الأمر بالسمع والطاعة لا بد له من قيد ، فإن ذلك مناط عمت به البلوى فمن مُفْرِطٍ في هذا الباب قد أطلق ما يجب تَقْيِيدُه ، فلم يحسن يجمع أدلة الباب فبعضها يُبَيِّنُ بَعْضًا إما بالتخصيص وإما بالتَّقْيِيدِ ، وإما بالنسخ ، والأمر بالسمع والطاعة مما لا يتوجه القول بنسخه ، وإن كان يحتمل ذلك بادي الرأي كأي إنشاء ، فالأمر والنهي وسائر أجناس الطلب مما يحتمل النسخ ، خلافا للخبر إلا إذا كانت دلالته دلالة الإنشاء ، فالأمر بالسمع والطاعة مِمَّا لا يَتَوَجَّهُ القولُ بنسخه إذ لا يستقيم الأمر إلا بحكومة تَأْمُرُ وَتَنْهَى ، وتفصل في الخصومات سواء أكانت حكومة شرع أم حكومة وضع ، فحكومة الوضع وإن خالفت عن منهاج الوحي فَعَظُمَ فَسَادُهَا ، وكان ما كان من اضطراب المعيار الحاكم ، إن في الداخل أو في الخارج ، فلئن كان في حكم الوضع من العدل ما يشتاق إليه الفاضل الذي ابْتُلِيَ في أمصارٍ نَزَلَ فيها الوحي وَتَوَاتَرَت فِيهَا النُّبُوَّاتُ حتى ختمت بأكمل رسالة ، وذلك ما أبانت عنه دراسات مقارنة فيها من الإنصاف ما يحمد لأصحابه ، وإن لم يكونوا من أتباع الرسالة الخاتمة فَشَهِدَ الأعداء بالفضل ، إذ أَنْطَقَهُم الرب ، جل وعلا ، بالحق ، فكان من عظم الْبَلْوَى أن غاب العدل من أمصار النبوات ، فقد عطل الشرع ابتداء فغاب العدل تَبَعًا ، وصار العقاب الناجز للشرق الخامل العاطل من فضائل الوحي إلا ما يُتْلَى أماني لا تُفْقَهُ ، وما به تقام الحجة فلا تخلو من قائم بها يدل الناس على الخير ، فهو يُعَلِّمُهُم الحق بدليله ، فَيَسْتَعْمِلُهُ الرَّبُّ ، جل وعلا ، في موضع عَزَّ فيه الحق وَنَدَرَ ، فكانت خاصة الرسالة الخاتمة فلا رسالة بعدها تُبَيِّنُ إن خفي الحق أو بُدِّلَ ، فصار العقاب الناجز لبلاد الشرق أن عَظُمَ فيها الجور فَعِقَابُهَا قد تَضَاعَفَ ، فكان في غيرها من العدل ما استحسنه العاقل الفاضل ، وذو الديانة الكامل ، فلا يجحد هذا الفضل أن حصل في أمصار تُغَايِرُ في منهاجها الوحي بل وَتَنْصِبُ له من العداء ما استحكم ، ولكنها ، ولو في الجملة ، تَقْضِي بالعدل وإن في اقتسام الحظوظ الباطلة من الشهوات المحرمة والحريات المطلقة التي تَبْلُغُ بصاحبها حَدَّ الإلحاد والانحلال ، فَثَمَّ قدر من العدل والحرية يجيز لصاحب الديانة أن يَسْتَعْلِنَ بدينه ما لا يَسْتَعْلِنُ في بلاد الوحي التي تَنْتَسِبُ ، في الجملة ، إلى الكتاب والسنة ، وتلك نسبة لا تخلو من نظر ، إذ كيف تصح نسبة إلى الوحي مع ذيوع القهر والظلم وقمع المخالف وإن لم يخرج عن منهاج الشرع الحاكم فَابْتَغَى ما كتب الله ، جل وعلا ، له من خاصة الفضل أن يأمر وينهى احتسابا على وجه لا يجاوز فيه الحد فيكون الإفساد في الأرض فهو يجتهد في أن يُخْلِصَ قَصْدَهُ ويصحح عمله فلا يحتسب إلا إرادة الإصلاح ، ولا يحتسب إلا وقد أحاط بالنازلة علما ، فلا يهجم على الفتوى في الدقائق التي تَفْتَقِرُ إلى نظر زائد بجمع ألفاظ الأدلة وتصفح وجوه الاستدلال ، فهو ، إن كان من أهل العلم والفقه ، يجتهد أن يصيب الحق في نَوَازِلِ الإنكار والاحتساب إن كانت محل نظر يدق فكانت من مسائل الخلاف ، فإن الإنكار فيها يصح إن كان الخلاف غير سائغ فلم يكن ثم حظ من النظر في كلام المخالف ، فخلافه يستند إلى دليل ضعيف أو وجه من الاستدلال مهجور كأن يخالف عن الإجماع ، فكل خلاف بعد انعقاده هدر ، فكان من حَدِّ المجتهد في نَوَازِلِ الحكم والسياسة ، أن يحيط ما استطاع بمواضع الإجماع لئلا يجتهد في محل إجماع لا يسوغ فيه الاجتهاد ، فذلك من جنس الاجتهاد في محل نص ، من كتاب أو خبر ، فكلا الوجهين فاسد الاعتبار إذ خالف عن نص أو إجماع ، فكان الإنكار الذي يجتهد صاحبه أن يصيب الحق في مسائل الخلاف فعنده من آلة الاجتهاد ما به يستنبط ما دق من المعاني النظرية ، فهو يجتهد بما جَمَعَ من ألفاظ الأدلة الصحيحة وظهر له من وجوه الاستدلال الصريحة ، فَيُفْتِي بالظاهر ، وإن كان الحق في الباطن خلافه فما كُلِّفَ أن يصيب الحق في نفس الأمر في مسائل الخلاف السائغ ، وإنما كُلِّفَ أن يجتهد في طلبه فإن اجتهد فأصاب فأجران وإن اجتهد فأخطأ فأجر ، كما في الخبر الصحيح ، فضلا أن يكون محل الإنكار من المعاني الضرورية ، فتلك يَسْتَوِي فِيهَا جميع المنكِرِينَ لما قد عُلِمَ بالضرورة تحريمه ، فكان من عموم البلوى في أمصار الوحي أن زاد الظلم والقمع ، فصار الاحتساب جرما وصار العدل في إعطاء الحقوق نافلة لا فرضا ! ، فهي مِمَّا يجود به الحاكم إن شاء ، ويمسكه إن شاء فليس حقا واجبا على أصحاب الرياسات بما تحملوا من الأمانات الدينية والسياسية أن يقيموا الدين ، إقامة الحق فلا يَتَفَرَّقُوا فذلك ما شَرَعَ الرَّبُّ ، جل وعلا ، من الدين ووصى به أولي العزم ، عليهم السلام ، أَنْ : (أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) ، فمن إقامة الدين إقامة العدل في الأرض ، فذلك من آكد ما أمر به الوحي ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) ، وقد نَزَلَ هذا النجم على سبب مشهور انتصر فيه الوحي للكافر من المسلم إذ استلبه حقا له ، فكان العدل الذي يعطي كل ذي حق حقه ، وإن كافرا ، فلا تكون الخصومة عن خائن وإن مؤمنا ، فـ : (لَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) ، فَنَزَلَ هذا النجم ، أيضا ، على سبب مشهور كان فيه الانتصار لواحد من يهود ظُلِمَ فَوَجَبَ في حقه العدل ، فالأمر به فريضة مُتَوَاتِرَةٌ ، وركن رئيس من أركان الديانة والسياسة ، ولو سياسة وضع محدث ، فلا يستقيم أمر ملك ولا ينتظم شأنه إلا أن يكون العدل وصفه فلا يفاضل في الخصومات ، فذلك مبدأ فساد عظيم ، وإن لم يكن الفساد حالا على وجه يُؤْذِنُ بِزَوَالِ الْمُلْكِ فجأة ، فذلك ما قد يَفْجَأُ الغافل الذي لم يحسن يتدبر سنن الرب الخالق ، جل وعلا ، في الدول والممالك ، فليس له اشتغال بالأمر والنهي ، نصحا أو إنكارا ، فلا عناية له بِرَفْعِ مظلمة أو إطعام في مسغبة .... إلخ من وجوه البر التي تشرح الصدر أن يقبل آثار الحق فيفقه عاقبة الظلم فلا يذهل ما يذهل غيره ، فقد استقرأ السنن ونظر في حال الأمم والدول فالتاريخ دورات تَتْرَى ، والكون قد أقيم على سنن محكم ، فَثَمَّ أسباب تفضي إلى المسببات على وجه لا يخرج عن مشيئة رب البريات ، جل وعلا ، فالعدل سبب في تثبيت الملك ، والظلم سبب في اضطراب الملك ، فالحكم ، عند التدبر والنظر ، يطرد وينعكس على وجه يواطئ القياس الصريح فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما ، وسنن الرب ، جل وعلا ، ثابت لا يتبدل ولا يتحول ، وذلك ، أيضا ، من العدل الذي لا صلاح للدين والدنيا إلا به ، فَيُعْطَى كل ذِي حق حقه إن من الأعيان حال القسمة ، أو من الأحوال فلكلِّ حالٍ من الحكم ما يلائمها ، فإذا اختلفت الحال لم يكن من الفقه إن في الكون أو في الشرع أن يُسَوَّى بين الأحوال المختلفة ، فذلك مِمَّا يخالف عن الحكمة إذ تقضي بالتفريق بين المختلفات فلا يسوي بَيْنَهَا إلا ظالم قد حاد عن جادة العدل ، وإن زعم انتحاله ، فقد يكون الفساد في الحد ، بادي الرأي ، إذ حَدُّ العدلِ أنه التسوية مطلقا في الحكم والعطية كما يَتَبَادَرُ إلى كثير من الأذهان ، فذلك ما تلاعبت به الشيوعية لتستميل الجموع المهضومة ، فلم يكن ثم عدل إذ استأثر كبار الملاك بحظوظ الدنيا بل وصار أرباب الدين لهم خدما ، فكانت كِهَانَةُ السوءِ التي تُبَرِّرُ الظلم بل وَتَكْسُوهُ لِحَاءَ الحق فهو الدين الذي لا يحصل إلا بكمال الاستسلام للظلم فتلك إرادة الرب جل وعلا ! ، في مسلك يضاهي مسلك الجبرية إذ احتجوا بالإرادة الكونية على تعطيل الإرادة الشرعية ! ، فعظمت البلية الدينية والسياسية ، لا جرم كان أولئك خير عون للظالم ، سواء أكان محتلا وافدا أم حاكما جائرا لا يخلو من نسبة إلى الخارج ، وذلك ، أيضا ، من البلاء الطارئ في بلاد الشرق ، فاجتمع فيها من النقص : تعطيل الشرع والظلم في قسمة الحقوق ، والخيانة أن صاروا بطانة لمحتل يحكم السيطرة على البلاد بمجاميع وظيفة منها ما يفسد الأديان ، ومنها ما يُفْنِي الأبدان ، ومنها ما ينتهب الثروات فَلَهُ منها نصيب أدنى وما يعطي المحتلَّ أعظم ، فهو سبب رئيس في بقائه ، فذلك ، أيضا ، من جملة السنن النافذ ، إذ قد تقضي الحكمة أن تعظم البلوى ، فتكون العقوبة التي توقظ النفوس الغافلة ، ويكون استدراج الظالم الذي اغتر بالصبر ، فظن ذلك غفلة ، فـ : (لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) ، بل وَرُبَّمَا زاد الفساد في عقله فظن ذلك كرامة فلم يُعْطَ الملك إلا أن بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرب ، جل وعلا ، نَسَبًا ، فَلَهُ سبب به تغفر الزلات ، وله من الحق الإلهي الذي منحه الكهنة ، فمن أنكر عليه مظالمه فقد احتج على الخالق ، جل وعلا ، وطعن في حكمته إذ اصطفى الملِك بالمُلْك ، وإن لم يكن له ما لطالوت ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) ، فلم يكن لأولئك من بسطة العلم النافع ما تظهر آثاره في عمل صالح ، خص أو عم ، فلا تجد إلا رقة الديانة وسوء السياسة ، فجاء الخبر يؤكد بالناسخ "إن" ، وذلك اصطفاء دون اصطفاء النبوة ، فالاصطفاء ، عند التدبر والنظر ، جنس تندرج فيه آحاد ، فمنه اصطفاء النبوة وذلك اصطفاء أخص ، فلا وجه فيه لكسب ، خلافا لاصطفاء الملك الصالح فإن أسبابه مما يكتسب بطلب العلم ورياضة البدن وتحري العدل وتعظيم الوحي ...... إلخ ، ولا يخرج ، أيضا ، أن يكون من صنع الله ، جل وعلا ، تكوينا ، وإن كانت أسبابه مما يكتسب تشريعا ، خلافا لاصطفاء النبوة ، فَفِيهَا تشريع يجب اتباعه تصديقا وامتثالا ، وليس فيها تشريع يسبق يُبَاشِرُ العبدُ أسبابَه تدبرا أو رياضة ، فيستجلب به الزاهد أو المتصوف وحيَ السماء وإن قهرا ! ، فضلا أن يختلط ذلك بطرائق من الفلسفة تجعل العقل معدن الوحي فالنبوة صناعة عقل لا اصطفاء رب ، على وجه تظهر فيه آي الحكمة البالغة ، فذلك ، أيضا ، من جنس العدل الذي أمر به ملوك الأرض ، وإن خَالَفَ عنه في القدر بَدَاهَةً ، فَشَتَّانَ عدل الخالق ، جل وعلا ، وحكمته ، وعدل المخلوق وحكمته وإن بَلَغَ من ذلك ما بَلَغَ ! ، فإن جنسه يثبت لله ، جل وعلا ، من باب أولى ، فهو بالكمال المطلق أولى ، فلا يصح في النظر والاستدلال الصريح أن يهب الكمال لغيره من كان منه مجردا فلا بد أن يَثْبُتَ له أولا ، فالرب ، جل وعلا ، هو الأول بالذات والوصف ، ومنه وصف العدل والحكمة ولا يكون ذلك بداهة إلا بعلم أول يحيط بالمحال فعلم منها ما صلح فوضع فيه من أسباب الصلاح الأخص نبوة ، وأسباب الصلاح الأعم علما وزهدا وورعا ما به مدح العقلاءُ الملوكَ ، فلا يمدح الملوك مدحَ الشعراء الذي يتبعهم الغاوون ، فلا يمدح ملك أن ورث الملك بلا سابقة فضل ، ولا يمدح أن اغتصبه بلا حق ، وإنما يمدح الملِك الذي تحرى أسباب العدل ، وأعظمها وأشرفها وأوجبها على كل ملك ، أسباب الوحي فهو ، لو تدبر الناظر ، معدن العدل في خبره وحكمه ، فكانت شهادة التوحيد شهادة العدل أن يعطى أعظم موجود وأشرفه ما يستحق من آيات الثَّنَاءِ والتعظيم والتَّوْقِيرِ ولا يكون ذلك إلا بما أَنْزَلَ من الخبر والتشريع ، فيصدق خبره إذ أَثْنَى عليه بالكمال المطلق ، أولا وآخرا ، على وجه فَارَقَ بِهِ كل كمال مخلوق ، وإن كان ثَمَّ اشْتِرَاكٌ فَفِي المعنى المعقول الذي يجرده الذهن فلا يكون ثَمَّ شُبْهَةٌ من تَمْثِيلٍ أو تَشْبِيهٍ ... إلخ ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، تعطيل في نفسه أَنْ عُطِّلَ الخالق ، جل وعلا ، من وصف كماله إذ سُوِّيَ بالمخلوق الناقص ، فضلا أنه ذريعة إلى تمثيل آخر يحصل في ذهن فئام أخرى من المعطلة لم يَفْقَهُوا من وصف الخالق ، جل وعلا ، إلا ما أدركوه بالحس الظاهر من وصف المخلوق الحادث ، فكان تمثيل فَرُّوا منه إلى التعطيل العام فَنَفَوا لازم قياسهم الفاسد ، ولا يَلْزَمُ ، فلا يكون لازم الحق إلا حقا ، فما أعظم جناية من جعل لازم الوحي المحكم باطلا من تشبيه أو تمثيل ألجأه إلى التعطيل فَنَفَى لازم القياس الفاسد الذي حصل في ذهنه ، وذلك حق ، ولكنه جاوز الحد فَنَفَى الحق الذي تضمنته ألفاظ الأخبار الصحيحة ، فأساء بها الظن أن جعلها مظنة باطل يخرج عن حد العدل فلم يَفْقَه منها إلا تسوية الخالق ، جل وعلا ، بالمخلوق في الحقيقة والماهية في الخارج ، وذلك من أعظم الظلم الذي يخرج به صاحبه عن حد العدل في الإلهيات ، فهو يُسَوِّي بَيْنَ أعظم المختلفات ، وصف رب الْبَرِيَّاتِ جل وعلا ، ووصف المخلوقات ، فَيُسَوِّي بَيْنَ الكمال المطلق وَبَيْنَ وصف ناقص محدث وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من الكمال ، فهو كمال محدث طارئ له سبب من خارج ، وإن نُبُوَّةً لا تكتسب ، فإنها لا تخرج عن سبب من خارج وهو اصطفاء الرب ، جل وعلا ، الاصطفاء الأخص ، بالوحي ، فضلا عن بقية أجناس الكمال في المخلوق مما يكتسب سببه من علم وحكمة وعدل في الحكم ..... إلخ ، والصحيح في هذا الباب وفي جميع أبواب الديانة ، أن يكون الإثبات لما أطلق من المعاني المجردة في الذهن ، فتحصل فيها الشركة حصول الجنس الأعم فهو عام لا أعم منه ، وذلك لا يكون إلا مطلقا بشرط الإطلاق من أي قيد ، فلا يكون ذلك إلا في الذهن ، فيحصل الاشتراك في هذه المعاني المجردة خلافا للحقائق والماهيات في الخارج ، فلكلٍّ من الماهية ما يليق بذاته ، فَلَهُ ، جل وعلا ، المثل الأعلى وله الحقيقة العظمى الكاملة التي بلغت حد الإطلاق فلا يحيط بها عقل ولا حس ، وإن كان ثم درك في دار الجزاء الأوفى فَرُؤْيَةُ تَنَعُّمٍ لا إحاطة ، فقياس العدل في هذا الباب يطرد إذ لا يحيط الناقص بالكامل أبدا ، وإن أدرك وجها من وجوه كماله فلا يحيط بها جميعا ، فَتَعَالَى الملِكُ الحقُّ أن يحيط به قياس عقل أو وجدان حس ، وللمخلوق في المقابل من الحقيقة والماهية ما يلائم ذاته ، فكان العدل في خصومة الاسم والوصف وسائر أجناس الغيب أن يُعْطَى كُلٌّ من الحكم ما يليق بذاته ، فلا يكون الإفراط في التشبيه في الحقائق في الخارج ، ولا يكون التفريط بِنَفْيِ المعاني المجردة في الذهن ، فذلك من التعطيل الذي يخرج بصاحبه عن فضيلة العدل في الإثبات والنفي ، بل ويخرج به عن فضيلة العقل إذ لا يجد من مقدمات الاستدلال الضرورية ما به يحكم في أي خصومة علمية أو عملية ، إذ لو عَطَّلَ المعاني المجردة في الذهن ، وهي مقدمات ضرورية لأي نظر في خبر أو حكم ، إذ لَوْ عَطَّلَهَا ما صح له نظر ، بل وما سلم له لسان إذ عطل دلالات اللسان المطلقة فَلَمْ تَصِرِ المعاني حجة في الاستدلال فقد صَرَفَهَا عن ظاهرها المتبادر إلى الذهن بلا قرينة صحيحة تُعْتَبَرُ فلا يَتَصَرَّفُ العقل في قَرَائِنِ الغيب إذ لم يدركه أو يدرك له نظيرا في الخارج أو يأته خبر صحيح يحكي حقيقته وماهيته في الخارج ، فلم يَبْلُغْهُ إلا الخبر ذو الدلالة الظاهرة المركبة من دلالة المعجم الأولى ودلالة السياق الثانية فوحدها ، سواء أكانت في نفس السياق أم في سياق آخر ، وحدها ما يُعْتَبَرُ في مسائل الغيب فالأصل فيها التوقيف إذ لا يدرك العقل فِيهَا وجه قياسٍ إلا قِيَاسَ الأولى في مواضع يصح فيها الاحتجاج به ولا يكون ذلك ، لَوْ تَدَبَّرَ الناظر ، إلا بعد وُرُودِ النص فهو العمدة في كل ما لا يدركه العقل والحس إن من أمور الغيب فالعقل يحار في حَقِيقَتِهَا وماهيتها في الخارج وإن لم يُحِلْ وجدانها فهو ابتداء على الجواز فلا يُثْبِتُ وَلَا يَنْفِي ، حتى يَرِدَ خبر الوحي فَيُرَجِّحَ ، فذلك ، أيضا ، من حكم العدل الذي تصح به الحال في النظر وفي الاستدلال إن في أمور الغيب أو في أمور الشهادة من قضاء أو سياسة ، فالوحي وحده مناط السمع والطاعة ، محل الشاهد ، فلا يُسْمَعُ من خالف عن حد العدالة ، إن في استدلال بالنص فلا يقبل الضعيف ولا الباطل ، أو في استدلال بالقياس فلا يقبل الفاسد الجائر الذي يجاوز صاحبه الحد فيحكم بالجور أو يرجح بلا مرجح ، كما في مواضع التجويز العقلي في الوصف الخبري الذي لا يُثْبِتُهُ العقل ابتداء ولا يَنْفِيهِ فهو ، أبدا ، تابع لِلْوَحْيِ خاضع إن في الخبر أو في الحكم ، وهو في الأخبار خاصة وما لم يعقل معناه من أحكام التعبد ، هو فيهما خاصة تابع للوحي ، من باب أولى ، وما فَقِهَ مَعْنَاهُ من معقول المعنى فهو محل اجتهاد يَتَفَاوَتُ على وجه لا يخالف به نَصًّا أو إجماعا ، فلا يخرج عن حكم الجماعة ، فلا يَقْتَصِرُ الخروج عنها ، عند التدبر والنظر ، على الخروج عن جماعة السياسة إن كان لأهل الإسلام إمام جامع ، بل يعم الخروج عنها في كل حال ، إن في التصور أو في الحكم ، إن في أحكام الشرع أو في أخبار الغيب ، كما في باب الإلهيات ، فمن غَلَا فِيهِ فإنه يمثل ، ومن جَفَا فإنه يعطل ، وهو في كِلْتَا الحالين ، قد خرج عن حد العدل الذي أُمِرَ به الحكام جميعا إن في الحكومات العلمية أو في الحكومات العملية ، الخاصة أو العامة ، ومنها حكومات السياسة ، محل الشاهد ، فجاء الوحي أول ما جاء بالتوحيد وهو أعظم أجناس العدل ، إذ لا يصرف الحق الأعظم من التأله الباطن والظاهر إلا لمن استحقه بما انْفَرَدَ به من وصف الكمال وفعل الجلال والجمال ، خلقا ورزقا وتدبيرا وإحياء وإماتة وإنجاء لمن آمن بوصف الجمال على وجه يواطئ في النفوس مَحَالَّ الرغبة ، وإهلاكا لمن كفر بوصف الجلال على وجه يواطئ في النفوس مَحَالَّ الرهبة ، فَيَطَّرِدُ الحكم وينعكس آية عدل أخرى ، إذ يُنَاطُ تكليف الرغبة بمناط الجمال على وجه لا يَغْتَرُّ به صاحبه فيلابس الإرجاء أن يرغب ولم يعمل فليس ذلك من حسن الظن في شيء كما يزعم أصحابه ، فَكَذَبُوا كما في الأثر عن بعض السلف ، فإن من أحسنَ الظن أحسنَ العمل ، ويناط تكليف الرهبة بمناط الجلال على وجه لا يلابس فيه صاحبه اليأس والقنوط فذلك أَقْرَبُ إلى مقال الخروج الذي حَجَّرَ على العصاة واسعا من رحمة الرب ، جل وعلا ، فَفَضِيلَةُ العدل في هذا الباب ، أيضا ، وسط بَيْنَ جفاء الإرجاء وغلو الخوارج ، فالعدل في التوحيد بإثباته لمن يستحق وَنَفْيِهِ عمن لا يستحق فَلَا معبود بحق إلا واحد ، وهو الإله الخالق الرازق المدبر ، جل وعلا ، ولا يكون توحيده في التصور والعبودية إلا بتوحيد آخر في الشريعة الحكمية ، فيكون الحكم بالعدل في السياسة والحرب فلا تصلح الأرض إلا بذلك فضلا عن الجزاء العاجل أمنا يوم الوعيد بِمَا كان من إفراد رَبِّ العبيد ، جل وعلا ، بالتكوين خلقا والتشريع حكما فَوَاطَأَ صاحبُه القياسَ الصريح أن جمع المتلازمين ، فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا ، فدلالة التلازم الصحيح تقضي إيجابا في العقل والفطرة والحس فضلا عن النقل ، تَقْضِي أن من خَلَقَ وَرَزَقَ وَدَبَّرَ فوحده من يعبد بما شرع فَأَنْزَلَ على رسله ، عليهم السلام ، فكانت الرسالات مناط النجاة بما أخبرت من صدق وحكمت به من عدل لا يتطرق إليه هوى ، فَجَاءَ النهي عن اتباع الهوى بعد الأمر أن يحكم داود ، عليه السلام ، في الأرض بالعدل بما أُنِيطَ بِهِ من تكليف الخلافة ، وهو ، أيضا ، جنس يعم ، فمنه الخلافة الأخص ، خلافة الرسالة ، ومنه خلافة أعم وهي خلافة الرسالة في حفظ الديانة وسياسة الأرض بها على وجه يحصل به الخير ، وتلتئم الجماعة فلا تلتئم الجماعة السياسية إلا بالعدل ، ولا عدل أعظم من عدل الوحي ، وإن أساء به الظن من أساء ، وإن أجرم في حقه من أجرم من كهنة الأديان وعلماء السوء الذين أحاطوا بِمُتَمَلِّكَةِ الجور فأعطوهم صك تملك من جنس ما أعطى أرباب الكنيسة للملوك من حق إلهي يُطْلِقُ يد صاحبه أن يحكم بما شاء فهو مؤيد من السماء ! ، فكان الجور العظيم الذي اقْتُرِفَ باسم الدين وهو منه بَرَاءٌ ، فإقامته ، كما تقدم ، لا تكون إلا بالتوحيد والعدل فذلك ما وَصَّى به الرب ، جل وعلا ، أولي العزم ، فكان الأمر أَنْ : (أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) ، فذلك تلازم من جنس التلازم في أمر داود ، عليه السلام ، أَنِ : (احْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى) ، إذ الأمر بالعدل يَسْتَلْزِمُ النهي عن اتِّبَاعِ الهوى ، فكذلك إقامةُ الدين إقامةَ أولي العزم من النَّبِيِّينَ عليهم السلام ، ولا يكون ذلك ، كما تقدم ، إلا بتوحيد خبره من رسالاتهم وتشريع أحكامه من نبواتهم على وجه يواطئ ، أيضا ، دلالة القياس العادل إذ يَقْضِي ضرورة لا يُمَارِي فيها إلا جاحد أو مسفسط ، يقضي ضرورة بالتسوية بين خبر الوحي الصادق وحكمه العادل ، فكلاهما يُقْبَلُ ولا يُرَدُّ وإلا كان التَّنَاقُضُ في القياس أن يُفَرَّقَ بَيْنَ المتماثلين فيكون الإيمان بِبَعْضِ الكتاب دون بَعْضٍ على وجه لا يسلم من الهوى ، وهو مما عمت به البلوى في أعصار التأويل للأخبار والتعطيل للأحكام ، سواء أكان الكفران بِرَدِّ النص صراحة أم بالتحايل تأويلا بعيدا أو باطنا في أحوال ، على وجه لم تسلم منه الأخبار ولا الأحكام كما يظهر في مقال الحداثة المعاصر إذ يتلطف تارة فيقطع النسبة مع الوحي مع إظهار التعظيم فهو تعظيم الأثر الذي يَتَبَرَّكُ به صاحبه دون أن يكون له فعل في الخارج فهو معطل أن يحكم ، وإذا عطل فليس إلا الجور الذي لا يقتصر على جور المتأولة في الأخبار ، وإنما يدخل في حده جور الْمُتَمَلِّكَةُ بما يكون من هوى يسارع علماء السوء في تأوله أن يجدوا له من التخريج على أصول الوحي ما تعظم به الشبهة والجناية فَيُلَبِّسُ على بَعْضٍ أمرَهم ، ويكون سَبَبًا في مروق بعض آخر أن صار الوحي عنده ذريعة إلى الوحي الذي يأنف منه العقلاء الأحرار جميعا ، فما جاء الوحي لتطويع البشر لبعضهم أن يتخذوا بعضا أربابا ولو كانوا أنبياء ، فـ : (لَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ، فجاء لِيُبْطِلَ عبادة البشر وَيَرُدَّ هذا الجنس الشريف من التكليف إلى رب البشر ، جل وعلا ، فوحده من استحقه ، وذلك أعظم ما يحكم الناظر من العدل ، وبه يستقيم الأمر وتبطل شبهات القادحين في الوحي أن استدلوا بما كان من تقصير أهله ، فقد ذاع فيهم الجور لا أن الوحي يأمر بذلك فهو منه براء ، وإن تكلف له من تكلف من علماء السوء ، فلم يأمر إلا بالعدل ، وأعظمه ، كما تقدم ، التوحيد ، فهو أصل كل خير في هذا العالم ، وهو أصل كل قياس صحيح بعده ، إذ يقضي بالعدل المطلق الذي يوجب إعطاء كل ذي حق حقه ، فيعم حقوق الدين وحقوق السياسة وحقوق العطايا .... إلخ ، فلا يكون ثم معيار تفاضل إلا التقوى ، وأعظمها التوحيد الذي يُتَّقَى به الشرك ، فالتوحيد مناط العدل الأول ، وهو مناط الاجتماع الأول ، فمن فارقه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، وذلك وجه يَصِحُّ فيه حمل "أل" في "الجماعة" ، في الخبر : "مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا، خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ" ، على وجه يصح فيه حمل "أل" في "الجماعة" على عهد خاص وهي جماعة الإسلام فمن فارق التوحيد فقد فارق الجماعة التي أمر أَفْرَادُهَا أن يعتصموا بالوحي ولا يَتَفَرَّقُوا ، فأول ما يُعْتَصَمُ به حبلُ التوحيد المحكم الذي يوجب إفراده ، جل وعلا ، بالتوحيد والتشريع فلا يحصل العدل إلا بذلك ، إن في ديانة أو في سياسة ، وهو ، عند التدبر والنظر ، مناط السمع والطاعة في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم حبشي" ، فكان التلازم بين الأمرين ، كما تقدم ، في مواضع سابقة ، فالطاعة بالفعل تَلِي في التصور وزمان الحدوث سَمَاعَ الأمر والنهي ، سماعا يزيد على درك الألفاظ وحصول المعاني في الذهن فهو الاستماع والإنصات ، فذلك مِمَّا خُصَّ ، بداهة ، بِنُصُوصٍ أخرى قَيَّدَتِ السمع والطاعة أَنْ لم تُفْرِدْ أئمة السياسة بطاعة تستقل في اللفظ في قول الرب جل وعلا : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ) ، بل وردت الحكم حال التنازع في الخصومات إلى الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : (إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، فَرَدَّتْهُ إلى الوحي وأخرجت أولي الأمر فليسوا مناط طاعة تطلق بل طاعتهم أن يحكموا بالوحي ، فهو معدن الحق والعدل ، فإن خالفوا عنه فلا سمع ولا طاعة ، بل النصح ما أمكن وإلا الإنكار والزجر والسعي في تَغْيِيرِ الباطل على وجه يواطئ الأمر المتدرج في الخبر أن : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسَانِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ، وَذَاكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" ، فلا يَعْدِلُ عن الأعلى إلى الأدنى إلا إن عجز عن الأعلى عجزا يعتبر لا كسلا وقعودا يتذرع به صاحبه أنه لا يطيق ، ولا يكون منه في المقابل ما يوقع به نفسه وعامة أهل الحق في حرج قد رفعه الشرع أن لم يكلف إلا بالوسع ، فـ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، وذلك ، أيضا ، من حكومات العدل التي تَضِيعُ بين الإفراط والتفريط ، فيكون الإفراط غلوا في الإنكار على وجه لا اعتبار فيه لمفاسد تعظم ، ويكون الجفاء في ترك الإنكار على وجه لا اعتبار فيه لمصالح ترجح ، وحكومة العدل ، كما تقدم ، فضيلة بين رذيلتين ، الغلو زيادة والجفاء نقصا ، فَقُيِّدَ السمع والطاعة في خبر آخر : "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" ، فذلك من الخبر الذي يفيد الإنشاء أن اسمعوا وأطيعوا ، فذلك حق واجب في الشرع ، وهو ما قيد بالحال : "مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ" ، فالطاعة تجب حال انتفاء الأمر بمعصية ، ومن ثم جاء الشرط ينص على مفهوم القيد بالحال إمعانا في توكيد المعنى وتقريره ، فجاء النص على المفهوم على حد الشرط : "إذا" ، ولا يخلو حَدُّ الفعل "أُمِرَ" على ما لم يسم فاعله ، لا يخلو من عموم يقرر المعنى ويؤكده ، فأيا كان الآمر بالمعصية ، وهو ما خص بداهة بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يأمران إلا بحق لقرينة العصمة الثابتة للوحي خبرا وحكما ، فـ : (تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، فإن كان ثَمَّ أمر من غيرهما فلا سمع ولا طاعة إن كان في معصية ، فجاء العطف بالفاء في "فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" مئنة من الفور والتعقيب وذلك آكد في تقرير المعنى في الأذهان فهو مئنة من المسارعة في الامتثال والطاعة ، فضلا عن دلالة السببية ، فالأمر بالمعصية سبب في انتفاء السمع والطاعة ، ولا تخلو الفاء من دلالة الربط بين الشرط والجزاء أن حُدَّ الجزاء حَدَّ الاسم إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، إذ الاسم مئنة من الثبوت ، وهو ما زيد في دلالته عموما استغرق نصا ، فالنكرة في سياق النفي مئنة من العموم ، كما قرر أهل الأصول ، فضلا عن تكرار النفي فهو ، أيضا ، من زيادة المبنى التي تدل على زيادة معنى تضاهيها ، فلا يصدق في حق صاحبها آنذاك أنه قد خالف عن الجماعة ففارقها ، على وجه يجعله يدخل في وعيد الخبر : "مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا، خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ" ، فلم يخالف عن النهي المستفاد من هذا الوعيد فهو ، أيضا ، خبر دلالته دلالة الإنشاء ، أن لا تفارقوا ولا تخالفوا عن جماعة الإسلام ، فمن خالف عن جماعة تسمع وتطيع في باطل فلا يدخل في حد هذا الوعيد الجازم ، بل إنه ، عند التدبر والنظر ، قد امتثل الأمر بملازمة الجماعة ، فهي الحق وإن كان صاحبه فردا ، وهي جماعة الأديان ، فإن أبدان الجماعة ، كما يقول صاحب "الرسالة" رحمه الله ، متفرقة مبثوثة في الأمصار فلئن لم يطق الناظر ملازمتهم جميعا ببدنه فذلك ، بداهة ، مِمَّا يَتَعَذَّرُ ، فلا مناص أن يحمل الأمر على ملازمة جماعة الأديان لا الأبدان ، فجماعة الوحي تصديقا وامتثالا هي الجماعة التي تُوُعِّدَ صاحبها إن فارقها ، وهي جماعة تستغرق الجماعة الأخص ، جماعة السياسة ، فلا يخرج عن جماعة يحكم فيها بالوحي والعدل ، حقيقة لا دعوى ، فمن خالف عنها فقد خالف عن ربقة الإسلام وإن كان المعنى على هذا الوجه لا يستوجب المفارقة التامة كما هي الحال في جماعة التوحيد ، أصل الدين ، فالمفارقة هنا بقدر ما يخرج عن جماعة الحق في خبر أو حكم في سياسة أو حرب على وجه لا يفضي به أن يقارف ناقضا من نواقض الإيمان من قول أو عمل ، فتكون مفارقته بما ينقض كمال الإيمان الواجب لا أصله الجامع فخلعه آنذاك لربقة الإسلام خلع للكمال الواجب دون الأصل الجامع ، فاحتمل السياق كلا الوجهين ، المفارقة الكلية والمفارقة الجزئية ، على وجه صح فِيهِ الجمع بَيْنَ الوجهين واللفظ واحد فذلك شاهد يستأنس به من يجوز دلالة العموم في المشترك ، ولا يخلو الخلع من الرَّبْقَةِ من استعارة المحسوس للمعقول فذلك من تقريب المعاني للأذهان أن تشبه بحقائق يدركها الحس ، فاستعير الخلع المحسوس للمفارقة المعقولة ، واستعيرت الربقة في العنق للعقد في القلب ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن الخلع والربقة ، كلاهما ، من الأجناس العامة المطلقة فمنها المحسوس ومنها المعقول ، والسياق هو الذي يعين مراد المتكلم فلم يُوضَعَا ابتداء للمحسوس لِيُسْتَعَارَا للمعقول وإنما وُضِعَا وضعا أول مطلقا ثم جاء القيد في الخارج يرجح المحسوس تارة والمعقول أخرى .
و "أل" في "الجماعة" ، من وجه آخر ، تعم أجناسا شتى ، فَثَمَّ جماعة الإسلام فَمَنْ فَارَقَهَا فقد خالف عن أصل الدين الجامع ، وَثَمَّ جماعة السنة ، فمن خالفها فقد خالف عن كمال الدين الواجب إلا إن كانت البدعة التي انتحلها فعدل عن السنة لأجلها ، إلا إن كانت مما يقدح في أصل الدين ، وثم الجماعة السياسية وهي الجماعة التي أَمِيرُهَا واحد يحكم بالوحي النازل ويعدل في الخصومات والعطايا فهو الذي تجب ملازمته مَا لَازَمَ الحق فإن عدل عنه فَالْمُفَارَقَةُ تَكُونُ بقدر ما يُفَارِقُ الحق ، على وجه لا يخلو من إنكار ، ولو بالقلب ، وذلك ما يَفْتَقِرُ إلى فقه يدق أن تُعْطَى كل حال خالفت عن الحق ، أن تُعْطَى من الحكم ما يلائمها على وجه يحصل به أكبر قدر من المصالح ويندفع به ، في المقابل ، أكبر قدر من المفاسد .

و "أل" في "الجماعة" ، من وجه جامع ، تستغرق جميع ما تقدم فهي الجماعة التي استغرقت معنى الكمال الديني والأخلاقي والسياسي .

وقد استعير الشبر ، أيضا ، فهو مقدار محسوس استعير لمقدار معقول من المفارقة ، وذلك ما يَعُمُّ المفارقة في العلم أو في العمل ، في السياسة أو في الحكم ، ويعم المفارقة المحسوسة ، من وجه ، إن كانت جماعة الحق في موضع فَيُفَارِقُهَا طَوْعًا رغبة عن الحق ، فمن فَارَقَ الجماعة الْمُثْلَى شِبْرًا يُعْقَلُ أو يُحَسُّ فهو داخل في الوعيد بقدر ما فارق ، فالقياس يطرد وينعكس ، والحكم يَتَفَاوَتُ تَبَعًا لتحقق الوصف في المحل ، وذلك مناط الحكمة أن يُنَاطَ الحكمُ بالوصف وجودا وعدما ، وأن يُنَاطَ بِالْقَدْرِ قوة أو ضعفا .

والله أعلى وأعلم .