيف خصومه ولو بشكل غير مباشر استثمارا لسنن التدافع الهائل في المنطقة وإن لم يسمه باسمه فهو كافر بداهة بهذه المصطلحات الشرعية ! ، فنجح في ذلك حتى صارت بعض حركات الصحوة السياسية والعسكرية ، صارت دون أن تشعر سببا فاعلا في إنفاذ هذا المخطط لا سيما والخصم عديم الديانة والمروءة فقد ألجأها إلجاء إلى المواجهة في بؤر سياسية أو عسكرية ساخنة بما يقترف من جرائم ، فيكون التدافع وهو من جنس التدافع الحاصل في سيناء وفي جزيرة الوراق في مشهد أصغر ولكن دلالته أخطر إذ بدأ يتسلل إلى جسم الدولة الرئيس ، كما تقدم ، وهو ما يُرْجِعُ الناظر إلى محل انتقاد تقدم للتيار الإسلامي السياسي فإنه ينكر ما وقع في جزيرة الوراق وذلك حق ، ويسلط عليه الضوء ، وذلك قد يقبل في إطار الضغط السياسي على الخصم بفضح عوراته ولكن المتتبع للمسألة يجد أن هذا الحدث قد وقع إبان حكم التيار الإسلامي الصوري ! ، ولكن في جزيرة القرصاية ، في نوفمبر 2012 بعد تولي التيار الإسلامي الحكم بخمسة أشهر ، فاقترف الجيش نفس الجرائم ولم يكن ثم نفس الإنكار ، مع أن الحكم كان ، كما تقدم ، صوريا ، إلا أنه من الناحية السياسية والأدبية يتحمل وزر أي تجاوز يقع من أي مؤسسة من مؤسسات الدولة التي يزعم أنه يترأسها ، فكان ذلك من جملة ما تحمله من الأوزار اختيارا ! ، فليته ظَلَمِ ولكن الظلم ارتكب باسمه فَلَمْ يَنْتَفِعْ بالظلم شيئا إن صح أن الظلم مما ينفع صاحبه ! .
    وهذا النقد لا يمنع من اتسم بالعدل أن يشير ، كما يقول بعض الفضلاء ، إلى دور هذا التيار في حماية المجتمع من آثار التغريب فهو تيار حركي قدم البديل الفعال على الأرض خلافا للطرح الأكاديمي الذي يتسم به خطاب القوى العلمية المحافظة التي حصل باشتغالها بمسائل التأصيل نوع انفصال عن بقية المجتمع وإن كان تأصيلها مما يعظم نفعه إلا أن الإغراق فيه مع قطع الصلة بالمجتمع قد أضر أيما ضرر ، فضلا أن الدولة العلمانية الحديثة ! قد نجحت في احتوائها عبر مؤسسات حديثة جعلتها تابعة للحكم مما أفقدها كثيرا من المصداقية لا سيما وفتواها في أحيان كثيرة قد جاءت بما يوافق هوى الحاكم فصار ذلك معيار الفتوى فعظم السخط من هذا المسلك وفقد الناس الثقة بالمؤسسة الرسمية ولم يكن ثم بديل وقى المجتمع فتنة الوقوع في براثن العلمانية إلا تيار الصحوة الحركي مع ما وقع منه من خطإ سياسي وما كان منه من تقصير علمي وشرعي ، ولكنه كان أكثر مصداقية من مؤسسات اخترقتها الدولة وسيطرت عليها ففقدت مصداقيتها فضلا عن انفصالها عن الناس وهمومهم وقضاياهم الفكرية والاجتماعية والاقتصادية الملحة ، فهي في واد وهم في آخر ، إذ انصرفت إلى إرضاء الحاكم ولو بإسخاط الرب الخالق ، جل وعلا ، فكانت العقوبة أن سخط عليها ، جل وعلا ، وأسخط عليها الناس حكاما ومحكومين فلم تنج من سخط من داهنته وأفرطت في مداهنته ، ولم يكن جزاؤها إلا الإزراء والاحتقار والاستهزاء مع تقصد التشويه والضغط المهين لاستصدار فتاوى ظاهرة البطلان ، ولم يسلم من ذلك إلا القليل النادر ممن رحم الرب ، جل وعلا ، من فضلاء في تلك المؤسسات لا يتولون في العادة أي منصب قيادي أو تنفيذي مؤثر قد يغير السياسة العامة لمؤسسة الفتوى .

    وفي إطار هذا العراك المحتدم تبرز نظرية أخرى تعارض فهي تنبه إلى هذا الخطر تنبيها دقيقا محكما ، ولكنها تطلب ما لا يطاق ! ، سواء أكان طلبها غاليا باسم طاعة ولي الأمر وإن اقترف هذا الكم من الجرائم الدينية والأخلاقية والسياسية ..... إلخ ، أم كان طلبها من عقل غير متهم فهو يتسم بالاتزان والعمق فلا يقع في الغلو الذي تقع فيه تلك العقول الغالية في باب السمع والطاعة ، فيقول من يقول من الفضلاء إن الإبقاء على هذه الكيانات خير من لا شيء ، فالفوضى الأعم أخطر ، فَلْيُجْرِ الناظرُ الأمرَ مجرى درء المفسدة العظمى بنظيرتها الصغرى ، وقد يصح هذا في مواضع تدق فهي مما يقاس بمثاقيل الذر فالأصل اجتناب الظالم وهجرانه والسعي في التغيير فإن غلب على الظن المعتبر أن ثم شرا أعظم قد يطرأ فالواجب الحذر والتوقف ، دون أن يتطوع المرء بقدر زائد من الحمية والغيرة دفعا عن ظالم قد انتهك كل حرمة فذلك ما يقدح في المروءة فضلا عن الديانة أن يَنْتَدِبَ الإنسانُ نفسه محاميا يدافع عن الظالم بل وربما تكلف له من الفضائل ما لم يدعها ذلك الظالم فهو أعرف بقدره ! ، ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه ! ، ويعظم التعجب إذا كانت المقارنة مثلا مع دولة عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، فمن تحمس باسم تغيير المنكر قد ساهم في حصول الفتنة التي كان شرها أعظم ، أو مع دولة السلطان عبد الحميد فَخُدِعَ من خُدِعَ من المغفلين فثار على السلطان عبد الحميد غيرة على الدين فجاء بحفنة من الضباط قضوا على دولة الخلافة وأفسدوا الدين والدنيا جميعا ! ، فكل أولئك حق ، ولكن قياس هذه الكيانات السياسية المعاصرة وهي مسوخ شائهة وضع فيها المحتل زر التفجير لتنفجر ذاتيا بمجرد انتهاء دورها ! ، قياسها على دولة خلافة ولو باهتة كالعثمانية أو خلافة راشدة كخلافة عثمان ، رضي الله عنه ، هذا القياس قياس مع الفارق ، فلم تكن خلافة عثمان ولا خلافة عبد الحميد ، لم تكن خائنة خلافا لهذه الكيانات المعاصرة ، وإن لم يكن ذلك في المقابل مسوغا لخوض مغامرة تغيير ثورية دون رؤية أو استراتيجية محكمة تجهز البديل حقيقة لا دعوى زائفة تحتكر الخبرة والحنكة السياسية ثم تغامر بجيل كامل من أجيال الصحوة فتلقي به لقمة سائغة لعدو لا دين له ولا مروءة وتكون شريكا فاعلا في الانهيار الجسيم الذي يعقب ذلك إذ رامت التصدر وليست له بأهل وإن اعتذر من اعتذر أنها اضطرت أو استدرجت بمعادلات سياسية خدعت الجميع .

    فثم اتفاق أن الغاية الشرعية تقدم باستجلاب أكبر قدر من المصالح واستدفاع أكبر قدر من المفاسد ، ولكن الاختلاف كائن بل وواجب ، والله أعلم ، أن يتصور الناظر أن ذلك يحصل بدعم هذه الكيانات الظالمة وتقويتها لضمان الاستقرار ! ، فقد تتقاطع المصالح عرضا في أضيق الحدود لا أن تتطابق بذريعة دفع المفسدة العظمى بنظيرتها الصغرى ، فذلك مما يجاوز به الناظر الاستدلال الصحيح في باب القياس .

    ولو تدبر الناظر لوجد أن هذه الدول والكيانات قد استوجبت بسنن الكون النافذ ، قد استوجبت الزوالَ والاضمحلال بما فشا فيها من الظلم والاستبداد فضلا عن تعطيل الدين والوحي ، فإن كانت لا بد ساقطة فدعها تسقط بعيدا عنك لئلا تتحمل تبعات سقوطها وما يقع بعد ذلك من فوضى عامة تستباح فيها الحرمات إلا أن يرحم رب البريات ، جل وعلا ، وَيَرْأَفَ ، فلا يكن حظ من يروم الإصلاح أن يتحمل تبعات أمر سيقع حتما بما قضى به السنن الكوني النافذ فليس ، مع التجوز في العبارة ، ليس في حاجة أن يبذل من سنن الشرع ما يسقط به هذا الكيان فهو بنفسه آيل إلى السقوط ، فلئن استوجب الأمر أن يتدخل لاستجلاب مصلحة أو دفع مفسدة أو تخفيفها فليكن ذلك في أضيق الحدود دون أن يتطوع بتصدر المشهد وليس له بأهل لا أنه ليس بكفء وإنما لافتقاره إلى أدوات الدولة الفاعلة فلا يتصدر مشهدا يُقْضَى فيه بفساد عام ، ويكون القضاء باسمه فيتحمل من تَبِعَاتِ ذلك ما هو في غنى عن حمله ، وإذا جاء الطوفان فكلٌّ يشتغل بنفسه أن يركب سفينة النجاة فلا عاصم آنذاك من أمر الله ، جل وعلا ، لا سيما مع عظم الأهواء وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، سواء أكان من أهل الباطل أم كان في الجملة من أهل الحق فالتعصب للرأي والانتصار للنفس وإلباس الحظوظ الخاصة ثياب المصلحة العامة وتكلف التأويلات للتنصل من الأخطاء ، كل أولئك مما عمت به البلوى فلم يسلم منه الصالح والطالح معا إلا من رحم الرب جل وعلا .

    وإدارة التوحش في مشهد التجزئة والعنف تشمل الإدارة الاقتصادية التي تسحق الفقراء وتقيد الجماعة بِوِثَاقٍ محكم من التشريعات الصلبة وآلة العنف التي تَتَوَلَّى تنفيذ هذه الأحكام والتشريعات التي تسهم في زيادة الاحتقان التي يكاد يبلغ حد الانفجار وإن تداركه المخطِّط الاستراتيجي في المركز فهو ، كما يحكي بعض الفضلاء تشبيه الرئيس الأمريكي نيكسون ، هو كقطعة من الإسفنج فالضغط عليها لا يسحقها وإن كان يحجمها فيكون الضغط الهائل الذي يدمر الخصم ويفتت قوته فأي نخبة في الفكر أو السياسة أو الاقتصاد أو الحرب .... إلخ تُبْدِي أي مقاومة فمصيرها السحق والإزالة بطرائق تَتَدَاوَلُهَا نخب التخطيط في المركز وهي ، كما يقول بعض الفضلاء ، مما تكرر في بلاد عدة حتى تقرر مع اختلاف قد يطرأ في النتائج تبعا لعوائد الشعوب وثقافاتها ، فطريق الصدمة يذهل الخصم بقرار مفاجئ بانقلاب في السياسة أو في الحرب بغزو أو قصف مفاجئ يسحق مراكز القوة من تحكم وسيطرة فَيُشَلُّ الخصم بصدمة المفاجأة ثم تكون حزمة قرارات وإجراءات سريعة تسهم في ترسيخ الأوضاع الحادثة لتكون سنة جارية ، ومن عَارَضَ فهو المستهدف الرئيس بإجراء يتسم بالعنف المفرط ، فَيَتَقَصَّدُ المهاجمُ الضربَ بعنف ، ولو مبدأ الأمر ، ويبالغ في الإذلال والقهر فتلك رسالة تستقبلها بقية الجماعة بالخضوع لئلا ينالها ما نال المعارض ، فبعد القضاء عليه تسهل السيطرة على الجماعة فأولى خطوات التطويع والتركيع القضاء على أي نخبة تقود ، وإن كان في قيادتها من الأخطاء ما تكرر حتى تقرر فصار سنة ودأبا ، فهي مع ذلك تحسن الحشد والجمع وإن لم يكن ثم رؤية واضحة أو خطوات على الأرض راسخة ، فذلك مناط معارضة يهدد ، فلا بد من إجراء عنيف يستأصل أو يضعف بشدة فيكاد يهلك فلا يُبْقِي إن أَبْقَى إلا على رمق أخير لا يشكل خطرا ولو على مدى ملائم حتى ينفذ المخطط أو بنوده الرئيسة فيرسخ وضعا جديدا يصير أمرا واقعا يعسر تجاوزه بعد ذلك ، فقبل أي صفقة سياسية نوعية تُحْدِثُ فارقا كبيرا في معادلة الحكم وخرائط الجغرافيا السياسية والسكانية والمائية .... إلخ ، قبلها لا بد من استهداف مراكز القوى التي قد تعارض وتمانع ، حقيقةً لا دعوى ، فهي عائق يهدد استكمال المشروع ، كما كانت الحال في الخمسينيات فكان التيار الإسلامي في مصر ، كما يحكي بعض الفضلاء ، عائقا أمام مشروع تسوية تضمن تقسيم المياه بين كيانات سياسية في بلاد الشام ، فصدر الأمر من إدارة الرئيس أَيْزِنْهَاوَرْ بإعطاء ضوء أخضر لضباط يوليو 52 أن يضربوا بيد من حديد مع غض الطرف عن أي انتهاكات مهما بلغت وحشيتها ، فكان إعداد المسرح في صيف 1954 قبل حادث المنشية المشهور في أكتوبر 54 ، فكان احتفال الزعيم باتفاقية الجلاء التي تحرر مصر من الإمبريالية والاستعمار ....... إلخ من اصطلاحات الثورة الكلاسيكية ، وكان المشهد زعيما محررا في أوساط الشعب الذي أجمع على رياسته وكان استثمار الحادث سواء أقيل إنه مصنوع أم مقصود ، فقد كان فرصة سنحت أن تُبْرَزَ صورةُ الزعيم الشجاع الذي لا يخاف الموت ! ، وكانت ذريعة لتصفية الخصم فهو مجرم آثم يوظف الدين في تحقيق مآربه السياسية ويمارس من الاغتيال وفنون التآمر ما يجعل قتاله واستئصاله حتما لازما ، والتأييد الشعبي مضمون فالزعيم قد حقق الجلاء وثبت في الميدان وحصل على صك التفويض أن يقتل بلا رحمة فلا رجعية بعد اليوم ! ، فكانت نازلة 54 التي غض المركز عنها الطرف لتمرير ما تقدم من تقسيم الثروة المائية بين كيان يهود وبقية كيانات الشام المفتَّت ، وكذلك الشأن الآن ، فالسيناريو واحد وهو ضربة عنيفة تستأصل أو تضعف بشدة فتسحق النخبة الرئيسة التي قد تقاوم أو تمانع ، ولا بد من قدر هائل من العنف بعد صدمة وحزمة إجراءات سريعة تُرْبِكُ الخصم ثم يكون العنف الذي يسكت أي صوت ، ثم يكون التأديب العام للشعب كله بعد انتهاء الحراك الثوري ، فبعد التأديب الخاص لقيادة الحراك التي سقطت في الفخ فتم تشويهها تمهيدا لذبحها دون معارضة بل التحريض كان ذريعة تؤيد وتقدم الحجة والمبرِّرَ ، بعد هذا التأديب كانت مرحلة جديدة من العنف في إدارة التوحش ، فكان التأديب العام للشعب لِيَنْسَخَ من عقله الجمعي اصطلاح الثورة والمقاومة والمطالبة بالحقوق ...... إلخ ، سواء أكان ذلك باسم الوحي أم باسم الوضع ، وإن كانت الجناية أعظم إن كان الوحي هو العنوان ، ولو مجملا باهتا ! ، وكان تقصد التضييق ، فذاع الخوف بما يمارس من قتل وتصفية تَتَعَمَّدُ السلطة الإفصاح عنه ، ولو جزئيا ، لتصل رسالة الخوف ، فَتُصَدِّرُ السلطةُ الخوف إلى الشعب ليصمت ويشتغل بخاصة نفسه ، وتصدر الفقر بإجراءات عنيفة لا تقل آثارها ، ولو على المدى الطويل ، عن آثار العنف المباشر بالقتل والجرح فهي تفضي إلى انهيار المجتمع بانهيار شبكة الأمن الاجتماعي وذلك ما يصاحبه في العادة انهيار أخلاقي عظيم هو أعظم الخسائر ، إذ تفشو الجريمة الأخلاقية وتتخذ أوصافا جنائية بشعة كما يظهر على سبيل المثال في جرائم الخطف والاتجار بالأعضاء ، فقد صار الفقر والرغبة الجامحة في الحصول على المال ولو لمقارفة الفضول من المعاش وهو مظهر آخر من مظاهر المجتمع في هذه الحال المتردية ، كما يرصد بعض الفضلاء ، من تجارب الإصلاح الاقتصادي الصارم الذي تفرضه جهات التمويل الخارجية لتنفيذ مشاريع ذات أبعاد أخلاقية واجتماعية تحكم بها السيطرة على الاقتصاد والاجتماع .... إلخ ، فالاحتلال الاقتصادي يمتص الثروات بأنماط من الاستهلاك مع ضيق ذات اليد ، فثم ، كما يقول بعض الفضلاء ، رغبة في التوسع لمضاهاة الآخرين إن في داخل البلاد مع تمايز الطبقات الحاد فيسعى الأدنى في تقليد الأعلى في طرائق معاشه ورفاهه وإن لم يملك التكلفة فهو يسعى في اكتساب المال الذي يوفر له ذلك الرفاه ولو بالسرقة والقتل والخطف والاتجار بالأعراض والأعضاء إن لزم الأمر ، فثم رغبة في التوسع لمضاهاة الآخرين إن في الداخل أو في الخارج مع تغاير القوة الشرائية بين الشعوب تبعا لما تمر به من ظروف ، مع غياب أي قدوة تُحْتَذَى فقد نجحت السلطة في القضاء على مراكز القوة الفكرية والسياسية فجردت المجتمع من قواه الناعمة والصلبة وصيرته إلى حال من السيولة الأخلاقية والاقتصادية أدخلته في فوضى داخلية لا تجد السلطة من آثارها ما يزعج لا سيما وقد امتلكت آلة القوة التي بها تدفع ، فرفعت وتيرة التوتر عقابا لمن ثار عليها وخرج ولو في إطارٍ تم توظيفه في السياسة على وجه لا يخفى على من استقرأ الصورة جميعا دون أن يشتغل ببعض أجزائها عن بعض ، فكان العقاب الرادع وكان الانهيار الهائل في شبكة الأمن الاجتماعي ، الديني والأخلاقي والاقتصادي ، ففقر وجهالة ورقة ديانة تستبيح أي طريق لتحصيل المال لتحقيق المآرب والشهوات التي يغلب عليها طابع الاستهلاك الحيواني ! ، وكل أولئك مادة لعنف تصدره السلطة إلى الشعب ، لا سيما الطبقات الدنيا التي لا تطيق الوفاء بمتطلبات الحياة الرئيسة ، فيزداد العنف والتوحش في داخل الجماعة دون أن تحدثها نفسها أن توجه هذا العنف إلى السلطة فقد وعت الدرس واتخذت التدابير والاحتياطات الأمنية وفارقت بقية الشرائح الاجتماعية ، بالروح والبدن ، فهي نخبة تغاير بقية المجتمع في الأفكار وطرائق الحياة وأماكن الوجود والسكنى ففارقت الشعب وانفصلت عنه روحا وبدنا بعد أن صَدَّرَتْ إليه الخوف والفقر والجهل والعنف الذي يزيد من وتيرة الفوضى ، ولو كانت تحت السيطرة على ما تقدم من نظرية الإسفنج فلم تذب قطعة الإسفنج بالضغط وإنما هي موجودة وإن ضعيفة مسحوقة فإذا بلغ الأمر حد الخطر ضغط المركز على زر الأمان لئلا تنفجر القنبلة ، فيسارع بنزع الفتيل بتغيير في القيادة أو حزمة من المساعدات تحيي البلاد بإذن ربها جل وعلا ، وإن أبقتها تحت أجهزة الإنعاش فلا تطيق مقاومة أو مدافعة ، وهذا التوحش الذي يسري في عروق المجتمع قد صار نظرية في أدبيات بعض الحركات الجهادية المسلحة فهي تسعد بهذه الحال بل وربما شاركت بشكل مباشر أو غير مباشر في زيادتها ، لخلخلة أركان المجتمع ، فذلك مما يسارع بانهياره وانقسامه دينيا أو طائفيا .... إلخ من عوامل التقسيم التي تظهر آثارها في الجغرافيا السياسية ، فَقَبْلَ تشكيل كيان جديد لا بد من هدم الكيان القديم ، وذلك أمر يشترك فيه المخطِّط الاستراتيجي في المركز مع نظرية هذا الفصيل المقاتل ، فكلاهما يسعى في الخلخلة ثم الانهيار الذي تعقبه حال من الفوضى والسيولة يشكل تشكيلها وفق قالب جديد ، ولكلٍّ قالبه الذي يتصوره فيكون التنازع على القالب الجديد والذي يحسمه ميزان القوى فمن امتلك قوة أعظم ، ناعمة وصلبة ، فهو الذي يفرض قالبه على بقية القوالب المنافسة ، وهو أمر يجعل ثَمَّ نوعا من التحالف التكتيكي بين الطرفين ، ولو بشكل غير مباشر ، تتقاطع فيه الغايات المرحلية في إزالة كيان ، ثم يكون الاختلاف في الغاية الرئيسة ، فالمركز يريد قالبا يخدم مصالحة الآنية قريبة المدى والاستراتيجية بعيدة المدى ، والفصائل المقاتلة التي شاركته الغاية المرحلية لها أنموذج آخر يغايره فيكون الاقتتال بعد الاتفاق ، كما كانت الحال في بلاد الأفغان ، فبعد الانفاق على قتال السوفييت وبعد انهيار الكيان الشيوعي القديم كان الاقتتال على الأنموذج الجديد بين فصائل الجهاد ابتداء ، ثم تدخل المركز بعد ذلك فصار طرفا في الخصومة لما أحس بخطر يهدده أو يحرجه ، وإن كان ، من وجه آخر ، مما يحسن المخطط الاستراتيجي توظيفه في تحقيق مكاسب أعظم ، كما كانت الحال في أحداث سبتمبر 2011 ، فكانت توصيات مراكز البحث قبل تدشين مشروع الشرق الأوسط الجديد ، كانت التوصيات ، كما يذكر بعض الفضلاء ، بضرورة وقوع حادث كبير يضاهي حادث الهجوم على بيرل هاربر في ديسمبر 1941 ، وهو الذي كان ذريعة التدخل الأمريكي في الحرب العالمية الثانية فقد صارت أمريكا طرفا في الخصومة لِمَا تعرضت له من اعتداء مباشر ينسخ سياسة الاعتزال وعدم الانحياز فقد فُرِضَتِ المعركة على أمريكا فرضا ! ، فوجب أن تشارك في صناعة مشهد حرب ظهرت آثاره بعد ذلك في تشكيل النظام الدولي ، فلا بد من حدث كبير ، يُصْنَعُ صناعةً ، أو يقع قدرا ، أو تسهل بعض الدوائر الأمنية والاستخباراتية وقوعه بشكل مباشر أو غير مباشر مع تضخيم آثاره لاستثارة الرأي العام وصناعة عدو استراتيجي يحشد الشعب خلف القيادة لحرب طويلة المدى على الإرهاب والتطرف ..... إلخ ، وذلك أمر يجب التفطن له لئلا يصير الخصم آلة في يد خصمه فيكون هو أداة الفعل الصلب ، ثم يكون التخلص منها بعد انتهاء دورها ، فلا ينكر عاقل الفرق الهائل بين الدولة ذات المقدرات الاستراتيجية في طرف ، والجماعة المقاومة في آخر ، اتفق الناظر معها أو اختلف في الأيديولوجيا الفكرية أو الاستراتيجيات والتكتيكات الميدانية فليس ذلك الآن مناطَ النظر والاعتبار ، وإنما النظر والاعتبار في الفرق الهائل بين النظام والتنظيم ، فأدوات النظام في السيطرة أكثر وأعظم أثرا سواء أكان نظاما محليا أم إقليميا فضلا عن النظام الدولي ، والتنظيم قد يتحول دون أن يشعر إلى أداة من أدوات النظام في تحقيق مآربه الجيوسياسية ، فيتحول إلى مجموعة وظيفية تحقق أهداف غيرها وإن اتحدت الأهداف ابتداء فهو اتحاد مرحلي مؤقت ، وربما شعرت بذلك فَرَضِيَتْ رجاء أن تفرض قالبها آخر الأمر بمفاجأة نوعية أو أحلام رومانسية ! ، وربما كان ثَمَّ اختراق استخباراتي نوعي فثم دوائر في صناعة القرار في التنظيم قد تخترق سواء أكان الاختراق استخباراتيا أو فكريا وهو الأخطر أن يُشَكَّلَ الفكر على وجه يحقق أهداف الخصم دون حاجة إلى عمالة مباشرة كالعمالة التقليدية القديمة التي ارتبطت بمعنى الخيانة ، فالأمر ليس بهذه الصورة الساذجة وإنما هو أمر مركب قد عَظُمَ فيه المكر وعظمت فيه الشبهة أن اختلط الحق بالباطل فرام الناظر الراحة في حكم مجمل بالرد التام أو القبول التام وليس ذلك من العدل والإنصاف في شيء ، وإنما العدل في الحكومة تَصَوُّرُ الخصومة تصورا كاملا يستغرق جميع أجزائها فما كان من حق قُبِلَ وما كان من باطل رُدَّ .


    والأمر ، لو تدبر الناظر ، لا يخلو من تراكم هائل لجمل من السنن الرباني النافذ بها يكون التدافع اتفاقا تارة واختلافا أخرى ، فيكون من إحكام الأمر وتدبيره على هذا الوجه الدقيق ما يسلم به الناظر أن ثم إلها قديرا حكيما يدبر هذا الكون ، فالتوكل عليه حتم لازم بعد بذل السبب الشرعي المقدور في أي نازلة تخص أو تعم وذلك أمر يسهل نطقه وسطره ، وَحَالَ تأويله في الخارج امتثالا لا يسلم من النقص والتقصير إلا من امتن عليه الرب القدير الحكيم ، جل وعلا ، بثبات القلب ورباط الجأش .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 21-07-2017 في 07:58 AM

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •