مما تقرر في باب الاستدلال في الشرعة الخاتمة أن الحق في أي باب من أبواب الشرع لا يُنَالُ إلا بالجمع بين نصوص الباب ، كما هي الحال في نصوص السمع والطاعة ، فثم نصوص أطلقت كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيُّ مُجَدَّعُ مَا أَقَامَ لَكُمْ كِتَابَ اللَّهِ" ، وَثَمَّ أخرى قيدت ، فـ : "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" ، فلا بد من الجمع بين نصوص هذا الباب ، لئلا يكون الأمر بالسمع والطاعة ذريعة إلى الاستبداد باسم الدين تارة ، وباسم السياسة أخرى ، فيكون حسن السياسة أن تخضع الرعية خضوع التسليم المطلق الذي لا يكون إلا لوحي مُنَزَّلٍ ، فاستعير لأجل ذلك من نظرية الحق الإلهي ما ضَاهَى فيه صاحبُ الملك صاحبَ الرسالة ، فهو مصطفى من الله ، جل وعلا ، بالجاه والثروة ، ومن أنكر عليه فهو يعارض المشيئة الربانية التي اختارت هذا العرق أو هذه النخبة أو هذه الأسرة الحاكمة ، فقد علم الرَّبُّ ، جل وعلا ، فِيهَا من أمارات السيادة ما صَيَّرَهَا النائبة في الحكم المالكة للأرض وَالْعَيْنِ ، فهي تملك الثَّرْوَةَ على وجه يجعلها مثار الحسد والحقد فلا يُبْغِضُهَا إلا شانئ فهو أَبْتَرٌ كشانئ الوحي ! ، فلا يحركه إلا الغيرة أن اخْتُصَّتْ بالسيادة دونه ، فالسيادة اصطفاء خاص يضاهي اصطفاء النبوة ، فلا يخضع صاحب هذه النظرية السياسية السيادية لمحاسبة ، فصارت هذه النظرية ، ولو بلازم القول والحال ، نظرية سياسية رسالية ! فهي معصومة من الخطأ أو هي في أحسن الأحوال أَرْقَى من سَائِرِ الْبَشَرِ ، فَلَهَا من القيم ما تحاسب به غَيْرَهَا ولا تُحَاسِبُ نَفْسَهَا إذ اسْتُثْنِيَتْ من الحساب فَقِيَمُهَا لا تَنْطِقُ إلا بِتَزْكِيَةِ النفس وتسويغ الاستبداد الذي تقارفه فمهما ظلمت وقارفت من الجناية فلا تقر بالخطإ ، سواء أكانت تعلم أنها تقارف الخطأ وإنما مَنَعَهَا الكبر الذي يتأول صاحبه ما يقارف من الأخطاء أنه الصواب المطلق فلا وخز ولا وجع ، وإن قتل وهتك ، فهو يفتح الأمصار بسيف التحديث والتطوير ، فلا أقل أن ينال سيادة الحكم وثروة الأرض التي فَتَحَهَا فَذَلِكَ أقل ما يُبْذَلُ لشكرانِ النعمة السابغة التي أسدتها القوة الغازية التي لا تَرَى في الشعوب المفتوحة إلا خدما ورقيقا ، فلئن سعت فِي تَثْقِيفِهَا فَبِقَدْرِ ما يُؤَهِّلُهَا لأعمال الخدمة وفنون الصنعة دون أن تحدثها النفس أن تحكم أو تشارك في صناعة قرار أو رقابة واحتساب ، فليست أهلا لذلك إذ يقصر عقلها الضعيف أن يدرك الجليل من أمور السياسة والحرب فحسبها أن تحظى بعطايا أولياء النعم من الحكام والسلاطين وإن ألقوا إليها بفتات الموائد ، فلا تطيق مساءلة صاحب السلطان سواء أكان فردا أم هيئة كهنوت أو سياسة ، أم نخبة من عرق أو جنس يَرَى أنه العرق النابض بالحضارة ، فهو الذي اصطفي بالذكاء والجمال والقوة والفصاحة وسائر أسباب الرياسة ، فلا يطيق الجاهل القبيح الذي لا يكاد يبين ، لا يطيق بداهة أن يجادله ، ولو بحجة الحق رسالة محكمة كما صنع الكليم عليه السلام فَرَامَ الاحتساب عَلَى الفرعون المتَأَلِّهِ الذي يظن في نفسه ما يظن كل طاغوت متجبر فوحده من يفهم ويفقه ويدرك من الدقائق ما لا يطيقه العامة فهم الهمج الرعاع الذين لا صلاح لهم إلا أن يُرِيَهُمُ الفرعون ما يَرَى ، وإن عَطَّلَ الوحي وأفسد السياسة وأساء في النفقة فلم يَعْدِلْ ، وَفَرَّطَ في الأرض والثَّرْوَةِ ، وَقَمَعَ من يخالف فاستباح لأجل المُلْكِ أن يخادع ويخاتل ، ولو قَرِيبًا ذا رحم ، فالملك العقيم لا يصل رحم القريب ، وأما الملك الرشيد فهو يصل البعيد كما يصل القريب ، بل القريب معه في محنة ! ، فلا يُعْطَى إلا بعد أن يُعْطَى من هو أَوْلَى ، فلا يطمع أن يجاوز محله ، ولو آخر الناس ، كما كانت حال بني عدي مع الراشد عمر ، رضي الله عنه ، فكانت ولايته عليهم ضيقا وعلى سائر الناس سعة ! ، فذلك ، وحده ، مَنْ يُطِيقُ أصحاب الديانة والسياسة جداله ، فلا يخشون في سلطانه الجور ، وإن كَرِهَ منهم من كَرِهَ فلا يحبه حتى تحب الأرض الدم ، ولكنه لا يمنع الحق أهله ، ولا يخشى إنكار مخالف ، بل يخشى أن يدارى ويداهن فلا ينطق الناس بالحق هيبة سلطانه ، فـ : "لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم" ، وهو ، مع ذلك ، جليل القدر تَهَابُهُ الفحول وَتَهْتَزُّ بذكر اسمه العروشُ ، وإن لم يتكلف من آيات العظمة والأبهة ما يتكلفه ملوك الجور والاستبداد في زمانه وفي كل زمان ، فتلك سنة جارية لمن تدبر حال الملوك ، فكلما ضعف الْمَلِكَ أو السلطان في نفسه تكلف من آيات العظمة والأبهة ما يجبر به نقصه ، فلا يكون الكبر ، كما يقول بعض الأدباء ، إلا في الأجناس الذليلة المهينة التي لا تطيق عزيزا يجاورها أو شجاعا يحاورها ، فليست أهلا لذلك وإنما يجاورها من سفلت همته وذهبت مروءته فَرَضِيَ أن يخضع وَيَنْقَادَ على وجه يشارك فِيهِ الدوابَّ وَصْفَ النقص فلا عقل يجادل ولا إرادة تقاوم ، وإنما ذُلٌّ أحاط بالأعناق إذ حرصت على العطية ، ولو دَنِيَّةً ، فليست إلا فُتَاتَ موائد ، فَلَيْتَهُ كان في طلب الشرف في الدنيا كرجالٍ في السياسة والحرب خَالَفُوا عن الوحي في الأمر والنهي فسفكوا وهتكوا ، ولكنهم ، ولو بمعيار السياسة المحدَث ، قد حازوا الشرف فَلَهُمْ من علو الهمة ما لا يَرْضَى إلا بالقمة ، فلا تطيب نفوسهم أن يكونوا أتباعا فما خلقوا إلا سادة ، وذلك صنف من الرجال عجيب ، يحار الناظر في جَلَدِهِ وإن فاجرا ، ومنه اشتكى الفاروق عمر ، رضي الله عنه ، فـ : "اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة" ، فلم يَنَلْ أولئك الأتباع لرياسات الجور والاستبداد لم يَنَالُوا من علو القدر وكمال الوصف ، لا بمعيار الوحي ولا بمعيار الوضع ! ، فبئست صفقتهم إن في الدين أو في الدنيا ، فلا هم بررة أتقياء ولا هم فجرة أقوياء ، وإنما رضوا بأن يكونوا أذلة أدنياء ، سقطَ متاع لا يأبه به عاقل ، فلا حظ لهم من التوقير ، فـ : (مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) ، ولا حظ لهم في بلاط الحاكم إلا محل الذلة والصغار ، فالحرص قد أذل أعناق الرجال فحملهم أن يسكتوا عن الباطل ويداهنوا فِي الوحي النازل ، إن كان لهم من العلم حظ به تقام الحجة ما لا تقام على غيرهم ، فلا يعظم الساسة هذا الجنس الذليل ، ولا ترى هذا الصنف إذا ولي من الأمر رياسة إلا متكبرا متجبرا لا يطيق هو ، أيضا ، من ينكر أو يستدرك وإن أقام الدليل المحقَّق ، فالأمر ، إذا تدبر الناظر ، حلقات تَتْرَى ، من ذليل إلى آخر ! ، وَكُلٌّ يَتَكَلَّفُ من الْعِزَّةِ بالإثم ما به يسكن شهوة الرياسة ولو خلاف المروءة والديانة ، فَلَا تَجِدُ والحال كذلك إلا تأويل الخطأ على وجه يُضاهِي تأويل الباطن ، فمهما اقترف هو أو مخدومه إن كان من بطائة سوء وجور ، فمهما اقترف فلا يجد الناظر في كلامه إلا التبرير الذي يتكلف من وجوه التأويل ما يخالف عن النقل والعقل جميعا ، وإذا أخطأ الخصم في موضع احتمال ، يسوغ فيه الاجتهاد ، أو كان الخطأ رد فعل لخطأ أعظم ، فلا يكون الإنكار إلا على الخصم ، ولا تجد في المقابل إلا تَزْكِيَةَ النفس بحق أو بِبَاطِلٍ إذ احتكر القائل الحقَّ ، فَقِيَمُهُ وأخلاقه ، قِيَمٌ تحاسب الناس ولا تحاسب النفس ، فلا حظ لها من قول الفاروق عمر : "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية" ، فنصوص الرسالة وآثارها قد رَسَّخَتْ في نُفُوسِ أَتْبَاعِهَا حسابَ النَّفْسِ ، لا تَزْكِيَةَ النفس ، وبها فارقت الرسالة سائر مناهج الوضع ، فَفَارَقَتْهَا أن لم تجعل الحق حكرا على عرق أو لون بل جاءت بمعيار تفاضل محكم هو ، عند التدبر والنظر ، معنى يحصل بالاجتهاد والاكتساب الذي يَتَسَاوَى فِيهِ النَّاسُ ، فليس معيار وهب خُصَّ بِهِ قَبِيلٌ من البشر دون آخر ، فليس ذلك إلا النبوة ، فوحدها الوهب الذي لا كسب فيه ، وأما التقوى معيار التفاضل الذي أَبَانَ عَنْهُ الوحي النازل في قول الرب الخالق جل وعلا : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، فأما التقوى فهي مما يكتسب ، فالناس فيه يَسْتَوُونَ ، فلا يفضل جنس أو عرق آخر ، بل الواجب هو التواضع كما قد أوحى الرب وعلا إلى نبيه الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إن الله أوحى إليّ أنْ تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد" ، فكان التوكيد بالناسخ "إِنَّ" فهو في معجم اللِّسَانِ نص في التوكيد ، ولا يكون إلا في شأن جليل ، وزد عليه اسمية الجملة إذ افتتحت باسم الله ، جل وعلا ، الاسم الأعظم الذي استجمع معاني التأله والعبودية وذلك ما يحسن في سياق يحض على التواضع ، فإن آكد أجناسه التواضع لله ، جل وعلا ، عبودية وانقيادا ، والتواضع لشرعه المنزَّل تصديقا وامتثالا ، فلا يخرج عن منهاجه لا في دقيق ولا في جليل ، ولا يخالف عن أمره ونهيه ، فذلك مناط التحذير المشفوع بالوعيد في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، وكان الوحي سنَّةً محكمة كما هو آية منزَّلة وبه استدل من استدل أن السنة وحي منزَّل وإن لم يَتَوَاتَرْ لفظه ويعجز ، فَلَيْسَ مناط تعبد ولا إعجاز باللفظ ، وإنما التعبد بمعناه والإعجاز في فحواه أن أخبر بالصدق وكان فيه من إعجاز الخبر والعلم ما يُبِينُ عنه البحث والتجريب في كل جيل ، فلا يزيده نَظَرُ النُّظَّارِ إلا صدقا ، وآي الإعجاز في صدقه وعدله مما اشتهر في كلام المصنفين في هذا الباب الجليل ، باب الإعجاز في الكتاب والخبر ، فكان الوحي الذي انتهت غايته إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتلك دلالة "إلى" في "أوحى إلي" كما يعلم بالرجوع إلى معجم اللسان فهو حكم بين العقول إذا اختلفت في الدلالات فضلا عما يحتف باللفظ من القرائن ، من السياق أو من بساط الحال ، فَبِهَا يظهر من المعنى الزائد ما لا يظهر ، بادي الرأي ، بالنظر في دلالة المعجم المفردة ، فلسان العرب ، بمنطوقه ومفهومه ، بدلالاته المعجمية المفردة ونظائرها السياقية المركبة ، هذا اللسان هو معيار الحكم في تفسير الألفاظ وتأويل النصوص تأويلا صحيحا يقبل فلا يستند إلى هوى أو ذوق ، ولا يخالف عن جادة المشهور من كلام العرب الذين نَزَلَ الوحي بلسانهم ، فهو الحجة لا ما خالف عنه من لسان أعجمي ، أو آخر اصطلاحي متأخر فلا يحكم في المتقدم ، وإنما يُحْكَمُ في كل نص ، وحيا أو وضعا ، بلسان زمانه الذي نطق به ، وذلك أصل في تأويل النصوص وتفسير الألفاظ إذا اختلف النظار فيها ، فكان من دلالة السياق في هذا الخبر ما أوجب حمل اللفظ على وحي الرسالة وهو وحي يزيد على وحي الإلهام ، فالإلهام مما يحصل للنبي وغيره ، فلا يحصل فيه فرقان يميز ، وإن كان إلهام النبيين أشرف قدرا وأعلى رتبة فهو يلحق بوحي النبوة ، فمثله كمثل الرؤيا ، فرؤيا النبوة حق ، كما في محكم التنزيل إذ امتثل الخليل فَهَمَّ بذبح ابنه إسماعيل لولا أن نداه الرب ، جل وعلا ، نداء المنحة بعد المحنة ، فكان البلاء المبين بالذبح العظيم ، فذلك وحي وإن رؤيا منام ، وكذلك النفث والإلهام ، وإن كانا في الرُّتْبَةِ أدنى من وحي التَّنْزِيلِ ، فـ : "أَحْيَاناً يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ. وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ. فَيَفْصِمُ عَنِّي ، وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ ، وَأَحْيَاناً يَتَمَّثْلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلاً، فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ" ، فكان وحي السنة في هذا الخبر ، الذي انتهت غايته إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتلك ، كما تقدم ، دلالة "إلى" ، وهو مما خُصَّ بالنظر في خطاب المواجهة الأول ، خطاب الوحي فذلك مما لا كسب فيه ولا اجتهاد ، فَاخْتَصَّ به ، جل وعلا ، من شاء من عباده على وجه لا يخلو من القدرة والحكمة ، فهي تَقْضِي أن يُوضَعَ الشيء في المحل الذي يلائمه فهو يقبل آثاره ، فكان قول الحاسد : (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) ، فكان العنوان هو القرآن وهو ما قاسه أرباب الْمُلْكِ فَاسْتَأْثَرُوا بالرياسة والرياشة استنادا إلى هذا القياس الفاسد ، القياس مع الفارق ، إذ جعلوا الْمُلْكَ من جنس النبوة ، فلا يقسم الناس رحمة الملك كما لا يقسمون رحمة الرسالة ! ، وإن كانت الرسالة مناط عصمة ، ومناط اصطفاء مطلق أن اختار الرب ، جل وعلا ، بالعلم والقدرة والحكمة ، اختار المحل الذي يقبل آثارها ، فكان أن صنعه ، جل وعلا ، على عينه ، وأما الملك ، فإن سلم أن ثَمَّ نفوسا كبارا تروم السيادة والملك فَلَهَا من الخلال الجبلية ما يؤهلها أن تسود ، كما أُثِرَ من أخبار رجال كعمرو ومعاوية ، رضي الله عنهما ، فإن سُلِّمَ بذلك إلا أن الملك مما يقبل الاستدراك على صاحبه والإنكار عليه إذا خالف عن منهاج الحق ، ولو في فرع دقيق فأنكر عُبَادَةُ بن الصامت ، رضي الله عنه ، على معاوية ، في الخبر المشهور وفيه : "أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ ، لَئِنْ أَخْرَجَنِي اللَّهُ لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيهَا إِمْرَةٌ" ، فَلَمْ تَمْنَعْهُ هَيْبَةُ الْمُلْكِ أن يَنْطِقَ بحق ، إذ ليس الْمُلْكُ مَنَاطَ عصمة في الحكم ، بل صاحب السلطان النافذ ، وإن كان من الجيل الفاضل ، لا يخلو أن يخطئ ، ولو ندر ، وإلا كان معصوما عصمة النبي فلا يجادل ولو بالحجة والبرهان على وجه لا يخرج عن حد الاعتدال ، فأقر عمر بحجة المرأة إذ جادلته في مهور النساء ، ولم يقر ملوك الجور والاستبداد في أعصار الانحطاط ذلك ! ، فلسان الحال القياسُ الفاسد فمن أنكر فهو حاقد حاسد لولي الأمر وصاحب النعم السابغة الذي مَلَّكَهُ الرب ، جل وعلا ، الأرض وما فيها من رِكْزٍ وما فَوْقَهَا من خَلْقٍ ، فصار المال العام ماله فهو الذي يقسمه في الناس ولو خالف عن السوية ، فَيَقْسِمُ لمن يداهن ، ويمنع من يخالف ، ولو كان خلافه بالحجة والبرهان الصحيح ، وكان لسان حاله التأويل الصريح لقول الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِلِسَانِهِ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ، وَذَاكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" ، فخلص القصد وصح الفعل فلم يُجَاوِزْ عن الحد ، ولم يَغْلُ في الباب على وجه يحصل به من الفساد ما يَرْجُحُ صلاح الإنكار على الظالم إذا جاوز الحد فلم يعدل ، وعلى المعطل إذا جاوز الحد فلم يحكم بالوحي المنزَّل ، ولكلٍّ قدرٌ من الإنكار يضاهي جرمه ، ولكلِّ منكِرٍ من الواجب ما يطيق ، فلا يحمل ما لا يطيق فليس ذلك من الحكمة التي جاء بها الوحي أَنْ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فذلك من العموم الذي استفيد من تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل "يكلف" ، فضلا عن عموم آخر إذ وردت النكرة "نفسا" في سياق النفي ، وذلك نص في العموم ، كما قرر أهل الأصول ، وزد عليه القصر بأقوى أساليبه في لسان العرب ، وهو النفي والاستثناء فلا يكون التكليف إلا بالوسع ، وهو مما يَتَفَاوَتُ ، فلا يصار إلى الأدنى إلا إذا تعذر الأعلى ، ولا تَبْرَأُ الذمة بالأدنى إن أطاق الأعلى ، فيكون التدرج في الإنكار على وجه يواطئ العدل والحكمة الَّتِي جاءت بها الشرعة ، فلا إفراط أن تُحَمَّلَ النَّفْسُ ما لا تحتمل ، ولا تَفْرِيطَ أن تُؤْثِرَ السلامة فتقعد عن الواجب الذي تطيق فضلا أن تُدَاهِنَ رجاء عرض من الدنيا رخيص ، وإنما يضيع الحق في هذا الباب وفي سائر أبواب الدين ، يضيع بين الإفراط زيادة والنفريط نقصا ، فالتوسط فضيلة بين رذيلة الجفاء نقصا والغلو زيادة ، وذلك باب من الشرعة والحكمة يدق فالبلوى به تَعُمُّ إن لم يخلص صاحبه القصد ويتحرى الحق بالدليل الناصح الذي لا يخلو من نظر آخر يزيد في الحال إذ تحتمل في عصر ما لا تحتمل في آخر ، فيحصل من المكنة وأمن المفسدة المعتبرة لا المتوهمة ، يحصل من ذلك في حال ما لا يحصل في أخرى ، فيكون الفقه تارة في الإقدام كرا ، ويكون أخرى في الإحجام فرا ، وإنما الحرب كر وفر ، وذلك سنن يعم ، فرحى الحرب بين الحق والباطل لا تَزَالُ تَدُورُ ، وقد يوجب الفقه في الشرع والنظر في العقل ، قد يوجبان من الانحياز في أحيان ما بِهِ تحفظ البيضة وتصان الحرمة ، وقد يكون الغلو في اعتبار ذلك على وجه لا يسلم من الخلاف بالتأويل ، فيزيد من يزيد في اعتبار المفسدة ، وإن متوهمةً ، فَيَسْتَجِيزُ بذلك ألا يُنْكِرَ مع الإطاقة والوسع ، ويرضى بالقعود والتخلف وذلك ما قد يجازى صاحبه بشؤمه أن يخذل فَيُنْزَعَ من قلبه جنس الإنكار الواجب ، فلا يصح له نظر أن يميز المعروف من المنكر مع ظهور حاله ، فيكون الطمس على البصر والبصيرة ألا تدرك مناط الشريعة فلا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا ، فلئن عجزت أن تنكر وتغير باليد فذلك ما قد يعسر في أحوال كثيرة لا سيما في أعصار الاستبداد والجور الذي عظمت فيها وطأة الباطل فاستجاز أهله من القتل والسفك والسلب والنهب والهتك لكافة الحرمات ما استجازوا بل ووجدوا من كهنة الباطل من يخرج لهم ظلمهم على أصول العدل ، وفجورهم على أصول الشرع ! ، فلئن كان العجز عن ذلك فلا يخلو الأمر من بيان باللسان ، بحجة وبرهان ، فإن عدم ذلك وهو ، أيضا ، مما عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة فصار بَيَانُ الحق جناية عظمى فهي خروج على ولاة الأمر أصحاب الجلال والكمال الذين استأثروا بالرياسة فلا ينازعهم فيها إلا مارق حاسد يروم قسمة الرحمة على وجه يواطئ هواه ، فقد صار الاحتجاج بقدر الكون في موضع لا يصح فيه الاستدلال ، فقد قسم الرب ، جل علا ، الملك كما قسم النبوة ، فمن أنكر على الملك فهو كمن أنكر على النبي ! ، مع القدر الفارق ، كما تَقَدَّمَ مرارا ، فالنبي معصوم لا يخطئ ، والملك بشر كسائر البشر بل حاله ، لو تدبر ، أعظم خطرا لِمَا ابْتُلِيَ بِهِ من ولاية يعم بها الخير إن عدل ، والشر إن ظلم ، فَيُسْأَلُ يومَ الحساب ما لا يُسْأَلُ آحاد الناس فَلَوْ فَقِه َما أنس وَرَكَنَ إلى المداهِشن الذي يسمعه ما يَرْضَى وَيُفْتِي في مجلسه بما يُوَافِقُ هَوَاه وَذَوْقَه ، فمحل أولئك الإبعاد والإقصاء في ملك العدل والرحمة ، فلا يُقَرَّبُ فيه إلا أصحاب العلم والحكمة الذين صَدَّقُوا القولَ بالعمل فصح قصدهم في النصح والإنكار ، وصح طريقهم في البيان والإرشاد ، فأولئك خاصة الملِك العادل التي حُرِمَهَا الملِك الجائر فكانت تلك ، لو فَقِهَ ، أعظم عقوبة ناجزة في دار الابتلاء ، فلم يرزق من يأخذ على يده لئلا يقارف من المظالم ما تَنُوءُ به الكواهل ، بل رزق ضالا مضلا يُفْتِي له بالقتل والهتك وَيُخَرِّجُ له ذلك على أصول الشرع ، فضلا عن هوى في نفسه فلا يعذر بجهله ، وإنما عظم هواه في الرياسة فاستجاز لأجلها من استجاز من الجناية في الديانة والسياسة ، وأمعن في خصومة الحق وأهله ، فكان من عاجل العقوبة أن قُيِّضَ له من قُرَنَاءِ السوء من شياطين الإنس من يلبس مسوح العلم وقد صيره سلعة بها يتكسب فأفتاه بما يُوِردُهُ الجحيم ويخفض ذكره في العالمين ، فلا يذكره مَلَأُ الأرض إلا بالشر ، ولا يذكره ملأ السماء إلا باللعن ، فاشتركا في هذا الوصف الذميم ، و : (لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) ، فَلَئِنِ ابْتُلِيَ صاحب الملك أن جعل له الرب ، جل وعلا ، في الناس ولاية نافذة ، فذلك ابتلاء كون لا ينجو صاحبه إلا بامتثال الشرع لا أن يجعل عطية الملك الكونية ذريعة إلى المخالفة عن الطريقة الشرعية ، فلا يزجره زاجر بزواجر الشرع نهيا ووعيدا ، بل يرى ذلك نقصا في هيبة الملك فلا بد من العقاب الشديد لمن تحدثه نفسه أن ينكر على الملك ولو كان إنكاره في نازلة فقه ، فلا يأمن الْمَلِكُ لو فَتَحَ باب الحسبة ألا يطيق غلقه إن نال من صاحب العصمة ! ، فيكون التأديب الشديد سدا للذريعة ، فالملك الحكيم كما يقول صاحب "الأمير" ، مرجع السياسة الوضعية المحدثة ، الملك الحكيم إن عاقب فلا يكون عقابه إلا استئصالا ، فضربة لا تقسم ظهر الخصم تصيره أقوى فيكون خطره أعظم ، ومن أخذ الملك بالسيف فهو يفقه ذلك حق الفقه ، فمن به علة في رأسه فَوَقْعُ الحسام يشفيها ، ومن برأسه حب فَرَحَى السلطان تطحنه ، كما يحكي بعض الفضلاء عن كابر من أكابر المجرمين الذين أفسدوا الدنيا والدين ، فَأَنْزَلَ أولئك نفوسهم الدنية منزلة الرسالة السماوية ، فلا ينكر أحد عليهم كما لا ينكر أحد على الوحي ، فهم والرسل على حد سواء ، ولسان الحال يضاهي قول من غلا في الإمامة ، فجعلها والنبوة على حد سواء ، والجميع قد قارف من الطغيان ومجاوزة الحد ما أبان عن الذلة والضعف ، وإن أظهر من العظمة والكبر ما يستر السوأة ، فالعادل الناسك لا يتكلف الهيبة فقد رزقها فضلا ، وإنما يتكلف الهيبة من لا حظ له من الحق ، وإن كان من الفقه في أحيان إظهارُ الهيبة في مواضع الجلال كسرا لقلوب المبطلين في مواضع القتال والنزاع لا كسرا لقلوب المؤمنين في مواضع الاضطهاد والإرهاب ، فشتان ما كان من مشية أبي دجانة وتكلف معاوية من رسوم السيادة ما أقره عليه الراشد عمر ، رضي الله عنه ، فشتان ذلك وما يراه الناظر في الأعصار المتأخرة من متملكة ومتأمرة وأصحاب رياسة في السياسة أو الحرب قد صار إليهم الملك إرثا أو اختلسوه سِرًّا أو عَلَنًا ، فأولئك لهم من تكلف الصورة ما يصيرهم في أحيان أضحوكة فما زاد عن حده انقلب إلى ضده ، فمن تكلف من السيادة والشرف ما ليس فيه فضحه الرب ، جل وعلا ، على رءوس العالمين ، فأبان في صورته عن نقص يفضح ، وفي منطقه عن جهل يضحك ، فلا يكون له في النفوس من هيبة الحق ما يحفظ الحشمة ، فلئن استذل الأبدان بالسيف فلا تسلم له النفوس بالإجلال والتعظيم فليس له من باطنها إلا البغض ومن منطقها إلا الفحش ، فـ : "شِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ" ، وأولئك في أغلب أحوالهم ممن خالفوا عن الوحي في الخبر : "إن الله أوحى إليّ أنْ تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد" ، فكان الإجمال صدر الخبر ثم البيان على وجه يواطئ حد التفسير في اصطلاح النحاة ، فـ : "أَنْ" في هذا السياق تحمل على التفسير من وجه ، إذ سبقت بفعل الوحي الذي ضمن معنى القول دون حروفه ، وذلك حد "أن" التفسيرية في اصطلاح النحاة ، فكان الإجمال الذي به كان التشويق فكان البيان أَوْقَعَ في النفوس وآكد ، وقد تحمل "أَنْ" أنها في محل الجر بِبَاءٍ يتعدى بها الفعل فيكون الباب من الإيجاز بالحذف والإيصال ، على تقدير : إن الله أوحى إلي بأن تواضعوا ، فأوحى إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالتواضع ، وقد حُدَّ حَدَّ المصدر المؤول من "أن" وما دخلت عليه فلا يخلو من دلالة استقبال تعم زمان التكليف كله فضلا عن زيادة في المبنى لا تخلو من زيادة تواطئها في المعنى ، وهو أمر يَعُمُّ بدلالة التغليب في واو الجمع في الفعل "تَوَاضَعُوا" ، فيدخل فيه الرجال وضعا أول في اللسان والنساء وضعا ثانيا في اصطلاح العرف المتواتر ، فذلك ، أيضا ، من القرائن التي تحتف باللفظ فتزيد في دلالته أو تنقص ، فزادت في هذا الموضع بقرينة من الشرع تَطَّرِدُ وهي عموم التكليف الذي يعم الإنس والجن ، فتدخل فيه النساء كما الرجال بل إن الأمر يتوجه إليهن في أحوال ما لا يتوجه إلى الرجال إذ عقولهن أضعف والكبر والتفاخر فيهن أظهر بما يتكلفن من زينة المظهر والملبس والمعاش فيتفاخرن بما يقتنين من زينة الرياش والأثاث ..... إلخ ، فَهُنَّ ، من هذا الوجه ، يدخلن في عموم الأمر من باب أولى ، ولا يخلو الفعل من دلالة التفاعل ، بالنظر في مادة "تواضع" ، وإن لم تكن الألف فيه مِمَّا يَتَعَدَّى به الفعل فهو يتعدى باللام كما في الخبر : "مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ" ، فَتَعَدَّى باللام تَبْلِيغًا لا بنفسه ، فلا يظهر في هذا السياق ، بداهة وجه مفاعلة ، فالتواضع في هذه الحال من العبد وحده فذلك مما يحسن في حقه لضعفه ونقصه فمحله لا يتحمل آثار الكبر والجبروت فذلك وصف جلال لا يليق إلا بالرب المعبود ، جل وعلا ، لكمال المحل واتصافه بالقدرة والقوة .... إلخ من أسباب الجلال ، كما أن وصف التواضع لا يليق بهذا المحل القوي الكامل ، محل الرب الخالق جل وعلا ، وذلك ، كما تقدم ، قياس الحكمة أن يوضع الوصف في المحل الذي يلائمه ، فَيُوضَعُ الجلال في الموضع الذي يلائمه كما في وضع العزة والكبر والجبروت في محل يلائمها وهو ذات الرب المعبود ، جل وعلا ، فـ : "الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار" ، وَيُوضَعُ التواضع وهو مئنة من الذل يوضع في المحل الناقص فهو يليق بذوات البشر ، فإنها لا تحتمل ، في المقابل ، آثار الكبر ، لضعفها أن تطيق ذلك إذ يخرجها في أحيان كثيرة أن تَغْتَرَّ بما استجمعت من أسباب الغنى والجاه والرياسة ، فَقَلَّ من يسلم من ذلك ، والمعصوم من عصم الرب ، جل وعلا ، فكان الأمر بالتواضع ، وإن خص ، كما تقدم ، في مواضع كمواضع الجلال في القتال والمناجزة ، فذلك خاص يجري مجرى الاستثناء ، فالأصل في البشر ضعف المحل أن يحتمل آثار الكبر ، فذلك مئنة من ضعف العقل وفساد القصد وسوء الطوية وخبث الجبلة ونقص الوصف فلا يتكبر إلا الناقص الذي يَرُومُ الظهور والعلو في الأرض بغير الحق فليس له من أوصاف الكمال ما به يسود ، فلم يكن إلا تحقير الخصوم وازدراءهم وإن كانوا أكمل وصفا وأعظم قدرا ، فمن عَجَبٍ أن تنقص فرعون من وصف الكليم عليه السلام ، فَزَكَّى نفسه بالخيرية وَنَبَزَ الكليم الذي كلمه ربه ، جل وعلا ، من وراء حجاب : (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) ، وذلك حال كل طاغية في الملك والرياسة ، فكل من خالفه فهو مهين ذليل لا يحسن يفصح ، فوحده صاحب السلطان ! من يفقه ، فلا يُنَالُ هدى إلا بطاعته ، وإن كان أخرق لا يفقه ، أو خائنا لا ينصح ، وهو ، مع ذلك يحتكر الحق ، فرأيه وحي وحكمه شرع ورياسته رشاد ، فـ : (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ، وإن جهل وضل فكانت العقوبة الناجزة لمن استخفه فأطاعه ، فـ : (اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) ، فأوردهم الهلاك في الدنيا غرقا وفي البرزخ عرضا ويوم القيامة عذابا شديدا لا ينقطع ، فذلك سبيل الرشاد الذي هدى إليه من تكبر فظن في نفسه الكمال ، ونازع الوحي السيادة ، فوحده من يأمر وينهى ، وهو ، كما تقدم ، لا يحاسب ، فقيمه العليا قيم تزكي النفس والعنصر فلسان حاله أنه خَلْقٌ يُغَايِرُ الخلق ، سواء أكان فردا أم نخبة حكم تطغى فهي تنظر في عامة البشر أنهم همج رعاع ، فحظهم أن ينالوا رضاه وأن يلتحقوا بخدمته بعد أن يهذب طبائعهم النافرة ، فليسوا إلا وحوشا في الفلوات ، فنزلت رسالة الملْك على قلب الملِك الحاكم ! أن أخرج أولئك من ظلمات البداوة إلى نور الحضارة ! ، كما هي حال السيد الأبيض ، فهو أظهر مثال على هذا الكبر الذي استجاز به احتلال الأرض وانتهاب الحق ، فصار ذريعة يسكن بها ضميره إن كان ثم بَقِيَّةٌ وخز من حياة ، فما يقارف من القتل والتنكيل ليس إلا ضربا من ضروب التثقيف والتهذيب ، فهو استصلاح للجمع ولو بإفناء البعض ، كما يقول من يقول من طواغيت السياسة والحرب فلا مانع يحول دون التضحية بجيل أو اثنين لتصلح حال الجماعة فتسلم إليه القياد فلا صلاح لها إلا في ذلك ، إذ البديل هو الفوضى التي تعم بها البلوى ، فليس ثم خيار إلا الرضى بالطغيان أو الفوضى ، فخيار الشرع والعدل لا حظ له من هذه القسمة الجائرة ، إذ لو كان له حظ لاختاره الناس فأذهب بطهوره خبث الجور ، فلا يطيق الحاكم الجائر من ذكر العدل ما يفضح ستره ، فَثَمَّ خطوط حمراء لا يقاربها أحد من الرعية فضلا أن تحدثه النفس أن يجاوزها ولو احتسابا قد خَلُصَ فلا غاية له في رياسة أو حكم ، وإنما أراد امتثال أمر الشرع أَنِ : "ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيًا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام" ، فلا تستقيم حال في خاصة شأن أو عامة ملك إلا أن تَتَوَاضَعَ النفوس فلا تفخر ولا تبغي ، فذلك حد الغاية في الخبر : "حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد" ، وقد واطأ في الذكر قياس العقل إذ قدم التفاخر على البغي ، فالتفاخر بالجاه والمال والحسب ..... إلخ مبدأ البغي والظلم بالقول والفعل ، وقد أطلق الأمر بالتواضع ، فعم بدلالته التواضع لله ، جل وعلا ، فذلك أول واجب ، إذ لا يحصل التوحيد الصحيح المجزئ إلا بالتواضع للرب الأعز الأكرم ، جل وعلا ، أن يقر العبد بعظمته وسلطانه فلا يتكبر ولا يستنكف أن يكون عبدا له يسمع ويطيع ، ولا يسمع ويطيع غيره إلا إن وافق أمره أمر الوحي ، فلا يطيع في عصيان ، فـ : "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" ، ولا تخلو دلالة "حتى" من دلالة التعليل فإن التواضع سبب في انتفاء التفاخر والبغي ، وقد أطلقا ، أيضا ، في سياق نفي تسلط على المصادر الكامنة في العوامل "يفخر" و "يبغي" ، فضلا عن دلالة النكرة "أحد" في سياق النفي في كل شطر ، فكل أولئك من العموم الذي يزيد المعنى تقريرا وتوكيدا فضلا عن تكرار أداة النفي "لا" عطفا بالواو ، فذلك ، أيضا ، مئنة من تقرير وتوكيد به يَرْسَخُ المعنى في الذهن ، ولا يخلو الخبر بداهة من دلالة إنشاء يأمر بالتواضع وينهى عن التفاخر والبغي ، وذلك جار على وزان القياس الصريح إذ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده كما يذكر أهل الشأن من أَرْبَابِ الأصول والنظر .

والله أعلى وأعلم .