ومن خبر : يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ :

فجاء النداء الذي توجه إلى أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو خطاب يحتمل ، فيحتمل أمة الإجابة ، وذلك ما يظهر ، بادي الرأي ، فالجمع المخاطب جمع المصلين في الكسوف ، وهو من آيات الجلال التي يحسن فيها الاستغفار والذكر والصدقة ، ويحتمل أمة الدعوة وهي الأمة الأعم لقرينة العموم في التكليف ، وهو يحتمل ، أيضا ، خطاب الخاص الذي يراد به عام ، أو هو خطاب بعض يراد به كل وهو الأمة جميعا ، من خوطب مواجهة ، فخطابه خطاب تكليف بالفعل ، ومن خوطب وهو غائب سواء أكان موجودا أم معدوما فخطابه خطاب تكليف بالقوة ، وإن لم يكلف بالفعل إلا أن يَبْلُغَهُ التكليف على وجه يُفْهِمُ ، فإن نزل الحكم ولم يكن ثم بلاغ يُفْهِمُ ، فلا يلزم المكلف إلا حال بلوغه ، كما كانت الحال في الحبشة ، فكان الوحي ينزل في مكة ، مُنْشِئًا أو ناسخا ، وكان أهل الحبشة بمعزل إذ لم يكن الخبر يبلغهم إلا بعد حين من الدهر قد يطول فهم على الأمر الأول حتى يرد الأمر الثاني يستأنف حكما جديدا أو ينسخ آخر قديما أو يخصصه ، فالمتأخر ينسخ المتقدم أو يخصصه ، كما يقول أهل الشأن من الأصوليين ، وثم خطاب المعدوم الذي لَمَّا يُوجَدْ ، فإن التكليف يُنَاطُ به قوة حتى يوجد وَيُمَيِّزَ فَيُنَاطُ به تكليف الندب والتربية أن يعتاد التكليف فيكون عقابه إن قصر آنذاك ، عقاب الاستصلاح لا عقاب التأثيم الذي تُشْغَلُ به الذمة ، فإذا بلغ أنيط به خطاب التكليف ، وثم خطاب النائم فخطابه إذا زال العقل خطاب الإعلام وهو يكافئ تكليف القوة ، وإذا وُجِدَ العقل فخطابه خطاب الإلزام وهو يكافئ تكليف الفعل ، فالخطاب يعم كل أولئك ، والإضافة إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في : "يا أمة محمد" ، إضافة إلى الرسالة الخاتمة ، فَفِيهَا معنى يدق ، وهو مرجع هذه الأمة في التصور والحكم ، وهي أصح نسبة فبها يُقْطَعُ دابر الافتراق على أنحاء فيكون الاعتصام بالوحي وهو حبل الله ، جل وعلا ، فـ : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، فجاء الأمر الذي دل على واجب ، بل هو ، عند التدبر والنظر ، أول واجب ، بالنظر في معنى التوحيد فهو الأصل وهو أوثق عُرَى الحبل النازل من السماء فطرفه في السماء وآخره في الأرض ، فهو الوحي الذي نَزَلَ من السماء ، فكان مناط النجاة إذ عُصِمَ من الخطأ والكذب في الإخبار ، والظلم والجور في الإنشاء ، فجاء بخبر الصدق وحكم العدل ، فهو حبل به يعتصم الناس فمناطه مناط العصمة ، في التصور والحكم ، في السياسة والحرب ، في الأخلاق والزهد .... إلخ ، والإضافة ، من وجه آخر ، إضافة وصف إلى موصوف فالحبل هو التنزيل الذي تَنَزَّلَ تَتْرَى ، آحادا تواطئ الأسباب في الأقل ، وأكثرها قد نَزَلَ ابتداء لا على سبب ، وذلك ما يدحض شبهة روجها بعض خصوم الوحي لقصره على زمن التنزيل وجعل الواقع من أحوال الناس وعوائدهم حكما على الوحي ، والصحيح ضده ، فَرَامَ من رَامَ تَصْوِيرَ الأمر أنه واقع يضغط ووحي يستجيب فيشرع ما يلائم هذا الواقع ، فهو له تابع لا عليه حاكم ! ، والصحيح أن الوحي هو الحاكم المهيمن ، فلا يخضع لواقع ولا ينزل تبعا له ، فقد جاء يصلح الواقع لا أن يجاريه فضلا أن يداهنه فيكون موضع اتهام فهو ، أبدا ، يدفع عن نفسه التهمة فيجتهد في تقريب الحكم إلى الأذهان وإن تكلف لأجل ذلك من التأويل ما يخرج به عن مقصود الشارع ، جل وعلا ، وذلك ما وقع فيه جمع كثير ممن يُفْتِي ويجادل من خالف فهو أبدا مأزوم خجِل من بعض ما جاء به الوحي فيجد في صدره حاجة من بعض الأحكام خشية أن يُنْبَزَ بالتعصب والتخلف فيجتهد في التأويل الذي يُفْضِي في أحيان كثيرة إلى تعطيل الأحكام ليرضى الخصم وليس بِرَاضٍ ، وذلك خبر الوحي الصادق ، فـ : (لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) ، فالوحي حكم على الواقع لا خاضع له فهو يصلحه ويقومه وهو ، مع ذلك ، لا يُوقِعُ النَّاسَ في الحرج أن يحرم عليهم المباح من الأحوال والعوائد فجاء يلائم من هذا الوجه ، وأفسح للعرف والعادة والمصلحة من فضاء التشريع ما جعلها أصولا في الاستدلال وإن لم يطلق القول بها فهي مما قُيِّدَ ألا تخالف الوحي المنزَّل لا في أصل ولا في فرع ، فكل ما خالف عن الوحي فهو هدر ، سواء أكان شرعا محدثا يضاهي أصحابه الشرع المنزل ، أم كان عرفا أم مصلحة .... إلخ ، بل التراجح حاصل في نصوص الوحي فبعضها أرجح من بعض ، وبعضها قاض في بعض ، فالناسخ قاض في المنسوخ ، والخاص قاض في العام .... إلخ ، فالوحي يرجح العادة والعرف والمصلحة ، من باب أولى ، فما أجيز منها فهو تابع لا حاكم ، فلا يجاز إلا ما أجازه الشرع وأباحه أو سكت عنه رحمة غير نسيان ، وإن كان الأصل هو الإباحة فذلك مما لا يطلق ، بل إن ورد القيد بآي أو خبر يحرم فهو ناقل عن الأصل ، فَيُصَارُ إليه إذ زيادة العلم فيه توجب المصير إليه كما قرر أهل الأصول ، فالوحي هو الحاكم الفاعل لا المحكوم المنفعل ، وهو ، مع ذلك ، لم يحرج ولم يحجر الواسع فجاء بما يُوَافِقُ الأحوال والعوائد ما لم تخالف عن أصول الشرائع وأحكامها ، فالوحي أصولا وفروعا هو المعيار فيقاس عليه غيره ، ولا يقاس على غيره ، فذلك معنى الوسط في قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ، فهي الأمة الوسط بما انتحلت من الوحي ، فما كانت معيارا للأمم ، كما يقول بعض الفضلاء ، إلا أن كانت على معيار الوحي ، فإن فارقته في دقيق أو جليل فارقت وصف الوسط بقدر ما فارقت منه ، فكيف إن عطلت الأصل وَعَزَلَتِ الوحي فلا حظ لها من وصف الوسط فهو وصف لا يناط بَقَوْمٍ أو عرق أو لون أو لسان .... إلخ من معايير الجاهلية القديمة والحديثة ! ، وإنما يُنَاطُ بمعنى يصح به التكليف فهو عام يستغرق كل مكلف ، العربي والعجمي ، الأبيض والأسود والأحمر ، فالمعيار هو التقوى ، وهي أول تكليف ، بالنظر في أصلها وهو التوحيد ، فهو أول ما يَتَّقِي به العبد أعظم الظلم والعصيان ، وهو التشريك والكفران ، فمعيار الحكم على الأمم جميعا هو الأمة الخاتمة بشخصها الاعتباري وهو شخص التوحيد والتشريع لا بأعيانها في الخارج فهي كسائر الأعيان والتكليف لا يكون بداهة بأعيان وإنما يكون بِمَعَانٍ من أخبار وأحكام ، ومعيار الحكم على الأمة هو الرسول الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وذلك معيار اعتبار ، أيضا ، بالنظر في أحواله صلى الله عليه وعلى آله وسلم العلمية والعملية ، لا بالنظر في العين والجبلة ، فإن التعبد لا يكون بالمباح من أمور الجبلة ، وإنما يكون بالمخصوص من أمور الشرعة ، وإن كان ثَمَّ من السُّنَنِ ما اصطلح أنه سُنَنُ العادة ، فمعيار الحكم هو الوحي فهو المعيار الوسط فلا إفراط ولا تفريط ، وذلك الحبل المتين الذي نَزَلَ به الروح الأمين ، عليه السلام ، فعظمت المنة بخطاب المواجهة الأخص إلى الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فهم أول من خوطب بهذا الجعل في قول الرب جل وعلا : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ، وهو يحتمل جعل التكوين بالنظر في معنى الاصطفاء الأخص ، معنى : "إن الله تعالى اختارني، واختار لي أصحابي" ، فاختار الله ، جل وعلا ، له أصحابه ، رضي الله عنهم ، وذلك معنى يَرْجُحُ فِيهِ التَّكْوِينُ ، وهو معنى لا يقتصر على الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وإن كانوا أولى الناس دخولا فيه ، فَلَوْ فُرِضَ أنه عام ، فهم السبب الذي نَزَلَ عليه فدخولهم فيه دخول القطع ، ومن سواهم فهم له تَبَعٌ فدخولهم دخول أَفْرَادٍ تَلِي السبب ، فالمعنى لا يَقْتَصِرُ على السبب إذ العام الذي نَزَلَ على سبب لا تقتصر دلالته على السبب وإلا كان خاصا فأهدرت دلالته فكانت دلالة عهد خاص يقتصر على زمانه وذلك ، أيضا ، مما تذرع به خصوم الرسالة أن يقصروا دلالتها على زمن التنزيل ، فقد كانت إجابة واقع أول فهي تلائمه ، خلافا لواقع تَالٍ ، فلا بد له من شرع جديد ولا رسالة بعد الرسالة الخاتمة ، فلا بد من وحي جديد ! ، يخرج من العقل الذي صار مصدر التشريع والإلهام ، فما الوحي إلا رد الفعل لا الفعل الأول الذي يستقل بالتشريع فيؤثر في الواقع إصلاحا للعقائد بمادة التوحيد وإصلاحا للأحكام بمادة التشريع ، فَلَئِنْ قُصِرَ العموم على السبب أو على فرد واحد دون سائر الأفراد ، فذلك إيذان بتعطيل الشرع فهو يقتصر على زمانه ، والعقل هو الملجأ الذي يأرز إليه الحكام والنظار فرارا من هذا الإشكال ، فهو مصدر الوحي حقا ! ، وما كلام الملَك إلا خيال يصدر من نفس ذكية عاقلة ، لها من التدبير والتأثير في العالم ما يزيد على سائر البشر ، وإن لم يخرج المصدر أن يكون من الأرض حادثا ، فالنبوة خاصة كل إنسان بما ركز فيه من العقل فهو نبي بالقوة ! ، ولم يَبْقَ إلا الفعل باكتساب أسبابه ، فصارت النبوة صناعة من جملة الصنائع ، وذلك ما يلزم كل طاغوت يُزَاحِمُ الوحي منصب الحكم والتشريع ، فهو يَزْعُمُ بلسان الحال أنه قد اكتسب أسباب النبوة ! ، فصار نَبِيًّا بالفعل يُوحَى إليه بما يُوَسْوِسُ إليه شيطانُه الذي سكن عقله إذ لم يُسَدَّدْ أن يَنْتَحِلَ الوحي رائدا ، فيكون ممن دخل في عموم النداء صدر الخبر : "يا أمة محمد" ، فهي أمة الوحي النازل من السماء ، فتلك أمة الرسالة التي نَزَلَتْ على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولا يدخل فيها العبد دخولا ينفعه إلا أن يدخل في السلم كافة ، فينتحل الوحي كله ، أصلا وفرعا ، علما وعملا ، عقدا وشرعا وسياسة وحربا وأخلاقا وزهدا ..... إلخ ، فلا ينتحل بعضًا دون آخر ، ولا يؤمن بخبر ويكفر بنظيره ! ، أو يمتثل حكما ويعطل آخر ، فيقع في التناقض الذي يخالف عن قياس العقل الذي يزعم انتحاله ، فهو يَقْضِي ، كما تقدم مرارا ، أن يُسَوَّى بَيْنَ المتماثلين وَيُفَرَّقَ بَيْنَ المختلفين ، فلا يصح العقل آلة تشريع تُنْشِئُ الأحكام ، وإنما هو آلة فهم واستنباط بتخريج المناط وتحقيقه في آحاد من النَّوَازِلِ في الخارج تُوَاطِئُ المنصوصَ في المعنى المعقول الذي يُنَاطُ به الحكم ، وهو آلة نَظَرٍ وَتَدَبُّرٍ في الآي الكوني والآي النفساني والآي الشرعي ، الخبري والحكمي ، فبه يدرك إعجاز الوحي الذي يقطع أنه أمر يجاوز صناعة العقل التي انتحلها الفلاسفة قديما والمتشرعة حديثا ، فجعلوا قوة العقل تجزئ في حصول نبوة عقلية تنسخ الأحكام الشرعية ، إما بالمعارضة الصريحة إبطالا للوحي فضلا عن مناجزته الخصومة ، وإما بالتأويل تحايلا على مناط الوحي إما زيادة أو نقصا ، فيكون النقص في المناط أن يقصر على زمان الوحي أو يقصر على عين السبب النازل فلا يعم بمعناه ، فتكون العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ وذلك خلاف ما قرر أهل الأصول واللسان ، إذ اللفظ وما يدل عليه من المعنى هو المعتبر في الدلالة ، فالعهد الخاص في السبب خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا بدليل ، إذ ما خالف الأصل فهو رد إلا أن يقام دليل يستثني فهو يجري مجرى ما تقدم من زيادة العلم التي توجب الانتقال عن الأصل ، فمن معه زيادة العلم فقوله هو الراجح وإن خالف عن الأصل الأول ، كما يقول أهل الأصول في البراءة الأصلية ، فإن الأصل براءة الذمة حتى تشغل بالدليل الناقل فيستصحب العدم الأصلي حتى يرد الدليل الشرعي الذي ينقل الحكم من الإباحة العقلية إلى إيجاب أو تحريم .... إلخ من أحكام التكليف ، فالإباحة العقلية لا تُنْسَخُ وإنما تُرْفَعُ بالطارئ الجديد من وحي التشريع ، فلم تكن ثابتة مبدأ الأمر بخطاب شرع تقدم ليسوغ القول بنسخها وإنما استصحبت بما كان عليه الأمر قبل البعثة ثم جاء خطاب الشرعة بحكم جديد مستأنف يرفع الحكم الأول ، فلم ينسخ تحريم الخمر إباحة تقدمت ، فلم يكن ثم خطاب في الشرع ، سواء أكان الخاتم أم كان ما تقدمه من الشرائع السماوية ، لم يكن ثم شرع سماوي أباح الخمر ثم جاء الشرع الخاتم بخطاب تحريم ينسخ هذه الإباحة ، ولا حجة في تأويل يوسف عليه السلام : (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا) ، فلم يكن شرع الملك وحيا ، ولم يكن يوسف ، عليه السلام ، يحكي تأويل الرؤيا أن الخمر مباحة وإنما حكى ما عليه أهل زمانه ولم يكونوا ، كما تقدم ، من أتباع الرسالة ، فخطاب الوحي المستأنف يرفع الإباحة العقلية ولا ينسخها نسخ الاصطلاح ، وهو الرفع المخصوص بخطاب متأخر لآخر متقدم ، خلافا للنسخ في اللسان فهو الرفع مطلقا ، فحقيقة الاصطلاح قد زادته القيد المشهور في تعريف النسخ في الأصول ، فيصدق في الحكم المستأنف الذي حرم الخمر يصدق فيه أنه ناسخ بالنظر في معنى الرفع مطلقا لا الرفع المخصوص في النسخ فلم يكن ثم ، كما تقدم ، خطاب أباح الخمر ثم جاء الخطاب الحاظر .
والشاهد أن خطاب الوحي لا يقتصر على عهد خاص وهو السبب الذي نَزَلَ عليه العام فذلك ، عند التدبر والنظر ، من التأويل الباطن الذي يستعين به أهل الباطل أن يعطلوا الشرع ، سواء أكانوا من خصومه صراحة أم انتحلوا تعظيمه دعوى كاذبة فهم يظهرون التقديس لألفاظه وحروفه وإن عطلوا معانيه وحدوده أن قصروها على عهد خاص يقتصر على آحاد الأسباب التي نَزَلَ عليها الوحي ، ولو سُلِّمَ لهم بذلك فماذا يَصْنَعُونَ في أغلب آي الوحي وقد نَزَلَ ابتداء لا على سبب ؟! ، خلافا لمن زعم أن الوحي ، كما تقدم ، رد فعل يعكس واقعا في زمان تَنْزِيلِه ، فهو الحكم من خارج ، فذلك الحبل النازل ، الذي لا يسلم الناظر إلا أن ينتحله ظاهرا فلا يتكلف تأويل أخباره وأحكامه أن يحملها على وجوه بعيدة أو باطلة ، ولا يقصر دلالته على آحاد نزل عليها كما قال من قال في تأويل اسم الفاعل المشتق في قول الرب جل وعلا : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، فدلالة "أل" فيه دلالة وصل يعم ، كما قرر أهل اللسان ، إذ دخول "أل" على الاسم المشتق يرجح دلالة الوصل التي تعم كل من يصدق فيه المعنى الذي اشتق منه الاسم ، على وجه يصح مناط تعليل في الأحكام ، فَتَكُونُ السرقة علة الحكم الذي عُطِفَ بالفاء : (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، ولا تخلو من دلالة السببية ، وذلك آكد في التعليل ، فضلا عن وجه شبه بين الوصل والشرط ، يجعل الفاء ، من هذا الوجه ، فاء الربط بين الشطرين ، الشرط وجزائه ، أو الوصل وخبره ، فالجنس واحد وإن اختلفت الآحاد في الخارج والشيء إذا أشبه غيره في بعض أوصافه صار له من الحكم ما للمشبَّه به ، فَلَمَّا شُبِّهَ الوصل بالشرط إذ دلالة التلازم في كلا النوعين تظهر ، فيكون تلازم بين معنى الشرط وجزائه ، ومعنى الوصل وخبره فهو حكم أنيط بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة ، كما أن الجزاء في الشرط حكم أنيط بالمعنى الذي اشتق منه الشرط ، فَتَشَابَهَا من هذا الوجه فجاز أن يُعْطَفَ بالفاء ، فاء ربط كتلك التي تكون بين الشرط وجزائه إذا كان الجزاء إنشاء كما في هذا الموضع ، فجاء إنشاء الأمر أن : (اقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، وذلك حكم أنيط بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو السرقة ، فأنيط الحكم بمعنى عام يصدق في كل سارق وسارقة وذلك ما يجعل دلالة الوحي تعم فلا تقتصر على سارق بعينه ، فلا تكون دلالة "أل" دلالة عهد خاص في سارق أو سارقة بأعينهما ! ، وإنما هي دلالة وصل ، وهو ، كما تقدم ، مئنة من العموم كما قرر أهل الأصول ، وذلك الأصل في نصوص الوحي ، فهي على العموم حتى يَرِدَ الدليل المخصص ، وذلك العموم هو عموم الرسالة بأخبارها وأحكامها التي تستغرق جميع النوازل بالمنطوق أو المفهوم على وجه يبطل نبوة العقول التي نازعت الوحي منصب التشريع ، فتلك الرسالة التي تستغرق أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم التي توجه إليها النداء في الخبر أَنْ : "يا أمة محمد" ، وهي الأمة التي خوطب صدرها الأول بجعل التكوين مسندا إلى ضمير الجماعة في قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ، على وجه يستغرق كل من اقتفى آثارهم فانتحل الوسط معيارا في الخبر والحكم ، فلم يخالف عن منهاج الشرع ، فذلك الوسط الذي به يناط وصف العدالة ، معيار القبول والرد في الشهادة ، فالخطاب يخص ، من وجه ، بالنظر في الجمع الذي توجه إليه ابتداء فدخوله في المعنى آكد من دخول غيره ممن جاء بعده من طباق الأمة ، فكلما تأخر الزمان قل الخير وزاد الشر ، وإن بقي من الخير مادة بها يحفظ الوحي فهو إلى يوم الدين باق حجةً على الناس جميعا ، فتلك شهادة الأمة الخاتمة على بقية الأمم ، وهي أمة الإجابة التي اصطفاها الرب ، جل وعلا ، فهداها أن تنتحل الوحي وسطا به ثَبَتَتْ عدالتها فكانت مقالتها الحجة الباقية وكان آحادها ، وإن قَلُّوا ، من القائمين بالحجة الرسالية ، فلا تخلو الأرض من قائم لله ، جل وعلا ، بها ، فالخطاب بالنظر في معنى الاصطفاء الأخص يقتصر على الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وبالنظر في معنى الاصطفاء الأعم لأمة الإجابة من حضر نزول الآية ومن غاب ، من وجد آنذاك أو كان في علم الغيب عدما فكتبت له السعادة أزلا أن يكون ممن أجاب الوحي فَصَدَّقَ وَامْتَثَلَ ، فذلك جعل تكوين خُصَّ من وجه بالنظر في دلالة الخطاب الأول ، وعم من آخر بالنظر في دلالة الاصطفاء الأعم لكل من يُسِّرَ لليسرى أن يسلك الطريقة المثلى في العلم والعمل ، فكان من الأمة الوسط ، فخص الخطاب من وجه ، وعم من آخر على وجه يستأنس به من يُجَوِّزُ العموم في دلالة المشترك فاللفظ واحد ومعانيه تختلف باختلاف المناط والجهة ، فالجهة منفكة بين خصوص المواجهة وعموم المعنى ، وَقُلْ مثله في وجه آخر يحمل فيه الجعل على جعل التشريع ، فلا يخلو الخبر أن يكون ذا دلالة إنشاء فإذ ورد المدح بهذا الوصف وجاءت العلة : (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ، فذلك ما يستلزم إنشاء الأمر أن كونوا أمة وسطا فاجعلوا أنفسكم أهلا لهذا الوصف بانتحال الوحي في العقد والشرع ، فصح من هذا الوجه ، أيضا ، القول بالعموم في دلالة المشترك أن دل اللفظ الواحد على وجهين من المعنى ، جعل التكوين النافذ وجعل التشريع الحاكم ، إذ الجهة منفكة ، وفي كلتا الحالين تحسن الإضافة إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، وتلك أعظم مِنَّةٍ أن يدخل المخاطب في عموم الأمة الوسط التي لا تبلغ هذا الوصف إلا أن تضاف إلى صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتدخل في عموم النداء أَنْ : "يا أمة محمد" ، فلا تبلغ هذه الأمة ريادة في دين أو دنيا ، في سياسة أو حكم ، في علم أو عمل ، إلا أن تكون نسبتها الأولى إلى الوحي فتكون أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا أمة العرب أو العجم ، أو مصر أو الشام أو الحجاز أو اليمن أو نجد أو المغرب ..... إلخ من نسب زاحمت نسبة الوحي فهي مناط حمية تغلب عليها الجاهلية وهي مما تذرع به خصوم الوحي أن يصيروا أهله فِئَامًا وأرضه دولا وجزرا ، فكان الافتراق الذي نهى عنه الوحي ، فـ : (لَا تَفَرَّقُوا) ، بعد أن أمر بضده صدر الآية أن : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) ، وذلك ، وحده ، ما يصحح نسبة المخاطب إلى الأمة الخاتمة ، أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتلك ، لو تدبر الناظر ، نسبة تقطع الإحن والعداوات ألا يحتكر أحد خطاب الأمة ، فليست أمة حاكم أو زعيم في سياسة أو حرب ، سواء أكانت زعامته حقا أم زيفا ! ، وليست أمة جماعة أو فرقة تحتكر اسم الدين فلا تروم أحدا يزاحمها في الريادة وإن لم تسلك جادة الهداية التامة فَضَلَّتْ فِي مسائل بل وربما خالفت في أصول فعظمت البلوى باختيارها إن في عقد أو في شرع ، إن في سياسة أو في حرب ، فَفِي القديم احتكرت الفرق المحدثة نسبة السنة والجماعة فهي على الحق وإن خالفت عن الوحي تعطيلا أو تأويلا ، وفي الحديث زعم من زعم أنه المرجع الأول وربما الأوحد وقد انحط بفتواه أن صارت ذريعة تبرر الظلم والطغيان وتعطي الذرائع لأرباب السياسات الجائرة أن يحكموا بالهوى إذ كسي لحاء الوحي والسنة ، ولم يسلم من ذلك بعض أهل الفضل ممن رام إصلاحا وتجديدا فكان التنازع على الألقاب الشريفة ، والتنابز بأخرى ذميمة فكل يروم الاستئثار بالرياسة على وجه خالط النية فَعَكَّرَ صَفْوَهَا ، فصار الانتصار للنفس وإن كُسِيَ ، أيضا ، لحاء الشرع ، فجنس الجناية واحد وإن تعددت آحاده والجميع ، كما تقدم ، يزعم أنه وحده من حقق النسبة الفاضلة ، وإن سَلَّمَ أن غيره يدخل فيها فنسبته ناقصة أن لم يكن من حزبه الأخص ، فصارت أدوات الإصلاح مناط ولاء وبراء واشتغل بها أصحابها عن الغاية العظمى وهي النسبة الأولى المحكمة إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَرَدَّهَا من رَدَّهَا بنسب تجوز في الجملة إلا أن تكون مناط فرقة ، فهي ، إن سلم بِجَوَازِهَا ، ضرورة تقدر بقدرها إن غابت النسبة الجامعة إلى الرسالة الخاتمة فلا سلطان لها في الأرض يجمع أتباعها فاجتهد من اجتهد أن يقيم بُنْيَانًا من الفكر والسياسة والحرب يسعى في الرجوع إلى الأصل الأول ، أصاب في مواضع وأخطأ في أخرى ، فذلك اجتهاد بشر لا يعصم ، فحمد له ما أصاب فيه إذ لم يُرِدْ إلا الحق ، ورد ما خالف فيه مع التماس العذر لأهل الفضل من ذَوِي السابقة المحمودة في إحياء النسبة المفقودة ، نسبة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فاجتهد من اجتهد في ذلك فلا يكون هذا الاجتهاد ذريعة إلى تعصب لاسم يخالف اسم الإسلام والسنة فكل تعصب دونهما فهو يذم ، إذ يُقَطِّعُ الأوصال وَيُصَيِّرُ الناس أحزابا ، وإنما غاية الاسم الأخص في الأعصار المتأخرة التي عمت فيها البلوى بغياب الاسم الجامع ، غاية الاسم الأخص التمييز على وجه لا يحصل به التفريق بما يكون من التعصب لاسم محدث على وجه يطغى على الاسم الأول ، مناط العصبية الأولى ، عصبية الوحي ، فلا يتعصب العاقل لآلة لا تُرَادُ لذاتها فيشتغل بذلك عن بلوغ الغاية منها ، فالوسائل لا تُرَادُ لذاتها وإنما تُرَادُ لغايات عظمى يَتَوَسَّلُ الناظر إليها بما يبذل من أسباب وَيُحَصِّلُ من أدوات ، فالاجتهاد ، على سبيل المثال ، أداة يتوسل بها المجتهد إلى بلوغ الحق في المسألة ، فهو الغاية من الاجتهاد ، وليس الاجتهاد ، من هذا الوجه ، غاية ، وإن كان غاية من وجه آخر إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فصار من أسمى الغايات السعي في تحصيل أسباب الاجتهاد سدا للحاجة في النوازل الطارئة على وجه يبطل شبهة من خاصم الرسالة أنها لا تجزئ ولا تحصل بها كفاية في الأعصار المتأخرة ، وكذلك الشأن في قسمة العلوم ، فإن منها علوم وسائل لا تُرَادُ لذاتها ، وإن كانت دراستها من أشرف ما يحصل الإنسان ، ومنها علوم الغايات فهي التي تُرَادُ لذاتها ففيها الكفاية في العلم والعمل .
وفي مقابل أولئك كان مَنْ يشتد في النكير على أي نسبة حادثة بذريعة الحفاظ على النسبة الأولى ، وهو يَرُومُ بذلك قطع الطريق على أي إصلاح في الأرض ، ويروم نسبة الناس إلى طاعة ناقصة لولاية جائرة ، فليس ذلك مناط الاجتماع الذي أمرت به أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

ومن ثم جاء القسم :
وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ :
فالواو نص فيه ، وجاء القسم بالاسم الأعظم "الله" ، وذلك الأصل في القسم فيقدر حال حذف ، كما أن الأصل في النداء أن تكون أداته "يا" ، فإذا حُذِفَ كانت هي الأصل في التقدير فكل نداء محذوف في التنزيل يقدر بها ، ولا يخلو الإقسام بالاسم الأعظم أن يكون مئنة من عظم الأمر ، فهو أمر حرمة تُنْتَهَكُ ، وذلك من أعظم الشؤم ، وذكر الزنا في هذا الموضع يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام ، وذلك ما أبان عنه الوحي في مواضع أخرى ، فـ : "ما من أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرم الفواحش" ، فالزنا يدخل في عموم "الفواحش" ، وَزِيدَ في تقرير المعنى بالإطناب في سياق آخر ، فـ : "ليس شيء أغير من الله ، من أجل ذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن" ، فعم لفظ "الفواحش" ، ما بطن منها وأعظمه الشرك وما ظهر فمنه فواحش تنقض أصل الدين الجامع من نواقض الإيمان القولية والعملية ، ومنه فواحش تنقض كمال الإيمان الواجب ما لم يكن ثم استباحة أو استهزاء ، كما ضرب المثل في السياق الأول بالزنا ، وكذلك الشأن في الخبر : "إن الله تعالى يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه" ، فقد عَمَّ كل ما حَرَّمَ ، جل وعلا ، من محرمات العقد الباطنة ، ومحرمات الشرع الظاهرة ، وجاء العموم نصا إذ وردت النكرة "أحد" ، في سياق النفي بـ : "إِنْ" وزيد في التوكيد بـ : "مِنْ" فهي تفيد التَّنْصِيصَ على العموم في هذا الموضع ، وجاء الخبر الذي حُدَّ حَدَّ التفضيل "أغير" ، والتفضيل فيه على الأصل ، إذ ذلك وصف يصح فيه الاشتراك في المعنى المطلق فِي الذهن على وجه تَنْتَفِي به شبهة التمثيل أو التشبيه بالمخلوق ، والتفضيل ، من وجه آخر ، مئنة من الاختلاف والتفاوت وذلك بالنظر في الحقائق والماهيات في الخارج ، فشتان وصف الخالق ، جل وعلا ، ووصف المخلوق ، فلكلٍّ من الوصف ، إن وصف الذات أو الفعل ، لكلٍّ منه ما يليق بذاته ، فلا يليق بالذات القدسية الكاملة إلا الوصف الكامل ولا يليق بالذات الأرضية المحدثة إلا وصف يلائمها ، وذلك قياس العقل والحكمة أن يُعْطَى كل محل من الأحكام ما يلائم أوصافه ، فغيرة الله ، جل وعلا ، غيرة كاملة فهي غيرة العليم الذي يحيط بالبواطن دركا خلافا لغيرة البشر فَهِيَ تحتمل معنى يحمد بِالْغَيْرَةِ على الحرمات الدينية والدنيوية ، وتحتمل آخر يذم بما يكون من إفراط في الشك وهو مئنة من الجهل بالحال فالعالم المحيط لا يشك فهو على يقين من أمره ، ومن ثم جاء الفعل الذي أنيط بحكم الغيرة ، وقد حُدَّ إطنابا بـ : "أن" وما دخلت عليه في " أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ" فهما في تأويل مصدر وهو الزنا ، وقد حذفت الصلة على تقديرها بـ : "من" ، فيؤول الكلام إلى : ما من أحد أغير من الله من زِنَى عبده أو زِنَى أمته ، ولا يخلو الإطناب بـ : "أن" والمضارع الذي دخلت عليه أن يكون استحضارا لصورة الفعل في سياق التقبيح والتنفير ، فضلا عن دلالة ديمومة واستمرار ، فوصف الغيرة من وصف الفعل الذي قَدُمَ نوعه وهو مما يحدث ، جل وعلا ، من آحاده ما يليق بجلاله إذا كان ثم سبب يوجب الغيرة ، وقد أطنب في حق العبد والأمة إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده وإن كان الأصل أن التكليف عام فلو اقتصر على العبد تغليبا بخطاب المذكر كما اطرد في نصوص الوحي لأجزأ ولكنه أطنب إمعانا في التقرير والتوكيد ، كما تقدم ، فضلا أنه مثال لعام يستغرق جميع الحرمات فكلها مناط غيرة لرب البريات ، جل وعلا ، والزنى لا يكون إلا بَيْنَ عبد وَأَمَةٍ فذكر شطري الفعلة استيفاء لأجزاء القسمة .

والله أعلى وأعلم .