اعرض النتائج 1 من 1 إلى 1

الموضوع: باكستان والحرب العالمية

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:أمس
    الساعة:02:33 PM

    المشاركات
    4,704
    العمر
    39

    باكستان والحرب العالمية

    وبعد سنين من الحرب التي خرجت عن حد السيطرة ، ومع ما اكتنفها من توازنات قوى على الأرض ، وأخرى في فضاء السياسة ، مع تجاذبات الساسة في الأروقة تبعا لما يحققه كل فصيل على الأرض ، ومع اتساع النطاق إذ اتسع الخرق على الراتق وانتقل الأمر من دائرته المحلية الصغرى إلى أخرى دولية وكان الإقليم كالعادة مقاولا أو متعهدا من الباطن ، فهو الذي تعهد بإتمام الصفقة للمستثمر الأكبر نظير ما يبذله هذا المستثمر من وعود لا أكثر ! ، فكلمته تُشْتَرَى بالمليارات ، فهو يتعهد بحماية الإقليم وإن شئت الدقة فقل يتعهد بحماية الأنظمة الحاكمة في الإقليم ، وذلك تعهد تاريخي ، وإن بدأ يتحول إلى دعاية أكثر منه رعاية فصارت أبوة السياسة أبوة اعتبارية ترتكز إلى إرث تاريخي من الاستعمار المباشر وغير المباشر ، وإرث آخر من التآمر في اتفاقيات تترى عقدتها بريطانيا مع دول المنطقة كلها تَقْرِيبًا فكان التخطيط لما بعد الاستعمار المباشر وكان توزيع التركة والغنائم وبناء الدول ، ولو هياكل أفرغت من المضمون السياسي ، وهي الآن تفرغ من المضمون الاقتصادي في إطار مشروع استعمار ماكر يصير الدول آخر أمرها هياكل وظيفية تمنح عقود الإعمار إلى الشركات عابرة القارات التي صارت تباشر جميع المهام ، الأمنية والإنشائية والصحية .... إلخ ففي كل بلد بعد صدمة الغزو الصلب يظهر ، كما يقول بعض الباحثين ، ما صار يعرف بالمنطقة الخضراء ، منطقة الساسة ورجال الأعمال الذين يتعاقدون مع شركات الأمن الخاص لتوفير حماية خاصة لا يحظى بها العامة ، فتلك خدمة الخاصة أصحاب الحظوة والرتب الرفيعة في السياسة والحرب والاقتصاد ، في ظل تقاعس الأمن العام عن أداء وظيفته فيكون الفتور المتعمد في أحيان ، فضلا أنه سمت يغلب على كوادر المؤسسات العامة وهم يرون الامتيازات التي يحصل عليها زملاؤهم في البلطجة ، سواء أكانوا رسميين أم من المواهب الخارجة عن القانون من مبدأ الأمر ! ، فأولئك كوادر تحرص عليها شركات الأمن الخاص ، لا سيما الكوادر التي لها خبرة كبيرة في مؤسسات الدولة الرسمية ، فيظهر اصطلاح الخبير الأمني السابق الذي تَسْعَى الدول والحكومات أن تَتَعَاقَدَ معه لِيَضَعَ لَهَا خريطة الأمن ، وإن شئت الدقة فَقُلْ ، سياسة القمع ، فإذا رأى الكادر الذي يعمل في الجهاز الأمني العام إذا رأى زميله في الإجرام يتقاضى آلافا فضلا أن يتقاضى بالعملة الصلبة ، ولو مرتزقا ، فلم يعد الاسم يحرج صاحبه ، لا سيما وقد سعت بعض الشركات الكبرى أن تزيل هذه الوصمة فسميت الخمر بغير اسمها إذ سمي المرتزق عنصرا أو موظفا في الشركات الأمنية الخاصة ، فبعضهم شارك في حروب كما في العراق وهي التجربة الأبرز في منطقة الشرق الأوسط ، فكان لشركات كشركة بلاكووتر وهاليبيرتون ، كان لهما دور رئيس في معارك ميدانية فجاوزا حد الحراسة الخاصة مع انهيار الجهاز الأمني في البلاد ، فالبديل جاهز وهو يتقاضى راتبه بالعملة الصعبة في بلد انهار اقتصاده وبنيانه ، فكانت إعادة الإعمار كعكة تقتسمها الشركات الخاصة ، على وجه بلغ حد الاتجار في كل شيء ! ، وإن البشر أحياء أو أمواتا ، في إطار نظرية سياسية أخلاقية براجماتية لا تقيم وزنا إلا لقيمة المنفعة المادية ، فتكون صدمة الحرب في الميدان ، وصدمة الاقتصاد الذي يجهز على ما تَبَقَّى من أركان الدولة ، فالحرب تُسْقِطُ المؤسسة العسكرية والأمنية ، ولكن الدولة ، مع ذلك ، وإن استبدت فصارت طاغوتا يهيمن وهو ما قطع حبال المودة بَيْنَهَا وَبَيْنَ الناس ، فهي مع ذلك لا زالت تحتفظ بأوراق قوة فهي التي تسير الشأن العام ، لا سيما الغذاء والدواء وما تمس إليه الحاجة ، فإن العامة لا يَعْنِيهَا إلا كفاية المعاش والأمن ، فلا يَعْنِيهَا كثيرا مؤامرات السياسة والحرب ، فمع عظم تأثيرها في حياة الشعوب ، إلا أنها قد اشتغلت عن ذلك بطلب القوت ، فتنهار الأنظمة السياسية وتستبدل ، ولا يغلق أحد دكانه فهو سبب معاشه الذي يسره له الرب ، جل وعلا ، وإن أنكر ذلك وجحد ! ، فَرَدَّهُ تارة إلى قُوَّتِهِ وَبَرَاعَتِهِ أو أخرى إلى غيره من البشر ، فراح يَغْلُو في شخص حاكم أو رئيس فصيره الزعيم الذي يحفظ الأمن بهيبته ، ويجري الأرزاق من خرائنه ! ، فلولاه لضاعت البلاد وذهبت أدراج الريح أو تحولت إلى دولة فاشلة ، وإن كانت في سلطانه دولة تافهة تابعة ، أو شبه دولة ! ، فطموح الناس في أعصار الاستبداد طموح ضئيل لا يجاوز حد القوت الضروري جدا والحد الأدنى من الأمن وإن كان المقابل مهانة ومذلة وسطوة رجال عصابات يرتدون الزي الرسمي على وجه صيرهم رءوسا في العمل الإجرامي ، فصار لهم من التشكيلات ما يوازي تشكيلات الجريمة المنظمة ، فجاوز الأمر حد التقاسم مع المجموعات الإجرامية ، مع استغلال النفوذ في حراسة الجمهور ، فلا يُحْرَسُ الجمهورُ بلا مقابل بل يجب عليه الدفع مقدما ، فصار رجل الأمن لا سيما من رُفِّعَ في رتب الجندية ، صار يتجر باسمه في سوق الجريمة وكلما علت رتبته كان نفوذه أكبر أن يعيد المسروق فيخشاه السارق الصغير ، والسارق الكبير يُنَسِّقُ معه باستمرار ، فيعطيه تارة نسبة من المسروق ، ويمارس رجل الأمن عليه تارة من الضغوط ما يسترجع به المسروق ويرجعه إلى صاحبه نظير إتاوة وإن سميت حلاوة ! ، وإذا اختلف اللصوص ظهر المسروق فإذا قتل رجل أمن في ظرف غامض ولم يكن ثم سبيل أن ينسب قَتْلُهُ إلى الإرهاب الأسود ليحظى بلقب شهيد الوطن ، فإذا كان ذلك ثم ظهر فساد المقتول والقاتل ، وَأَنَّهُمَا شريكان في جريمة منظمة تَتَقَاسَمُ أَطْرَافُهَا الإتاوات والمسروقات والمنهوبات ، إذا كان ذلك حصل المقتول على لقب شهيد الواجب فقد قُتِلَ وهو يحفظ الأمن ويكافح الجريمة المنظمة التي صار جزءا رئيسا منها بل هو في أحيان كثيرة رأس التشكيل أو محركه الرئيس بما له من نفوذ فمعه شخص اعتباري فاعل ، شخص الدولة التي يمثل جهازها التنفيذي ، فيكرسه لصالحه الشخصي وهو ما اصطلح أن يسمى جرائم استغلال النفوذ واستثماره في عقد صفقات مشبوهة من قبيل غسل الأموال وتوفير الغطاء لتجار السلاح والمخدرات ..... إلخ ، فتجد أولئك الأباطرة دوما في شراكات كبيرة مع رءوس في الجهاز الأمني والعسكري ، كما ظهر في تسجيل مصوَّرٍ نُشِرَ أخيرا يظهر فيه قائد في جيش نظامي وهو يتوسط مجموعة من المهربين ويوصيهم بالجيش خيرا فلا بد أن يعود عليه من نشاطهم شيء ! ، فوراء كل مجرم رجل شرطة وأمن لا يطارده وإنما يخدمه تارة إن كان المجرم رأسا في صَنْعَتِهِ فرجل الأمن دونه لا سيما في دول صار فيها رءوساء العصابات بارونات لهم من الجيوش الخاصة والأموال الطائلة ما يؤثر في قرار الدولة إذ اشترى بها من رجالات الحكم ما وفر له الحصانة ، كما في دول أخرى أكثر أناقة ، فتكون شركات السلاح الخاص ، على سبيل المثال ، وهو نشاط مشروع في دول كأمريكا وأباطرته يُكَافِئُونَ في الدول المتخلفة ! ، يُكَافِئُونَ بارونات الحرب الأهلية ، فتكون هذه الشركات عامل ضغط رئيس بما توفر من تمويل لحملات السياسة رئاسية أو برلمانية ، فترشح من يحفظ مصالحها ويفتح لها أسواقا جديدة ، كما كانت الحال إبان غزو العراق ، فشركة هاليبرتون ، وهي شركة ذات نفس جمهوري جديد فضلا عن يمين نصراني متعصب ، هذه الشركة ، كما يذكر بعض الصحفيين ، تنفق 87% من مِيزَانِيَّتِهَا المرصودة لحملات السياسة في دعم الحزب الجمهوري ، حزب الحرب الذي فتح لها سوق العراق بصدمة حرب أجهزت على الجيش والأمن ، بل وجعلت أحد كوادرها وهو نائب الرئيس ديك تشيني يَتَوَلَّى منصب نائب الرئيس ، وهو في الغالب في إطار النظام السياسي الأمريكي ، هو في الغالب شخصية مغمورة لا دور لها رئيس في اتخاذ القرارات فلا يعدو دورها دور المستشار وربما كانت مشورتها دون مشورة مؤسسات سيادية كأجهزة الاستخبارات والشرطة الفيدرالية ووزارة الخارجية فضلا عن منصب مستشار الأمن القومي وكبير موظفي البيت الأبيض وكبير المخططين الاستراتيجيين ، وما تصدره مراكز البحث ، وليست ، أيضا ، إلا وجها آخر من وجوه التأثير المالي في القرار السياسي فهي مراكز بحث موجه وإن أظهرت التجرد ! ، فتكتب ما تمليه الجهة الداعمة المموِّلة ، فَتُوصِي بما ظاهره مصلحة الوطن ، وباطنه مصلحة الشركة أو جماعة الضغط ، فَتُوصِي باحتلال دول كذا وكذا ، وتقليص دور القطاع العام في دول كذا وكذا ، وممارسة الضغوط على النظام في دولة كذا وكذا لِيُبْدِيَ مرونة في ملف سياسي أو اقتصادي ، ورعاية تيار فكري في دول كذا وكذا ، ومحاولة احتواء تيار آخر وتوظيفه أو شقه إلى شطرين ، معتدل ومتطرف ، ومحاولة مد الجسور مع التيار المعتدل لضرب نظيره المتشدد ، ويكون لمجموعات الوظيفة السياسية في الإقليم المجاور ، يكون لها دور رئيس في رعاية المشروع ، فهي ، كما تقدم ، مقاول أو متعهد من الباطن في عمليات السياسة والحرب القذرة ، فأجهزة الاستخبارات الإقليمية والمحلية تلعب دور الوكيل في هذه الصفقات فتنسج علائق مع التيار أو الحركة المراد اختراقه ، وتفتتح له مكاتب وترسل إليه وسطاء بعضهم حسن النية يروم الوفاق فيتم استثماره في إتمام هذه الصفقة ، صفقة الاحتواء والتدجين ، وبعضهم في المقابل سيئ النية فهو من جملة العناصر الوظيفية المباشرة فيتظاهر بالنصح ويبطن الغش ويجمع الأسرار ويتحسس الأخبار لينقلها إلى جهاز وسيط في المجموع الوظيفي المحلي أو الإقليمي وهو بدوره يجتهد في التحليل والاستنباط فَيُجَوِّدُ بضاعته قبل أن يَبِيعَهَا على صاحب الشركة الرئيس ، فيجتهد مقاول الباطن أن يُجَوِّدَ عمله ليتسلمه مندوب الشركة كاملا بلا نقص ، بل ويزيد فيه إن استطاع ، وربما بلغت به الحال أن يظلم نفسه ويبخس حقه رجاء الحظوة عند صاحب الصفقة الرئيس ، فلا يخلو الأمر من مقابل ، وإن غير مباشر ، فَلَئِنْ بذل من المال والجهد ما يجعله الطرف الخاسر في الصفقة المباشرة ، بل قد يدفع في أحيان مَبَالِغَ طائلة من جيبه في صفقات اقتصادية وعسكرية مباشرة ، فلا تَخْلُو من دعم سياسي ، ولو بكلمة ، فالكلمة من كبير العائلة لها وزن فهي تُزَكِّي بعضا وتذم آخر ، وهي تولي حاكما وتعزل آخر ، وهي تعطي من الشرعية السياسية ما يلهث لأجله من يلهث فمثله كمثل الكلب في الحر القائظ ، فيكون اختراق التنظيمات السياسية والعسكرية بوكلاء معتمدين في الإقليم ، فلهم من التنسيق الباطن مع المركز الحاكم ما يجعلهم وسيط تنفيذ مباشر في هذا العمل الاستخباراتي والميداني الدقيق ، فهم ، كما تقدم ، مقاول الباطن ، حلقة الوصل بين صاحب الصفقة الأعلى ، ومن يباشر على الأرض فهو الذي يتجشم عناء التنفيذ المباشر ، سواء أكان حسن النية يروم الخير ويحصل له من ذلك ما لا يجحده ناظر ، فضلا عما يكتب له في الأرض من حسن الذكر أن رام الخير واجتهد في طلبه وإن أخطأ في مواضع فلا يخلو بشر من خطأ ، وخطأ الفرد ، بداهة ، دون خطأ التنظيم أو الكيان ، لا سيما إن نجح الخصم في اختراق دوائره الفاعلة التي تصدر القرار وتضع الاستراتيجية العامة وتشرف على تنفيذها تنفيذا مباشرا بما لها من خبرة الميدان ، فهي متعهد آخر دون المتعهد الإقليمي ، فالمتعهد المركزي يعطي الصفقة متعهدا إقليميا ، والمتعهد الإقليمي يعطيها آخر محليا ، والمحلي يوزع العمل على مجاميع أصغر ، فَتَتَّسِعُ قاعدة الهرم من الأفراد العاملين على الأرض ، وكثير منهم لا يدرك الحقيقة كاملة ، أو يدرك منها أجزاء فاعلة ولكنه يتأول ذلك في إطار ما اصطلح أن يسمى تقاطع المصالح ، ولا يخلو ، من وجه اعتبار ، ولكن الإشكال فيه ما يكون من تفاوت في ميزان القوى بين التنظيم والنظام ، فالتنظيم لا يضاهي بداهة نظام حكم ، محليا كان أو إقليميا ، فضلا أن يكون خصمه هو النظام الدولي نفسه بما له من نفوذ كبير في فضاءات السياسة والحرب ، فهذا التصميم المعقد لآلة السياسة والحرب يتخطى في الغالب حاجز الفرد ، وفيه من تداخل النوايا ما يعجب الناظر فيه ، كما يتندر بعض الفضلاء في مقال يحمل عنوان دموع جنرالات المخابرات يحكي فيه دموع جنرالات الجيش الباكستاني ، وجنرالات الجهاز الاستخباراتي خاصة ، كالجنرال جيلاني والجنرال محمود فكانا يبكيان من ظلم الجنرال برفيز مشرف فهما يعارضان ما يقوم به من إجراءات فاعلة ضد حركة طالبان المقاومة في بلاد الأفغان ، وكان البكاء بحضرة الملا محمد عمر ، رحمه الله ، ثم كان القرار السري أن تشارك الاستخبارات الباكستانية البكاءة الخاشعة في عملية مشتركة مع الاستخبارات المركزية الأمريكية لقتل الملا عمر وتوجيه ضربة قاصمة للحركة مطلع الغزو في إطار ما اشتهر من سياسة الصدمة التي تشل الخصم وتربكه ، فلم تكن الزياة ، عند التدبر والنظر ، إلا زيارة تجسس لا أكثر ! ، ثم كانت الزياة الثانية لجنرال آخر يدعى عمر ، وكان الغرض أن يقود بعضُ دبلوماسيي الحركة جناحا معتدلا يكافح الجناح المتشدد ! ، كما هي الحال الآن وهو ما أفصح عنه وزير الخارجية الحالي في إطار ما كشف عنه الرئيس ترامب في خطابه الأخير في فِيرْجِينْيَا ، فكان الخطاب الرسمي : لسنا بناة دول ، ولكننا فقط نقتل الإرهابيين وقد أعطى لأجل ذلك صلاحيات واسعة للقواد الميدانيين على الأرض في إطار يحاكي إطار إدارة بوش الابن في التوسع في الاعتقال وأساليب الاستجواب القاسية ، ولعل ما كان من استعمال أم القنابل في إبريل الماضي في ضرب معاقل بعض التنظيمات الإسلامية المسلحة في ننغرهار شرقي بلاد الأفغان ، لعل ذلك مثال على هذه الصلاحيات الواسعة في استخدام آلة الحرب القاتلة للقضاء على الإرهاب الإسلامي وهو ما يتطلب معركة عسكرية قصيرة المدى ، وأخرى فكرية طويلة المدى يتولى كبرها أئمة التجديد في بلاد المسلمين ! ، فالرئيس ترامب يتنصل من أي وعد لإعادة إعمار أو نحوه ، فلن تدفع أمريكا بعد اليوم ، وإنما أمريكا تُنَسِّقُ فقط مع الحلفاء وربما خدعتهم في صفقات من قبيل ما عقده في زيارته الأخيرة إلى المنطقة في مايو الماضي رجاء توفير فرص أعمل أكثر لناخبيه ! ، فأمريكا تحت قيادة ترامب تَرُومُ مشاركة أكبر من الحلفاء في الإنفاق والتسليح والتدريب والحرب المباشرة ، مع ما حملته نبرة الخطاب من تهديد جديد قديم لباكستان ، وأمرها مع أمريكا عجب ، فهي دوما أول من يُهَدَّدُ إذ هي أعظم الأطراف نفوذا في باكستان ، وإن زاحمتها الهند وإيران ، إلا أن لها يدا فاعلة في النشاط العسكري من أيام الجهاد الأفغاني فكانت باكستان مكتب الاستقبال والتدريب والدعم اللوجستي وكان رئيسها يصرح ، والله أعلم بالنية فذلك مشهد آخر اختلطت فيه الأوراق وتعددت فيه الأغراض فقد يكون ثم خير لم يخل من شوب براجماتية تتسم بالواقعية الشديدة في فترة الحرب الباردة ، وهي فترة انقسام حاد ، فمن ليس معنا فهو ضدنا فيصعب على القوى الإقليمية والمحلية أن تسلك جادة الحياد ، ولو في الظاهر ، فهي ، أبدا ، تخضع لقطبي الحرب ، فكان بعض شرقيا وآخر غربيا ، وكان بعض يَتَلَوَّنُ فهو شرقي تارة وغربي أخرى ، كما هي حال أي انتهازي في أي صراع لم تستبن معالمه بعد فيمارس سياسة إمساك العصا من النصف ، فإن رجح طرف سارع بالانتساب إليه ، وإن رجح الآخر ، بعد ذلك ، فلا مانع من تغيير بوصلة الولاء ولو بشكل حاد يثير الاشمئزاز ، لا سيما إن كسي ذلك لحاء أيديولوجيا فنسب زورا إلى قيم الدين أو الأخلاق ، وهي ، لو تجرد صاحبها ، بَرَاءٌ من هذا التَّلَوُّنِ ، فهي قيم ثابتة لا تتغير ، فلم يجد المخالف لها إلا أن ينعتها بالرجعية تارة ، والدوجماتية والأصولية أخرى ، إذ تُؤْمِنُ بالمطلقات ، ولو مجردة في الذهن ، خلافا لمن نهج جادة النسبية فكل شيء في معياره نسبي يحتمل ! ، فلا مطلق إلا المصلحة الخاصة وهي تَتَغَيَّرُ دوما فثابته الرئيس مُتَغَيِّرٌ يَتَفَاوَتُ ! ، ففي الحرب الباردة لم يكن ثم خيار ، فانحازت باكستان إلى المعسكر الغربي ، واكتسى الأمر لحاء الحرب ضد الإلحاد الشيوعي ، وذلك حق لا يحجد ، لا سيما والشيوعية لم تقف على الحياد ، ولم تقصر جهدها أن تمارس ضغوطا ناعمة في السياسة والاقتصاد ، بل استدرجت أن تمارس فعل الحرب الصلب فكان الاحتلال المباشر لأرضٍ شَعْبُهَا لا يجيد فَنًّا سوى القتال ، ويكسوه في أحيان كثيرة لحاء الجهاد ، الكلمة الشرعية ذات البعد الأيديولوجي الصارم الذي يحسم الخيار فليس إلا الحرب فلا مداهنة ولا مصالحة ، وإنما المدافعة والمصابرة التي يعظم فيها الأجر ، وَتَرْقَى فيها النفوس فتجاوز الأغراض والحظوظ طلبا لشهادة تشفع عند الرب الأعز الأكرم ، جل وعلا ، فكانت هذه الروح الكامنة في الأفغان ، وكان من جهادهم ما أحسن المركز توظيفه ، ولم يكن ذلك ، بداهة ، يمكن لولا أن ثَمَّ وسيطا أيديولوجيا يعظم هذه الشعيرة في النفوس ويضفي عليها طابع التوقير والتعظيم ، وذلك حق آخر لم يخل من مادة توظيف ، فكانت مراكز الإقليم التي تعمل من باطن ، توفر الغطاء الأيديولوجي والسياسي بل وتشارك في الإمداد البشري بالحض تارة وغض الطرف أخرى عن جماعات من خيرة ما أنجبت الصحوة في الشرق بعد طول سبات فوجد أولئك ميدانا يُخْرِجُونَ فيه العلم من القوة النظرية إلى الفعل العملي ، فكان تأويل ما قد علم من نصوص التوحيد والجهاد لأعدائه ، ولم تأل المراكز الإقليمية الجهادَ نصحًا موجها يُوحِي به المركزُ فكان إمداد السلاح والمال وسائر وجوه الدعم اللوجستي ، وكانت باكستان ، محل الشاهد ، معبرا رئيسا ، فضلا عن دورها في احتضان مراكز الإعلام والدعم والتدريب والإغاثة فثم تداخل كبير بين قبائل الشطرين وهو ما أعطى باكستان هذا النفوذ الهائل ، وقد اقتضى ذلك أن تغير القيادة من طبيعة الجيش الذي كان جيش نخبة لأثرياء البنجاب وهو إقليم لا يشاطر بلاد الأفغان نسبة قبلية فكثير من رجالاته من ذوي الأصول الهندية ، فاقتضى الأمر تجنيد أعداد كبيرة من مناطق القبائل وإدماجهم في الجيش النظامي وترفيعهم في رتب القيادة ، فالتحقوا بالكليات العسكرية وتخرجوا ضباطا وسلكوا جادة الترقي حتى صار منهم جنرالات تولوا إدارة ملفات شائكة ، كالملف الأفغاني والملف الكشميري ، فلا يمكن أن يَتَوَلَّى ملفات كهذه يغلب عليها طابع التدين والجهاد ، لا يمكن أن يتولاها جنرالات علمانيون ، فلا بد من جنرالات إسلاميين ، لهم من الإيمان بالقضية الدينية والميدانية ما يجعلهم ينخرطون بشكل مباشر في التخطيط بل والتنفيذ على الأرض كالعقيد إمام ، وذلك اسمه الحركي ، وهو ، أيضا ، من جملة من بكى من رجالات الاستخبارات الباكستانية على ما آلت إليه الحال الأفغانية ! ، فكان المشهد العجيب الذي اختلط فيه الحق بالباطل ، فكانت رئاسة الاستخبارات الباكستانية الممثلة في الجنرال أختر عبد الرحمن تصرح أن قضيتها التي تدافع عنها في هذه الحياة هي الجهاد الأفغاني ، وكان رئيس الدولة محمد ضياء الحق، وهو جنرال أيضا ، يقول إنه سَيُشَيِّعُ آخرَ مجاهد يجوز معبر خيبر إلى أرض الجهاد المقدس على الشطر الآخر ، وكانت كلمة السر منطقة القبائل الحدودية التي يشن الجيش الباكستاني الآن عليها حملة جديدة ولعله يُبَادِرُ فَيُبْدِي كالعادة حسن النية بعد تصريحات الرئيس ترامب في خطابه الأخير إذ وجه التهديد المباشر لإسلام آباد ، وهو ما ثَنَّى فأكده وزير خارجيته تيلرسون مع التنويه أن ثم معتدلين في طالبان ! يمكن التفاوض معهم ! ، وهدف الحرب الآن ليس الحسم ، فقد تعذر وإنما هدفها إجبار طالبان أو فصيل منها على التفاوض مع حكومة المنطقة الخضراء في كابول ، وتلك ، كما تقدم ، طريقة المركز في شطر الصف الواحد باستمالة فصيل ولا بد من وكيل محلي كما ظهر من تسريبات سفير لمجموعة وظيفية خليجية في واشنطن ، فحكى صراعا احتدم بين مجاميع الوظيفة الخليجية أيها يحظى بثقة واشنطن فيستضيف مكتب اتصالات مع حركة الطالبان .

    فالجيش الباكستاني العلماني قد اضطر في مرحلة من مراحل الصراع أن يجري بعض التعديلات الجوهرية ، لا سيما في الأجهزة الاستخباراتية ، فأفسح للضباط القادمين من منطقة القبائل ذات النفس الإسلامي الأصولي ، أفسح لهم مجالا في الجيش فصاروا كتلة رئيسة يقدرها بعض الباحثين بثلث الجيش ، فضلا عن تولي الجنرالات المتدينين ملفات الجهاد الساخنة ، في بلاد الأفغان وفي كشمير ، فكانت تلك استجابة مباشرة ، لو أسأت الظن ، أو غير مباشرة لو أحسنت الظن ! ، فأجريت الأمر على سَنَنِ المصالح المتقاطعة ، فاختارت باكستان الانضمام إلى المعسكر الغربي كما اختارت بقية المجموعات الوظيفية في الخليج ومصر ، وكان الدعم الكبير للجهاد الأفغاني ولعبت تلك المجموعات دور الوسيط من الباطن ، كما تقدم ، ثم رأى الجيش الباكستاني بعد 11 سبتمبر أن يرجع عن أصوليته الإسلامية ، فالعدو الآن ليس الشيوعية الملحدة ، وإنما الإرهاب الإسلامي ! ، وهو ما اقتضى إجراء تعديل جوهري في أجهزة الاستخبارات فَأُقْصِيَ عدد كبير من ذوي التوجه الإسلامي فليس الزمان زمانهم إذ انقضى زمان جهاد الشيوعية وبدأ زمان الحرب العالمية على الإرهاب ، وهي الحرب التي يستنسخها الآن الرئيس ترامب كما في خطابه الأخير الذي لا يخلو من نبرة تهديد صريح لباكستان التي حار دليلها كما تقدم ! ، فقد قدمت الخدمات الكبيرة في حرب السوفييت ، ثم قلبت ظهر المجن للجهاد الأفغاني فصارت الكوادر الإسلامية لا سيما في أجهزة الاستخبارات ، صارت محل سخط بعد أن كانت محل ثقة ، وَأُقْصِيَ منها مَنْ أُقْصِيَ ، فطبيعة الحرب على الإسلام تخالف بداهة عن طبيعة الحرب على الشيوعية فلكلِّ حرب رجالاتها ، فلا أحد يطيق حرب أمريكا كما قال بعض كوادر الاستخبارات الباكستانية الجديدة ! وهو يلقي القبض على قيادي معتدل من قياديي طالبان ! ، وهو سفيرها السابق في باكستان ، فعذرا أيها السفير فأمريكا تريد التحقيق معك واستضافتَك في معسكرات الاعتقال في قاعدة جوانتانامو ، وهي سيدة العالم وشرطيه الأقوى فلا أحد يناجزها أو يطيق حربها فنحن مضطرون مع بالغ الأسف أن نلقي القبض عليك ونسلمك إلى عناصر الاستخبارات الأمريكية والله الموفق ! ، وهو ما ظهر أثره ، أيضا ، في المجموعات الوظيفية الأخرى في الشرق الأوسط ، فصار رجالات الجهاد وأبطاله ورموزه وخطباؤه صاروا فجأة محل سخط ونقمة وفتحت السجون لاستقبال الوفود العائدة وَزِيدَ في جرعة التضييق بعد أحداث 11 سبتمبر ، وليت باكستان ، مع ذلك ، قد نالت رضى واشنطن ، فإن قطاعات من أجهزة الاستخبارات ظلت على ولائها القديم مع الطالبان أو اضطرت أن تجدد العلائق معها لَمَّا استبان لها أن السيطرة على الملف الأفغاني تَتَعَذَّرُ دون مد الجسور والعلائق مع القوة العسكرية الأكبر ، فحكومة المنطقة الخضراء في كابل ! ، وهي ، كما تقدم ، على ذات التصميم الذي أنشئت به المنطقة الخضراء في بغداد : تصميم شركات ما بعد الحرب لإعادة الإعمار ! ، وتصميم شركات الأمن الخاصة التي أغرت العناصر الرسمية أن تقدم استقالتها فرواتب الحكومة ضئيلة ولو في واشنطن حتى اضطرت الاستخبارات المركزية الأمريكية ، كما يقول بعض الباحثين ، أن تحظر على شركات الأمن الخاصة تجنيد موظفيها ولو مؤقتا كما تجد في بعض الدول حظرا على سفر ضباط المخابرات السابقين لعدة سنوات وكلما زاد ما يملكون من معلومات زادت مدة الحظر وربما بلغت مدى الحياة وربما تمت تصفيتهم إذا علموا أكثر مما ينبغي فصاروا كالصندوق الأسود الذي يحوي كَمًّا ضخما من المعلومات وليس من الكياسة وضع البيض كله في سلة واحدة ، فاضطرت الاستخبارات الأمريكية إلى ما تقدم وهي تَرَى تَسَرُّبَ عناصرها إلى الشركات الخاصة للفارق الكبير في الرواتب والامتيازات ، فصار الكادر المستقيل يعرض خدماته على هذه الشركات التي تُوَرِّدُ المرتزقة لحراسة الشخصيات والمنشآت ، وربما بلغ الأمر أن تدمج هذه الفيالق المرتزقة في جيوش لا تجد من الإمداد البشري المحلي ما يسد الحاجة فيفتح باب التطوع للمرتزقة وإن كان ثم احتياط أن يتولوا مهام التنفيذ لا التخطيط فلا يرفع أحدهم إلى رتبة قيادة تخطط ، وإن كان قائدا لمجموعة تنفذ فليس إلا آلة أو مجموعة وظيفية .
    ولم يسفر ذلك عن حكومات قوية على الأرض لها من مركزية القيادة ما به تسيطر لا سيما في دول لا مركزية بطبيعتها القبلية فيصعب على أي حكم مركزي أن يسيطر على مجتمع قبلي لا سيما إن كان مع ذلك جبليا مسلحا كالمجتمع الأفغاني فلا يسيطر عليه إلا فصيل خارجٌ من رحمه يملك من الحشمة والقوة ما يجعله صاحب الكلمة الفاعلة ، وذلك ما أدركته باكستان فرامت هي الأخرى استقطاب بعض قيادات طالبان بالترغيب تارة والترهيب أخرى فمن أبى العمل معها على قاعدة التابع ، فهي تطارده في أراضيها في الشريط الحدودي الملاصق وتعتقله رجاء أن يلين كما وقع مع الملا عبد الغني بردار ، وإن نفت حركة طالبان أسره من قبل الجيش الباكستاني ، فبدأت باكستان في التوجه إلى الطالبان مرة أخرى بعد أن قلبت لها واشنطن هذه المرة ظهر المجن ! ، فالسرطان في باكستان ، كما كان الرئيس أوباما يقول ، وهي لا تُبْدِي التعاون المطلوب ، وخطاب الرئيس ترامب ووزير خارجيته ينكأ الجرح القديم مرة أخرى ، فباكستان تُؤْوِي الإرهاب وعليها أن تمارس من العمل العسكري ما تبدي به حسن النية كمجموعة وظيفية فاعلة تحقق أهداف المركز ، وهو ، كما تقدم ، مركز يدير الدولة إدارة الشركة الخاصة حتى بلغ الأمر في أحيان أن وصل أمثال ديك تشيني إلى منصب نائب الرئيس ، وصار على غير العادة منصبا يصنع القرار السياسي فلم يكن تشيني مستشارا يطيع بل كان آمرا يطاع حتى ذاعت بعض التسريبات أنه كان يزدري الرئيس بوش الابن في الاجتماعات الخاصة بل ويسبه بخارج الألفاظ ، فقد ظن نفسه رئيسا فاعلا ، وليس إلا صورة تحكي سياسة شركاتية جديدة تمرر العقود إلى الشركات الكبرى ، فهي التي تَنُوبُ عن الدولة في إدارة الكوارث ، سواء أكانت ربانية طبيعية ، أم كانت من فعل البشر بإذن خالقهم جل وعلا ، كما في كوارث الحرب ككارثة العراق التي مارست فيها أمريكا صدمة الحرب الصلبة ثم شفعتها بأخرى ناعمة في الاقتصاد ، أو صدمة التغيير السياسي الصلب ثم الاقتصادي الفج كما هي الحال في مصر ، فتوصيات البنك الدولي لإعادة الهيكلة أن يهدم القطاع العام ويقلص جهاز الدولة كما قلص في العراق ، وتعطى الشركات الخاصة عابرة القارات ، تعطى من العقود ما تَنُوبُ فيه عن الدولة في إدارة الحياة العامة بمعيار لا ينظر إلا في مصلحة الأغنياء الذين يملكون ثمن هذه الخدمة الفاخرة ! ، في إطار شبكة من المصالح المعقدة مع الجيش بوصفه لاعبا سياسيا واقتصاديا في بلد كمصر ، ومع رجال الأعمال فهم طرف آخر في هذه الصفقة ، ولكلٍّ حظه من الربح إلا عامة الشعب الذي يزداد فقرا يوما بعد آخر لتحظى النخبة بأعلى معايير الجودة ، فهم من يستهدفهم أي غزو اقتصادي رأسمالي وِصَايَةُ مُنَظِّرِيهِ ألا شفقة في الصدمة فلا بد أن تحدث في المجتمع اضطرابا هائلا قد يبلغ حد الفوضى ليعاد البناء على أصول جديدة ، فلا ترميم أو إصلاح وإنما هدم ثم بناء ، مع أن الرئيس ترامب يقول إنه لا يَبْنِي الدول ، وذلك ما يخالف عن طبيعة النظام الرأسمالي الذي خَرَجَ من رحمه رَجُلَ أعمالٍ ناجح في قطاع العقارات ، فهو يجمع نقيضين ، نقيض الانكفاء على الذات من وجه ، ونقيض الدولة الشركة عابرة القارات التي تقلص دور الحكومة التي يمثلها الرئيس فلا يعدو في هذه الحال أن يكون مندوب الشركات الكبرى في إدارة الدولة وفق توصيات مجموعات الضغط التي تمول مراكز الأبحاث الموجهة ، ومرة أخرى تجد باكستان نفسها في مرمى الهدف ، وربما شَنَّتْ تلك الحملة على منطقة القبائل ذرا للرماد في العيون ، مع حرصها ألا تقطع العلائق مع طالبان فهي ورقة المستقبل في الحرب الأفغانية التي اتسع خرقها على الراتق الأمريكي فلا يجدي شيئا ما يصنع من إرسال قوات ، فليس ذلك إلا ذرا آخر للرماد في العيون ، وأمريكا لا تطيق إدارة هذا الملف الشائك دون أن تلجأ إلى إيران وباكستان ، مهما أظهرت من الخصومة ورفعت من نبرة التهديد ، والجميع لا يطيق إدارة هذا الملف دون أن ينسج خيوط العلائق مع طالبان ، على وجه آخر ، تتقاطع فيه المصالح وَتَتَرَاكَبُ ، وذلك مما تسهل روايته لفظا وتعسر درايته تخطيطا وتنفيذا على الأرض فضلا عما يحاك في أروقة السياسة من مؤامرات وصفقات تتنازعها أطراف عدة ، ويختلط فيها الحق بالباطل فلا يجيد التمييز إلا من رزق إخلاص الدين وكمال العقل الذي يجاوز عقل التحليل النظري فهو يحيط بالميدان علما ، فعنده من قرينة العلم بما يدور على الأرض وما يكون وراء الكواليس ، عنده من ذلك ما يجعل قوله محل الاعتبار وإن لم يكن راجيا العصمة ، فحسبه إن أخلص أن يجتهد في التقدير في موضع اختلاف تَتَنَازَعُهُ قرائن شتى ، فإن أصاب فأجران وإن أخطأ فواحد إن كان قد استفرغ الوسع في طلب الحق وجرد النية من حظوظ الجاه والرياسة وهو أمر جد عسير إلا أن يُسَدِّدَ الرب العليم الحكيم جل وعلا .

    ومشهد الحرب في بلاد الأفغان يشبه ، من وجه ، مشهد الحرب في فيتنام أواسط القرن الماضي وهي الحرب التي استدرجت إليها أمريكا شيئا فشيئا فلم يكن نزولها في ساحة القتال دفعة كما كانت الحال في بلاد الأفغان التي نزلت أمريكا فيها دفعة واحدة ، رفقةَ حلفائها الدوليين والإقليميين ، ولم تخل ساحة الحرب في فيتنام من قطب ثان فاعل ، وهو القطب الشيوعي الذي دعم فيتنام الشمالية فكانت حربا بالوكالة ، كما كان رد الصفعة في الجهاد ضد السوفييت في بلاد الأفغان مع ما اكتنفه من بطولات لا يجحدها المنصف إلا أنها لم تخل من توظيف سياسي واستراتيجي بلغ حد الإجهاز على القطب الشيوعي أو إضعافه بشدة فكان الجهاد ، على أدنى أحواله ، سببا فاعلا في سقوط المعسكر السوفييتي ولو على مدى بلغ عقدا من الزمان أو يزيد وذلك ، لو تدبر الناظر ، لا يساوي في أعمار الأمم شيئا بل من عَجَبٍ أن يسقط قطب كهذا القطب المدجج بالسلاح ذي القوة المادية والبشرية الكبيرة وذي المساحة الشاسعة والموارد المتنوعة والنفوذ الكبير في أطراف عدة في إفريقية وآسيا وأمريكا الجنوبية وشرق أوروبا بل وفي فضاء أمريكا الجيوسياسي في كوبا التي تجاور ساحل أمريكا الجنوبي الشرقي ، فمن عجب أن يسقط قطب كهذا القطب في حرب استغرقت عملياتها الرئيسة نحو عشر سنوات فقط مع الفرق الهائل في التسليح والتخطيط ، فكانت حرب العصابات مسمارا محكما في نَعْشِ الجيش النظامي البري الأقوى في تلك الحقبة ، الجيش الأحمر ، وإن كان سقوطه ، عند التدبر والنظر ، قد بدأ ، ولو تدريجا ، من لحظة وفاة ستالين الذي يمثل واسطة العقد في الاتحاد السوفييتي فعصره هو العصر الذهبي إذ خرج منتصرا من الحرب العالمية الثانية وشاطر أمريكا غنيمة الحرب إذ بادر باحتلال دول أوروبا الشرقية وشطر ألمانيا الشرقي ، ثم كانت السنة الكونية بالأفول بعد الظهور واكتمال الأمر فليس بعده إلا النقص ، فكان النقص زمن خروشوف الذي تقصد القضاء على تركة ستالين ، كما تقصد بطل الحرب والسلام في مصر ! ، القضاء على تركة الزعيم الخالد فقام بتصفية معسكره والعدول عن وجهته الشرقية إلى الوجهة الغربية الأمريكية فمن جرم يدور فلك موسكو إلى آخر يدور في فلك واشنطن ، ولم تخرج مصر في كلتا الحالين أن تكون تابعا لا استقلال له في قراره السياسي وإن تفاوت هامش المناورة من تبعية إلى أخرى ! .
    فكان خروشوف أول من دق مسمارا في نعش الاتحاد السوفييتي إذ قضى على إرث الزعيم الأبرز الذي وطد أركان الشيوعية كقطب ثان وإن استعمل ستالين في ذلك من أساليب الإجرام والقتل والتصفية والتهجير والسخرة العسكرية والمدنية ما جعله مضرب مثل فلا يكاد يضاهيه أحد في بورصة القتل التي يتصدر أسهمها بامتياز ، وبعد خروشوف كان بريجنيف الذي تورط في بلاد الأفغان ، ثم كان الاستنزاف حتى جاء جورباتشوف الذي اتسم بقدر من الواقعية ورام استنقاذ ما يمكن استنقاذه من الاتحاد السوفييتي بِتَبَنِّي سياسة اشتراكية معتدلة لا تتحول فيها البلاد فجأة إلى اقتصاد السوق فكان تآمر الغرب عليه والإتيان بيلتسين السكير ! الذي أتم عملية الهدم للاتحاد السوفييتي وحول روسيا إلى تابع للرأسمالية بعد أن تَبَنَّى اقتصاد السوق الحر على نحو فج أفضى إلى انهيار المجتمع الذي كان ابتداء يحمل في أحشائه بذور الانهيار بما مارسته الشيوعية من قمع واستبداد فضلا عن الإلحاد والإفساد المتعمد للقيم والأخلاق ، فذلك ، وهو محل الشاهد ، رد أمريكا على صفعة فيتنام ، وهي اليوم تغوص في نفس المستنقع في بلاد الأفغان ، مع قدر فارق ، فإنها ، كما تقدم ، قد غاصت دفعة لا تدريجا كما غاصت في فيتنام ، فضلا أنها تواجه عدوا هو في الجملة لا يحظى بدعم من قطب فاعل لا في النظام الدولي ولا في المحيط الإقليمي وإن تلقى من الدعم ما لا يُنْكَرُ من قوى في المحيط الإقليمي لبلاد الأفغان كإيران والصين وروسيا فلا تريد هذه الدول أن تَرْسَخَ لأمريكا في المنطقة قدم ، فهذا الدعم الذي يواكب اختراقات جزئية لدوائر من صنع القرار في الحركة ، هذا الدعم لا يضاهي ، بداهة ، الدعم الذي تلقته فيتنام الشمالية من موسكو إبان الحقبة الشيوعية فاستمرت الحرب عشرين عاما حتى نصح من نصح من المستشارين ، نصح الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون أن يعلن الانتصار وينسحب ! ، وإن كان مهزوما فنصحه بإيجاد نهاية مشرفة لهذا السيناريو المؤلم وهو ما تفتش عنه واشنطن اليوم في بلاد الأفغان فهي تفتش عن أي نصر ، ولو إعلاميا ، تمهد به لانسحابها فزيادة القوات في هذا التوقيت ليس رغبة في البقاء وإنما دوره يقتصر أن يحقق بعض الضغوط التي قد تدفع قطاعات من طالبان إلى مائدة التفاوض بحثا عن صيغة مشرفة للخروج ، وذلك أمر يطرد في كل غزو يفشل في تحقيق أهدافه فهو ما بحثت عنه موسكو نهاية الحرب في بلاد الأفغان ، وهو ما فعلته أمريكا في العراق ، وإن لم يكن القوم ، من وجه آخر ، في عجلة من أمرهم ، فإن الحرب سوق اقتصاد رائجة كما يصرح بعض ساسة المركز فكل دولار يدفع في الحرب على الإرهاب يرد إلينا ثلاثة ! ، ولو كان الثمن زهرة شباب الأمة الأمريكية ، فالإدارة الحالية ، إدارة أعمال أكثر منها إدارة سياسة فلا يعنيها إلا الربح المادي كما ظهر في صفقات الرئيس ترامب الأخيرة فكلها صفقات مدفوعة الثمن مقدما مع عدم التعهد بدفع أي دولار إلا في موضعه ، فتلك طبيعة رجل الأعمال فهو من أحرص الناس أن يضع المال في موضع الربح ، فلا ينفق درهما وإلا وهو يخطط لاسترداده عشرة لو أمكن ، بل وربما استحسن أن يقبض وإن لم يدفع شيئا إلا وعودا يبذلها بلسانه كما صنع الرئيس ترامب في قمة الرياض في مايو الماضي ، وطبيعة الدولة الشركة أنها تنظر في مصالح التجارة بعيدا عن مبادئ الأخلاق بل وأعراف الدبلوماسية وتقاليدها الرسمية ، وقد بلغ الأمر في أحيان حد الاتجار في مأساة الجند الأمريكيين فهم ، أيضا ، محل استثمار ينفع ، فسارعت شركات الرعاية الصحية والنفسية أن تتعاقد مع الدولة لإعادة تأهيل أولئك الجند ، فهم مادة استثمار نافع في عصر صار فيه كل شيء يُبَاعُ وَيُشْتَرَى فالساسة في بريطانيا ، كما يقول بعض الفضلاء ، يُقِرُّونَ بخسارة الحرب الميدانية في بلاد الأفغان والعراق ولكنهم مع ذلك قد حققوا من المكاسب الاقتصادية ما يغريهم بالاستمرار فثم حركة رواج في الصناعة ، لا سيما العسكرية والأمنية مع ارتفاع هاجس الخوف من الإرهاب وهو ما أحسنت كيانات ودول كالكيان الصهيوني أن تستثمره فازدهر اقتصاد الكيان الصهيوني نتيجة هذا الهاجس إذ للكيان باع طويل في تكنولوجيا الأمن حتى وصلت نسبة صادرات البلاد منها إلى نحو 60% من مجموع الصادرات ، وهي ، مع ذلك ، تشكل وحدها 15% من الناتج المحلي للبلاد ! ، فضلا أن الحرب قد استغرقت أعدادا كبيرة من الشباب في بريطانيا ، محل الشاهد المتقدم ، فمن يوفر لهم فرص عمل إذا انتهت الحرب وعادوا إلى أرض الوطن ؟! .


    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 27-08-2017 في 08:02 AM

تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •