مما يطرد في مقال النظار أن سنة التاريخ أمر يَتَكَرَّرُ ، وذلك ، كما يذكر بعض الفضلاء ، مناط خلاف بين النُّظَّارِ في حركة التاريخ ، فَثَمَّ من يقول إنه دورات تَتْرَى بإذن الرب الأعلى ، جل وعلا ، لا على ما قال الدهرية الدورية ، إذ قالوا بِالتَّنَاسُخِ ، فَيُعَادُ الخلق بلا خالق ولا مدبر ، فتكرار السنة الربانية يغاير عن ذلك إذ لا يخرج عن حد المشيئة النافذة ، وهو ، مع ذلك ، جار على سَنَنِ القياسِ الصريح إذ الأحكام فيه تُنَاطُ بِعِلَلِهَا ، فَثَمَّ معنى يَدُورُ معه الحكم وجودا وعدما ، وذلك ما تستوي فيه جميع الأحكام معقولة المعنى كما في الجوع والعطش ، فإذا وجد السبب من نقص الطعام أو الماء وجد المسبَّب من الإحساس بالجوع أو العطش ، وإذا أكل الجائع وشرب الظامئ زال السبب الجالب للحكم ، فارتفع الحكم فلا جوع ولا عطش وإنما شبع وَرِيٌّ ، وكذلك الشأن في سُنَنِ التاريخ والسياسة ، كما يضرب بعض الفضلاء الْمَثَلَ بأصلٍ يطرد في أمور الحكم والسلطان ، فالطغاة يمهدون للغزاة ، كما يضرب صاحب "الكامل" ، رحمه الله ، المثل بجلال الدين ملك خوارزم وكان ذا عزم وشكيمة ، وكان طاغية في السياسة والحرب ناصب جيرانه العداوة المستحكمة ، وَسَعَى في التَّضْيِيقِ عليهم ، فَكَرِهَهُ ملوك زمانه ، بل وَذَكَرَ من ذَكَرَ أن بعضهم قد حرض التَّتَرَ أن يزحفوا على بلاده ليخلصوهم من شره ! ، فكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار ، فاستبدلوا طاغية أعظم بآخر دونه ، وذلك ، أيضا ، من السنن الذي يَتَكَرَّرُ ، ففي هذا العصر عظم الظلم وَسَادَ ، فكان مبدأ كل شر على وجه جاوز في أحيان حد الصبر ، لا سيما وقد ساء ظن الناس بمن يَنْتَسِبُ إلى العلم إذا أمرهم بالصبر ، فلا يأمرهم إلا بصبر كصبر البهائم ، وهو ، مع ذلك ، لا يسلم من جناية التآمر ! ، فقد ركن إلى الظالم وصار ذريعة تُبَرِّرُ طغيانه أن ينسبه إلى الدين ، فيجعل الصبر قرين الذل ! ، ويجعل الخضوع للاستبداد فضيلة ، ورأى الناس من يأمرهم بالصبر قد دخل على إمام الجور يداهنه وَيَتَمَلَّقُهُ رجاءَ حظ من رياسة أو جاه أو عطية يَبِيعُ دينه بها ، وذلك ما أخبر به صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكان من الأمر إرشادا أن : "بادروا بالأعمال، فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا" ، ولا يخلو الخبر من التحذير ، فكانت المفاعلة في "بادروا" وزنا لا معنى ، فإن مبادرة الأعمال تكون من واحد وهو العامل ، وقد يقال بوجه استعارة يلطف أن جعل العامل في شق ، والعمل في آخر ، فبادر العاملُ العملَ ، فكأنهما يتسابقان أيهما يُبَادِرُ ، فَبَادَرَ العاملُ وذلك من زيادة اللفظ والدلالة بألف المفاعلة ، فَبَدَرَ الشيءُ إذا خرج لازما ، وبادر ، في المقابل ، لا يَنْفَكُّ يدل على معنى التَّعَدِّي ، لفظا ومعنى ، فذلك ، أيضا ، من السنن الذي يَتَكَرَّرُ ، فَثَمَّ أعصار يظهر الظلم فيها وَيَفْشُو ، وتعظم فيها الفتن الدينية والدنيوية بما يكون من خروج عن منهاج الوحي ، وذلك ما يُؤْذِنُ بفساد الحال والمآل ، فَثَمَّ شبهات تعلق بالجنان ، وشهوات تعلق بالأركان ولا يَنْفَكَّانِ يَقْتَرِنَانِ ، فمنشأ الشهوة نظرة تقع في القلب موقع الزخرف والزينة بما يوسوس الشيطان فيصيب القلب بسهم نافذ ، فيكون مبدؤها في الظاهر ومرجعها إلى محل في النفس كامن يَسْتَثِيرُهُ الوارد فَيَسْتَشْرِفُ وَيَتَمَنَّى ، والجارحة في الخارج تصدق فمنها المبدأ وإليها المنتهى ، فكانت مادة إثارة لما كمن من الشهوات ، وآلة حكم تُصَدِّقُ التصور الباطن الذي زخرفه الشيطان فجعله حسنا بالنظر في لذة العاجل ، وهو ، لو تدبر العاقل ، فضلا عن المؤمن الكامل ، وهو ألم يعظم بالنظر في الآجل فَلَوِ استوى هو واللذة ما حكم العقل إلا بِرَدِّ اللذة الطارئة إذ تُفْضِي آخر أمرها إلى ألم يضاهيها ، فكيف والألم آخر الأمر أعظم ؟! ، والعبرة بالمنتهى فإذا انتهى القول أو الفعل إلى ألم ونقص ، فقياس العقل أن يُرَدَّ ولو كان المبدأ خيرا ، فلا ينكر عاقل أن ثم خيرا في اللذة بما يكون من إنعاش الجارحة والنفس بنشوة عارضة ، فضلا عما يمني الشيطان أتباعه ، فـ : (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) ، فالتمني وسوء الظن ، كما يقول بعض من صنف في علم الأخلاق ، التمني وسوء الظن شجرتان تَتَفَرَّعُ عنهما جُلُّ الرذائل والمآثم ، فمن تمنى استجماع اللذات ، والنفس لا شاطئ لها فإذا تمنت شيئا فحصلته ، استشرفت غيره لتناله ، فلا يزال أمرها لهثا لا ينقطع سواء أعطش أم ارتوى ، فـ : (مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) ، والنفس ، مع ذلك ، قد جبلت على الشح ، فلا تفرح إذا نال غيرَها خيرا ولو من طريق غيرِها ! ، فَوَدَّتْ لو استجمعت اللذات كلها فانفردت بها فلا تطيق من ينافس ، ولا ترضى أن تشارك في رياسة أو ثروة ، فهي تروم التصدر ، وإن لم تكن أهلا ، كما يظهر من تشاح الملوك في الرياسات ، فيكون من صراع السياسة والحرب بين المتنافسين ما ينحط بهم إلى دَرَكَةٍ دُنْيَا ، فلا يكون ثم شرف خصومة ، بل يكون البغي والعدوان ، ولا يكون ذلك إلا من سوء الظن ، فمن أساء الظن بخصمه استجاز في مغالبته الظلمَ والبغي بلا حق ، فتلك خُلْطَةٌ لم تحكم بلجام الشرعة فَرُدَّتْ إلى فعل الجبلة ، فـ : (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) ، وهي خُلْطَةٌ عقيم كما أُثِرَ عن بعض المتملِّكة من بني أمية إذ قَتَلَ صاحبا له ونديما فكان بَيْنَهُمَا مبدأ الأمر ما أفسده التشاح والتنافس على الملك ، وهو ما يخرج بصاحبه عن فضيلة الحكمة فشهوة الملك والرياسة كشهوة البطن والفرج ، بل هي أعظم في القدر وأشرف في الوصف إن قُورِنَتْ بما يدخل البطن مضغا ويخرج منها قذرا ، فالنفوس الشريفة تَتَنَافَسُ في الرياسات ما لا تَتَنَافَسُ في المطاعم والمشارب والمناكح ، وإن كان جنس البغي فيها واحدا ، وهي ، في أحيان كثيرة ، تَتَقَارَنُ إذ المنشأ واحد وهو الجشع وطلب اللذة ، فهي جنس تنقسم آحاده في الخارج ، فَثَمَّ لذة الحس كلذة المطعم والمشرب والمنكح ، وَثَمَّ لذة المعنى كلذة الرياسة وهي من أعظم اللذات وأشدها على النفس فلا تكاد تغادر الجنان إلا مع انقطاع الأنفاس ، وهي ، كما يقول بعض المحققين ، آخر ما يفارق قلوب الصديقين فضلا عن قلوب الزنادقة والغاوين الذين استجازوا من الظلم والبغي ما استجازوا ، وبذلوا من الأثمان رجاء الصدارة والرياسة ما جاوز العقل والمروءة فضلا عن الديانة ، فلو خُيِّرُوا بين بذل المال والعرض وبقاء الملك لاختاروا الملك فلا سلوان لهم إلا جاه السلطان ، ولو زائفا ، وتعظيم الخدم والحشم ولو رهبة بلا رغبة ، وتقاطر الوفود ولو رياء فلا حظ له من نفوس ترضى وتحمد ، فهي بَيْنَ مبغض يكره ، ومداهن يرغب ، ومدافع يطعن ، ومستتر قد طوى في القلب غيظا فأعطى من الطاعة بلسانه أو حاله ما لم يعط بجنانه فَوَدَّ لو آنس فرجة ينفذ منها فينفث ما به من الحقد ، فلو علم الخصم ما بخصمه من شر يضمره ما بات مطمئنا لا حرج كان طغاة السياسة والحرب غليظي الحجاب فلا يخلص لهم أحدٌ ، سعايةً أو شكايةً ، إلا بعد طول وقوف بالباب ، فالجميع يهان فلا حرمة ولا حشمة ، ولو لأهل الحظوة ، وقد يَبْلُغُ الشكُّ الأبَ والأخَ والابنَ وذا الرحم ، فَالْمُلْكُ ، كما تقدم ، عقيم لا يصل رحما ، قريبا أو بعيدا ، فالجميع محل شبهة واتهام ، والحُجَّابُ قد كثروا وأبهة الملك تُخْفِي وراءها من ذلة النفس وكآبة الروح ما يُقِرُّ به الظالم إذا أنصف ، ولو أمام المظلوم ، فسبحان من جعل الغالب ينطق أمام المغلوب بما يُزْرِي به ، فصورة الظالم المتجبر تستر صورة نفس وضيعة الأصل ، ناقصة الوصف ، فلا يطيق دني الهمة سلوكَ الجادة التي تُفْضِي إلى دَرَجَاتِ العلى ، فليس إلا اغترارا بصورة الملك وأبهة الرياسة فلا تَتَعَلَّقُ بها إلا نفوس قد أفلست فلو كان لها حظ من فضيلة ما احتاجت إلى الزخرف والزينة ، وإنما يتكلف الزينة من قبحت صورته فَرَاحَ يتزين رجاء الستر لما قبح من ماهيته ، فالذات ناقصة فما تجدي زينة عارضة ؟! ، فهي وصف يطرأ ويزول ولا يَبْقَى إلا الأصل ، وإذا كانت تلك حال البغاة فلا تسكن نفوسهم إلا بعلاج يسكن آلامها ، فالذليل لا تسكن نفسه الوضيعة إلا بمادة زينة وأبهة تستر العيب الأصيل ، فلا حظ له من فضائل النفوس الشريفة ، فَلَوْ كَانَ له منها حظ ما تكلف الكبر والتجبر ، بل لا تجده إلا أحرص ما يكون على قهر الناس وإذلالهم ، لا سيما أصحاب النفوس العظيمة والهمم الشريفة فليس لهم في سلطانه إلا القهر والطرد ، فليس له غاية إلا إذلال الخاص والعام لِيَعْلُوَ عليهم جميعا ، ولو قهرا بالسيف فلا فضيلة له إلا احتكار آلة القمع والقهر وبئست الفضيلة التي يُكْتَسَبُ بِهَا الملك ويصان على وجه يبلغ بصاحبه حد الوسواس فالجميع حوله متهم حتى تَثْبُتَ بَرَاءَتُهُ بما يتكلف من أسباب الطاعة ، ولو كذبا ، والناس في أعصار الاستبداد قد عظمت بَلْوَاهُم ، فلا نجاة لهم من الظلم والمهانة ، سواء أباشروا أسبابها طوعا بما يكون من تَزَلُّفِ أصحاب الهمم الدنية رجاء العطية ، أم استتروا بما بقي من دين ومروءة فشؤم الظلم مع ذلك يعمهم ، فالظالم ، لا سيما إن جمع إلى الظلم تَعْطِيلَ الشرع فكان حربا على أوليائه سلما لأعدائه ، الظالم لا يقر له قرار إلا أن يستذل الناس جميعا فيعلو في الأرض بغير الحق كما علا فرعون فلا يَرْضَى أن يكون أحد فوقه ، فلما أُخْبِرَ ، ولو تأويل رؤيا ، أن ثم خارجا يخرج من بني إسرائيل يَعْلُوه في الحجة ويكون ذهاب ملكه على يده ، فلما أخبر بذلك راح يسعى في استئصال القبيل الإسرائيلي بتذبيح الأولاد فذلك من تجفيف منابع الخصم ! ، سواء أكان بالتسلط على الأبدان أم بتحريف الأديان وإفساد الأخلاق فحربه لا تكون إلا على رَعِيَّتِهِ التي ابْتُلِيَتْ به أعظم البلوى ، فلا شغل له يشغله إلا قمعها وإخضاعها وإبطال أسباب النبوغ فيها بما يَتَقَصَّدُ من إذاعة الفحش الذي يفسد النفوس والجهل الذي يُزْرِي بالعقول ومن رام المخالفة فليس إلا السيف إن استعلن ، فغاية أمره أن يستتر ويداري حتى تسلم له بقية باقية من دين أو دنيا ، فالظالم إذ ضعف سلطانه فلا يُضْعِفُ الممالك وَيَهُزُّ أركانها ويؤذن بِزَوَالِهَا إلا الظلم فهو أعظم الأسباب إفسادا وبه يعظم السخط فتستجمعه النفوس شيئا فشيئا حتى تجتره كله يَوْمًا مُقَدَّرًا ، وإن طال الأمد وأصاب النفوس ما أصابها من القهر والكمد ، فَلَهَا حد من الاحتمال تطيق ، وإن بلغ الغاية من الصبر الذي يلحقها ، في أحيان ، بجنس البهائم ، فهي تحتمل ما تُطِيقُ وَتَتَكَلَّفُ من الاحتمال ما يزيد عن الحد ، وقد يكون ذلك مناط نقص فما تحملت احتسابا وإنما تحملت قهرا بما آنست من أسباب القمع سواء أوجدت حره في نفسها أم اعتبرت بغيرها على طريقة الظالم إذ يُنَكِّلُ بِقَبِيلٍ يقاوم أو تحدثه نفسه أن يعارض وينكر ، ولو بالنطق دون الفعل ! ، فَيُنَكِّلُ الظالم بِقَبِيلٍ ليعتبر الآخر ! فيؤثر السلامة ، ولو عاجلة ، وإن أعقبها من النقص والفساد وَعاَمِّ العقاب إذ سكت الناس بالنظر في المجموع الغالب ، فلم ينكر هذا المجموع على الظالم انتصارا للمظلوم ، فذلك من أشرف الخلال التي زكاها الشرع والعقل ، فضلا أن ينتصروا لأنفسهم من الظالم الذي صال على أديانهم وأبدانهم ، وإنما آلت بهم الحال أن صاروا أشتاتا بما ينهج الظالم من تقطيع الأواصر وإذاعة الشك في النفوس حتى يصير الجار عينا على جاره ، وتقصر الهمة فلا غاية لها إلا بلوغ السلامة في المساكن والمخادع ، ومن صَلُحَ له من الجنان ما به استبصر الأمر فسعى في النجاة ما استطاع فلا يجد في حال كهذه إلا اعتزال الجمع الذي عوقب عاجلا أن نَكَلَ عن نصرة المظلوم بل لَيْتَهُ سلم من يده ولسانه ، فكان حزبا عليه بل وتقرب إلى الظالم بدمه ! ولو تحريضا ، وتلك طبيعة في النفس تغلب لو حجبت عن معادن الهداية التي تهذب ، فلو رُدَّتْ إلى داعي الطبع والجبلة فهي تؤثر السلامة وترضى بالعاجل من لذة الحس ، فلا تنظر في عاقبة الأمر ، إذ ليس ثم مرجع تأرز إليه فيجعل لها من أمرها رشدا ، بل وَتَرْضَى في أحيان بما لا لذة به من رديء الطعام والشراب والمعاش فتصبر صبر البهائم إذ السيف على الرءوس مشهر ، والظالم قد خبر من حالها وفساد مزاجها ما أحسن به الاعتبار ! ، فهو يضيق في المعاش قصدا ، ولا يأبه بجمع لا يصبر على شهوة ، وإن كان ذلك مما لا يُنْكَرُ في النَّقْلِ ولا فِي العقل ، فالنفوس لها من الحاجة ما يعظم ، والسعي في تدبير المعاش أمر يحمد ، وسعة الأرزاق ورفاه الأبدان مما أباحته الأديان ، فـ : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) ، وإنما دخله الذم أن صار هو الغاية العظمى فلأجلها يهدر من الأديان والأخلاق ما ينحط بالناس إلى دركة البهائم فلا تطيق من الصبر إلا ما تقدم من صبر البهائم ، وإذا فقه الظالم ذلك فما أيسر ما يصنع إذ يقمع ويرهب ويباشر من سياسة الحكم ما اصطلح في هذا العصر أن يسمى الصدمة ، فهو يفجأ الناس ويفجعهم بما يضيق به معاشهم ، مع ما يَتَفَنَّنُ فيه من أسباب الرفاه فيشيد القصور ويخطب في الجموع أن تصبر وتتحمل ، طوعا أو كرها ! ، لا سيما وقد استجمع أسباب القمع فلا حيلة لها إلا أن تصبر ! ، والناس إن لم يصبروا على العادل إن أخطأ أو قصر مع ما يعف عنه من دمائهم وأموالهم فكان البطر والأشر فالعقاب أن يُبْتَلَوا بظالم يقمع فلا يرعى فيهم إلا ولا ذمة ، فمثلهم كمثل القرية في قوله تعالى : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) ، والناس ، من وجه آخر ، إذا آنسوا فرصة تسنح أن ينكروا على الظالم ، فكانت فرجة فلم ينكروا وقد أطاقوا ولم يسعوا في الحق وقد تَيَسَّرَتْ أسبابه بل لعلهم قد اشْتَغَلُوا بحرب الحق والتضييق على أهله ! فكانت قوتهم على الحق حربا وللباطل عضدا ، فإذا كانت تلك حالهم ، فالعقاب الناجز أن يُبْتَلَوا بظالم أشد يسومهم خطة الخسف فصارت أيام الظلم الأولى رفاها ! ، فقد وعى الطغاة الدرسَ ، فكان الضرب بلا شفقة وإن كان الخطاب أن ذلك ما تقضي به المصلحة ، فكل ما يقترف من جرائم في حقهم لا يصب إلا في مصلحتهم التي تأولها الظالم على الوجه الذي يواطئ حظوظه في الجاه والرياسة ، واستجماع أسباب الثروة ، ولو بالتفريط في مقدرات البلاد وَبَيْعِهَا بأزهد الأثمان ، فَيَرَى الناظر في تجارب أمم سبقت من تَفَحُّشِ الغنى في طبقات تحكم وتهيمن ، وَتَفَحُّشِ الفقر في عموم الناس ، ثم يكون الاعتذار والتأسف كما يحكي بعض الخبثاء ! من خبراء الاقتصاد إذ يقدم النصح للحاكم إذا أراد الإصلاح الجذري ! وإن أفضى إلى الانهيار الاجتماعي والاقتصادي فما عليك إلا أن تلقي الحجر على رأس الخصم فتحطمه ثم تسارع بالاعتذار ! فلم يكن ذلك ما تقصد فما أراد الطغاة إلا الإصلاح ما استطاعوا ولكنهم لم يصيبوا فلهم أجر الحاكم إذا اجتهد فأخطأ ! ، ولو حاكم جور لم يستجمع أسباب الحق ليقضي بها ، فلا يملك ، كما تقدم ، إلا سبب العنف المفرط الذي لم يشفع بدين أو مروءة تحجز فلا يتقصد إلا ما تقصد جلال الدين ملك خوارزم ، وهو محل شاهد تقدم ، فقد قطع رَحِمَهُ القريب والبعيد وناجز رعاياه وأجواره العداوة ، ورام الاستبداد والطغيان بما جبلت عليه النفوس من الشح والأثرة فلا يطيق أحدا فوقه ، ولسان الحال : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) ، وإن لم ينطق بها ، فقد حكى الحال ما أغنى عن المقال ، ولا ينغص معاش الظالم المستبد إلا شريف النفس وإن لم ينافسه فظهوره واشتهار أمره يظهر زيف الأول وانحطاط شأنه فلا بد أن يكون الجميع دُونَهَ ، ليعلو عليهم بسلطانه ، فلا يختار لمعونته إلا من هو أحط قدرا فلا تجد في مناصب الرياسة إلا كل فاسد فلا ديانة ولا كفاية ، فالشر يعظم والحال تفسد والمعايش تَضِيقُ على وجه صَيَّرَ الناس ، وقد ابْتُلُوا بظلم سابق ، صَيَّرَهُم يشتاقون إليه مع أنه لو تدبر الناظر سبب ما هم فيه من ظلم لاحق قد فحش وعظم ، فالظلم لا يَلِدُ إلا ظلما ، وإن ظن الملك المستبد إذ اغْتَرَّ بأسباب القوة أن فِيهَا كفاية ، فيظن الظان أن ذَلِكَ سَبَبُ الاستقرار فلا يَثْبُتُ الملك إلا بأسباب القمع في الداخل والدس والخيانة في الخارج فلا ينفك يكيد لمن حوله من الملوك ليكون هو الملك الأوحد ، فلا يطيق ملكا يجاوره ، وإن لم ينافسه ، فكانت تلك حال جلال الدين فطغيانه كان التمهيد لغزو التَّتَرِ ، إذ قضى على الزعامات حوله فَبَقِيَ وحيدا لا عضد له فاجتاح التَّتَرُ أرضه وذهبوا بِزَهْرَةِ ملكه ، ولم يجد عونا من جارٍ فقد قطع جميع الأرحام ، وذلك أمر ، لو تدبر الناظر ، لا ينفك يَتَكَرَّرُ ، فسنة التاريخ سنة ربانية جارية ، فلا يسير التاريخ ، كما يقول بعض النظار والفلاسفة ، لا يسير في طريق مستقيم على وجه استجازت به الحداثة قطع العلائق مع الماضي فلم يعد الاعتبار به ينفع وإنما صارت السلامة في التقدم ولو بلا أصول محكمة ، لا سيما أصول الوحي والرسالة فهي مناط الاعتبار الأعظم الذي حض الناظر أن يتدبر في آثار الماضين ، فـ : (إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، وذلك مقتضى القياس الصريح إذ يطرد الحكم وينعكس ، فكان قياس الطرد والعكس بابَ استدلال نافع إن في الأخبار ومنها أخبار التاريخ ، أو في الأحكام ، فليس ثم أمة بلا تاريخ ، فهو رائدها في التصور والحكم ، سواء أكان تاريخ وضع فاعجب كيف يعظم أولئك تاريخهم فهو الذي يصوغ النَّظَرِيَّةَ الفكرية والسياسية وهو الذي يضع معيار القيم وهو الذي يُعَيِّنُ غايات الأمم ، فهو رؤية عامة تَتَأَوَّلُ لأجلها الأممُ استراتيجيات تطول أو تقصر لتحقق ما تروم من السيادة على بقية الأمم ، ولكل مرحلة من الاستراتيجية والإجراء ما يلائمها ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، بنظر مجرد من المرجع ، فيقطع العقلُ الصلةَ بمعادن الأصالة بذريعة التجديد والحداثة ، فكل تجديد يأتي على الأصول فهو مسخ للهوية ومحو للذاتية وانصهار في بوتقة الخصم تفقد صاحبها أسباب المقاومة في صراع الحضارة والهوية .
وطريق النظر في المستقبل دون تمثل الماضي عبرةً تَنْفَعُ ، هي ، عند التدبر والنظر ، طريق لا تَنْفَكُّ تحمل آثارا من لوثة الشيوعية المعاصرة التي احتكرت لقب التقدمية وَنَبَزَتِ المخالف إن في الفكر أو الاقتصاد بالرجعية ، فصار التقدم ألا ينظر العقل في التاريخ ، لا سيما تاريخ الرسالة والوحي ، فقد اختزل الوحي أنه تجربة تاريخية انقضت ، فهي ، كما يقول بعض من ينتسب إلى العلم ! ، حقبة من التاريخ مباركة تستحق التعظيم ولكنها لا تخرج عن إطار التاريخ ، فالنظر فيها والاعتبار يفضي إلى التقوقع والانحسار فلا يلتحق الناظر بركب الحضارة الذي صار عنوانه الرئيس الحداثة ! ، فلا بد من قطع العلائق مع الماضي ، وليت الخصم الذي يروج ذلك يصدق ، فلا بد له ، شاء أو أبى ، من تاريخ إليه يأرز ، ولو اخترعه من العدم ! ، فهو وقود المستقبل وجذوته ، فخدع من خدع من أتباع الرسالة أن قصر الوحي على زمانه الذي فيه نَزَلَ ، سواء أكان لنجومه أسباب عليها نَزَلَ وهو الأقل ، أم نزلت ابتداء بلا سبب ، وهو المعظم الغالب ، وبه رَدَّ من رَدَّ على من زعم أن الوحي ليس إلا رَدَّ فِعْلٍ لزمانه فلا يجاوزه إلى غيره ، فكان الواقع آنذاك هو الحاكم فهو الذي استدعى الوحي بما كان من نَوَازِلَ ، فلم يأت الوحي فعلَ إصلاح بالتوحيد والتشريع يستأنف بل هو محكوم بواقعه لا حاكم ، فلا يصلح حكما في الأعصار التالية من باب أولى ، إذ جَدَّ فيها من النوازل ما لم يكن زمن الوحي الذي أهدرت معانيه المعقولة ، وفيها ، لو تدبر الناظر ، كفاية في القياس والاجتهاد الذي يستغرق كافة النوازل .
فطرد هذه الدعوى يبطل دلالة الوحي أن يقصره على زمانه ، وذلك ما أفحشَ بعضُ خصومه فقال إنه شرع البغال والحمير فلا يصلح الآن منهاجا في التفكير والتخطيط ! ، وتلطف بعض آخر أن عظمه ، وقد يصدق في دعواه ، ولكنه ضل إذ لم يجاوز بهذا التعظيم حد الامتثال والتصديق أن يجعل هذا الوحي رائده في المستقبل ، وهو المرجع المحكم الذي قامت الدلائل على صدق أخباره وعدل أحكامه وسلامة ألفاظه من التبديل ، واستغراق معانيه المعقولة لما يجد من نوازل التكوين ، فلا بد من الرجوع إلى الوحي مصدر إلهام في القيم الكلية ، ومصدر تشريع وتفريع في الأحكام والنوازل الجزئية ، الشرعية والسياسية والاقتصادية ، فهو المرجع الذي يجاوز العقول فيقضي فيها بالحق إذا اختلفت ، وهو الذي حكى التاريخ بجمل وجيزة المبنى عظيمة المعنى بها يحصل الاعتبار بسنة تَتْرَى لا تحصل السلامة إلا بقراءتها قراءة التدبر لا الإعراض عنها بذريعة أن التاريخ يسير في اتجاه واحد فلا تتكرر سننه ، وإن اختلفت الشخوص ، كما تقدم من سيرة جلال الدين إذ قطع رحمه ، وعظم شره على وجه صار ذريعة للغزاة ، فالطغاة ، كما يقول بعض الفضلاء ، طليعة الغزاة ، فَقَبْلَ كل غزو يستبيح لا بد من طاغية يظلم ويسيئ السيرة فيقمع أصحاب النفوس الشريفة فوحدها من يطيق دفع الغزاة فإذا هيأ الطغاةُ الأرض للغزاة لم يجدوا عَنَتًا في اجتياح البلاد واستباحة البيضة ، وقد يَجِدُونَ آنذاك من يرحب من عامة الخلق ممن اغتروا بدعاية العدل التي يُبَشِّرُ بها الغزاة فما جاءوا إلا لتحرير الشعوب من الطغاة ! مع أنهم ، في أحيان كثيرة ، ليسوا إلا صنائعهم ! ، فالطغاة في هذا العصر لم يصيروا سبب يمهد بل جاوزوا ذلك ، كما يقول بعض الفضلاء ، أن صاروا طليعة في معسكر الغزاة ، وإذا استنفدوا أغراضهم فقد وجب استبدال غيرهم بهم ، فلكلِّ مرحلة من الطغاة ما يلائمها ، فالنظر يقصر إذا لم يجاوز الحال باعتبار ينفع فإن الناس إذا اشتغلوا بالظلم الأعظم تمنوا الرجوع إلى الظلم الأول ! ، مع أنه ، عند التدبر والنظر ، هو السبب الذي كان به الانفجار العظيم سواء أفضى إلى إصلاح أو إلى ظلم أعظم بما اقترفت الأيدي وما أصاب النفوس من البطر وكفران النعمة ، فالظلم ، كما تقدم ، لا يلد إلا ظلما ، والطغيان لا يحمل في رحمه إلا جنين الغزو والاحتلال الذي لا يجد من يقاوم إذ أعد له الطاغية الأرض بما أبطل فيها من الذكر النافع ، وبما استأصل منها من أهل الديانة والكفاية ، فلا يحسن الاشتغال بالعرض عن أصل المرض بل لا بد من استقراء تام لأجزاء الصورة مع استحضار لسنن التاريخ فهي مناط الاعتبار الذي يعصم صاحبه أن يضل ، فـ :
اقرأ التاريخ إذ فيه العبر ******* ضل قوم ليس يدرون الخبر .
وأعظمه تاريخ النبوات فبه أعظم الاعتبار فلم يكن قصصا به يحصل السلوان ، وإن كان ذلك من أغراضه ، وإنما غرضه الرئيس الاعتبار بما يكون من القياس الصريح طردا وعكسا ، فهو مادة تنفع الناظر في مقتبل أمره فلا يصح في الأذهان أن يقصر على زمانه فيكون تجربة تاريخية انقضت لا تَنْفَعُ الناظر في المستقبل فلا يكون الصلاح إلا بقطع العلائق مع التاريخ بذريعة التجديد الذي يفضي عَلَى هذه الحال أن يكون تَخْرِيبًا وَطَمْسًا للهوية وإهدارا للقصص المحكم محل الاعتبار الأعظم ، فـ : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .

والله أعلى وأعلم .