من قوله تعالى : وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى :
فذلك اصطفاء يزيد على اصطفاء العلم والولاية ، وهو ، بداهة ، لا يكون إلا بعلم وحكمة ، فجاء الضمير الذي مرجعه الرب ، جل وعلا ، في الآية السابقة : (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) ، فجاء التوكيد بالناسخ ، فضلا عن اسمية الجملة ، فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أنا ربك ، وَزِيدَ فِي التوكيد بضمير الفصل "أنا" والقصر بتعريف الجزأين "أنا" و "ربك" ، وجاء اسم الربوبية ذريعة إلى التكليف ، وهو خلع النعلين تقديسا وتعظيما ، وقد استأنف على حد التعليل أن كان الكلام جوابا لسؤال مقدر في الذهن على تقدير : وما علة خلع النعلين ؟! ، فجاء الجواب : لأنك بالواد المقدس طوى ، ودلالة الباء دلالة الظرفية ولا تخلو من دلالة الملابسة ، وقد أطنب بعطف البيان فأبان عن اسم البقعة "طوى" ، ولا يخلو السياق من تلاؤم بَيْنَ التكليف والوصف الذي أُنِيطَ بِهِ وهو قدسية المكان وطهارته ، فخلع النعل مئنة من الخشوع والخضوع ، ولا يخلو أن يكون صيانة من الأذى فيشبه ، من وجه ، ما صنع صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ خلع نعليه في الصلاة فخلعهما من وراءه ، فلما قضى صلاته استعلم ، فكان الجواب كمال الاقتداء ولو بلا دَرَكٍ لِلْعِلَّةِ ، فمكان العصمة يجعل الناظر يتحمل من الوحي ما حُمِّلَ ، فيحاكي الصورة الباطنة والظاهرة ، لا سيما وأفعال صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَتُرُوكُهُ مَظِنَّةُ الاقتداء في التشريع إلا أن تكون من أفعال الجبلة والتكوين فلا يظهر فيها وجه خاص تُنَاطُ بِهِ نِيَّةُ التَّعَبُّدِ إلا نِيَّةَ الاقتداء الأعم ، اقتداءِ المحبة فَيُضَاهِي الصورة الظاهرة محبة لصاحبها ، فالحبيب يقلد محبوبه ، فيحرص على مطلوبه ، وَيَتَكَلَّفُ ما يُرْضِيهِ وإن دَقَّ ، وذلك ما يَزِيدُ ضَرُورَةً في موالاة الظاهر ، فذلك من التلازم الوثيق الذي تظهر آثاره في الخارج على وجه دقيق يعجب الناظر فيه كيف اطرد وانعكس ، فترى المحل الواحد وقد قبل آثارا تَتْرَى ، وكلما انْتَحَلَ نحلة أو مذهبا اختلف ظاهره ، ولو دَقَّ الاختلاف وَلَطُفَ ، وهي طريق في التعذيب والإذلال مشهورة ، أن يجبر الإنسان على تَغْيِيرِ الظاهر فهو يَنَالُ من إِرَادَةِ الباطن ، فكان أن خلعوا إذ خلع صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو محل الاقتداء ، فـ : "رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا" ، فلا تخلو الفاء في "فَخَلَعْنَا" من دلالة الفور والتَّعْقِيبِ ، وذلك آكد في الامتثال ، ولا تخلو من دلالة التعليل فسبب الخلع أن رَأَوا الأسوة يخلع ، فأبان لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن العلة وهي الأذى فلم يكن الحكم مطلقا وإنما قُيِّدَ بالوصف وأنيط بعلة تُؤَثِّرُ وهي مما يدرك العقل ، فصح أن يُقَاسَ عليها ما سوى النعل من أذى يَعْلق بِالْبَدَنِ أو بِالثَّوْبِ ، وذلك مما يعذر فيه بالنسيان خلاف الطهارة فَلَوْ صَلَّى بلا طهارة ، ولو ناسيا ، ما أجزأته الصلاة ، ومن نسي موضع أذى في نعل أو ثوب أو بدن وصلى أجزأته الصلاة وإن علم فلم يُزِلْهَا مع القدرة ما صحت صلاته ، كمن صلى إلى غير القبلة ناسيا فإن ذُكِّرَ في صلاته فلم يَتَذَكَّرْ ويستقبل القبلة التي أخبر بها من يُقْبَلُ خَبَرُهُ ولو واحدا فعنده يَقِينٌ يَنْسَخُ شَكَّ الأول الذي نَسِيَ أو اجتهد فلم يصب ، فإن ذُكِّرَ فَلَمْ يَتَذَكَّرْ فصلاته تَبْطُلُ خلاف مَا لَوْ أَتَمَّهَا نَاسِيًا أو مجتهدا اجتهادا لم يصب فيه القبلة على تفصيل في ذلك .
وذلك ، عند التدبر والنظر ، مما يصح فيه القياس إذ عُقِلَ معنى العلة الْمُؤَثِّرَةِ فِي استئناف الحكم ، وقد قَاسَ من قَاسَ من السلف ، ولو على سبيل التعظيم دون إيجاب أو تكليف يُلْزِمُ ، قاس على ذلك الطواف بالبيت حفاة لا غُلُوًّا وَتَنَطُّعًا وإنما تعظيما للبيت كما عظم الكليم عليه السلام طوى ، بل نَظَرُ الأولى أن التقديس للبيت العتيق أولى ، وذلك قد يصح ، من وجه ، بالنظر في أصل من أصول التشريع وهو شرع من تقدم فهو شرع لنا ما لم يخالف الشرع الخاتم ، وقد حكاه الوحي حكاية الإقرار ولم يَرِدِ الناسخ من فعل صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقد يَرِدُ على ذلك أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحرص النَّاسِ عَلَى الحق وأعظم الناس تقديسا للبيت ، فلو كان في هذا الفعل وجه إيجاب أو ندب ما وسعه أن يؤخر البيان إذ لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة ، فلما تَرَكَ الفعل مع قيام الداعي وانتفاء المانع دل ذلك أنه لا يستحب ، فَلَوْ كَانَ خَيْرًا لسبق إليه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الأتقى ، إذ جاء بالصدق خبرا وحكما ، وذلك ما يجعله ، بداهة ، أول مخاطب بالتصديق والامتثال فلم يَنْتَحِلْ أحدٌ الحقَّ انْتَحَالَه ، ولم يكن ثم أحرص على البلاغ والبيان منه ، فهو أصدق الناس نصحا فذلك تكليف لا يطيق عنه حيدا ، فوظيفة النبوة أعظم الوظائف ، وجوهرها البلاغ والبيان ، والنصح والإرشاد على وجه يستبين به الحق وتقام به حجة الشرع ، وهي حجة عامة ، تستغرق الدقيق والجليل من أمور التكليف إن في العلم أو في العمل ، إن في الشرع أو في السياسة ، إن بالمنطوق الصحيح أو بالمفهوم الصريح ، فكان التكليف الأول بخلع النعلين ، وكان التكليف الأعظم باختيار أخص ، يجاوز ، كما تقدم ، اختيار العلم والولاية ، فهو اختيار الوحي ، فحسن ، أيضا ، أن يؤكد بتكرار الإسناد في قوله تعالى : (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) ، فتاء المخاطب في "اخترتُك" تكافئ ضمير المتكلم المنفصل "أنا" ، فكان تكرار الإسناد ، من هذا الوجه ، فَاعِلَ معنى وهو المبتدأ "أنا" ، وَفَاعِلَ لفظٍ وهو تاء الفاعل في "اخترتُك" ، وجاء العطف الذي أبان عن جنس الاصطفاء في : (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) ، فهو اصطفاء الوحي فالعطف بالفاء لا يخلو من دلالة السببية على تقدير السؤال الذي دل عليه السياق اقتضاء : وما وجه الاختيار ؟! ، فجاء الجواب : أن تَسْتَمِعَ وَتُصْغِي إلى الوحي المنزَّل ، وذلك مبدأ الرسالة ، فهي إما استماع وإما قراءة كما كانت حال الرسالة الخاتمة فَنَزَلَ الوحي أول ما نَزَل أن : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ، وجاء القيد باسم الله ، جل وعلا ، استعانة واستصحابا ، والاستصحاب يعم كل نص ، فاسم الله ، جل وعلا ، عنوان اتباع مطلق في الخبر والحكم جميعا ، فأطلق لفظ القراءة فَعَمَّ جميع النصوص ، تصورا وحكما ، وكذلك الشأن في استماع الكليم عليه السلام ، فجاء الأمر الذي أطلق ، أيضا ، ولا يخلو الإطلاق من دلالة في المعنى تلطف أن يكون الاستماع بالجوارح كلها على وجه يجاوز جارحة السمع فهي أول مدارك الحس ، فلا يحصل الفهم إلا أن يدرك مبنى اللفظ سمعا ، فيطرق الحاسة التي تقيس ما تسمع على ما اختزنه العقل واستجمع من دلالات المعنى ، فقد أدرك بالإلهام والتعلم الذي يجاوز حد التعليم قصدا فيقع في سمعه من عرف اللسان ما به يدرك الألفاظ بلا مُعَلِّمٍ إلا في أحوال يصحح له فيها اللفظ ، وَيُبَيَّنُ له ما عَسُرَ على الفهم مما لم يسمع اسمه آنفا ، أو كان ثم بِنَاءٌ مُرَكَّبٌ فالمعنى لا يقتصر في دلالته على حد المعجم الأول ، معنى مطلقا في الذهن قد تجرد من الزوائد ، فَثَمَّ زيادات تحتف بها قَرَائِنُ من سياق أو حال ، أو عرف عام أو خاص ، بها يستبين وجه اللفظ فقد يكون واحدا والأعراف تَتَنَاوَبُهُ ، فمنها ما يُحَسِّنُهُ ومنها ما يُقَبِّحُهُ ، فيكون ثم تَطَوُّرٌ في الدلالة فما كان بالأمس إسفافا قد صار اليوم إعفافا ، وما قَبُحَ في مصر حَسُنَ أو جَازَ في آخر ، واللفظ واحد فقد احتف به من القرينة الزائدة ما جعله مناطا لمعنى أخص من معنى المعجم المفرد ، فيكون الاستماع الأخص دركا لدلالات من الألفاظ تدق فهي تجاوز السمع المجرد الذي يحصل بطروق اللفظ غشاء الجارحة ، فالعقل يترجمه بما اختزن من معان فإما أن يجد له نظيرا فهو يقيس الطارئ على الثابت المختزن في العقل ، وذلك قياس يأرز إلى قوة التخييل ، إذ يسمع الإنسان الاسم أو يَرَى المسمى في الخارج وقد اختزن لفظه أو صورته في الذهن فإذا سمعه أو رآه كان القياس أداة العقل الفاعلة في درك الحقيقة الطارئة ، فالقياس يعم المنظور بحاسة البصر ، والمسموع بحاسة السمع ، وهما ، لو تدبر الناظر ، جسور إلى الفؤاد ، عليها تعبر الكلمات واللحظات ، ولو دقت ، فاللفظ الواحد يدرك منه السامع ما لا يدرك الآخر ، فَنَبْرَتُهُ وأداؤه يفضحان ما استكن في جنانه وإن اجتهد أن يخفيه فيصوغه في كلام جذاب يخدع ، فحدة الذهن ودقة الفهم تكشف ما يخفي اللفظ وراءه ، فيكون الظاهر رحمة والباطن عذابا ، كما قالت امرأة كعب بن الأشرف فلم تسمع إلا ألفاظا تقطر دما وإن كان ظاهرها خيرا ، فخدع كعب وشاء الرب ، جل وعلا ، أن يجزيه بطعنة ابن مسلمة وأصحابه ، رضي الله عنهم ، أن آذى الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمؤمنين إذ شَبَّبَ بِنِسَائِهِم ، وَنَصَرَ خصومهم بالباطل فجحد الحق النازل وقد اسْتَيْقَنَهُ قَلْبُهُ فما كان ذلك إِلَّا عُلُوًّا في الأرض وَاسْتِكْبَارًا أن يُصْغِيَ بِأُذُنِهِ فَيُجَاوِزَ السمع المجرد لألفاظ الحجة وإن كان ذلك مما يَنْفَعُ هداية بَيَانٍ وإرشاد فَبِهَا تَسْتَبِينُ المحجة وتخلص الجادة لمن أراد أن يَذَّكَرَ أو أراد شكورا ، ولا يكون ذلك إلا أن يشاء الرب ، جل وعلا ، قَدْرًا يزيد من الإلهام والتوفيق ، فَثَمَّ سمع أول هو سمع الأصوات ، فَيَعُمُّ ما له دلالة فهو يجاوز حد اللفظ المجرد ، ويعم ما دونه مما يجري مجرى التلفيق لأحرف تَتَجَاوَرُ فيكون الصوت الذي لا دلالة له في معجم اللسان ، فهو لفظ مجرد من الدلالة فلا يوصف أنه كلمة أو كلام ، وقد يكون ذلك بالنظر في المعجم الأخص ، فلكلِّ لسانٍ معجم يكون فيه الصوت الملفوظ مُبِينًا عن معنى مفهم ولا يكون كذلك في لسان آخر ، فيصدق فيه أنه كلام في لسان ، وليس كذلك في آخر ، وقد يكون محل اشتراك مما تَوَاطَأَتْ عَلَيْهِ الألسن ، أو تحمله لسان عن آخر بما كان من جوار واختلاط ، كما يظهر في معجم اللهجات المعاصر فقد خالطه من اللسان الأعجمي ما خالطه ، فصار مما يُفْهِمُ العربيَّ وأصله أعجمي ، فاتسع معجم السامع أن حوى من الألفاظ والاصطلاحات ما طَرَأَ ، وإن لم يكن حجة على من مضى ، فما انقضى زمانه من الوحي أو أي نص من نَثْرٍ أو نظم ، سواء أكان معجزا من كلام الوحي ، أم جاريا مجرى العادة من كلام البشر ، وإن فصح وأبلغ في بَيَانِهِ فلا يخرج أن يكون من جنس القول الدارج الذي يطيقه كل ناطق فوجه الإعجاز في نظمه مُنْتَفٍ إذ تلك خاصة الوحي التي بها انفرد ، فما انقضى من كل أولئك لا يفسر إلا بمعجم زمانه فهو زمن الاحتجاج الذي يرجع إليه في بَيَانِ المعاني إذ لا يفسر ماض بطارئ ، فدلالة اللفظ يطرأ عليها من التطور والتبدل ما يَزِيدُ فيها أو يَنْقُصُ ، فجاء اصطلاح الشرع يزيد في المعنى المطلق قيدا يدل على حقيقة أخص من حقيقة اللسان المجرد ، وجاء اصطلاح العرف في الاصطلاح يزيد قَيْدًا يدل على أخرى أخص في العرف ، سواء أكان عاما دارجا أم خاصا بأهل صناعة في العقل أو في الحس ، فاصطلاح أهل الأصول وهو من صناعات العقل يخالف عن اصطلاح الشرع الأول في مواضع مشهورة كالنسخ والقضاء والأداء فتلك ألفاظ شارك عُرْفُ الأصول فيها عُرْفَ الشرع دلالةَ الجنس الأعم ، وزاد عليها قَيْدًا يُفَرِّقُ ، فصار النسخ في اصطلاح الأصول رفعا مخصوصا ، لا الرفع مطلقا وإن لم يكن نسخا ، فتخصيص العام وتقييد المطلق يصدق فيه أنه رفع لدلالة اللفظ على بعض أفراد العام أو وجوه المطلق ، فهو نسخ بالاصطلاح الأول الذي عم جميع وجوه الرفع ، وأما النسخ في اصطلاح المتأخرين فهو رفع مخصوص يقضي بإبطال المتقدم بآخر متأخر متراخ عنه بعد العمل بالأول زمانا إلا على قول من يجوز النسخ قبل التمكن ، فلا يعلم بالمنسوخ وإنما ورد الناسخ حالا أو بعد زمن لم يطق فيه المكلف امتثالا كما يضرب أهل الأصول المثل بذبح الخليل ابنه إسماعيل فقد جاء النسخ قبل التمكن أن فُدِيَ الذبيح ، عليه السلام ، بالذبح العظيم ، فكان النسخ إلى الأخف من ذبح القربان بلاء عظيما من الرحمن ، جل وعلا ، وَقُلْ مثله في القضاء والأداء فدلالتهما في الاصطلاح الأول تَتَكَافَأُ ، وفي الاصطلاح الآخر تَتَغَايَرُ ، فوجب رد اللفظ حال التفسير إلى عُرْفِ زمانه لا إلى عرف حادث ، فذلك يجري مجرى رد الأمر إلى أهله ، فيدخل من هذا الوجه في عموم الأمر أن : (اسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، فكما يسأل أهل الذكر في الصنائع بما لهم من اصطلاح في العرف أخص ، فَثَمَّ حقائق في أَعْرَافِ الصُّنَّاعِ تَزِيدُ على العرف العام ، فكذلك الشأن في صناعة العلم والفقه ، فَثَمَّ اصطلاح أخص في عُرْفِ الوحي والشرع يُغَايِرُ اصطلاح اللسان فَيَزِيدُ عليه من القيد ما يُنَاطُ به التكليف ، فالإيمان في عُرْفِ اللسان تصديق وإذعان ، وقد يُزَادُ فيه الانقياد والإقرار ، ولكنه في اصطلاح الشرع قد عَمَّ من القول والعمل ما يشاطر الاعتقاد الباطن إقرارا وإذعانا ، ما يشاطره قسمة الإيمان في الخارج ، وجاءت اللام في قوله تعالى : (لِمَا يُوحَى) ، وصلة تَزِيدُ في المعنى في "لِمَا" فهي تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التبليغ ، كما هي الحال في لام القول ، فقل له تبليغا في الإرسال ، واستمع له تبليغا في الاستقبال ، فإرسال واستقبال ، وذلك حد الكلام ، من وجه آخر ، فهو يرسل بحاسة النطق ألفاظا وجملا تفهم بما احتف بها من قرائن السياق وبساط الحال على وجه قد يجزئ في أحيان أن يوجز العبارة في لفظ واحد ، فيجزئ على جمل كثيرة تَتْرَى قد تفسد المعنى بما يكون من ابتذال ، كما يضرب المثل في التشبيه إذ الإطناب فيه بذكر وجه الشبه مِمَّا يَبْتَذِلُهُ فِي أحيان ، فيخرجه عن حد الملاحة إلى حد السذاجة ، وَكُلَّمَا زِيدَ في الحذف في باب التشبيه كانت الحلاوة أظهر ، ففي الكناية أضرب تَقَعُ في النفس ما لا تَقَعُ الحقيقة ، وفي الاستعارة ما تستعذبه النفس ما لا تستعذب الأصل ، وفي كلام الأحبة من الإيجاز ولو لحظا بالعين ما صح في اصطلاح العشاق أن يحد كلاما يفهم ، ولو لم يكن ثم نطق ، فقد أغنت الحال عن المقال كما قال المخزومي وهو يحكي كلام الطرف الذي لم ينطق صاحبه فأغنت الإشارة عن العبارة :
أشارت بطرف العين خيفـة أهلهـا ******* إشـارة محـزونٍ ولــم تتكـلـم
فأيقنت أن الطرف قد قـال مرحبـا ******* وأهـلا وسهـلا بالحبيـب المتيـم .
فالكلام ، من هذا الوجه ، مما اتسعت دلالته فتكاد تستغرق كل جارحة ، فلا تقتصر على جارحة اللسان ، وإن كانت هي الأصل في انْعِقَادِ العقود وَالْمَوَاثِيقِ ، فهي التي تحكي ما خَفِيَ فِي الجنان من الأسباب التي تَخْفَى فلا تُدْرَكُ إلا بظاهر يدل عليها إلا إن وردت قرينة تطعن في هذا الظاهر كما هي الحال في الإكراه في البيع أو الشراء أو النكاح ، فالأصل انعقادها بالإيجاب والقبول إلا أن ترد قرينة تطعن فيكون الإكراه الملجئ الذي يبطل دلالة العقد ، فـ : "لَيْسَ لِمُكْرَهٍ طَلاَقٌ" ، كما أُثِرَ عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، موقوفا ، وذلك مما يجري مجرى العموم المستغرق ، فتلك دلالة النكرة "طلاق" في سياق النفي بـ : "ليس" ، فانتفت الحقيقة والماهية في الخارج ولم يحصل منها ولو قدر به يثبت مطلق الحقيقة ، فضلا عن الحقيقة المطلقة فهي مما انْتَفَى من باب أولى ، فإذا انْتَفَى الأدنى فقد انْتَفَى الأعلى من باب أولى ، كما يقال في باب الإيمان ، فمنه مطلق أول لا يثبت جنس الحقيقة المجزئ إلا به ، فهو أدنى ما يصدق فيه أَنَّهُ إِيمَانٌ من اعتقاد ، وقول ، وجنس عمل يجزئ فلا يصدق فِي صَاحِبِهِ أنه تارك بالكلية لجزء من أجزاء الحقيقة الإيمانية وهو العمل ، ومنه الإيمان المطلق المجزئ في حصول النجاة المطلقة بلا سابقة عذاب وَعْدَ صِدْقٍ من الرب ذي الجلال والإكرام ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فذلك ما كَتَبَ على نفسه فلم يُكُرِهُّ أحد ولم يُمْلِ عليه غَيْرُهُ شرعة من جنس الشرعة الأرضية التي يُرَدُّ فيها الأمر إلى العقل فلا يكون العقل حكما في سن الشريعة التي تحكم البشر فكيف يضع العقل شرعة ومعيارا تحكم في رب البشر جل وعلا ؟! ، ذاتا ووصفا وفعلا وحكما ، فذلك مما يَنْتَفِي من باب أولى ، وذلك من وجوه التشبيه في الأفعال ، ومن عجب أن وقع فيها من تأول فعطل الصفات تَنْزِيهًا ، فَتَنَاقَضَ إذ كان في الوصف معطِّلا وفي الفعل ممثِّلا فلم يطرد طريقا في النظر وتلك عادة من خالف عن الوحي فلا بد أن يظهر في مقاله من التناقض بقدر ما بِهِ عن الوحي يخالف ، وذلك ما به يَسْتَبِينُ العاقلُ القدرَ الفارقَ بَيْنَ مرجع الوحي الذي أُمِرَ الكليم ، عليه السلام ، أن يستمع له ، ومرجع الوضع الذي يخرج من العقل ، فكلاهما كلام وشتان ، إذ كلام الوحي المنزل مما أحكم في الدلالة ، وما تشابه منه فلا ينقض الأصل وإنما ابْتُلِيَ به العقل في مواضع أن يَرُدَّ المتشابه من الفروع إلى المحكم من الأصول فيكون الاجتهاد المحمود لا الاجتهاد بِرَدِّ المحكم بالمتشابه معارضةً لا تخلو من الكبر أن يَنْقَادَ للحق ويسلم فيحصل له من كمال الاتباع ما يزيده ، لو تدبر العاقل ، شَرَفًا ، فخاصة العقل الشريف أن يؤمن بالغيب وإن لم يحده في الخارج بمدارك الحس الظاهر ، فلا ينفك يجد من آثاره ما يدل عليه ، ولا ينفك ، لَوْ تَدَبَّرَ ، يُجَوِّزُهُ فلا يحيله إذ لم يكلف بما لا يطيق أن يؤمن بما خالف عن العلم الضروري مبدإ أي استدلال صريح ، فقد يرد الوحي مرجحا في الجائزات التي لا يطيق العقل فيها إثباتا أو نَفْيًا ، فهو يجوزها فلا تخرج عن حد الإمكان في الخارج ، وذلك مما استوى طرفاه فلا بد من مرجح من خارج ، وقياس العقل أن المرجح في باب الغيب ومواضع الابتلاء مما لم يعقل معناه من أحكام التعبد ، أن المرجح في هذه الحال هو الوحي الذي يرجح من خارج ، وهو ، مع ذلك ، فد كَفَى العقل في معقول المعنى أن أَنْزَلَ الأصول المحكمة وأبان عن وجوه التعليل نصا يُنَقَّحُ أو معنى لطيفا يُخَرَّجُ ، ودل على الطريق المحكمة في القياس التي استعملها صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان ذلك من بلاغه وبيانه للوحي ، فأرشد العقول كيف تَقِيسُ وتتدبر فهي تتأول الأمر المنزل أن : (اعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ، فتحصل العبرة أن يجاوز الذهن بالمعنى ويعبر من الأصل إلى الفرع ، فكان أمر الاستماع إلى المرجع الذي يجاوز من خارج ، فوحده الذي يحسم نِزَاعَ العقول إن في الأصول أو في الفروع ، فكان الأمر بالاستماع وهو ما جاوز في الدلالة السمع ، فكان من زيادة المبنى ما يدل على زيادة تضاهيها في المعنى ، فالألف والسين والتاء في "استمع" مئنة من الطلب ، وجاء الأمر الذي خص به صاحب الرسالة عليه السلام مواجهة وعم بقرينة العموم في التكليف ، وذلك إما أن يَعُمَّ أفراد أمته فرسالته قد اقتصرت على قبيل يهود ، وإما أن تعم كل أمة وذلك ما يرجح في هذا الموضع بالنظر في فحوى الوحي التي أبان عنها السياق لاحقا : (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، فذلك تكليف استوت فيه الأمم جميعا فهو أول واجب على العبيد كلهم ، فـ : (لَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ، ولا تخلو دلالة "ما" في "لِمَا يُوحَى" ، لا تخلو من دلالة العموم ، فالموصول نص في العموم ، كما قرر أهل الأصول ، وإن خص هذا العموم ، بالنظر في اللاحق من السياق : (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، فذلك وحي مخصوص قد اقتصر على أصول العقائد من التوحيد وأصول الشرائع من الصلاة فهي أعظم الأركان العملية ، فيكون ذلك ، من وجه ، من الخاص الذي أريد به عام ، فذكر فردا من أفراد الباطن وهو التوحيد إذ هو الأعظم بل هو الأصل لما بعده ، فهو أصل الأصول ومصحح الفروع فلا تصح نية ولا قول ولا عمل إلا به ، وذكر فردا من أفراد الظاهر وهو الصلاة فهي أعظم تكليف عملي ، فهما أصلان يدلان على ما دونهما من أعمال الباطن والظاهر فاستغرقا الإيمان كله ، من هذا الوجه ، وهما ، لو تدبر الناظر ، فحوى الوحي النازل ، انقياد الباطن بالتوحيد وانقياد الظاهر بالصلاة ، فالعبادة هي ما بطن من أعمال الجنان وما ظهر من أعمال اللسان والأركان ، وهي الغاية من الخلق ، ولا تكون إلا بوحي ، إذ الأصل فيها التوقيف ، فلا تستمد أخبارها وأحكامها إلا من الوحي وذلك ، من وجه ، ما يُرَشِّحُ دلالة العموم في الموصول "ما" فيكون على الأصل وإن قصره السياق على جملة أولى من الوحي ، وهي أول ما أوحى به ، جل وعلا ، إلى كل رسول فالتوحيد هو أصل الأصول ، وقد حذف الفاعل في "يُوحَى" للعلم به ، بداهة ، فالموحي هو المتكلم الذي كُلِّفَ بالخلع تقديسا وبالاستماع توحيدا ، فكان وحي النبوة الذي يَنْزِلُ به روح القدس ، عليه السلام ، وذلك الأصل ، أو يكون ، كما في هذا الموضع ، كلاما بلا واسطة استحق به موسى عليه السلام وصف الكليم ، وذلك طور يفوق العقل والإلهام ، فليس حدسا أو نورا يقذف في القلب فذلك ما يحصل لأصحاب العلم والورع فيكون آية ولاية لا خاصة رسالة ، فالنبوة ، كما تقدم ، طور يزيد على الحدس ، فهي مرجع يجاوز من خارج ينزل به الملَك على أنحاء كما حدها من حدها من أهل الشأن ممن استقرأ النصوص فَجَمَعَ وجوه الوحي وأنواعه ، لفظا ورؤيا ونفثا في الروع وكلاما بحجاب كما في تكليم موسى ، وكلاما في السماء كما في تكليم النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المعراج على خلاف أكان الكلام كفاحا أم من وراء حجاب .

والله أعلى وأعلم .