اعرض النتائج 1 من 1 إلى 1

الموضوع: الأخلاق والسياسة

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:20-11-2017
    الساعة:02:36 PM

    المشاركات
    4,705
    العمر
    39

    الأخلاق والسياسة

    مما تقرر في مواضع عدة أن الوحي قد جاء بمنهاج محكم في مسائل الأخلاق وهي بواعث الإيمان والتصديق بالأقوال والأعمال ، فالإنسان كائن أخلاقي يجاوز الحيوان الذي لا يطيق الخروج عن قانون الطبيعة ، ولا يبلغ حد الملَك الذي لا يعصي فقد نُزِّهَ من شهوات الحس وجرد من دوافع الغضب والشهوة .... إلخ من دوافع النفوس الحية الحساسة المتحركة بالإرادة التامة ، فتلك دوافع تحرك الإنسان فيكون التدافع والتصادم ولا بد له من قانون ضابط يقيم بنيان الأخلاق ويفصل في الخصومات بمنهاج محكم من الشرائع والأحكام يجاوز الكليات المجملة في الذهن ، فهو قانون مفصل بالنطق والفهم ، فيفيد بالقياس طردا وعكسا ، موافقة تَدْخُلُ في حد اللفظ على قَوْلِ من جَوَّزَ القياس في اللسان ، وتدخل في حد المعنى الذي يصح به التعليل في معقول المعنى من الأحكام ، ومخالفة بها يكون قياس العكس ، فكانت الانقياد التام انقياد العقل إذ يخضع لِلْوَحْيِ ، وانقياد النفس إذ تجاوز شهواتها وقواها الغضبية فتجعل الوحي رائدها الذي يُهَذِّبُ الباطن والظاهر ، وَيُقَوِّمُ المحكوم والحاكم فَيَحُدُّ لكلٍّ من الحدود ما به تنتظم الأمور ، ولا يكون ذلك إلا بتدبير حي قيوم لا يغفل ولا يجهل ، فاستحق وصف الحياة الكاملة ثَنَاءً به يحصل التمايز بين حياة الخالق ، جل وعلا ، وحياة المخلوق ، فإن الأولى أصل الحيوات جميعا ، فهي أصل الصفات الذاتية ، وهي أول وبعدها القيومية ، أصل الصفات الفعلية ، وبها تدبير الكون ، وبها تشريع الحكم ، بما يكون من كلمات تأرز إلى العلم الأول المحيط الذي عَمَّ بمعناه الجامع ، علم التكوين النافذ ، وعلم التشريع الحاكم ، وأما حياة المخلوق فهي حياة حادثة من عدم تَفْنَى بَعْدَ وجودها ، وَخِلَالَهَا تناوب محكم بين أطوار من الوجود والفناء ، فالخلايا والأنسجة تفنى وتحدث في إطار محكم من الانقسام والاضمحلال ، فَثَمَّ تناسب بين الطريقين ، فإن اختل التناسب في أحيان بما يكون من طفرات وراثية ، وبما يكون من عوامل بيئية وأنماط حياتية .... إلخ ، فإن اختل كان النقص سواء أكان هزالا أم ورما فهو زيادة مرض لا صحة ، فكان من العدل ما به انتظم أمر الحياة ، فحياة الأبدان تنتظم بانقسام واضمحلال محكم هو آية عدل في الأنفس ، وحياة الجنان تنتظم بعدل آخر ، عدل الإخبار فهو وسط بين التعطيل والتمثيل ، وعدل الإنشاء فهو وسط بين التنطع والتهتك ، بين الإفراط والتفريط ، بين الثيوقراطية والعلمانية ، فلم يكن الوحي فِعْلًا أو رَدَّ فعل شائه بل كان الْمُقَوِّمَ الناصح الذي أحيى القلوب بِرُوحِ الوحي ، فهو روحُ حياةٍ شريفةٍ بُثَّتْ فِي الْجِنَانِ ، فجاءت تصدق فطرة التوحيد الأولى ، وَتُقَوِّمُ ما اعْوَجَّ مِنْهَا بِغُلُوٍّ أو جَفَاءٍ ، فجاء الوحي يحسم مادة الطغيان في نُفُوسِ السادة سواء أكانت رياساتهم دينية أم دنيوية ، فجاء الوحي يُرَشِّدُ السلطة الروحية أن يُزِيلَ الواسطة في العبادة والتأله بين الحق والخلق فلا واسطة في العبادة ، وإن كان ثم واسطة في البلاغ والبيان ، فلا بد من واسطة بين الحق ، جل وعلا ، والخلق ، تُبَلِّغُ وَتُبَيِّنُ وَتُقَوِّمُ ما يكون من اعوجاج وانحراف فهي تَرُدُّ النُّفُوسَ إلى الجادة إن حادت عنها ، فالواسطة تُنْفَى تارة وَتُثْبَتُ أخرى ، فَتَثْبُتُ واسطة حق وهي الرسالة التي نَزَلَ بها روح الوحي الأمين على قلب البشير النذير الذي يُبَلِّغُ هذا العالم ما فيه صلاحه العاجل والآجل فيخرج به من طور الاضطراب والاختلاف الذي عمت به البلوى العقولَ إذ تنازعت بما جبلت عليه من الشح فكانت الخصومات في السياسة والاقتصاد ومعيار الأخلاق ، فلا يَنْفِي هذا الاختلاف إلا حكم من خارج يفصل في هذه الخصومات المستحكمة ، فلا بد من واسطة الرسالة التي سخر منها من سخر وأزرى بها من أزرى وهو لا يزال يضطرب وَيَتَنَاقَضُ ولكنه يكابر ولا يُقِرُّ أن العيب في عقله إذ سلك جادة تخالف عن جادة الوحي فلولا الكبر إذ لم يطق عقله أن يكون تابعا للوحي ، كما لم يقر كعب بن أسد اليهودي بالرسالة الخاتمة وهو يعلم صدقها يقينا فلا تطيب نفسه أن يكون تابعا لعربي ، ولو نَبِيًّا ، بعد أن كان سيدا في بني قريظة ! فصدته رياسته وعلوه في الأرض بِالْعِرْقِ أو الجاه .... إلخ ، صده ذلك أن يقر بسيادة الوحي ، فلولا الكبر لأقر بسيادة الوحي فانقاد وامتثل ليخرج من هذه الحال الردية ، فلا بد من إثبات هذه الواسطة ، واسطة الرسالة بين الحق والخلق ، ولا بد في المقابل من نَفْيِ الواسطة في باب العبادة فَلَيْسَ بَيْنَ العبد والرب ، جل وعلا ، واسطة من وثن أو بشر ، من صورة أو كاهن في المعبد ، ليس ثم واسطة من هذا الجنس يَتَأَلَّهُ بها الإنسان فيجعلها قَيِّمًا مهيمنا على الروح ، فَلَهَا سلطان روحي طَاغٍ لا يَمْلِكُ الإنسانُ مِنْهُ فِكَاكًا ، فهو يتحكم في الشأن الديني على وجه يجاوز وظائف الْعَالِمِ الذي يعلم ويفتي ويجتهد في النوازل إن حَصَّلَ أسباب النظر والاستدلال ، فيجاوز السلطان الروحي ذلك إلى طغيان يستأثر بوظيفة الدين نَفْسِهَا ، فلا يكون التدين إلا بواسطته فلا يطيق العبد التدين بعيدا عنه فهو المرجع اللازم على وجه يستحدث فيه من مراجع الدين ما يضاهي مرجع الدين الأول ، مرجع الوحي المحكم ، فَثَمَّ رجال تصدروا فصار لهم من المنصب الروحي ما يجعل كلامهم دينا يَلْزَمُ وكأنه وحي مُنَزَّلٌ ، سواء أصرحوا بالعصمة كما كانت الحال زمن البابوية الأولى ، أم لم يصرحوا كما هي الحال في مراجع التقليد في مذاهب الغلو التي أوجبت على الأتباع التقليد على وجه صَيَّرَ المذهب على أنحاء فلكلِّ مرجعٍ من الأتباع المقلدة ما به يحوز نفوذا في السياسة والحكم ، فيكون التحالف تارة ، والتخالف أخرى بل والتصارع بين السلطة الروحية الدينية في مراجع وحوزات حازت الدين واستولت عليه فصارت هي المتحدث باسم الله ، جل وعلا ، أو باسم النواب من الأئمة المعصومين ، ثم جاء مقال آخر يزيد المقال تصلبا ومركزية إذ جمع السلطات الدينية والتنفيذية في يد الولي الفقيه الذي جاوز منصب الديانة كما يظهر ، بادي الرأي ، فليس فقيها كالفقهاء المجتهدين في الدين مِمَّنْ لَهُمْ أهلية النظر والاستدلال بما حَصَّلُوا من علوم وأدوات ، وإن كان ثَمَّ في محيط الدرس الصحيح ما أحدث المتأخرون من أتباع المذاهب المشهورة فكان الغلو في التقليد وإن لم يَبْلُغْ ما بَلَغَ أولئك من إضفاء طابع القداسة والعصمة على الولي الفقيه الذي استثمر السلطة الروحية في السلطة السياسية فجعل الدين أداة من أدوات السياسة فهو الذريعة إلى الانفراد بالحكم وإضفاء طابع القداسة على قراراته التي صارت فتاوى ينوب في إصدارها عن المعصوم فَلَهَا قوة تَزِيدُ على قوة القانون السياسي فهي حكم ديني مطلق لا يزيغ عنه إلا مارق هالك وإن كان في شأن سياسي يسوغ فيه الاختلاف في تقدير المصلحة فليس ثم نَصٌّ في الباب وليس الأمر ظاهر البطلان بمخالفة أصل كلي أو دليل جزئي لِيُصَادَرَ الرأي المخالف وَيُزْجَرَ إذ خَالَفَ عَمَّا لا يسوغ الخلاف عنه من الدين الصحيح ، وإنما هو محل اعتبار يَفْتَقِرُ إلى نظر سياسة وفقه في وجوه المصالح على وجه لا يخرج بها عن جادة الشرائع ، فضيق الولي الفقيه وحجر الواسع وجعل عصمة الولاية ، ولو بالنيابة ، ذريعة إلى قمع أي مخالف بأدوات فتيا تزجر وأدوات حرب تقتل ! ، فقد استجمع قوة الدين وقوة العسكر الذي تشبع بعصبيته فلا يعرف ولاء إلا لشخص الإمام في شخص نائبه الذي توسع في استعمال هذه النيابة حتى صار يتصرف كالأصيل لا الوكيل ! ، فهو المعصوم حتى يظهر المعصوم إن قُدِّرَ له ظهور ! .
    فليس الولي الفقيه كالفقهاء المجتهدين في الدين ، وليس ، في المقابل ، كالفقهاء ورجال الدين في الأطروحات العلمانية اللادينية إذ ضيق على الفقيه الذي لُقِّبَ برجل الدين ، فظن ذلك تكريما وهو ، عند التدبر والنظر ، تحجيم وتقليص لصلاحياته في إطار دولة مؤسسات حديثة لا دين لها فهي دولة علمانية تجعل الدين من جملة موظفيها فتسيطر عليه إدارة ونفقة كما تسيطر على بقية مؤسسات الدولة ، فثم هيئة أو مؤسسة دينية هي ، عند التدبر والنظر ، أداة من أدوات السياسة فهي إطار فكري لمشروع سياسي فلا بد له من رافد من الفكر ، وهو ما اصطلح أن يسمى القوة الناعمة وذلك ما يفخر به بعض الساسة بل وبعض أهل الفضل ! ، فيجعل الجامع الفلاني أو الهيئة الفلانية من جملة القوى السياسية الناعمة فهي العنوان الفكري للمشروع السياسي الذي صار هو الأصل وصار غيره ، ولو وحيا ورسالة ، صار فرعا خادما لا أكثر ، وذلك ما قد يبلغ في أحيان حد التوظيف للمقدسات والشعائر وهو أمر يبرز في تصريحات وأخرى تضادها وليس في الاثنين إلا المزايدة التي يحقق بها كل خصم من نقاط السياسة ما يجعله الأوفر حظا ، فَثَمَّ من يجعل الشعائر والمقدسات عنوانا جذابا فَقَدْ وَفَّرَ له زعامة روحية فضلا عن تحول الأمر إلى استثمارات تحقق أرباحا كبيرة وليس ذلك مما يذم وإنما النقص يطرأ إن صار الهدف المعلن يخالف عن الهدف المبطَن ، فلم يَعُدِ الدين هو الأصل وإنما صار ورقة مزايدة بها تحقق المكاسب السياسية ، فَثَمَّ ، في المقابل ، من يجعل الشعائر أداة مناكفة فهو يحشد الجموع لتحقيق مآرب سياسية تحت ستار التظاهر دفاعا عن الحقوق وانتصارا للمستضعفين في الأرض ..... إلخ ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، تَسْيِيسٌ واضح يعارض به التسييس الأول ، فكلاهما يُسَيِّسُ الأمر وإن اختلفت الغاية .
    والشاهد أن الدين في ظل الدولة الحديثة ذات المؤسسات الصلبة الصارمة قد وضع في إطار محكم لا يخرج عنه فهو من جملة الأدوات السياسية ، فَطَرَأَ الاصطلاح الجديد الذي صار مُفْرَدَةً من مفردات القاموس السياسي المعاصر وهو اصطلاح المؤسسة الدينية وهو اصطلاح ظاهره التعظيم وباطنه التقليص لصلاحيات الدين فليس إلا مؤسسة من جملة مؤسسات تخضع لإشراف الدولة المباشر فهي التي تحدد الميزانية بعد السطو على الأوقاف الخاصة وإلحاقها بديوان خاص من دواوين الدولة ! ، وهي التي تحدد خطة العمل ، استراتيجيات وآليات ، فمن يدفع هو ، بداهة ، الذي يحدد الغاية الرئيسة ويضع الخطة المفصلة ! عبر رجاله من ذوي العمائم الرسمية ، ولو اقتصر الأمر على لقب المؤسسة التعليمية لهان الخطب ، فهو أهون من لقب استجازت به الدولة السطو على الفتيا وتوظيفها لتحقيق مآربها السياسية النفعية ، مع أن تدخل الدولة في مناهج التعليم قد أفسده إذ صار التعليم ، أيضا ، من جملة مؤسسات الدولة وأدواتها فَبِهِ تفرض من القيم والأخلاق والمناهج ما يحقق أهدافها السياسية فَهِيَ دوما الأصل وما سواها فَرْعٌ ، إذ استأثرت بآلات الحكم والتشريع والتعليم وصياغة العقول والمبادئ فاختزلت من قوة المجتمع ما اختزلت ونجحت في تطويقه بأذرعها الصلبة والناعمة فلا يطيق الخروج عن سلطانها الذي صار إلها يشرع ويحكم بعد تقليص صلاحيات الكاهن في الدولة الدينية ، أو الدولة الثيوقراطية ، فلم يكن الأمر ، كما تقدم مرارا ، إلا غلوا في مقابل غلو ، غلو العلمانية اللادينية بدولتها المدنية الحديثة في مقابل غلو الثيوقراطية الدينية بدولة الكهنوت المتحالف مع الأباطرة ، وتحمل الشرق ذلك الأنموذج السياسي العلماني ، تحمله عن الغرب مع أنه لم يكن يشكو من دائه فالمجتمع المسلم كان ، كما يقول بعض الفضلاء ، مجتمعا قويا لا تطيق السلطة فَرْضَ قِيَمِهَا عليه وإن حاولت ونجحت في أحيان إلا أن المجتمع قد احتفظ بأسباب قوة لم تكن الدولة تحلم يوما أن تَسْتَلِبَهَا منه فكان له من قوة الوقف والدرس الحر ما لا يتدخل فيه الساسة وإن رَامُوا ذلك فليس إلا الإنكار والزجر لا سيما والمجتمع يقظ يقف في ظهر العالم داعما فالحاكم يحسب لذلك ألف حساب قبل أن يقدم على أي انتهاك ، وتاريخ العلماء في إنكارهم على السلطة وقيادتهم الأمة ضد أي خروج عن الشرعة ، هذا التاريخ مما قد اشتهر فلم يخل الأمر ، كما يقول بعض الفضلاء ، من مقاوم به تقوم الحجة ، ولو واحدا فلا تخلو الأرض من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة ، كما قام بها أحمد ، رحمه الله ، يوم المحنة ، ومن عجز في أعصار الضعف فهو يعتزل فلا يشارك في إضفاء الشرعية على أوضاع سياسية باطلة .
    فكان من رد الفعل الغالي على الكهنوت الطاغي أن قُلِّصَتْ صلاحيات الكاهن ، فلم يعد له إلا فضاء ضيق يمارس فيه من الوظائف ما قد حَدَّتْهُ الدولة المدنية فهي خصمه الرئيس الذي قَلَّمَ أظفاره وقلص صلاحياته وألجأه إلى ركن ضيق وإن كان في أحيان يُؤَثِّرُ فهو عامل رئيس في صياغة الهوية السياسية إن في السلم أو في الحرب ، فالدين عامل رئيس في الحشد والتعبئة ، وإضفاء روح القداسة على حروب الساسة على النفوذ ، سواء أكان نفوذ سياسة أم اقتصاد .... إلخ ، ولا يكون ذلك ، لو تدبر الناظر ، إلا فرعا عن حرب أفكار ضروس ، فخصوم الرسالة في كل عصر ومصر ما زَالُوا يقترحون من الوساوس بما أُحْدِثَ من المقالات والمذاهب في الدين الواحد حتى صيروه أديانا وصيروا أتباعه فِئَامًا يَقْتُلُ بعضهم بعضا ، فشطروا الجماعة أجزءا ، باسم الإصلاح الديني تارة ، والتجديد أخرى ، فضلا عن تحريف الأصل في رسالات لم يكفل لها الرب ، جل وعلا ، الحفظ كما كفل للرسالة الخاتمة ، وإن لم تسلم من الأهواء والمذاهب ، ولو فتش الناظر في الأصول لوجدها ذات الأصول التي رامت الإفساد قبل ذلك فقد ناجزت الرسالات الخصومةَ إذ تسلبها السلطان والحكومة ، فَيَهُودُ إذ ضُرِبَتْ عليهم الذلة وكان السبي أولا وَثَانِيًا بما قَارَفُوا من جنايات كانت ، لَوْ تَدَبَّرَ الناظر ، نَوَاةً أولى للأطروحة العلمانية اللادينية ، فقد انتهكوا حرمة المسجد وصيروه متجرا وملعبا وكان ثَمَّ من الحاخامات من احتفظ بمنصب الرياسة الدينية ، ولم يُبْدِ اعْتِرَاضًا ، فَتَبَلْوَرَ مبكرا معنى الكهنوت كما قد ظهر بعد ذلك في المدينة النبوية فكان لطوائف يهود رجالات سياسة وحرب كحيي بن أخطب وكعب بن أسد ، وكان ثم رجالات دين وذلك اصطلاح ذو دلالة علمانية لادينية ، فكان أمثال ابن صوريا يفتي بما يحفظ رياسته ولو كتم الحق وحرض الناس على صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكلا السلطتين ، الدينية والدنيوية ، تأبيان الانقياد لسلطة تحكم من خارج فلا تطيب النفوس أن تصير تَبَعًا في الحق ، فهي تروم السيادة ولو في الباطل ، خلافا لعبد صالح من أتباع الرسالة الخاتمة أُثِرَتْ عنه كلمة جليلة ، فـ : "لأن أكون ذنبًا في الحق ، أحب إلي من أن أكون رأسًا في الباطل" ، فاختار الآخر في الحق على الأول في الباطل ، وذلك اختيار العاقل الذي يروم الحق سواء أكان فيه صدرا أم تَبَعًا فَمَا عليه إذا نجا سواء أكان المقدَّم أم كان المؤخَّر ، وذلك ما يأباه في العادة أصحاب الرياسات سواء أكانت دينية أم دنيوية ، بل إن أصحاب الرياسات الدينية في أحيان كثيرة يستمسكون برياساتهم ما لا يستمسك أصحاب الرياسات الدنيوية ، فحكم الناس باسم الله ، جل وعلا ، وإن عُطِّلَ شرعُه ، ذلك الحكم مطلق يعم الملك والتابع ، فتخضع له الرقاب جميعا بما له من إجلال في النفوس الَّتِي جُبِلَتْ عَلَى تَعْظِيمِ الدين وإن نجح الطرح العلماني في دور تَالٍ أن يقلص هذا التعظيم ويختزله بما أذاع من فضائح السلطة الدينية على وجه صار مثار التندر في الأطروحات الأدبية التي تولى كِبْرَهَا ثائرون على الكهنوت تُحَرِّكُهُمْ قوى خفية الشخص عظيمة المكر أفسدت دين النصارى وجاء القساوسة والرهبان لينسجوا على ذات المنوال فوتيرة الفساد تسارعت ولم تعد تقتصر على تحريف اللاهوت ، بل اختارت الانحياز إلى السلطان الذي يملك آلة الحرب فكان التحالف المشهور في تاريخ الكنيسة التي أقحمت الدين في معترك سياسة محدَث ، فَصَيَّرَتْهُ محكوما بأهواء الساسة لا حاكما عليها ، مع أنها ، من وجه آخر ، قد رسخت مفهوم الفصل بين الدين والدولة بمقال "أعط ما لله لله وما لقيصر لقيصر" ، وهو إن بطل فلا يحتاج إلى تفسير ، وإن صح فقد أعملوا فيه سيف التأويل فاجتزءوه من سياق ، فهو ، كما يُنَوِّهُ بعض الفضلاء ، فعل اضطرار هروبا من إلزام يهود الذين حرضوا السلطة الرومانية الوثنية على المسيح عليه السلام .
    فكان أن سلك الرهبان جادة الانحراف التي افتتحها يهود بمقال شاءول ، وكان التحالف بين الكنيسة والدولة على اقتسام النفوذ ، فكلٌّ يُمِدُّ الآخر بشريان حياة ، ومن نظر من المخلصين في هذا الوضع الشائه الذي عمت به البلوى فلا يملك طاقة تغيير ، فكانت العزلة والانطواء في حركة رهبنة اعتزلت ، فَلَمْ يكن ثَمَّ دور فاعل في تَغْيِيرِ الواقع ، وإنما كان الاضطرار إلى رخصة قد ينجو صاحبها ولكنها لا تصلح في بناء الأمم وتصحيح مسار التاريخ بِرَدِّهِ إلى جادة التوحيد ، فلا تقام الأمم على الرخص ، وإنما يَتَوَلَّى كِبْرَ الإنشاء والإصلاح والتجديد أصحاب العزائم ، فمنهم أولو العزم الذين جاءوا بالوحي فهو أصل البنيان ، وهو مما لا يُتَلَقَّى إلا من وحي السماء ، فهو المرجع الذي يجاوز السلطات الأرضية جميعا فيحكم فيها الحكم المطلق الذي تجرد من أهواء الكهنة والساسة ، ومن أولي العزم ، أيضا ، خلفاء الأنبياء من العلماء الصادقين والمجاهدين الربانيين الذين حملوا لواء الإنكار على الظالم والإصلاح لما فسد من الأحوال الفكرية والسياسية ، فتلك عزيمة يقام بها بنيان لا رخصة غايتها أن يَنْجُوَ آحاد كما قد عمت البلوى في الأعصار المتأخرة لما صار استبداد العلمانية هو الحكم المهيمن ، وهو استبداد ، كما يقول بعض الفضلاء ، يَتَّخِذُ هيئة الهرم فَثَمَّ طبقات ونخب بَيْنَهَا من الفواصل الحادة الصارمة ما يحفظ رياسات النخب الأعلى التي نجحت في تَأْطِيرِ المجتمع بما تملك من أدوات الحكم فَبِهَا تصنع العقول في معاهد الدرس طوعا أو في الأحباس والسجون قهرا ! ، فهي لو تدبر الناظر في تجارب الأمم قديما وحديثا ، محاضن فِيهَا تقهر الإرادات المخالفة عن إرادة الدولة التي صارت إلها يثيب من أطاع ويعاقب من عصى فإما أن يعتبر فيراجع جادة الحكم الرشيد ! ، وإما أن يستأصل دَفْعَةً أو على تخوف ، فيكون الاستئصال شيئا فشيئا ، فمن يقاوم فهو محل استهداف مباشر ، أيا كانت مقاومته ، وثم رسالة أخرى أدق ، كما يقول بعض الباحثين ، فإن الاعتبار لا يكون إلا بضحية تُنَكِّلُ بها السلطة الحاكمة فتصير عبرة لمن يعتبر ! ، فالأمر لا يكون اعتباطا كما قد يتبادر حال النظر في صورة التعذيب والقهر المباشر ، وإنما ثم منهاج يمارس التعذيب حسا ومعنى على نطاق يجاوز الضحية فهو ينال حاضنتها بصور من التضييق والتنكيل الناعم أو الصلب إن اقتضى الأمر ، فتلك فلسفة التعذيب في هذه الأعصار إذ صار جزءا رئيسا من منظومة الحكم الهرمي فهو يمتلك أجهزة أمن محترفة وظيفتها الدفاع عن النظام الذي اخْتُزِلَتْ صورته في شخص النظام حقيقة أو اعتبارا ، فإن النظام آحاد قد اجتمعت مصالحهم وتواطأت دوافعهم فكانت الشخص الاعتباري في مفهوم الدولة الهرمي الذي يقمع بقوة القانون فقد نجح في صياغة أفعاله صياغةَ الشرعِ أو القانونِ ، فكان تأويل الوحي في أحيان أن يَصِيرَ ذريعة إلى الطغيان فهو يُوَفِّرُ من الفتوى والدليل ما به تستجيز الدولة القمع والترهيب ، وهو أمر قد فَشَا في دولة الكهنوت إذ أَضْفَتْ مسحة الْبَرَكَةِ على أصحاب العظمة من الأباطرة الذين استمدوا سلطانهم من الإله الذي أناب الكهنة فهم بطانة السلطة وحاشيتها ولها دور ، لو تدبر الناظر ، يجاوز دور الأدوات التي تُنَفِّذُ ، فالأدوات التي تشرع الأحكام سواء أكان مستمدها الوحي أم الوضع ، فثم من يتأول الوحي الصحيح فيحمله من الباطل ما لا يحتمل إلا بمتشابه من القول يتكلف صاحبه من التأويل ما يبلغ حد الباطن ، وثم من يصوغ القوانين صياغة أرضية مجردة لا نسبة لها إلى الوحي ، بل هي تجهر بخصومته فلا عهد لها إلا بوحي الكهنة الديني الذي تواطأ أصحابه مع أصحاب السلطان السياسي ، فاستبدل كهنة القانون المحدث بكهنة الدين المبدَّل ، فوقعوا في جنس ما أنكروه على الأولين فلم يستفد الجمع إلا أن انتقل من استبداد قديم يأرز إلى معنى الدين إلى استبداد حديث هو ، كما يقول بعض المحققين ، أشد وطأة من الاستبداد القديم ، فالاستبداد الحديث له نظريات في الحكم والسيطرة وله أدوات فاعلة في التشريع والتنفيذ ، وله قوة القانون التي يخضع لها المجتمع ، وله أجهزة بطش هي محل شاهد تقدم ، وهو ، لو تدبر الناظر ، أمر يجاوز البطش بالأبدان ، فثم بطش أعظم أَثَرًا بالعقول بما يكون من إزراء بها بخطاب درس وإعلام يقتل في العقل حاسة الوعي ، وإن عظم الفساد والظلم والفقر ، فكل أولئك لا يُفْرِزُ قوة تغيير إن لم يكن ثم وعي يرتكز ، كما يقول بعض الفضلاء ، إلى أنوية صلبة من الأفكار ، فإن قُتِلَ الوعي صَبَرَ الناس صبر البهائم ، فلا يملكون إلا الصبر وترشيد الحياة أن توافق حال الظلم والفساد دون قدرة على التغيير فليس إلا التعايش والتكيف ولو ضاقت الحال ، كما يحكي بعض الباحثين من نوادر التجربة الاقتصادية الرأسمالية في أمريكا اللاتينية في النصف الثاني من القرن الماضي قرن الانقلابات العسكرية في تلك البقعة من الأرض إذ كانت الرأسمالية القابعة في الشطر الشمالي قد خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية ، وكان لها من النفوذ السياسي والاقتصادي ما قضى على مراكز النفوذ في دول الاستعمار القديم في أوروبا ، بريطانيا وفرنسا ، فضلا عن انهيار المشروع النازي في ألمانيا ، والمشروع الفاشي في إيطاليا ، وانهيار الشرق قبل ذلك بعقود بعد انفراط العقد السياسي الجامع بإلغاء منصب الخلافة اسما ورسما ، فلم يكن لها خصم أيديولوجي وسياسي آنذاك إلا اليسار الماركسي الذي نجح في التسلل إلى فنائها الخلفي ، أمريكا اللاتينية ، فكان الحراك العسكري العنيف لاستئصال اليسار فكرا واقتصادا ، واستبدال المنظومة الرأسمالية به ولو بحد السيف ، فكان من إجراءات القمع وإجراءات الإصلاح الاقتصادي ذي الطابع الليبرالي الشرس ما أفضى إلى انهيار في الدخول وحال من الفقر العام مع سلطة باطشة تقمع أي معارض ولو لم تَتَّخِذْ معارضته بعدا أيديولوجيا يهدد القيم الرأسمالية ، فعم الفقر ولم يثر أحد أو يطالب بالتغيير إذ مساحة الوعي قد قلصت بآلة الرعب تارة ، وبآلة الإعلام أخرى ، وباشتغال الناس في تحصيل القوت الضروري ثالثة ، فليس إلا التكيف مع الأوضاع الجديدة طوعا أو كرها بحزمة إجراءات يضرب لها بعض الباحثين مثلا بتفويت بعض الوجبات ، وإن تأولوا ذلك أنه نظام غذاء صحي لإنقاص الوزن ، ولو كرها ! ، وإن بلغت الحال أن يأكل الناس من مقالب النفاية العامة ، وتغذية الأطفال بشاي تقليدي يقمع الجوع يسمى شاي المتي ، وكان الناس يستيقظون قبل طلوع الفجر ليسيروا إلى أماكن عملهم بنشاط وحيوية إجبارية ! إذ لا يملكون ثمن الحافلة ، أو هم يدخرونه لما هو أهم ! ، كما هي الحال في الدول التي ارتفع فيها ثمن المحروقات فلجأ الناس إلى ركوب الدراجات الهوائية للحفاظ على بيئة نظيفة فالجيوب نظيفة ! ، وكان الحكام آنذاك قادة عسكريين يَتَّسِمُونَ بالجهل الشديد كما يصفهم من اقترب منهم من كهنة الرأسمالية الذين أوحوا إليهم بهذا الطريق من الإصلاح لاستنزاف مقدرات البلاد بحجة الهيكلة واعتماد آليات الاقتصاد الحر فهو من أَنْجَعِ الوسائل في السطو على مقدرات الدول بما يكون من خصخصة لمصادر الدخل العام الذي تستأثر به الشركات عابرة القارات وهي لا تملك من الرحمة شيئا فلا يعنيها أن يشرد آلاف من العمال ، أو يجوع آلاف أو يموت أمثالهم من قلة الغذاء والدواء ، فلا بد أن يتصدر هذا المشهد جاهل قاسي القلب ، مغرور قد أصابه الكبر والعجب وإن لم يملك من أسباب الرياسة شيئا فجهله يسهل على القوى الداعمة له السيطرةَ عليه ، والخطاب المعتمد : خطاب الشكر للشعب الصبور المحتمِل الذي يتحمل وحده ضريبة الإصلاح التي تصب آخر الأمر في جيب النخبة الرأسمالية في الخارج وفي الداخل ، وهي التي يمثلها هذا القائد ، فالفقراء يزدادون فَقْرًا وَيَبْذُلُونَ من قُوتِهِم طوعا أو كرها من أجل الوطن الذي اختزل في شخص القائد ونخبة الرأسمالية التي تحوطه فلا يزداد الناس فقرا ، طوعا أو كرها ، إلا ليزداد أولئك غنى ، والذريعة هي الوطن ! ، فصارت الحال كسم الخياط الذي لا يلجه الجمل ومع ذلك لم يعترض أحد فَسَيْفُ السلطان وسوطه جاهز فهو يبطش بأي صوت يعارض ، فثم البطش الآخر بالأبدان ، فَفَلْسَفَةُ التعذيب في مناهج القمع المعاصر تجاوز حد الإيلام المباشر ، فهي آلة تطويع للعقول بما يكون من تفكيك النفس بصدمات تَتْرَى ، سواء أكانت صدمات تفكك المجتمع لإعادة هيكلته بما يوافق غايات السلطة الحاكمة ، أم كانت صدمات تعذيب مباشر وهي ، كما يقول بعض الباحثين ، أنموذج مطور من نظرية العلاج بالصدمات الكهربية فقد اسْتَعْمَلَهَا الأطباء في قُرُونٍ مضت لطرد الشياطين من الجسد ! ، فمع كل صدمة يطرد شيطان ويقمع ، وكذا الحال في صدمات التعذيب المباشر ، النفسي أو الجسدي ، فهي تطرد شياطين الأفكار التي تخالف عن غايات الدولة وَمُثُلِهَا العليا وهي ، كما تقدم ، صورة تحكي توازنا لقوى تَتَصَارَعُ على مراكز النفوذ والسيطرة فتفرض قانونها بقوة اكتسبت شرعية دينية في الدولة الكهنوتية ، وشرعية سياسية في الدولة العلمانية ، فَتُعَادُ الصياغة التي تقمع النفس وتصنع الخوف وَتَبُثُّهُ قصدا في المجتمع فلا تحدثه نفسه أن يُغَيِّرَ ، فليس له إلا أن يصبر ويتكيف ، وتعظم الجناية ، كما تقدم مرارا ، إن صار الدين الخاتم أداة من أدوات السياسة ، ولا تصلح الحال إلا أن تكون السياسة أداة من أدواته ، فلما انقلبت الآية تَأَوَّلَ الكهنة الجدد نصوصَ الوحي أن تُوَافِقَ غايات الحكم ، ولولا الخبر المتواتر بحفظ الوحي الخاتم وقيام حجته إلى يوم الدين لآل أمره إلى ما آل إليه الكهنوت الأول من تبديل الرسالة واندثار الحجة .
    وهذا الاستبداد الكهنوتي يفضي حتما إلى طور جديد من الاستبداد يكون رَدَّ فعل غال لفعلٍ جائرٍ ظالم ، فمن التعسف في الحكم باسم الدين زورا بانتحال شَرَائِعِهِ وتأويل نصوصه أن تُضْفِيَ مسحةَ الشرع على أحكام الجور ، فمن هذا التعسف إلى آخر تَنْتَقِلُ فيه الكهانة من الدين إلى السياسة والقانون ، فمن فقهاء الشرع إلى فقهاء الدستور والقانون الذين يَضَعُونَ نظريةً في الحكم العلماني اللاديني تَنْسَخُ نظرية الحكم الكنسي الديني بأحكام أشد جورا ، فالنظرية الجديدة قد مارست من الاستبداد ما جعلها الخصم والحكم معا ، فهي تجتهد في سلب المجتمع قواه الناعمة والصلبة ، فتشكل العقول في معاهدها أن تخرج قوالب وأنماطا لا تُخَرِّجُ إلا الموظَّف المطيع لا المثقَّف الثائر ، كما ينقل بعض الفضلاء عن خبراء في التعليم الذي وَفَدَ به الاحتلال ، فهو أداة يسيطر بها على العقول كما يسيطر على الأبدان بسوط محلي يمسكه المحتل الأجنبي ، وتلك ، أيضا ، وصاية بعض لوردات الاحتلال البريطاني لمصر ، فهو الذي أنشأ أجهزة القمع وخط لها منهاج السير فانطلقت تُبَاشِرُ وظائفها بذاتية فاقت الأستاذ في الكفاءة ، وكانت الغاية العظمى القضاءَ على أي معارضة ، بالاستئصال تارة ، والاختراق والتوظيف أخرى ، ولكل معارضةٍ من الطرائق ما يلائمها ، ولكلٍّ قدر من عنف السلطة يَرُدُّهُ إلى جادة الحكمة ! ، وهي ، كما يقول بعض الخبراء في هذا الفن ، أداة تفتيت للجماعة فلا يجاوز طموح الفرد ذاته في إطار ما اصطلح أن يسمى نظرية "البحث عن الرقم 1" ، وهو رقم الفرد الذي لا تجاوز همته ذاته أن يدبر قُوتَهُ ويسلم من بطش السلطة ، وذلك أمر قد فَشَا في الأنظمة الشيوعية والرأسمالية معا ، وإن كان أظهر في الأنظمة الشيوعية وتاريخها في القمع الصلب تاريخ حافل بالمآسي الإنسانية ، وأما الأنظمة الرأسمالية فهي تمارس القمع الناعم بأدوات السيطرة الفكرية من إعلام ومعاهد .... إلخ ، وإن اقتصر ذلك على حدودها ، وخطابها الخادع أن الحكم للشعب ! ، وليتها صدقت وهي كاذبة ، مع بطلان هذا المبدأ ، فإن أقصى ما يطمح إليه الإنسان في هذه المنظومة أن يكون الاختيار للشعب ، فهو يختار من يحكمه وفق آليات الدولة التي وضعها المستبد الخفي الذي يحكم الجماهير باسمها ! ، فَتَتَوَهَّمُ أنها الحاكمة وأنها مصدر السلطة والتشريع وليس لها من الأمر شيء فلو كانت تحكم ، لاختارت مناهج التعليم التي تلائمها ولسيطرت على المجتمع بأدوات فاعلة لا جرم كانت قيمة الحرية ، كما يقول بعض الفضلاء ، هي القيمة المركزية في المجتمعات الأوروبية على وجه جعلها دوما في صراع مع الدولة سواء أكانت الدولة الكهنوتية القديمة أم الدولة المدنية الحديثة ، فثم صراع محتدم انتقل إلى الشرق المسلم بما فشا فيه من الاستبداد ، ورام بعض المغرضين أن يجعله ذريعة إلى الثورة على الدين والقيم والأخلاق وإن استتر خلف شعار الثورة على الاستبداد السياسي فهو يروم تصوير الأمر أنه سلطة سياسية مستبدة تحالفت مع الدين ، مع أنها أشد الخلق له عداوة وإن عظمت الشبهة أن تحالفت مع قطاعات تنتسب إليه زورا ، فصار المشهد ، كما يصور ذلك المغرِضُ ، مشهد الثورة على الكهنوت المتواطئ مع السياسة ، فلا بد من ثورة علمانية لِيَنْتَقِلَ بها الشرق كما انْتَقَلَ الغرب من استبداد قديم إلى آخر حديث ، فلن يُحَلَّ إشكال الاستبداد في ظل نظام حكم مدني تصير الدولة فيه هي الإله الشارع الذي يهيمن على مقاليد السلطة جميعا وإن خدع الشعب فنسبها إليه ، فلا تستقيم الحال ، كما تقدم مرارا ، إلا أن يكون الوحي هو الحاكم حقيقة لا دعوى أخرى من جنس الدعوى الأولى فثم من يخيل للناس أن الحكم للوحي وحقيقة الأمر أنه لرجالات انتسبوا إليه كما تقدم من أنموذج الولي الفقيه .

    فالأنظمة الرأسمالية تمارس القمع الناعم داخل حدودها ، كما تقدم ، وأما خارجها فلا تجد غضاضة أن تنشئ وتدعم أنظمة قمع تخالف أفعالها عن قيم الحرية التي تَتَغَنَّى بها الأنظمة الرأسمالية الحرة ، فلا تعرف إلا تحرير السوق من قيود الاستثمار المباشر الذي يستنزف مقدرات الشعوب وثرواتها في شراكات جائرة وصفقات كاسدة يُشْتَرَى بها الدعم السياسي لا أكثر فضلا عما تجنيه شبكات الفساد من أرباح من العمولات والامتيازات ، وذلك استثمار لا قلب له فلا يعرف من الرحمة إلا اسمها ، ولا يعنيه أن يجوع الناس ويذيع الفقر والجهل ..... إلخ من الأدواء التي تضعف الأمم ، فذلك غرض رئيس لأي مستبد يحكم من داخل كَوَكِيلٍ ، أو من خارج كداعم وظهير وإن شئت الدقة فقل كرئيس فهو المحرك الرئيس لأدوات السلطة في الداخل ، فلا يمكن أن يستبد بالحكم إلا أن يضعف المجتمع بما يستلبه من أسباب القوة الصلبة والناعمة فلا أسهل أن تحكم قبيلا من الجهال الذين فسدت عقولهم بأدوات القمع الناعم ، الإعلام والتعليم والثقافة ، فتحول المجتمع كما يقول بعض الساسة إلى قطيع من البهائم فنحن من نُقِيمُهم تارة وَنُقْعِدُهم أخرى وَنَسْتَفِزُّهُم بما يُبَثُّ من شائعات ويذاع من أطروحات فَقَدْ سلبوا قوة العقل أن ينظر ويحكم فكانت العقوبة أن أعرضوا عن الحق ، فابتلاهم الرب ، جل وعلا ، بمن يسومهم خطة الخسف في أفكارهم حتى صاروا هم والبهائم على حد سواء ، لا سيما والاجتهاد والنظر مُعَطَّلٌ ، فَلَيْسَ إلا التقليد المذموم في الدين والسياسة وسائر أمور الجماعة ، فنصبت السلطة من أرباب الفتوى من اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وإن عظمت جنايتهم بما نطقوا وسطروا من الباطل وإن كان حقا في الظاهر تَأَوَّلُوهُ فأرادوا به ضده من الباطل ، وأولئك ، لو تدبر الناظر ، مِنْ أعظم أدوات السلطة نكاية في المجتمع إذ يمارسون من التضليل والتغييب لِلْوَعْيِ ما يُعِيقُ حركة الإصلاح والتجديد ، كما يقول بعض منظري السياسة ، فالشعور بالظلم وإدارك الفساد والنقص هو الذي يصنع التغيير لا حصول الظلم والفساد فهو حاصل في كل زمان إلا ما رحم الرب ، جل وعلا ، من أعصار الخير والرشاد التي صارت فيها الدولة للوحي والنبوة حقيقة لا دعوى ، فلو كان حصول النقص دون إدراكه ، لو كان كافيا في التغيير لحدث من تلقاء نفسه دون حاجة إلى وعي ، فقد يكون الإنسان مريضا ولا يَتَدَاوَى إذ لا يَتَأَلَّمُ فمدارك الحس عنده قد فسدت ، فَيَظُنُّ أنه في عافية والمرض يَنْهَشُ جسده ، فَتَعَطُّلُ آلات الإدراك والوعي أعظم أسباب الفساد ، ولذلك جاء الوحي يُرْشِدُ العقول ابتداء أن تَنْظُرَ وَتَتَدَبَّرَ ، فـ : (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) ، فلا أسهل أن تحكم قيبلا من الجهال ، كما تقدم ، وقبيلا من المرضى بما يفشو من الوباء ، وقبيلا من الفقراء بما ينهب من ثروات ، وقبيلا من المنحرفين في الدين والأخلاق بما يُبَثُّ في الناس من قيم الحرية التي تنسخ قيم العبودية ولو لرب البرية ، جل وعلا ، وقبيلا من الخائفين بما يمارس من قمع صلب ، فالنظام الحديث في السياسة والاقتصاد ، لا يعرف معنى الرحمة ، كما تقدم ، فهو يقمع أي صوت يعارض لا سيما إن كان صحوة حق تروم الرجوع إلى الوحي ، ولو في الجملة ، وكلما كان طرحها أقرب إلى الحق كان القمع والبطش أعظمَ سنةَّ ابتلاء جارية : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) ، والسلطة تَسْتَعِينُ ، كما تقدم ، بأدوات بها تحكم وتهيمن ، ومن أعظمها ضررا ، مثقف السلطة وعالم السلطة فكلاهما يلعب دورا رَئِيسًا في إفساد العقل الجمعي ، الفكري والأخلاقي والسياسي ، وكلاهما قد أحاط بالسلطان في أعصار الانحطاط ، كما تقدم من إحاطة أرباب الكهنوت بالأباطرة في إطار صفقة التبادل ، فكلٌّ يمنح الآخر من الامتيازات والمكاسب ما يجعلهما جميعا حزبا واحدا على المجتمع ، الخصم الأول في أنظمة الجور ، وفي إطار رد الفعل من المثقف العلماني اللاديني الذي ينظر في حال العالم سواء أكان ربانيا أم سلطانيا ، الذي ينظر في حاله أنه ضرة تُنَافِسُه الحاكم فهو الزوج الذي تَتَصَارَعُ على حظوته الضرائر ! ، فَتَأَوَّلَ من تَأَوَّلَ من المثقفين في الأعصار الوسطى في إطار الصراع بين الكنيسة والعلمانية ، تأول أن يقترب من السلطان المستبد الذي تحالف مع الكاهن ، فَرَاحَ ينافسه في حب الحاكم فهو يروم استمالته ، ولو تدريجيا ، حتى يصير علمانيا ، وتلك صورة ، لو تدبر الناظر ، لوجدها حاضرة في مشهد السياسة المعاصر ، فثم من ينظر لحال الشرق فهو يضع معيار الصراع ، فليس صراع سياسة مجرد بل هو صراع على الهوية الفكرية التي تَصْنَعُ بعد ذلك الهوية السياسية والأخلاقية ، وهذا المثقف يمارس التلفيق في حكاية التاريخ فيمارس الانتقاء والتحكم في اختيار الحدث وتوصيفه ثم توظيفه شاهدا لرأيه ، واضرب له مثلا بالخليفة العباسي عبد الله المأمون ، فَثَمَّ من كتاب النصارى العلمانيين من يحتفي به أيما احتفاء فهو الذي أطلق عنان الفكر وفتح الباب على مصراعيه لأرباب النظر والفكر ، فكان البحث في مسألة الكلام ، ومارس المعتزلة آنذاك دور المثقف الذي يقترب من مراكز السلطة ليستعين بها على فرض رأيه على المجتمع فهو رأي منبوذ لا جمهور له ، فلا بد من فرضه قهرا بحد السيف كما صنع اليمين السياسي في أمريكا في انقلاباته العسكرية المشهورة على الأنظمة اليسارية في أمريكا اللاتينية ، فكان يروم فرض منظومة من الأفكار السياسية والاقتصادية لا جمهور لها في البلاد في ظل حال من الرخاء النسبي مع انخفاض معدلات الفقر واستقرار الأسعار وتكفل الدولة بجمل من الخدمات وذلك ما لا يرضي أرباب الاقتصاد في المركز من أصحاب النظرية الرأسمالية الشرسة ، فكان التواصل مع الجيوش آلة القمع الصلبة واصطنعت نخبة جديدة تحكم تَوَاصَلَ معها المثقفون من منظري الاقتصاد الرأسمالي فكانوا كالمعتزلة فآراؤهم تصادم رغبات المجتمع وتوجهاته فلا بد من فرضها ولو بقوة السلطان ، فكان المأمون هو رجل المرحلة ، وكان الثناء العظيم عليه من أرباب الفكر العلماني المعاصر ، لا سيما ومسألة الكلام ليست مسألة كلامية محضة فلم تخل من توظيف فلسفي معاصر كان ذريعة لتسويغ العلمانية وتسويقها في سوق الأفكار في بلاد الشرق بل وفي محيط الدرس المسلم فإن القول إن القرآن مخلوق مما يَنْزِعُ عنه القداسة فهو كلام كسائر الكلام فلا امتياز له ليحكم ويشرع ، فضلا أنه يندرج في سياقه الذي مضى وانتهى فكان شريعة تلائم زمانها ثم نسخت بشرائع أخرى في أزمنة تلت فلكلِّ زمان شرعه إذ الواقع هو الحاكم المهيمن فهو الذي يُؤَثِّرُ في الشرع ولا يَتَأَثَّرُ ، فإن وقف الوحي عقبة فقد زالت إذ اتضح أنه كلام كسائر الكلام المخلوق ، وإن أصر على المواجهة فثم التأويل الذي لا يسلم منه خبر ولا حكم فالوحي كتاب مفتوح لا ضابط لتأويلاته ، فكل يتأوله ويحمله على الوجه الذي يوافق هواه فهو ، كما يقول بعض أرباب الحداثة ، نص مفتوح يخضع لجميع الاحتمالات ، فما أسعد القوم بكلام الخليفة المأمون ، الخليفة المستنير الذي تَبَنَّى الفلسفة وأفسح لها المجال ترجمة ودرسا ثم رام حمل الناس عليها بحد السيف ! في صورة من أعظم صور الاستبداد الفكري الذي يخالف عما ينتحله القوم زورا من الحرية فهم من أشد الناس استبدادا لا جرم كانوا دوما من أقرب الدوائر إلى الحكام ، كما يظهر في الانقلابات العسكرية ، فتجدهم أول من يحتفي بها وهم الذين كانوا ينادون بالأمس القريب بإسقاط الأنظمة العسكرية المستبدة بذريعة أنها تحجر على أفكارهم ! ، فهم ، كما تقدم ، من أقرب الدوائر إلى الحكام المستبدين ، ولو خداعا لهم أن يتبنوا أفكارهم ثم يحكموا الناس بها قهرا فالفكر الدخيل لا بد له من مستبد عنيف ، فكان الثناء على الخليفة المأمون أن تبنى الفكر الوافد بحد السيف الناجز كما صنعوا ، ثم كان الذم له في مشهد آخر أن قمع ثورات النصارى في مصر فَكُسِيَ ذلك لحاء الاضطهاد والتطهير العرقي وصار مادة دسمة للبكاء والنواح على الأقلية النصرانية المضطهدة طوال العصر الإسلامي المستبد ! ، وتحول المأمون إلى مجرم حرب بعد أن كان نصير الفكر ، مع أن اضطهاده للنصارى إذ ثاروا يحتمل تأويلا سياسيا يَتَغَنَّى به القوم ، فالمأمون كان حريصا على إنفاذ القانون والحفاظ على هيبة الدولة لئلا تسقط ، فلا بد من إحداث حال من الذعر في أوساط الناس لئلا تسقط الدولة التي اختزلت ، كما تقدم مرارا ، في شخص القائد ومن يمثله من النخبة الرأسمالية ، فعلام الإنكار على الخليفة المأمون الذي حافظ على هيبة الدولة ؟! .
    فهم معه إذا أوقع النكاية بأهل الحق وامتحنهم بمقاله المحدث وهم عليه إذا نكل بهم ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، خطأ وقع فيه بعض أهل الفضل فهم يفرحون إن أوقع المستبد الظالم بخصومهم ، ولو ظلما بلا وجه حق ولو كان أولئك الخصوم ممن ليس لهم في الخصومة شرف ، وليس ثم ما يُفْرِحُ في إيقاع الظلم ولو بكافر لا يؤمن ، فالظلم قد حرمه الرب ، جل وعلا ، على نفسه ، وحرمه بين عباده وأولى الناس بامتثال النهي عن التظالم هم أتباع الوحي النازل ، وإذا فرح الإنسان باستبداد ظالم بخصمه فالدور عليه آت لا محالة فتلك فلسفة أي مستبد يفرق خصومه على أنحاء ثم يستعين ببعضهم على بعض ويبدأ بالأهم فمن دونه حتى ينفرد وحده بالمشهد ، وإن بالغ بعض الفضلاء ، في المقابل ، في تأول هذا المعنى الشريف فصيروه ذريعة إلى التسامح في غير موضعه مداهنة لا تغني ولا تنفع فليست إلا سذاجة تضر أن يوضع الجمال في موضع الجلال تفريطا كما أن وضع الجلال في موضع الجمال إفراطا يضر هو الآخر ، والحق ، كما تقدم مرارا ، فضيلة بين رذيلتين ، الإفراط والغلو في طرف والتفريط والجفاء في آخر ، ولا ينكر باحث يُنْصِفُ أن المأمون قد اشتد في القمع ولكن الأمر لم يكن ذا صبغة دينية كما يروج القوم ، وإنما كان ثورة تأرز إلى أسباب اقتصادية لم يسلم منها مسلم ولا نصراني ، ومع ذلك خص النصارى بالبكاء ، وكانت ثورتهم ثورة الشهداء مع أن أدبيات الكنيسة حتى يوم الناس هذا تحرم الخروج على السلاطين فهم اختيار الرب ، فمن خرج عليهم فهو يعارض إرادة الرب ! وكفى به جرما ، وإذا كانت ثمة ثورة في مستقبل الأيام فهم أول من يؤيد ، فالنصر له ألف أب ، والهزيمة لها أب واحد ، وهو في الغالب إسلامي يتحمل العبء كله أو جُلَّهُ ! .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 31-07-2017 في 10:03 PM

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •