اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: الصدق

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:02:33 PM

    المشاركات
    4,704
    العمر
    39

    الصدق

    ومن قوله تعالى : (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) ، فالوصل إما أن يحمل على العهد الخاص بالنظر في صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو الذي نَزَلَ عليه الوحي بمادة الصدق الناصح من كدر الكذب والظلم ، فجاء بصدق تجرد من الأهواء والحظوظ فكان معياره محكما لا يتطرق إِلَيْهِ شَكٌّ أو رَيْبٌ ، فلم يكن معياره أرضيا يقيم البنيان على مبادئ وقيم تأرز إلى مادة صلبة لا تقيم للعدل والرحمة وزنا ، فالإنسان قد تَحَوَّلَ إلى مَادَّةٍ وظيفية تخدم في المزارع والمصانع ، وَمَزَارِعُ العالمِ الجديد مطلع النهضة الحديثة على ذلك خير شاهد ، فقد حُمِلَ الرقيق إليها أرتالا ، ثم كانت السخرة وهي نوع شاق من العمل يمارسه الأحرار اختيارا رجاء الهجرة إلى أرض جديدة فيكون العمل ثمن الانتقال والاستقرار في الأرض الجديدة حتى يسد المهاجر ما عليه ، فلم يعد الإنسان في إطار النظام الأخلاقي المادي إلا سلعة يستفيد منها القوي بما يفرضه من ضرائب وما يقترفه من مظالم ، وما يجريه من تجارب ، كما أجرى من أجرى تجارب في فُنُونِ التعذيب الذي يَتَّخِذُ الصعق آلة بها يمحو الذاكرة ويعيد تشكيل النفس بما يحقق غاية القوي أن يستخدم الضعيف في تحقيق مآربه ، ولا يجد صاحب هذه القيم الأخلاقية المادية لا يجد غَضَاضَةً أن يقارف هذه الجرائم إذ معيار المنفعة معيارٌ واسع يَسْتَغْرِقُ كل أولئك بل وَيُضْفِي عليه مسحة فلسفة تُخَرِّجُهُ في صياغة عقلية محكمة ! ، فهي تسوغ الاستبداد كما يقول صاحب "هكذا تكلم زرادشت" ، فالأعراق العليا تحكم الدنيا بما منحها الله ، جل وعلا ، من التميز والتفوق فمناط الصدارة مناط الاختيار الإلهي ، فالسيد في العالم الجديد هو الذي يضع معيار الحسن والقبح وهو الذي يدرك النِّفْعَ والضر بما منح من سمات وهبتها له السماء فلا تقبل الاكتساب ، فمهما رامت الطبقات الدنيا أن تَتَفَوَّقَ ، فليست أهلا إلا للخدمة ، سواء أكانت عالمة أم جاهلة فالعلم لا يخرجها من طبقتها الدنيا وإنما يرفع درجتها في سلم الوظيفة ، فليست إلا مجموعا وظيفيا في إطار نظام أخلاقي مادي غايته تحقيق غايات السادة ، فهم الذين اختارتهم السماء ليحكموا العالم لا لحكمة توجب الاختصاص إلا أنهم طبقة عليا احتكرت لقب النخبة التي تمسك بأسباب السلطة والثروة ، فكان معيار الصدق الناصح ما جاء به الوحي النازل ، وهو الذي أبطل نظام الأخلاق في المذاهب المادية فجعل الإنسان غاية الإصلاح ، أن يصح تصوره وحكمه وأن يَنَالَ الحرية الحقة فَيَنْعَتِقَ من رق الطاغوت إن في العقد أو في الشرع أو في السياسة أو في الحكم ، فذلك الصدق المحكم الذي يبطل المتشابه من الأهواء والأذواق التي لم تسلم من الأغراض العاجلة ، فجاء به النَّبِيُّ الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَرِسَالَتُهُ معدن الصدق الذي لا يُقَامُ بُنْيَانُ حضارة أو سياسة إلا على أَرْكَانِهِ الراسخة ، فالصدق يثبت الحقائق ولا يسلك سبل الخداع والتمويه فلا يرضى النفاق منهاجا أن يكذب فَيُظْهِرَ خلاف ما يبطن ، فالكذب ، من وجه ، يواطئ النفاق ، فالكذب شعبة منه ، كما في الخبر المشهور ، والكذب ، من وجه آخر ، جنس أعم تندرج فيه آحاد فمنها النفاق فهو كذب يظهر صاحبه ما لا يبطن ، وثم من الكذب ما ضُعِّفَتْ مادته في اللفظ فهو تكذيب لحامل الخبر ، وإن صدقا ناصحا ، قد قامت الأدلة النقلية والعقلية على صحته ، فكذَّب إذ جهل ، وَكَذَّبَ إذ استكبر فَأَبَى أن يَنْقَادَ للحق أن خالف عن أهوائه وأغراضه ، فعلم صدق القائل أو الناقل إذ قامت الدلائل عليه واحتفت القرائن به ، ومن الكذب ما عمت جنايته ، فكذب المتنبئ مما ضل به أقوام ، وكذب الملك أو الحاكم مما ضلت به الرعية إذ يعدها وعد الشيطان ، فيعدهم الرخاء والنعمة وقد عطل الشرعة والملة ، فعطل صدق التوحيد ، أول واجب على العبيد ، وأول ما جاء به الصادق الذي حُدَّ حَدَّ الوصل صدر الآية : (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) ، فما يعد به معطل الشرائع يخالف عن كل معيار ناصح ، فلم يستوف من أسباب الخير ما يعم به النفع ، فلا هو جاء بالصدق أن يسلك جادة الوحي ، ولا هو جاء بالعدل في الحكم ، وإن في قسمة الحظوظ والعطايا على وجه تحصل به الكفاية في أمور المعاش ، فعطل العقد والشرع ، وعطل العدل والحق ، وعطل أحكام السياسة العادلة والإدارة الناجحة وإن في مسائل الدنيا الناجزة ، فكذب وغش الرعية ولم يقم معيار صدق أو عدل به يصان الملك فَلَمْ يجد إلا الظلم ليحصن ملكه ، وذلك من سوء التدبير أن يَتَوَسَّلَ إلى الشيء بضد ما يجب ، فالعدل وحده ما يحفظ الملك أن يزول ، والظلم ، وأعظمه تكذيب الوحي ونفي مادة الصدق الذي جاء به ، الظلم من آكد أسباب الفساد ، وهو في الغالب يقترن بِالتَّرَفِ والطغيان ، وكل أولئك من تكذيب الوحي الذي أمر بالصدق ، وذلك أمر يجاوز الصدق في الإخبار ، فقد صدق أهله فالرائد لا يكذب ، فأبان عن جادة محكمة في الملة والنحلة ، في الفكرة والشرعة ، فهو صدق ناصح قد سلم من شائبة الكذب والظلم ، فجاء صحيحا صريحا ، وجاء جملا من الأخلاق والغايات الكلية ، وجاء يفصل المسائل الإجرائية ، فلم يقتصر على مجمل من القول قد واطأ دلالة العقل ، وإنما زاد التفصيل وكان من بَيَانِهِ ما لا يطيقه العقل ، فالوحي طور يجاوزه ، وصدق الوحي إذ يخبر ويحكم ، يجاوز صدق العقل الذي قصرت مداركه فلا يحيط بالغيب وإنما غايته أن يدرك مجملات في الباطن ، وظواهر يرصدها الحس فلا يجاوز العقل ذلك ، فوجب أن يرجع إلى مرجع من خارجه يمده بالصدق ، فلا تسلم له عاقبة إلا بانتحاله ، فجاء الوصل يعم ، فدلالة "أل" في "الصدق" تعم العقد والشرع ، وتعم القياس الصريح الذي يواطئ دلالة العقل والحس السليم ، فصدق في حكمه أن جاء بمناط محكم به يحصل الخير والعدل ، وبه يفصل في الخصومات الدينية والسياسية ، فكل أولئك مما يدخل في حد الصدق .

    ودلالة الوصل صدرَ الآية تحتمل ، كما تقدم ، العهد الخاص وهو صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وذلك ما يقصر المعنى في "جاء بالصدق" على المجيء الأول ، مجيء الرسالة ، فذلك أمر لا يقبل الشركة فلا يكون إلا بِاصْطِفَاءٍ يَزِيدُ على اصطفاء الإيمان والولاية .... إلخ ، فالنبوة مما لا يكتسب ، ودلالة الوصل تحتمل ، من وجه آخر ، مناطا أعم يواطئ دلالة الموصول في الأصول فهو يعم كل من جاء بالصدق سواء أكان نبيا أم عالما تحمل إرثه ، أم حاكما يقضي بشرعه ، فكل من تحمل الصدق الذي تعم دلالته الخبر والإنشاء ، وإن كان ، بادي الرأي ، ينصرف إلى الخبر ، فهو في اصطلاح أهل الشأن من البلاغيين ، يحتمل الصدق والكذب ، بالنظر في ذاته لا فِيمَا يحتف به من قَرَائِنِ العصمة كما هي الحال في خبر الوحي ، فَثَمَّ قرينة من خارج احتفت بالخبر فارتقت به حتى أبلغته حد القطع ، فهو الصدق الجازم والعدل الكامل ، فالأمر يجري مجرى القسمة العقلية التي تَسْتَقْرِئُ أجزاء الحقيقة في الخارج ، فَثَمَّ جنس مطلق في الذهن وهو الخبر ، وهو مما تَنْدَرِجُ تحته آحاد ، فَثَمَّ خَبَرُ وحيٍ ، وَثَمَّ خَبَرُ بَشَرٍ ، فالأول قد عصم إذ نَزَلَ من العليم الذي أحاط بكل شيء علما فوضع معيار الحسن والقبح ، وأقام على الوحي من دلائل النقل والعقل والحس ما يقطع بصحته ، فحصلت به كفاية في العلم والعمل ، في السياسة والحرب ، في الأخلاق والزهد ، وهو بنيان اكتمل ، لَبِنَاتُه الآي والأخبار ، وله من عصمة الإجماع ما به نالت الأمة الخاتمة لقب الشهادة فَلَوْ أجمعت على خطأ في أصل أو في فرع ما صحت شهادتها لاحتمال الخطأ ، فذلك يشبه ، من وجه ، تجويز الخطأ في نقل المتواتر من الآي المنزَّل ، فلا يكون الآتي صدقا ، بل يحتمل الخطأ أو الكذب ، ولو على اصطلاح الحجاز فأهله يطلقون على الخطأ لقب الكذب قَصَدَ صاحبه أو سها ، فثم إجماع على المنقول من آي التنزيل المتواتر الذي نقل بين دفتي المصحف وهو ما يفيج العلم الضروري أن المنقول هو عين المنطوق الذي نَزَلَ زمن الرسالة بل المنكر لها الجاحد بها لا ينكر صحة النقل المتواتر وإنما ينكر نسبة المنطوق إلى الوحي ، فثم إجماع على هذا المنقول فلا يحتمل الخطأ في النقل لمكان العصمة إذ الحجة باقية بالكتاب ، وأهله لو أجمعوا على خطأ في أي مسألة من مسائل الديانة لكان ذلك حجة لخصومهم فما أدراهم أنهم صدقوا إذ دعوا الناس إلى التوحيد لاحتمال الخطأ فقد نظروا فأخطئوا بل وأجمعوا على خطإ ولو في فرع فما المانع أن يجمعوا على خطأ في أصل فتسري جناية الشك من الفرع إلى الأصل وذلك ما يفضي آخر أمره إلى هدم بنيان الدين بالإتيان على أصل من أصوله وهو الإجماع ، فتعظم المصيبة بإنكار الإجماع ولو على عدم الإجماع على باطل وهو أدنى درجاته ، مع تفصيل في هذا الباب ، فهو من أدق مسائل الأصول ، فثم من قصر الإجماع على عصر الشيخين أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، إذ كانت أعيان المجتهدين معدودة محصورة في بقعة واحدة فكانت حاضرة الإسلام في المدينة مأرز الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، أول قرن فاضل ، وترجمان الوحي الناطق الذي كان شهادة الصدق وتأويل الحق لهذا الوحي فكان الأمر بالاقتداء ، إما أمرا صريحا ، فـ : "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عُضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" ، فَلَهُمْ سُنَّةُ تُتَّبَعُ ما لم تخالف عن سنة الوحي فهي المعيار المحكم ، فمحل الاقتداء ما كان من أمور السياسة والمصالح وما كان من اجتهاد في النوازل ، كما يضرب المثل بأذان عثمان الأول يومَ الجمعة ، فهو أمر زِيدَ فيه عن الهدي الأول لا تحكما أو تبديلا لشعار الدين ، وإنما جَدَّ من سعة المدينة وانشعاب دوربها وأسواقها ما شغل به الناس عن الصلاة في أحيان بما يكون من الصفق في الأسواق فأراد الخليفة التَّنْبِيهَ فكان الأذان في الأطراف يرشد أهلها بقرب الوقت لِيَمْتَثِلُوا أمر الشرع أن : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، فقام الداعي الذي لم يكن في عهد الرسالة فذلك ما أخرج الأمر عن حد البدعة المحدثة فإنها لا تكون إلا مع انتفاء المانع ووجود المقتضى ، والمقتضى لم يكن زمنَ الوحي فكانت المدينة ضَيِّقَةً يكفيها أذان واحد فهو يَبْلُغُ كافة الأنحاء ، وسنة الخلافة الراشدة لا يدخل فيها محل الخلاف المعتبر ، فلا بد أن تسلم من قول يخالف له من الدليل ما يرجح ، إذ ما من أحد بعد صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا وله مسائل قد أفتى فيها بخلاف الحق ، فالأئمة المجتهدون في الشرع والسياسة سواء أكانت لهم سنة هداية أم كانوا من عامة المجتهدين ، الأئمة المجتهدون لا يحيط الواحد منه بالصدق كله الذي جاء به صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوحده الذي جاء بالصدق بشخصه ، وأما من جاء بعده فقد جاء بالصدق بالنظر في المجموع لا الجميع ، فالقوة المجموعة من أقوال المفتين في أي نازلة في الدين لا تخرج عن الحق آخر الأمر وإن أخطأ بعض المجتهدين فكان الخلاف سواء أكان له حظ من النظر أم كان خلافا ضعيفا لا يعتبر كالخلاف المحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما في إباحة المتعة وقد نسخت فخلافه يعارض نصا ، على خلاف هل ذلك مما نُسِخَ مرة أو نُسِخَ ثُمَّ أبيح يوم أوطاس ثم نسخ ثانيا فكان ذلك آخر الأمرين فهو المحكم الذي استقر عليه الأمر ، ولعل ذلك مما فقه ابن عباس ، رضي الله عنهما ، من التحريم ثم الإباحة لحاجة فأجراها مجرى الرخصة التي لا تكون إلا لضرورة فتقدر بقدرها ، فخلافه ، مع ذلك ، يعارض نصا وإجماعا وقعَ زمن عمر رضي الله عنه استنادا إلى النص الذي نَسَخَ إباحة المتعة على تفصيل في ذلك فقد يخطئ بعض المجتهدين فيكون الخلاف لا أن يخطئ جميع المجتهدين فلا يكون في مجموع الأقوال كلها قول الحق في المسألة فذلك ، كما تقدم ، مما يفتح الذريعة إلى التشكيك في مسائل الشريعة أصولها وفروعها وقد يكون الخلاف قبل إجماع يرفعه كما وقع بين الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، في حروب الردة فخالف من خَالَفَ كعمر ، رضي الله عنه ، حتى جاء ابن عمر بالصدق في هذا الخلاف ، فجاء بزيادة في الخبر توجب قتال الطائفة الممتنعة من أداء الزكاة على خلاف هل قتالها قتال الردة أم قتال البغي فمحل الإجماع هو القتال لا الحكم عليها بردة أو بغي ، خلافا لمن ارتد صراحة فثم محل إجماع على قتاله قِتَالَ المرتد ذي الشوكة ، فالمرتد إن كان واحدا اسْتُتِيبَ فإن رجع وإلا قُتِلَ ، وإن كان جماعة ذات شوكة قُوتِلَتْ ، وذلك ما قد يكون حال البغي مع الحكم بإسلام الطائفة الباغية كقتال الخوارج إذا سفكوا الدم واستباحوا الحرمات ، فجاء ابن عمر ، رضي الله عنهما ، وهو محل الشاهد ، جاء بالصدق الذي حسم النِّزَاعَ في هذا الخلاف ، فكان هو الجائي بالصدق في هذه النازلة فهو ، من هذا الوجه ، يدخل في عموم قوله تعالى : (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) ، بالنظر في الدلالة الأعم وهي دلالة الصدق سواء أجاء به نبي مرسل أم مجتهد مُفْتٍ أم حامل خَبَرٍ هو نص في محل النَّزَاعِ كما صنع ابن عمر ، رضي الله عنهما ، فخبره ، لو تدبر الناظر ، نص في محل النِّزَاعِ ، فكان الاختلاف الذي رفعه الإجماع الذي انعقد استنادا إلى الصدق الذي جاء به ابن عمر وكان فعلهم إذ أجمعوا على الحق لما جاءهم كان التصديق بالصدق ، فهم ، من هذا الوجه ، يدخلون في عموم قوله تعالى : (وَصَدَّقَ بِهِ) ، سواء أكان مرجع الضمير إلى الموصول صدرَ الآية فيكون التصديق بالذي جاء بالصدق ، وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنظر في العهد الخاص ، عهد الرسالة ، كما تقدم ، فلا يشركه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذه المنزلة فصدق الرسالة هو الصدق الجازم الذي لا يتحمله إلا نبي اصطفاه الرب ، جل وعلا ، أن يُبَلِّغَ رسالاته ، ويكون التصديق بالذي جاء بالصدق إن لم يكن نبيا إن كان عدلا ضابطا تُقْبَلُ روايته كحال ابن عمر فهو من الصدر الأول الذين زكاهم الوحي فلا مطعن في عدالته وهو الضابط وإن واحدا فقبل الناس زيادته فهي زيادة الثقة الذي جاء بما لا يخالف رواية الجمع الكثير فجاء بزيادة علم ليست عندهم فأخبرهم بما اشتبه عليهم في هذه المسألة ، فَتَوَفَّرَتْ في زيادته شروط القبول فحاملها عدل ضابط لم يخالف الجمع الكثير وإنما زادهم من العلم ما ينفع وبه ارتفع الخلاف فانعقد الإجماع بعد الخلاف استنادا إلى هذه الزيادة الصحيحة ، والإجماع بعد الخلاف يَرْفَعُهُ ، كما قرر أهل الشأن ، وقد يكون مرجع الضمير إلى الصدق الذي تقدم ذكره ، وهو مما تُصِيِّدَ من السياق المتقدم ، من مادة الفعل : (وَصَدَّقَ بِهِ) ، فصدقوا بالصدق الذي جاء به ابن عمر ، وهو صدق آحاد ، فالفعل قد أطلق فَعَمَّ الصدق كله ، آحادا أو متواترا ، نصا أو ظاهرا راجحا ..... إلخ من الصدق في اللفظ والمعنى فكله مما يجب تصديقه لمكان العصمة أن يكون إجماع على خطأ فلا بد من حامل للحق الذي به يُحْسَمُ الخلاف في مسائل النِّزَاعِ كلها ، فإن وقع الإجماع صحيحا فلا اعتبار بخلاف يليه إذ الخلاف بعد الإجماع لا ينقضه ، ولذلك كان من شروط الاجتهاد المعتبر أن يكون صاحبه عالما بمواضع الإجماع لئلا يخرقه ، وإن عذر إذ لم يبلغه فاجتهد في أحيان فخالف عنه ، فلا يعتد بخلافه إذ نقض الإجماع المعتبر ، لا الإجماع المدعى فَثَمَّ من يتوسع في حكاية الإجماع ، وذلك إنما يكون من نقص الاستقراء لأقوال المجتهدين في المسألة ، فإن خالف بَعْدَ إجماع فقوله يرد واجتهاده يُلْغَى وإن كان من أهل الفضل فيعتذر عنه إذ لم يبلغه الإجماع فاجتهد أن ظن الباب باب خلاف يسوغ كما وقع من ابن عباس رضي الله عنهما إذ خالف فاباح المتعة ، ولو رخصةً لمن خشي العنت ، فخالف بعد إجماع ، والخلاف بعد الإجماع لا ينقضه ، فإن حصول القطع الذي يستفاد من الضرورة العلمية الحاصلة بإجماع أهل التواتر في النقل ، وأهل الاجتهاد في الفقه ، هذا العلم الضروري يوجب الصدق في نفس الأمر ، الذي جاءت به الرسالات جميعا ، فدلالة الوصل في "الذي جاء بالصدق" ، من وجه آخر ، لا تقتصر على الرسالة الخاتمة وحدها وإنما تعم جميع الرسالات وإن كانت الرسالة الخاتمة آكدها في الدخول فلفظها هو المذكور ومعناها هو الذي استغرق جنس الصدق كله ، خبره وحكمه ، والعموم يستغرق ، أيضا ، جميع أتباع الرسالات ، وإن كان أتباع الرسالة الخاتمة آكد الأفراد دخولا في عموم "صدق به" ، فتصديقهم أعم إذ هو الحجة الباقية ، فما صدقوا إلا بالحجة الخاتمة التي تكفل الله ، جل وعلا ، أن يحفظها فخلق لها من الصدور ما يتحملها ، وخلق لها من السطور ما يحوي لفظها ، وخلق لها من العقول ما يفقه حجتها فلا تغيب من الأرض وإن خفيت فلا بد ، كما تقدم ، من قائم لله ، جل وعلا ، بها ، ولو في دقيق المسائل فضلا عن جليل النوازل ، فالإجماع عصمة ولو كان إجماعا على عدم الإجماع على باطل ، فضلا عن الإجماع إيجابا في مسألة سواء أكان إجماع النطق أم إجماع السكوت ، إجماع التواتر فهو حجة قاطعة أو إجماع الآحاد فهو حجة غالبة .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:02:33 PM

    المشاركات
    4,704
    العمر
    39

    فآحاد المجتهدين ليست بمعصومة إذ ذلك وصف اقتصر على أصحاب الرسالات عليهم السلام ، فوحدهم من نطقوا بالصدق المحقق ، لا أن غيرهم من خيار المجتهدين من الخلفاء والأئمة كَذَبَةٌ ، وإنما قد يخطئ المجتهد في النظر والاستدلال ، فليس بِرَاجٍ عصمة ، وإنما العصمة لقب اختص به ، جل وعلا ، أصحاب الرسالات ، عليهم السلام ، فكانوا حملة الصدق الناصح الذي سلم من الكذب والجور ، من الخطأ والعمد ، فمادته مادة شهادة على الأمم ، وقد جمعت هذه الشهادة في شهادة الأمة الخاتمة إذ اختصت ، كما تقدم ، أن إجماعها حجة قاطعة ، وخلافها مأمون العاقبة فلا يخفى عليها الحق لا في أصل ولا في فرع ، وإن خفي الحق في أعصار وأمصار فلا بد من قائم لله ، جل وعلا ، بحجته الناصحة الناصعة التي يستبين بها الحق لمن أنصف فَرُزِقَ إخلاصا في طلب الحق وعلما به يَمِيزُ الصواب من الخطأ ، والراجح من المرجوح في مسائل الخلاف ، فلا يوجد في فِقْهِ الرسالة المدون أو اجتهادها المتجدد الذي استوعب الجاد الحادث من نَازِلِ الشرع والسياسة والحرب والاقتصاد والأخلاق ..... إلخ ، لا يوجد فيه محل خلاف إلا وللحق فيه مجال بقول هو الحق إذ واطأ الدليل الصحيح الصريح ، إما منطوقا وإما مفهوما ، سواء أكان قول الجمهور أم قول واحد من المجتهدين ، وإن خالف المشهور المتداول فمناط الأمر ليس شهرة القول أو ذيوعه ، وإنما مناط الأمر أن يوافق الحق بدليله ، فذلك معيار العصمة فهو يرجع آخر الأمر إلى ما جاء به صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الصدق ، فكان إجماع أتباعه ، وَلَوْ ألا يجمعوا على خلاف الحق ، كما تقدم ، وكان من محال الإجماع ما انضبط على خلاف بين أهل الأصول بين مُوَسِّعٍ وَمُضَيِّقٍ ، فلم ينكر أحدهم حجية الإجماع استنادا إلى منصب الشهادة الذي يستوجب العصمة ولا تكون العصمة أن يقع الإجماع على كل مسألة من مسائل الفروع ، بل الخلاف في كثير منها ثابت ، حتى قال من قال من الأئمة المحققين : من ادعى الإجماع فقد كذب ، فما يدريه لعل الناس اختلفوا ، ولكن لِيَقُلْ : لا أعلم مخالفا أو لا أعلم فيه خلافا ، وذلك من الورع في حكاية القول إذ لا يدعي مجتهد أنه قد استقرأ الأقوال كلها ، فَثَمَّ استقراء أغلبي يفيد ظنا راجحا يجزئ في الفتوى حتى يظهر من القرائن ما يرجح خلاف ما أفتى به ، فيرجع عن فتواه الأولى إذ ظهر له من الدليل ما يخالف ، فَفَتْوَاهُ اللاحقة تنسخ السابقة لا تَحَكُّمًا وهوى ، وإنما رجوعا إلى الحق الذي تَأَيَّدَ بالدليل فهو مناط الصدق الذي جاءت به الرسالة وهو معيار الحكم الناصح الذي يفصل في خصومات الاجتهاد والفتوى ، فلكلِّ مفت دليل سواء أكان من المنطوق نصا أم من المفهوم قياسا ، وقد يغيب عن آحاد من المفتين دليل في المسألة هو نص في محل النِّزَاعِ ، فلا يغيب عن غيره ، ولو غاب عن جمع من المجتهدين في مصر فلا يغيب عن غيرهم في آخَرَ فلا تخلو الأرض من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة في جميع مسائل الشرع ، إن في الأصول أو في الفروع ، فالأصول محل إجماع صريح لا يخالف فيه إلا ضال لا يعتد بخلافه ، بل ثم من أهل القبلة من فارق السنة في الأصول الجليلة فلا يعتد بخلافه لا في فرع ولا في أصل من باب أولى فقد جاء بكذب يقدح في أصل الملة ، إن في نقلها فقدح في عامة من نَقَلَ بل وجعلهم من القبيل الذي ارتد وكفر فلا تقبل روايته ولا شهادته ولو في حزمة بَقْلٍ ! ، وذلك لو تدبر الناظر هدم للدين بِتَزْيِيفِ أدلته ، ولو متواترة ، فمن نَقَلَهَا هو الجمع الكثير عن مثله ، وأصل الإسناد جَمْعٌ شَهِدَ الرسالة تَنْزِيلًا صحيحا وتأويلا صريحا فَعَلِمَ من قرائن الشهود ما لم يعلم الخلف فاستفاد من العلم ما لم يستفد من أتى بعده ، إذ له من العلم باللسان وقرائن الحال ما ليس لغيره ، وله من تعديل الوحي ما ليس لغيره ، فلا يُسْأَلُ عن عدالته إذ زكَّاه الوحي وكفى به مُزَكٍّ للنقلة ، فغيرهم لو تواتر في الناس فضله وورعه وضبطه وحفظه فعدالته تجري مجرى المتواتر فيقبح السؤال عنها ، فكيف بمن عدله الوحي ؟! ، وذلك ما يجعل إجماع الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، مناط عصمة لا بالنظر في آحاد المجتهدين وإنما بالنظر بالمجموع المركب من أقوالهم ، فالمجموع من الأقوال يفيد من قوة الاستدلال ما لا تفيده الآحاد ، سواء أكان الإجماع تصريحا باستقراء أقوال المجتهدين جميعا ، وذلك ما يَنْدُرُ وإن في عهد الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فالصورة المشهورة المتداولة أن يفتي مجتهد وَيُقِرَّهُ الباقون ، ولو بالسكوت ، مع انْتِفَاءِ شبهة الإكراه ، وذلك ما لم يعهده الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فقد قاموا بأمر التوحيد جدالا وجلادا وفارقوا لأجله الديار وناجزوا العرب والعجم العداوةَ على قاعدة الدين والرسالة فلا يجوز في العقل فضلا عن الشرع أن يحجم أولئك عن قول الحق في محل خلاف إن رأوا انحرافا أو حيدة عن الحق ، ولو تأويلا سَائِغًا في مسائل الفروع ، فكان المفتي يُفْتِي على المنبر إن كان إماما ذا ولاية ، أو يُفْتِي في نازلة خاصة سواء أَسْتُفْتِيَ صراحة أم قال في الباب بِرَأْيِهِ أن لم يَبْلُغْهُ فيه نص فكان من النَّوَازِلِ المستجدة التي يسوغ فيها الاجتهاد ، فكانت الفتوى تصدر عامة ، كما أفتى عمر ، رضي الله عنه ، على المنبر بحرمة المتعة وأفتى برجم المحصن ، ولم يكن ذلك بداهة بلا مستند من الصدق الذي جاء به صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فأفتى الفتوى العامة ولم يخالفه أحد مع ذيوع الفتوى واشتهارها فكان ذلك إجماعا في عصر يسهل فيه حصر الأقوال إذ أعيان المجتهدين ، كما تقدم ، محصورة في بلد واحد ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، كما قَرَّرَ أهل الأصول والنظر ، والحاجة إلى البيان بعد فَتْوَى تَعُمُّ بِهَا البلوى ، حاجة ماسة ، فلا يجوز تأخير البيان عن وَقْتِهَا ، فَلَوْ كان فيها ما يخالف الوحي ما وسع مجتهدا أن يسكت ، فلما سكت الجميع أفاد ذلك علم اليقين ، وإلا أجمع الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، على الخطأ فسقطت عدالتهم وبطلت شهادتهم ، وهم أول طباق الأمة وخيرها وهم ، كما تقدم ، أولى حلقات الإسناد ، فتجويز اجتماعهم على باطل يستلزم من لوازم الفساد ما يهدم حجة الرسالة الأولى ، معدن الصدق الذي جاء به الوحي ، وهو التنزيل المتواتر فَلَوْ جاز سكوت الجمع الكثير المتواتر على خلاف الحق في نفس الأمر ، سواء أتقصدوا فتكون الجناية أعظم أم كان السهو فغفلوا عن الحق ، فلو جاز ذلك في فتوى عامة أو خاصة فما يمنعه في نقل الوحي المتواتر ، وهو أصل الأصول ، فلا يجوز ذلك في حق أي طباق فكيف بأول الطباق وخيرها وهم أصل الإسناد الذي إذا انقطع انفرط عقد الدين كله ، أصله وفرعه ، فكان الإجماع حجة اختصت بها هذه الأمة ، لعظم التكليف بالتبليغ والتبيين وفتح الأمصار لهدم الأديان التي استعبدت البشر لغير خالقهم ،جل وعلا ، وَعِظَمِ التكليف ، من وجه آخر ، بإقامة شهادة الحق على عامة الخلق ، فهم ، من هذا الوجه ، واسطة بين الحق والخلق يبلغونهم ما نَزَلَ عليهم من الحق ، جل وعلا ، من كلم الصدق والعدل ، فهم ، من هذا الوجه ، يدخلون في عموم الوصل في قول الرب جل وعلا : (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) ، فقد بَلَّغَهُم الرسول الأرضي ما بَلَّغَهُ الرسول الملكي عن الرب العلي ، جل وعلا ، فكان الملَك واسطة بين الحق والرسول البشري الذي اصطفاه الرب ، جل وعلا ، من الخلق ، ثم صار هذا الرسول البشري واسطة بين الحق وعامة الخلق ، ثم كان أصحابه المقربون وحملة رسالته من خاصة أمته ، وهم الطباق الأول الذي شَهِدَ التَّنْزِيلَ ، كما تقدم ، وكان له من فقه الوحي ما رجح غيره إذ نَزَلَ بِلِسَانِهِ فلم يحتج ما احتاجه المتأخرون أن يحرروا قواعد اللسان لَمَّا خالطه من العجمة ما أفسده ، وكان له من شهادة الوحي بالعدالة ما أغنى عن أي تعديل ، فَتَحَمَّلَ هذا الطباق أعظم أمانة أن يُبَلِّغَ الرسالة وَيُبَيِّنَ أحكامها ، وأن يفتح الأمصار ويقوض الطغيان الذي يحول بَيْنَ الناس والحق المنزَّل ، فثم طغيان الفكر الذي يزيف الحق ويقبحه في الأذهان ، فذلك حقه الجدال بالحجة والبرهان ، وثم طغيان السيف الذي يُرْهِبُ الناس وهو سلطان الدولة التي تقمع المخالف بسلطان الولاية العامة ، فَلَهَا حكم في الخاصة والعامة ماض وإن لم يستأثر به إلا الخاصة بما لهم من أسباب القوة الصلبة والناعمة فهم الأغلب في الحكم وإن كانوا الأقل في العدد بما لهم من نفوذ السياسة والحرب والمال ، فهم نخبة الحكم إذ استجمعوا أسبابه ، فوحدهم من يضع الشرع ، ووحدهم ، كما يقول بعض المفكرين ، من يعلن حال الطوارئ ! إن أحسوا بأي خطر داهم يهدد ما أقاموا من بُنْيَانِ الملك ، فذلك طغيان مستحكم تظهر آثاره في الأرض فلا يقتصر على فضاء الفكر ، فلا يحسم مادته إلا السيف والسنان ، ولكل طغيان من الأسباب ما يقمعه ، وإنما يكون النقص إذا استعمل سبب في غير موضعه ، فلا يستعمل جمال الجدال في مواضع الجلال في الجلاد ، ولا يعكس الأمر فيقتصر من يقتصر على الجدال ويزعم أنه كاف في حصول البلاغ والبيان ، وإن كان هو الأصل والمبدأ ، فذلك ما صنع النبي الأعظم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلم يبدأ بالجلاد إلا إن انقطع سبيل الجدال ، فكان الجدال مبدأ البعثة أن : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) ، وذلك مما واطأ قياس الحكمة فكان الواجب آنذاك الدعوة إلى الحق بالجدال والموعظة وحرم حمل السيف لئلا تكون المقتلة العظمى في قبيل لما يستوف أسباب الشوكة ، ثم كان الانتقال إلى الجلاد لما انقطع سبيل الجدال ، وصار لأهل الحق شَوْكَةٌ تُجَالِدُ ، فكان الانتقال من الحجة والبرهان إلى السيف والسنان ، فقبل السيف والسنان كانت الحجة والبرهان ، فاجتهد النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدعو قومه سلما ، وذلك محل الاقتداء حال الضعف ، ثم كان سن الحرب بعد الحظر ، فكانت الإباحة فالأمر دفعا ، ثم كان الطلب غزوا بعد الخندق ، فكان الفتح الأعظم ، فذلك محل الاقتداء حال القوة والمكنة وحصول الشوكة المعتبرة ، ولكلِّ حالٍ بَعْدَ ذلك من الحكم ما يلائمها فذلك مناط الحكمة أن يجتهد النظار في كل نَازِلَةٍ في السياسة والحرب ، فيحكموا في كل نازلة بما يَلِيقُ بوصفها ، فالجمال بالجدال يحسن في مواضع ، والجلال بالجلاد يحسن في أخرى ، فلا يوضع الندى في محل السيف ، فوضعه آنذاك يضر كما العكس ، فـ :
    وَوَضْعُ النّدى في موْضعِ السّيفِ بالعلى ******* مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى .

    وكان بعث الرسل إلى الملوك جدالا بالتي هي أحسن فبعث صلى الله عليه وعلى آله وسلم اثْنَيْ عَشَرَ رسولا إلى ملوك العرب والعجم في زمانه فأقام عليهم حجة الجدال ، ثم كان الفتح بالجلاد ، ولم يكن ثم إكراه في الدين أن يُحْمَلَ الناس على الحق حملا ، وإنما شرع لهم من الجزية إقرارا بسلطان الوحي فهو الذي يحكم الأرض ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، قياس العقل الناصح ، فأولى الشرائع بحكم الأرض ، شرع من خلقها وَدَبَّرَ أمرها فذلك من التلازم الصريح كما اطرد مرارا من التلازم الوثيق بين الربوبية تدبيرا والألوهية تشريعا ، وليس ثم أمة ذات رسالة ، وإن أرضية محدثة ، فهي جمل أفكار صنعها عقل فلسفي يضع نظاما في الحكم والسياسة والحرب والاقتصاد وما ينتظمها من معيار الأخلاق ، فهو معيار لا يقتصر على ما يتبادر إلى الذهن من الأخلاق الخاصة بل هو معيار يعم سائر العلائق الخاصة والعامة ، بل الْخُلُقُ العام وهو مصدر الإلهام في التشريع ليس إلا صورة مجموعة من الأخلاق الخاصة ، فليس ثم أمة ذات رسالة ، ولو أرضية ، لا تحمل عبء التأسيس لها ثم الانتصار لها من خصومها ثم فتح الأمصار باسمها فهي ترى نفسها الرسول المنقذ الذي ابتعثته العناية الإلهية لإصلاح البشرية وتهذيب أخلاقها وطبائعها ..... إلخ ، فذلك محل إجماع بين الأمم ، فمن لم يَغْزُ غُزِيَ في عقر داره ، إن بالفكر الوافد أو بالسلاح النافذ ، فتلك سنة التدافع التي أقام عليها الخالق ، جل وعلا ، الدنيا ، فإذ كان الفتح ضرورة فهو سنة ربانية في منهاج الوحي ، وحتمية تاريخية في منهاج الوضع ، فإذ كان الفتح ضرورة فلا يقبع أحد بأفكاره في بلاده ، بل لو وجد الفرصة تسنح لَبَشَّرَ بها سلما أو حربا ، وإنما يقبع خلف حدوده حينا حتى يأنس قوة تدفع العدوان ، ثم إذا بلغ البنيان واكتمل فهو يبادر بالغزو ناعما أو صلبا ، وتلك ، كما تقدم ، سنة جارية في كل جيل ، ومن تأمل حال العالم الجديد وما مَرَّ بِهِ من أطوار التكوين ثم التمكين لعلم يقينا وهم ما اصطلح أنه الدولة القطرية ذات الحدود فلم تنسخ الدولةَ الفاتحة التي لا حدود لها ، إن في أفكارها أو في سلطانها ، سواء أحكمت أصالة أم أنابت عنها من يحكم من نُخَبٍ قد انتحلت مبادئها وحصل لها من قوة الحرب ما به تقمع المخالف إن لم تطق مغالبته في ساحة الجدال فليس إلا السيف الحاسم لمادة المخالف وإن أظهر حامله التسامح فهو يَبَشُّ في صورة ويقتل في أخرى وشتان الوجهان ، فالدولة المركز الآن تزعم أنها ذات حدود وسياج وهي ، مع ذلك ، تجاوز بأفكارها وأساطيلها ، فتفتح البلاد طوعا أو كرها ، وتغزو بالفكرة تارة وبالسيف أخرى ، ولكل ميدان ما يلائمه من سلاح الغزو الناعم أو الصلب ، وهي ، مع ذلك ، تَزْعُمُ أنها حاملة الصدق والعدل ، وإن أرغمت المخالف أن يَتَحَمَّلَ رسالتها فأكرهته على دينها ، ولم تُرِدْ به الخير أن يقاسمها الحق الذي تَزْعُمُ انتحاله بل لا يَنَالُهُ منه إلا حظ العبد من السيد الذي احتكر السيادة وإن بطلت حجته ورهق سيفه فأمعن في القتل والسفك وانتهاك الحرمات ، فإذ كان الفتح حتما لازما بالسنة الربانية النافذة ، فقد جُبِلَ البشر على التدافع بالأديان والأبدان ، فإذ كان ذلك حتما لازما فليكن تاريخ الأمم حكما بَيْنَهَا فهو يصدق الصادق الذي جاء بالصدق ، ويكذب الكاذب الذي زعم الحق وقد تَلَبَّسَ بضده ، فليس الإشكال في السنة الربانية أن تقوى الأمم تارة فَتَفْتَحَ وتضعف أخرى فَتُفْتَحَ ليكون الحل إبطال السنن الكوني والشرعي واستبدال خيار في السياسة زائف لم يمتثله من وضعه فإن زعم احترام الحدود وإحسان الجوار ومنح الحق في تقرير المصير ..... إلخ ، فقد كان أول من احتل الأمصار وسعى في إبطال الأديان وحرب اللغات والثقافات وانتهاب الثروات مع زعمه أنه يحترم السيادة الوطنية ويسعى في نشر الرسالة الحضارية التي احتكر مادتها ، فهو أول من أبطل مقاله بما قبح من فعاله ، فَعَلَامَ يكون الإنكار والتثريب على أهل الفتح الأول الذين حملوا الصدق المنزَّل أو التلطف بمقال دقيق يروم نزع الفتيل ! ، فيجعل الدولة الفاتحة خيارا قد انقضى فلا يصلح في هذا الزمان ، زمان الأفكار والمبادئ ..... إلخ ، وليس ثم ما يمنع الجمع فإن الفتح جنس عام يستغرق النوعين ، فتح الأفكار وفتح البلدان ، فعلام الاقتصار على وجه دون آخر خشية أن يُنْبَزَ القائل بالإرهاب والتطرف ، وخصمه يمارس من الفتح ما ينكره عليه ، بل ويزيد فهو يطغى ويظلم وإن زعم أنه يُحَدِّثُ وَيُطَوِّرُ فتلك حجة الاحتلال الحديث في غزو البلاد واستنزاف ثَرَوَاتِهَا ، والتاريخ ، كما تقدم ، حكم عدل بين الفتوح ، فالدعوى واحدة ، نشر الحق والحكم بالعدل ، والشهود عليها تختلف ، والتاريخ حكم بين من جاء بالصدق من أتباع الرسالات ومن صدق به من أتباع الوحي ، فالتاريخ حكم بينهم وبين حملة الرسالات الأرضية التي جعلوها ذريعة الاحتلال والانتهاب ، فلا بد من الرجوع إلى معيار محكم حال الفصل في الخصومات ، فَفِي صدق الرسالة ما به تطمئن النفوس إذ تَخْتَصِمُ إلى الوحي ، فلا أبشع ولو بلازم القول أن تقصر على زمانها فيكون الفتح أمرا يواطئ زمانه فقد انقضى وليس يصلح في هذا الجيل ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أَثَرٌ من آثار الانهزام أمام القوي الغالب ، فيلجأ الضعيف أن يتأول أحكام الجلال في شريعته لعل القوي يَرْضَى ، وليس يُرْضِيهِ إلا أن يكون الضعيف له تَبَعًا بل وعبدا إن استطاع ، فذلك ما جبلت عليه النفوس من الطغيان إن استبدت بأسباب القوة ولم يكن لها ما يهذبها من أسباب الشرعة والحكمة ، فليس الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، تَمَثُّلًا تاريخيا قد انقضى زمانه بل هو معيار الإيمان المحكم الذي عم الاعتقاد والقول والعمل ، وسائر الحكومات في القضاء والسياسة والحرب والاقتصاد والأخلاق ..... إلخ ، فـ : (إِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) ، وليس الوحي ، كما تقدم مرارا ، رَدَّ فعل لواقع ، وإنما هو الحكمُ من خارج ، المصلحُ الذي يُغَيِّرُ ولا يَتَغَيَّرُ فهو ثابت محكم يقضي فيما تشابه من الأحوال ولو كان رد فعل ما جاز لمن يروم الإصلاح أن يُغَيِّرَ بطريق من سياسة أو حرب تخالف ما عليه الحال وإن فاسدة ، فمادة التغيير لا بد أن تكون فعلا يبدأ لا رد فعل ، وقصر الوحي على زمانه إبطال لحجية الرسالة الخاتمة فَلَهَا من عالمية الزمان والمكان ما جعلها معيار التوحيد والتحرير من عبادة البشر ، ومعيار التشريع العادل الذي يخرج الناس من شرائع الوضع الجائرة إلى شرائع العدل النازلة ، فلا يكون النظر في المستقبل حاجبا يحول دون استلهامٍ من الماضي ، فهو معدن الحكمة النازلة بما حفظ من الوحي وسطر من الفقه ، وإن كان الفقه محل خلاف في فروع كثيرة إلا أنه عنوان بحث صريح بأصول محكمة هي معيار النظر والاستدلال فمنها يَتَفَقَّهُ المجتهد وإن لم يكن لها عصمة تضاهي عصمة الوحي المنزَّل والإجماع المحقق ، فتلك دعوى حداثة قد كسيت لحاءً يخدع أن يكون النظر في المستقبل ولو بنظر وحي ورسالة فلا بد من معيار يرجع إليه الناظر ، وهو ، كما تقدم ، معيار الطباق الأول ، معيار : (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) ، لا جرم كان القدح في عدالة الصدر الأول ، أو القدح في إجماعهم مبدأ شر عظيم يروم صاحبه هدم الدين ، عَلِمَ أو جهل ، فلا يكون الحق إلا بالرجوع إلى أصول الوحي المحكمة وشرائعه المفصلة ، مع النظر في قرائن الحال فهي مما يعتبر في أي تأويل أو تحكيم ، وذلك ما نص عليه أهل الأصول والنظر أن جعلوا المصلحة والعرف من أصول التشريع وإن حدوه بسياج محكم ألا يخالف أصلا كليا أو حكما جزئيا ، فالرجوع إلى هذه الأصول المحكمة هو الرجوع إلى الصدق الذي جاء به الوحي ، والرجوع إلى طرائقه وقرائنه هو الجادة التي يسلكها من رام الحق دليلا ودلالة .
    وقد جاء الخبر يعم الآتي بالصدق والقابل له تصديقا به ، وهو ما أطلق فعم تصديق الباطن تصورا واعتقادا وإرادة ، وتصديق الظاهر قولا وعملا ، فصدق الرسول إذ بَلَّغَ وَبَيَّنَ ، وصدق الصديق ، رضي الله عنه ، إذ صدق به على القول إن العهد في الآية حاصل ، وإن كان ذلك لا يمنع دخول غيره فإن الحكم قد أنيط بوصف وهو الصدق وهو ما يصدق في الصديق ، رضي الله عنه ، وفي غيره فليس وحده من صدق بالوحي وإن كان له في هذا الوصف الشريف ما ليس لغيره فهو آكد أفراد العموم دخولا فيه ، وإن دخل غيره فَأَفْرَادُ العام وإن شملهم بحكمه إلا أَنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ في حكمه ، فبعضهم أمكن في الوصف الجالب للحكم من بعض ، فَلَئِنِ اتَّصَفُوا جميعا بالصدق ، فبعضهم أصدق من بعض ، إذ الإيمان يَتَفَاوَتُ وَلَوْ بِقَصْرِهِ على نظر الجنان تدبرا في الآي ، فيحصل لواحد من المصدقين المؤمنين من ألفاظ الأدلة ووجوه الاستدلال ما لا يحصل لآخر ، وكذلك الشأن في النظر في آي التكوين استدلالا على وجوه من القدرة والحكمة توجب إفراد رب العزة ، جل وعلا ، بكمال التأله الباطن والظاهر ، فحصل التفاوت وإن اشتركا في أصل التصديق فهو ، كما تقدم ، جنس مطلق في الذهن ، آحادُه في الخارج تَتَفَاوَتُ فالقيد يَمِيزُ بَيْنَ الآحاد في الخارج ، فبعضهم أصدق من بَعْضٍ ، ومن ثم جاء الخبر الذي حُدَّ حَدَّ الاسمية في قول رب البرية جل وعلا : (أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) ، وهي مئنة من الثبوت فضلا عن القصر بتعريف الجزأين "أولئك" و "المتقون" وضمير الفصل "هم" ، ولا تخلو الإشارة من معنى التعظيم ، فالإشارة إلى البعيد في هذا السياق مئنة من رفعة الدرجة ، وإن كانت إشارة البعيد في موضع آخر مئنة من سفل الدركة ، فهو ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الأضداد ، وهو من أشد أجناس المجمل إشكالا إذ يحتمل اللفظ في نفس الآن ، المعنى وضدَّه ، فلا بد من قرينة في السياق تعين أحدهما كما عَيَّنَتْ وجه التعظيم في هذا السياق ، ولا تخلو "أل" في "المتقون" ، من دلالة عموم يستغرق أجناس التقوى جميعا ، فهي مئنة من العموم المعنوي المستغرق لوجوه المعنى الذي اشتق منه الاسم ، ولا يخلو اللفظ ، أيضا ، من دلالة تغليب فهو يعم كل من اتصف بالتقوى من المكلفين رجالا كانوا أو نساء .
    ولا يخلو السياق من وجه يستأنس به من يقول إن أقل الجمع اثنين فقد أخبر عن اثنين ولو بالنظر في الجنس العام ، الآتي بالصدق في شق ، ومن جاء به في آخر ، فأخبر عنهما باللفظ المجموع إن في الإشارة "أولئك" أو في ضمير الفصل "هم" أو في الخبر "المتقون" .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •