اعرض النتائج 1 من 5 إلى 5

الموضوع: التشبيهات المبللة بالإيحاءات الهامسة

  1. #1
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 7658

    الكنية أو اللقب : أبو يحيى

    الجنس : ذكر

    البلد
    بلاد الحرمين

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : آخر

    التخصص : اللغة العربية وآدابها

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 6

    التقويم : 93

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل7/11/2006

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:03:32 PM

    المشاركات
    2,119
    تدوينات المدونة
    14

    التشبيهات المبللة بالإيحاءات الهامسة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله أيها الفصحاء والفصيحات
    تحية طيبة.. وبعد:

    فلعل سائلا يسأل : من أين جئت بهذا العنوان الندي الهامس لموضوعك هذا؟

    فأقول ـ وبالله التوفيق ـ: لقد وقع عليه ناظري عند قراءتي لكتاب الدكتور محمد أبي موسى: (التصوير البياني: دراسة تحليلية لمسائل البيان)، وذلك في أثناء حديثه عن تشبيهات امرئ القيس التي شفّت رمزا ببوح النفس المتواري من وراء ستر التعبير الشفيف.
    من مثل قوله مشبها الليل محملا بالهموم بموج البحر؛ وما فيه من بوح بأسرار النفس المعذبة القلقة المطحونة نفسيا.
    أو تشبيهه الآخر للبرق بمصابيح الراهب؛ وما فيه من إيحاء شفيف بحاجة تلك النفس القلقة الممزقة الظامئة إلى الاطمئنان بجوار روحانية القداسة وطهر العبودية الخاضعة لجلال الحق.

    وقد علق الشيخ أبو موسى تعليقا جميلا مختصرا اقتبست منه عنوان موضوعي هذا بقوله:
    (والمهم أني أستجيد هذه التشبيهات المبللة بهذه الايحاءات الهامسة؛ والتي تفتح بابا للرؤية البعيدة).

    قلت: ومن من متذوقي الشعر لا يستجيد مثل هذا البوح الشفيف المكثف!

    إن تلك الخصيصة الإيحائية الرامزة لتكاد تنتظم جميع صور امرئ القيس الشاعر العريق جدا في ذاكرة الشعر العربي؛ لا سيما تشبيهاته. وأذكر مرة أني وقفت عند قوله:
    كأني غداة البين يوم تحملوا *** لدى سمرات الحي ناقف حنظل

    فاستشعرت وراء هذه الصورة الحية لناقف الحنظل شيئا كثيرا مما لم يُقل؛ عندما تصل الحيرة والشتات العاطفي إلى أقصى درجاتها. إنه إيحاء الكلمات الذي يسافر بك في خلال روح الشاعر، ويدخلك في دهاليز عقله الباطن.

    من هنا كان امرؤ القيس هو أشعر الشعراء؛ لأنه احترق شعرا؛ فكان كالشمعة التي تضيء وهي تحترق. وبمزيد استمرار ذوبانها تكون مدة إضاءتها.

    لا شك عندي أن خصيصة الإيحاء الرامز هي من أهم خصائص الشعر الجيد؛ فما الشعر إن لم يكن فيضا روحيا وإن لحقه شوب من علائق الجسد! وأقصد بعلائق الجسد هنا : هو التشكل المادي من خلال التعبير الفني. ولولا هذه الفنية في التعبير لما كان هناك من سبيل إلى رؤية روح الشاعر مطبوعة في مرآة فنه.

    من هنا كانت رؤية النقد الحديث صحيحة تماما في اطراح كل نظم ـ وإن توسل بالإيقاع الشعري الخارجي ـ ما لم يؤدّ إلى هذا الغرض المراد من الشعر من خلال إيقاع تفاعلي هو أعمق من مجرد المحاكاة الساذجة.

    على أن هذه الرؤية المعاصرة لم تكن إلا عين رؤية النقد القديم ما زادت إلا بجنوحها إلى تنميق الكلام وزخرفته وتطويله مما عساه ألا يؤدي إلا إلى تعويم المصطلحات وتشتيت الدلالات؛ فما الشعر إلا الشعور، وما الشعور الحق إلا إيحاء بالصورة. وما الصورة إلا نقل لمعاني النفس.
    وما الشاعر إلا مصور لهذا الإيقاع الداخلي المحتدم من خلال التعبير الفني المكثف الموحي في شكل مادي وصورة خارجية محسوسة.

    وعندما يصل الحديث النقدي إلى الإيقاع؛ فقد وصل إلى دهاليز حقيقة الشعر متجولا في ردهاته الفسيحة.

    لولا الإيقاع لما كانت الصورة. وأيما صورة تلبست بالوهم ـ كحال كثير من الشعر المحدث ـ فإنها ليست من الشعر في شيء؛ لأن الصورة إنما تُحمَّض وتُمْحَض في معمل الخيال. والوهم لا يلتقط إلا الوهم؛ وشتان بين الوهم والخيال! وكذلك كل صورة لم تخرج من معمل التجربة، ولم تجاوز حدود اللسان؛ فمآلها إلى النسيان.

    على أن الإيقاع إنما هو حركة النفس في مستواها الروحي؛ وهي حركة لها وجود أعلى مرتبط بإيقاع اللغة؛ فاللغة لها علو وهبوط بين الروح والجسد. والخيال ـ لا الوهم ـ هو قنطرة ذلك الالتقاء.

    (شعراء) زماننا هذا لا يعرفون التوسط: فإما مقلدون نظامون لم يتشرب شعرهم تضرُّم تجاربهم ولم يدرجوا على إيقاع النفس الموقَّع؛ وإما شاطحون ـ من الشطح ـ على طريقة الصوفية بدا لهم الوهم في لبوس الخيال، ونزعوا عن اللغة كينونتها المقدسة. وقليلٌ هم الشعراء بحق!

    ختاما أقول: لقد لفت نظري شعر شاعر اسمه الدكتور: سمير العمري، قرأت له مصادفة في أحد المنتديات المهتمة بالشعر قصيدة بعنوان: (عند ضفة حزني)؛ فوجدت قصيدته تلك تتحدث بلسان الحال عما أدندن حوله هنا بلسان المقال؛ فمن أراد الشعر الحق فدونه ذلك المهيع!

    يبقى هذا رأيا شخصيا، ولا ألزم به أحدا!

    والله أعلم،،،
    والحمد لله أولا وآخرا،،،

    وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحمِينَ

  2. #2
    لجنة الإشراف العام

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 44378

    الكنية أو اللقب : ذات المنطق

    الجنس : أنثى

    البلد
    سوريا

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : ماجستير

    التخصص : علم السلوك

    معلومات أخرى

    التقويم : 45

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل20/6/2013

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:05:26 PM

    المشاركات
    1,292
    تدوينات المدونة
    7

    السلام عليكم
    الأستاذ الكريم الشاعر أحمد بن يحيى
    الفرق الذي أشرتم إليه بين الوهم والخيال في كتابة الشعر ، قد يوهم قارئ هذا الموضوع .
    ربما قصدتم بالوهم (ما يظنه الشاعر في نصه الشعري ) وهو ليس فيه ؟
    ربما قصدتم بـ(الوهم ) تقصير الشعر عن وظيفته في التخييل المعنوي الانفعالي الوجداني على وجه الخصوص. أو لنقل: تقصيره عن ربط الصورة الفنية بقيمة معنوية انفعالية داخلية.
    فالخيال المعنوي الانفعالي الداخلي يشكّل الصورة الشعرية تشكيلا داخليا وجدانيا متشعب الأبعاد كما في صورة (ناقف الحنظل ) التي أشدتم بها . لا تشكيلا خارجيا يرسمها بالكلمات رسما سطحيا مظهريا.
    فروح الشعر وجوهره في التصوير الفني مشروط بالعمل على أساس البعد الداخلي الانفعالي أو الوجداني في النفس البشرية .
    والفرق بين الوهم والتخييل يكمن في قدرة التخييل على إثارة نوع من الحوار العميق مع القارئ ، يعجز عنه الوهم الذي قد يتمثل بالتصوير الخارجي السطحي مهما كان دقيقا وحرفيا .
    هل أصبتُ المقصود ؟؟
    مع التحية والتقدير


  3. #3
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 7658

    الكنية أو اللقب : أبو يحيى

    الجنس : ذكر

    البلد
    بلاد الحرمين

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : آخر

    التخصص : اللغة العربية وآدابها

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 6

    التقويم : 93

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل7/11/2006

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:03:32 PM

    المشاركات
    2,119
    تدوينات المدونة
    14

    حياك الله أستاذتنا الفاضلة الشاعرة الناقدة الألمعية: أ.ثناء
    شرفتني بمرورك الكريم على خربشاتي المتواضعة؛ فما زلتُ كما ترين ناشئا شاديا في كتابة المقالة النقدية، ولا غنى لي عن توجيهكم وإرشادكم.
    لعلي لم ألحّ بالشرح؛ فاكتفيت بالإيماء في نقطة تقتضي البسط والتفصيل؛ وذلك راجع لقلة خبرتي في هذا المجال.

    إنما قصدت بالوهم هنا ما يتقاطع مع مضمون مقالتك الرائعة الموسومة بـ : (تقييد الانزياح الدلالي في مجاز الشعر):
    http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=87739

    وقد كان حديثي عن فئتين من منتحلي الشعرية إفراطا وتفريطا؛ أما أصحاب التفريط ـ وهم أصحاب الرسوم من المقلدة والنظامين ـ فلا يتوجه إليهم سياق الحديث عن الوهم هنا؛ فهم لم يجوزوا مدرجة التخييل حتى يطوفوا بقباب الوهم. إنما كان مقام النعي متوجها إلى من كسروا نظام الإيقاع الدلالي للغة بحجة تفجيرها وبعث الصورة مدهشة غضة؛ وهو حق أريد به باطل. ولذلك شبهتهم بأصحاب الشطح من الصوفية. وقد جاء ذكر القسيمين هنا إفراطا وتفريطا على اعتبارهما طرفي نقيض بينهما المدرجة الوسطى التي أشرتِ إليها بتعليقك الجميل:

    فالخيال المعنوي الانفعالي الداخلي يشكّل الصورة الشعرية تشكيلا داخليا وجدانيا متشعب الأبعاد كما في صورة (ناقف الحنظل ) التي أشدتم بها . لا تشكيلا خارجيا يرسمها بالكلمات رسما سطحيا مظهريا، ولا تشكيلا باطنيا متوهما قائما على أنقاض البناء اللغوي(الإيقاع اللغوي)؛ الذي هو أساس الإبداع التخييلي .

    (وقد أضفت باللون الأحمر ما يكمل مقصودك، ويبين مقصودي)

    هذا مرادي. وأرجو إرشادي إن ضل قلمي طريق الرشاد.

    والله أعلم،،،
    مع خالص التحية والتقدير والامتنان لمقامكم الكريم،،،

    وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحمِينَ

  4. #4
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 52524

    الجنس : ذكر

    البلد
    الجزيرة

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : العربية

    معلومات أخرى

    التقويم : 2

    الوسام: بلا وسام حتى الآن
    تاريخ التسجيل11/11/2016

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:06:14 AM

    المشاركات
    265

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته
    بورك فيك وفي فكرك أستاذ أحمد
    امرؤ القيس محترف جدا فيما قلت لدرجة أنه قد يدس الإيحاء في النص دسا ويباعد بينه وبين الكلمة التي تفك لغزه فيسافر هذا الإيحاء عبرالزمن والعلماء والأدباء لا يفطنون له ثم يفطن إليه عالم بعد مئات السنين .
    وذكر الشيخ أبو موسى مثالا لمثل هذا قصيدته ألا عِمْ صَبَاحاً أيّهَا الطّلَلُ البَالي وقال بأن الأعلم الشنتمري قال بأن الطلل هو الشاعر نفسه لأنه يقول بعد ذلك
    ألا زعمت بسبابة ُ اليوم أنني كبرت وأن لا يحسنُ اللهو أمثالي
    هذا الاكتشاف يجعلنا نقرأ القصيدة قراءة نابعة من تأثير هذا الرمز .
    بعد ذلك يقول
    كَذَبتِ لَقَد أَصبى عَلى المَرءِ عِرسُهُ وَأَمنَعُ عِرسي أَن يُزَنَّ بِها الخالي
    وَيَا رُبّ يَوْمٍ قَد لهَوْتُ وَلَيْلَة ٍ بِآنِسَة ٍ كَأنّهَا خَطُّ تِمْثَالِ
    ثم يستمر في أبيات كثيرة يسرد مغامراته مع النساء .
    قوله كذبت والالتفات من الغيبة إلى الخطاب على تقدير كلام محذوف من القاريء كأن القاريء يحدثه امرؤ القيس فلما سرد الشاعر زعم بسباسة وأنها قالت كذا وكذا قال القاريء فماذا قلت لها ؟ فيقول الشاعر قلت لها كذبت .. . .
    وأكثر في هذه القصيدة من سرد مغامراته ويذكر مغامرة ثم يخاطب بسباسة ومثلك بيضاء العوارض طفلة ثم يسرد مغامرته مع هذه الطفلة .
    وفي القصيدة كلام خفي فقد استفزه كلام بسباسة لكن هناك كلام لها لم يذكره يدل عليه ردوده فتجعل الطلل يهمس لنا بإيحاءات مثلا الطلل هجره أهله إلى مكان جديد وبيت جديد مثل امريء القيس لما هجرته زوجته واتهمها بأنها محبة لعلقمة الفحل وبعد ذلك طلقها امرؤ القيس فتزوجت علقمة فسمي علقمة الفحل لهذه القصة .
    يقول امرؤ القيس
    ألا عِمْ صَبَاحاً أيّهَا الطّلَلُ البَالي &&وَهل يَعِمنْ مَن كان في العُصُرِ الخالي
    امرؤ القيس يخاطب امرؤ القيس الذي هرم وشاخ وكرهه وهجره النساء بعدما شاخ وهذا سر الحميمية ألا عم صباحا فيرد عليه امرؤ القيس الهرم بالتحسر على وحدته وخلو سيرته بعدما من تلك المغامرات المغرم بها الشاعر , فقوله وَهل يَعِمنْ مَن كان في العُصُرِ الخالي هذه الواو فصلت كلام العجز عما قبله فإما أن يكون العجز تعليقا تعليقا من الشاعر على قوله للطلل عم صباحا وإما أن يكون هو كلام الطلل وإذا عرفنا أن الطلل هو الشاعر فالمسألة إيحاء . فوصف الطلل بالبالي كأنه ثوب بالي لا يحب الإنسان لبسه فالجديد له مذاقه الخاص , كله إيحاء مثل الذي يتزوج فتاة صغيرة ماهو شعور أم عياله ؟ هو شعور الشيء القديم لما يستبدل بشيء جديد , إيحاء الاستبدال في كلمة البالي واضح ويجب أن نسقطه على الشاعر لأننا قررنا أنه هو الطلل .
    يدل على ذلك استخدام من الموصولة التي للعاقل وأقوى دلالة منها كلمة الخالي لأنها اسم فاعل عامل وهي صفة لموصوف محذوف حذف ليكون المعنى وهل يعمن من صار هو المتصف بهذه الصفة صفة الخالي لأن كان معناها صار وصار للتحول كأنه قال من تحول إلى هذه الصفة .
    ثم يقول
    وَهَل يَعِمَنْ إلا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ &&قليل الهموم ما يَبيتُ بأوجالِ
    سعيد لا يوصف به إلا بالبشر فيكون حذف موصوفه على هذا الأساس لأنه خاص بجنس معين فإن قلت عصفور سعيد أوطلل سعيد فكلامك استعارة ومخلد أي من خلد في الشباب فهو سعيد لأن النساء يحبونه . أبا يحي هل توافق أن الطلل يرمز إلى الشاعر ؟ وهل توافق أن هذا الشاعر محترف جدا في حشد الإيحاءات وتعبئة الألفاظ بها ؟
    والله أعلم


  5. #5
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 7658

    الكنية أو اللقب : أبو يحيى

    الجنس : ذكر

    البلد
    بلاد الحرمين

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : آخر

    التخصص : اللغة العربية وآدابها

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 6

    التقويم : 93

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل7/11/2006

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:03:32 PM

    المشاركات
    2,119
    تدوينات المدونة
    14

    حييتَ أستاذي الفاضل: (العربية لسان قومي) وما نثرت هنا من صيب الفكر ومونق النظر. بارك الله فيك وزادك فقها وحذقا!

    لا شك عندي في احترافية هذا الشاعر(الملك الضليل) في هذا الميدان الفسيح: ميدان الإيحاء؛ بما بعثه من لغة شعرية مضمخة بحيوية الصورة الرامزة التي تومئ وتشير لحظا خفيا من طرف خفي؛ ابتداء من الرمز القريب المقيس بأدوات البيان؛ كاستعارته المشهورة: (قيد الأوابد) ونحوها، مرورا بمشاركة الطبيعة شجن الصورة بأدوات الرسام قبل الشاعر؛ كما في غالب تشابيهه في معلقته خاصة، ثم وصولا إلى مشارف الإيحاء الفسيحة بتشكلاتها الفلسفية والوجودية التي تتراءى لنا فيها روح الشاعر بإنسانيتها وضعفها الفطري من وراء أستار الزخرفة الجمالية والقوة الفنية الشعرية؛ فإذا روح الشاعر تتعرى لنا في حياء من وراء سترها الشفيف الذي لا يعدو أن يكون : كـ (لبسة المتفضل).

    إن الولوج في دهاليز رمزية الشعر طريق متوعر ومسلك خطر؛ على غير الملمّ بأسرار كينونة اللغة في بعدها الماورائي رمزا وصورة(فذلك أشبه بتعبير الرؤى)، وعلى غير المحيط بنفسية الشعراء ومعنى الشعرية المستكنة في نفوسهم، والمطلع على أسرار النفس وتقلباتها وحيلها وعقدها وتصاريف شؤونها.

    فأبو يحيى إذن أقل من أن يستشعر ما تذوقه شيخنا أبو موسى - بما فتح الله عليه من العلم والذوق والبصيرة ـ في معنى الطلل البالي عند امرئ القيس؛ وإن كنتُ ابتداء أرى رأي من قال من النقاد: إن المقدمات الطللية في الشعر الجاهلي إنما هي رموز لما وراءها من مشاعر وانفعالات تجسدت في صورة الطلل!

    حسبي في هذا الطور التذوقي أن أستشعر بعضا من فضاءات الإيحاء في بعض صور الملهمين من الشعراء لعلي أكتشف وراءها جديدا. وما زلت في كل مرة أقرأ فيها صفة المطر وأثره عند امرئ القيس ابتداء من وصف البرق وصولا إلى ختام القصيدة؛ وذلك قوله:

    كأن السباع فيه غرقى عشية *** بأرجائه القصوى أنابيش عنصل
    ما زلت أستشعر بعضا من هبّات ذلك الإيحاء؛ لأني رأيت عيانا منظرا لم تكن السباع فيه هي الغرقى؛ بل سيارات حمل البضائع الضخمة(التريلا)؛ كلها قد غرقت وطائرات الإنقاذ تهب من كل ناحية. ولم يبق منها إلا مقدمتها وهي تغوص كسفينة (التايتنك)!

    الشاهد في هذا الأمر: أنْ ليس المعاين كالسامع؛ فكيف إذا كان مثل ذلك المعاين هو شاعر الصورة والإيحاء؛ لا شك سترتسم الصور في قرارة نفسه بطريقة أخرى؛ بحيث يصف الشاعر الصورة الخارجية للطبيعة مجازا لحقيقة صورة معنوية مستقرة في نفسه؛ وبحيث يتفاعل الداخل مع الخارج. ويبقى السؤال : ما الصورة الداخلية عند الشاعر الموازية لغرق السباع في السيل حتى لم يبق منها إلا ما يشبه أصول البصل البرية؟!

    هنا يفتح باب التأمل في إيحائية اللفظ والصورة، وهذا هو الشعر في رمزيته وشفافيته. وتأمل ظلال الألفاظ من خلال الصورة في قوله: (غرقى) ـ على صيغة (فَعْلى)، بأرجائه القصوى، أنابيش عنصل.. وهذا غيض من فيض وبعض تأمل لا يسع المقام لمزيد الاسترسال فيه.

    والله أعلم،،،
    وتحية ملؤها التقدير والاحترام لرفيع مقامكم أستاذي
    نفع الله بكم الأمة وزادكم علما وحكمة!

    وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحمِينَ

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •