اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: الوحي العربي

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:05:13 PM

    المشاركات
    4,706
    العمر
    39

    الوحي العربي

    مما تواتر في التنزيل ، أن هذا الوحي عربي ، فالشريعة أخبارا وأحكاما ، قصصا ومثلا ، شَرِيعَةٌ عَرَبِيَّةٌ ، وذلك أصل في الاستدلال إذ يُبِينُ عن مرجع التفسير والتأويل الصحيح لألفاظ الوحي وَجُمَلِهِ ، فلا يفسر هذا الكتاب إلا باللسان الذي نَزَلَ به ، وهو لسان قريش الأخص ، فهو نخبة اللسان العربي ، وإن كان فيه من لسانِ غَيْرِهَا ، على تفصيل في ذلك ، فإن النص قد ذَكَرَ عَرَبِيَّةَ الوحي ولم يذكر قرشيته ، فصح من هذا الوجه أن ترد ألفاظ من لسان آخر غير لسان قريش في مواضع بعينها فهي استثناء من لسان قريش الأفصح ، فشرط القراءة الصحيحة كما ذكر أهل الشأن أن تَرِدَ على وجه فصيح في اللسان فلا يشترط الأفصح ، فقد يكون لفظ القراءة بلسان فصيح غير لسان قريش ، فلا يَرِدُ على الوجه الأفصح من لسان قريش ، فحوى التَّنْزِيلُ على هذا القول الأحرف السبعة ، وَثَمَّ من جعل ذلك رخصة مبدأَ الأمر ، فجاز لغير قريش أن تَقْرَأَ بلسانها حتى تعتاد اللسان القرشي ، فَنَزَلَ الوحي بأكثر من حرف في مواضع اختلفت فيها الألسنة ، فحصل التيسير بهذه الرخصة ، وكان وجود النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عاصما من الاختلاف إذ كان إليه بَيَانُ ما اختلف فيه الناس ، كما في خبر عمر وهشام بن حكيم ، رضي الله عنهما ، إذ اختلفا فَحَسَمَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الخلافَ ، فهو المبلِّغ المبيِّن الذي بَلَّغَ الألفاظ وَبَيَّنَ المعاني ، وكان من سُنَّتِهِ ما لَمْ يَرِدْ به كتاب ، كما في محل الشاهد ، فإن رخصة الأحرف السبعة مِمَّا أَبَانَتْ عنه السنة ، فلم يَرِدْ ذكره في الكتاب وإنما اقتصر الخبر في الآي المنزَّل على وصف العربية الأعم ، فتحته أحرف أخص هي مما تَتَغَايَرُ فِيهِ ألسنة العرب ، فَكُلُّهَا فصيحة يحتج بها ، وإن كانت فصاحتها تَتَفَاوَتُ فبعضها أفصح من بعض ، فكانت الرخصة التي أبانت عَنْهَا السنة ، فَلِسَانُ العرب ، من هذا الوجه ، جنس عام تندرج فيه آحاد ، فمنه لفظ قريش ولفظ هذيل .... إلخ ، فجاز العمل بهذه الرخصة فهي مما أبانت عنه الحكمة ، وهي السنة التي جاء بها صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهي حجة تامة دل عليها الكتاب المتواتر ، فأمر بقبولها وتحملها عن النبي المبلغ سواء أكانت منشئة لحكم أم مبينة لآخر ، فأمر الكتاب أن يَنْتَهِيَ الناس إلى حكمه ، فَرِسَالَتُهُ عامة إلى الثقلين ، وأما رسالة غيره فهي خاصة ، فكان لسان قومه من قريش هو الأصل ، ومن سواهم من العرب فَلَهُم من الرخصة أن يَتْلُوا الكتاب بحرف يُغَايِرُ حرف قريش فتلك رخصة مبدأ الأمر وبعدها حَدَثَ من الخلاف ما أوجب العدول إلى العزيمة ، فَتَذَلَّلَتِ الألسن وأتقنت اللسان القرشي ، وَجُمِعَ الناس على حرف واحد ، حصل به النقل المتواتر ، واندثرت الحروف الأخرى ، أو نقلت نقل الآحاد فلا تثبت قرآنا ، وإنما تثبت خبرا إذا صح الإسناد ، فيستدل بها في مواضع إذ لا تخلو من دلالات ، كما هي حال القراءات ، فَفِيهَا من زوائد الفقه ما يَنْفَعُ ، ووجب على من لم يفقه هذا اللسان العربي أن يَتَعَلَّمَ منه ما يقيم به الفرض من دينه ، وَوَجَبَ على أهل الإسلام أن يُبَلِّغُوا الرسالة إلى العجم فَيَتَعَلَّمُوا من لسان العجم ما به يُبَلِّغُونَ ، ويعلموا العجم من لسان العرب ما به يفقهون ، فكل لسان للسان الوحي تَبَعٌ ، كما كل رسالة تقدمت للرسالة الخاتمة تَبَعٌ ، وكل أهل دين تقدم لا يسعهم إلا أن يدخلوا في الدين الخاتم وإلا لحقهم الوعيد النافذ ، فـ : (مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، ولازم ذلك ابْتِغَاءُ العربية لسانا في أمور التوقيف من العبادات ، فإن تعلم العربية في هذه الحال فرض إذ ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ، فلا يَسَعُهُم جهل اللسان العربي في مواضع توقيف لا تحصل الكفاية فيها إلا بِاللَّفْظِ العربي المبين ، فلسان العرب ، كما يقول بعض الباحثين ، لسان دين ، فاللغة العربية تفارق بقية اللغات أنها لغة متدينة ، فمصادرها الرئيسة وأصول نحوها تضاهي أصول الفقه ، فَثَمَّ الكتاب وَثَمَّ الخبر وثم الإجماع وثم القياس على تفصيل في ذلك ، فَثَمَّ من توسع في قياس اللغة وذلك ما اطرد في مقال الظاهرية إذ توسعوا في دلالاتِ اللسان دلالاتَ موافقةٍ فأدخلوا في حد اللفظ ما وافق المسمى في المعنى المجرد في الذهن وإن خالفه في الحقيقة في الخارج ، فَأُدْخِلَ في حد اللفظ ما وافق المسمى ، فكل أولئك مما يُنْتَفَعُ به في أحكام الشرع ، سواء أكانت من فُرُوضِ العين أم من أحكام القياس والاستنباط ، فَوَجَبَ على العجم من تعلم اللسان العربي ما به يُقِيمُونَ أَمْرَ دينهم ، فحكم العربية حكم شرعي ، يجاوز حد الحكم اللساني ، وذلك ما لا يكون في أَيِّ لسانٍ آخرَ ، فكل لسان سوى لسان العرب فهو لسان إفهام وَبَيَانٍ ، وأما لسان العرب فهو لسان بَيَانٍ وإفهامٍ واستنباط لأحكام الشرع وامتثال لتكليف الوحي بقراءة في الصلاة وتسبيح وتحميد .... إلخ من الأذكار فلا يجزئ فيها إلا لسان العرب ، على تفصيل في ذلك ، فَلَمْ يُجَوِّزْ أحد من أهل العلم القراءة بغير اللسان العربي وإن أُثِرَ ذلك عن أبي حنيفة ، رحمه الله ، إذ جَوَّزَ القراءة بالفارسية ثم رَجَعَ عن ذلك ، وهو أمر لا يخلو من نسبة إلى مقال الكلام الذي اشتهر في درس الاعتزال ، فمن قال إن الكلام هو المعنى فقط فلا يجد غضاضة أن يَقْرَأَ بِغَيْرِ العربية فيترجم ألفاظ القراءة الواجبة إلى لسان آخر ، ومن قال إن الكلام هو اللفظ والمعنى فلا يجوز ترجمة القراءة الواجبة ، فذلك حكم الوحي العربي الذي قضى على كل حكم آخر ، فـ : (إِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) ، فذلك التنزيل الذي تكررت آحاده ونجومه ، والتَّنْزِيلُ تَفْعِيلٌ يدل على التكرار ، فَالزِّيَادَةُ في مبنى التَّفْعِيلِ مئنة من زِيَادَةٍ في المعنى ، فكان الإنزال المجمل والتَّنْزِيلُ المفصَّل نجوما تَتْرَى ، وهو ما حسن معه التذكير بالروح القدس ، فإن تَنَزُّلَهُ بالوحي يلائم التَّنْزِيلَ المفصل ، وهو النزول الثاني خلافا للنزول الأول ، فهو النزول المجمل ، كما قد أبان التَّنْزِيلُ في مواضع ، فأبان عَنِ الإِنْزَالِ العربي في ليلة القدر ، فـ : (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) ، فجاء التوكيد بالناسخ "إِنَّ" وجاء التعظيم في ضمير المتكلم الذي اتصل بالناسخ ، وهو فاعل في المعنى ، وذلك ما أبان عنه الضمير المقابل ، ضمير الفاعل في اللفظ الذي أسند إليه فعل الإنزال في "أنزلنا" ، فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : نحن أَنْزَلْنَاهُ في ليلة القدر ، فكان ثَمَّ توكيد بتكرار الإسناد ، وقد أضمر التنزيل ولا مرجع تقدم لنباهة الذكر وعظم الشأن ، فكان الإفصاح عن الإنزال المجمل إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، وكان التنزيل الذي فُرِّقَتْ نجومه آحادا ، وكلاهما باللسان العربي فهو المرجع في البيان والتأويل ، التأويل الصريح الذي يستند إلى قرائن اللسان المجموعة من دلالة المعجم الأولى ودلالة السياق فهو قيد فارق يحسم النزاع حال الاشتراك ، فَيُبِينُ عن مراد المتكلم على وجه يفيد اليقين أو الظن الراجح المعتبر ، فكلاهما يجزئ في الاستدلال في بيان أحكام الفقه أو أحكام اللسان ، كما يضرب صاحب "الرسالة" رحمه الله المثال بلفظ النكاح ، فهو مشترك بَيْنَ العقد والإصابة ، فثم إجمال في لفظ النكاح في قوله تعالى : (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) ، فهو يحتمل العقد فتحل للأول دون وطإٍ ، ويحتمل الوطء ، فكان الإجمال الذي أبانَ عنه الخبر : "لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ" ، فذلك من موارد الْبَيَانِ فِي السنة ، فقد أُجْمِلَ اللفظ في الكتاب وَأُبِينَ عنه في السنة ، على حد الكناية في موضع تحسن فيه فكنى عن لذة النكاح بالعسيلة ، فجاء الخبر : "لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ" ، وهو ما قُيِّدَ بِقَيْدٍ آخر يُبَيِّنُ ، وهو القصد فكان لعن التيس المستعار نصا في الباب ، فحصل البيان بجمع أدلة الباب فلا يجزئ دليل واحد إن كان في الباب أكثر من دليل ، ولا يجزئ دليل مجمل حتى يشفع بالبيان ، وذلك ما قد يُتَلَقَّى من مواضع أخرى من الوحي ، فيكون تفسير بعضه ببعض ، وذلك منهاج تفسير مشهور ، فَأَوْلَى ما يُفَسَّرُ به التَّنْزِيلُ هو التَّنْزِيلُ ، وأولى ما يفسر به التنزيل بعد ذلك هو الخبر فهو شطر الوحي الثاني ، فالوحي أولى أن يُبِينَ بعضه عن بعض فَيُزِيلَ ما أَشْكَلَ من مَعَانِيهِ ، وقد يُتَلَقَّى من بَيَانِ اللِّسَانِ فَلَهُ طَرَائِقُ في الإبانة عن المعاني ، فاللفظ قد يفيد بمنطوقه وقد يفيد بمفهومه ، وقد يفيد بظاهره وقد يفيد بمؤوله ، وقد ترد قرينة توجب صرفه عن الظاهر المتبادر بالنظر في دلالة المعجم الإفرادية إلى ظاهر آخر مركب من معنى قد لا يَتَبَادَرُ إلى الذهن بالنظر في دلالة الإفراد ، ولكنه يَتَبَادَرُ بالنظر في دلالة التركيب من لفظ وسياق ، سواء أكان السياق مذكورا أم مقدرا ، أو يَتَبَادَرُ من لفظ وقرينة حال ، فبساط الحال أصل في معرفة مراد المتكلم ، لا سيما في مواضع الإكراه ، فإن منه ما يلجئ ومنه ما لا يلجئ ، ومنه ما الترخص فيه يجزئ ، ومنه ما لا يجزئ ..... إلخ ، فلا بد من جمع ألفاظ الأدلة ولا بد من فقه بمعاني الألفاظ المفردة والمركبة ولا بد من عناية بتحرير الأجناس الدلالية من ظاهر ونص ومفسر ومحكم وخفي ومشكل .... إلخ ، ولا بد من النظر في القرائن المحتفة ، سياقية أو حالية ، فذلك مجموع مركب يجاوز حد النظر ، بادي الرأي ، في لفظ دليل واحد ، أو وجه دلالة واحد دون تقليب النظر في طرق الباب وَوُجُوهِ الْبَيَانِ ، فجاء الإنزال بلفظ عربي محكم ، لا يجوز لأحد أن ينظر فيه إلا إذا كان عربي اللسان لا الأصل ، فالعبرة بإتقان مبادئ اللسان لا بالأصل ، فقد يكون الأصل أعجميا واللسان عَرَبِيًّا ، فصاحب الكتاب ، رحمه الله ، فارسي الأصل عربي اللسان قد بَلَغَ الغاية في الفصاحة والبلاغة ، وثم من العرب من كان يلحن ، فلا يحتج بمقاله ، فكان الوليد بن عبد الملك يلحن وهو عربي من أعصار الاحتجاج جاء قبل سيبويه ، فلا يُضَاهَى العربي صليبة إذا لحن بالأعجمي إذا أفصح وأبان فالعبرة بما يلفظ لا بأصله الذي إليه ينسب ، فجاء الإنزال المجمل في مواضع ، كما تقدم في آية القدر ، فأبانت عن زمن الإنزال جملة ، وجاء الإنزال عَرَبِيًّا في آية الرعد ، فـ : (كَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ) ، فمرجع الضمير إلى متقدم مذكور وهو الكتاب في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) ، فذلك ، أيضا ، مما يجري مجرى بيان التنزيل بالتنزيل ، فلئن قيل بإبهام المرجع في آية القدر : (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) ، مع أنه بين بل إضماره وعدم ذكره متقدما في السياق مما زاده بيانا فعظم الشأن ونباهة الذكر معان لطيفة ما كانت لتحصل إذا ذُكِرَ مرجعٌ مُتَقَدِّمٌ ، فَلَوْ سُلِّمَ أن ثَمَّ إبهاما في المرجع في آية القدر يفتقر إلى بيان ، فقد جاء بيانه في آية الرعد ، فالمرجع هو الكتاب ، وهو معنى يجاوز معنى الكتاب المتبادر إلى الذهن بدلالة العهد الخاص في "الكتاب" ، وهو التنزيل المتواتر ، فإن الكتاب هو الشرع الذي كتبت ألفاظه ومعانيه وأحكامه ، فجمعت في كتاب وديوان ، فكان جمع القرآن وتدوين السنة بعد ذلك ، وذلك ما يواطئ القياس الصريح أن يُبْدَأَ بالأولى فإن حجة الدين الأولى هي القرآن المتواتر ، ولئن كانت السنة أصلا ثانيا وشطرا تاليا في الوحي إلا أن ذلك لم يكن ليثبت لولا أن جاء الوحي الأول يُبِينُ عن ذلك ويشهد به ، فإن السنة لم تصر حجة لولا أن أبان القرآن عن ذلك فشهد لها بالحجية المطلقة إفهاما لما أجمل وإنشاء لما لم يذكر في الكتاب من أحكام استقلت بها السنة ، فجاء الأمر الذي أطلق في قوله تعالى : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، فَعَمَّ الأمر إذ أطلق ، فخذوا عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما قال وما بَيَّنَ أيا كان البيان ، بالقول أو بالفعل أو بالتقرير ، فالسكوت في موضع البيان مع انتفاء شبهة الإكراه ، وانتفاء قرينة تُرَجِّحُ السكوت كرعاية مصلحة ترجح ، فالسكوت في موضع الْبَيَانِ ، على التفصيل المتقدم ، بَيَانٌ ، فَعَمَّ ذلك ما كان له أصل في الكتاب فَبَيَّنَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما أُجْمِلَ منه ، وعم ، أيضا ، ما استقلت السنة بإنشائه من أحكام لم تَرِدْ فِي التَّنْزِيلِ ، فقد وردت مجملة في لفظ واحد يجري مجرى الأصل الجامع ، وهو الأمر الذي تقدم في آية الحشر : (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، وهو يعم الأخذ المحسوس لِمَا يقسم صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العطايا والغنائم وذلك مما يشركه فيه بقية الخلفاء فلهم نِيَابَةٌ عنه في الشرع أن يقيموا أحكام الدين ومنها أحكام المال قسمةً بَيْنَ الرعية على الوجه الذي شرع رب البرية جل وعلا : (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) ، فنص على العلة ألا يتراكم المال في يد أقلية تستثمر المال في السيطرة والتحكم فيتعاظم النفوذ في أروقة السياسة والحرب والتجارة ، فقرار السياسة والحرب ومؤسسات المال والأعمال التي تقرض وتستثمر ، كل أولئك قد آل إلى أقلية احتلت مفاصل القوة في المجتمع ، ومن أعظمها مفصل المال والتجارة ، فجاء الوحي يأمر بأخذ ما يؤتي صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، لا إيتاء من عند نفسه ، فلا يحكم في سياسة أو مال إلا بإذن رب العباد ، جل وعلا ، فـ : (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي) ، و : "إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ، وَاللَّهُ يُعْطِي" ، فهم يقسم بما أوحي إليه من قسمة العدل فلا يقسم بهوى أو تشهٍّ ، وذلك أمر يشاركه فيه بقية الخلفاء مشاركة التابع فهو الأصل وهم الفرع ، فلا يصدرون في قسمة إلا عما شرع من قسمة الأموال ، فالوحي قد جاء بما ينتظم العلائق الخاصة والعامة ، ومنها علائق السياسة والحرب والمال على وجه يحقق الغاية العظمى من الخلق وهي العبادة التي تستجلب من بركات العدل والفتح ما به يحصل الرفاه الذي ينشده البشر جميعا ، فمعنى العبادة في الآية يجاوز عبادة الشعائر ، فهو يستغرق العبادة في عقد التوحيد وحكم التشريع وقرار السياسة والحرب وحركة المال والأعمال ، وطرائق الزهد والأخلاق ، فإذا حصل العدل في الأرض فقد حصل مقصد الشرع ، إذ العدل لا يكون إلا بالتوحيد في العقد العلمي أن يفرد بالتأله من له فعل الخلق والرزق والتدبير العام فهو المهيمن بكلم التكوين الحاكم بكلم التشريع العربي ، فَنَزَلَ الوحي ، فـ : (كَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا) ، فالحال قد أبانت عن وصف الكتاب فهو حاكم يفصل في الخصومات ، وهو حكم يلزم ، فالحكمة تلجم وتقيد ، وكذلك حكم الكتاب المهيمن ، فأبان بالحال "حكما" ، وذلك يؤسس من وجه إذ يبين عن وصف الكتاب فليس كتاب تلاوة بلا فقه لمعانيه أو امتثال لمراميه ، فليس كتاب الأماني الإسرائيلية ، وإنما تلاوته النافعة تلاوة الألفاظ والمعاني ، وذلك ما لا ينفع حتى يصدق في الخارج تصديقا يزيد عن تصديق الجنان واللسان ، فالأركان تصدق بالفعل والترك ، فكان التأسيس بحال أولى فمعنى الحكم مراد لذاته ، وهو ، من وجه آخر ، موطئ لما بعده من وصف العربية ، فأبان عن لسان الحاكم فهو المرجع حال الاختلاف في الدلالات ، كما هي الحال أي معاهدة أو ميثاق ، فلا بد من مرجع في تفسير الألفاظ إن كان ثم إشكال في الفهم أو اختلاف في الفقه ، كما يرى الناظر في مسائل في الفقه المقارن ، فَثَمَّ ترجيح يفزع إليه المجتهد إذا استحال الجمع ولم يَتَبَيَّنْ تاريخ النص على وجه يسوغ القول بالنسخ ، فيكون الترجيح بِوُجُوهٍ اسْتَقْرَأَهَا أهل الشأن ، فمنها ترجيح بالنظر في الإسناد ، وآخر بالنظر في المتن ، فالنظر في الإسناد يُبِينُ عن تراجح بَيْنَ الطرق ، فالصحيح والأصح ، والصحيح والحسن ، والحسن لذاته والحسن لغيره ، والضعيف المعتبر والضعيف الذي اشْتَدَّ ضعفه فلا يَنْجَبِرُ ، والنظر في دلالات الألفاظ العربية ، نصا وظاهرا ، صريحا ومؤولا ، مجملا ومبينا ...... إلخ ، فكان النَّظَرُ في الْعَرَبِيَّةِ معيارا يحكم في الخصومات بَيْنَ المجتهدين ، فقد يخطئ من يخطئ في التأويل ، فَيَعْتَبِرُ ما لم يَعْتَبِرْهُ الشرع واللسان ، ويحمل اللفظ على معنى بعيد لا يَتَبَادَرُ ، سواء أغفل فلم يعمد ، أم تقصد المخالفة لهوى في نفسه أن يَنْصُرَ وَجْهًا في التأويل يُوَافِقُ ما يَهْوَى ، فالعربية لسان الوحي ، وصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما يقول بعض المحققين ، عربي اللسان والدار ، فالحكم العربي يفصل في الخصومة ، فكان الحق المحكم الذي أوحى به الرب المعظَّم ، جل وعلا ، وهو ما حَسُنَ فيه ، أيضا ، إسناد الفعل إلى ضَمِيرِ الفاعلين مئنة من التعظيم ، في قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) ، فجاء المفعول المطلق الذي حذف ودل عليه المتعلَّق ، على تقدير : أوحينا إليك إِيحَاءً كذلك ، فحد الفعل إيحاء وإنزالا أُسْنِدَ إلى ضمير الفاعلين ، وَانْتِهَاءُ الغاية إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فدلالة ضمير المخاطب تنصرف إلى المخاطب الأول ، النَّبِيِّ المعظمِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وذلك خطاب المواجهة فأول من أدرك فحوى الوحي هو صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ نَزَلَ عليه منجما ، باللسان العربي ، محل الشاهد الرئيس ، فهو الأعلم بهذا الوحي إذ عليه نَزَلَ ، وهو الأعلم به إذ هو أفصح قريش ، كما في الخبر : "أنا أفصح من نطق بالضاد، بيد أني من قريش" ، على كلام في إسناده ، وهو مما اشتهر في كلام النحاة ، فالمشهور ، كما يذكر أهل الشأن ، على أنحاء ، فثم شهرة الاصطلاح ، وثم شهرة الاستدلال في الفقه أو في النحو .... إلخ ، ولا يلزم منها الصحة فقد تكون أحاديث ضعيفة اشتهر الاستدلال بها في كلام الفقهاء أو الأصوليين أو النحاة ، كما في الزيادة المشهورة في الخبر : "الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ , إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ" ، فهي زيادة ضعيفة أجمع أهل العلم على صحة معناها ، فصح الاستدلال بها لا أنها صحيحة في نفس الأمر وإنما الإجماع قد صَيَّرَهَا حجة فمعناها محل اتفاق بَيْنَ المجتهدين ، فحصل الإجماع على المعنى وإن كان في اللفظ كلام ، فَلَئِنْ فاتها صحة الإسناد فقد اكتسبت حجية الاستدلال من الإجماع فهو حجة بنفسه ، وإن كان ، من وجه آخر ، مما يَفْتَقِرُ إلى مستند ، فلا بد له من مستند من نص ، كتابا أو سنة ، منطوقا أو مفهوما ، فكان الإجماع خاصة هذه الأمة في الاستدلال فهو الحجة الشاهدة ، فلا يكون الإجماع على باطل أو خطأ ، بل ولا يكون على خلاف الأولى في مواضع الخلاف السائغ ، فلا بد من قائم بالحجة بُيِبنُ عن الحق في كل مسألة ويرشد الناظر إلى الراجح في مسائل الخلاف ، ولو كان مما يسوغ ، بل وإن احتمل أمرين كلاهما جائز ولكن أحدهما يرجح الآخر ، فالوحي يُبِينُ عن الراجح ، وهو ، من وجه آخر ، يُبِينُ عن وجوه الخلاف حال التَّنَوُّعِ لئلا تضيع الفضيلة في كل وجه ، فبعضها قد يزيد على بعض ، والجمع بَيْنَهَا بالمناوبة مما تحصل به المخالفة التي تَسْتَرْعِي الذهن لئلا يعتاد وجها فيكون ترديد اللفظ بلا فقه فقد رسخ في اللاوعي الباطن ، فصار القارئ يُرَدِّدُهُ بلا تدبر إذ اعتاد لفظه فَذَهَلَ العقل ، فلا يسترعى إلا بالتنويع في اللفظ ، فذلك مما يحمله على عصف الذهن تفقها في اللفظ الجديد الذي يجري على لسانه فلا يقتصر على لفظ واحد ، فجاء الوحي بُيِبنُ عن الجميع ، سواء أكان الخلاف في الأصل أم في الفرع ، وسواء أكان في التَّنْزِيلِ كما فِي اختلاف الأحرف والقراءات ، فكان سائغا فهو رخصة ثُمَّ صار الخلاف شرا إذ كان الإنكار الذي أفضى إلى التنازع وهو الذريعة إلى الفرقة والتقاتل ، فكان الفقه أن يتحول الناس عن الرخصة العربية إلى العزيمة القرشية ، فيكون حرف قريش هو الحبل الذي يعتصم به القراء أن اتسع الخلاف وَانْتَشَرَ ، فصار الفقه هو التَّحَوُّلَ عن الرخصة إلى العزيمة ، فذلك ، من وجه ، يشبه النسخ من الأخف إلى الأثقل ، فإن المصلحة لا تكون في التخفيف دَوْمًا ، كما قد يتبادر إلى الذهن ، أن يكون النسخ برفع ما يَثْقُلُ ، بل مناط الأمر ما ينفع ، سواء أكان أخف أم أثقل ، رخصة أم عزيمة ، وقد يكون النسخ إلى غير بدل فهو الخير آنذاك ، إذ أطلق التفضيل في قوله تعالى : (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) ، فلم يقل نأت بآية خير منها ، بل أطلق الخيرية فقد يأت بآية خير منها ، أو خبر فيكون نسخ الآية بالسنة ، على قول من يجيز ذلك إذ محل النسخ هو دلالة اللفظ على الحكم وهي دلالة ظنية فإن جاء لفظ آخر دلالته دلالة القطع ولو في خبر آحاد فهو ينسخ ظني الدلالة , وإن كان قطعي الثبوت يفيد العلم ، سواء أكان علم النظر الذي استفيد من جمع طرق الباب والنظر في أحوال الرواة وسبر الأسانيد فهو يفيد علما نظريا يرقى بالآحاد أن تفيد القطع وإن كانت ، بادي الرأي ، تفيد الظن الراجح ، فلما احتفت بها القرائن زِيدَ في دِلَالَتِهَا فبلغت حد العلم وهو علم النظر ، كما تقدم ، فإن جاء لفظ آخر دلالته على المعنى تفيد القطع سواء أكان ذلك علم النظر ، أم علم الضرورة أو علم العامة ، كما سماه صاحب الرسالة رحمه الله ، فهو العلم الذي لا يفتقر إلى نظر أو استدلال ، فيدل على القطع بداهة ، فإن كان النظر في لفظ صحيح ، ولو آحادا ، يدل على معنى قطعي الدلالة فهو نص في محل النِّزَاعِ ، فإن كان النظر فيه وفي لفظ آخر ظني الدلالة فهو ظاهر يحتمل ، ولو متواترا ، فالعبرة بدلالة اللفظ إذ هو مراد الشرع الرئيس ، أن ترد الألفاظ دالة على معان تحصل السلامة بانتحالها أخبارا أو أحكاما ، فيشبه ذلك ، من وجه ، ما يكون من تخصيص العام المتواتر بالخاص من خبر الآحاد ، فإن الباب واحد ، ولو بالنظر في الجنس العام ، وهو إخراج بعض أفراد اللفظ من الحكم إن بالنسخ أو بالتخصيص ، فالنسخ قد يكون لدلالة اللفظ على جميع أفراده فذلك النسخ الكلي ، وقد يضاهي التخصيص فيكون نسخا لدلالة اللفظ على بعض آحاده ، فذلك النسخ الجزئي الذي يقارب التخصيص في الدلالة فهو ، أيضا ، إخراج لبعض أفراد العام من دلالته ، والتخصيص ، من وجه آخر ، قد يقارب النسخ كما أن الأخير قد يقارب النسخ فيخص العام حتى لا يَبْقَى من أفراده إلا واحد ، فيفضي أن يكون من العام الذي أريد به خاص واحد ، فقد يُرَادُ بالعام خاص نوعي تندرج تحته آحاد ، فيكون ذلك تخصيصا بوصف يصدق في آحاد في الخارج ، فهو خاص ، من وجه ، إذ استثني من عموم أعم ، وهو عام بالنظر في آحاد تندرج فيه فدلالته المعنوية تصدق في أكثر من فرد في الخارج ، كما هي الحال في تخصيص الحكم بصورة السبب لا بعين السبب ، فصورة السبب فيها معنى عموم يزيد على عين السبب ، فذلك ، شطر ثان في هذه القسمة ، فالأول هو أن يُرَادَ بالعام خاص نوعي تندرج تحته آحاد ، والثاني هو أن يُرَادَ به خاص شخصي فهو عين واحدة في الخارج فليس ثم آحاد يصدق فيها المعنى ، فكان الخير في الناسخ في آية البقرة : (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) ، كان الخير فيه مطلقا سواء أكان النسخ إلى بدل أخف أو أثقل ، أو كان النسخ إلى غير بدل ، فرفع الحكم وبرئت الذمة بعد اشتغالها فرجعت إلى الأصل الأول وهو البراءة الأصلية التي تستصحب ، بادي الرأي ، حتى يرد الدليل الناقل ، والنسخ ، لو تدبر الناظر ، غرة في جبين الأصول التي انفرد بها هذا الوحي فكان المعيار المحكم في الاستدلال ، إذ لا يخلو من حدود محكمة فلا يكون النسخ دعوى بلا دليل إذ لا يثبت بالاحتمال المجرد ، فتلك دعوى إن لم تقترن بدليل فلا اعتبار بها يصح ، بل يجزئ في إبطالها دعوى إبطال مجردة من الدليل أيضا ! ، فالاحتمال يُرَدُّ بمثله ، والدعوى المجردة من الاستدلال مما يحسنه كل أحد ، فَلَوْ أعطي الناس بالدعاوى في الحقوق وفي مواضع الخلاف في مسائل النظر والاستدلال لجاز لكل أن يزعم أنه صاحب الحق المطلق ، فَوَقَعَ التَّنَازُعُ الذي لا يحسمه إلا دليل خاص في الباب ، فكذلك الشأن في النسخ فلا يثبت بالاحتمال ، وإنما لا بد من استقراء لتاريخ النصوص ، وتاريخ التشريع من جملة العلوم النافعة في هذا الباب فليس تَرَفًا من البحث ، وإنما التَّأْرِيخُ في التَّشْرِيعُ يُبِينُ عن المتقدِّم من المتأخِّر ، وذلك ما يَنْفَعُ الناظرَ في باب النسخ والتخصيص ، فهما ، كما تقدم ، يَتَقَارَبَانِ ، يل وَيَتَكَافَآن في كلام المتقدمين ، فإن النسخ في كلامهم يعم كل صور البيان لما أجمل ، فاستقراء تاريخ الاصطلاح ، ومفهومه الدلالي الذي يَتَغَايَرُ تَبَعًا لِتَغَايُرِ العصر ، فَلِكُلِّ لسانٍ عرف خاص يقيد المعنى العام الذي دل عليه المعجم الأول لألفاظ اللسان ، فهو جنس عام منه تُشَقُّ الأنواع الدلالية ، الشرعية والعرفية ، فجاء الوحي يَشُقُّ من دلالة اللسان الأعم صورة استدلال أخص إذ قصر المعنى العام على وجه خاص يدل على ماهية بعينها في الشرع المنزَّل ، كما قصر معنى الصلاة وهو مئنة من جنس عام مطلق في الذهن ، وهو جنس الدعاء ، فيصدق في أي دعاء أنه صلاة ، ولا يصدق ذلك في معيار الشرع الأخص ، فَثَمَّ قيد زائد بماهيات مخصوصة في الألفاظ والأفعال ، فحقيقة الصلاة في الشرع قد اقْتَبَسَتْ من حقيقتها في اللسان شُعْبَةً وزادت عَلَيْهَا قَيْدًا خاصا قصر الدعاء على دعاء خاص في الشرع فلم تعد حقيقة اللسان تجزئ في إبراء الذمة ، فلا يقول عاقل إن رفع اليدين والنطق بجملة من الأدعية يجزئ في حصول الصلاة المفروضة في الشرع ، فما صنع يصدق فيه أنه صلاة في اللسان ، وأما صلاة الأحكام فهي صلاة تَزِيدُ عليها قَيْدًا من الماهية الشرعية المنزَّلة وعليها يُعَوِّلُ الناظر في تفسير الألفاظ ، فألفاظ التنزيل وإن كانت عربية ، إلا أنها ، من وجه آخر ، أدوات استعملها الوحي أن يُبِينَ عن حقائق الشرع ، وهي ، كما تقدم ، حقائق أخص بالنظر في الجنس العام المطلق ، فالصيام هو الإمساك مطلقا في دلالة اللسان ، فهو فرد من أفراد عام يستغرق الإمساك عن الكلام كما في قول مريم البتول عليها السلام : (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ، فذلك ما ورد نكرة في سياق الإثبات فتفيد الإطلاق الذي يصدق بأي فرد من أفراد المعنى في الخارج ، وهو ما أجمل فأبانت عنه بالعطف على حد الفور في قوله تعالى : (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ، ولا يخلو من دلالة السببية ، فَعِلَّةُ امتناعها عن الكلام أنها نذرت صياما مخصوصا وهو الصيام عن الكلام وذلك ما كان مباحا في الشرع التوراتي ثم نُسِخَ في الشرع الخاتم ، فليس شرعا في دين الإسلام ، وإن كان شرعا في دين يهود ، فليس كل شرع تقدم ، وإن ثَبَتَتْ نسبته إلى الكتاب الأول ، ليس كل شرع تقدم شرعا للمتأخر حتى ينظر في أدلة الكتاب الخاتم فهو المهيمن إن في إثبات أصل النسبة إذ لا يوجد مرجع تطمئن إليه النفس فتحكم بصحة حُكْمٍ نُسِبَ إلى الشرع الأول ، فليس ثم كتاب أول قد حفظ لينظر فيه أوافق دعوى الشرع التي يدعيها المتأخر ممن ينتسب إليه ، فقد ادعى يهود من الدعاوى ما لا أصل صحيح يرجع إليه فَيُبِينُ عن صحة الدعوى أو كذبها ، بل قد تقصدوا كتمان أخبار في كتابهم ولو بعد التبديل كما كتموا خبر أصحاب السبت ، وتقصدوا ، أيضا ، كتمان أحكام كما كتم ابن صوريا حكم الرجم في شرعة التوراة حتى افتضح أمره ، فأوقفه صاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليها ، وكان ذلك من دلائل الإعجاز فلم يكن للنبي العربي عهد باللسان العبري ، قراءة أو كتابة ، بل ولم يكن له عهد بلسانه الأم أن يكتب ويقرأ ، وإن كان أفصح البرية أن يلفظ وينطق ، فلم يخرج عن وصف الأمية ، فجاء الأمر أن : (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ) ، فجاء الأمر أمر إيجاب لآكد فرائض الديانة ، فريضة الإيمان التي تكافئ التوحيد إذا افترقا ، فإذا اجتمعا فالتوحيد يدخل في حد الإيمان الأعم فهو يقتصر على الركن الأول من أركان الإيمان وهو الإيمان بالله ، جل وعلا ، فجاء الأمر بالإيمان الذي عَمَّ بدلالة التغليب ، فهو يجاوز دلالة السياق إذ توجه الخطاب فيه إلى أهل الكتاب ، فيجاوز هذه الدلالة السياقية إلى أخرى عالمية فهي الدلالة الأعم ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، بل وقد عمت الثقلين ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فإذ خلق الجن للعبادة فلا تكون إلا بشرع ، وإذ نسخ الشرع الخاتم ما تقدم فَقَدْ صَارَ هو الفرض في حقهم ، فلا يجزئهم إلا الإيمان به ، فمن سمعه منهم فقد قامت عليه الحجة ، فَوَلَّى إلى قومه ينذر ، فـ : (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فَأَمَرُوا القوم أمر العموم الذي استفيد بدلالة الإضافة إلى الضمير في "قومنا" ، وهو ضمير الجمع المتكلم ، فالإضافة إلى الضمير مئنة من تعريف اللفظ وعموم المعنى ، كما قرر أهل اللسان والأصول ، وَصِيغَ الأمر على القياس فعل إنشاء وطلبٍ أسند إلى ضمير الجمع المذكر في "أَجِيبُوا" فأفاد عموما آخر بقرينة التغليب ، فهو يعم الذكر والأنثى ، إذ الجن كالإنس على زوجين إذ لهم من الذرية ما لا يكون إلا بالتزاوج والتناسل .
    فجاء الأمر في آية الأعراف ، وهي محل شاهد تقدم ، أَنْ : (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ) ، وقد استغرق الأمر الإيمان بالمرسِل ، جل وعلا ، والإيمان بالمرسَل صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد وصفه بالأمية أشرف أوصافه فهو في حقه كمال إذ لم يُعَلِّمْهُ بَشَرٌ ، وإنما علمه ربه ، جل وعلا ، فأحسن تعليمه ، كما أدبه ، تبارك وتعالى ، فأحسن تَأْدِيبَهُ ، وَأَثْنَى عليه بالخلق العظيم في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) ، فكان تعليمه الكامل وإن لم يجلس إلى معلم شارح ، فكان التعليم قطعا بخبر صادق وحكم عادل به تمت كلمات الرب الشارع ، جل وعلا ، فَلَهَا من وصف العصمة ما به يأمن المستدل أن يَزِلَّ ، فهو يستدل بقطعي ، وإن كان ثَمَّ من وجوه الدلالة ما هو ظني فهو في مسائل الخلاف السائغ فلا يكون بداهة في الأصول والأركان ، إن في العلوم أو في الأعمال ، فتلك ما أبان عنها الوحي بمنطوق عربي مبين فلا إجمال ولا اشتراك ، وإن كان ذلك فبالنظر في دلالة اللسان ، جنس المعنى المطلق الذي به صِيغَ الوحي تقريبا إلى الأذهان أن استعمل الوحي ألفاظ اللسان العربي الذي نطق به القوم فلا يفقهون إلا إياه ، فجاءهم الخطاب بلسانهم فذلك ما يحصل به البيان وتقام به الحجة ويحصل به الإعجاز أن جاء الوحي بما اطرد في لسانهم من الألفاظ والحروف ، فكان إعجاز آخر في الحروف المقطعة مبدأ السور ، فلا حُجَّةَ لهم ألا يعارضوه لو أطاقوا فيبطلوا إعجازه فلا يكون مناط تحد ، وإنما توجه الأمر إليهم في سياق التحدي أن : (أْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ، فلم يطيقوا ذلك وهو عربي من جنس ما نطقوا ، ففقهوا من لفظه ونظمه ما أقام عليهم الحجة فأقر من أنصف أنه معجز وإن ورد بلسانٍ يفهم فلم يكن إعجازه إبهاما واستغلاقا فليس ذلك بإعجاز يُتَحَدَّى به فلا يكون تحد العربي بلفظ أعجمي لا يطيقه ، بادي الرأي ، ولا تقام به عليه حجة ، ولا يتوجه به التكليف ، فلا يؤمر بما لا يفقه دلالته وماهيته في الشرع ، وهي ، كما تقدم ، ماهية تزيد على ماهية اللسان الأعم ، فلا بد أن يدرك الأصل ، ابتداء ، وهو حقيقة اللفظ العربي المطلق في الذهن ، ثم يدرك بعد ذلك الفرع وهو المعنى الشرعي المقيد فهو شعبة من شعب الجنس العام ، وتقييده لا يكون ، بداهة ، بهوى الناظر ، وإلا حَدَّ من حَدَّ الصيام أنه إمساك عن الكلام بل ووجد من الشرع المتقدِّم ما لقوله يشهد كما تقدم من قول البتول عليها السلام : (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ، فأبانت عن إجمال في المعنى ، فالإطلاق الذي استفيد من ورود النكرة "صوما" في سياق الإثبات ، هذا الإطلاق مما يفتقر إلى قيد يقصر الجنس المطلق على فرد بعينه من أفراده ، فقيدته بالإمساك عن الكلام ، فَلَوْ تُرِكَ حَدُّ الحقائق الشرعية للأهواء والأذواق النفسانية لجاز أن يحمل الصوم على صوم الكلام فيكون التعبد بشرع منسوخ ، وذلك ، بداهة ، ما لا يجوز ، سواء أكان المنسوخ من نفس الشرعة أم من شرعة تقدمت ، فكيف بالتعبد بالتحكم المطلق في تأويل الألفاظ زيادة أو نقصا على وجه تأباه العربية ، لغة التنزيل ، فيكون المعنى بعيدا لا يدل عليه اللفظ إلا من طرف يخفى ولا قرينة له من السياق تشهد فضلا أن يكون باطلا لا وجه له في العربية .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:05:13 PM

    المشاركات
    4,706
    العمر
    39

    فكان البيان والإعجاز والتكليف بالوحي العربي الذي أوحى به الرب ، جل وعلا ، إلى نبيه الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : (كَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) ، فجاء الفعل الذي أسند إلى ضمير الجمع في "أوحينا" ، فلا يخلو من مَعْنَى التعظيم فضلا عن معنى آخر يتوجه فيه القول بجمع لا على وجه يجوز الشرك وإنما هو جمع صفات العلم والحكمة والقدرة والكلام وحيا يَتَحَمَّلُهُ الْمَلَكُ ..... إلخ ، فكان وحي القرآن الذي يزيد في دلالة اللفظ ، فَقَيَّدَ دلالة "وَحَى" المطلقة وهي مادة تدل على خفاء وسرعة في إلقاء الشيء ، وذلك ما يحتمل ، فَثَمَّ وحي الخير ، وذلك معنى أعم يستغرق آحادا تحته ، فَثَمَّ وحي الخير شرعا يَنْزِلُ وذلك ما خُصَّ به الأنبياء ، عليهم السلام ، وَثَمَّ وحي الملَك أن يَنْفِثَ في روع العبد من الخير وحسن الظن بالله ، جل وعلا ، ما تظهر آثاره في القول والعمل ، فتكون منظومة الأخلاق الدينية والاجتماعية والسياسية على ما شَرَعَ رب الْبَرِيَّةِ ، جل وعلا ، فمستويات القيم في المنظومة الأخلاقية ، من الأعم إلى العام ، من قيمة الخير المطلقة إلى قيم دونها تستغرق الصدق والأمانة .... إلخ ، ومن العام إلى الخاص ، فَتَحْتَ الصدقِ آحادٌ ، أعظمها شهادة الصدق التي جاء بها الوحي توحيدا يصحح قوة العلم الباطن فهو خير ما يُمِدُّ الظاهرَ بمادة عمل صالح تَعُمُّ آثاره العاجل والآجل ، فأعظم العلم التوحيد ، وأعظم الصدق إفراد رب العبيد ، جل وعلا ، بمادة التوحيد الخالص من كدر الشرك ، وذلك ما جَعَلَهُ الوحيُ معيار التقوى التي ينجو صاحبها ويسلم ، فجاء الوصف بالصدق على حد الوصل في قول الرب جل وعلا : (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) ، وجاء الختام بِوَصْفِ التَّقْوَى فهو يواطئ التصديق ، وذلك إما أن يكون إخبارا بالمسبَّب فإن التصديق سبب في حصول التقوى ، فصورة العلم في الباطن مبدأ العمل في الظاهر على وجه يُصَدِّقُ فيه العملُ القولَ ، فيكون قياس الحكمة التلازم ، فتصديق يحصل به من التقوى ما يَنْفَعُ ولا يكون ذلك إلا بامتثال الوحي الذي تكلم به الرب ، جل وعلا ، كلام التعظيم على وجه من الكمال يَلِيقُ بذات الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فَحَسُنَ ، من هذا الوجه ، أن يُسْنَدَ الفعل إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، والوحي ، إلقاء لما يخفى فَثَمَّ لُطْفٌ في الفعل يظهر أَثَرُهُ في القول المحكم الذي لا يَأْتِيهِ الباطل من بَيْنِ يديه ولا من خلفه ، فكل إناء بما فيه يَنْضَحُ ، وإناء الوحي قد نَضَحَ بما علم كل عاقل أنه يُغَايِرُ ، بداهة ، الوسواس أو الهذيان ، وإن صدق في الوسواس أنه وحي ، فذلك ، أيضا ، من قسمة العقل في الأجناس الكلية إذ تَنْشَعِبُ في الخارج على وجوه ، فَثَمَّ وحي يلقيه الرب ، جل وعلا ، في روع النبي ، فإما أن يَنْفِثَهُ روح القدس ، عليه السلام ، وإما أن يكون اتصالا لطيفا يخفى به تَرْقَى الحقيقة الإنسانية فَتَنْخَلِعُ من طور العادة إلى آخر يخالف عنها وإن لم يكن ثَمَّ تحول في الحقيقة أو الماهية ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن حال تَنَزُّلِ الوحي ، بَشَرٌ كَسَائِرِ البشر وإنما اختص بوصف يزيد أن كان له المقام الشريف باتصال يدق لا تعلم حقيقته وماهيته وإن كانت آثاره تظهر في البدن ، فهو حقيقة لا خيال فليس كما يَزْعُمُ الفلاسفة أمرا يطرأ في العقل بعد استغراق يطول في الرياضة والتدبر ، فَيَتَهَيَّأُ البدن بالجوع والعطش والسهر ..... إلخ من رياضات المشيخة التي حادت عن جادة الميمنة أن أحدثت في طرائق السلوك والتهذيب ما لم يشرع الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، على لسان رسله ، عليهم السلام ، فهم واسطة الحق إلى الخلق بما أَنْزَلَ عليهم من كلم الصدق والعدل ، فَلَوْ كان الجوع والعطش والسهر سبيلا إلى درك حقائق تخفى تُغَايِرُ عن ظاهر الوحي المنزَّل ، ما سكت النبي الخاتم عن بَيَانِهَا فإن درك الحق غايته ، فلا يدل الناس إلا عليه ، ولا يسعه أن يكتم من ذلك شيئا ، فهو الحجة بِقَوْلِهِ وَعمَلِهِ وَسُلُوكِهِ ، والحجة في الوحي الذي بَلَّغَ ألفاظه وَبَيَّنَ معانيه على ظاهر اللسان العربي ، فكان القرآن الذي نَزَلَ بلسان القوم حجةَ الله البالغة على الأجيال المتعاقبة حتى يرث الله ، جل وعلا ، الأرض ومن عليها ، فهو حجة تعجز ، فلسانه الأفصح والأبلغ ، ومعناه الأحكم ، فإذ نَزَلَ عربيا فذلك نظر حكمة آخر ، إذ لا تقام الحجة على الطباق الأول من هذه الأمة ، طباق أم القرى ومن حولها من القبائل والمضارب ، لا تقام الحجة إلا بلسانهم ، ومن ثَمَّ يكون البلاغ الأعم إلى الناس جميعا ، فبعد البلاغ الأخص ، بلاغ : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) ، يكون البلاغ الأعم ، فـ : (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) ، فكان التوكيد بالناسخ "إِنَّ" واسمية الجملة فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أَنَا رسول الله إليكم جميعا ، فضلا عن تعريف الجزأين ، وهو من القصر الذي يقرر المعنى ويؤكده ، وهو مما يحتمل فإن نظر في عموم الرسالة فذلك قصر إضافي يقرر المعنى ويؤكده ، وإن نظر في خصوص الرسالة الخاتمة فهو قصر حقيقي إذ لا رسول بعد الرسول الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو ما يرشحه التقييد بالحال "جميعا" فلا رسول إلى الناس جميعا إلا الرسول الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بل إن المعنى يجاوز عموم "الناس" إن اقتصر الناظر على معنى الناسمن البشر ، فهو رسول الثقلين ، الإنس والجن، وإن نظر في معنى الناس الأعم على القول بوجه اشتقاق في اسم الجنس "ناس" ، فالمشهور أنه جامد غير مشتق ، كسائر أسماء الأجناس ، وثم من قال بوجه اشتقاق من مادة "نوس" وهي مئنة من الحركة والاضطراب وذلك ما يصدق في الإنس والجن ، فكلاهما يتحرك ، بل نوس الجن أعظم وأسرع ، وإن كان أخفى فلا يظهر ، فجاء القيد بالحال "جميعا" الذي يجري مجرى القرينة المرجحة إذ تحتمل "أل" في "الناس" ، ولو احتمالا مرجوحا ، تحتمل العهد الخاص فَيَقْتَصِرُ الناظر على خطاب المواجهة إذ اختص به القبيل المخاطب في أم القرى مطلعَ البعثة ، وهو قَبِيلُ قريش ، فتكون الرسالة قرشية ، أو عربية ، فلا تكون عالمية يخاطب بها ملوك العرب والعجم كما كان بَعْدَ ذلك لما رسخت أقدام الوحي في الأرض ، فاعتضد الكتاب الهادي بالحديد الناصر ، فكانت دولة الوحي في يثرب ، شاهد الصدق الذي خاطب الملوك برسائل تقام بها الحجة الأعم ، فلا تكون ، بداهة ، إلا بلسان المبلَّغ ، وذلك ما يوجب ضرورة ، ولو إيجاب الكفاية ، أن يكون من هذه الأمة آحاد يجيدون لسان العجم على اختلاف أجناسه على وجه يحصل به اليقين أو الظن الغالب أن الحجة قد قامت على كافة الخلق ، فثم تكليف يزيد في حق هذه الأمة ، إذ اختصهم الرب ، جل وعلا ، بمنصب الشاهد ، فلا تكون شهادتهم محل الرضى إلا إن أَدَّوْهَا كما يجب ، ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا أن يَفْقَهَ المبلَّغ ما يُؤَدِّي المبلِّغ فما يجدي الأعجمي إذا سمع اللفظ العربي دون أن يفقه معناه فإن الكلام ، كما تقدم مرارا ، لفظ ومعنى ، فحاسة الصوت تلتقط اللفظ ، وحاسة العقل تُبِينُ عن المعنى بما اختزنت من الدلالات ، فإذا سمعت الدليل من اللفظ المنطوق راحت تقيسه على المعنى المفهوم حتى تجد الضالة فيواطئ لفظ الكلام معنى قد استقر في الذهن ، إما ضرورةَ اللسان الأم ، أو نظرًا بما يكتسب من اللسان الأخص ، سواء أكان لسان اصطلاح أو عرف في نفس اللسان ، أم لسانا ثانيا يغاير اللسان الأول ، فقد تعلم منه ما يحسن به يخاطب الأعجمي ، وتعلم الأعجمي ، في المقابل ، تَعَلَّمَ من لسان الوحي ما به يحسن ينظر ويتدبر ، ويفقه أحكام التعبد إن صدق وآمن ، فوجب عليه إيجاب العين أن يفقه من لسان العربية ما يقيم به أحكام التكليف ، كما وجب على كل من سمع بهذا الوحي الخاتم ، لا سيما من كان ذا رسالة تقدمت ، فهو يَفْقَهُ من هذا الجنس من البلاغ والبيان ما لا يَفْقَهُ غيره من المجوس وعباد الوثن وأصحاب المذاهب الأرضية ومن لا دين لهم ....... إلخ ، لا جرم أن خصوا بالذكر في الخبر المشهور أَنْ : "لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ لَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ" ، وإن كان ذكرهم ، من وجه آخر ، يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام فذكره يجري مجرى المثل المضروب ، فلا يخصص به العموم ، كما قرر أهل الأصول ، لا سيما والنص في الآية ، محل الشاهد ، قد عم ، فالتوكيد بالحال "جميعا" قد أبطل احتمال العهد بالنظر في القبيل المواجه بخطاب الوحي ، بادي الرأي ، قبل أن تَتَّسِعَ دائرة الحجة لتستغرق القبيل المجاور فَتَتَّسِعَ الدلالة شيئا فشيئا حتى تستغرق الناس كلهم ، فإن ظاهر اللفظ ، بادي الرأي ، يعم بدلالة "أل" التي دخلت على اسم الجنس "ناس" ، فالواجب حمل الظاهر على مدلوله المستغرق لجميع آحاده ، فالعام ظاهر في دلالته إذ يستغرق جميع آحاده مع احتمال التأويل بدليل التخصيص الذي يُخْرِجُ بَعْضَ أفراده ، وذلك ما يخالف عن الظاهر المتبادر فهو يفتقر ، بداهة ، إلى دليل صارف فلا يُعْدَلُ عن الظاهر إلى المؤوَّل إلا بدليل يصرف الناظر عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح ، فَلَوْ لم تَرِدْ الحال المؤكدة "جميعا" ما جاز الانتقال عن الظاهر إلى المؤَوَّل ، ولوجب حمل الدلالة في "الناس" على العموم ، فهي الأصل الذي يستصحب فيستمسك به الناظر المستدِلُّ حتى يرد الدليل الناقل فالبراءة الأصلية تُوجِبُ العمل بالعام حتى يَرِدَ الخاص الذي تَنْشَغِلُ به الذمة بعد بَرَاءَةٍ أولى استصحبها الناظر ، فإذ لم يوجد الدليل المخصِّص ، فالأصل براءة الذمة من المعنى الزائد الذي توجبه قرينة التأويل من تخصيص أو تقييد أو نسخ ....... إلخ ، فوجب ، ابتداء حمل "أل" في "الناس" على العموم المستغرق ، فكيف وقد جاءت الحال قرينة تشهد للأصل ، فأبطلت التخصيص ، ولو احتمالا ، وصيرت العام الظني دليلا جازما يوجب العلم القطعي ، فالرسالة عامة تستغرق البشر كلهم وإن اخْتُصَّتْ قريشٌ والعربُ بخطابها الأول ، فَنَزَلَ الوحي بلسان القوم المخاطبين ، فإذا حصل معناه واستقر في أذهانهم ، وصار لهم من الشوكة ما به يدفعون الخصم الأدنى ، ثم يحملون الوحي بكتاب هدى يصدق ويعدل ، وسيف حق يطلب خصوم الرسالة ، فلا يسعهم آنذاك إلا أن يفقهوا من لسان العجم ما يزيد على لسان العرب ، لسانهم الأم ، بل وقبل ذلك حال الضعف لا يخلون من تكليف تبليغ وتبيين بحكمة وموعظة حسنة فيجب عليهم ، أيضا ، تعلم اللسان الأعجمي ، ولو على حد الفرض الكفائي ، فهم ، أَبَدًا ، يدعون بالحكمة والموعظة الحسنة في السلم والحرب ، في الضعف والقوة ، وإن شفعوها حال القوة بجلال السيف العادل الذي لا يَظْلِمُ ولا يُكْرِهُ ولكنه يدفع ابتداء ثم يفتح الأمصار لتبلغ الرسالة القلوب فَيُكْتَبَ الفتح لمن هدى الرب ، جل وعلا ، ومن أبى فلا يعدم خيرا أن يدخل في حكم الوحي الذي تجرد من أهواء البشر في الحكومات والخصومات فلا يظلمهم ، ولو أبغضهم ، فَيَتَعَلَّمُونَ من اللسان الأعجمي ثانيا بَعْدَ اللسان العربي أولا ، وذلك ، كما يقول أهل الشأن ، قياس العقل إذ لا يحصل لصاحب اللسان من العلم والفقه وحسن الأداء والإفهام إلا أن يُتْقِنَ لسانه الأم ، بادي الرأي ، فيحسن يتصور معانيه ودلالاته المفردة والمركبة ، فإذا حصل له من ذلك ما به يحسن يُبِينُ ، فأتقن الأداء والإفهام بلسانه الأم ، فهو أهل أن يتقن بلسان آخر ، ما لا يتقن غيره ممن قَدَّمَ لسان غيره في التَّعَلُّمِ على لسانه ، فهو كمن اشتغل بالنافلة عن الفريضة ! ، فخالف القياس الصريح أن قدم ما حقه التأخير ، وَأَخَّرَ ما حقه التقديم ، فلم يستفد من وظيفة الكلام ما ينفع في أداء الألفاظ والمعاني ، فكيف يبين بلسان ثان وهو لَمَّا يُتْقِنْ لسانه الأول ، وهل يصح فرع بلا أصل ، وذلك ما نَجَمَ في أمة الشرق لما هُزِمَتْ هَزِيمَةَ الفكر والثقافة ، فاشتغلت بلسان العجم عن لسانها ، وصارت غاية الآباء أن يفقه الأبناء لسان الحضارة ! ، فيخلطون العربية بألفاظ أعجمية ، فلا يحسنون أداء المعاني إلا بألفاظ تقحم في السياق فيكون هجينا لا يستساغ ، سواء أتكلف صاحبه ليتشبع بما لم يعط من حضارة المنتصِر فَلَيْتَهُ أَتْقَنَ ما أَتْقَنَ المنتصر من فنون التجريب ، وإنما اقتصر أن يحاكيه في لفظه وهيئته الظاهرة ، ملبسا ومأكلا .... إلخ ، وليس له من دقائق الطب والصناعة .... إلخ ما يشفع له ، ولو تَنَزُّلًا في الجدال ، أن يحاكي المنتصر فإن كان لا بد محاكيا غيره فَلْيُحَاكِهِ في جميع شأنه لا أن يقتصر على الاسم دون المسمى ، فيجتزئ بظواهر لا تزيد المنهزم إلا ذلا فهي ، لو تدبر ، أدوات احتلال ناعم لعقله وبدنه ، واستنزاف لماله أن يُنْفِقَهُ في فضول من المعاش اقتبسها من وهج المركز ! ، فقد صار علامة يهتدي بها السالك ! ، فكان العدول عن لسان الوحي إلى غيره ، وكان العدول عن الوحي إلى غيره ، فخالف من خالف عن الدليل والمدلول كلاهما ، وَرَدَّ عطية الرب المعبود ، جل وعلا ، بما كان من وحي القرآن العربي ، الذي بَلَغَّهُ الرسول الملكي فَنَزَلَ به على قلب النبي العربي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَعَلِمَ من مبناه ومعناه ما به تقام الحجة فيكون الإنذار الذي به يستبين الحق يقينا فلا شك ، نصا في الأصول لا يحتمل ، وآخر في الفروع منه الظاهر المحتمِل الذي يحتف به من القرائن ما ينظر فيه المجتهدون ، فيكون من خلافهم في الفروع ما بُسِطَ في كتب المذاهب ، والحق في الجميع واحد ، والحق في الجميع ثابت ، وإن كان ظهوره في الأصول آكد فهي مناط الحجة الرئيسة ، خلافا للفروع فكثير منها يسوغ فيه الخلاف على وجه لا يصح ذريعة إلى الانتقاء في الفتوى طلبا للأسهل الذي تألفه النفوس وإن خالف الدليل الراجح ، فيكون الاستدلال استدلال هوى يخشى الناس ولا يخشى الله ، جل وعلا ، فيجتهد في إرضاء الناس ولو باختيار المرجوح أو المهجور من الفتوى ، فالأولى بالاعتبار في هذا الباب أن يفتي بالراجح ، ولو عنده ، فلا يخالف ما استقر في نفسه من الحكم ، فنظره نظر المجتهد الطالب للحق ، فلا عليه إن أخطأ إذ قد صح القصد الأول وكان النظر والاستدلال على جادة فقه تُرْضَى حكومتها فلم يكن استدلالَ تأويلٍ بعيدٍ أو باطلٍ ، ولم يكن فِيهِ من تكلف الوجوه ما يخالف عن الظاهر ، فهو الأصل ، كما تقدم ، فلا يُصَارُ إلى غيره إلا بقرينة معتبرة ، فكان الوحي بالقرآن العربي ، وكان انتهاء الغاية إلى النبي العربي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فدلالة "إلى" في قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) مئنة من انتهاء الغاية ، فغاية الوحي الأولى قلب النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فالقلب مستودع الحفظ والفقه ، وبعده محل أعم ، فخطاب المعنى تَتَّسِعُ دائرته ما لا تَتَّسِعُ دائرة الخطاب الأول ، خطاب المواجهة ، فقد أُوحِيَ هذا القرآن إلى الأمة الخاتمة ، أمة الدعوة ، عربها وعجمها ، فالجميع داخل في خطاب التكليف ، وإن كان ثم تدرج من الأقرب إلى الأبعد ، فكان التعليل نصا في قوله تعالى : (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) ، فاللام نص في الباب ، باب التعليل الذي دل عليه الفعل فهو مشتق من مادة النذارة ولا يخلو أن يكون خاصا يدل على عام هو جنس التبليغ والتبيين مطلقا ، بشارة ونذارة ، خبر ا وحكما ، إثباتا ونفيا ، أمرا ونهيا .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •