مما تقرر في الوحي وشهد به الحس أَنَّ من خالف عن الشريعة لا تكون حاله إلا الحال الدنيا الوضيعة ، وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من القوة والثروة ، فذلك معيار محدث لا يقيم وزنا إلا لأسباب الحس ، فـ : (قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، فذلك قول المترفين وهم أعداء الرسالات في كل عصر ومصر ، وذلك معنى يغاير الغنى والثروة فقد يحصلان في يد من يرزق السداد والهدى فلا تملكه الدنيا بل هو يملكها ، فهي طوع يمينه قد علم الغاية منها فليست إلا ابتلاء بالخير تارة ، والشر أخرى ، فَثَمَّ من رزق المال والقوة فأحسن يستعملها فيما خُلِقَا لأجله ، فالمال سبب في حصول الكفاية التي تحفظ الحشمة والهيبة دون علو في الأرض أو استكبار بغير الحق ، كما كانت حال قارون إذ جاوز الحد ، فصار المال سببا في الكبر الذي يجاوز الهيبة ، وبينهما من العموم والخصوص الوجهي ، إذ يشتركان في وجه ، وهو حصول صورة ذات أَثَرِ فاعل في نفس الناظر فهو ينقبض إذا وجدها ، فتحمله على الكف والاحتشام فلا ينبسط في قول أو فعل ، ويتغايران من آخر ، فالكبر مما يبغضه الناس فلا ينقادون للمتكبر إلا كرها إن كان صاحب ولاية أو حظوة ، أو كان ذا جاه وثروة فإن بذل له الناس من آيات التوقير شيئا فطمعا في جاهه وثروته أو خشيةَ بأسِه وسطوته ، فالناس معه بَيْنَ راغب وراهب ، وليس ثم حبيب صادق ، فما أكثر ما يشكو المتكبر بالجاه أو المال من وحشة وإن كَثُرَ حوله الأتباع فلا يأمن أحدا ، وإن خاصة أهله ، وانظر في الملوك إذا ظلموا واستكبروا في الأرض بغير الحق كيف سلط عليهم من سوط الخوف ما ألهب النفوس ، فهي تألم كما يألم الخصوم ، بل ألمه ، لو تدبر ، أعظم ، فلا يهنأ بعيش وإن بذلت له أسباب الراحة ، فالدنيا ليست دار راحة يركن إليها العاقل فيقاتل لأجلها ويصابر ، وإنما يكون القتال والمصابرة انتصارا لمطلوب أعلى تعظمه النفوس الشريفة فهي لا تنازع أصحاب الشهوات شهواتهم فلا يكون منتهى السؤل شهوة بطن أو فرج ، ولا تكون الرياسة إلا ذريعة بها تُعَظَّمُ الديانةُ فلا يستقيم أمرها إلا بِمُلْكٍ يَنْتَظِمُهَا ، فتكون قوة الحق ، كتابا يهدي وسيفا ينصر ، فذلك منهاج الحياة الذي يستغرق فعل العبادة وقرار السياسة والحرب وحركة المال والتجارة ، فلا يكون الدين لله ، جل وعلا ، ولغيره ، بالنظر في معنى الدين الأعم فليس كما يظن الظان في أعصار بَهَتَت فيها آثار الرسالات ، ليس عقدا مجردا في الذهن يقتصر على صورة علم لا يجاوز أثرها المحل الباطن ، فلا يكون له أثر في الحياة إلا تابعا للشهوات وشاهد زور على جور السياسات إذ يفتح الذرائع إلى الظلم باسم الحق المنزَّل الذي تعظمه النفوس ما لا تعظم سواه من الشرائع والمذاهب المحدثة ، فالدين كامن في الفطرة والوجدان ، وإن دق أثره ولطف سببه لا سيما في أعصار المادة التي تعظم الحس فوحده مرجع التصور والحكم إذ غاب الوحي ، ومع ذلك لا يحصل من الراحة ما تطمئن به النفس فلا يزال وازع الدين يزجر فيؤرق ويوجع ، إن كان ثم بقية دين يعصم ، فإليه يرجع الإنسان إذا رام راحة النفس ، ولو تدين بغير الحق ، فلا تخلو نفس ، من وجه آخر ، من فطرة التدين فالإنسان أبدا يتعبد ، فإن لم يكن معبوده المعبود الحق الواحد بما أنزل من الشرع الحاكم ، فَثَمَّ معبودات كثير ، لها من عابديها الظهير والنصير ، وإن لم يكن ثم دليل إلا الهوى والذوق ، فصارا مرجعا في الحكم يضاهي مرجع الوحي المحكم ، بل صَارَا فيه حكما وصار لهما تَبَعًا فهو نافلة الاستدلال بما يكون من تكلف في حمل الأدلة الرسالية على الأحكام العقلية والوجدانية ، فَيُلَفِّقُ المستدلُّ من وجوه الاستدلال مقدمات تُفْضِي إلى نتائج قد انتحلها سلفا ! ، وذلك ما لم يسلم منه أهل الحق في مواضع لا سيما في مواضع من الخلاف في الفروع ، فكان الحكم أولا بما أفتى به الإمام أو صاحب المذهب ، فَلَهُ اجتهاد لا يُلْزِمُ من بعده إلا بما أقام عليه من الدليل فالحجة في الوحي لا الرأي ، وإن رأي فاضل مجتهد له من آلة الحفظ والفهم ما به يستنبط ، وله من إخلاص القصد ما به يسترشد فما أراد إلا الحق علما وعملا ، فثم من شاهد العمل بما علم ما به تثبت العدالة وهي شرط في الرواية والفتيا ، فلا بد من عدالة وضبط ، ولا بد من درس وفقه ، فلا يحصل علم الشرع كشفا بلا مقدمات ، فليس العلم بلا معلم إلا خاصة الأنبياء ، عليهم السلام ، فلهم من الاختصاص بهذا الوصف الشريف ما هُيِّئَ به المحل الذي يناط به تكليف أخص ، فهو البلاغ والبيان الأول بشرع ينسخ أو آخر يجدد ، فلا يكون ذلك للتابع ، وإن كان ثم من يجدد أمر الدين من المتأخرين ، فهو يجدد بما علم بالتحمل رواية والتفقه دراية ، فلا يخالف عن طريقة الوحي الأولى ، فإن التجديد هو إحياء ما اندثر من الأثر الأول ، ولا يكون ذلك بطمسه ، إنكارا وجحودا ، فَثَمَّ من أعداء الوحي ما اتسع خرقه على الراتق ، فصار التجديد للفكر نسخَ الشرع بالعقل ! ، فصار الشرع آيةَ نقص فهو وَلِيُّ أمرٍ لقاصرٍ لا يحسن تدبير شأنه ، فإذا بَلَغَ صار الكمال في حقه أن يَلِي أمره بنفسه فقد بلغ الرشاد واستغنى عن الكتاب ، فصار له من التصور والحكم ما به ينكر حجية الوحي فلا يلزمه وإن لزم أسلافه ، فلئن كان ثم شرع أول فهو دِينُ الرجوعِ والتخلفِ ، وهو مخدر به تسكن النفوس أن تُنَاجِزَ الظلم والاستبداد ، فَنَبَزَ الوحي بكل نقيصة ، وصادف ذلك هوى في نفوس فئام من الخليقة راموا الخروج عن الشريعة ، فلا يكون ذلك إلا إلى غيرها من شرائع الوضع ، فتلك خاصة النفس التي لا تطيق الانعتاق من وصف العبودية ، فهي ركز في كل نفس ، وإن جحدت الإله وأنكرت الوحي ، فلا تنفك تفارق دين الوحي إلى دين الوضع فَتَتَعَبَّدُ بطاعة آلهة في التفكير والتشريع هي رائدة التنوير والحداثة ، فأسماؤها على ألسن أتباعها ذكر يثاب فاعله ، فالنفوس تستبشر إذا ذكرت وتشمئز إذا ذكر الإله الحق ، فذكره يُبْطِلُ ذكر غيره ، إذ يظهر الفارق في قِيَاسِ كل عاقل ، فإن الحقَّ إذا جاء فالباطل زاهق ضرورة بدلالة التلازم إذ إثبات الشيء وحصوله يستلزم إنتفاء ضده وانعدامه ، فثم من دليل الوحي ما يبطل شبهة الوضع التي يتكلف أصحابها من وجوه الاستدلال ما تتجشمه العقول فلا تستسيغه إلا على مضض ، فهي تتجرعه تجرع الدواء الكريه ، ومع ذلك يكون الخذلان المبين أن تَفْنَى أعمار النظار في تقرير الباطل وتأصيله بما يتعسف أولئك من الأدلة ، وما يجهدون في درسه وحفظه من أقوال البشر فهي مادة الدستور الثائر على التقليد الباطل ، فصار تقليد الوحي نقيصة ، وتقليد الوضع من كلام النظار فضيلة ، فالأول ، كما تقدم ، مناط الاشمئزاز ، فـ : (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) ، فكان التقييد بالحال "وحده" ، وهي ، كما يقول أهل الشأن ، معرفة في لفظها نكرة في معناها ، فتقدير الكلام : وإذا ذكر الله منفردا أو مُفْرَدًا بالذكر ، وذلك ما حُدَّ حَدَّ الشرط المطرد ، فذلك آكد في تقرير الجناية وتوكيدها ، فتلك حال اطردت لا أخرى تعرض ، فكان الاشمئزاز في القلب والذي لا تنفك تظهر آثاره في الخارج ، فحشا في القول وظلما في الفعل ، ففساد الباطن بما يكون من التشريك لا تنفك آثاره تظهر في التشريع ، فالتوحيد بشير تَنْفَرِجُ به الأسارير ، فإذا صحت الفطرة فسلمت من طارئ الزخرف الذي يوسوسه شيطان الجن والإنس بما يُلْقَى على لسانه من الاستدلال الملفق ، وإن بدا أنه محكم يطرد ، فإذا تدبر فيه الناظر وجد من التناقض ما يفضحه ، فكل من خالف الحق فإنه لا محالة يتناقض ، فَتَجِدُهُ يُثْبِتُ الشيءَ في موضع وَيَنْفِيهِ في آخر ، ويطرد القياس في موضع ، وَيَمْنَعَهُ في آخر ، فإذا صحت الفطرة حصلت البشرى ، ولم تجد النفس حاجة أن تَتَكَلَّفَ في استدلالها ، فالحق ناصع لا يفتقر إلى التلفيق لِيَرُوجَ ، بل مجيئه يقضي على الباطل بالزُّهُوقِ ، وذلك مما عمت به البلوى في هذه الأعصار ، إذ هزم أتباع الحق وقمعوا لا أن حجتهم قد بطلت فقد سلمت من النقض ، وإن جهل الناظر أن لم يحط بالدلائل المحكمة ، فالشبهة تُزَلْزِلُ النفس إن لم يكن لها حظ من الصدق والعلم ، فتنصح النية وتجتهد في طلب الأدلة الشرعية ، النقلية والعقلية ، فلا تجد فيها من التناقض ما يزعمه أعداء الوحي النازل إذ يَنْبِزُونَ الوحي الصحيح أنه يخالف عن القياس الصريح ويجعلون ذلك على مقالهم حكرا ، فوحده الذي يواطئ نظر العقل وبحث العلم ، وإن كان فيه من التناقض ما يفضح ، وإنما زخرف القول ، كما تقدم ، إذ قبحت الحقيقة فلم يكن ثم مناص من الزينة لعل النفس تقبل آثارها التي تُنَفِّرُ فلا تقبلها إلا تكلفا وتجشما ، ولو رد ما تشابه فيها من الحق فلا تخلو من جنسه ، ولو قدرا يسيرا به تَرُوجُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ما يُلْقِي التابع للساحر من كلمة حق يمزجها بكلمات كذبٍ تَتْرَى ، فلولا مادة الصدق ما راج الكذب ، فالكذب المحض لا يروج على أحد ، إذ في النفوس من الدلالة العلمية الضرورية ، ومن مبادئ الفطرة الأخلاقية ما أجمع عليه سائر العقلاء ، وذلك ، كما تقدم ، في مواضع ، مناط التكليف نظرا واستدلالا ، إذ لا بد له من مبادئ إليها يأرز فهي المقدمات التي تفضي إلى النتائج ، وإن اختلفت الطرائق ، فثم من يجتهد في التحقيق طلبا للحق ، وثم من يجتهد في التلفيق انتصارا للباطل ، وكلاهما قد يستعمل المقدمات ذاتها ، فيكون المبدأ واحدا وشتان المنتهى ، فَثَمَّ من يَنْتَهِي إلى الإيمان ، وثم آخر قد ضل السبيل فَزَيَّنَ له الشيطان ما قبح من القول والعمل أن كساه لحاء الصدق والعدل والحرية ..... إلخ ، وتلك ، كما تقدم ، مبادئ ضرورية قد أجملت في النفوس فالعقلاء جميعا يَسْتَحْسِنُونَهَا ، فذلك محل إجماع لا يخالف فيه إلا جاحد أو مسفسط ، وهو ما اصطلح بعض الفلاسفة المعاصرين أن يسميه المتوسط الإنساني المألوف فهو قدر مشترك بين العقول به أنيط التكليف فهو مبدأ النظر والفكر بمقدمات ضرورة يَتَسَاوَى فيها الناس جميعا ، ثم يكون التفاوت في ملكات النظر استدلالا بترتيب هذه المقدمات الضرورية توسلا إلى نتائج نظرية ، فالضرورة الأولى في النفس تعظم معان من الحق قد جردت في الأذهان ، فالمطلقات ليست محل خلاف ، وليست ، في المقابل ، محل بَيَانٍ ، فلا تَنْفَكُّ تَتَّصِفُ بالإجمال فلا يحصل بها الفرقان المبين بين الأديان والمذاهب وطرائق التفكير والتشريع ، فلا تجزئ المطلقات في حصول إيمان تام بدين أو مذهب ، فجميع الأديان ، ما صح وما بطل ، جميعها يُقِرُّ بالمطلقات الأخلاقية المجردة من صدق وعدل وحرية ...... إلخ ، فجميع العقلاء من أصحاب النفوس الشريفة التي اشتغلت بالبحث في الحقيقة الإنسانية فَلَمْ تقتصر على وظائف الحس التي تُشَارِكُهَا البهائمُ العجماوات في تَعَاطِي أسبابها ، وإنما اشتغلت بمطلوب أسمى ، بما ركز فيها من فطرة أعلى تجاوز فطرة الحس ، وفطرة التخييل ، فثم قوة التفكير والتدبير لأمور الحكم والسياسة فلا بد لكل جماعة من مبادئ تعظمها فهي مما تَتَنَاقَلُهُ الأجيال بَوَاعِثَ قَوْلٍ وعمل فآثارها تظهر في سلوك الفرد والجماعة ، فما السياسة إلا تاريخ يتراكم من المبادئ والقيم تأويلها في كل عصر ما يكون من التدافع بين الأمم والدول رجاءَ الظهور بما تُعَظِّمُ من فكر وما تَنْتَحِلُ من شرع وما تنتهج من سياسة وحرب ، فالأخلاق ، لو تدبر الناظر ، قدر يزيد على سلوك الظاهر من صدق وعدل وأمانة ..... إلخ ، وإن كانت تلك لبنات أولى في بنيان أي جماعة ، فليست إلا صورة مجموعة من الأخلاق العامة تحكي ما تعظمه النفوس من الأخلاق الخاصة ، فالأخلاق دين في الفكر والشرع والسياسة والحرب والرياضة والزهد فلا بد من مادة أخلاق تَتَدَيَّنُ بها الأمم ، فهي تُنَافِحُ عنها وتدافع ، فكان مقال المخالف لدين الوحي النازل ، فـ : (إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) ، فذلك الدين الذي تَحَمَّلُوهُ عن الآباء إِلْفًا وعادةً ، فصار خلقا راسخا في النفس فهو ملكة ضرورة في التصور والحكم ، فكان من الأخلاق ما يأرز إلى فطرة الضرورة الأولى وذلك ، كما تقدم ، محل إجماع وإجمال في نفس الآن ، فالإجماع على المجملات الأخلاقية لا يحصل به التمايز بين الحق والباطل ، فلا يخالف أحد ، وإن أعظم الناس ظلما وإفسادا ، لا يخالف أن العدل والإصلاح حسن ، فيجتهد أن يكسو ظلمه وإفساده لحاء العدل والإصلاح ، فهو رائد التجديد وباعث النهضة وإن لم يجد الناس في سلطانه الجائر إلا الخراب العاجل في الأخلاق والمعايش ، فلا دينا يُقَدِّمُ ، ولا خُلُقًا يُعَظِّمُ ، ولا عيشا يطيب بما يكون من الخوف الذي أذاعه قصدا ، كما يقول نُظَّارٌ في السياسة المحدثة ، فعقائد الصدمة لا تُؤْتِي أكلها فيستسلم الناس لحكمها إلا إذا كان ثَمَّ شيء من الخوف عظيم ، فَعَلَى الخوف أن يغادر إلى المعسكر الآخر ، معسكر العدو ، كما يقول بعض المستبدين ،ةفلا بد من صورة تعذيب وتقتيل ترسخ في الأذهان فلا تنهض أن تقاوم وقد استأثر المجدد النابه بآلة القتل والهدم ، فهي حجته في فرض مبادئه وأخلاقه ، وذلك ما يفضي في الغالب إلى نفور العامة ، فمن لم ينفر من إفساده للأديان والأخلاق نفر من إفساده للمعايش ، وكلاهما مما اعتبر الوحي النازل ، وإن فاوت بينهما وغاير ، فكان حفظ الأديان أولا وحفظ الأبدان له تاليا ، ومن عجب أن تزعم هذه السياسة الجائرة أنها تروم نشر القيم الفاضلة من الحرية والعدالة ..... إلخ ، وإن بَشَّرَتْ بها إكراها ، فَتَنْبِزُ الوحيُ أنه معدن الاستبداد والظلم وإهدار الحرية ومصادرة الفكر ...... إلخ ، فضلا أنه يُكْرِهُ الناس على انتحال مبادئه وشرائعه ، فَرَمَتِ الوحيُ بدائها وانسلت ، فإنها إذ خالفت عن الفطرة لم تجد مناصا أن تروج بضاعتها بالزخرف تارة ، بما تزين للنفوس من الشبهات التي لا تخلو من حق مجمل ، فكانت دعايتها ، كما تقدم ، محاسن من الأخلاق أجمع عليها العقلاء ، وما تُزَيِّنُ من الشهوات فهي تجتذب ضعاف النفوس ممن آثَرُوا الزينة العاجلة ، فَلَا يخلو أمرها من إذاعة الشبهات إفسادا لقوى العقل ، وإذاعة الشهوات إفسادا لقوى الحس ، فإن لم تستجب النفوس طوعا ، فثم الإكراه بآلة القتل والهدم ، وهي ، أيضا ، مما يكسى لحاء الإصلاح ، فالغزو والاحتلال تحرير ، والطعن في الأديان والأخلاق تَثْقِيفٌ ، وليس ثم غاية إلا الإخضاع والتطويع للأمم المفتوحة أن تَنْزِلَ على إرادة المنتصر الذي يكتب التاريخ ويسن التشريع ويضع معيار الحكم بالحسن والقبح وإن خالف عن الوحي فإنه مما يشمئز حَالَ ذكره ، ولا يقتصر ذلك ، بداهة ، على ذكر اللسان مجردا من الفعل المؤثر في الخارج في شئون السياسة والحرب والتجارة ، بل ما كان الاشنمئزاز إلا أن فَقِهَ القوم حقيقة التوحيد وإن كانوا له خصوما ألداء ، فعلموا ما فيه من سلب الحكومات والرياسات وتهذيب الشهوات بقيد الحكمة والعفة وذلك ما تأباه النفوس إن انحطت إلى دركة الخسة فصارت الغاية مغنما عاجلا من شهوة ، ومطلبا جانحا أن يكون العقل هو الرائد وإن كَذَبَ وَأَضَلَّ فسلك بصاحبه جادة تخالف عن جادة السعادة والنجاة ، فلا ينفك من رَامَ سعادة واطمئنانا في سبيل يغاير عن سبيل الوحي والذكر ، لا ينفك يجد ضد ما أراد من الشؤم والهلاك ، فـ : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، ولا يدرك ذلك إلا من خبر حال الملوك الظالمين فهم بَيْنَ هَمٍّ لا يَنْقَضِي ، فخوف وذعر وإشفاق أن يذهب الملك ، وشهوة بها يسكن النفس فهو يروم غيبة عن الحس بلذة تطرأ تحجب العقل أن ينظر ويتدبر ، فصارت غيبة العقول غاية وإن ألحقت صاحبها بجنس الدواب ، كما يرى الناظر من حال من أفرط في الشهوات ، وإن مباحة ، فحجاب النفس يغلظ ونظر الفكر يَتَبَلَّدُ ، وقسوة القلب تَغْلِبُ ، وهو أمر يذيع في أخلاق الظالمين ، فلا اشتغال لهم بحق يُعْمَرُ به المحل ، فخلا من الخير فكان اشتغاله بالشر رجاء الشبع ولو بخبيث نجس ، فلا يكون له ثم غاية في طيب طاهر ، وإن كان ذكر الرب الخالق ، جل وعلا ، فذكره قد صار مناط الاشمئزاز إذ ما خالف عنه ، في المقابل ، قد صار مناط البشرى التي يتكلفها أصحابها ، على ما اطرد مرارا من دلالة التلازم ، فالمحل لا يشتغل بالشيء وضده ، فإذا خلا القلب من الحق بل وصار يشمئز إذا ذكر ، ولو ذكرا مجردا ، فكيف بذكر أعظم يحوز فيه الوحي منصب السيادة فيبطل ما سواه من عبادة ، فذلك ما تعظم به المصيبة ! ، فالعقل والذوق حجابان غليظان لا ينفذ منهما نور الوحي إلى القلب ، فلا تراه إلا مشمئزا مبغضا ، وذلك مئنة من عدم الإيمان ، ولازمه ثبوت ضده من الكفران ، فأنيط الحكم بالوصف الذي اشتقت منه الصلة ، فـ : (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) ، فهم يكفرون بها ، وذكرها ، أيضا ، يجري مجرى ذكر الخاص في سياق التمثيل لعام وهو حقيقة الإيمان المركبة من العقد والقول والعمل ، فالإيمان بالآخرة جزء من جزء ، فهو ركن من أركان الإيمان ، مناط الاعتقاد الباطن ، فينوب ، من هذا الوجه ، عن جنسه الأعلى ، وهو اعتقاد الباطن إيمانا بالأركان الستة ، وينوب عن الجنس الأعلى ، جنس الإيمان الذي تستغرق ماهيته في الخارج : الاعتقادَ والقولَ والعملَ ، ولا تنفك هذه القسمة ، من وجه ، تدخل في حد القسمة الأولى ، قسمة الأركان ، فإن الإيمان بالله ، جل وعلا ، وهو أصل الأصول ، وغاية الفروع ، فإن الإيمان بالله ، جل وعلا ، لا يكون عقدا بالقلب يقتصر على المعرفة المحضة كما قد وقع من إبليس وهو ما وافقه عليه بعض الْمُحْدِثِينَ في الديانة من أتباع جهم إذ قَصَرُوا الإيمان على العرفان المحض ، ولو بلا إقرار يستوجب من الحب والبغض ما به تكون إرادة الباطن على وجه يتأوله الظاهر في القول والعمل المصدق ، والإيمان بالله ، جل وعلا ، لا يكون عقدا ولو شفع بالتصديق ، فلا بد ، كما تقدم ، من قدر زائد من العمل الباطن إقرارا وإذعانا فهو مرجح يرجح جانب القبول والرضى محبة تظهر آثارها في الإرادة التي ترجح بين الفعل والترك ، فلا يريد القلب إلا ما أراد الشرع من فعل الواجب وترك المحرم ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، باعث ضرورة لقول وعمل في الخارج ، فلا يكون الإيمان عقدَ الباطن دون القول والعمل ، كما قال من قال من بعض المتكلمين فبعضهم قصر الإيمان على هذا الاعتقاد دون إقرار اللسان فجعله من الركن الزائد ! ، وثم من أدخل القول ، فلم يكن إلا التفريق بين المتماثلات أن أدخل شطرين من القسمة ، الاعتقاد والقول ، وَنَفَى الثالث ، وهو العمل ، فكان مقال الإرجاء الذي هون أمر الذكر والشرع في النفوس فصار الإيمان ذكرا مجردا ، ولم يرض به الخصوم ولو سلب فعل التأثير في التفكير والتشريع ، فلا تَزَالُ نفوسهم تشمئز إذا ذكر سواء أكان ذكر النطق المجرد أم ذكر الإيمان المحقق الذي يعم الاعتقاد والقول والعمل ، فاشمئزازهم في هذه الحال يكون أعظم من باب أولى ، فذلك شطر في القسمة خَلَا فيه المحل من الحق إذ كرهه وأبغضه فهو يشمئز إذ ذكر على حد الشرط الذي لا يخلو من دلالة التلازم وذلك آكد في تقرير الجناية وتوكيدها فضلا عن دلالة عموم في الموصول في قوله تعالى : (الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) ، فلا تخلو من دلالة التغليب استغراقا لآحاد الجناة ، وزد عليه ما اطرد في دلالة الموصول من تعليل إذ يناط الحكم بالوصف الذي اشتقت منه الصلة ، ومن ثم كان الاشتغال بضد الذكر المنزل من ذكر غيره من الشرع المحدث وآلهة الباطل ، سواء أكانت من المحسوس أو المعقول ، فكان ذكر غيره ، جل وعلا ، من آلهة نحتت في الأعيان ، وكان ذكر غيره ، جل وعلا ، من آلهة نحتت في الأذهان من الأديان المبدلة ، إن تبديل لفظ أو تحريف معنى على وجه يفضي إلى إبطال الدلالات اللفظية فلا تكون إلا أماني تُتْلَى بلا فقه لمعنى أو امتثال لمقتضى من خبر صادق أو حكم عادل ، فإذا لم يعمر المحل بذكر الوحي كان الاشتغال بضده من الوضع ، فـ : (إِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) ، ولا تخلو المفاجأة في "إذا" الفجائية ، لا تخلو من ذم يزيد فذلك فعل يغاير عن الطبائع السوية التي لا تطمئن إلا بذكر رب البرية ، جل وعلا ، فكان من الفجأة ما يوجب الإنكار والذم أن خرج أصحابها عن مقتضى النقل والعقل والفطرة والحس فكلها آلاء صادقة تشهد بوحدانية الرب ، جل وعلا ، وأحديته اسما ووصفا وفعلا وحكما ، ولا تخلو الزيادة في الفعل "يستبشرون" من دلالة تكلف بها ، أيضا ، زيادة تقرير وتوكيد للجناية ، فتكلفوا البشرى خلافا للشرعة والفطرة ، وكان الإثبات ، من وجه آخر ، باسمية الجملة "هم يستيشرون" فهي مئنة من الديمومة والثبوت ، فاستغرق شطرا الآية حال الناس فلا تخلو من مشمئز ومستبشر ، فمن استبشر بالوحي اشمأز بالوضع فذلك مفهوم الآية ، والقياس يطرد وينعكس ، فمن استبشر بالوضع اشمأز بالوحي ، فذلك منطوق الآية ، ولا يخلو الخبر فيها من دلالة إنشاء ينهى عن تلك الحال الدنيا التي ورد ذمها في الآية في مقابل حال عليا هي مما يستفاد بالمفهوم أمرا بالاستبشار حال الذكر والاشمئزاز حال الوضع فلا يرضى القلب أن يكون ثم مرجع يأرز إليه إلا مرجع الوحي من خارجه لا ما يوسوس به الشيطان من هوى العقل أو ذوق النفس ، فلا يُعْتَبَرَانِ إلا بِعَرْضِهِمَا على محكم التنزيل فهو معيار القياس الناصح ، فإن وافقاه قبلا وإن خالفاه ردا ، فَعَجَبًا أن تُعْرَضَ أحكام الوحي القطعية على اصطلح أن يسمى نقاش المجتمع فهو الذي يختار ما يلائمه وحسابه على ربه ! ، فلا يكون التأثيم فضلا عن الحكم بالمروق من الدين لا يكون إلا في أحكام الآخرة وذلك ما يُفْضِي إلى إبطال باب من الدين عظيم ، باب الأسماء والأحكام وما استقرأه أهل الشأن من نواقض الإيمان فما جدوى تعلمها إن كان لا يَنْبَنِي عليها في الدنيا عمل وإنما هي من أحكام الآخرة فيكون الاشتغال بها فضولا من القول لا ينفع وكيف يصح في الأذهان شيء في الدعوة إلى الحق إن لم يعتقد الداعي أن المدعُوَّ على باطل إن كفرانا أو عصيانا فَلَوْ رَدَّ كل أمر في الدنيا إلى الآخرة واشتغل بما اصطلح أن يسميه المشتركات الإنسانية ، وهي ، كما تقدم ، محل إجماع بين كافة العقلاء ، فلا يحصل بها تمييز بين مؤمن وكافر ، فلو كان ذلك ما دعا أحد أحدا إلى حق فلا يلزمه ذلك وإنما يلزمه التعايش في أمور الدنيا التي لا يحصل بها التمايز في أمر الدين على وجه يريده رب العالمين ، جل وعلا ، ويحبه أن يكون الانتصار لدينه ممن كفر وفسق وأن يكون من دعوة الناس إلى الحق ما يقضي ، بداهة ، بالحكم على المخالف بالبطلان إن في العقد أو في الشرع مع مجاهدته بالحجة والبرهان تارة والسيف والسنان أخرى ، ومعاقبته إن كان من أهل القبلة إن مرق من الدين فنقض أصله ، فحده الردة ، أو نقض كمال الدين الواجب بكبيرة لها حد مقدر فيكون الحد تارة ، ويشرع التعزير أخرى في معاص ليس لها حد مقدر إن رأى القاضي أو الإمام في ذلك مصلحة في الشرع ترجح إذ لا نص مقدر ، فكل أولئك مما يضبط الدين ويحكم أصوله لا أن تعرض أحكامه على العقول تناقشها فثم من يُحَسِّنُ وثم من يُقَبِّحُ فتكون الجولة للأكثر ! ، فصار الدين المنزل محل استفتاء محدث وصار من الجدال ما يحسن الساسة إثارته للطعن في الوحي ، من وجه ، وشغل الناس عما ينفع ، فلا ينفك يحيك من مؤامرات السياسة ما به يحكم سلطانه وقد شغل الناس بما أثار من الجدال العقيم الذي جاوز الحد فطغى فراح يفتش في أصول الدين وأحكامه القطعية بذريعة التجديد للشريعة أن توافق الطرائق الحديثة ولو خالفت عن منهاج السماء فأي خذلان أعظم من ذلك لا سيما إن رضي به بعض من ينسب إلى الحق نسبة باهتة فلا يزال يداهن ويصانع في الدين وليس ذلك بمنج له من سخط العالمين في الأولى وسخط ربهم ، جل وعلا ، في الآخرة ، فهو أدهى وَأَمَرُّ .

والله أعلى وأعلم .