ومن قوله تعالى : (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) ، فكان الاستفهام إنكارا وتوبيخا ، وقد قُدِّمَ ما حقه التأخير على الراجح في دلالة الاستفهام ، فإن الأصل فيه أن يكون عن الأحوال والأفعال التي تقوم بالذوات لا على سبيل الديمومة فهي مما يطرأ ويزول كالقراءة والكتابة ..... إلخ من الأفعال سواء أكانت باطنة أم ظاهرة ، فثم من فعل الباطن ما يناط بالإرادة والمشيئة ، كالنظر والتدبر في الآيات والأحوال سواء أكانت كونية ، آفاقية أو نفسانية ، أم شرعية كالأخبار والأحكام ، فالعبرة تحصل بكل أولئك على وجه يدق ويلطف ، والعقول فيه تَتَفَاوَتُ بما رُكِزَ فيها من قوة النظر والتدبر ، فثم قدر ضروري ، هو مناط التكليف الذي يسمع ويفقه المعنى البسيط الذي تستوي في دركه العقول ، فهو كالمقدمة التي يسلم بها الخصوم جميعا فيكون القول الذي يجمع عليه العقلاء فلا يختلفون في تأويل الحجة ، فإن الحجة لا تقوم إلا بلفظ صحيح صريح لا يحتمل ، فكان من قوى النظر ما هو ضروري ، وكان ثم قدر زائد يحصل فيه التفاوت ، وهو العلم النظري الذي يفتقر إلى استدلال أخص ، فيكون من فقه الآي الكونية ما يتفاوت فبعضٌ يدرك بما حصل من علوم التجريب ما لا يدرك غيره ممن يقتصر على الظواهر المجردة ، فالصورة واحدة في الخارج ، وتحليلها في الذهن يَتَجَزَّأُ ، ومن ثم يعيد العقل الصياغة ، فيخرج بعبرة تَنْفَعُ إن في الدنيا أو في الدين ، فَبَعْضٌ قد اقتصر على الظاهر فحصل له من الجزاء العاجل ما استنفد به حظه عاجلا فلم يظلمه الرب ، جل وعلا ، أن وَفَّاهُ أجره ، فكان له من سيادة الظاهر إذ جمع أسبابها ، وسنة الكون جارية في المؤمن والكافر ، في البر والفاجر ، فمن اعتبرها فتدبر ونظر حاز السيادة في السياسة والحرب ، ومن أقام العدل فلم يظلم كان له من قوة البنيان ما يصمد ، فكان ما كان من اشتغال بعض المكلفين بسنة التكوين ، فمناط عنايتهم علم الأولى ، إذ لا يعتبرون ما سواها وإن آمنوا بآخرة ، فإيمان مجمل لا يحفز النفس أن تقتصد في أمرها فلا تغلو ولا تجفو ، فلا يكون ثم رهبانية وتصوف فهي من الإرث الكامن في عقل المركز الحاكم الآن ، فلا يقتصد في فعل ولا في رده ، وإنما ينتقل من رذيلة أولى إلى ثانية تضادها فلا يصيب الفضيلة بالاقتصاد ، فالاقتصاد لا يكافئ الإمساك والحرمان من الطيب المباح على وجه يخرج عن حد الاعتدال ، فتكون الحياة بؤسا وألما فذلك ما لا يطيقه عامة الخلق والتكليف قد جاء بالمقدور ، وذلك ما يواطئ المنقول والمعقول ، فإن الرب ، جل وعلا ، حكيم في تدبيره وتشريعه فلا يكلف الجمع أن يؤمنوا بمحال في باب التصديق فيكون الخبر مخالفا عن قانون الضرورة ، كأن يقال إن الواحد ضعف الاثنين ، فذلك ما يخالف عن البدائه الضرورية التي ركزها رب البرية ، جل وعلا ، في العقول ، فالواحد مع الواحد اثنين ، لا أن الاثنين مع الاثنين واحد ، فلا يقول ذلك إلا من سفسط فجحد البدائه الضرورية ، فلا يكون جدال إلا على قاعدة من المقدمات يسلم بها الخصوم فإن بلغ الأمر أن ينكر المخاطب مقدمات الاستدلال فلا جدال يَنْفَعُ ، وكذلك الشأن في التكليف بامتثال ما لا يطاق ، كتحريم الطيبات ومنع النفس من أسباب الضرورة والتضييق والتحريج بذريعة التدين والتنسك وما بَذِا جاء وحي مُنَزَّلٌ ، بل قد جاء بالاقتصاد المحمود الذي يبيح الطيب من المطعوم والمشروب والمنكوح ، فأنكر على من حرم في قول الرب المعظِّم جل وعلا : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) .
فَثَمَّ من يَتَدَبَّرُ في آي الكون فَيَنْتَفِعُ ، إما بالظاهر فقط ، فَيُجَازَى في هذه الدار بما اجتهد فيكون له من سيادة السياسة والحرب ، وَرَفَاهِ العيش ما أشاد به الوحي فقد جعله مقصدا رئيسا من مقاصد الوحي أن يعم الخير ويهنأ العيش ، فالوحي ما جاء يضيق على الناس في حاجاتهم وإنما جاء يُرَشِّدُ شهواتهم ويهذبها على وجه يصيب الفضيلة توسطا بَيْنَ الغلو والجفاء ، فلم يكن لمن حاد عن جادة الوحي سواء أغلا أم جفا ، لم يكن له من هذه الفضيلة قدر يَنْفَعُ ، فالعقل في المركز قد مُلِئَ غضبا وحقدا على الدين الذي استعمل دعاية الزهد أن يكرس الظلم والاستبداد ، وأن يُضْفِي من القداسة على أرباب السياسة ما حسم مادة الثورة على الظلم ، فكان الخضوع للظالم المستبد آيةَ زهدٍ وَتَدَيُّنٍ ، وإن أهدر ذلك من مقاصد الدين ما أهدر ، فإن الدين قد جاء بما يُزَكِّي الإنسان وَيَرْقَى بِهِ في درجات الشرف والأنفة أن يخضع لبشر مثله فجاء يخرجه من كل قيد يسترقه إلا قيد الرسالة فهو مناط الحرية التي يَنْشُدُهَا العقلاء جميعا ، فكان الغضب في النفوس من هذا الدين المنحول الذي يروجه الكهنة في الناس مخدرا للمشاعر فهو يعدها بالنعيم الآجل إن رضوا بالذل العاجل الذي يهدر فيهم معنى التكليف فهو يستلبهم العقل والمروءة وهما مانع أن يَنْقَادَ الناس لطاغوت في الدِّيَانَةِ أو السياسة ، فلا بد من سلب القوة العاقلة في الجنان ، ولا بد من سلب المروءة التي تأبى الذل والخضوع ، وذلك ما يضع له الحكم الجائر من نظريات الترغيب والترهيب ما اشتهر في طرائق السياسة المحدثة ، فيكون الترغيب تارة ، ويكون الترهيب المشفوع بالصدمة أخرى ، فهي تحرث الأرض أن تقبل البذر ! ، فيكون الصعق المفاجئ إن بالغزو المباشر قتلا وتعذيبا .... ، أو بآخر في المعاش تقطع فيه الأسباب وتضيق الأرزاق وتستلب أسباب القوة فكرا وسياسة واقتصادا ، ويوضع في رأس الأمر من يُفْسِدُ فلا يصلح ، فهو مطعون العدالة لا يصلح للولاية ، وإنما تَوَاطَأَ عليه أصحاب المصالح الخاصة التي لا تَرْعَى في عامة إِلًّا ولا ذمة ، فهو الذي ينوب عنها في إخضاع الجماعة بما يسن من قوانين جائرة ، لا تقتصر على تقييد الحرية السياسية وإنما تستلب من الناس كل أسباب القوة ، فهو يضيق في أمر السياسة ويضيق في أمر المعاش ، مع رضاه بما ينجم عن ذلك من نقص في الأديان والأخلاق ، إذ أوصد من أبواب الخير ما به تكتفي النفوس ، فيحصل لها من رَفَاهِ العيش ما يجعلها نِدًّا في الخصومة وذلك ما يقض مضجع أي طاغوت جائر ، فلا أعظم شرا عنده من وعي في الناس يزيد لا سيما إن استند إلى محكم التنزيل فكانت الرسالة رائدة الجموع ، فهي الدين الحق الذي نَزَلَ من الرب ، جل وعلا ، لا جرم كانت الجناية العظمى أن نُسِبَ الدين إلى هذا الجور والنقص في أمور السياسة والحكم ، فصار الدين يحض الناس على قبول المحتل الغازي من خارج ، فهو إرادة الرب ، جل وعلا ، الماضية ، فكان من منشور الولاية في غزو بعض الأمصار في الأعصار المتأخرة التي فشا فيها الجبر في مسائل القدر لا سيما مع ازدهار طرق في السلوك اجتذبت الجموع وَصَيَّرَتِ الدين بطالة لا يجهد صاحبها أن ينظر في دين يَنْفَعُ به يصلح أمر المعاش والمعاد معا ، فيكون الدين الباعث والفاعل الذي يَصْدُقُ الناسَ نصحه فهو الرائد الذي لا يكذب فلا يدلهم إلا على الخير ، وإن حصل فيه من المشقة والجهد ما لا يخلو منه أمر في هذه الدنيا بما جُبِلَتْ عليه من نقص ، وبما جرى فيها من سنن المدافعة ، فلئن قعد الناس عن الطلب والدفع فلم يكن لهم حظ من فضيلة المصابرة ، فإن عدوهم لا يقعد فهو آخذ بناصية الأسباب وإن قصرت غايته فاقتصرت على ظاهر الحياة الأولى طلبا لرياسة تَزُولُ ولذة تَفْنَى ، فقد بذل السبب الذي به يَنَالُ مطلوبه ولو دنيا فهو ، من هذا الوجه ، خير ممن قعد فلم ينهض ، وإن كان مطلوبه أعظم بما تَحَمَّلَ من إرث الرسالة ، ولو أخبارا وأحكاما مجردة لم يشفعها بواجب التصديق والامتثال ، ولم يعضدها بنظر واعتبار هو ، كما تقدم ، مناط تكليف به يتفاضل العقلاء ، فلا يتفاضلون بما يطعمون ويشربون وينكحون ، فذلك أمر يستوي فيه الإنسان العاقل والحمار الناهق ! ، وإنما يتفاضل العقلاء بما يكون من فضيلة النظر والتدبر ، وأشرف أجناسها التدبر في آي الوحي المنزل ، أخبارا وأحكاما على وجه يحصل من قوة العلم ما به يصح التصور فيكون تدبر الجنان ، وهو ، كما تقدم صدر الكلام ، عمل ، وإن بطن ، فلم يكن له جرم في الخارج ، وإن ظهرت آثاره ، من وجه آخر ، في حركة اللسان نطقا وصمتا ، وحركة الجارحة فعلا وَتَرْكًا ، فيحصل من التدبر النافع في آي الوحي النازل من قوة العلم ما به يصح التصور فهو مبدأ أي حكم إن في الباطن إرادة ، أو في الظاهر حركة تحكي هذه الإرادة ، فهي باعث القول والفعل في الخارج ، فذلك دين الرسالة الذي يبث في النفوس روحا من الحرية والأنفة تأبى الانقياد إلا لرب الشرعة ، جل وعلا ، وإن أُتْلِفَ البدن بالقتل أو الأسر ، فروح الوحي في الجنان حاصلة فهي سبب الحياة الكاملة ، فإن هزمت الأبدان في نوازل فلا يخلو الأمر من سنة أخرى في الكون ، فالأيام دول بين الناس ، وبها يكون الابتلاء بما يظهر من معادن النفوس إذا حصل لها من الولاية ما يفتن ، فـ : (جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) ، فذلك جعل التكوين الذي يدل على جلال الجاعل وقدرته النافذة ، فحسن ، من هذا الوجه ، أن يسند إلى ضمير الفاعلين في "جعلناكم" ، فكان استخلاف الابتلاء لا الغياب ، فالرب ، جل وعلا ، قد أحاط بكل شيء علما ، فهو أبدا مع الخلق بالعلم ، إما علم التكوين الأول ، أو علم التقدير المسطور في لوح القدر المحفوظ ، أو علما تحصيه الحفظة فهو شاهد يستنسخه الرب ، جل وعلا ، بإحصاء ثان يواطئ المقدور الأول والمسطور المحكم في لوح المقادير ، فذلك من الفكر الذي يَنْفَعُ صاحبه أن يتدبر في آي الوحي التي أبانت عن الغاية من الخلق ، فعبادة لا تكون إلا بتدافع به يمتثل المؤمن أمر الاستخلاف أن يسعى في إقامة الدين خبرا وحكما ، سياسة وحربا فيقع من ذلك ما يقع من التدافع والتصابر ، فذلك سنن محكم لا يتخلف أبدا ، فكانت الخلافة ابتلاء أن يُقَامُ الوحي ويصابر خصمه إن بالحجة والبرهان حال الجدال ، أو بالسيف والسنان حال الجلاد ، وكان التعليل تعليل الحكمة : (لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) ، فذلك ، كما تقدم ، نظر ثان يحصي ، فهو يصدق العلم الأول الذي به قدر ، جل وعلا ، المقادير ، ثم سطرها في لوح التقدير ، فكان السنن الجاري الذي أَحْسَنَ أتباعُ الوحيِ تأوله فلم يكن باعث كسل وقعود احتجاجا بالكون على الشرع ، بل فَقِهَ القومُ الغاية من الخلق ، فآمنوا بالكون والشرع جميعا ، فكان الإيمان بالقدر باعثا على امْتِثَالِ الشرع أمرا ونهيا على وجه استغرق سائر أجناس التكليف بأفعال الاختيار ، فكل أولئك من أسباب القوة التي يدفع بها الجمعُ الصالح حكمَ الجائر ، فذلك دين الرسالة لا دين العطالة والبطالة الذي عظمت به البلوى في ذاكرة الخصم ، فلم يحسن يقتصد في عدواة الكهنة والساسة الذين جعلوا الأرض والبشر غنيمة تقتسم ، فكان الشطط في الخصومة ، والجفاء في الدين نظير الغلو ، إن رهبانية دينية ، أو طريقة سياسية استعمل فيها الدين ذريعة أن يصبر الناس على الظلم فذلك ثمن يبذل طوعا رجاء ملكوت باق ، فنصيب الصابر في السماء لا في الأرض إذ مملكة الرب في السماء ، وأما الأرض فهي لملوك الأرض ومن دخل في بطانتهم من أرباب الثروة والقوة ، والدين على ذلك شاهد زور ! ، وكهنته شرك في القسمة ، وإن حصل بين الشركاء من التخاصم ما اشتهر في تاريخ القرون الوسطى ، فكان الصراع الذي احتدم بين كهنة الدين وملوك الدنيا فكلٌّ يروم الاستئثار بأعظم نصيب من الغنيمة ، والنفوس لا وازع لها من دين أو شريعة فَأُسْلِمَتْ إلى طبائع الجبلة أن لم يكن ثَمَّ ما يهذب من أحكام الشرعة ، فكان التشاح بين الشركاء وإن كانوا في الظاهر جميعا ، فـ : (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) ، فلم يجتمعوا إلا على الباطل أن يسترقوا الناس ويستضعفوهم ، فلا يكون لعامة الناس من الأسباب ما به يدفعون هذه القوة المركبة ، فلا يدفعها إلا الدين الصحيح الذي يواطئ القياس الصريح ، وهو دين التوحيد الذي يُخَلِّصُ النفوسَ من قيد الكهانة المبدلة والسياسة المحدثة ، فيصلح أول ما يصلح تصور النفس فلا تسلم قيادها إلا لمن خلقها ، فهي تحسن النظر في آي الأنفس والآفاق فبها استدلت على واحد في الذات والوصف والفعل قد انفرد بالخلق والرزق والتدبير ، فالكون جار على سنن محكم ، ولا يكون ذلك إذا تَنَازَعَ أمرَه أربابٌ كثير ، كما هي الحال في صورة الحكم آنفة الذكر ، في أعصار ظلمة عمت أن غابت شمس الشرعة فلم تشرق في سماء الجنان فتظهر بركتها في إرادات الخير ومقالات الصدق وحكومات العدل الخاصة والعامة ، فيصلح أمر العقد والشرع والحكم والسياسة والحرب والشراء والبيع ، فتكون صلاة تصدق هذا النظر المحكم ، إذ لا إله يعبد بحق إلا الرب الخالق الرازق المدبر بما انفرد به من وظائف الحكم المطلق في خلقه على وجه تظهر به آثار الجلال والجمال فهما شطرا الكمال الذي لا ند له ، جل وعلا ، فيه ولا نظير ، ولا شبيه يقارب ، فقياس الحكمة أن يفرد وحده بالصلاة التي أنكرها القوم بالاستفهام في قوله تعالى : (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) ، فمعناها لا يقتصر على الصلاة المعهودة في الذهن ، وإن كان النص عليها ، من وجه آخر ، مئنة من عظم شأنها فهي عماد الدين الرئيس ، وهي أعظم تكليف بعد الشهادة ، وهي أظهر آي الانقياد والطاعة بالخضوع ركوعا وسجودا وقعودا ، فلا يكون ذلك إلا استسلاما بالبدن يواطئ استسلام القلب بما يقع في الروع من روح التوحيد الناصح من كدر الشرك والكفران ، فذلك توحيد يتوجه به الجنان إلى واحد يتألهه فلا يشرك به غيره ، لا في باطن ولا في ظاهر ، فلا يعتقد شريكا له في خلق ولا رزق ولا تدبير ، فلا يتوجه بعبودية الدعاء رغبا ورهبا وطلبا إلا له فوحده من يملك الخزائن التي لا تنفد ، ويجري من الأرزاق ما لا يقطع ، فلا يقطع بَشَرٌ ما وصله ، وإن أُوتِيَ ما أُوتِيَ من أسباب الملك والسلطان ، وأعظم آيات الدعاء الجالب للأرزاق ما يكون من دعاء الصلاة الأخص ، فـ : (أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) ، فالصلاة ، كما تقدم ، دعاء خاص قد قُيِّدَ بأقوال وأعمال مخصوصة ، فَثَمَّ جنس عام تندرج فيه آحاد ، فالدعاء جنس أعم تندرج فيه آحاد منها الدعاء المعهود المتبادر بما يكون من رفع اليد توجها إلى الرب الخالق ، جل وعلا ، وقبله يكون توجه القلب فإن اليد لا تتحرك ولا تسكن إلا بما يواطئ إرادة الجنان الباطن ، ولا تحصل إرادة إلا من تصور ، ولا يكون تصور إلا بمادة علم يتلقاها القلب بالقبول ، فيكون ثم مرجع ، فإن كان من العقل أو النفس فليس إلا الهوى أو الذوق الذي تعظم به أَثَرَةُ النفوسِ فتأبى الانقياد والخضوع للرب المعبود ، جل وعلا ، وإن كان المرجع يجاوز العقل والنفس فهو من خارجها وحيا محكما فذلك ما تحصل به في النفوس من العلوم النافعة والإرادات الصالحة ما تظهر آثاره في حركات الجارحة ، لسانا يدعو ويدا ترفع طلبا لعطايا الرب التي لا تنفد ، وأشرفها ، لو تدبر الناظر ، عطايا الدين هداية بها يسترشد ، وأخرى بها يمتثل فيكون الإلهام والتوفيق أن يواطئ حكم التشريع في كل حال سواء أكانت صلاة تخص ، فهي ، كما تقدم ، فرد آخر من أفراد الجنس المطلق في الذهن ، جنس الدعاء ، فتكون صلاة الأبدان ركوعا وسجودا تأويلَ الخضوع والانقياد الباطن ، وتكون صلاة أعم ، عند التدبر والنظر ، وهي ما أنكر القوم إذ استفهموا : (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) ، فهي صلاة تستغرق كافة النوازل ، ما خص وما عم ، فهي صلاة تصديق وامتثال بما جاء به الكتاب من الآي البينات ، إن في الأخبار أو في الأحكام ، إن في تكليف الفرد أو تشريع الجمع في السياسة أو في الحرب ، في التجارة والبيع ، فذلك ما أنكر القوم ، فلم يطيقوا صلاة تلجم نفوسهم فتقيدها بحلال أو حرام ، فالدين عندهم لا يَتَنَاوَلُ شأنا تعم به البلوى في السياسة أو الحرب أو البيع ..... إلخ ، وتلك زبدة المذاهب المعاصرة التي أقامت المجتمعات والدول على أنموذج الحداثة فرارا من طغيان الكهانة والسياسة في أعصار ظلمة لا يجد شؤمها من نشأ في ظلال الوحي الصحيح الذي نضحت آياته بمادة التحرير من العبودية الباطلة ، فهي مادة التوحيد التي تواطئ العقل الصريح ألا يعبد إلا من خلق ورزق وَدَبَّرَ ، فيكون التصديق قولا وعملا لبدائه في القياس تقضي بالتلازم بين السبب والمسبَّب ، فسبب إفراده ، جل وعلا ، بالتأله هو انفراده بمنصب الربوبية ، وهو ، من وجه آخر ، تأويل صحيح لكمال الرب ، جل وعلا ، إذ لا يكون فعل الربوبية إلا آثارا تترى بكلمات تكوين نافذة هي آثار الصفات الفاعلة ، وهي صفات ترجع إلى وصف الحياة ، أصل الصفات الذاتية ، ووصف القيومية ، أصل الصفات الفعلية ، فالقيوم الذي يَقُومُ على غيره رعاية وتعاهدا بأسباب الخير باطنةً وظاهرةً ، هذا القيوم لا يفعل في الكون إلا بقدرة جلال وحكمة جمال بهما استحق الثناء بالكمال المطلق ذاتا ووصفا وفعلا وحكما ، فهذه مادة توحيد نافع جاء بها الوحي النازل ، وهي مادة بها يصلح العاجل والآجل ، فلا يفرق فيها بين متماثلات جاءت بها الآي البينات ، فلا يكون الرب ، جل وعلا ، إله الصلاة الخاصة ركوعا وسجودا ، ولا يكون إله الصلاة العامة أن ينفذ حكمه في نوازل البشر جميعا ، ما دَقَّ وما جَلَّ ، ما خص وما عم ، فقد أنزل من الدين الكامل ما تحصل به الكفاية ، إن بالنص ابتداء فهو العمدة سواء أتواتر ، من كتاب أو خبر ، فهو يفيد بنفسه ظاهرا وباطنا إذ ثم قطع بصحته في نفس الأمر ، وبعده ما يكون من نص الآحاد ، فهو يفيد بالظاهر دون الباطن لاحتمال الخطأ على وجه لا يكون ذريعة إلى تعطيل الاحتجاج به إن في العلم أو في العمل ، وإلا وقع المعطل له في جنس ما وقع المعطل للدين أن قصره على شعائر الخاصة دون شرائع العامة ، فهو يفرق بين متماثلين قد استغرقهما الوحي بمنطوقه أو مفهومه ، فكذلك من احتج بالمتواتر ولم يحتج بالآحاد ، أو احتج بالآحاد في باب دون آخر ، فهو ، أيضا ، يفرق بين متماثلين ، فكلاهما وحي وإن اختلفا في الرتبة ، فالمتواتر ، بداهة ، أعلى رتبة من الآحاد ، ولكن جنس الاحتجاج يستغرقهما جميعا ، فكلاهما حجة بنفسه في العلم والعمل ، وإن أفاد المتواتر ظاهرا وباطنا ، وأفاد الآحاد ظاهرا دون الباطن ، فهو ظاهر راجح معتبر ، لا يعدل عنه ، بادي الرأي ، فهو الأصل المستصحب ، فلا يعدل عنه الناظر المستدل إلا أن يكون ثم قرينة تصرف من دليل أقوى كمتواتر يرجحه ، أو يظهر من الخطأ الدقيق علة تخفى ، بادي الرأي ، فيكون ثم ظاهر صحة وثم علة تقدح فيه على وجه أجاد أهل الشأن حده واستقراء أنواعه فَوَضَعُوا من معيار النقد إسنادا ومتنا ما به كانت المنة العظمى بحفظ الذكر فمنه ، كما تقدم مرارا ، ذكر الأخبار متواترة أو آحادا ، فحصل بالدين المنزل من الكفاية إن بالخبر متواترا أو آحادا ، أو بالإجماع أو بالقياس الذي جعله بعض المحققين ضرورة لا يصار إليها إلا والخبر غائب والإجماع مُنْتَفٍ ، فلا يحل القياس وأحدهما موجود ، فكل ما خالف عنهما من القياس فهو فاسد الاعتبار ، فكانت الكفاية بهذا الدين الكامل على وجه أبطل شبها تترى منها ما فَحُشَ كمن يروم إبطال الصلاة كلها ، فلا يطيق دينا ، ولو شعيرة تخص ، كما كان في مقال الإلحاد الصريح الذي جعل الدين كله مخدِّرَ الجماعة فهو أعظم من وقع في شؤم الظلم الذي قارفه الكهنة والساسة ، فكان أعظم مفتون ، وبعده من رام قصر الصلاة على صلاة الأبدان الخاصة ، فأنكر على من عم بالصلاة سائر الأحكام في السياسات والأموال .... إلخ ، وثم من أهل الفضل من لَطُفَ في وجدانه مقال يدق لا يسلم من نظر فقد يكون ذريعة إلى التفريق بين الصلاتين ، الصلاة الخاصة والصلاة العامة ، فقال من قال بالتفريق بين أمور الدعوة وطرائق السياسة ، وذلك قد يصح ، من وجه ، فلكل مقام مقال ، ولكنه قد يتخذ ذريعة للفصل التام ، فتخرج السياسة من حكم الدعوة إلى التوحيد وهي المناط الأول والغاية العظمى التي لأجلها نَزَلَ الوحي وَشُرِعَ الحكم وَجُرَّدَتِ السيوف في ميادين الحرب على وجه لا يفارق صاحبه حد العدل ، فالصلاة ، وهي محل الشاهد ، هي ما أنكر القوم فقد فقهوا ما فيها من معنى يجاوز الجوارح إلى آخر يعم سائر الأحوال ، في العبادة : (أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) ، وفي التجارة : (أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) ، فكانت العناية بالصلاة فهي محل إنكارهم فَقُدِّمَتْ فِي الذكر وحقها التأخير بعد استفهام ينصرف إلى الأفعال لا الأسماء ، كما قرر أهل الشأن ، وقد يجوز ذلك تقدير محذوف من جنس المذكور المتأخر ، وهو مادة الأمر في : (تَأْمُرُكَ) ، فيكون تقدير الكلام : أتأمرك صلاتك أتأمرك ، فيكون ذلك من جنس الاشتغال ، ولا يخلو من تكرار حال التقدير ، وهو مما يزيد في تقرير المعنى وتوكيده إمعانا في الإنكار ، ولم يخل السياق من حذف آخر في قياس اللسان على حد الإيصال والحذف على تقدير : أصلاتك تأمرك بترك ما يعبد آباؤنا ، فلم يخل الإطناب بـ : "أن" وما دخلت عليه من عامل الترك المضارع : (نَتْرُكَ) ، وذلك ، أيضا ، إطناب في المبنى يدل على آخر يضاهيه في المعنى إمعانا في التقرير والتوكيد ، فاحتجوا بالإلف والعادة وتلك حال كل مُقَلِّدٍ في الدين لا يحسن يَنْتَفِعُ بعقله فهو يُؤْثِرُ الكسل أن ينظر ويستدل ، ومن ثم كان العطف على نية التكرار للعامل ، فتقدير الكلام : أو أن نَتْرُكَ مشيئتنا المطلقة في أموالنا ولو خالفت عن صلاتك ، فالأهواء تقدم حال الاختلاف ! ، فصارت الصلاة متشابها لا يسلم الناظر إلا برده لمحكم الهوى والذوق بذريعة الرعاية لقياس العقل والاعتبار للمصلحة والعرف وإن فَسَدَا فَأُهْدِرَا فلا اعتبار بما خالف عن نص الوحي ، ومن ثم كان الختام على حد التوكيد في قوله تعالى : (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) ، ولا يخلو ، من وجه ، من تهكم يرجحه السياق إذ صدر بالإنكار والتوبيخ وهو مما يلائم الاستهزاء والتهكم ، فَزِيدَ في المؤكدات إمعانا في النكاية إذ أرادوا ضده ، فكان التوكيد بالناسخ "إن" ، واسمية الجملة ، فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : أنت الحليم الرشيد ، والاسمية مئنة من الثبوت ، وَزِدْ عليه ضمير الفصل "أنت" والقصر بتعريف الجزأين "أنت" و "الحليم" ، واللام الداخلة على ضمير الفصل فِي "لأنت" ، فضلا عَمَّا تدل عليه "أل" من استغراق المعنى حلما ورشدا ، فما أرادوا ذلك تعظيما ، وإن احتمل فكأنهم يتعجبون من قوله فلا يواطئ بزعمهم ما استقر في نفوسهم من كمال وصفه حلما ورشدا ، وذلك ، من وجه آخر ، مما يشهد باشتراك يجب في المعاني المطلقة في الذهن ، فإن اسم الحليم من أسماء الخالق ، جل وعلا ، وقد أطلق على المخلوق في هذا السياق على وجه يصح إذ كان الاشتراك في المعنى المطلق في الذهن لا الحقيقة والماهية في الخارج ، فلكلٍّ ، كما تقدم ، وصف يليق بحقيقة الذات وَكُنْهِهَا في الخارج ، فيكون الاشتراك ، من وجه ، والافتراق من آخر وذلك ما اصطلح في الدلالات أن يسمى دلالة التكافؤ .

والنداء صدر الآية إما أن يحمل على التعظيم فيكون الخبر آخر الآية : (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) ، من التعجب حقيقة إذ هو عندهم محل التقدير والتوقير ، وإمال أن يحمل على التحقير فيكون الخبر آخر الآية تهكما واستهزاء فاحتمل النداء المعنى وضده فهو من هذا الوجه من الأضداد التي تحتمل ، وذلك محل إجمال بالاشتراك ، فَقَرِينَةُ السياق هي التي تعين مراد المتكلم على التفصيل المتقدم .

والله أعلى وأعلم .