مما اطرد في مواضع الترجيح في الأصول أن القول بالنسخ ، لا يثبت بالاحتمال ، وإنما يقيم صاحب الدعوى البينة ، فلا بد أن يكون ثم نص على النسخ أو درك يقين بتاريخ الورود ، فالمتأخر ينسخ المتقدم أو يخصصه ، على تفصيل في ذلك ، فقد يجري الأمر مجرى التخصيص لا النسخ كما يضرب بعض المحققين المثل بقوله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) ، فإن دلالة "أل" في "البيع" تحتمل العموم ، فتكون المبالغة في التَّشْبِيهِ المقلوب ، إمعانا في استباحة المحرَّم ، فقد صار هو الأصل الذي يُقَاسُ عليه فهو معيار التَّشْرِيعِ ، وذلك مِمَّا عمت به الْبَلْوَى ، لو تدبر الناظر ، فإن تغيير المناط وإزاحة نقطة التَّأْثِيرِ من الوحي إلى الوضع ، من الحق المحكم إلى الباطل المتشابه أن يصير العقل والذوق هما معيار القياس فَيُقَاسُ عليهما الوحي فهو فَرْعٌ ، فظهرت المدارس الوضعية في الأخلاق والشرائع وهي التي أَلْغَتِ المعيار الحاكم فلا ثابت محكم يُرَدُّ إليه الأمر حال الاختلاف ، وإنما صارت الدراسة لأي ظاهرة دراسة وصفية لا تروم الارتقاء إلى صورة مثالية معيارية ، فَلَيْسَ ثَمَّ معيار ثابت ، كما تقدم ، وإنما سَاَدتِ النظرية النسبية التي ترد الأمر إلى معيار مضطرب لا يكاد يجمع على ثابت ، فَقَدْ خَالَفَ عن البدائه ، فصار الأمر إلى فَوْضَى إذ لا يستقيم حكم إلا أن يكون ثم معيار محكم يجاوز حد الكليات المجملة ، فإن الاتفاق عليها وإن كان مبدأ الاستدلال إذ لا بد أن يرجع إلى مقدمات تسلم بها العقول جميعا ، إلا أن ثم قدرا زائدا في الاستدلال لا يُبِينُ عنه إلا الوحي الذي صدق مقدمات الضرورة العلمية ، وزادها تفصيلا لِمَا أْجْمِلَ مِنْهَا على وجه لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الرِّسَالَةِ ، فكان التَّشْبِيهُ المقلوبُ الذي صار فيه الفرع أصلا ، واستبيح به المحرم بل وَأَمْعَنَ القائل في الاستباحة فصار البيع فَرْعًا عن الرِّبَا ، فجاء الوحي بِضِدِّ ما قالوا ، فَأَبْطَلَ معيارهم في الحكم الذي حَمَلَهُمْ عَلَى تَعَسُّفٍ في الاستدلال صَيَّرُوا فيه الهوى هو الحكم إذ لهم غَرَضٌ في إباحة المحرم أن توهموا فيه مصلحة اعتبروها وإن أَلْغَاهَا الشارع ، جل وعلا ، فجاء التعسف في الاستدلال أن قاسوا مع الفارق فألحقوا الرِّبَا بِالْبَيْعِ بل وجعلوه الأصل في الاتجار والتبادل ، فخالفوا عن القياس الصريح الذي يوجب التفريق بين المختلفين ، فإن مادة "الربا" تخالف عن مادة "البيع" ، وإن كان في البيع زيادة ، فإن الرِّبَا بالنظر في دلالة اللسان الأعم مَئِنَّةٌ من مطلق الزيادة ، وذلك جنس كُلِّيٌ تَنْدَرِجُ فيه آحاد ، فثم زيادة في الحس وأخرى في المعنى ، فقال من قال يصف من علت همته : فلان بلغ رُبَى المجد ، فذلك مما يجري مجرى الاستعارة المكنية إذ شَبَّهَ المجد وهو معنى بالجبل وهو مبنى ، فَشَبَّهَ المعقول بالمحسوس وَكَنَّى عن المشبه به بوصف من أوصافه أو جزء من أجزائه وهو الربى فهي قمم الجبال وأعاليها ، وجاء في التَّنْزِيلِ : (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً) ، فجاء الخبر مَاضِيًا بالنظر في زمانه فهو مما انْقَضَى حال نُزُولِ الآية ، ولا يخلو من إثبات الجناية فكان العصيان الذي عَمَّ فَتِلْكَ دلالة التغليب في ضمير الجمع المذكر فَقَدْ عم الجميع من تَوَلَّى الكبر ومن تابع فَفَوَّضَ الأمر وَقَلَّدَ السادة ، سواء أصرح أم سكت فِي موضع الْبَيَانِ فذلك بَيَانٌ ما لم يكن مكرَها قد اختار السكوت فلا يطيق الإنكار لا بِيَدٍ ولا بِلِسَانٍ ، فليس إلا القلب اعتذارا إلى الرب ، جل وعلا ، وغيبوبةً أن يَشْهَدَ المنكر ، فمن لم يطق غيبوبة بالذات فثم غيبوبة الجنان ، ومن لم يطق التصريح فَثَمَّ التلميح أو كتمانٌ يضاهي كتمان مؤمن آل فرعون ، فلا بد من قدر من الإنكار يسلم به الإنسان من شؤم العصيان ، ولا بد من قدر من المفارقة تسلم بها النفوس من المقارفة والمشاركة ولو بحضور الجرم وإن لم يكن ثم بد فَلْيَغِبِ القلب أن لم يَغِبِ البدن ، فجاء الضمير في "عصوا" يعم الجميع إلا من سُدِّدَ فَهُدِيَ أن يفارق المنكر بالذات أو الجنان ، فلا بد من قدر فارق في الظاهر أو في الباطن به يكون التباين الذي يوجب الاختلاف في الحكم ، ولو في دار الحساب والجزاء ، فَقَدْ تكون العقوبة عامة في دار الابتلاء فلا يسلم من آمن وكتم ، لا يسلم حالَ الاستئصال وإن سلم في الدار الآخرة بما كتم من إيمان ، فَعَمَّ الضمير في "عصوا" ، عَمَّ بدلالة التغليب ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، من دلالة تَخْصِيصٍ ، فإن العام قد خُصِّصَ إذ ثَمَّ من آمن من قَوْمِ نوح ، عليه السلام ، فجاء النص في موضع آخر أَنْ : (مَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) ، فَثَمَّ مِنْ أهل الإيمان مَنْ خُصَّ بِهِمْ عموم الضمير المجموع في قَوْلِ الرَّبِّ المعبود جل وعلا : (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً) ، فهو يعم جميع الأفراد بالنظر في أصل الوضع الأول في المعجم ، فتلك دلالة المجموع المضمر ، وإن حُدَّ مذكرًا ، فالعصيان وصف يَعُمُّ كل عاقل يكلف فقد يطيع وقد يعصي ، فَثَمَّ من إرادة الْاخْتِيَارِ مَا بِهِ يناط التكليف ، وثم من مشيئة التكوين ما به يكون الخلق فلا يخرج عنه شيء ، فإيمان المؤمن بِقَدَرٍ ، وكفر الكافر بآخر ، فكلاهما يدخل في عموم قوله تعالى : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) ، وذلك موضع جلال حسن فيه التوكيد بالناسخ ، فضلا عن تكرار العامل على حد الاشتغال ، فتقدير الكلام : إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر ، وذلك عموم محفوظ ، وإن خص ، أيضا ، بالعقل ، فإن الله ، جل وعلا ، قد أخبر عن نفسه أنه شيء ، كما في آي الأنعام : (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) ، فخرج من عموم "كل" في آية القمر ، فذلك من العام الذي خص بالعقل ، وقد يقال إنه قد خُصَّ بالنص وهو آية الأنعام ، وإن كان التخصيص حاصلا في العقل بداهة ، فإن قسمة العقل لا تخرج عن خالق ومخلوق ، فإن كان كل شيء مخلوقا فلا بد ، بداهة ، أن يكون ثم خالق ، إلا على طريق الطبائعيين الذين يجحدون الوحي ، وذلك ما تسلل إلى الدرس الفلسفي الذي ينتسب إلى القبلة ، فكان في كلام إخوان الصفا ما سبق الدارونية الحديثة بقرون ، فالقسمة قد أخرجت الخالق ، جل وعلا ، بداهة ، فَخُصَّ العموم بدلالة العقل ، وذلك ما يجري ، من وجه آخر ، مجرى المجاز عند من يُثْبِتُهُ في اللسان والوحي ، إذ أُطْلِقَ العام وَأُرِيدَ به خاص أخرج الخالق ، جل وعلا ، من الحكم فليس بداهة بمخلوق ، وإن صح أن يطلق عليه أنه موجود ، فإن جنس الوجود ، أيضا ، من الجنس العام المستغرق لآحاد في الخارج ، وهي مما يَتَخَالَفُ في الحكم إذ يَتَخَالَفُ في الوصف ، فَثَمَّ من وجوده وجود ذاتي أول قد استغنى عن الموجِد الذي يسبقه ، فهو الأول فلا شيء قبله ، فكل ما بعده مفعول من مفعولاته ، إذ هو الموجِد لكل شيء في الكون ، فالموجود الأول قد استغنى عن موجِد تقدمه بل هو الموجِد لكل شيء ، واستغنى ، مع ذلك ، عن الأسباب ، فلا يفتقر إلى سبب من خارج ، بل كل سبب إليه يفتقر فهو خالق الأسباب جميعا فتدخل من هذا الوجه في عموم "كل شيء" في آية القمر ، فهو خالقها تقديرا أول في العلم المحيط ، وكتابة في لوح التقدير ، وهو خالقها بالإيجاد ، وهو بعد ذلك من يدبرها بأمر التكوين ، فالأسباب وإن ركزت فيها قوى التأثير إلا أنها لا تستقل بالفعل فلا تخرج عن إرادة الرب ، جل وعلا ، ومشيئته فذلك القدر الذي ختمت به الآية على حد التقييد بالحال ، وهو الظرف "بقدر" ، فكل شيء قد خلقه الرب الخالق ، جل وعلا ، مقدرا له في الأزل على وجه لا يسقط به التكليف إذ وَضَعَ ، تبارك وتعالى ، في النفس قوى نظر وتصور بها تدرك الحق من الباطل بما رُكِزَ فيها من بدائه الاستدلال ، فكان من إجمال الفطرة ما أبانت عنه الشرعة ، فجاء الوحي يُبَيِّنُ ما أُجْمِلَ وَيُوَضِّحُ ما أشكل ، ووضع في النفس قوى الفعل اختيارا فلا إكراه ولا جبر وإلا كان العبث في التكليف والبعث ، ولا يخرج كل أولئك عن قدر الرب الخالق ، جل وعلا ، فهو يدخل في عموم "كل" في الآية ، فأجراها من أجراها مجرى المجاز إذ أطلق العام وأراد الخاص ، إذ خرج الخالق ، جل وعلا ، ذاتا ووصفا ، فإن الوصف الذي يقوم بالذات له حكمها ، قدما أو حدوثا ، كمالا أو نقصا ، وذلك ما يستأنس به من يزيف مقال الاعتزال بخلق القرآن مع ما زيد فيه في الأعصار المتأخرة من قول محدث ينزع القداسة عن الوحي المنزل فهو مخلوق كسائر الكلام فيخضع لمعيار النقد الذي تخضع له نصوص البشر ، وهو مما يلائم تاريخ وروده كأي نص بشري يقتصر على سياقه التاريخي فلا يجاوزه في الحجية والاعتبار فلكلِّ زمان من الأحوال ما يخالف عن غيره فلا يصح في القياس أن يحكم الناس في أعصار الحضارة بما يحكم به نظراؤهم في أعصار البداوة ، فسلب النص القدسية والمرجعية العامة بِمَا استثير من ركام المقالات فليس قول المحدث إلا احتفاء بنظيره الذي أحدث في الدين ما ليس منه إذ خالف عن الطريق الأولى المحكمة بمتشابه من القول ، فمثله كمثل من تقدم في آية البقرة ممة قال : (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) ، فقد صير أولئك الربا المحرم هو الأصل فقاسوا عليه البيع المباح ، فوضعوا من معيار الحسن والقبح ما يوافق أهواءهم وإن كان ظاهر البطلان ، وبلغت الجناية في الكلام حد القصر بأضعف الأساليب "إنما" وكأن ذلك من المسلمات التي لا يُمَارِي فيها إلا جاحد أو مسفسط ! ، فكذلك من توسع في التأويل فصير العقل هو الحاكم وصير الواقع هو الدافع فهو الذي يستدعي الحكم الذي نُزِعَتْ عنه قداسة الوحي فصار من جملة ما يحكي البشر ، فإذا تغير الواقع الجالب للحكم المنشئ له فلا نسبة له إلى وحي ، بل قد صار من الأرض نَابِتًا ومن العقل خارجا ، فصار العقل يُوحِي ، والذكي النابه يَرَى وَحْيَ العقل خيالات تأمر وَتَنْهَى من خارج ، وحقيقة الوحي ، لو تدبر الناظر ، من العقل لا من خارجه فلا يخضع لمرجع يجاوزه من خارج وإنما المرجع المحكم هو ما قضى به بحسن أو قبح ، فصار الربا هو الأصل وإن كان ظاهر البطلان في النقل والعقل جميعا ، فإن توهم العقل فيه مصلحة فاعتبر ما ألغاه الشرع ورام الاستقلال بالأمر والنهي فدلالته النظرية تشهد بقبح الطريق الربوية إذ تفضي إلى انهيار عظيم في معاش الناس وتجاراتهم بما يكون من زيادة تجهد المقترِض وإن رَامَ زراعة أو صناعة ، فإن زيادة الدين الربوية مما يَتَحَمَّلُهُ آحاد الناس ممن يَرُومُ الانتفاع بِسِلْعَتِهِ ، فالزيادة التي يدفعها المقترِض بالربا يَحْمِلُهَا المشتري مع هامش ربح زائد فيفضي ذلك إلى تضخم به يضيق المعاش فَأَبَى من أَبَى إلا أن يجعل الهوى هو المعيار المحكم الذي يُرَدُّ إليه الوحي المنزَّل ، فقال من قال إن شرائعه شرائع بداوة تلائم من كانت دابته الحصان والحمار فلا يصلح حكما في هذا الزمان ، وقال من قال إن الوحي لا يطعم ، وقال من قال إن المولود لا يُرْزَقُ ، فذلك من آثار الغلو الفاحش في مفهوم الدولة الإله ! كما سماها فلاسفة المركز ونظاره في سياق النقد اللاذع لما تمارسه الدولة من استبداد فهي ، كما يقول بعض الفضلاء ، تُحْكِمُ السيطرةَ على الإنسان من لحظة الميلاد إلى لحظة الوفاة إن باسم الدين في أعصار الكهنوت الديني ، أو باسم المدنية في أعصار الكهنوت السياسي ، ولكل كهنوتٍ من رجالات التشريع والتأويل والقضاء والتنفيذ ما يرسخ سلطانه الجائر الذي نازع الوحي مرجع التشريع ، فظن من ظن أن هذا الكيان الإله الذي يمارس من الحكم المركزي ما جاوز الحد ، فطغى وفحش طغيانه ، فظن من ظن أنه يرزق ويطعم فإن لم يجد ما يطعم به الناس فهم جوعى هلكى إلا أن تتداركهم الدولة برحمة ! ، وصار الحاكم الأرضي ، في التشريع أو السياسة أو التنفيذ ، هو الإله فهو رب يرزق ويدبر ، وهو إله يحكم ويشرع ، فتلك دلالة تلازم صريحة الْتَزَمَهَا فرعون فلم يخرج عن الجادة المحكمة في القياس ، فقد ادعى الربوبية العليا إذ الأنهار والأرزاق تجري من تحته فهو الذي يجريها ! ، فَلَمَّا سَلَّمَتْ له الرعية بِمَا رُكِزَ فيها من العبودية ، وتلك فطرة يشترك فيها الناس جميعا ، ولكنهم ضلوا إذ لم يصرفوها إلى الرب الحق الذي يخلق ويرزق ، فكل أولئك مما يدخل في عموم "كل" في آية القمر : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) ، فلم يصرفوها إلى الخالق المعظَّم الذي خلق كل شيء بالقدر المحقَّق ، فاقتضت فطرة التأله التي تَرُومُ معبودا بِحَقٍّ أو بِبَاطِلٍ ، فهي تَفْتَقِرُ إلى قوة عليا تدبر أمرها فَثَمَّ من ركن إلى قوة الدولة الإله ! ، وثم من ركن إلى الرب الإله الذي جاءت النبوات بوصفه تُخْبِرُ وبشرعه تَحْكُمُ على وجه يُوَاطِئُ ما تقدم من دلالة التلازم الصريح بَيْنَ السبب والمسبَّب ، فإن فعل الربوبية تدبيرا سبب صحيح صريح يوجب إفراد هذا الرب الخالق بمنصب الإله الشارع الذي يعبد بما شرع من أحكام أن صدق الناظر بما أخبر به من أوصاف الجلال والجمال ، فتلك قوة عليا لا تضاهيها ، بداهة ، قوة دولة أو سلطان ، فكان ما كان من خلاف عن قياس العقل الصريح ، فَثَمَّ من بَلَغَ الغاية في فساد الفطرة والفكرة ، فلا نقل ولا عقل ! ، فرد الأمر إلى الجنس الفرعوني ، سواء أكان جنس دولة أم جنس طاغوت في الخارج ينقض حكم الوحي ويكذِّب خبرَه وَيُزَيِّفُ ما قد عُلِمَ ضرورة أن الرب الخالق قد عم خلقه فلم يقتصر على التقدير الأول ، وإنما استغرق خلق الإيجاد ، وخلق التدبير بما أجرى من الأسباب فركز فيها من قوة التأثير في الإنبات والإحياء والإبقاء ما تقدم ، فلا تنفك تفتقر إلى تدبيره بأسباب الغيب من الملَك الموكل الذي لا يخرج عن أمره فمرد الأمر كله إلى سبب أول لا سبب وراءه وهو كلم التكوين النافذ الذي عم جميع الأشياء في آية يس : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، وعم جميع الأشياء في آية القمر ، فـ : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) ، على وجه المجاز آنف الذكر عند من يثبته في اللسان والشرع ، ومن يَنْفِيهِ فإنه يجري الأمر على ما يتبادر إلى الذهن من بدائه الاستدلال فهي تخرج الرب الخالق ، جل وعلا ، ضرورة ، من هذا العموم ، فَثَمَّ من قرينة السياق وهي مما يعتبر في التأويل الصحيح الذي يستند إلى قرينة معتبرة ، ثم من قرينة السياق ما يوجب وصفا مقدرا ، فتأويل الكلام : إنا كل شيء مخلوق محدَث ، فخرج الرب المحدِث ، جل وعلا ، للكون خلقا والأسباب كونا ، فهو الذي ركز فيها قوى التأثير ، وهو الذي يجريها بقدر التكوين فمرد الأمر كله إليه لا إلى الأسباب وإن أَثَّرَتْ بما رُكِزَ فيها من قوى فلا تخرج عن إرادة الرب المهيمن ، جل وعلا ، الذي يدبر الكون ، كما تقدم ، بأسباب منها المشهود ومنها المغيَّب وهي جميعا تَؤُولُ إلى سبب أول لا سبب يَتَقَدَّمُهُ وهو كلم التكوين النافذ أَثَرُ الوصف الفاعل خلقا ورزقا وتدبيرا على وجه استغرق جميع وظائف الربوبية وذلك ما يوجب لازمه في القياس آنف الذكر تلازما بين السبب والمسبَّب ، فمن خلق ورزق وَدَبَّرَ هو الذي يُعْبَدُ وحده فلا إله غيره يحكم ويشرع ، وثم في الآية وجه آخر يغني الناظر أن يتكلف المجاز وعلائقه وقرائنه إذ أُسْنِدَ فعل الخلق إلى ضمير الفاعلين في "خلقناه" مئنة من التعظيم ، فذلك الفاعل الخالق فَقِسْمَةُ العقل ، كما تقدم ، لا تخرج عن خالق ومخلوق ، فخرج الخالق من عموم "كل شيء" قد خلقه ، فصار اللفظ دالا بظاهره المتبادر فلا يفتقر إلى الاستدلال بمجاز أو تأويل ، إذ الظاهر ، كما تقدم مرارا ، ليس ظاهرا بسيطا مجردا من قرائن السياق والحال فيقتصر الناظر المستدل على دلالة المعجم الأولى ، فذلك ظاهر بسيط لا يجزئ في الاستدلال إذ الألفاظ المفردة المجردة من السياق مذكورا أو مقدرا ، هذه الألفاظ لا تفيد بنفسها كلاما يفيد الناظر حكما فحد الكلام في النحو أنه المفيد المركب ، سواء أكان التركيب مذكورا أم مقدرا ، كما في جَوَابَاتٍ على سؤالات في التنزيل من قبيل الجواب في قول الرَّبِّ المجيد تبارك وتعالى : (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ، فتقدير الكلام : قالوا : قال ربنا الحق ، فَحُذَفَ العامل "قال" والفاعل "ربنا" لتقدم ذكرهما في الاستفهام : ماذا قال ربكم ؟! ، فلا بد من سياق يدل فيه اللفظ بالمجموع المركب ما لا يدل في المعجَم المفرد ، فكان العموم من هذا الوجه محفوظا لا يدخله التخصيص بزيادة القيد وصفا ، فإنا كل شيء مخلوق خلقناه بقدر ، فجاءت الحال "بقدر" تُقَيِّدُ ولا يخلو القول أَنَّهَا تؤسس إذ تُبِينُ عن السبب فدلالة الباء من هذا الوجه دلالة السببية المؤثِّرَة ، وذلك السبب الأول الذي يستقل بالتأثير كما أن الموصوف به وهو الرب الخالق ، جل وعلا ، قد استقل بالوجود ، فذلك ، كما تقدم ، جنس عام تندرج تحته آحاد ، فجنس الوجود مطلق في الذهن ، وتحته آحاد قد قُيِّدَتْ بالوصف ، فَثَمَّ وجود أول لا وجود وراءه فهو الوجود الأول المطلق ، وهو وجود الرب ، جل وعلا ، وجود الذات التي لها حقيقة في الخارج تجاوز ما اقترح الفلاسفة من علة أولى فاعلة قد جَرَّدُوهَا من الوصف إلا قليلا ، وجردوها من الإرادة فهي تفعل اضطرارا كما تحرق النار ويطفئ الماء ! ، فالوجود الإلهي الذي أَثْبَتَتْهُ الرسالات يزيد على الوجود المجرد الذي اقترحته الفلسفات ومذاهب التعطيل سواء أصرحت به أم تذرعت بالتأويل ، وهو ، كما تقدم مرارا ، أمر قد جاوز تعطيل الأخبار إلى تعطيل الأحكام ، فالجنس واحد ، بل والتعطيل في هذه الحال لازم فمن عطل الرب ، جل وعلا ، عن وصفه خلقا ورزقا وتدبيرا وعلما وإحاطة وحكمة ..... إلخ ، فهو يجترئ بلا وازع أن يعطل الحكم النازل فما الحكم إلا من جملة الأوصاف الربانية ، فاسم الحكم من الأسماء الحسنى التي اتسعت دلالتها فلا تقتصر على حكم التكوين ، بل تجاوزه إلى لازمه في العقل وهو حكم التشريع ، فمن خلق بكلم التكوين فوحده الذي يحكم بكلم التشريع ، وذلك تلازم صريح في العقل التزمه فرعون فقد اتسق مقاله وانتظم فلما ظن أنه الذي يدبر ويرزق الرعية التي سلمت له ولا تزال فذلك مما عمت به البلية واتصل زمانها فلا يكاد ينقطع ! ، إذ جنس الانحراف في تصور الرعية واحد ، وجنس الطغيان في الفرعون واحد وإن اختلفت الشخوص فالحقيقة واحده ، إذ الجميع يشترك في معنى الطغيان وهو جنس عام يجرده الذهن ويثبته مطلقا فهو مئنة من مجاوزة ، فمثله كمثل الربا ، وهو محل شاهد تقدم ، فإن منه جنسا يحس ، كما في آية العصيان : (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً) ، فعطف الأخذ أخذة رابية على العصيان بانتحال الملة الباطلة والشرعة الفاسدة ، فكان العصيان الأكبر بما ينقض أصل الإيمان الأول ، فعصوا الرسول الذي أضيف إلى اسم الربوبية فذلك من تسجيل الجناية بما تعظم به النكاية ، فشرف المرسَل من شرف من أرسَله ، والجرم بتكذيبه وإيذائه من الجرم بتكذيب من بعثه وإيذائه ، فحسن ، من هذا الوجه ، أن يعطف الجزاء بالعقاب الزائد ، أن يعطف على حد الفور والتعقيب في "فأخذهم" ولا يخلو من دلالة السببية والتعليل على وجه يواطئ قياس العقل الصريح إذ ثم تلازم وثيق بين السبب والمسبَّب ، فكان المسبَّب النَّاجِزُ من أخذهم الأخذةَ الرابية إذ اقْتَرَفُوا السَّبَبَ وهو العصيان الأكبر ، فكفروا بِالرَّسُولِ الذي بَعَثَهُ الرب الأعز الأكرم ، جل وعلا ، فقرينة السياق قد رشحت من جنس العصيان ، العصيان الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع فضلا أن دلالة الإطلاق في باب الأسماء والأحكام تنصرف ، بادي الرأي ، إلى المعنى الأكبر إلا أن ترد قرينة تصرفها إلى المعنى الأصغر ولا قرينة في هذا السياق ، بل إنه بالأصل يشهد فذلك عصيان لرسول استوجب الأخذ العام بالطوفان ، فلا يكون ذلك ، بداهة ، جزاء عصيان أصغر ينقض كمال الدين الواجب ، وقد وطأ باسم المرة "أخذة" ، وإعرابه في اللسان النصب على المصدر فهو ، من وجه ، يؤكد وذلك ما يحسن في سياق الوعيد ، وهو ، من آخر ، يؤسس معنى يزيد في الزجر إذ كان الفعل مرة مئنة من طلاقة القدرة في موضع العذاب والاستئصال فلم يفتقر إلى غيرها ، وهو من ثالث يُوَطِّئُ للوصف "رابية" فكانت الزيادة مَعْنًى ، ولا تخلو من دلالة الحس إذ طغى الْمَاءُ وَزَادَ فكان رباه الزائد عن حَدِّ العادة ، فجنس الربا ، وهو محل شاهد أول ، جنس الربا مما تَنْقَسِمُ موارده في الخارج ، فإذا أطلق في الذهن فهو مئنة من الزيادة مطلقا ، معقولة أو محسوسة ، باطلة أو صحيحة ، نافعة أو ضارة ، فالبيع ، من هذا الوجه ، يصدق فيه أنه ربا ، ولكن التشبيه في الآية : (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) ، لا يستقيم على جادة الشرع فدلالة "أل" في "الربا" دلالة عهد خاص فهي تنصرف إلى الربا المحرم زيادة بلا عوض ، نسيئة أو فضلا ، على التفصيل الذي ذكره أهل الشأن ، فلا يشبه بالبيع الجائز ، فذلك مما يخالف عن قياس العقل الناصح ألا يسوى بين المختلفين ، فضلا أن يمعن القائل في استباحة المحرم فيفحش في القياس والنظر حتى يجعل الربا هو الأصل ، ويجعل البيع فرعا عليه ، فجاء السياق يبطل هذا التشبيه المقلوب ، إذ أبان عن الحكم على حد المقابلة بين شطرين استوفيا أجزاء القسمة في العقل ، ولا يخلو طباق الإيجاب بين الألفاظ "أحل" و "حرم" ، و : "البيع" و "الربا" ، لا يخلو أن يَزِيدَ المعنى تقريرا وتوكيدا فضلا عن دلالة الماضوية في الأفعال فذلك مما يزيد المعنى توكيدا ورسوخا فهو مما أُبْرِمَ في الشرع المحكم ، فلا يخالف عنه بهوى متشابه لم يسلم من وصمة النقص في الذات والوصف على ما تقدم من قسمة أخرى في العقل ، قسمة الوجود ، فجنسه المطلق تنقسم آحاده في الخارج ، فوجود الخالق الأول كاملا في الأزل والأبد بالذات والوصف ، قد بَرِئَ من وصف النقص الذي يتهم صاحبه أنه يميل في الحكم ويحيف ليسد حاجته ويذهب عن نفسه وصف النقص بما يستجمع من الأسباب ، فكماله ، إن سُلِّمَ أنه مطلق تَنَزُّلًا في الجدال بفرض المحال فلا يوجد مخلوق يستقل بالكمال المطلق ، فذلك مما اخْتَصَّ به الرب المهيمن ، جل وعلا ، نفسه على وجه يحصل به الفرقان المبين بين الخالق والمخلوق ، فَلَئِنْ سُلِّمَ أن ثَمَّ مخلوقا يحوز هذا الوصف فلا يحوزه بالذات ، وإنما يكون كماله بما يستجمع من الأسباب على وجه يُبِينُ عن افتقاره إلى غيره فكماله من خارج ، وأما الرب الخالق ، جل وعلا ، فكماله ذاتا ووصفا كمال ذاتي لا يفتقر إلى سبب من خارج بل كل سبب موجود فهو من خلقه الذي يفتقر إلى قدره ليجريه ، فهو يدخل ، كما تقدم ، في عموم "كل شيء" في آية القمر : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) .

فَأَحَلَّ ، جل وعلا ، البيع ، ولا تخلو دلالة "أل" أن تكون من العهد الخاص ، فذلك مما ينصرف إلى البيع المباح فخرجت البيوع المحرمة ، فذلك من العام المخصوص بما نَهَى عنه ، جل وعلا ، من البيوع ، أو هو من العام الذي أريد به خاص فهو يقتصر ابتداء على البيع المباح ، وثم من المحققين من استدل بهذا الموضع وهو من آخر ما نزل أن السنة لا تنسخ إلا بسنة مثلها ، وإلا استجاز من استجاز أن ينسخ البيوع المحرمة بهذا العموم في سياق الإباحة ، وقد يجاب أنه من العموم الذي أريد به خاص فخرجت البيوع المحرمة ابتداء ، أو أن المسألة تجري مجرى التخصيص لا النسخ ، فخصصت نصوص البيوع المحرمة عموم البيع في سياق الإباحة .

والله أعلى وأعلم .