ثَمَّ من وجوه الإيجاز في اللسان ما اشتهر أن يسمى إيجاز الحذف كما في قوله تعالى : (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ) ، فتقدير الكلام : ونجيناه من أهل القرية التي كانت تعمل الخبائث ، إذ الإنجاء لا يكون من القرية مساكن ودورا فإنها لا تضر إذ لا تعقل فلا إرادة لها لتكفر أو تظلم ، فكانت المنة العظمى بإنجاء لوط ، عليه السلام ، وأهله المؤمنين ، فلم ينج إلا هو وابنتاه ، فهم أمة الإيمان ومعدن الإسلام في تلك البقعة التي كَثُرَ فيها الخبث ، فكانت النذارة الخاصة فهي من جنس النذارة العامة في الرسالة الخاتمة فكان الكفر ، وكان ثم زيادة في الفحش ، وهي ما وصفت به القرية على حد الوصل في قوله تعالى : (الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ) ، ولا تخلو "أل" في "القرية" ، من هذا الوجه ، من دلالة العهد الخاص ، فهي قَرْيَةُ بِعَيْنِهَا ، أو هي مجموعة قرى معهودة ، ذكرتها التوراة وهي : سدوم ، وعمورة ، وأدومة ، وصبييم ، وذلك مما يدخل في حد قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" ، إذ ليس فيه ما يخالف عن الوحي الخاتم ، من وجه ، وليس مما يُبْنَى عليه عمل فهو من تفصيل القصص على وجه لا يعارض منه ما قد ذكر في الوحي الخاتم إما مجملا أو مفصلا فلا يطلق القول بالاستئناس بالإسرائيليات ، وإن في تفاصيل القصص ، وإنما شَرْطُ ذلك ألا يخالف الوحي الخاتم لا في أصل ولا فرع وإن لم يُبْنَ عليه أي عمل ، فكان الإطناب بالوصف بالموصول "التي" ، وكان في العهد المتقدم في "أل" في "القرية" ، كان فيه وصف زائد ، فَضْلًا عن الإطناب في الصلة في قوله تعالى : (الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ) ، فَحُدَّ الوصف حَدَّ الوصل ، كما تقدم ، وذلك مما يجري مجرى الإطناب في سياق الذم على وجه تعظم به النكاية بذكر الجناية مفصلة ، فكان الإطناب بالوصل وهو مجمل يَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ ، فصلته تُبِينُ عما أُجْمِلَ من معناه إذ تقيده تقييد الحكم بالعلة فمناط الذم الذي أوجب إهلاكهم وإنجاء من آمن ، لوط وأهله ، مناط الذم ما كان من عمل الخبائث ، وهو ما حُدَّ حَدَّ الكينونة الماضية في "كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ" ، وذلك ، أيضا ، آكد في الذم إذ الكينونة الماضية مئنة من ديمومة الوصف واتصال زمانه فهي في أصل الوضع الأول في المعجم دليل على ديمومة الاتصاف في الزمن الماضي فلم يكن ذلك طارئا بل كان وصفا دائما ودلالة "أل" في "الخبائث" ، مئنة من عهد ثان ولا تخلو من دلالة استغراق معنوي إمعانا في تقبيح الجناية فاستجمعت فاحشتهم معاني الخبث جميعا لما فيها من تَنْكِيسِ الفطرة وإبطال النزعة الإنسانية السوية التي لا تميل بَخَلْقِهَا الأول أن تقارف ما يخالف عن الطبع السوي وإن أرادت شهوة فهي في الغالب تميل إلى الجنس الآخر بما عُدِنَ في النفوس من فطرة الزوجية ، وإن سفاحا ! ، فكان الفحش في إرادة محال الخبث والعدول عن محال الطهر فمن ابتغى فرجا يشتهى بالطبع وهو محرم فقد ابْتَغَى خبثا وإن كان الفعل رغبة في لذة فُطِرَتْ على محبتها النفوس ، فكيف بمن أراد محلا تأنف منه النفوس جبلة فجمع الفحش ودناءة النفس أن تقارف من القذر ما يأنف منه أصحاب الفطر السوية وإن كانوا على ديانة كفرية ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، سكرة تذهب بالفكرة ، فالنفوس ، كما يقول بعض المحققين ، إذا ضَلَّتْ عن فكرة الوحي فإنها تقارف ما تقارف مما يخالف عن الأخلاق والأعراف الطبائع ، فضلا عن مخالفة الوحي ، فلا منتهى لضلال النفس إذا حادت عن جادة الرسالة فلا يزال الوسواس بها حتى يخرجها عن مقتضى العقل فضلا عن مقتضى الوحي فلا يقتصر الأمر على الكفر ، مع بشاعته ، فهو أعظم الذنوب وهو أصل العيوب فلا يكون ثم انحراف في الشرائع أو السياسات أو الأخلاق إلا وصاحبه قد فسد تصوره فأنكر وجحد أو أشرك وغلا ، أو قارف من أجناس الكفر ما يرجع إلى أصلين رئيسين ، الكفر بالله ، جل وعلا ، والكفر باليوم الآخر ، فما قَدَرَ الله ، جل وعلا ، حق قَدْرِهِ فلو قَدَرَهُ لاستحى أن يَرَاهُ على معصية ، ولو صح تصوره في الإلهيات لعلم اطلاع رب البريات ، جل وعلا ، عليه ، فانكف وانزجر كما ينكف الإنسان ، إن كان له حظ من معنى الإنسانية ، كما ينكف عن المعاصي التي تزري بالهيئات والمروءات إذا اطلع عليه أحد فلا يجهر بِالْفُحْشِ إلا ناقص المروءة فضلا عن مستخف بالدين والأمر والنهي ، لا جرم حُرِمَ المجاهر من العافية إذ ناجز رب البرية ، جل وعلا ، فـ : "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ" ، فلم يستح أن يستعلن بعصيانه ، وذلك ما يهيج المفسدين أن يستعلنوا كما استعلن فهو ، من هذا الوجه ، محب مريد أن تشيع الفاحشة في المؤمنين ، فَلَهُ العذاب الأليم ، كما في نص التنزيل في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، فجاء التوكيد بالناسخ "إِنَّ" في سياق الوعيد ، فضلا عن عموم أنيط فيه الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة "يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا" ، فالمحبة ولو بلا مُقَارَفَةٍ وَتَلَبُّسٍ تُوجِبُ لصاحبها من الذم والوعيد ما وَرَدَ على حَدِّ التوكيد بتقديم ما حقه التأخير في قوله تعالى : (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) ، فكان التوكيد إمعانا في النكاية وتحذيرا من سوء النهاية ، ولذا قال من قال إن من نَوَاقِضِ الإيمان رضى القلب أن يُعْصَى الرب ، جل وعلا ، وَفَرَحُهُ إذا انتهكت الحرمات مع حصول العلم أنها محرمة لا سيما في مواضع الاشتباه التي قد يخفى فيها الحق على وجه يحصل به من التأويل الفاسد ما يَرْفَعُ الحكم بالكفر دون الإثم ، فلا تخلو من تلك حاله من تقصير في طلب الحق فقد تابع غيره تقليدا ورضي بخطة الخسف في أمر الدين وهو لا يرضى معشارها في أمر الدنيا فيتحمل من عدواة الناس في صدره ما يتحمل إن غشه أحد في أمر دنيا ، ولو يسيرا ، فالاحتيال في اليسير من أمر الدنيا يورث العداوة ولو في صدر الحليم ، كما في مأثور الحكمة عن قدماء المصريين ، فلا يوجد عاقل يحب من يخدعه ، وإن في يسير تافه لا يؤبه ، فذلك ما يجعله يُمْسِكُ إذا رام العطاء إذ صدره قد أوغر بما كان من خداع ، فيغلب غضبُه حلمَه أن خُدِعَ في يسير من أمر الدنيا وينتصر لنفسه بقوة الغضب والإمساك فيشح أن يبذل لمن خدعه فذلك ما قضت به الجبلة ضرورة فلا يلام على الطبع إلا إن جاوز الحد فأمسك حقا واجبا أو ظلم من ظلمه فَرَدَّ الظلم بمثله ، وإنما غاية أمره إِنْ عدل أن يمسك من نافلة الإحسان ما لا يجب عليه فقد أوغر صدره ، كما تقدم ، وإن رام بلوغ الفضل وَجَبَ عليه أن يغالب الطبع فَيَبْذُلَ لمن أساء إليه ، كما قد صنع الصديق ، رضي الله عنه ، إذ أجرى نفقة أولي القربى وقد خاض منهم من خاض في الإفك ، فأقسم الصديق ، رضي الله عنه ، أن يقطع ، فجاء الوحي يرشد ويبين ، فـ : (لَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فدل أصحاب النفوس الشريفة على المراتب الرفيعة فقد جاوزوا العدل إلى الفضل ، وذلك أمر يعسر على النفوس المظلومة ، وإن في حقير لا يؤبه ، فكيف بالعرض ؟! ، فلا يطيق ذلك إلا رجال قد بلغوا الغاية في الإخلاص والإحسان فتجردوا من حظ النفس أن تنتقم ، ولو كان ذلك جَائِزًا لها ، فإن من طبائع النفس الكاملة أن تغضب إذا ظُلِمَتْ ، وأن تَنْتَصِرَ ممن بَغَى عليها ، وهي ، في أحوال كثيرة ، تخرج عن حد العدل في الخصومة وإن تَحَرَّتْهُ ما استطاعت ، فيكون ثم حظ نفس يخفى في استيفاء الحق ممن ظلمها ويكون من تأويل ذلك ما قد يصح في الجملة ، وهو أمر محل اعتبار إذ لا يخلو من المفسدة أن يقع من المظالم ما لا يتدارك ، لا سيما مظلمة الدم والعرض فهي مما لا يستدرك لا جرم كان من أجناس الإكراه ما لا يعتبر ، وإن ملجئا ، وهو الإكراه في الدم والعرض فلا يتدراكان ، فكان من مظان الانتقام ما يشرع بل ويحمد بل ويجب في أحوال فهو يندرج في حد الأمر والنهي الواجبين ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فوجب على الكافة حمل الخاصة من الولاة والأئمة ، عمت ولايتهم أو خصت ، وجب على الكافة حملهم على مقتضى الشرع ، كما وجب على الأئمة والولاة حمل الكافة من العامة على مقتضى الوحي ، فالتكليف به يعم الحاكم والمحكوم معا ، فلا يؤمر المحكوم دون الحاكم أن زعم أن له من المنزلة والمهابة ما لا يليق به إنكار ، في سر أو علن ، لا سيما إن استعلن بجوره وظلمه ، فضلا أن يبلغ الأمر حد الكفر البواح باقتراف ناقض من نواقض الدين أو تعطيل الوحي والسعي في تبديله وإن تذرع أن ذلك من تجديده ، فذلك ، لو تدبر الناظر ، مما عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة ، فكان من جملة الحرب ذات الأوجه ، فهي مركبة لا تقتصر على غزو بالسلاح أو حصار في الغذاء والدواء ، بل أخطرها ما يتوجه إلى العقول إرادة تطويع الناس بما يبث فيهم من أفكار تهدم الدين والمروءة وتجعل الغضب للدين ، والغضب للنفس في مواضع تحمد ، فلا يكون بغي ولا اجتراء من أهل الفسق والعصيان ، فخاصة النفس البشرية أنها تَغَارُ وَتَأْنَفُ أن تُظْلَمَ أو يُنْتَهَكَ لها حق أو عرض ، أو تَرْضَى بالظلم والضيم إذا وقع عليها أو على غيرها فهي تسعى في مدافعته ومناجزته ولو شيئا فشيئا كما تقرر في أحكام الدفع ، فالصائل على الأديان والأبدان يُدَافَعُ ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلا ، على وجه لا يخلو من نظر آخر أدق يضيع بين الإفراط والتفريط ، فيكون التأصيل واحدا ، والتأويل في الواقع مختلفا سواء أكان ذلك اختلافا يعتبر فَثَمَّ من وجوه المفسدة ما يعظم ، فلا تكون ثم طاقة لمناجزة الظالم الباغي وإن كان الأصل الإنكار عليه باليد فإن لم تكن ثم طاقة فَبِاللِّسَانِ فإن لم يكن ثَمَّ فسحة لإنكار ولو بالقول كما يرى الناظر في ممالك عظم فيها الاستبداد فصار الكلام جرما ، لا سيما إن كان علنا ، فإن ثم من المواضع ما تعم به البلوى فلا يكون الإسرار في الإنكار بِمُجْدٍ شيئا ، فقد استعلن صاحب المعصية وَتَبَجَّحَ وكان له من الولاية أو الرياسة ما تعظم به البلوى فَسَعَى في تبديل شرع إو إقرار ظلم أو مقارفة فحش ، وجعل نفسه قدوة يَتَأَسَّى بها كل فاسق متهتك ، ويأمن بها كل عاص متجرد من الحياء والديانة فلا يخشى شيئا في ملك الفاسق الذي لا يمنح الحرية إلا لمن يوافقه في الطريقة الردية ، فَثَمَّ حرية أن تنتهك الحرمات وأن تعطل الفرائض وأن يجهر الفساق بالفواحش ، وأن تبث في الناس الشبهات والشهوات على وجه يقدح في أصول الديانات والأخلاق والمروءات ، فهو يوفر الحماية بقوة القانون والسلاح ، يُوَفِّرُهَا لكل من رام القدح في الدين إذا وافقه في الطريق ، فبادر بالتأييد فهو له عضد أن يُحَاجِجَ عنه في كل محفل ، وإن كان ذلك مما يناقض ما يَزْعُمُ انتحاله من قيم الحرية في الفكر والسياسة فلا يجهر بالمعارضة إلا لأولي الديانة إذ معارضتهم أمر يُؤْمَنُ فلا يخاف فيه ظلما ولا هضما ! ، فلا بَوَاكِيَ لأهل الحق ، فإن ظُلِمُوا فلا أحد عنهم يدفع بل كلٌ يزايد في عداوتهم رجاء حظ من الدنيا يَفْنَى وإن كان وقت الرخاء فارس ميدان يناجز عن الحقوق والحريات ، ففي الرخاء تعظم الدعاوى ثم تأتي الشدائد بينات تصدق وتكذب ، فـ :
جزي الله الشدائد كل خير ** وإن كانت تغصصني بريقي
وما شكري لها إلا لأني ** عرفت بها عدوي من صديقي .

وحال الرخاء يسل كلٌ سيفَ لسانه لا سيما إن كان الخصم مقيدا مقموعا فما أسهل مناجزته إذ الميدان خلو ، فـ :
إذا ما خَلا الجَبَانُ بأرْضٍ *******طَلَبَ الطّعْنَ وَحدَهُ وَالنّزَالا .

فهو يناطح الهواء بسيفه فما أسهل ما يضرب ويقطع إذ ليس ثم خيال عدو فضلا أن يكون ثم عدو في الخارج ! ، وإن وُجِدَ العدوُّ فمقيد أو أسير في قبضته فلا تكون الشجاعة إلا على ضعيف أو أسير ! .

فالإنكار على أولئك ومن يحرضهم ومن يفسح لهم في فضاء الناس أن يجهروا بالفحش ، وأن يستعلنوا بالمنكر من القول والعمل ، ومن يحميهم بقوة القانون والسلاح ومن ينفق عليهم ويجري لهم الأرزاق والعطايا ليناجزوا أهل الديانة ويقارفوا من السحر ما يُخَيِّلُ الحقَّ باطلًا في أعين الناس ، وإن لم يخل الأمر ، من وجه آخر ، من فساد دب في النفوس ، فَقَيَّضَ ، جل وعلا ، لها من يُزَخْرِفُ لها الباطل وَيُزَيِّنُ لها الفحش ، فهو ، من هذا الوجه ، يحاكي قوم لوط إذ لم يكن فحشهم يستتر فكان من جملة ما أنكر لوط ، عليه السلام ، أن : (تَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) ، وما أكثر منتديات الفحش في الأعصار المتأخرة وهي مما جاوز فحش الجوارح إلى فحش العقائد والشرائع والسياسات والأخلاق والمبادئ والمذاهب وما شاء الناظر من أجناس الحركات الباطنة والظاهرة ، الخاصة والعامة ، فَجُوزِيَ الناس أن انصرفوا عن الحق أن وقعوا في ضده من الباطل إلا من رحم الرب الخالق ، جل وعلا ، على وجه لا يخلو في أحيان أن يحب صاحبه ظهور الباطل وشيوعه ، كما كانت الحال في الإفك فنزل الوحي يذم ويتوعد كما في آية النور : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) ، ^^ فجاء التوكيد بالناسخ "إن" ، وجاء الوصل فالإطناب به في موضع الحكم يحسن إذ لا يخلو من دلالة تعليل فالحكم وهو في هذه الحال الخبر : () ، الحكم يناط بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة "يحبون" ، ولا يخلو الإتيان به مضارعا ، لا يخلو من استحضار للصورة في سياق الذم فذلك آكد في النكاية وتسجيل الجناية ، فضلا عن الإتيان بالمفعول على حد الإطناب ، أيضا ، فهو المصدر المؤول من "أن" وما دخلت عليه من المضارع "تشيع" ، ولا يخلو ذلك من مضارعة أخرى تمحض فيها الزمان استقبالا فيحبون شيوع الفاحشة في كل عصر ومصر ، وينافحون عنها في كل محفل ومنتدى ، ويحرضون الكافر والفاسق لينصرهم ، ويستعلنون بها على وجه فيه ذهاب الديانة والمروءة ، ويزيدون فيها شيئا فشيئا فَوَدُّوا لو استعلنوا بما في الصدور من غل وبغض للوحي على وجه لا يسلم فيه من الدين أصل ولا فرع ، فحب الفساد قد استحكم في القلوب لَمَّا حادت عن جادة الوحي فسلكت سبلا من الباطل جاوزت حد العصيان فقد بلغت حد الرضى والاطمئنان فلا إنكار ولا غيرة ، ولو بالقلب ، بل فرح عظيم أن تنتهك حدود الدين وأحكامه ، ورضى بذلك وتحريض ، وأمان يعطى لأهل الفسق أن يَبُثُّوا باطلهم في الناس فذلك مما يضعف الجمع بما يستمرئ من القبح وبما يعتاد من تَعَدِّي حدود الشرع ، فتسكن النفوس إليه وتطمئن ، ولو شيئا فشيئا ، فَيُنْزَعُ حجاب الحياء والعفة ويتباهى الناس أن ناجزوا رب العزة ، جل وعلا ، بفواحش من القول والفعل لا آخر لها ولا حد ، فلا منتهى لضلال الناس إن حادوا عن الوحي فلا يزال شياطين الإنس والجن يزخرفون لهم من غرور القول والفعل ما يطعن في الدين والمروءة ، فلا ينتهي المزخرِف حتى يُخْرِجَ الناس من الدين ، فكان من العقاب الناجز إذ زهد الناس في الوحي ، ولو لسان حال ، فلا يقول ذلك بلسانه من في قلبه مثقال حبة من إيمان ينفع ، فيجاوز التصديق المجرد إلى آخر محقق قد شفع بالإذعان والإقرار فلا بد فيه من تعظيم الحرمات والشعائر فلا يتصور إيمان في قلب لا ينكر المنكر ، ولو تَمَعُّرَ وجهٍ ، إن عجز أن يُنْكِرَ بِاللَّسَانِ أو اليد ، فلا يكلف ما لا يطاق ، لا سيما إن عظمت المفسدة على وجه يوجب اعتبارها فلا يكون إنكار المنكر بآخر أعظم ، وذلك ، كما تقدم ، أمر ضاع فيه الحق بين الإفراط والتفريط ، بين الزيادة أن يُحَمَّلَ الناس من الإنكار ما لا يحتملوا ، فيغامر من يغامر ، وإن شئت الدقة يقامر ، ولو لم يكن ثم نية سوء أو اختلطت النوايا بالحظوظ على وجه لا يخلو من حق وإن لم يخلص من شوب الباطل ، يغامر ويقامر بِبَيْضَةِ الحق وحرماته ولا يعتبر ما عظم من المفاسد جهلا إن أحسن الناظرُ الظنَّ ، أو قصدا إن أساء ، فيكون الظاهر حقا خالصا وفي الباطن حظ في جاه أو رياسة ، ولو خفيا ، ويكون من الخير في استنهاض الناس أن ينكروا المنكر ويسعوا في تغييره باليد واللسان لا سيما وصاحبه قد استعلن فصار الإنكار عليه سرا ، صار ضربا من الهذيان ، فلا يرتدع ولا ينزجر ، فضلا أن البلوى قد عمت باستعلانه ، ولو كان من أهل الفضل الذين يقدرون الوحي حق قدره ، ولكنهم أفتوا على الملإ بخطإ يخالف الصواب ، أو حادوا عن الجادة في موضع ، جهلوا أو تقصدوا لِهَنَّةٍ أو حظ نفس قد يغلب في مواضع فليس ثم فاضل يرجو عصمة بعد قبض صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فإذا كان منهم من الفتوى العامة فِي العلن ما به تعم البلوى فالإنكار عليهم على الملإ صحيح ، وذلك ما حفظه الأثر من صنيع عبادة رضي الله عنه ، فـ : "ذَكَرَ مُعَاوِيَةُ الْفِرَارَ مِنَ الطَّاعُونِ فِي خُطْبَتِهِ ، فَقَالَ عُبَادَةُ : أُمُّكَ هِنْدٌ أَعْلَمُ مِنْكَ ، فَأَتَمَّ خُطْبَتَهُ ثُمَّ صَلَّى ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى عُبَادَةَ ، فَنَفَذَتْ رِجَالُ الأَنْصَارِ مَعَهُ ، فَاحْتَبَسَهُمْ ، وَدَخَلَ عُبَادَةُ ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ : أَلَمْ تَتَقِّ اللَّهَ وَتَسْتَحِي إِمَامَكَ ؟ فَقَالَ عُبَادَةُ : أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ أَنِّي لا أَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ ، ثُمَّ خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عِنْدَ الْعَصْرِ فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَخَذَ بِقَائِمَةِ الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي ذَكَرْتُ لَكُمْ حَدِيثًا عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ ، فَإِذَا الْحَدِيثُ كَمَا حَدَّثَنِي عُبَادَةُ ، فَاقْتَسِمُوا مِنْهُ فَهُوَ أَفْقَهُ مِنِّي" ، فأغلظ له في القول وأحسن معاوية التصرف لئلا يزيد الأمر فيخرج عن الحد ، وهو من هو في سياسة الناس وحملهم على اللين ما استطاع إِلَى ذلك السبيل ، وكذلك الشأن في إنكار عبادة على معاوية في الخبر المشهور وفيه : " يَا أَبَا الْوَلِيدِ لَا أَرَى الرِّبَا فِي هَذَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ نَظِرَةٍ ، فَقَالَ عُبَادَةُ : أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ ، لَئِنْ أَخْرَجَنِي اللَّهُ لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيهَا إِمْرَةٌ ، فَلَمَّا قَفَلَ لَحِقَ بِالْمَدِينَةِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : مَا أَقْدَمَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ ، وَمَا قَالَ مِنْ مُسَاكَنَتِهِ ، فَقَالَ : ارْجِعْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ إِلَى أَرْضِكَ ، فَقَبَحَ اللَّهُ أَرْضًا لَسْتَ فِيهَا ، وَأَمْثَالُكَ وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ : لَا إِمْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ ، وَاحْمِلِ النَّاسَ عَلَى مَا قَالَ فَإِنَّهُ هُوَ الْأَمْرُ" ، فَلَمْ يَتَقَصَّدْ معاوية المخالفة وإنما استعمل الرأي في موضع لا يُعْتَبَرُ ، فالرأي إن خالف الوحي هدر ، وإن كان صاحبه أعلم الناس بالدين وأعظمهم فضلا وَبِرًّا ، فغاية الأمر أن يعتذر عمن له سابقة في الدين تعظم ، فقد حكم فاجتهد في الحكم بما يرى أنه الحق وإن لم يكن كذلك في نفس الأمر فَلَهُ الأجر دون الأجرين ، وذلك أمر لا يطلق في كل اجتهاد أو فتوى ، فقد يُفْتِي من لا سابقة له في علم ولا فضل ، بل يكون موضع اتهام في دينه أو علمه ، فهو ناقص العدالة أو عظيم الجهالة وإن قصد خيرا ، فلا يفتي في الدين إلا من جمع الوصفين ، العدالة والعلم ، فعدالة بلا علم : قصدٌ حسن في موضع لا ينفع فيه بل يضر ، كما تقدم في نوازل الإنكار فقد يكون ثم من حسن القصد ما يعتبر ، ولكن صاحبه يجهل الفتوى ، أو يجهل ما يحتف بها من قرائن في الخارج فلا يحسن يقدر الأمور حق قدرها بل يتخيل من الوهم ما به يُثَبِّتُ نفسه وَيُثَبِّتُ من حوله بلا استيفاء للأسباب التي بها يدفع وينكر فليس له منها ما يغير أو يوقع بالخصم نكاية تعتبر يغتفر لأجلها ما قد يقع من مفسدة ، فلا يكون الأمر إلا سوء تقدير فضلا أن يكون ثم دخن في الباعث فيكون ثَمَّ مِنْ حَظِّ النفس ما يخفى ، فيكون ثم جهل عظيم في الفتوى في مواضع تعم بها البلوى ، فالأولى أن يجتهد في استيفاء الأسباب قبل أن يقدم على أمر يعم به البلاء ، فإن لم يُطِقْ فلا يكلف ما لا يطاق فَلَهُ في مراتب الإنكار فسحة أن يغادر رتبة إلى أخرى دونها فإن لم يطق إنكارا باليد فَلَهُ فسحة أن ينكر بالقول فَيُبَيِّنَ الباطل ويحذر الناس منه ، فإن لم يطق فَلَهُ فسحة أن ينكر بقلبه وإن عجز عن الإنكار باليد واللسان فحسبه آنذاك أن يغضب لله ، جل وعلا ، غضبة صدق ، وأن يَتَمَعَّرَ وجهه إذ لم يطق نكيرا ، فكان من كان من السلف يَبُولُ الدم قهرا إن وقع منكر ولم يطق له تغييرا ! ، وهو ، مع ذلك ، يعقد نية الجزم إن وجد فسحة أن ينكر باللسان أو اليد : أن يُبَادِرَ فلا يَتَأَخَّرَ على وجه يدق فيه النظر ، فكل أولئك من مسائل الاجتهاد في تحقيق المناط في الخارج ، فَثَمَّ قدر يزيد في الفتوى على درك الحلال والحرام المجرد ، فقد يُحْسِنُ استنباط الحكم وتخريج مناطه ، ولا يُحْسِنُ تحقيقه في الخارج أن لم يكن له من الإحاطة بالقرائن في الخارج ما يجعل الفتوى تخرج على حد العدل فلا تجاوزه بزيادة أو نقص ، والأمر ، من وجه آخر ، يختلف من رءوس الناس إلى آحادهم ، فرءوس الناس في الفتوى تعظم بفتواهم البلوى ما لا تعظم بفتوى آحاد الناس لا سيما في مواضع لا تخلو من مناجزة الباطل باليد واللسان ، فلئن استحضر الآحاد من نوايا المدافعة والإنكار ما يحمد فالتبعة فيه على واحد ، فلا يتحمل جَرِيرَةَ غيره ، فقد يجتهد مع قصور في النظر فلا يدرك قدر النازلة في الخارج ، بل قد يستخف بها فيظنها بلا كلفة ! ، أو بكلفة يسيرة مع ما فيها من بلوى عامة تجاوز الآحاد إلى جماعة الحق أو أخرى هي أقرب إلى الحق في مسائل يختلف فيها النظر ، كمواضع فتنة كفتنة الجمل وصفين ، ففيها طائفة أدنى إلى الحق كما قد قال صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولا يقاس عليها بداهة ما يكون في أحوال أخرى من مواضع يظهر فيها الحق يقينا فلا يشتبه ، وإنما الإشكال في الخصم فهو على الباطل المحض وهو ، مع ذلك ، لا يَتَوَرَّعُ أن يفسد ويسفك فلا يدري أحكام القتال ، ولو توهم أنه يقاتل بغاة فَلَيْتَهُ يُنَزِّلُ خصومَه مَنْزِلَةَ البغاة في الشرع كما أَنْزَلَهُم علي ، رضي الله عنه ، ولكنه لا يحسن إلا القتل والاستئصال فيعظم بَغْيُهُ على الأديان والأبدان ، وإن زعم من يفتيه ويحاجِجُ عنه ! أنه يقاتل الخوارج البغاة فقتالهم يوجب لصاحبه الجنة ويوجب للمقتول النار فليس إلا كلبا من كلابها إذ عظم فيه الشر فهو من شرار الخلق إن لم يكن شرهم جميعا وهو نتن الريح فلا يسلم أحد من ريحه إلا بقتله ودفنه ! .
فالآحاد في مثل هذه النوازل لا تجاوز فتواهم صحت أو بطلت ، لا تجاوز نفوسهم فكل يجتهد بقدر ما يفقه ويطيق فيترجح عنده أن ينكر أو يمسك إن رأى أنه لا يطيق على وجه صحيح لا يتذرع فيه بالرخص نكولا عن العزائم في مواضع يطيق فيها الحكم ، فالأمر ، كما تقدم ، حق بين تفريط يستجيز صاحبه القعود تذرعا بالرخصة في غير موضعها فقد صارت حجابا بينه وبين أي حق يطيقه فلا يأمن الفتنة ! ، فالأمر حق بين تفريط وإفراط فتكون زيادة لا يعتبر صاحبها المفاسد فيهجم في الفتوى بِحَمِيَّةٍ لِلْحَقِّ تُحْمَدُ ولكنها لم تشفع بقدر من العلم يلجمها فيكون الغلو الذي يفضي إلى مفسدة معتبرة ، أو الجهل الذي يخالف عن سنن الكون في تحصيل الأسباب ، فتعظم المفسدة بفتوى كهذه لا سيما إن كانت من رأس متبوع له من الأنصار كثير ، وفيهم من الخير قدر عظيم ، فهو مظنة الخير والحق ، فلا يكون من الفقه والورع إيقاعهم في حرج يعظم فلا سبب به يدفعون عن أنفسهم حر السيف والأسر والهتك ، ولا يطيق من يفتيهم بعد ذلك إلا أن يعتذر ! ، فليته يُقِرُّ بالخطإ ، وإن أَقَرَّ فَذَرًّا للرماد في العيون كما يعتذر بعض خصوم الدين ، مع القدر الفارق بداهة ! ، كما يعتذر بعض أولئك في نُصْحٍ يغشون به الناس ، فإذا وقعت الواقعة اعتذروا فكانوا كمن يتقصد إلقاء حجر على رأس غيره ، ثم يُبَادِرُ إلى الاعتذار فلم يكن يقصد قتله ! ، والذم يعظم بقدر ما يكون من الفتوى من العموم ، وعلى قدر من يفتي بها فلا تستوي فتوى فَرْدٍ لا سيما إن أفتى نفسه فخرج ينكر بيد أو لسان في موضع لا يُوَافِقُ فيه مقصد الشرع في باب المصالح والمفاسد ، فلا تستوي فَتْوَى فَرْدٍ في خاصة نفسه ، وفتوى أخرى تحرك من الجموع ما يعسر ضبطه إذا وقع الشر وعظمت المفسدة بالقتل والهتك مع عجزه أن يدفع الظالم ويقتص للمظلوم فلئن لم يكن ثم سبب معتبر ولئن لم تكن ثم نكاية تعظم في الخصم تجاوز نكاية الدعاية بإبراز المظالم لعل الناس يشفقون ، فذلك ، أيضا ، من جملة ما تُخْدَعُ به النفوس أن الدنيا تُقَدِّرُهُم حق قَدْرِهِم وأن العالم يتابع أخبارهم ويتحرك لأجلهم ..... إلخ من العواطف التي إن صدق أصحابها فهي تَتَحَطَّمُ على صخرة المصالح في إطار محكم لا شفقة فيه ولا رحمة ! ، فيكون الإجهاز على الضحية بسرعة ، فالعالم يخجل في أحيان أن يخالف عما يزعم انتحاله من القيم ، أن يخالف عنها صراحة ، فهو يغض الطرف قصدا ، فيتظاهر بالغفلة حتى تَنْتَهِيَ المقتلة ، ثم ينكرها على رِسْلِهِ ! ، فليس في عجلة من أمره لا سيما وله في الأمر من المصالح ما يعظم ، إن في الفكر أو في السياسة أو في الاقتصاد ، فليس حكما من خارج يتسم بالحياد وإن تظاهر بذلك ، فالأمر ، كما تقدم ، بين إفراط وتفريط ولا تخلو حال من يرى الظلم ويقره ، ولو محبة في القلب لا يخلو من نقص يدخله في عموم الذم في الآية : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) ، فَلَئِنْ لم يطق الإنكار على الظالم والفاسق باليد فدونه الإنكار باللسان ، ودونهما الإنكار بالقلب صيانة لأصل الإيمان أن ينقض ، فلا يكون في القلب إيمان وصاحبه يفرح ويسر إن نقص الدين وَأُضِيرَ أهلُه فذلك مئنة من بغض في القلب على قاعدة دين فهو يبغض الدين ومن يَنْتَسِبُ إليه ، صحت النسبة أو كان فيها نظر ، فلا يطيق ظهور الدين ولو في هدي ظاهر فَيُسَاءُ إذا كان للدين مظهر فضلا أن يكون له من الحكم ما يلزم ، وإن كان ثم تأويل يرفع عنه هذا الحكم أن كان ممن اغتر بزخرف القول غرورا فذلك لا يرفع عنه الإثم إذ أصغى إلى أهل الباطل ، ولم يستمع لحجة المخالف ولم يستفت قلبا متجردا فَلَوِ استفتاه لعلم الحق من الباطل ، وإنما سَكَّنَ قلبه بمخدر دعاية تسوغ القتل والسفك ، وراح يحاجِجُ عن القاتل ، فالمقتول هو الذي خرج إلى حتفه ، وذلك ما احتج به معاوية ، رضي الله عنه ، في تأويل فاسد ظاهر الفساد ، فَلَمَّا قُتِلَ عمار ، رضي الله عنه ، فَعُلِمَتِ الفئة الباغية تحرج معاوية فَزَعَمَ أن من قتله هو من أخرجه ، فكان من رد علي ، رضي الله عنه ، ما أفحم ، فرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد قتل حمزة إذ خرج به يوم أحد ! ، وكذا يقال في نازلة كربلاء إذ قتل الحسين ، رضي الله عنه ، شهيدا ، فقد اجتهد أن ينكر على الظالم باليد وإن غَرَّهُ أهل العراق ببيعة آلاف انفضوا حال النِّزَالِ ، فظن أن ثم مكنة مع أمن المفسدة فَلَهُ من الرجال والسلاح ما يحسم مادة الشر في بَيْعَةِ يزيد وإن كان من أهل الولاية ، فقد حجرت هذه البيعة على الأمة حقَّها أن تختار من يحكمها ، وَسَنَّتْ سُنَّةَ الملْكِ العضوض فانتهت بها خلافة الرشاد وملك الرحمة زمن معاوية أن كان من إجماع الناس عليه ما سكن النفوس وجعلها ترضى بعد ما كان من الفتنة والبغي في الجمل وصفين ، فكان من تَنَازُلِ الحسنِ ما حسم هذه الفتنة فَنَزَلَ عنها وبيده جماجم العرب ولكنه ضَنَّ بها أن تضرب في قتال المسلمين فَخَيْرٌ لَهَا أن تُضْرَبَ في جهاد الكافرين ، فلم يكن الحسين ، رضي الله عنه ، ممن تلزمه بيعة يزيد وإنما بايع معاوية ما وافق الكتاب والسنة فلما خالفهما في أمر العهد والولاية ، وإن كان له من التأويل وجه فهو مرجوح لا يصح ، فلما خالفهما لم ينقض الحسين بَيْعَتَهُ ولكنه لم يعقدها في المقابل لابنه يزيد ، فقد بايعه وحده فلما مات صار حلا من أمر لم يعهد في خلافة الرشد فلم تكن كسروية أو قيصرية ، وإنما كانت راشدة تعمل بالشورى حقيقة لا دعوى ، فخرج الحسين ينكر هذا الظلم وإن لم يبلغ حد الكفر ، وبه استدل بعض أهل العلم أن الخروج على الظالم واجب فلا يشترط كفره لإيجاب الخروج عليه ، وأنكر على من ادعى إجماع السلف على حرمة ذلك فلازمه أن الحسين قد نقض إجماعا يفيد القطع ، فهو إجماع السلف الذي ينضبط فيضاهي الكتاب والسنة في الحجية وإن كان بعدهما في الرتبة ، وذلك أمر قد يلزم منه الحكم بكفر صاحبه إذ نقض إجماعا قد تواتر في السلف فضبطه يسير قبل انتشار المفتين في الأمصار ، ولا يقول بذلك إلا جاهل أو غَالٍ في النصب والعداوة لآل البيت ، رضي الله عنهم ، بل النواصب لم يكفروا أهل البيت وإن أبغضوهم ولعنوهم ، فذلك قول ظاهر الفساد ، فليس الأمر إلا اجتهادا في إنكار منكر قد ظهر وانعقد فاجتهد الحسين ، وهو لذلك أهل ، أن ينكره وغلب على ظَنِّهِ أن السبب حاصل وأن المفسدة مأمونة وإن لم يكن الأمر كذلك ، فقد نقض أهل العراق البيعة ، فكان اجتهاد الحسين أن يرجع إذ الفتوى ، كما تقدم ، لا تجرد من القرائن التي تحتف بها من خارج ، فكان ثم من القرينة ابتداء ما رجح الخروج ، ثم كان من القرينة بعد ذلك إذ انفض الجمع فلم يكن ثم سبب ولم تؤمن المفسدة فليس ثم قوة بِهَا يُنَاجِزُ إلا أهل بيته ، فكان من القرينة بعد ذلك ما رجح الرجوع ، ثم كان الاجتهاد الثالث أن يقاتل ذبا عن نفسه وأهله إذ ظلم ، فأبى أن يَنْزِلَ على حكم المشئوم عبيد الله بن زياد ، فتلك خطة خسف تأباها النفوس الشريفة فكيف بِنَفْسِ كنفس الحفيد الخارج من دوحة الرسالة الخاتمة وبيت الخلافة الراشدة ، فلا يقول عاقل إن الحسين هو من قتل نفسه إذ خرج ينكر على الظالم فما أخرجه ؟! ، فذلك أمر يلزم كل من سَكَّنَ نفسه في نوازل يُظْلَمُ فيها أهل الحق وينتقص من دينهم وأبدانهم وأعراضهم وأموالهم ، فيسكن النفس أن ما أخرجهم ؟! ، وقد يكون ثم وجه يعتبر في هذا الباب ، وهو أن كل أولئك إنما خرجوا وقد أعدوا للأمر عدته فخرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم أحد وقد أعد الجيش فلم يخرج بالورود وإن قوبل بالبارود ! ، كما يقول بعض المعاصرين في نقض صريح لسنة التكوين التي تقضي أن يبذل السبب فإن لم يطق أو كان ثم شر وفساد عظيم ، فالرجوع آنذاك يجب ، فإذا عدمت النكاية في الخصم أو ضعفت وجب الانهزام ، كما ذكر بعض المحققين من فقهاء المقاصد ، فوجب آنذاك الانهزام لا انهزام الفكر أن تفارق النفس الحق وَتَتَحَوَّلَ عنه إلى الباطل كما يقع لبعض من يخذل في مثل هذه النوازل فيظن أن الحق باطل إذ هزم أهل الحق في جولة ، فلا ينظر أوافقوا الحق كله أم خالفوا عنه ولو في موضع يسير كما كان من الرماة يوم أحد ، فـ : (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) ، فإن لم تداهن السنة الكونية خير طباق البرية بعد الأنبياء والمرسلين ، عليهم السلام ، أتداهن غيرهم إن خالفوا عن الحق أو خالفوا عن أمر الشرع باستيفاء الأسباب ما أطاق أهل الحق ، وليست الورود سببا جرت به العادة في مقابلة البارود ! ، وإنما ذلك قياس عجيب لا يخلو من ركون إلى العبيد أن يُنْصِفُوا المظلوم ولا عاقل يرجو من الناس شيئا فهم أتباع المصالح من وجه ، وأتباع القوي المنتصر من آخر ، فَمَنْ لم يخضع له طوعا خضع كرها فأقر ما صنع بل وأشاد به ومدح إذ استنقذ البلاد والعباد من الفتنة وضرب بِيَدٍ من حديد الفئة الضالة المندسة ! .
وكذلك صنع علي ، رضي الله عنه ، فلم يخرج بعمار لحتفه وإنما خرج به لقتال الفئة الباغية فخرج بجيش عظيم قد استوفى الأسباب ، ولم يكن منها الورود بداهة فذلك جمال لا يليق بِمَوَاضِعِ الجلال ! .

وخرج الحسين ، رضي الله عنه ، وقد غلب على ظنه استيفاء السبب فلما تَبَيَّنَ له خلاف ذلك رجع عن اجتهاده الأول فَرَامَ الرجوع ثم كان اجتهاده المتقدم ألا يدخل في حكم المشئوم ابن زياد ، فكان قتله شهيدا يحمد إذ دَفَعَ الصائل عن نفسه وأهله ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، أمر يدق والحق فيه لطيف يخفى فهو فضيلة بين رذيلة الإفراط والزيادة عاطفة لا يلجمها العقل الذي يحسن ينظر في النوازل ، والتفريط بما يكون من جبن وتقاعس بذريعة الاعتبار للمصالح والمفاسد وإن متوهمة فقد قعد من قعد في تبوك واعتبر ما لا يعتبر من المفاسد ، فـ : (مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) ، فتذرع بذلك ليبرر قعوده وتخاذله .

فالإنكار ، وهو محل شاهد تقدم ، مما تَتَفَاوَتُ فيه الأحكام ، فإن كان سرا كان الإنكار نصحا في السر لا سيما إن كان ثم وجه مصلحة معتبر فقد يكون الإعلان بالإنكار في موضع لم تعم به البلوى ، قد يكون فضيحة ، كما يقال في المثل الدارج : النصيحة على رءوس الملإ فضيحة ، فكيف بالإنكار وفيه من الزجر ما ليس في النصيحة على وجه ينتقص من قدر المنكَر عليه فلا يزداد إلا كبرا وعنادا لما يحصل في صدره من الحقد والعداوة ، ويعظم الخطب إن كان من يناصح ذا ولاية عامة ، فإن بادر المنكِر فأنكر في العلن لم يَزْدَدْ صاحب الولاية إلا إصرارا واستكبارا ، وقد يكون ذا فضل ونباهة ذكر فيكون الإنكار عليه في العلن حطا من قدره ، وإغراء للسفهاء على سبه وشتمه ، فضلا عن قتاله وحربه ، وذلك ما حمل عليه إنكار فضلاء الصحابة على عثمان ، رضي الله عنه ، أمورا رأوها في خلافته من تولية بعض قراباته .... إلخ ، فله في الإسلام سابقة تجعل مناصحته في السر ولو إنكارا ، تجعلها أولى وأرجح فلا يهدر قدر الفاضل ولا يُنْتَقَصُ من مقامه أن أنكر عليه الناس أمرا في سياسة أو حرب ، وذلك ، بداهة ، مما يخالف عن حال ملوكٍ وأئمةٍ عظم فسادهم وإفسادهم فجاوز فسقهم الذوات إلى الأغيار بل جاوزها إلى الناس جميعا فلم يسلم من شؤمه أحد ، وليس لهم من حشمة الحكم الراشد ما يحول دون القول الزاجر ، لا سيما وقد عهد منهم عدم الإصغاء لمن يروم النصح سرا ، بل لا يزيدهم ذلك إلا كبرا وقمعا ، وزد عليه ما كان من استعلانهم بمنكرات جسام في السياسة والحرب فضلا عن منكرات في الأخلاق والعوائد ، فقد جمعوا خصال الشر جميعا ، في ذواتهم ديانة وأخلاقا ، وفي غيرهم سياسة وأحكاما ، وليسوا ممن يُرْجَى نصحه ، فلا يزيدهم ذلك إلا ظلما واستبدادا إذ يرون لهم من العصمة ما يجعل الإنكار عليهم كبيرة ففيهم يصدق قول رب الخليقة جل وعلا : (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) ، فقيدت العزة بالحال "بالإثم" ، فليست عزة من يستعلي بالحق ، وجاء القول أن : (اتَّقِ اللَّهَ) ، جاء خاصا يراد به معنى أعم ، وهو الإنكار بأي قول ، وإنما ذكر الأمر بالتقوى فهو أولى إذ هو مناط الخير كله وغاية الدنيا من القول والعمل ، فهو الجامع الذي يعصم صاحبه من الظلم والفسق ، وقد حُدَّ الشرط حَدَّ الكثرة ، فـ : "إذا" مئنة من كَثْرَةِ الوقوعِ ، كما يقول أهل اللسان والبلاغة ، فضلا عن إسناد الفعل "قيل" لِمَا لم يسم فاعله فذلك آكد في الذم فلا يستمعون إلى نصح ناصح ، جليلا كان أو حقيرا ، فكانت حال العزة آثما ، فلا يُرْجَى مِنْ نصح أولئك ما يُرْجَى مِنْ نصح عثمان ، رضي الله عنه ، فثم توسع في الاستدلال ، وتنزيل لمناط الحكم في غير محله ، مع رد نصوص أخرى أكثرَ ، فيها الإنكار عَلَنًا لا سيما إن ظهر أَثَرُ ما يُنْكَرُ فصار علنا قد عمت به البلوى ، فلا يرده إلا إعلان يضاهيه في الإنكار والإبطال له ، وإن فتوى كفتوى معاوية ، رضي الله عنه ، على المنبر ، فأنكر عبادة ، رضي الله عنه ، كما تقدم ، بل وأغلظ في النكير ، فـ : "أُمُّكَ هِنْدٌ أَعْلَمُ مِنْكَ" ، فإذا ظهر الفساد ولم يستتر صاحبه صار الإنكار في السر ضربا من العبث ، فخرج المستعلن بفسوقه وعصيانه من حد العموم في قول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ" ، خرج بالاستثناء : "إِلَّا المُجَاهِرِينَ" ، والأمة في هذا السياق تحمل على أمة الإجابة بقرينة العافية فلا تكون بداهة لأفراد من أمة الدعوة جاءهم البلاغ والبيان فلم يؤمنوا ، فهم من أمة الدعوة الأعم وليسوا من أمة الإجابة الأخص فبينهما عموم وخصوص مطلق فكل من دخل في أمة الإجابة دخل في أمة الدعوة ، ولا عكس ، فثم من أمة الدعوة الأعم من كفر فلم يدخل في أمة الدعوة الأخص ، وقد يقال ، من وجه آخر ، بنوع عافية يحصل للكافر المستتر بعداوته للدين فهو يظهر الكفر فليس منافقا يظهر الإيمان إذ استتاره في هذه الحال أشد قبحا من استعلان الكافر الأصلي بكفره لا على وجه يستعلن فيه بعداوة تزيد ، بل قد يكون من المعاهدين أو أهل الذمة فَلَهُمْ من البر ما ليس للمحارب ، فهم معافون من هذا الوجه أن لم يجهروا بالعداوة فيعافون ما لا يعافى الكافر الحربي ، وإن كانا جميعا في الآخرة من الهالكين ، بل قد يحصل للكافر المسالِم من العافية من عذاب أشد يطال الكافر الحربي الذي استعلن بعداوته مع خلودهما جميعا في النار فإنها على دركات ، فذلك وجه يجوز معه حمل الإضافة في "أمتي" على عموم يستغرق أمة الدعوة جميعا .

فإن لم يطق الناظر أن ينكر باليد ، أو أطاق ولم يأمن المفسدة ، فَثَمَّ إنكار اللسان ، فإن حُجِبَ ، ولو كَلِمًا يسطر ، كان الإنكار بالقلب ، وتلك آخر درجات الإنكار فليس وراءها مثقال حبة من إيمان ، فإذا اطمأنت النفس بالفحش فقد خالفت عن النقل والعقل والطبع وحصل لها من الانتكاس ما يعظم ، فقد فسد التصور حتى صارت الإرادة الحاصلة منه أن تذيع الفواحش فيستعلن الناس بها فهو يُهَوِّنُ عليهم أمرها إذ تذهب المروءة شيئا فشيئا ، حتى ينقلب الأمر فيصير على ضده ، فيكون من استعف وتطهر محل ذم وَتَنَقُّصٍ ، كما قال القوم في موضع آخر من التنزيل في قوله تعالى : (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) ، فلم يطق الخليل عليه السلام في بعض أحواله ، لم يُطِقْ إلا الاعتزال ، فـ : (أَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) ، فإذ لم يطق تغيير المنكر فحسبه أن اعتزله وفارقه ببدنه فإن أُكْرِهَ أن يحضر بالبدن فليس إلا أن يفارق ويعتزل بالقلب ، فَيَعْتَزِلَ العابدَ والمعبودَ فَيَبْرَأَ منهما جميعا ، وكذلك كانت حال لوط ، عليه السلام ، فلم يطق إنكارا باليد أن لم يكن منهم فما كانت له فيهم شوكة ، فـ : (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) ، فكان الركن الشديد أن أنجاه رب العبيد ، جل وعلا ، من القرية التي كانت تعمل الخبائث ، وهو ما ينصرف ابتداء إلى إتيان الرجال ، وقد أطنب في بيانه في مواضع من التنزيل كما تقدم في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) ، فأطنب بأخبار ثلاثة ، فإتيان بالفاحشة ، ودلالة "أل" من هذا الوجه دلالة العهد الخاص ، فهي فاحشة استجمعت ، كما تقدم ، معاني الفحش جميعا ، فجاء النصب على تقدير العامل المحذوف في قوله تعالى : (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) ، فـ : اذكر لوطا ، وجاء التقييد بالظرف : (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ) ، فذلك محل الاعتبار وبعده كان التبليغ لقومه فتلك دلالة اللام في "لقومه" ثم كان الْمَقُولُ المؤكَّد في قوله تعالى : (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ) ، فثم توكيد بالناسخ المؤكد "إن" ، واسمية الجملة فضلا عن اللام المزحلقة في "لتأتون" ، فهي لام ابتداء أُخِّرَتْ في اللفظ لئلا يُفْتَتَحَ الكلام بمؤكدين فَيَثْقُلَ في النطق فكان من تحسين اللفظ أن تؤخر اللام في "لتأتون" ، ولا تخلو المضارعة ، كما تقدم ، من دلالة استحضار للصورة إمعانا في النكاية وَتَبْشِيعًا للجناية وتسجيلا لها فهي مما اطرد من حالهم ، وجاء الإطناب بما يزيد الذم ، فـ : (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) ، فما تقدمهم أحد في هذا الجرم فكان لهم نصيب آخر من الوزر إذ كانوا أول من سن هذه السنة السيئة فعليهم وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا كما على ابن آدم الأول كفل من دم كل قتيل أن كان أول من سن القتل في بني آدم بقتل أخيه ، فإتيان الفاحشة قد أطنب ثم فسر بأخبار ثلاثة ، كما تقدم ، فكان إتيان الرجال ، وقد أطنب بجمل من المؤكدات في قوله تعالى : (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) ، فلا يخلو الاستفهام من إنكار وتوبيخ ، وبعده جاء المؤكد الناسخ "إِنَّ" ، وزد عليه اسمية الجملة ، ولام التوكيد التي زحلقت فدخلت على الخبر المضارع "لتأتون" ، ولا تخلو المضارعة من استحضار لصورة الفعل في سياق التنفير والذم ، وهي ، من وجه آخر ، مئنة من ديمومة الفعل ، فذلك جرم تواتر فيهم ، حتى صار عرفا جماعة لا ينكر ، بل صار الإنكار يتوجه إلى من نصح وأنكر ، فكان من تسجيل الجناية أن عُطِفَ آخِرَ البيان : (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) ، والعطف جار على حد التماثل فعطف مضارعا على آخر ، ولا يخلو ذلك ، أيضا ، من تسجيل للجناية ، فقد صار ذلك مما داوم عليه القوم في ناديهم ، وبينهما كان قطع السبيل ، فـ : (تَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) ، فكانوا يترصدون المسافر ، فعظم إفسادهم إذ جاوز أنفسهم إلى غيرهم ، وتلك حال الشهوة التي تسكر العقل بلذة توهم ! ، فلا يرى صاحبها غاية إلا قضاء الوطر وإن عدوانا على غيره ، فكان من المنة السابغة منة الحكم والعلم نبوة ، فـ : (لُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) ، فكان الإطناب بتكرار العامل على حد الاشتغال ، وكان فعل الإيتاء الذي لا يقبل الرد ، وذلك آكد قي تقرير المعنى وتوكيده ، وحسن في موضع المنة أن يسند إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، وكان الإطناب بالنجاة ، فـ : (نَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ) ، والفعل "نَجَّى" آكد من فعل الإنجاء ، إذ التضعيف مما يزيد في المعنى فرعا على إطناب يضاهيه في المعنى فكأن الله ، جل وعلا ، قد نجاه مرة بعد أخرى ، وقد أسند ، أيضا ، إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، فضلا عن استواء في أطراف الكلام ، فأسند كلا الفعلين "آتيناه" و "نجيناه" إلى ضمير الفاعلين ، ومن ثم كان الإطناب آخر الآية على حد الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال إذ ذلك يجري مجرى الإطناب بالعلة عقيب المعلول ، فهو جواب سؤال عن علة ما تقدم ، قد دل عليه السياق اقتضاء فما العلة أن نجاه الرب ، جل وعلا ، منهم ؟! ، فجاء الجواب : (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ) ، ولا يخلو السياق من جمل من المؤكدات عهدت في مثل هذه المواضع ، فكان التوكيد بالناسخ "إِنَّ" واسمية الجملة إذ لا تدخل "إِنَّ" إلا على الجملة الاسمية ، سواء أكانت المثقلة أم المخففة فهي من الحروف المختصة ، والاختصاص مظنة العمل ، كما قال أهل الشأن ، فعملت النصب في اسمها ، وجاء الخبر كينونة ماضية في قوله تعالى : (كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ) ، وهي آكد في تقرير المعنى إذ دلت على ديمومة اتصاف فكان السوء والفسق وصفَهم المطرد وهو ما حسن معه ، من وجه آخر ، الختام بوصف الفسق صفة مشبهة فهي مما يلازم الذات الموصوفة إذ هي مئنة من الثبوت والديمومة ، ولا يخلو السياق من دلالة تغليب فعم النساء وإن لم يقارفن جنايةَ الذكور ، فقد أقررن ذلك ، والإقرار كالفعل ، على تفصيل في ذلك ، فضلا أنهن كما في الأثر قد نكسن الفطرة فاكتفين بعضهن ببعض كما اكتفى الرجال بعضهم ببعض ، فكان جنس الجناية واحدا وكانت العقوبة واحدة على وجه لم يخل من حكمة فكان الخسف للأبدان أَنْ نَكَسَ القوم في الأديان والأخلاق والجرم الذي خالف عن بدائه الفطرة والجبلة .

والله أعلى وأعلم .