ميثاق الإسلام أعظم المواثيق وهو الذي لا يقبل الرب ، جل وعلا ، ميثاقا سواه ، فـ : (مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فذلك من الشرط الذي حُدَّ حَدَّ العموم ، فدلالة الاسم المفرد المذكر "مَنْ" لا تخلو من دلالة عموم يستغرق فدلالته تَتَّسِعُ فيدخل فيها المجموع المكلف ، وثم تقديم لما حقه التأخير وهو نعت النكرة "دينا" ، فتقدير الكلام على ما قال بعض المعربين : ومن يبتغ دينا غير الإسلام ، فلما تقدم النعت "غير الإسلام" ، أُعْرِبَ حالا ، كما اطرد من كلام النحاة ، فالصفة إذا تقدمت أعربت حالا ، كما في البيت المشهور :
ـ لميّةَ موحشا طللُ ******* يلوح كأنّه خِللُ .
فتقدير الكلام قبل التقديم والتأخير : لمية طلل موحش .
ولا يرد على ذلك أن "غير الإسلام" معرفة ، بادي الرأي ، بالنظر أنه مضاف إلى معرفة محلاة بـ : "أل" ، فإن "غير" لفظ موغل في الإبهام لا يكتسب تعريفا بالإضافة ، وثم من أجرى الكلام على الأصل فلا تقديم ولا تأخير ، فيكون ذلك من الإيضاح بعد الإجمال ، فكان التمييز "دينا" الذي أَزَالَ الإبهام ، ودلالة الإسلام في الآية دلالة العهد الخاص ، فهو الإسلام الخاتم الذي نسخ به الرب الحاكم ، جل وعلا ، كل دين تقدم ، فنسخت رسالتُه الرسالاتِ السماوية ، وزيفت حجج الأديان والمذاهب الأرضية ، ورفعت الإباحات العقلية ، فكان ذلك نسخا ، من وجه ، بالنظر في معنى النسخ الأعم ، وهو معنى الرَّفْعِ مطلقا ، فالنسخ في اصطلاح المتقدمين مَئِنَّةٌ من رفع حكم تقدم ، إما رفع كلٍّ أو رفع بعض ، فالنسخ منه نسخ الكافة ، ومنه نسخ الجزء ، فهو يعم التخصيص والتقييد ..... إلخ ، بل ويعم ، من وجه ، ما ابتدأ الوحي تشريعه ، فهو نسخ الإجزاء وبراءة الذمة ، فلم تعد الذمة تَبْرَأُ بعد اشتغالها بالحكم الجديد المنزَّل ، فكذلك الشأن في الدين الخاتم فقد كانت الذمة قبله تَبْرَأُ بالإسلام العام ، إسلام التوحيد على أي رسالة ، فكان توحيد اليهودية يجزئ ، وكان توحيد النصرانية يجزئ ، وكان توحيد الحنيفية الإبراهيمية يجزئ ، حتى جاء الدين الخاتم ينسخ ، فجاء بتوحيد يصدق التوحيد الأول فذلك دين النبوة العام فلا يُنْسَخُ ولا يَتَبَدَّلُ ، فالنسخ يمتنع في الأصول العلمية والعملية ، ويمتنع في فروع الأخبار ، فلا يجوز إلا في فروع الأعمال والأحكام فجاء الدين الخاتم يصدق ما تقدم ، وحصل من الحجة ما يُوجِبُ امتثال الميثاق الذي أُخِذَ على الأنبياء جميعا ، فإن الإسلام وإن حمل على عهد آخر أعم ، وهو الإسلام العام ، إسلام التوحيد الذي بشرت به النبوات جميعا ، فلا يخلو من دلالة توجب الإسلام الخاص ، فإن تصديق الوحي في رسالة يوجب تصديقها في كل ما بشرت به وقد بشرت بالرسالة الخاتمة ، ومن آمن وانتحل التوحيد فهو يقبل كل ما جاء من هذا الرب الواحد ، جل وعلا ، فمن آمن بالرسالة الخاتمة فصدق وامتثل فلا يسعه أن يُصَحِّحَ دِينًا آخر غير دين الإسلام ، ولو كان صاحبه على التوحيد في الجملة ، وذلك ، لَوْ تَدَبَّرَ الناظر ، لا يسلم في الحجة ، إذ آمن بالرب الواحد الذي بعث النبي الخاتم ، ومن جملة ما بَعَثَهُ به أن ينسخ ما تقدم ، فلا يجزئ المتقدم السابق بورود المتأخر اللاحق الذي استجمع زبدته من العلوم والأعمال ، فكان قياس العقل أن يُغُنِيَ عما تقدم ، فَفِيهِ كفايةٌ تجزئ بل وزيادة تَنْفَعُ ، وكان الفقه أن لا يَرْضَى الناظر إلا بالصفقة الأعلى ، فَلَوْ سُلِّمَ أن الدين المنسوخ يجزئ ! ، فإن الصفقة الرابحة توجب على التاجر الماهر أن يختار الأعلى ، وإن لم يستلزم ذلك القدح في الأدنى ، فإن الدخول في الإسلام الخاتم لا يوجب القدح في الشرائع السماوية التي تقدمت شريعته ، فلا يوجبُ القدحَ فيها بالنظر في أصولها المحكمة قبل أن يطرأ عليها من شؤم التبديل والتحريف ما يضر ، فكيف والدين المنسوخ لا يجزئ ، فإن الْبَقَاءَ عليه وعدم التحول إلى الدين الخاتم قدح في الميثاق ، ميثاق : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) ، وتكذيب بِبُشْرَى المسيح عليه السلام ، فـ : (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) ، فصدق السابق وبشر باللاحق وهكذا كل نبي حتى خُتِمَتِ الرسالة فكان التصديق بما تقدمها دون تبشير بأخرى بعدها فقد انقطع الوحي النازل بقبض صاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَلَوْ زَعَمَ زَاعِمٌ أنه على دين سماوي تَقَدَّمَ وأنه مُوَحِّدٌ قد خَلَّصَ عَقْدَهُ من شَوْبِ التشريك ، فلا يصح زعمه إلا أن يمتثل الميثاق ، فيصدق السابقُ اللاحقَ ، ولا يكون التصديق محل الرضا إلا أن يعم التصديق بالجنان واللسان والأركان على ما تقدم مرارا من دلالة الدين العامة فهي تستغرق محال التكليف جميعا ، وأحوال التشريع كلها ، ما كان من عقد باطن أو قول ناطق أو فعل جارح ، ما بطن من الدين وما ظهر ، ما خص الفرد أو عم الجماعة أو الأمة ، فالتصديق لا يقتصر على عقد الباطن ، وإنما تَعُمُّ دلالته العقد والقول والعمل ، فتصديق الميثاق أن يؤمن وينصر ، وهو ما حُدَّ حَدَّ القسم المقدر في قوله تعالى : (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) ، فجاء الظرف "إذ" صدر الآية : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ) ، وهو الذي حُدَّ لما مضى ، فذلك ميثاقٌ أُخِذَ وانقضى زمانه ، فجاء الوحي الخاتم به ينبئ ، وذلك مما يدخل في حد الإعجاز في الإخبار بما مضى من أخبار النبوات ، فلا يخبر بذلك إلا من له دراية بكتب الأولين فهو قارئ يفقه لسان الماضين ، أو يفقه اللسان العربي إن سُلِّمَ أن ثَمَّ نسخة من الكتاب الأول قد نقلت إلى لسان العرب ، ولم يكن أهل الكتاب الأول بحريصين على ذلك لا سيما والأحبار والرهبان قد تقصدوا كتمان الحق عن أتباعهم ممن ينطقون بلسانهم ، إذ لو علم الأتباع ما عليه السادة من أرباب الكهنوت الذين يتأكلون باسم الديانة ويظهرون من الورع الكاذب ما به يستأثرون بالزعامة الدينية والسياسية ، لو علموا ذلك ما اتَّبَعُوهُم ولضاعت مكاسبهم ، فلهم غاية عظمى أن يضل الناس ولا يهتدوا ، إذ لو اهتدوا لانقطعت المطاعم وزالت المكاسب والمناصب ، وذلك ، لو تدبر الناظر تاريخَ الدول والممالك ، من أعظم ما صد الناس عن الحق والخير ، وإن في أمر معاش ، فضلا أن يكون الخصم هو الرسالات السماوية فكان تاريخها تاريخ الصراع مع الطغيان الديني والسياسي ، لا سيما وقد تحالفا دوما ولا زالا أن يُنَاصِبَا الوحيَ العداءَ سواء أكان ذلك تصريحا أم أظهرا التعظيم له وهما يستعينان عليه بالتأويل الباطل الذي يبلغ حد الباطن الناقضِ لأصول النقل والعقل واللسان وكل استدلال صريح ، فاجتمع كهان الأديان أن يُبَدِّلُوا اللفظَ إن أطاقوا ، فإن هَابُوا ذلك حرفوا المعنى بضروب من التأويل تَخْفَى فلا يدركها إلا آحاد من الكهان ! ، فقد أصبح للدين والسياسة كهان يصوغون من التشريعات والسياسات ما به يُحْكِمُ الطاغوتُ الوثاقَ ، فَيُقَيِّدُ الناس بمنظومة من الأحكام والقوانين تَحْظَى بِقُوَّةِ النَّفَاذِ ، فقوة القانون الذي يشرعه كهان الأديان والسياسة ، وقوة القضاء الذي يحكم بما صِيغَ له من القوانين فلو سُلِّمَ أنه نَزِيهٌ فلا يطيق الخروج عن منظومة الشرع التي وضعها من له هوى فيها من الطواغيت ومن استخدموه من كهان الأديان والمذاهب والسياسة والحرب والتجارة فلكلِّ بابٍ منها كُهَّانٌ يصوغون من القوانين ما يلائم أهواء السادة ، أرباب السياسة والمال ، فَضَلَّ من ضَلَّ وأبى الانقياد للحق إذ يُفَوِّتُ عليه من مكاسب الدنيا ما لا يطيق فِرَاقَهُ فهو روح بِهَا يحيى ، وإن كانت روحا دنيا قد انحطت مداركها فلا تدرك إلا المحسوس العاجل من متاع الدنيا الزائل ، فكان سلطان التشريع وسلطان القضاء وسلطان التنفيذ الذي كُسِيَ لحاءَ الحق ، إن بتأويل رجالات الكهنوت الديني أو بتأويل رجالات الكهنوت السياسي ، ولكل كهنوتٍ رجالاته ، فثم طاغوت يحكم باسم الدين ، لا بالدين ، إذ لو حكم بالدين لكان أول المحكومين ! ، وثم آخر يحكم باسم السياسة ، فيزعم العدل في سياسة الوضع وإن خالفت عن حكم الشرع .
فلم يكن للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم بلسان يهود ، وهم من استأثر بالكتاب الأول ، ولم تكن له دراية أن يقرأ ويكتب بلسانه ، ولم يكن له من الحرص أن يجالس علماء بني إسرائيل ، ولم تكن له غاية في زعامة أو رياسة ، فجاء الخبر عن ميثاق تقدم في قوله تعلاى : (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ) ، وذلك من إعجاز الوحي بالإخبار عن ماض تقدم ، وهو مما لا ينال من كتاب مبدل حَرَّفَهُ الكهان لحفظ رياساتهم فلا يكون فيه بداهة بُشْرَى بِنُبُوَّةٍ تالية تهدم باطلهم ولا يكون فيها ميثاق تُقَامُ به الحجة عليهم فلا يجزئهم إلا أن يؤمنوا وينصروا ، ولم يكن منهم إلا الكفران والحرب بما أطاقوا من أسبابها تشكيكا وتحريضا ..... إلخ ، فجاء الإخبار بميثاق تقدم ، فالظرف "إذ" مئنة من ماضوية انقضى زمانها ، فأخذ الله ، جل وعلا ، الميثاق ، وهو ما أضيف إلى النبيين إشارة إلى المصدر فهو وحي منزل ، وفعل الأخذ هنا ينصرف إلى الأخذ الشرعي بما أنزل ، جل وعلا ، من الوحي السماوي ، فالأخذ كسائر الأجناس المعنوية العامة ، فَهُوَ مما تَنْقَسِمُ موارده في الخارج ، فَثَمَّ الأخذ الكوني ، كما في قوله تعالى : (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ) ، فأخذهم العذاب إذ هو السبب المؤثِّرُ ، وأخذهم الله ، جل وعلا ، فهو الذي خلق السبب وأجراه ، فالنسبة إليه نسبة خلق وتدبير ، فأبان الوحي في موضع آخر عن الآخذ الأول بالقدر النافذ ، وهو الرب الخالق ، جل وعلا ، فـ : (أَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ، وَثَمَّ الأخذ الشرعي ، كما في هذا الموضع ، موضعِ أخذ الميثاق ، فذلك ميثاق الشرع إيمانا ونصرة ، وهو من وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة ، فآحاده تحدث ونوعه قديم قِدَمَ الذات القدسية ، فهو ، إن تدبر الناظر ، من الكلام ، إذ الأخذ يكون بكلمة ، سواء أكانت كلمة تكوين في أخذ القرى ، أم كانت كلمة تشريع في أخذ المواثيق ، فقد كان الميثاق بما أُوتِيَتِ الأمم من الكتاب والحكمة : (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) ، والتعاطف هنا مئنة من التغاير ، فالكتاب وحي أول والحكمة وحي ثان إن حملت على العهد الخاص الذي يشاطرُ الكتابَ قسمةَ الوحي الشرعي ، وقد تحمل الحكمة على معنى أعم وهو مقتضى العقل ، إذ رزق الناس من حكمة العقل ما أنيط به التكليف فهو حَكَمَةٌ كَحَكَمَةِ اللجام الذي يعقل الدابة فكذلك العقل فهو حَكَمَةُ النَّفْسِ أن تضل أو تطغى ، فجاء الكتاب الخاتم يواطئ محال الحكمة في النفس بحجته الصحيحة الصريحة ، فجاءت المواثيق الرسالية وآكدها ميثاق التوحيد ، وهو الأصل ، فإن الميثاق أن يؤمنوا وينصروا الرسول اللاحق ، لا يكون ، بداهة ، إلا أن ينتحلوا التوحيد دينا محكما به تنسخ مقالات الشرك والبدعة ، فالتوحيد مادة تصديق للفطرة الأولى ، وتفصيل لما أجمل منها ، وتصحيح لما اعوج منها ففي التوحيد ما يصحح أصل الإيمان ، ومنه ما يكمله الكمال الواجب ، ولا ينال تفصيل ذلك إلا من مشكاة الرسالة ، فتوحيد الله ، جل وعلا ، توحيد يستوجب توحيد المرسَل من البشر فهو الواسطة بين الحق والخلق ، وهو الذي يُبَلِّغُ وَيُبَيِّنُ ، فَبِهِ يؤخذ الميثاق وتقام الحجة ، فَلَوْ سُلِّمَ أن دلالة الإسلام في آية : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، هي الإسلام العام الذي يكافئ التوحيد لله ، جل وعلا ، توحيد العقد الباطن بالتصديق ، فَلَوْ سُلِّمَ بذلك فهو توحيد يستوجب توحيدَ الله ، جل وعلا ، في كلماته ، فهي من وصفه ، ومن كلماته ما أوحى به من ميثاق الإيمان والنصرة للرسول اللاحق ، وذلك ما يوجب انتحال الإسلام الخاص ، إسلام الرسالة الخاتمة ، فهو المصدِّق المهيمِن ، فمن آمن بِنَبِيٍّ لزمه أن يؤمن بجميع الأنبياء ، عليهم السلام ، فذلك قياس العقل الناصح ، فإنه يَقْضِي أن يُسَوَّى بين المتماثلين ، إذ جنس النبوة عام تندرج فيه آحاد ، تشترك في الحد المطلق ، وإن اختلفت بقيد الشريعة ، فَهِيَ شتى قد تَتَنَاسَخُ فروعها ، فينسخ اللاحقُ السابقَ على وجه يسلم من التَّعَارُضِ وَالتَّنَاقُضِ ، إذ المصدر واحد وهو الوحي الحاكم الذي يحسم الخصومات العلمية بمادة الصدق ، والخصومات العملية بمادة العدل ، فسواء أحمل الإسلام على الخاص أو العام فذلك يوجب التصديق بجميع النبوات ، وامتثال ما جاءت به من الأخبار والأحكام ، وقد جاءت النبوة السابقة بحكم قاطع أن يُصَدَّقَ الرسولُ اللاحقُ وَيُنْصَرَ ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، أن يصدق الناظر برسالته فهي حق ، ولا يمتثل مع ذلك أحكامها ، فَيَزْعُمَ أنه في سعة من أمره فيجزئه أن يصدق النبي الخاتم ويعظمه وإن لم يمتثل شريعته فيحكم بما شاء من الشرائع بل وينتحل من العقائد ما ينقض التوحيد الذي جاء به النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو يجيز تعدد العقائد بذريعة التسامح على وجه يضاهي ما فشا في مقالات المتأخرين من أهل الطريق من الوحدة ، فإنها عمت وحدة الأعيان ووحدة الأديان ! ، فصار الكون واحدا في العين وإن اختلفت المظاهر فلا فرقان بين رب وعبد ، فالرب قد حَلَّ في جميع الموجودات فضلا عن المعبودات ، فجميع المعبودات صحيحة إذ هي طُرُقٌ مُمَهَّدَةٌ بها يَبْلُغُ السالك غايته أن يفنى في ذات المعبود ، فالمشكاة الواحدة تُشِعُّ في اتجاهات شتى ، فإن اختلفت الجهات فهي تفضي إلى مصدر واحد ، وإن تناقضت هذه الجهات على وجه يوجب التفريق بين المختلفات وإلا وقع الناظر في جمل عظيمة من التناقضات أن يسوي بين المختلفات فَيُسَوَّى عابد الإله الحق ، بالمثلِّث المشرِك ، أو الوثني المعظِّم للنار ، أو الملحد المنكِر للإله القائل بالطبع والمادة ، فكانت وحدة الأديان دعوى تخالف عن العقل فضلا عن النقل الذي أبان عن معنى التوحيد المحكم فَصَيَّرَهُ من صَيَّرَهُ وحدة أعيان وأديان ، فصار الحق كثيرا يَتَعَدَّدُ بل وَيُنَاقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًا ! ، وذلك ما يخالف عن قياس العقل المحكم الذي يدل يقينا جازما أن الحق في جميع مسائل الخلاف لا سيما الأصول ، أن الحق فيها واحد لا يَتَعَدَّدُ ، فلئن كان الحق واحدا في مسألة خلاف جزئي في فرع عملي دقيق يسوغ فيه الخلاف بل قد يكون الاشتغال به في أحوال تَرَفًا من البحث ، فَلَئِنْ كان الحق مع سعة الخلاف واحدا فكيف بالأصول ، بل كيف بأصل الأصول ، التوحيد المحكم الذي بشرت به الرسالات جميعا ، وجاءت الخاتمة منها تصدق وتهيمن ، وجاءت السابقة تُبَشِّرُ وتأخذ الميثاق ، ميثاق الإيمان والنصرة ، كما تقدم في آية الميثاق ، فحسن التوكيد بالقسم المقدر الذي دلت عليه اللام الداخلة على جواب القسم في قوله تعالى : (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) ، فضلا عن التوكيد بالنون المثقلة ، ولا يخلو التعاطف من دلالة التلازم ، فإن من آمن برسالة فهو ينصرها بداهة ، ولا يخلو التعاطف ، مع ذلك ، من دلالة الإطناب بخاص بعد عام فإن من الإيمان أن يمتثل المؤمنُ الحكمَ أمرا ونهيا ، وقد جاءت الرسالة ، مناط الإيمان ، جاءت بحكم النصرة ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) ، فلا يخلو السياق من إلهاب وتهييج ، فالصياغة خبرية والدلالة إنشائية أن انصروا الله ، جل وعلا ، لينصركم ويثبت أقدامكم ، وقد عطف تَثْبِيتَ الأقدام إطنابا يزيد في البيان على حد الكناية ، وهي مما يجوز فيه الجمع بين الحقيقة والمثال المضروب لها ، ولا يخلو ذلك أن يكون من عطف التلازم إذ النصر يستلزم الثبات ، وهو من الجنس العام الذي تنقسم موارده في الخارج ، فَثَمَّ ثَبَاتُ الجنان بالحجة والبرهان ، وثم ثبات الأبدان في ميدان الجهاد بالسيف والسنان ، ونصرة الله ، جل وعلا ، تستوجب نصرة من أرسله ، كما أن توحيد المرسِل ، جل وعلا ، يستوجب توحيد من أرسله من البشر فهو يُخْبِرُ بوحيه ويحكم بشرعه فلا يجزئ في ذلك التصديق المجرد كما تقدم من دعوى من يزعم التصديق بالرسالة الخاتمة ويظهر من تعظيمها ما قد يصدق ، ولكنه لا يجزئ حتى يشفع بتصديق أعم ، فلا يقتصر على تصديق الجنان ، وإنما يعم تصديق اللسان وتصديق الأركان بامتثال الشرع الخاتم والاحتكام إليه في كل حال ونازلة ، فلا يكون الإيمان المجزئ إلا بذلك كما في قوله تعالى : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ، وتسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل "يؤمنون" مئنة من العموم الذي ينصرف في باب الأسماء والأحكام إلى انتفاء الأصل فيزول الإيمان كله إلا أن تَرِدَ قَرِينَةٌ تصرفه إلى انتفاء الكمال الواجب ، ولا قرينة هنا تصرف ، بل القرائن في مواضع أخرى من التنزيل تشهد أن هذا النفي ينصرف إلى الأصل ، فمن لم يمتثل الأمر فيحتكم إلى الوحي ، وعدل عنه إلى الوضع المحدث أو الشرع المنسوخ الذي عُطِّلَ بطروء الناسخ ، سواء أكان في شرع واحد أم كان التناسخ بين شريعتين ، وسواء أكان نسخ جزء كالإنجيل أم نسخ كل كالكتاب العزيز ، فمن عدل عن الشرع الناسخ إلى المنسوخ فقد حكم بغير ما أنزل الله ، جل وعلا ، وإن كان يحكم بشريعة سماوية إذ ما أنزله الله ، جل وعلا ، هو الآخر ، فالآخر ينسخ الأول ، والأول قد شهد للآخر وأخذ الميثاق عليه ، فصار تعطيل الآخر بذريعة الاستمساك بالأول صار نقضا للأول الذي أمر بالإيمان بالآخر ، ومن حكم بغير ما أنزل الله ، جل وعلا ، فقد كفر ، فـ : (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، وذلك ، أيضا ، مما يجري مجرى التحذير ، كما في آية : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فإن السياق في كلتا الآيتين خبري ، والدلالة إنشائية تحذر وتنهى ، ففي الموضع الأول نهي عن الحكم بغير ما أنزل الله ، جل وعلا ، إذ أبان عن وصف من تحاكم إلى غيره على وجه يوجب الحذر من وصف السوء والنقص ، وجه الكفران ، فدلالة المفهوم في المقابل تدل أن من حكم بما أنزل الله ، جل وعلا ، فهو المؤمن الكامل ، فدلالة الكمال والاستغراق في وصف الإيمان حال النظر في المفهوم ، تضاهي دلالة الكمال والاستغراق في وصف الكفران ، إذ دخول "أل" على "الكافرون" مئنة من استغراق المعنى فهو ينصرف إلى الجنس الأكبر الناقض لأصل الإيمان ، وذلك ، كما تقدم ، أصل في باب الأسماء والأحكام لا يعدل عنه إلا بصارف ، ولا صارف هنا يشهد ، بل القرينة تدل على الظاهر المتبادر من حمل الحكم على النوع الأكبر الناقض لأصل الدين ، على تفصيل في ذلك ، فلا يعدل عن الظاهر المتبادر إلا بقرينة معتبرة فلا قرينة هنا توجب التأويل والعدول عن الظاهر إلى المؤول ، فدل السياق على منطوق خبري يذم إذ يَنْبِزُ من تحاكم إلى غير الوحي بالكفران المبين ، وإن كان ثم تصديق ، كما هي حال من يزعم التصديق بصحة الرسالة الخاتمة فهو يعظم صاحبها صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد يَصْدُقُ في ذلك وقد يعتقد أن رسالته حق ولكنه لا يوجب امتثالها فيسع الناظر أن يخرج عن أحكامها فتحصل له النجاة من غير طريقها فذلك ما ينقض الدين ، فلا يواطئ نقلا ولا عقلا ، فدلالة العقل توجب الإيمان بالرسول الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فمن اعتقد أنه صادق لا يكذب فهو الذي أمر أن يصدق ، وهو الذي زعم أن رسالته عامة إلى الثقلين لا خاصة بقبيل قريش أو العرب ، فوجب على الجميع أن يَتَعَلَّمُوا منها ما يقيم الفرض الواجب وهو مما يَتَفَاوَتُ ، فضلا أن السنة الكونية باستقراء الأحداث والوقائع تدل أن هذا الوحي الخاتم هو معدن الظهور والانتصار بالحجة والبرهان والسيف والسنان ، فما كان أصحابه إليه أقرب إلا وَنُصِرُوا على عدوهم وصارت الدولة لهم وما كانوا عنه أبعد إلا ذلوا وظهر عليهم العدو وإن لم يظهر على دينهم فهو أبدا ظاهر بالحجة والبرهان وإن خُذِلَ أَتْبَاعُهُ فَظَهَرَ عليهم عدوُّهم بالسيف والسنان بل ظهور عدوهم عليهم إذ فارقوا منه ما فارقوا ، كما هي الحال في الأعصار المتأخرة ، هذا الظهور في نفسه دليل على صحة الرسالة الخاتمة إذ اطرد الحكم وانعكس على وجه صحيح يواطئ دلالة العقل الصريح فما كانوا إلى الوحي أقرب فهم غالبون ، وما كانوا عنه أبعد فهم مغلوبون ، وذلك أمر يتفاوت ، أيضا ، فكلما ازدادوا قربا ازدادوا ظهورا ، وكلما ازدادوا بعدا ازدادوا ذلا وانكسارا حتى يراجعوا ما فارقوا من الدين الخاتم .
وقد دل السياق ، من وجه آخر ، على إنشاء النهي أن لا تتحاكموا إلى غير الوحي لئلا يصدق فيكم حكم الكفر ، فثم دلالة تعليل إذ أنيط حكم الكفر بوصف التحاكم إلى غير الوحي على حد التلازم الذي أفاده الشرط ، فيدور الحكم مع العلة وجودا وعدما ، وثم مفهوم للخبر والإنشاء جميعا ، فإذا تخلف الوصف وثبت ضده من الحكم بما أنزل الله ، جل وعلا ، ثبت الحكم بضد الكفر وهو الإيمان ، على وجه يستوجب دلالة إنشاء أَنِ : احكموا بما أَنْزَلَ الله ، جل وعلا ، لتكونوا من المؤمنين الناجين ، وذلك ما يعم بدلالة الموصول "ما" في قوله تعالى : (بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) ، فهو يعم جميع ما أنزل الله ، جل وعلا ، من أحكام العقائد والشرائع والسياسات والتجارات والحروب والأخلاق والسلوك ..... إلخ ، وذلك ما يخالف ، بداهة ، عن أهواء الطواغيت ومن استعملوه من كهان الأديان والسياسة فلا عناية لهم إلا أن يحدثوا من الباطل ما يرسخ سلطان الظالم سواء أتأولوا أحكام الوحي أم أحدثوا ما يضاهيها من أحكام الوضع ، ولا ينفك التلازم بينهما حاصلا ، فبقدر ما ينسخ من الحق بالتعطيل الصريح أو التأويل اللطيف بقدر ما يثبت من الباطل على وجه ينقض كمال الإيمان الواجب في أحيان ، وقد يزيد فينقض أصل الإيمان الجامع إن اقْتَضَى اقْتِرَافَ نَاقِضٍ من نَوَاقِضِ الإيمان الباطنة أو الظاهرة كما حدها أهل الشأن باستقراء نصوص الباب ، باب الأسماء والأحكام .
وكذلك الشأن في آية آل عمران : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فإن ثَمَّ طردا وعكسا إن في الصياغة اللفظية أو في الدلالة الإنشائية ، فلازم الخبر وعيدا بالخسران ، إنشاء النهي عما يوجب هذا الخسران ، فتأويل الكلام : لا تَبْتَغُوا غير الإسلام دينا لئلا تكونوا في الآخرة من الخاسرين ، وثم مفهوم في الخبر والإنشاء ، فمن ابتغى الإسلام دينا فسوف يقبل منه وهو في الآخرة من الفائزين ، ولازم ذلك إنشاء الأمر أَنِ : ابتغوا الإسلام وحده دينا ليقبل منكم وتكونوا من الفائزين .
وقد حُدَّ الجواب : (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، حُدَّ مَقْرُونًا بالفاء ، والاقتران هنا واجب في النحو ولا يخلو من دلالة في المعنى إذ الفاء في : (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) ، لا تخلو من دلالة التعليل فجواب الشرط حُكْمٌ عِلَّتُهُ ما تقدم من معنى الشرط وهو ابتغاء غير الإسلام دينا ، ولا تخلو من دلالة فور وتعقيب وذلك آكد في المساءة في سياق التحذير .
وقد ورد الشرط نَفْيًا جازما يدل على التأبيد في هذا الموضع لقرينة زائدة لا أن "لن" ، ابتداء ، مئنة من النفي المؤبد بل هي مئنة من النفي المطلق وقد ترد القرينة ترشح معنى التأبيد كما في هذا الموضع ، وقد ترد ترشح معنى التأقيت في آخر ، كما في قوله تعالى : (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) ، فالتقييد بالغاية "حتى" مئنة من التأقيت لا التأبيد ، فالمؤبد لا حد له ولا غاية ، وثم إطناب بالجزاء في آية آل عمران : (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فالجزاء هو الخسران ، ولا يخلو أن يكون من التعاطف على حد التلازم ، فلازم عدم القبول الخسران الذي أُشِيرَ إلى أصحابه إشارةَ البعيد "أولئك" مَئِنَّةً من التحقير وَبُعْدِ المنزِلة السافلة ، فضلا عن دلالة "أل" في "الخاسرين" فقد استغرقت معنى الخسران وهو ما ينصرف إلى الخسران الأكبر وزد عليه دلالة "مِنْ" فهي مئنة من بَيَانِ الجنس ، فهو من معدن الخسران وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده فِي سياق التحذير من القول في غير التنزيل : وهو في الآخرة خاسر ، وقد استغرق السياق شطري القسمة فلا يقبل منه في الدنيا وإن خص ذلك بآي الجزية ، فَيُقَرُّ على دينه لا أنه يقبل قَبُولَ الرضى ، وإنما حرم الإكراه في الدين في حق الكفار الأصليين ، فـ : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ، وهو من المؤقت الذي يرفع بِنُزُولِ المسيح عليه السلام إذ يضع الجزية فليس إلا الإسلام أو السيف ، كما في الخبر ، وليس ذلك نسخا للرسالة الخاتمة بل ما كان ذلك إلا بوحي منها ، فهي التي أخبرت أن عيسى عليه السلام يضع الجزية وهي التي أقرت بذلك فحكته في موضع البيان ولم تعقب بإنكار أو إلغاء بل جاء السياق يحكي التأييد والإقرار ، فلا يقبل غير الإسلام في الدنيا على التفصيل المتقدم ، ومن لم ينتحله دينا يَعُمُّ العقد والشرع والسياسة والحرب ..... إلخ ، فيدخل فيه كافة ، فمن لم ينتحله كافة فهو في الآخرة خاسر ، إذ لم يمتثل الأمر أن : (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) ، وذلك ما أُرْدِفَ بالنهي عن اتباع الخطوات الشيطانية ومن أعظمها خفاء ومكرا ما يكون من تصحيح الأديان المنسوخة أو الموضوعة فَثَمَّ من يزعم الدخول في الدين الخاتم وهو يصحح من الأديان والمذاهب ما قد علم بطلانه يقينا بلازم ما يزعم انتحاله من التوحيد فهي تنقض أصله نقضا ، وثم من يدخل في السلم جزءا لا كافة فيدخل فيما يهوى ولا يدخل فيما يثقل عليه فليس ذلك دخولا في السلم وإنما هو دخول في الهوى وإن وافق السلم من وجوه فقد خالفه في أخرى فصار الدين المتبوع هو الهوى وصار الشاهد التابع هو السلم الذي لا يصح دين ولا تحصل نجاة إلا أن يكون هو المتبوع مطلقا ، وثم من يزعم الدخول في السلم وهو لا يفارق قناعاته الأولى ، فلا يكفر بالطاغوت تخليةً قبل أن يؤمن بالله ، جل وعلا ، تحليةً ، مع أن ذلك مما يمتنع في المذاهب الأرضية المتعارضة مع كونها جميعا مما أحدث البشر فلا يصير الإنسان رأسماليا إلا أن يكفر بالشيوعية فلا يدخل في الرأسمالية كافة حتى يكفر بالشيوعية كافة ، فكيف بالدين النازل من السماء ، فهو أولى بالمفارقة والمخالفة عن أي دين أو مذهب والدخول فيه كافة يستوجب الانخلاع من غيره كافة إن في الباطن أو في الظاهر .

والله أعلى وأعلم .