مما يؤذن بفساد الدين والدنيا ما يذيع في هذه الآونة من عرض أحكام الدين القطعية على دوائر النقاش الاجتماعية ، فَرَدُّ الأمر إلى إجماع العامة يؤذن بخراب الدين وضياع حدوده وأحكامه ، إذ الإجماع المعتبر في الشرع هو إجماع الخاصة من أهل العلم المجتهدين لا آحاد الناس فلا يكاد ينعقد إجماع إن رُدَّ الأمر إلى العامة فإن أهواءهم تتعارض وأذواقهم تتغاير بل وتتناقض ، فتجد لكل إنسان من الحكم ما يوافق أهواءه وحظوظه ، لا جرم كان القول إن الإجماع هو إجماع الناس جميعا ، لا جرم كان هذا القول قولا مرجوحا بل مهجورا لأنه يفضي إلى انتفاء الإجماع ، ولو في البدائه الضرورية ، فَثَمَّ من المسفسطة من ينكرها فلا يسلم بها مع أنها مناط الاستدلال الأول الذي أجمع عليه العقلاء كلهم ، فَثَمَّ من إذا قلت له إن الواحد نصف الاثنين لم يُسَلِّمْ لك بل جعل ذلك محل نظر بل واعتراض وراح يتكلف لك من الأدلة ما يثبت أن الواحد يساوي الاثنين ! ، بل وربما كان أكبر ! ، فلا ينفك قبيل أو واحد من العامة يخالف في أي حكم لاختلاف العقول ، فكيف بالوحي وأحكامه وإن عظم بها النفع إلا أنها لا بد أن تخالف عن أهواء تَشْمَئِزُّ إذا ذُكِرَ الأمر والنهي ، فَقَيْدُ التكليف يَثْقُلُ على من اتبع هواه فأخلد إلى الأرض فهو كالكلب الذي لا يشبع فقد جبل على الشَّرَهِ والأثرة فيروم تحصيل الحظوظ جَمِيعًا ، ويقدم ما خص من مصلحته على ما عم من مصلحة الجماعة فلا يعتبر إلا ما يوافق مقصوده ، وإن زعم أنه الصالح العام فهو يحتكر الحق ، فلا حق إلا ما يرى ويحكم ، فاختزلت المصلحة العامة في مصلحته الخاصة ، كما يختزل الطغاةُ الدولَ وَالْمَمَالِكَ في شخوصهم المقدسة ، بلسان الحال أو المقال ، فهم من يضع معيار الإجماع فما يهوى فهو القطعي ، وما يخالف عن هواه فهو متشابه تَشْمَئِزُّ منه النفوس وَتَنْفِرُ وإن كان من قَطْعِيِّ الوحي المنزَّل ، فلا تستبشر بالوحي إن خالف عن هواها ، والعقولُ إذ تفاوتت وتغايرت بما يكون من تفاوت المدارك والعلوم فلكلٍّ منها حظ ، لا سيما في أمصار عظمت فيها الفوارق بين الطبقات ، فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَ طبقات الناس في المال ، وهو عصب الحياة فَبِهِ يُطْلَبُ العلم فلا بد فيه من البذل ، إذ تحصيل قدر من العلم الجيد ، لا سيما علوم التجريب التي تفتقر إلى أدوات في البحث والرصد والتحليل .... إلخ ، تحصيل قدر جيد من العلم لا بد فيه من مال يبذل ، فضلا أن ذهول العقل بطارئ الحاجة والفقر يصرف غالبَ الناس أن يفقه العلم ، فَلَئِنْ حَصَّلَ منه شيئا فلا يكون ثَمَّ فِقْهٌ دقيق إلا ما ندر من علماء بَرَعُوا وإن كانوا فقراء ليس لهم من عرض الدنيا ما يحصل به التَّفَرُّغُ ، ولكن ذَلِكَ ، من وجه ، نَادِرٌ لا حكم له ، وإن في الأعصار المتأخرة التي ضَاقَ فِيهَا المعاش بما اكتسبت أيدي العباد ، وقل فيها تعظيم الناس للعلم فصار لا يُطْلَبُ إِنْ طُلِبَ إلا للدنيا المجردة ، فليس ثم قصد شريف إن في طلب علوم الدنيا أو الدين إلا من رحم رب العالمين ، جل وعلا ، من طلاب للخير في المعاش والمعاد فَلَهُمْ من النية الخالصة من الشوب ما به يُنَالُ الأجر فصلاح الدنيا والدين مقصد رئيس من مقاصد الشرع ، وهو أمر لا يوجب ما عمت به البلوى في هذه الأعصار أن كان الفصام النكد بين علوم التشريع وعلوم التجريب فهو فرع على فصام آخر أعم بين الدين والدنيا ، فصار للدنيا قانون ، وللدين آخر ، على وجه يقع فيه التناقض ! ، فكان الفصل فثم سلطة في الدنيا سياسة ، وأخرى في الآخرة ديانة فهي السلطة الروحية ، ثم كان نزع السلطان من كهنة الأديان ، فَقُمِعَ الدين وَصَارَ أسيرا خلف أسوار الكنائس ، فَلَهُ لاهوت يخالف عن لاهوت السياسة والحداثة ، فالنفوس تشمئز من ذكر الدين فلا يتبادر إلى الأذهان من ذكره إلا القمع والاستبداد والخرافة التي أبطلتها علوم التجريب الحادثة ! ، فكان هذا الفصام الذي طغى به العقل ، فرام الاستئثار بمنصب التشريع والحكم ، فيكون الإجماع إجماع العقول المحدثة فالعقل الجمعي هو الذي يختار من الشرائع ما يلائمه ، وهو عقل مجموع من عقول جزئية وصفها النقص والجهل ، فهي تكتسب العلوم شيئا فشيئا على وجه يخرجها من الجهل إلى العلم الذي لا يحيط بالمعلومات دَرَكًا وإن بَلَغَ صاحبه ما بَلَغَ من جودة الحفظ والفهم والاستنباط وكان ممن أخذ من العلوم بنصيب وافر فدرس وتعلم على منهاج محكم إن في الدين أو في الدنيا ، وذلك ، كما تقدم ، أمر يحصل فيه التفاوت تبعا لتفاوت الناس في الغنى والجاه ، لا سيما إن كان ذلك في أعصار جور واستبداد ، فَإِنَّ نخب السيادة تحرص أعظم ما تحرص أن تمتاز من بَقِيَّةِ الطبقات فهي الأعلى والأغنى والأعلم والأحكم والأجمل والأفصح ..... إلخ ! ، فَلَهَا القدح المعلى من أسباب الجاه والسيادة ، فَلَهَا من طرائق التعلم ولها من معاهد الدراسة ما يعلو بقية المعاهد التي تليق بالعامة ! ، فَثَمَّ خاصة في كل طريق جائرة في الفكر والسياسة والاجتماع .... إلخ ، فتلك خاصةُ جاهٍ وثروةٍ لَهَا من طرائق المعاش ، ومنها التعلم ، لَهَا منها ما يلائم حالها ، ولغيرها الخبل والنقص فذلك ما يليق بالعامة القاصرين الذين لا حظ لهم من أسباب الجاه والرياسة التي اختزلت في أسباب الحس وأعظمها المال ، فهو ، كما تقدم ، عصب الحياة ، الذي يَقِي صاحبه ذل السؤال ويحفظ له من الحشمة ما قد اعتبرته الشرعة فهو من هذا الوجه يحمد ما لم يبلغ بصاحبه أن يظلم ويتكبر ، فَيَحُوزَ ما لا يستحق من أسباب الرفاه والجاه ، فَلَهُ غاية في إفقار الناس وإضعافهم أن يحوز من حقوقهم ما لا يحل له ، فهو يزداد في الغنى والجاه وهم في المقابل لا يزالون في افتقار وعدم ، وله حظ آخر أن يحوز الرياسة ، فلا يحوزها إن قوي الناس وصار لهم من الحشمة ما يحول دون ظلمهم ، فاكتسبوا من أسباب الدنيا ما يحفظ حشمتهم فيكفيهم مؤنة المعاش فذلك ما به يحصل للعقول فسحة أن تنظر وَتَتَعَلَّمَ ، وذلك أول ما ينقص من ملك الظالم المستبد فلا أحب إليه من قطيع من الجهلة يسوقه فقد حجب عنهم أسباب العلم الجيد وإن أعطاهم فالخبيث الذي لا تأخذه النفس إلا أن تغمض فيه ، فلا يكون ثم عناية ولا رعاية ، ولا يكون ثم كفاية في العلم ، فلا آلة بحث ولا منهاج درس ، وإنما تُعْطَى العامة من العلم ما به تستخلص الخاصة منهم خدما وحشما فهو علم يُخَرِّجُ من أرباب الوظائف من يعمل في خدمة السادة فلا تحدثه نفسه أن يرقى إلا أن يصطفيه رجال الحكم ، إن في السياسة أو في الحرب أو في التجارة أو في الإدارة ، فيحظى بتزكية لا مستند لها إلا الولاء المطلق ، تَمَلُّقًا وَتَزَلُّفًا ، فلا أمانة ولا كفاءة ، وإنما ولاء مطلق لبطانة الحكم ورجالاته ، فتلك غاية الخاصة من تعليم العامة إن لم يكن ثَمَّ نِيَّةُ خير تروم الإصلاح في الأرض والإعمار لدار الجزاء الباقية ، فالخاصة كما يقول بعض خاصة الاحتلال من خارج ! ، الخاصة تريد موظفا يطيع فلا تريد حرا ذا شهامة ينظر ويتدبر فيأبى أن يقلد ويسير في الركاب فهو حر النفس أَبِيُّ الطبع لا يطيق الضيم إن في بدنه فلا يصبر على ظلم ، أو في عقله فلا يطيق تقليدا يُسَاقُ به سَوْقَ الأنعام ! ، فلا يكون لهذا العقل النابه حظ من الرياسة في ممالك الجور والاستبداد ، وإن كان لها أهلا لا سيما إن كان معظِّمًا للوحي النازل فالبلوى به تعظم ما لا تعظم بغيره ! فقد جمع أسباب الكمال دينا ودنيا ، فَلَهُ من شرف القصد الآجل ونظر الفهم الثاقب ما به استحق الصدارة ، وإن فقيرا لا حظ له من الثروة ، فذلك معيار أهل الدنيا الذين جعلوا الملك حكرا على أصحاب الجاه والمال كما كانت حال الملإ من بني إسرائيل إذ بُعِثَ لهم العالم القوي الذي استجمع أسباب الملك والولاية ، فبعث لهم طالوت ملكا فَأَبَوا أن يَنْقَادُوا ، إذ ليس من أهل الجاه والثروة ، فهو من العامة لا من خاصة النخبة ! ، وإن كان أعظم منها في الحكمة والخِلْقَةِ ، فمعيار الدنيا معيار أَثَرَةٍ يَرُومُ ، كما تقدم ، استجماع أسباب اللذة وأعظمها لذة السلطان ، ويروم حجبها عمن سواه فلا يرى فيهم إلا خدما ، فإن طعموا فطعام الدواب الذي يحفظ حياتهم ليخدموا الساسة في القصور والمزارع والمصانع ، فلا يشاركهم السادة في المطعم بداهة ، فلكلٍّ طعام يليق به ، وإن كانوا جميعا من البشر فلا معيار للتفاضل يوجب للحاكم من المطاعم الفارهة ما لا يوجب للمحكوم بل كانت الحال في أعصار الرشد أن يقع الرديء في نصيب الحاكم ويقع الجيد في نصيب الرعية ، فهو آخر من يطعم وهم أول من يشبع ، فذلك ما توجبه الأمانة في النصح للرعية ، فلا يغشها في مطعم فَلَهَا الخبيث وله الطيب ، فلا يطعم من طعامهم ليحس بآلامهم بل له من المطعم الفاخر ما استأثر به وأهله وحاشيته ونخبته التي لا يفقه يخاطب غَيْرَهَا إذ لا يَرَى غيرها فهو يَنْصَحُ لها دون غيرها فيعطيها من المكاسب والامتيازات ما يجعلها فوق العامة ، فلا تَرَى هذه النخبة المستعلية في الأرض بغير الحق ، لا تَرَى في العامة إلا خدما إن طعموا فبقدر ما تصح به الأبدان صحةَ الدوابِّ التي تحمل المتاع ! ، وإن علموا فبقدر ما يؤهلهم أن يدخلوا في خدمة السادة ، فلا يكون العلم الجيد إذ به تعظم مدارك العقول فَتَعِي ما لها من حقوق ، فذلك ما يقض مضاجع النخب المستبدة أن يكون ثَمَّ من نور العلم ما يُبَدِّدُ ظلمة الجهل ، لا سيما إن كان العلم علمَ الوحي الذي يستلب الطغاة أسباب الرياسة الجائرة فيرد الأمر كله إلى الوحي حكما بين العباد فلا تفاوت ولا تفاضل إلا بالتقوى فبطل معيار التفاضل المحدث من جاه وثروة ، وبطلت أسباب الدنيا التي اتخذتها نخب السياسة والمال ذريعة أن تطغى في الأرض بغير الحق ، وانضبط الإجماع ، وهو محل الشاهد ، أن صار الأمر إلى الوحي وخاصته ممن تحملوا علومه ومعارفه ، سواء أكانوا أحرارا أم موالي ، أغنياء أم فقراء ، فلم تعد أسباب الشرف تقتصر على طبقة بعينها تستأثر بالحظوظ والمكاسب فتضع من معيار الحسن والقبح ما به استجازت أن تُنَازِعَ الوحي في الحكم ! ، فصار إجماعها ، وهو إجماع عقول تأرز إلى شهوات نفس وبدن ، فليس لها من معيار الفضل والعلم ما به تبلغ حد الاجتهاد ، فلا اعتبار ، كما تقدم ، بإجماع العامة ، وخاصةُ السياسةِ والمال من جملة العامة في العلم والفقه ، إلا من سلك هذه الجادة الشريفة من الحكام والأغنياء فجمع إلى الحكم والغنى فضيلة العلم فهي أبدا سبب الشرف الأول ، فالحكم والغنى لا ينفع صاحبه إن لم يشفع بالورع والعلم ، وهما شرطان في الاجتهاد الذي يدخل صاحبه في حد الإجماع المعتبر فأهله الأورع والأعلم فلهم من الديانة والفقه ما يجعلهم أهل الفتيا في النوازل ، فهم الأعلم بالوحي نصا وظاهرا ، منطوقا ومفهوما .... إلخ ، وهم الأعلم بالقطعي والظني ، فلا يخالفون عن القطعي الضروري من نص أو إجماع فكل قياس يخالف عنه فهو فاسد الاعتبار ، فلا يجتهدون في محل إجماع معتبر لا سيما إن تواتر دليله في الكتاب والخبر ! ، فيقترحون بأهوائهم ما يخالف عنه ! ، فتلك حال ردية قد تخرج صاحبها من الملة الرسالية لا سيما في مواضع قد بلغت من القطع والتواتر ما صيرها معلوما من الدين بالضرورة فَرَامَ من رَامَ نَقْضَهَا أن يَرُدَّ الأمر إلى نقاش المجتمع ! ، فَرَدَّ الأمر إلى العامة بالمفهوم الشرعي لا الوضعي ، فالعامة في مفهوم الشرع ليسوا الفقراء والضعفاء كما هي الحال في المفهوم السياسي المحدث الذي عظم جوره وظلمه بما يكون من الكبر والاستبداد ، فَرَدَّ من رَدَّ الأمر إلى العامة لا إلى خاصة المحققين من المجتهدين فوحدهم من يجتهد في النوازل ووحدهم من يفتي في المسائل ، ووحدهم من يعتبر إجماعه وخلافه ، بل ثم من خلافهم في مواضع ما لا يعتبر إن خالف نصا أو إجماعا فلا حظ له من النظر ، فكان رد أحكام الشرع إلى العامة مئنة من رقة دين وجهل بالحق شنيع وفساد في القصد عظيم قد يفضي بصاحبه إلى الكفر البواح الذي يوجب الإنكار ما استطاع المكلف على وجه يعتبر فيه من المصالح والمفاسد ما اعتبره الشرع ، فلا أعظم شؤما أن تعرض أحكام الوحي على العقول لتختار منها ما تشتهي وَتَرُدَّ ما تَعَافُهُ وكـأنها تختار مطعوما أو مشروبا أو منكوحا أو ملبوسا فتختار ما يوافق أذواقها ! ، فضلا أن تعظم البلوى بعزل الوحي والجهر بعداوته صراحة فليس له حظ من الشرع ولا اسما بلا مسمى يظهر صاحبه من التعظيم الزائف ما يستر به حكمه الجائر ، فلو ردت الأمور إلى عقول العامة في الإفتاء في النوازل المستجدة لعظم الفساد والشقاق باختلاف الأهواء ، فـ : (إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) ، فكيف إن عرضت عليها الأحكام المتواترة المعلومة من الدين بالضرورة ؟! ، فَخُيِّرَتْ أو أُمْهِلَتْ أن تنظر فيها فإن خالفت عن أهوائها فلا مانع يحول دون التبديل لا سيما في أعصار التمدن والتحديث فلا يليق بها بداهة شَرْعٌ نَزَلَ في أعصار البداوة ، إن كان الناظر يؤمن ابتداء أنه شرع نازل ! ، فلا يَرَاهُ قانونا من جملة القوانين الأرضية ، فلئن حصلت له مزية ، فهي مقيدة بزمانها وقد انقضى فكان الفقه أن ينسخ بحكم جديد يواطئ العصر الحديث لئلا تسخر الأمم من حالنا ! ، فرعاية خاطرهم أولى من تعظيم الوحي ورعايته ! ، وطلب رضاهم أمر يحمد وإن أُسْخِطَ لأجله الرب المعظم ، جل وعلا ، وذلك ما اسْتُفِزَّ به بعض من ينسب إلى الحق فخشي أن ينبز أنه رَجْعِيٌّ متخلف ! ، فسار في الركاب وإن كسا كلامه ثوبا من الرياء يشف ، فهو يفضح ما تحته من إحساس بالهزيمة والنقص ، فلم يجرؤ أن ينكر صراحة ، وإنما تلطف أن يخرج هذا الباطل على منهاج الحق ! ، فلا إكراه في الدين ! ، فإن رضي الناس بخلاف الشرع المنزَّل فذلك اختيارهم الذي يحاسبون عليه يوم الجزاء فلا حساب في هذه الدار ! ، فهي دار تعايش لا دار جهاد ومدافعة بالحق لا تخرج صاحبها أن يجور ويطغى فيكره الناس على الدخول في دينه ، فذلك حق ، وإنما الباطل الذي أريد به أن يقعد أهل الحق أن ينكروا على المخالف باطله ، وإن كان هو يُنْكِرُ عليهم ما معهم من الحق فلا يَزَالُ يجاهدهم ويصابرهم بِبَاطِلِهِ على وجه عظمت به البلوى فاستغاث منها عمر ، رضي الله عنه ، فـ : "اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة" ، فأريد بالحق ألا يكره الناس في الدين ، أريد به باطل عظيم أن يَقْعُدَ أهل الحق عن وظيفة الرسالة الخاتمة ، وظيفة : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ، فذلك نعت الخيرية التي اختصت به الأمة الخاتمة ، فـ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، وهي ، كما يقول بعض المحققين ، خيرية مطلقة ، تعم العقد والشرع والسياسة والحرب والأخلاق والزهد ...... إلخ ، فهي خيرية في النوازل فلا يخرج الحق عن إجماع المجتهدين إن أجمعوا ، ولا يخرج عن أقوالهم إذا اختلفوا فكيف بمحال الإجماع مما قد علم من دين الرسالة بالضرورة كالأحكام القطعية المتواترة ؟! ، فكيف يسوغ الخلاف فيها ويكون مرد أمرها إلى نقاش المجتمع فإن قَبِلَهَا حكما في هذه الأعصار فذلك اختياره على مضض فالأولى به أن يَنْبِذَهَا ليلتحق بركب الحضارة ! ، وإن كان لا بد معظما لها مقدسا ، فمحل ذلك التلاوة أماني لا يفقه صاحبها المعاني ، فيحاكي بني إسرائيل ، فـ : (مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) ، فَقِرَاءَةٌ بلا فقه ينفع ، إذ لا يعظم الشرائع فيمتثلها فَيَرَى أنه في حِلٍّ منها ، فيسعه الخروج عنها ، وذلك ، كما قرر أهل الشأن ، ناقض من نواقض الإسلام ، أن يظن ظان أنه هو أو غيره يسعه الخروج عن الشرع المنزَّل ، ولو في فرع يدق ، فيصير الأمر إلى حرية الفوضى الفكرية والشرعية والسياسية ، وتبطل وظيفة الأمة الرسالية ، وظيفة الأمر والنهي ، فقد اختزلت في تعايش المهزوم الناقص فحسبه أن يَرْضَى عنه السيد المنتصر وذلك ما لا يكون أبدا كما قد أخبر الوحي الصادق ، فـ : (لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) ، فمهما بذل وأعطى من الدنية في دينه والتمس لذلك وجوها من التأويل ظاهرةَ البطلان فلن يرضى عنه العدو أبدا حتى يخرج من دينه ويدخل في دين الغالب المنتصر دخولَ الذليل المنكسر فيكون تابعا من توابع المركز في السياسة والحرب ، وأعظم منها أن يكون تابعا في الفكر والتصور فهو مبدأ الأحكام في السياسة والحرب والتجارة وسائر الأحوال ، فإذا كان تابعا في الفكر فقد سهل الأمر على المركز إذ صار التابع المنهزم يقلد المنتصر اختيارا لا اضطرارا ، فلو كان ممن علا بدينه ، فامتثل النهي أن : (لَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، لو كان كذلك ما انقاد بعقله وباطنه أبدا ، وإن قهره عدوه فقد قهر بدنه الظاهر ففرض عليه من الحكم الجائر ما لا يرضاه بباطنه وإن خضع ظاهره فلا زال يستعلي بدينه ، فأعظم الشؤم أن يخرج من أهل الحق من يُسَوِّغُ هذه الهزيمة النفسانية ويكسوها زورا لحاء من الحق يُفْضِي إلى إبطال سنن ضروري في الكون والشرع ، سنن التدافع والتصابر ، وَهَبْهُ أبطل سنة الأمر والنهي ، فلا جهاد بحجة وَبَيَانٍ ولا أخرى بسيف وسنان وإنما تعايش عماده المشتركات الإنسانية العامة التي لا يحصل بها فرقان بين حق وباطل ، ولا إنكار على المخالف ، ولو على وجه الحق فلا ظلم ولا قهر ، ولا حساب ولا عقاب إلا في دار الجزاء فليختر كلٌّ من الأحكام ما يوافق أهواءه ، فلا خيرية لهذه الأمة توجب عليها من الأمر والنهي ما به تعدل في الخصومة وتصدق في النصيحة لبقية الأمم ، فلا تستعلي بالباطل فإن خيرتها ليست خيرية العرق أو النوع أو اللسان ، وإنما خيريتها خيرية التصديق والامتثال ، وذلك ما يصدق في كل إنسان بل وكل مكلف من الثقلين آمن ، سواء أكان عربيا أم أعجميا ، فمعيار الخيرية والتفاضل في هذه الأمة هو التقوى ، فهي الأمة الشاهدة فلو لم تبذل النصيحة لبقية الأمم وتقيم عليها الحجة بلاغا وبيانا ، جدالا وجلادا على وجه لا يكون فيه الإكراه أو القهر ، ولا يكون فيه الحكم إلا للوحي فلئن أبى المخالف أن يدخل في دين الرسالة فلا يسعه أن يخرج عن أحكامها إن دخل في سلطانها فهو السلطان الأحق بالرياسة والقضاء من سلطان الوضع المحدث ، فَهَبْهُ تَرَكَ كل ذلك ورضي بالتعايش مع المنتصر الذي يحكم بالوضع فداهن لأجل التعايش معه وترك من الحق ما ترك ورضي أن يدخل في سلطان الغالب وإن حكم بالوضع الحادث ، فَهَبْهُ صنع كل ذلك ، أيرضى الخصم المنتصر ؟! ، فلا يزيده ذلك ، عند التدبر والنظر ، إلا عزة بالإثم وطمعا في الخصم أن يتنازل أكثر حتى يفارق دينه ويدخل في دين المنتصر الذي يرى نفسه الأحق بالرياسة ويرى أن شرعه وطريقته في النظر والحكم والسياسة والحرب والاقتصاد والأخلاق هي الطريقة المثلى فيقيم لأجلها من الحروب الثقافية والعسكرية والاقتصادية ما يهدم به بنيان المجتمعات التي تمانع فلا تستسلم لحكمه فهو يقوضها بالقوة الناعمة ثقافة واقتصادا أو القوة الصلبة سيفا وسنانا ثم يعيد بناءها على طريقته التي ارتضاها وإن اقترف لأجل ذلك من المظالم ما اقترف فهو عنها يعتذر فتلك ضريبة التمدن والتحديث فلا بد أن تدفعها الأمم المغلوبة من دينها ودمها ومالها ! ، فهو صاحب الرسالة التي يَرَى بها نفسه أهلا للسيادة فلا بد أن يَحْمِلَ الناس عليها طوعا أو كرها بما جُبِلَتْ عليه النفوس من سنن التدافع بين الأفكار حال الجدال والأبدان حال الجدال فلئن رضي أهل الحق بالتعايش المشترك ! ، كما يروج المنتصر ليستذل المهزوم ويحصره في نطاق ضيق فهو ، أبدا ، يشتغل أن يثبت أنه معتدل مستنير فليس بمتطرف كئيب ! ، فلئن رضي أهل الحق بقسمة الجور أن يصير لأهل الباطل الرياسة ، ويكون حظ غيرهم ، ولو أهل الحق المنزل ، الدخول في حكمهم بذريعة التعايش والتسالم ، فلئن رضي أهل الحق بخطة الخسف أفيرضاها المنتصر الغالب وعنده من أسباب العلو في الأرض ما يَرَى به أنه صاحب الأمر والنهي وأنه مبعوث العناية الربانية ! ليخرج البشرية من الهمجية إلى الحضارة والحداثة ؟! ، وإن صَيَّرَ ذلك ذريعة أن يستحل دماءهم وأموالهم ، فهي ، كما تقدم ، ضريبة التمدن والتحديث ، وغايته أن يستصلح المنتصرُ الغالبُ ، أن يستصلح المهزومَ التابعَ ليصطفي منه خدما وحشما ، فغاية ما يروم الضعيف وإن كان على حق ، غاية ما يروم في هذه الحال أن يصير تابعا خادما للمنتصر ! ، فذلك شؤم ما به نظر وحكم أن أعطى الدنية في الدين بل ورام ما يبطل به سنن التكوين ، فرضي أن يكف عن أهل الباطل فلا يناجزهم بحجة صدق ولا يجالدهم بسيف عدل ، بل يتلطف أن يبطل شرعه ليوافق أهواءهم فيرضوا عنه ! ، فرضي بذلك ليكف عنه أهل الباطل فما ازدادوا إلا طمعا أن ينالوا منه أكثر وأكثر حتى يخرجوه من دينه إن استطاعوا ، فـ : (لَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ، فلئن تخلى عن وظيفته الرئيسة ، وظيفة : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فتلك وظيفة الدنيا ، ووظيفة : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ، فتلك وظيفة الآخرة ، فَلَئِنْ تَخَلَّى عن هذه الوظائف الشريفة ورضي بوظيفة وضيعة أن يصير خادما للمنتصر تابعا له في الفكر والسياسة والحرب والاقتصاد ، فرضي بما لا يرضى به شريف حر ، ولو كان على منهاج من الوضع المحدث كما يظهر من تدافع المذاهب الأرضية ، وإن كانت جميعا محدثة تخرج من العقول فلا ترجع إلى الوحي المعصوم الذي يجاوزها جميعا من خارج فيحكم فيها بالعدل النازل ، فلا يرضى عقل أن يسلم لآخر فما يزيد عنه ويرجح ليذل له ويخضع ؟! ، فكان من شرف الطبع أن يأبى الانقياد لغيره ولو كانا جميعا على سنن من الوضع المحدث ، فعجبا أن رضي من ينتسب إلى الوحي المنزل ما لا يرضى به صاحب الشرع المحدث ، فلئن كف أهل الوحي فلم ينهضوا بوظيفتهم الرسالية أفيسكت عنهم أهل الباطل فهم يشاطرونهم التسالم والتعايش فلا يحملونهم على شرعهم ، ولا يلزمونهم بقانونهم ؟! ، أفيكون ذلك لو سُلِّمَ أن خطة الخسف بترك الأمر والنهي ، لو سلم أنها خطة صدق وعدل ؟! ، فشاهد العقل والحس يقضي بخلاف ذلك ، فضلا عن شاهد الوحي المنزل ، فلم يزل أهل الباطل يتحرشون بأهل الحق وإن سالموهم ورضوا الدخول في سلطانهم ، إذ يرون أنهم ، كما تقدم ، سادة العالم ورسل الحضارة التي تستجيز غزو بقية الحضارات لتحملها على رأيها طوعا أو كرها ، وذلك ما يبطل دعوى تبطل نظرية الدولة الفاتحة فيروم أصحابها الانكفاء على الذات بذريعة الاقتصار على الدولة الوطنية خيار السياسة المحدث الذي ارتضاه المركز ، ولو على الخرائط فقسمت الممالك والإمبراطوريات التي كانت خيار السياسة في المركز في القرون الوسطى ، قُسِّمَتْ دولا ودويلات ، وَقُسِّمَتِ الخلافة في الشرق دولا وممالك لم يحصل منها في الخارج إلا كل شر أن كانت الفرقة التي نهى عنها الوحي المنزَّل ، فـ : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ، فلم تمتثل الأمر بالاعتصام والنهي عن الافتراق ، بل افترقت في الحكم والسياسة على أنحاء فهي دويلات لا دول ، وهي مما يتصارع فيناجز بعضهم بعضا على سيادة متوهمة فلا ينفك الجميع يكون أجراما تدور في فلك المركز وإنما يتصارعون مَنْ يقترب منه أكثر ومن يحظى أن يكون خادما له مخلصا فهم يتفانون في خدمته مقابل ما يَتَفَانَى في إضعافهم وإفساد أديانهم واحتلال أرضهم وانتهاب ثرواتهم ! ، فصار من صار تحت وطأة الهزيمة السياسية يروج لنظرية الدولة الوطنية الضيقة دون الدولة الفاتحة التي تجوز بحضارتها ورسالتها حدود التاريخ والجغرافيا ، فهي أمة النبوات التي صَدَّقَ بعضها بعضا ، فـ : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ، فصار الخيار الضيق أن تنكفئ هذه الأمة على ذاتها بل وليتها تنكفئ على حضارتها وإرثها من الوحي بل كانت دعوة أخرى لا تقل خطرا وضررا ، أن يكون النظر في المستقبل طلبا للحداثة لا للماضي فهو مناط الرجعية والتخلف فباسم السعي في أسباب القوة ، وذلك حق ، باسمه يقطع الناظر صلته مع ماضيه وإرثه من الحضارة والثقافة فيكون كائنا معلقا في الهواء لا أصل له ولا ماض به يعتز وذلك ما لا يقبله ذو العقل ولو كان ماضيه أرضيا محدثا بل ولو كان ماضٍ من القتل والسفك والتعصب فتجد ساسة المركز إذا أرادوا استنهاض شعوبهم العلمانية اللادينية يحفزون فيهم جذورهم النصرانية ولو مهملة لا دور لها في الحياة فأكثرهم قد كفر بها من زمن ! ، ولكنها مع ذلك إرث ثقافة يستعين به الساسة في معاركهم مع خصومهم من أصحاب الحضارات الأخرى لا سيما حضارة الوحي ، أخطر عدو وأشده على حضارة المركز ، فكيف ساغ لمن ينتسب إلى الحق أن يروج لطرح حداثة يقطع صلته بالماضي طلبا للتقدم ، ولو لم يكن ذلك نص كلامه فهو لازم من لوازمه ، علم أو جهل ، نصح أو داهن وصانع ، فذلك من القياس الباطل على حال المركز الذي انتحل دينا باطلا فلما فارقه حصل له من علم الدنيا قدر به استجمع أسباب القوة المادية ، فكيف يقاس عليه الدين الحق الذي حفظت أصوله وكان الاستمساك بها في الماضي مئنة من تقدم في الفكر والحضارة والسياسة والحرب ، وكان التفريط فيها في الحاضر سببا في هذا البلاء الحاصل ، فكيف يقاس ذلك على حال المركز ؟! ، فتكون السلامة في التحلل من الإرث النافع من علوم الرسالة ليحصل التقدم في علوم الدنيا كما حصل للمركز ، فلا يزداد الشرق إن سلك هذه الجادة إلا تخلفا وانتكاسا إذ لا عز له إلا في الرسالة فإن فارقها فهو كَمٌّ مهمل على قارعة التاريخ فلا يلتفت إليه أحد وَهَبِ القياس كان صحيحا فإن رام الدنيا فعليه أن يفارق الدين ، فَهَبْهُ صحيحا تَنَزُّلًا مع الخصم في الجدال ، فأيهما أولى بالاعتبار : الآخرةُ الباقية أم الدنيا الفانية ، وهل لهذه الأمة وظيفة أشرف من وظيفة الدين ، وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشهادة على بقية الأمم أَفَتُضَحِّي بها طلبا لسبب من دنيا يفنى ، مع أن هذا السبب باستقراء تاريخها لم يكن طوع يمينها إلا عندما كانت على منهاج الرسالة سائرة ، فعظمت البلوى إذ روج من روج باسم الإصلاح الحديث أَنْ لا بد من مفارقة خيار الحضارة الفاتحة التي تغزو بقية الحضارات بالكتاب الهادي ، ولا بد من مفارقة خيار الدولة الفاتحة التي تغزو بقية الدول بالحديد الناصر الناصح للناس أن يزيل حكم الطاغوت الذي يحول بينهم وبين شرعة الملكوت ، وأن يحظوا بالعدل في سلطانه ، وإن لم يؤمنوا به ، فكانوا يدخلون في سلطانه وإن كفروا به فَيُفَضِّلُونَهُ على سلطان بني جلدتهم من إخوانهم في الدين فلا يجدون في حكمهم إلا الجور والظلم ، فقال من قال إن الحل هو الإنكفاء على الذات بذريعة التعايش وعدم استفزاز الخصم ، وترك الوظيفة الرسالية لئلا ينعت الشرق المسلم أنه يصدر الإرهاب والتطرف ! ، فهو مسالم وديع وإن شئت الدقة فقل مستسلم خاضع قد رضي بدور التابع بعد أن كان القائد الرائد ، ولا يلزم من ذلك أن يكون ثم من التعجل ما باعثه حماسة مفرطة بلا عقل ولا روية فيكون من الخطإ تَأَوُّلُ أحكام الجلال فتحا بالسيف في أحوال ضَعْفٍ يحسن فيها تأول نصوص الجمال فتحا بالكتاب ، فالقتال فيها يضر ، ويكون الخطأ في المقابل أن يتأول الناظر أحكام الجمال دعوة بالكتاب الهادي في مواضع لا يصح فيها إلا تأول أحكام الجلال قتالا بالسيف الناصر ، فالحكمة تقضي بعدم الاستعجال في تأول الأحكام وعدم التأخر والتكاسل في المقابل ، فتقضي أن يوضع كل حكم في الحال التي تلائمه ، رضي مَنْ رَضِيَ وسخط مَنْ سخط ، فإذا لم يكن من الموت بد فمن العار أن تموت جبانا فلتكن مدافعة أهل الباطل ما استطاع أهل الحق إلى ذلك سبيلا ، في الجدال بالحجة والبرهان ، وفي الجلال بالسيف والسنان ولكل ميدان سلاحه الذي يلائمه ، وليكن الاستعلاء بالدين لا الانزواء به والانكفاء خجلا من أحكامه البدوية التي لا تلائم الحضارة العصرية ! ، كما يروج المركز في الأطراف بأبواق صنعها على عينه وأخرى استأجرها بماله ، فضلا عن بعض من يَنْتَسِبُ إلى الحق فقد أصابه من الانكسار والهزيمة ما جعله يتطوع أن يروج أفكار المركز عَلِمَ أو جَهِلَ ، قَصَدَ أو تَأَوَّلَ أنه يروم حقا يعتقده ، فلا يخرج الناتج أن يكون انهزاما واستسلاما ورضى بالدنية وإن كساها ثيابا شرعية ، فذلك لباس الزور ، فالوحي والدين منه براء ، فالوحي لم يأت ليواطئ الأهواء والأذواق وَيَنْزِلَ على حكمها ، فهي التي تقضي به بالقبول أو الرد ، فتشمئز إن خالف عنها فتبطل حكمه ، وتستبشر بقضاء غيره فترضى به حكما يفصل في الخصومات فتكون السيادة له لا للوحي ، وذلك ما أنكره الوحي المحكم في مواضع ، فجاء الإنكار والتوبيخ في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ، فتلك عبادة تُصْرَفُ لغير الله ، جل وعلا ، أن يَرْضَى غيره حكما سواء أكان فردا مستبدا أم عقل جماعة مخصوصة في مصر من الأمصار أو عصر من أعصار الضلال فليست جماعة الإسلام التي يعتبر إجماعها فلا تجمع إلا على حق ، وإنما تلك جماعة مرذولة إذ رضيت أن تخضع الشرائع الضرورية المحكمة لنقاش المجتمع الذي تصدرته نخبة سُوءٍ في السياسة والحكم ، سواء أَنْفَرَدَتْ بالحكم كما هي الحال في أمصار ، أم أَشْرَكَتْ بعض أهل الحق شهودَ زورٍ على ما تقترف من الجنايات الشرعية فضلا عن الجنايات السياسية إذ تشغل الناس بالجدال في المسلَّمَات وما يكون من لغط في الأخذ والرد ، فتحقق غرضا ، كما تقدم ، أن تطعن في الدين المنزَّل ، ولو اختبارا به تقيس وعي الناس أينكرون فيكون ثم عجلة فلا بد من زيادة في جرعة التحديث والتطويع للعقول أن تقبل الباطل حكما ، أم يُقِرُّونَ فيكون ذلك حافزا على مزيد من الطعن حتى يمحى أثر الوحي من الأرض ، فلا يكون ذلك ، بداهة ، دفعة ، وإنما يكون شيئا فشيئا ، فذلك مكر القوم الْكُبَّارُ وتلك خطوات الشيطان الذي يستدرج أهل الحق شيئا فشيئا حتى يخرجهم من الحق المنزَّل إلى الباطل المحدَث دون أن يشعروا وربما شعر بعضهم فتجاهل بل وخان الجمع الذي اتبعه أن زَخْرَفَ له الباطل وصار هو ، أيضا ، يروج مقال الباطل الذي بَثَّهُ المركز في الأطراف ، فصار بوق باطل وتأول لذلك أنه عن الحق ينافح بل وفي سبيله يجاهد وحقيقة الأمر أنه يروم حظا عاجلا من مغنم الجاه والسياسة فاستجاز لأجله أن يخدع أهل الحق الذين قدموه إذ عظموه وظنوا فيه خيرا فَحَمَّلُوهُ أمانة الدليل الرائد فلا يكذب أهله فإذا به يكذبهم ويخدعهم ويروج فيهم الباطل أنه حق فتعظم المصيبة به ما لا تعظم بمن على الباطل الصريح فهو خصم ظاهر لا يشتبه حاله على ناظر ، خلافا لمن كان على الحق فَرَامَ الاتجار به في الحكم أن يجعله دليلا على باطل من السياسة محدثٍ فلم يجعل الوحي رائدا حاكما في السياسة والحرب وسائر أمور الحياة فتلك وظيفة الوحي أن يحكم في الجمع لا أن يكون محكوما تابعا فضلا أن يكون دليلا مُلَفَّقًا على باطل ؟! ، فنخبة السوء التي ابتليت بها الأطراف تشغل الناس بهذا الجدال فهي تختبر رد فعلهم من وجه أيوافقونها في مشروع التحديث والتجديد زعمت ! ، وليس إلا مشروع التخريب وإن زُخْرِفَ باصطلاح الحداثة فليست إلا قطع العلائق مع الوحي المنزَّل ، تراث الأمة الخاتمة المحققِ ، إذ يأبى العقل أن يخضع لهذا المرجع الذي يجاوزه من خارج ، فلا يبغي إلا الهوى والذوق حكما ، فلا يبغيه إلا دينا إذ الدين هو الحاكم فليس الدين عقدا باردا في الجنان لا تظهر آثاره في الخارج ، في القول والعمل ، في السياسة والحرب وسائر أمور الخاصة والعامة ، فلا يبغي العقل المحدث إلا الهوى والذوق دينا ، فهو ، من هذا الوجه ، أيضا ، يدخل في عموم الإنكار والتوبيخ في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) ، فتشغل نخبة السوء الجماعةَ بهذا اللغط والجدال ، من وجه ، وهي ، في نفس الآن ، تشغلهم عن أمور السياسة والحكم فتدبر من الخطط وتحيك من خيوط المؤامرة ما تَرُومُ به إحكام السيطرة على مقاليد الحكم ، ولو بإفقار الناس وإضعافهم وخداعهم بآلة إعلام تُحَسِّنُ القبيح وَتُقَبِّحُ الحسن لا سيما إن كان الناس في ضلال ، فلا عقل قد تَزَكَّى بالوحي تصورا ، ولا جوارح قد تَزَكَّتْ به حكما ، نافلة وفرضا ، إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، فذلك أمر لم يسلم منه أحد إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، من أهل الإخلاص التام فلا يكاد يسلم منه أحد من الناس ولو كان على الحق في الجملة فلا ينفك يحصل له من الغفلة فيخدع بما كان من دخن في قصده أو فساد في قوله أو عمله ، فتنقص فيه الفراسة الإيمانية التي تدرك الحق بداهة بلا تكلف فلا يروج عليها الباطل ولا يخفى ، فتلك فراسة : "اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله" ، على كلام في إسناده ، فينقص من فراسته بقدر ما ينقص من إخلاصٍ في باعثه وصلاحٍ في قوله وعمله ، فلا بد من صحة القصد ، ولا بد من صحة العمل أن يواطئ الشرع المنزل ، فإن كان النقص في ذلك فما أسهل أن يُرَدَّ الناس إلى حركة الجنان عاطفة بلا عقل فما أسهل أن تستخف وتستزل ، كما استخف فرعون قومه في الماضي والحاضر ، فـ : (اسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) ، فاستخفهم بالسحر الذي يُخَيِّلُ للناس ما لا حقيقة له ، فهو يُغَيِّبُ الوعي بما يروج من باطل فآلة الإعلام خير ما يزيف الحقائق فَيُلْبِسُ الباطل ثيابَ الحق ، فتكون التسوية بين المختلفين ، كما هي الحال في دعاوى من قبيل التسوية في الميراث بين الجنسين ، تكون هذه التسوية مئنة من العدل والحكمة في أعصار الحضارة والتمدن ، فصار العدل المحقق هو عدل العقل المحدث الذي خالف عن سنن الحكمة فهي تقضي أن يعطى كل محل من الحكم والنصيب بقدر ما له من الوصف ، فاختلاف الأوصاف يوجب اختلاف الأحكام ، إذ الأحكام تدور مع عِلَلِهَا وجودا وعدما ، كما قرر أهل النظر الصحيح والاستدلال الصريح ، فضلا أن ثم نصا متواترا قاطعا لا يحتمل فهو ، كما يقول بعض أهل العلم ، لقب في العدد أجزاءَ قسمةٍ في الميراث ، فالنصف لا يحتمل واحدا فهو نص في مسماه لا يحتمل ، وهو لقب في الوصف ذكرا وأنثى ونساء وأبا وأما وزوجا وزوجة فلا يحتمل أحدهما معنى الآخر ، فلا يحتمل لقب الزوج معنى الزوجة ! ، بل لكل معناه الذي اقتصر عليه إذ لا مفهوم لِلَّقَبِ ، كما يقول أهل الأصول ، خلافا للوصف في نحو القول إن الزكاة إنما تجب في الشياه السائمة التي لا يجمع لها صاحبها العلف ولا يشتريه فمفهوم الوصف أن غير السائمة التي يتكلف لها صاحبها من العلف جمعا أو بيعا ، أن هذه الشياه المعلوفة لا تجب فيها الزكاة فيكون لوصف السوم تأثير في الحكم فله مفهوم إذ لو انتفى لانتفى إيجاب الزكاة ، وإن وجد ضده من وصف العلف لم تجب الزكاة ، وذلك مبحث مبسوط في مبحث المفاهيم وأنواعها فهي من أدوات البيان والاستنباط في لسان العرب الذي نَزَلَ به الشرع الخاتم ، ومن العجب أن يصير هذا الأمر محل بحث يفتقر إلى نظر ونصوص الإرث من القطعي في لفظه ومعناه فلا يحتمل معنى آخر في التأويل في مسألة كمسألة : (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ، وليس المراد ذكرها خاصة بل وليس مراد من أذاعها هذه المسألة بعينها وإنما هي تمهيد لغزو كامل فحضارة الغرب بقيمها وتعريفها للعدل والحرية والمساواة ... إلخ من القيم الإنسانية ، هذه الحضارة تروم الهجوم على حضارة الشرق فلها في هذه المفاهيم تعريفات أخرى فلئن اشترك الجميع في جنس المعنى المطلق في الذهن فَحَالَ البيان المفصَّلِ تختلف الأنظار كما في هذا الموضع فليس إلا مثالا من أمثلة هذا الاختلاف الذي يوجب ما يرى الناظر الآن من تدافع يجاوز بداهة هذه المسألة الفرعية من أحكام المواريث فليس صراعا بين الرجل والمرأة ، بل هو صراع بين حضارتين لكل منهما تصوره في أحكام العدل والمساواة .
فكان النقص في المخالفة عن نص الشرعة ومقتضى الحكمة التي توجب التفريق بين المختلفين ، فكل أولئك مما يَرُوجُ بسحر العقول فَيُخَيَّلُ إليها أن هذا الباطل عدل وحق ، وإن خالف بدائه الوحي وعلومه الضرورية فضلا عن مخالفته عن الحكمة العقلية ، كما تقدم ، وإنما يكون ذلك ، لو تدبر الناظر ، من غفلة النفوس إذ قصرت في طلب الحق علما وعملا ، حتى صار الضروري البدهي من محكم الشرع متشابها يخضع لنقاش المجتمع فهو محل جدل ولغط ! ، وذلك من شؤم المخالفة عن الوحي ، فإنه ، كما تقدم ، لم يأت ليواطئ الأهواء والأذواق فيكون شاهد زور عليها إن بطل حكمها فخالفت عن حكم الشرع ، وإنما جاء الوحي ليحكم فيها بالحق ، فهو المعيار الذي يرد إليه ما اخْتُلِفَ فيه الأهواء والأذواق ، فـ : (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ، وذلك قياس الحكمة الصريحة أن يُرَدَّ المتشابه إلى المحكم فَيَقْضِي فيه قبولا أو ردا ، لا أن يُرَدَّ المحكم إلى المتشابه فيصير الهوى والذوق هو الحاكم ، سواء أكان ذوق فرد يطغى ، أم ذوق مجتمع يناقش بدائه الشرع فهو يخضعها للبحث والنظر ! ، والجناية تعظم ، كما تقدم مرارا ، أن يكون من أهل الحق من يمهد لهذا الباطل جهل أو علم ، وتعظم الجناية أكثر وأكثر أن يكون ذلك حفاظا على رياسة في سياسة جائرة ، ولو كانت اسما بلا مسمى فلا حظ له إلا صورة الحكم لا حقيقته فَلَيْتَهُ صنع ذلك ليكون له الحكم حقيقة ، مع فحش ذلك أن ينال الملك ببذل الدين عوضا ، فكيف وقد بذل دينه بلا عوض إلا صورة سياسة يتوهمها ، وقد يمتزج في قلبه من نية حق وحظ نفس ما يتجاذبان أمره فتكون الدولة لمن غلب ، فقد يتأول ذلك أنه مداراة وليس ذلك من المداراة في شيء ، إذ المداراة بذل الدنيا صيانة للدين خلاف المداهنة التي يقارفها من يقارفها باسم المداراة ، فالمداهنة بذل الدين صيانة لدنيا زائلة من جاه أو سياسة أو رغبة في الظهور أو إرضاء للجمهور أو إظهارا للعقل والتوسط في موضع جهل وتهتك ، والقلوب أمرها يخفى فيمتزج فيها من نية الحق ونية الباطل ما يدق فلا يدركه إلا الرب الخالق ، جل وعلا ، وإنما تعبد الله ، جل وعلا ، الناس بما يظهر من القول والعمل مع رعاية الحال فهو من القرائن المعتبرة وإن لم يكن ذلك ذريعة أن تنقض الأحكام باسم المداراة تارة ، أو تأليف القلوب أخرى ، إو إظهار التسامح في غير محله ..... إلخ من الأغراض الفاسدة وإن ظن صاحبها أنها من مقاصد الشرعة النازلة .

وحال أهل الحق ، والله أعلم ، أن تكون المدافعة بالجحة والبرهان تارة ، والسيف والسنان أخرى ، مع الاستعلاء بالحق في جميع الأحوال ، ووضع كل حكم في موضعه الذي يلائمه فإن كان ثم ضعف فجهاد الحجة والبرهان فيتأول نصوص الجمال ، وإن كان ثَمَّ قوة فجهاد السيف والسنان فيتأول نصوص الجلال ، وإن كان ثم نصر فشكر بلا بطر ، وإن كان ثم هزيمة فصبر بلا جزع فهم في كل موضع على أكمل الأحوال الشرعية التي يرضاها رب البرية ، جل وعلا ، فلا يحيدون عن الوحي ، لا في أصل ولا في فرع ، لا في فرح ولا في حزن ، مع الإيمان الجازم بالوعد الصادق أَنْ : (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ، فإن كان ثم انكسار فاتهام للنفس بما اكتسبت : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، وإن كان ثَمَّ نَصْرٌ فَيُرَدُّ إلى الله ، جل وعلا ، فضلا ، فـ : (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .

وإذا كان القوم يَرُومُونَ العدالة بالمفهوم العلماني اللاديني زعموا ! ، فهلا أخذوا الحزمة العلماني كلها ، فكانت لهم عناية بالعدالة السياسية والاجتماعية ، مع أن العدالة الاجتماعية في الأنموذج العلماني الرأسمالي غير متوفرة فهي تحرص على صناعة نخبة ثرية تمسك بعصب الاقتصاد وتعيش حياة الرفاه وما يواكبها من نمط الاستهلاك الفاحش ، فتلك الطبقة التي يستهدفها الغرب الرأسمالي بمنتجاته التي يغرق بها الأسواق في الأطراف فيستنزف ما في جيوب هذه الطبقة التي صنعها ابتداء وَيَسَّرَ لها أسباب الاستيلاء على المال العام ومصادر الثروة في الدولة المستهدفة بالإصلاح الاقتصادي الذي ينقل البلاد من الاقتصاد الموجه إلى الاقتصاد الحر بلا سابق عهد فتكون صدمة الانتقال المفاجئ التي لا ترعى أي بعد اجتماعي أو إنساني ، بل الصدمة المؤلمة جزء رئيس من عملية التحول فلكل معركة في الحرب أو الاقتصاد ضحايا لا سيما والحروب قد اتخذت في الأعصار المتأخرة أنماطا جديدة فكان الغزو الاقتصادي ، وهو مما يشفع بغزو فكري يعظم في النفوس قيم التقليد والمحاكاة للقوي المنتصر ، فتزدهر ثقافة الاستهلاك التي يؤمن بها المترفون ، ولا تخلو حالهم من فساد عظيم في الدين والدنيا ، فالفراغ مفسدة أية مفسدة ! ، فضلا أن يشفع بالغنى وكثرة المال ، فيكون الإسراف في الاستهلاك والإسهال في الأفكار ! الذي يظهر قذره في أفكار كتلك التي تروج في بلاد الشرق ، فقد صار منتهى السؤل أن تجلس المرأة وهي ترتدي تنورة قصيرة تبدي أكثر مما تخفي ! في منتدى فكري سياسي يتكلم رواده في فضول من الأفكار ، فضلا أن تعظم البلوى فتكون مناقضة الشرائع والأحكام ، ويكون التجاهل لمشاكل المجتمع ، ولو الدنيوية العاجلة التي يزعم التيار العلماني أنه جاء يعالجها ، فأين أولئك النسوة من مشاكل الفقر والبطالة وَتَرَدِّي الصحة والنقل وسائر الخدمات في بلاد ظاهرها يغاير عن باطنها ، فظاهرها نخبة ضيئلة العدد عظيمة الثروة لا تحس بأحد دونها في الجاه والثروة فهي لا ترى الفقراء والمعدمين ولا تحسن تخاطبهم ، ولو ذرا للرماد في العيون ، وإن خاطبتهم فوعود كاذبة وكلام مجمل عن خطر الفقر والرغبة في التنمية وتوفير فرص العمل وتحسين الخدمات ..... إلخ من الكلام الذي يحسنه كل أحد فهو بلا ثمن ولا يجهد صاحبه إلا تحريك لسانه ! ، فالفقراء ليسوا ببشر في نظر أولئك وإنما غايتهم ، كما تقدم ، أن يكون خدما أو رقيقا في أعصار الرق ! ، فينشطر المجتمع إلى نخبة ثرية تستأثر بمعظم الدخل ، ومن ثم يكون انتقال المال من جيب النخبة التابعة للمركز إلى جيبه الخاص ولو عن طريق تبادل السلع ، فهو يغرق أسواق الأطراف بسلعه ذات العلامات التجارية المشهورة ، ولو كانت سلعا رديئة ، فالعلامة التجارية ذات سحر في النفوس وإن كانت الخامة رديئة ، فيكفي المشتري أن حظي بهذا الشرف أن يقتني سلعة ذات علامة مشهورة ! ، ولو كانت مغشوشة ، فيكون ثَمَّ منتج آخر محلي أو مستورد يفوق هذه السلعة ذات العلامة التجارية فيزيد عليها في الجودة ويقل عنها في السعر ، ولكنه لا يحظى بنفس الشهرة ، فقد صارت العلامة التجارية جزءا رئيسا من ثمن السلعة ! ، وهي ، كما يقول بعض المعلقين ، خدعة استعملها المنتج للسلعة ليوقع الأغنياء في شباكها فكان الفقراء أول من وقع ! ، إذ راموا تقليد الأغنياء وارتداء فاخر الثياب واستعمال أحدث الأجهزة فالضعيف أبدا مغرم بتقليد القوي ولو في ترف لا ينفع فليته قلده في خير ينفع ، وتلك حال الأطرف مع المركز في أمور الأخلاق والسياسة ، فلا يأخذون إلا التافه ، فاختزلت الحرية بالمفهوم العلماني اللاديني ، وهي في بلادها منظومة مركبة من حريات عامة لا سيما الحريات السياسية وهي آخر ما يحلم به الشرق في هذه الأعصار النكدة إذ تأخذ النخبة من الغرب كل شيء تحرير الأخلاق وتحرير الأسواق .... إلخ إلا تحرير الحقوق السياسية وإعطاء الأفراد جميعا حق مباشرة العمل السياسي اختيارا للحاكم ومشاركة في صنع القرار ، فإن كنت لا بد آخذها فخذها جميعا ، من باب التنزل في الجدال مع الخصم ، لا أن تأخذ منها الفاسد التافه ، فتختزل الحرية في مجموعة من النسوة سِيقَانُهُنَّ وصدورهن عارية ، وذلك ، أيضا ، مما ناضلت رائدات العمل النسوي لافتكاكه من المجتمع الشرقي المتخلف ، فيجلسن أمام رجل قد ناهز التسعين ! ، يحدثهن عن تسوية الأنثى بالذكر في الإرث ، وإباحة زواج المسلمة بالكافر ! ، وليس ذلك إلا ضربا من التخريف فضلا أنه مئنة من سوء خاتمة لمن أحاط بشيء من تاريخ الرجل فيصدق فيه أنه ممن طال عمره وساء عمله ! ، ومن عجب آخر أن يُسَوَّقَ ذلك أنه مشروع حداثة ونظرة إلى الأمام فلا يجد من يروج له إلا جثامين محنطة من متحف السياسة الغابر ! ، فهي ، لو تدبر الناظر ، رجعية وتخلف حقا لا دعوى فلا يجد هذا المشروع المفلس إلا رموزا من الماضي العلماني لتجديد الحاضر ، فثم فقر شديد في التنظير ، وثم آخر في الرموز فلولا دعم المركز ، الأنجلوساكسوني أو الفرانكفوني ، لولا هذا الدعم ما قام لهذا المشروع قائمة في بلاد الشرق المسلم فهو مشروع فاشل ولو بالمقاييس الأرضية إذ يغاير عن البيئة والثقافة التي يروم الانتشار فيها فمثلهم كمثل من يأتي بالدب القطبي ليعيش في البلاد الحارة ! ، فمصيره الموت أو الإغماء من شدة الحر كما يرى الناظر في حدائق الحيوان في بلادنا ! ، فلا بد من إنعاشه باستمرار بالثلج والمياه .......... إلخ ، كما هي حال المشروع العلماني في بلاد الشرق فهو يخالف عن الهوية والنمط العام فضلا عن مخالفته لجوهر الرسالة التي تشكل نواة صلبة في المجتمعات المسلمة ولو كانت مغيبة عن دينها محاربة في فضيلتها وأخلاقها فلا تنفك تأرز إلى الدين لا سيما في أعصار المحن والنوازل فإذا اشتد هجوم طرف قوي على آخر ضعيف ، فإنك تجد الضعيف إن لم يجد من الأسباب السريعة المباشرة ما يرد به هذا الهجوم تجده يأرز إلى ماضيه ليستلهم منه قدوة يتأسى بها في مدافعة الوافد الغريب ، وإذا كان القوم لم يجدوا إلا رمزا من التاريخ ليحيي هذا الأمر الذي كان مطروحا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ، فعلام ينكرون على أهل الحق أن يستدعوا هم أيضا رموزهم التاريخية والفكرية لتجديد أحوالهم الدينية والسياسية ، وإنما التناقض والتحكم الذي لا يكاد ينتهي وليس ذلك إلا لبطلان المذهب في نفس الأمر مهما تكلف صاحبه من الأدلة ومهما حشد له من الحجج التي لا تخرج أن تكون نسج عنكبوت واهن ، فلا تصمد لحجة حق خالص ، فسرعان ما تزهق إذا جاء وافد الحق المحكم .

وقد كان رائد هذه الدعوة في الستينيات والسبعينيات صاحب مشروع الحداثة الفرانكفونية التي استأصل لأجلها الجناح العربي فضلا عن الإسلامي ، كان ، كما يقول بعض الخطباء ، أفقه من الشيخ الحالي ، فكان الفاني أفقه من الحالي ! ، وإن كان أشد شراسة في اعتناقه الحداثة ، فلما رام طرح نفس المبادرة الثورية جمع علماء الدين من مالكية الزيتونة وعرض عليهم الأمر لا تعظيما للدين وإنما جسا للنبض أيجد موافقا يفتي له بما أراد ، فنهوه عن ذلك فانتهى لا أنه يعظم الدين ، فلم يكن ، كما تقدم ، من هذا الصنف الشريف ، وكان لهم من الفقه في المقابل أن لم يخوفوه بحلال أو حرام فلا يعظم مثله شعائر الله ، جل وعلا ، وإنما خوفوه باضطراب ملكه بما يحدثه هذا الأمر من بلبلة قد تفضي إلى اضطرابات سياسية واجتماعية هو عنها في غنى فلما خوفوه بملكه انتهى كسائر ساسىة الجور فيكاد الواحد منهم لو خُوِّفَ بعرضه أن يُنْتَهَكَ ما خاف ، فإذا خُوِّفَ بملكه انتهى وانزجر ، وأبو سفيان في جاهليته كان أعظم مروءة من هذا الصنف فإنه لما خُوِّفَ أمام هرقل أن تؤثر عنه كذبة تورع أن يكذب بما يقدح في حق النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، مع أنه كان آنذاك كافرا وليس بعد الكفر ذنب ولكنه أبى الكذب لما فيه من قادح في المروءة يعظم ، وإن لم يكن ثم ديانة ، فكانت المروءة حاجزة إذ غابت الديانة ، وأما صنف الحكام الذي ابتلي به الشرق المسلم في هذه الأعصار فلا ديانة ولا مروءة ! .

والله أعلى وأعلم .