اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: من آية : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ..........)

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:22-11-2017
    الساعة:05:13 PM

    المشاركات
    4,706
    العمر
    39

    من آية : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ..........)

    ومن قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ، فالصلاة من آكد أوصاف الْمُؤْمِنِينَ إذ صُدِّرَ بها الْبَيَانُ لِمَا أُجْمِلَ من وصف الإيمان ، فجاء الخطاب صَدْرَ الآية خطاب التحقيق إذ دخلت "قَدْ" على الفعل الماضي فأفادت التحقيق ، من هذا الوجه ، ولا يخلو الفعل "أفلح" وقد حُدَّ حَدَّ "أفعل" ، لا يخلو من دلالة الاستحقاق ، كما يقال أحصد الزرع إذا استحق الحصاد ، وهو استحقاق فضل أن استحقوا الفلاح ، فليس ذلك مِمَّا اسْتَقَلُّوا به ، وإن كان ثم فعل معتبر بإرادة تؤثر في الاختيار ، فِعْلًا أو تَرْكًا ، ولا تَنْفَكُّ تَنْشَأُ في الباطن من فعل اختيار يَتَقَدَّمُهَا ، فالحب يُحْدِثُ في القلب إرادة الفعل ، والبغض ، في المقابل ، يُحْدِثُ في القلب إرادة التَّرْكِ ، فيطرد القياس وينعكس على وجه يواطئ صحيح النظر ، فكانت إرادة الفعل والترك إرادة التأثير في الاختيار ، وذلك مناط التكليف إذا صحت الآلة ، ولا يخرج ذلك ، عن إرادة الخالق ، جل وعلا ، فهي أول الفعل ، فالفكرة أول الفعلة ، فإذا طَرَأَتْ في الذهن فكرة فهي مما يَنْشَأُ من علم يَتَقَدَّمُ ، فيكون العلم الذي به يحصل التصور ، صح أو فسد ، فيكون تصور لما يحب الإنسان ، سواء أكان مناط حب ينفع أم كان وسواس شيطان يزخرف ، فهو يصور القبيح حسنا ليروج وينفق إذ تَتَلَقَّاهُ الأهواء والأذواق بالقبول إن لم يكن لها حظ من التوفيق أن تهدى هداية تزيد على هداية البيان والإرشاد التي بها تقام الحجة وتستبين المحجة ، فثم قدر آخر لا يحصل به الخير العاجل والآجل إلا بإذن الرب الخالق ، جل وعلا ، وهو إذن الفضل بهداية توفيق وإلهام تُوَاطِئُ فحوى البيان والإرشاد تصديقا وامتثالا على وجه يواطئ الشرع المنزَّل ، فلا يكون للقلب إرادة في الفعل والترك إلا ما أرشد إليه الشرع فَبَيَّنَهُ بِلَفْظٍ صحيح صريح ، وإن كان ثَمَّ إجمال فقد شُفِعَ بِالْبَيَانِ وإن خَفِيَ في أَحْوَالٍ ، فلا يخفى على جميع المجتهدين والمفتين في أي نازلة ، فكانت الحجة البالغة من هذا الوجه ، ولو كان ثم تأويل ، في المقابل ، فلا بد من دليل صارف معتبر ، ولكلِّ موضع من القرائن السياقية أو العقلية أو الحالية ما يلائمه ، فيكون من فضل الرب ، جل وعلا ، خلق التصور الصحيح في القلب ، إذ يكون مستمده ما أُحْكِمَ من آي الكتاب المنزَّل ، وألفاظ الخبر المحقق ، ومحال الإجماع الصحيح ، ومناط القياس الصريح ، ومأثور الأئمة المهديين ، وما اعتبر من المصالح وأبيح من الأعراف والعوائد فهي مُحَكَّمَةٌ في مواضع لم ينص فيها الشرع على حكم ، ما لم تخالفه في أصل أو فرع ، فلا تخالفه في مقصد كلي أو حكم جزئي ، فيكون مستمد القلب ما أحكم من الأدلة الكلية فَهِيَ مَحَالُّ الاستثمار لِمَا صح من الأحكام ، وتكون طرائق اللسان العربي المبين هِيَ طرائق الاستثمار ، نصا وظاهرا ومؤولا ، منطوقا ومفهوما ، موافقة ومخالفة ..... إلخ ، فيكون الاستدلال المحكم على مسائل الدين المنزَّل وعلى مسائل تَجِدُّ لا ينفك الناظر يجد فتواها في الدين الكامل ، إن بالنص على عين النازلة ، أو القياس على أخرى نَصَّ عليها الوحي ، أو اعتبارها بمقاصد التشريع دون أن تخالف لفظ الدليل .... إلخ ، فكل أولئك من المنة الربانية على عامة البرية ، فهي ، كما تقدم ، البيان والإرشاد العام ، وهو مما بذل لكل أحد فأنيط به تكليف الإيمان الذي أنيط به حكم الفلاح صدر السورة ، فإن "أل" في "المؤمنون" ، من هذا الوجه ، مئنة من الوصل إذ اتصلت باسم مشتق وهو اسم الإيمان الذي أطلق فَعَمَّ حقيقة الإيمان جميعا ، فذلك الأصل في الإطلاق في بَابِ الأسماء والأحكام ، مَدْحًا أو ذَمًّا ، فينصرف إلى الاسم الكامل ما لم تَرِدْ قرينة تصرفه إلى اسم دونه ، ففي وصف الذم يناط اسم الكفر ابتداء بالنوع الأكبر ما لم ترد قرينة تصرفه إلى النوع الأصغر ، فالأمر يطرد في المدح والذم جميعا ، فإن أطلق لفظ الإيمان فالأصل أن يحمل على المعنى الجامع المستغرق لحقيقة الإيمان وماهيته في الخارج على وجه يستوعب ، من وجه ، أجزاء قِسْمَتِهِ الثلاثة ، الاعتقاد والقول والعمل ، ويستوعب ، من آخر ، ما به يحصل الكمال الواجب الذي وُعِدَ صاحبه بالنجاة ابتداء ، وذلك ، أيضا ، من الفضل العظيم ، ومن صادق الوعد الذي امْتَنَّ به الرب ، جل وعلا ، فَقَد وعد بالثواب من آمن وأطاع ، على وجه يَتَفَاوَتُ فيه الوعد ، فليس وعد من آمن الإيمان المطلق فاستغرق من خصال الإيمان وشعبه ما يبلغ به حد الإيمان الواجب ، ليس وعده كوعد من حصل له من معنى الإيمان مطلق أول في القلب ، فتصديق وإذعان وجنس إرادة في الجملة به يحصل جنس قول وعمل في الخارج يُدْخِلُ صاحبه في حد الإيمان الأعم ، وهو مطلقه الذي يثبت بأي قدر منه يُصَحِّحُ النسبة إلى الإيمان ، دون حده الأخص وهو الإيمان المطلق الذي يستغرق صاحبه من شعب الإيمان وخصاله ما به يَبْلُغُ رتبة الإيمان الواجب ، فلا يكون الوعد العام لكل مؤمن ، كمل إيمانه أو نقص ، لا يكون كالوعد الخاص لمن بلغ رتبة الإيمان الواجب ، فالوعد الأعم وعد بمطلق النجاة ولا يلزم منه ألا يكون ثم سابقة عذاب بها يكون التطهير في نار العصاة من الموحدين الذي حصل لهم من الإيمان الجنس العام دون الكمال الخاص ، كما تقدم ، مع انتفاء الناقض للأصل إِنْ عقدا أو قولا أو عملا ، على ما تقدم مرارا من استغراق نواقض الإيمان الباطنَ والظاهرَ ، العقدَ والقولَ والعملَ ، وذلك قياس العقل ، إذ الإيمان عقد وقول وعمل ، فحقيقتُه الحقيقةُ المركبة من هذه الأجزاء وزوال أي جزء منها أو انتفاؤه بناقض ينقض الحقيقة الإيمانية كلها بتقويض ركن من أركانها فالبنيان ينهار إذا انهار أحد أركانه الرئيسة التي يقوم عليها خلاف ما لو انْهَارَ منه طابق أو جزء ، فالصورة الكاملة تَنْتَفِي دون جنس البنيان فلا زال في الخارج قائما ، كمن معه من المال عشرة ، فإذا نقص فصار تسعة ، فصدق أن العشرة قد انتفت ، مع بقاء جنس المال في يده فلم ينتف الجنس الأعم وإن انْتَفَى الرقم الأخص ، وذلك ، أصل جليل في باب الأسماء والأحكام ، وهو مما يواطئ قياس العقل الصريح ، كما تقدم ، إذ يثبت التفاوت في سائر الأحكام العقلية والتجريبية ، على وجه يحصل به التفاضل بين الأفراد في الحكم الخاص وإن اشتركوا في جنس الوصف العام ، فيشترك مطعومان في وصف الحلاوة جنسا أعم يستغرقهما ، ويكون التفاضل في الحكم الأخص ، فأحدهما أحلى ، وكذلك الشأن في الأحكام العقلية ، فيوصف اثنان بالشجاعة جنسا أعم ، ويكون التفاوت في الحكم الأخص فأحدهما أشجع من الآخر ، وكذلك الشأن في الإيمان ، فهو مما يتفاوت فيزيد وينقص ، خلافا لمن قال باستواء قدره في قلوب المؤمنين جميعا ! ، فذلك ما لا يتصور ، ولو اقتصر الناظر على حد الإيمان الباطن كما هي حال القائل بالإرجاء إذ قَصَرَهُ على التصديق الباطن ، فَلَوِ اقْتَصَرَ الناظر على هذا الحد مع نقصانه في استيعاب أجزاء الحقيقة المعرَّفة ، فلو اقتصر الناظر على هذا الحد ما حصل التساوي بين جميع المحال في الحكم ، بل التصديق في نفسه يتفاوت وإن كان من العقد الباطن الذي لا يتصور فيه التفاوت ، بادي الرأي ، ومع ذلك كان التفاوت في القدر تبعا لتفاوت الأفراد في النظر في الأدلة فيحصل لبعضهم من اليقين والتصديق ما يزيد على غيره إذ أورثه النظر في الأدلة علما به اطمأن القلب بذكر الإيمان الأخص ، فلا يحصل ذلك ، بداهة ، لمن آمن الإيمان المجمل فلم يزد على التصديق العام وإن شفعه بما يصحح الإيمان باستيفاء أجناس من القول والعمل تصحح نسبته إلى قَبِيلِ المؤمنين الذي مدحه التنزيل صدر الآية فحكم له بالفلاح إذ أنيط بوصف الإيمان الذي اشتقت منه الصلة في "المؤمنين" على وجه لا يخلو من دلالة عموم آخر ينضاف إلى عموم الوصل في "أل" ، وهو عموم التغليب فإن اللفظ يستغرق المؤمنات دون حاجة إلى النص عليهن نصا أخص ، فيدخلن في قبيل الرجال تغليبا بقرينة العموم في التكليف إلا أن تَرِدَ قرينة تخصيص ، وليس ثم هنا ، بداهة ، قرينة تخصيص إذ معنى الإيمان هو أصل التكليف فهو أول واجب على العبيد إيمانا بالله ، جل وعلا ، يوجب إفراده بالتأله الباطن تصديقا ، والظاهر ، قولا وعملا ، خاصا وعاما ، سياسة وحربا واتجارا بالأموال وتهذيبا للأخلاق ..... إلخ ، فلا يكون إيمان في باب دون آخر على وجه لا يخلو من التناقض وفساد الرأي والقياس أن يفرق صاحبه بين المتماثلات فيتأله في العقد دون الشرع ، أو يتأله بالعقد والقول دون العمل كما هي حال من تلبس بمقال الإرجاء فلا تخلو حاله ، أيضا ، من تناقض أن فرق بين المتماثلات ، فاعتبر العقد والقول في حد الإيمان ، ولم يعتبر العمل إذ لم يدخله في حقيقة الإيمان جزءا ، وإن أدخله لازما أو ثمرة ، فذلك إدخال يصح ، ولكن الحد لا يتم إلا بإدخاله مع ذلك جزءا رئيسا من أجزاء القسمة الإيمانية بالنظر في جنسه فلا بد من قدر من العمل ، فعلا وكفا ، به يصح أصل النسبة إلى الإيمان مطلقا ولو لم يستغرق صاحبه من جنس الصالحات ما به يبلغ رتبة الإيمان الواجب الذي وعد صاحبه بالنجاة ابتداء ، فذلك الفلاح التام ، فلا تخلو دلالة "أل" في "المؤمنون" ، من هذا الوجه ، من دلالة استغراق ، إن لآحاد من يصدق فيهم الوصف ذكورا كانوا أو إناثا ، أو لمعاني الإيمان ، فيكون الاستغراق المعنوي ، فمن استغرق معاني الإيمان باطنا وظاهرا فذلك مناط الفلاح التام ، الذي مُدِحَ به المؤمنون صدر الآية فقد أفلحوا تحقيقا لا تعليقا ، على وجه لا استقلال لهم فيه بالفضل ، كما تقدم ، فهو وعد الفضل والإكرام من الرب ذي الجلال والإكرام فلا يوجب أحد عليه شيئا ، وإنما كتب على نفسه الرحمة والفضل ، وكتب ، أيضا ، من العدل ما يجازي به الناس فلا يظلم ربك ، جل وعلا ، أحدا ، بل تكون الحكمة البالغة أن يوضع الحكم في المحل الذي اتصف بالمعنى الجالب له على وجه لا يخلو من دلالة الطرد والعكس ، إذ الأحكام تدور مع عِلَلِهَا وجودا وعدما ، كما قرر أهل الشأن ، فَثَمَّ منطوق في الخبر يحكم بالفلاح على أهل الإيمان ، فيفيد بالمفهوم انتفاء حكم الفلاح عمن اتصف بضد ما اتصفوا به فكان من أهل الكفران ، فلم يكتب له الإيمان عدلا أن علم الرب ، جل وعلا ، أزلا من فساد المحل ما اقتضت الحكمة أن تحجب عنه أسباب الصلاح من الإيمان ، فلو وضعت فيه لكان ذلك إخلالا بالحكمة على وجه يحصل به السفه والنقص ، وذلك مما تَنَزَّهَ عنه آحاد الحكماء فكيف بأحكم الحاكمين ، رب العالمين جل وعلا ، فانتفاء وصف السفه والنقص في حقه أولى ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، من قياس الأولى الصحيح ، فلا يكون في باب الإثبات فقط أن يقال إن كل كمال مطلق لا يتطرق إليه النقص من وجه جاز إطلاقه في حق المخلوق فالخالق ، جل وعلا ، أولى به فهو خالق الكمال ومبدعه في المخلوق فكيف لا يتصف به ابتداء إذ فاقد الشيء لا يعطيه ، وذلك وجه من الاستدلال لطيف ، وكذلك الشأن في النفي ، فكل نقص مطلق في حق المخلوق جاز مدحه بانتفائه عنه ، فنفيه عن الخالق ، جل وعلا ، أولى ، فهو الأولى بكل كمال مطلق إثباتا وإيجابا ، وهو الأولى بانتفاء النقص المطلق وسلبه ، فكان من أسمائه وصفاته ما اصطلح أنها سلبية ، فهي تسلب عن ذاته القدسية وصف النقص ، كالسلام إذ يسلب النقص فهو مئنة من السلامة من كل عيب ، وذلك ما يحسن فيه الإجمال لا التفصيل خلافا للثناء بالوصف الجميل إيجابا ، فكان الإجمال في أسماء السلب وأوصافه كالسلام القدوس والسبوح ، وخرج بِتَقْيِيدِ النقص المنفي أنه النقص المطلق ، خرج من الصفات ما اختلف الحكم فيه باختلاف المحل الذي يقوم به ، فيكون نقصا في محال كمالا في آخر ، كوصف الكبرياء والعظمة فهو إن حكم به على محل مخلوق فهو نقص مذموم إذ الكبر والتعاظم نقص في حق المخلوق الضعيف ، وذلك ، أيضا ، مما تقضي به الحكمة ، إذ المحل الضعيف لا يحتمل آثار الجلال ، فلا يحتمل آثار الجلال إلا المحل القوي الكامل ، فحسن ، من وجه آخر ، بل ووجب وصف الرب ، جل وعلا ، بأوصاف الجلال من الكبر والعظمة والجبروت .... إلخ ، إذ ذاته القدسية محل كامل قوي يتصف بهذه الأوصاف الجليلة وتظهر آثارها في فعل الجلال الذي لا يكون إلا بقدرة نافذة ، ولا يخلو ، مع ذلك ، من حكمة بالغة ، فيثبت له ، جل وعلا ، بهما الكمال المطلق ، جلال قدرة وجمال حكمة ، فكان القياس الصريح أن يثبت له ، جل وعلا ، الجلال كبرا وعظمة وجبروتا ، وأن يُنْفَى ذلك عن المخلوق فمحله الناقص الضعيف لا يحتمل آثار الوصف الجليل فاطرد القياس وانعكس .

    فكان من الحكمة ، وهو محل شاهد تقدم ، كان من الحكمة أن يوضع حكم الفلاح في المحال المؤمنة عدلا ، فذلك الطرد في الحكم ، وأما العكس فيقضي بسلب الفلاح من المحال التي لم يقم بها وصف الإيمان ، فإن قام بها ضده من الكفران استحقت الوعيد بحكم يضاد حكم الفلاح فيكون الخذلان في حقها مقتضى القياس الصريح ، وذلك العدل ، فيهدي ، جل وعلا ، من شاء هداية التوفيق والإلهام فهي ، كما تقدم ، قدر يزيد على هداية البيان والإرشاد ، فيهدي من يشاء هداية التوفيق والإلهام فضلا ، ويضل من يشاء عدلا أن لم يكن المحل قابلا لآثار الكمال فكان من العبث الذي تنزه عنه الرب ، جل وعلا ، أن يضع وصف الكمال في محل ناقص لا يقبل آثاره فمثله ، مع القدر الفارق ، بداهة ، مثله كمثل من يستثمر ماله في تجارة كاسدة ، فيشتري عقارا في صحراء فلا يسكنه أحد فما استفاد إلا أن جَمَّدَ ماله في بنيان لا يدر ربحا ! ، فاطرد القياس وانعكس في الحكم بفلاح المؤمنين إذ اتصفوا بالوصف الجالب لحكم الفلاح وهو الإيمان ، وفي الحكم بخذلان الكافرين إذ اتصفوا بضد الوصف الجالب لحكم الفلاح وهو الكفران ، فوجب لهم من ضد الحكم خذلانا ، فَفَضْلٌ بالفلاح فقد استحق المؤمنون الفلاح ، كما تقدم من دلالة "أفعل" في هذا الموضع فأفلحوا إذ استحقوا الفلاح ، وذلك مما استحقوه فضلا لا فرضا واجبا على الرب الخالق ، جل وعلا ، فذلك ما لا يصح في القياس ، فلئن صح في شريعة المخلوق الذي يجب عليه من الحقوق ما يستحقه غيره إذا استأجره فعمل له عملا ، فيجب عليه أن يبذل العوض ، فذلك ما يصح في شرعة المخلوق فلا يدخل فِيهَا الخالق ، جل وعلا ، بداهة ، وذلك قياس العقل الصريح ، إذ يقضي ألا يدخل الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق في حكم واحد فتكون شريعة التحسين والتقبيح في فعلهما واحدة ! ، إذ كيف يستويان في ذلك وقد اختلفا ، أي اختلاف ! ، فشتان ، بداهة ، الخالق الكامل ، جل وعلا ، والمخلوق الناقص في المقابل ، فلا يجري عليهما حكم واحد لاختلاف المحل المحكوم وما يقوم به من الصفات ، فالمحل الكامل الذي تقوم به أوصاف الكمال المطلق جمالا وجلالا لا يجري عليه ، بداهة ، من الحكم ما يجري على المحل الناقص ، محل المخلوق ، فلا يقال إن ما حسن في حق المخلوق وجب أن يحسن في حق الخالق جل وعلا ! ، وما قبح في حق الأول وجب أن يقبح في حق الثاني تبارك وتعالى ! ، فذلك من القياس مع الفارق ، وهو من التشبيه الباطل في الأفعال ، ومن عجب ، كما تقدم في موضع سابق ، ما أشار إليه بعض المحققين ، في نقده لمقال الاعتزال المعطِّل في الوصف فهو مشبه في الفعل أن أوجب على الخالق ، جل وعلا ، من جنس ما أوجب على المخلوق في مقال إيجاب الصلاح والأصلح ، فلم يعد الفلاح مِنَّةً من الرب ، جل وعلا ، على عباده المؤمنين ، وإنما صار واجبا عليه يلزم ! ، ولم يعد مما كتبه على نفسه من الرحمة اختيارا بل هو مما يلجئه إليه قياس العقل اضطرارا أن يُوَفِّيَ الأجير أجره ، فصار للمخلوق عنده أجر مستحق ! ، وهو الذي خلقه من العدم فَلَوْ عَذَّبَهُ بلا سابقة عذاب ما قبح ذلك إذ هو خالق العين ومالكها فيتصرف فيها كيفما شاء ومن حَكَمَ في ملكه فَمَا ظَلَمَ ، وليس للعبد عنده دين مستحق فيوفيه إياه إلا ما تفضل به أن كتب على نفسه الرحمة بما وعد به المؤمنين من الثواب وما حكم لهم من الفلاح ، فَيَسَّرَ لهم من أسبابه ، أن أرشدهم الإرشاد العام الذي يستوي فيه عامة المكلفين ، فلا يخلو ذلك من فضل أعم يستغرق المؤمن والكافر وهو هداية البيان والإرشاد خلافا للفضل الأخص ، وهو ما كان في حق المؤمن أن هُدِيَ قدرا يزيد وهو الإلهام والتوفيق ، فحصل له من تصور الحق ما يصحح الحكم الباطن تصديقا وإقرارا وإذعانا وانقيادا واستسلاما يوجب من الحب والبغض ما يوافق الشرع ، ويحصل به من إرادة الخير فعلا وإرادة الشر تَرْكًا ما تظهر آثاره في الخارج في حركات اللسان نطقا وصمتا ، وحركات الأركان فعلا وتركا فإذا صحت الآلة مع ما تقدم من إرادة الخير الجازمة في القلب وكلاهما من خلق الرب ، جل وعلا ، فإذا حصل هذا المجموع المركب من إرادة الباطن وصحة الآلة في الخارج ، حصل من الفعل ما لا يخرج ، أيضا ، عن إرادة التكوين النافذة ، فالرب ، جل وعلا ، خالق كل شيء ، فكل أولئك يدخل في هذا العموم ، فيدخل فيه التصور ، وهي الصورة العلمية التي يخلقها رب البرية ، جل وعلا ، في النفس المؤمنة فضلا ويحجبها عن النفس الكافرة عدلا ، ويدخل فيه الإرادة التي تنشأ من التصور لزوما ، ويدخل فيه الآلة التي تَتَأَوَّلُ هذه الإرادة ، ويدخل فيه صحة الآلة وإطاقتها الفعل ويدخل فيها عين الفعل في الخارج ، فكل أولئك يدخل في عموم قوله تعالى : (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ، على وجه لا يستلزم القول بالجبر ، فقد خلق ، جل وعلا ، في الإنسان إرادة اختيار هي مناط التكليف بالتصديق والامتثال ، فـ : (مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) ، فأثبت المشيئة للمخلوق ، وإن في سياق التهديد بوعيد النار ، فـ : (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) ، فليس سياق الآية سياق اختيار أن يختار ما شاء ، بل يجب عليه اختيار الإيمان إن رام النجاة من العذاب والوعيد الذي ورد عقب هذا الأمر فهو أمر تهديد ، وذلك من التأويل الصحيح إذ شفع بالقرينة في ذات السياق وهي ما أوجب العدول عن الظاهر المتبادر من دلالة الأمر وهو الإيجاب ، إلى آخر مرجوح لا يتبادر وهو التهديد ، وإن كان ذلك من دلالات الأمر في اللسان ، ولكنه ليس الظاهر المتبادر ، فلا يصار إليه إلا بقرينة معتبرة تصرفه عن الظاهر إلى المؤول ، كما في هذا الموضع ، فهو تأويل صحيح أن شُفِعَ بقرينة معتبرة ، وهي ما عطف عليه من الوعيد في ذات السياق ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن هذا ليس من التأويل وإنما هو حمل للألفاظ على ظاهرها المتبادر إذ الظاهر ليس دلالة المعجم المفردة ، فذلك الظاهر البسيط ، وإنما ظاهر الكلام المفهم معنى صحيحا يحسن الوقوف عليه كما قد حَدَّ من حَدَّ الكلام من النحاة ، فظاهر الكلام المفهم هو الظاهر المركب من دلالة اللفظ المفرد في المعجم وما يحتف به من قرينة السياق الذي يَرِدُ فيه أو الحال التي تحتف باللفظ فتكسوه من لحاء المعنى ما لا يُكْسَاهُ لو قِيلَ في حال أخرى ، فالحال من القرائن المعتبرة في إدراك مراد القائل ، فيكون اللفظ واحدا ويرد في حالين فيفيد في الأولى ما لا يفيد في الثانية ، بل قد يفيد في كلٍّ معنى يضاد الآخر ، فيكون قول القائل : كُلْ ، أمر ترفق إذا صدر من أم تحض ابنها أن يطعم ليصح ويقوى ، ويكون أمر إهانة وتعنيف إن صدر من سجان إلى سجين ! ، فلكلِّ قول من قرينة الحال ما يحتف به فيرجح معنى دون آخر على وجه تتفاوت فيه المعاني بل قد تَتَضَادُّ ، كما تقدم ، فخلق ، جل وعلا ، في كل محل من إرادة الاختيار ما انتفى به الجبر ، وهو ، مع ذلك ، لا يخرج باختياره عن مشيئة الرب ، جل وعلا ، فلئن وسعه أن يخرج عن إرادة التشريع الحاكمة فيكذب أو يعصي ، أو يكفر أو يفجر ، فلا يخرج بذلك عن إرادة التكوين النافذة ، فالإنسان له إرادة بها يختار ولكنها لا تخرج عن مشيئة ذي الجلال والإكرام ، جل وعلا ، فكان وعد الفلاح فضلا ، وهو ، أيضا ، مما يجري فيه التشارك بين المحسوس والمعقول ، على وجه اختلفت فيه الأنظار ، فثم من قال إنه مما وضع ابتداء لفلح الأرض وشقها لوضع البذر الذي يُنْبِتُ ما ينفع ، فوضع لمعنى محسوس ثم استعير لآخر معقول وهو ما يكون من الفلاح العاجل والآجل بشق القلب وبذر الإيمان فيه قولا وعملا ، وثم من يجعل ذلك من الاشتراك في أصل المعنى المطلق في الذهن ، فالفلاح قد وضع لفلح الشيء وشقه مطلقا ، محسوسا كان أو معقولا ، ومن ثم يكون في الخارج من القرائن ما يرجح المحسوس تارة والمعقول أخرى ولكلٍّ ، كما تقدم ، من القرائن ما يحتف به ، على وجه يجري فيه ما يجري في أي ظاهر ومؤول ، أو مشترك ، عند التدبر والنظر فهو أشد إجمالا ، إذ في الظاهر والمؤول يكون ثَمَّ تراجح مع قيام الاحتمال للمرجوح وإن وجب العمل بالظاهر الراجح حتى تَرِدَ قرينة توجب العدول إلى المؤول المرجوح ، خلافا للمشترك فالاحتمال فيه يَتَسَاوَى فلا بد له من القرينة ، من باب أولى ، لِتُرَجِّحَ أحد طرفي الاحتمال ، وإلا كان التحكم بالترجيح بلا مرجح .

    وكان الوعد بالفلاح المطلق إذ أطلق اللفظ "أفلح" ، فالأصل فيه أن يستغرق سائر وجوه الفلاح ما ظهر وما بطن ، ما خص الفرد وعم الجماعة ، ما كان في قرار السياسة والحرب والتجارة فيكون الفلاح فيها جميعا بامتثال الوحي المنزل ، وتقديمه على الوضع المحدث ، فيكون مرجع النظر والاستدلال ما يجاوز الأهواء والأذواق من خارجها من الوحي الذي يحكم فيها اعتبارا أو إلغاء فلا اعتبار لما ألغاه ولا إلغاء لما اعتبره ، كما يقال في مصالح كثيرة تُتَوَهَّمُ كمصلحة التسوية بين الذكر والأنثى من الأولاد في الإرث فلئن توهم فيه الناظر مصلحة كعدالة قد فسد قياس صاحبها وَحَدُّهُ أن توهم أنها التسوية مطلقا ، وإنما العدالة هي الحكمة ، وهي ، كما تقدم ، توجب وضع الشيء في موضعه الذي يلائمه وإن كان الاختلاف في القدر والحكم تَبَعًا للاختلاف في الوصف ، فلئن توهم صاحب هذا الحد مصلحة في هذه التسوية الجائرة فهي ملغاة إذ ألغاها الوحي ولم يعتبرها ، فهو الحكم من خارج في الأهواء والأذواق ، فاشترط من اشترط في المصلحة المرسلة ألا تخالف أصلا كليا أو حكما جزئيا فلا اعتبار لما ألغاه الوحي إن بأصوله ومقاصدة المجملة ، أو نصوصه وأحكامه المفصلة .
    ويكون الفلاح التام ، أيضا ، في الأولى والآخرة ، فيكون الفلاح التام لمن أتى بالإيمان الواجب ، خلافا لمن أتى بالأصل دون الكمال فله من الفلاح بقدر ما تصح نسبته إلى الإيمان فلا يستوي فلاح من جاء بمطلق إيمان ففلاحه لا يكون بادي الرأي ، وإن كان ثم من الاحتمال ما يثبت فهو تحت المشيئة فقد يتفضل عليه الرب ، جل وعلا ، بالفلاح ابتداء فلا يعذب وإن كان ثم سبب يستلزم العذاب من ترك واجب أو مقارفة محرم على وجه لا ينقض أصل التوحيد الأول فليس ناقضا في نفسه ، ولم يقع منه مستحلا أو مستهزءا وإنما وقع منه عصيان شهوة غلبته ، فهو تحت المشيئة فإن شاء الله ، جل وعلا ، غفر له ابتداء فيكون الفلاح المطلق وذلك الفضل ، وإن شاء عذبه عذاب التطهير لا التأبيد فيكون الفلاح المقيد إذ يأتي بعد سابقة عذاب تطهر وذلك العدل ، فلا يخرج فعل الرب ، جل وعلا ، عن الفضل أو العدل ، فَفَضْلٌ إذا أعطى وَعَدْلٌ إذا منع ، وفضل إذا عافى وعدل إذا ابتلى ولا يخلو الابتلاء ، مع ذلك ، من وجه فضل يخفى ، أن يكون به من تكفير الذنب وتطهير المحل ما تُنَالُ به درجات رفيعة ما كان صاحبها لِيَبْلُغَهَا إلا بالابتلاء مع سؤال العافية والسلامة فلا يكون من الفقه الدعاء بالبلاء أو استجلاب أسبابه بتكليف النفس ما لا تطيق فذلك قد يفتنها فتجزع وتسخط فتهلك ولا تفلح فيكون الخذلان الذي قد يبلغ بصاحبه حد الكفران فلا يجترئ العاقل فضلا عن المؤمن الكامل أن يتقصد الابتلاء ، وإنما يسأل ربه ، جل وعلا ، السلامة فلا يعدل العاقل بالعافية شيئا ، ويسأله الصبر إذا وقع الابتلاء ويجهد ما استطاع أن يُوَطِّنَ نفسه أن تمرن الصبر وتعتاده فإذا نَزَلَ البلاء كان له أهلا أن أعد له من العدة ما ينفع ، مع سؤال الرب ، جل وعلا ، الهداية إلى أسباب الصبر والثبات عليها حتى يكون لقاء الرب ، جل وعلا ، بلا تبديل ولا حيدة عن جادة الحق والشرع .
    ولا يخلو الخبر ، من وجه آخر ، من دلالة إنشاء تطرد وتنعكس أيضا ، فخبر المدح بالفلاح المحقق يستلزم الأمر به فآمنوا لتفلحوا ، ويستلزم هذا الأمر ، من وجه آخر ، النهي عن ضده ، فلا تكفروا فتخذلوا ، فحصل التلازم الوثيق طردا وعكسا إن في الخبر أو في الإنشاء على وجه يواطئ دلالة القياس الصريح فلا يخالف نَصُّ الوحي الصحيح عنها أبدا .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:22-11-2017
    الساعة:05:13 PM

    المشاركات
    4,706
    العمر
    39

    وبعد ذلك جاء الإطناب بالموصول في قوله تعالى : (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ، إما زيادة بَيَانٍ بالوصف ، فوصف المؤمنين أنهم يخشعون في الصلاة ، وقد يكون ذلك من باب الإطناب بالبدل أو عطف البيان ، وهو يجري مجرى الاشتمال ، أو الإطناب بخاص بعد عام ، فإن معنى الإيمان الأعم يستغرق الخشوع الأخص ، وفيه من الدلالة ما يستأنس به من يقول إن العمل يدخل في حد الإيمان ، فاسم الإيمان يشتمل خصالا من التصديق والقول والعمل ، منها الباطن كالخشوع ، ومنها الظاهر كالصلاة ، فكان الفعل المركب من خصلة الخشوع الباطنة وهي روح العمل وغايته ، وإن كانت الصلاة في نفسها غاية فهي ركن من أركان الدين ، كما في الخبر : "رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ " ، فاستعير معنى الرَّأْسِ المحسوس لأصل الدين ، وهو أمر معقول ، إذ هو من الدين كالرأس من أركان البدن ، فالإسلام أصل ، وما بعده فروع ، لا أنها لا تجب أو أن تركها لا يضر ، وإنما هي لوازم الإسلام الباطن ، من وجه ، فضلا أن الإسلام الباطن ونظيره الظاهر كلاهما مجموع به يحصل في الخارج إسلام كامل ينفع صاحبه ، أو آخر ناقص لم تبلغ به الحال انتقاض الأصل ، فيكون الإسلام الباطن تصديقا ، والإسلام الظاهر نطقا وعملا ، وإن فات من شعب القول والعمل ما يجب إلا أن إِيجَابَهَا ليس إيجاب الأصل فَتَخَلُّفُهَا لا ينقض أصل الدين وإن نَقَضَ كماله الواجب ، إلا ما كان من تَرْكٍ مطلق لجنس العمل الظاهر ، أو تَرْكٍ لما لا يصح أصل الإسلام إلا به من أجناس مخصوصة من العمل ، أو مقارفة لما ينقض أصل الدين من القول أو العمل ، فرأس الأمر الإسلام إذ لا يصح عمل إلا به ، فمهما عمل الإنسان ولم يكن ثم أصل من التصديق الناصح يخلص نِيَّةَ الفاعل لم ينفع العمل فليس إلا صورة في الظاهر تَفْتَقِرُ إلى الخشوع الباطن ، أصلِ العمل ومبدإِ الباعث على تجويد العمل في الخارج ، فكان الرأس هو الإسلام ، وكان العمود هو الصلاة ، وهي تَنْصَرِفُ بدلالة "أل" في "الصلاة" ، إلى العهد الخاص وهو العبادة المخصوصة التي يشاطر الفعل فيها القول ، فالصلاة في اصطلاح الشرع : اسم يطلق على مُسَمًّى مجموع مخصوص في الخارج ، من القول والعمل ، من الواجب والنافلة ، من الركن والواجب والمندوب ، فالصلاة جنس عام يستغرق آحادا في الخارج ، فمنه الصلاة باللسان دعاء وذلك معنى أعم من المعنى الشرعي الأخص ، فاصطلاح الشريعة يَقْصُرُ الصلاة على عهد خاص يَتَرَكَّبُ من أجزاء منها ، كما تقدم ، الواجب من القول والعمل ، من الفاتحة والتسبيح والتحميد قولا ، والقيام والركوع والسجود والجلسة والقعود فعلا ، على هيئات مخصوصة تجاوز الهيئات المطلقة التي تقع في الخارج حركة بلا نية تَعَبُّدٍ تُقَيِّدُهَا ، ومن جنس الصلاة صلاة القلب أن يخشع ويذل ، فهو يخفض الصوت ويضع الجبهة بين يدي الرب الأعلى ، فهو السيد المولى ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَلَهُ ولاية تكوين نافذ بما دل عليه عنوان الربوبية ، وله ولاية تشريع حاكم بما دل عليه عنوان الألوهية ، وذلك معنى يجاوز الصلاة المعهودة ، وإن كانت عليه تَدُلُّ ، لو كان ثم خشوع في القلب لا رياء بأقوال وأعمال في الظاهر لا باعث لها في الباطن من الخشوع الذي يستوجب التوقف عند الأمر والنهي ، فلا يكون الفصام والتناقض بَيْنَ قلب قد اشتغل بالدنيا فاستحل ما استحل من الحرمة ، طعمة مال أو حكم جور في سياسة وحرب ، وهو ، مع ذلك ، يتخاشع في الظاهر فَيَتَكَلَّفُ من الخشوع في حركات الأركان حال الصلاة والقيام والحج .... إلخ من عبادات الجوارح ، يتكلف منها : ما يفضح زيفه ما يكون من مخالفة عن الوحي وموافقة للهوى إن في خاصة الشأن أو في عامة الحكم كما يرى الناظر من حال أئمة في السياسة يتظاهرون بتعظيم الديانة وامتثال أحكامها ، فيكون رفع الأيدي وإغماض العين تصنعا نُهِيَ عنه أهل الإسلام فإن دينهم خلو من التكلف ، إلا أن يَرَى ما يشغله في صلاته فَيُشْرَعُ له الإغماض أو كان يجد في ذلك زيادة خشوع حقا لا دعوى ، صدقا لا رياء ، فيجوز له آنذاك أن يغمض ، وإن كان الأولى ألا يفعل فلا يشابه من صلاتهم صلاة الإغماض الظاهر وهو من أخبث الخلق باطنا فتلك صلاة يهود ، فقلوبهم بالدنيا تَتَعَلَّقُ فلا يغادرون فعل التجارة ولو داخل المسجد ، فكان من عظم الجرم أن صيروا المسجد دار صرافة ولعب ! ، فصيروه محلا لشغل من الدنيا يذم لا مطلقا ، وإنما يذم حال الصلاة فهي الأولى إذا دخل وَقْتُهَا أو قَارَبَ ، فَيَكُونُ الاشتغالُ عنها بأمر تجارة أو لهو مِمَّا يُذَمُّ ، وإن كانت التجارة في الأصل مباحة بل يدخلها من التكليف ما قد يصيرها واجبة إن كانت سبب رزق حلال يعف صاحبه أن يقارف الحرام أو يَتَعَاطَاهُ ، فتكون واجبة من هذا الوجه ، ولو إيجاب الذرائع ، فهي ذريعة إلى العفة وهي حجاب من الحرام فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وما لا يترك الحرام إلا به فهو واجب ، سواء أكان وجوب ضد بعينه من أضداد المحرم ، أو ضد دائر فيفارق الحرام إلى أضداد من الحلال ، فيكون في مقارفتها من جنس الواجب ، ولو من باب الذرائع ، أن كانت مباشرتها صارفة عن الحرام لما قد علم من الطبائع والبدائه أن النفس لا تشتغل بالضدين ، فالمحل الواحد لا يقبل الضدين في نفس الآن من نفس الوجه ، فذلك مما يمتنع في الحس والمعنى ، فإذا امتلأ وعاء بشراب طهور لم يقبل من النجس ما يزاحمه ، وإن نقص من الطهور قدر نازعه آخر ، سواء أكان طهورا مثله كما يمزج اللبن بالماء ، أم نجسا كما يمزج اللبن بالخمر ، فيكون الوصف لمن غلب فإذا بلغ الطهور القلتين لم يحمل الخبث اليسير كما أن الإيمان إذا كمل واشتد عوده تحمل من مواضع الغفلة عن الذكر أو الفتور عن العمل أو صغائر لا يسلم منها أحد ، إلا ما كان من عصمة النبوة على خلاف أيجوز في حق صاحبها صغائر لا تقدح في المروءة خلافا لصغائر الخسة فهي بالإجماع مما لا يجوز في حق الأنبياء ، عليهم السلام ، إذ تقدح في العصمة والحشمة فكيف يؤخذ دين ممن يقترف القادح في المروءة ، ولو مباحا ، ولكنه يُزْرِي بالنفس ، فكيف بما هو محرم وإن صغيرة ، فاجتمع فيه وصف المحرم ، من وجه ، ووصف أعظم أَثَرًا في باب البلاغ والبيان ، وهو وصف الخسة الذي يقدح في العدالة فلا يطمئن المخاطب ، فالمبلغ المبين قد سقط في نظره ، وإن بمباح إن احتمل من غيره لم يحتمل منه ، فلا يغتفر في حق الأكابر من الصنائع ما يغتفر في حق الأصاغر ، لا جرم كان تعزير الأكابر يجزئ فيه الكلمة ، فإن لهم من الوجاهة ما يخدشه أي قول أو عمل يُنْقِصُ من القدر ، ولو يسيرا ، خلاف الأصاغر فتعزيرهم لا يكون إلا بما يؤلم الجسد إذ تَبَلَّدَتِ الروح فلا يجزئ فيها سب أو زجر ! ، فأولئك قد رضوا بخطة الخسف ، خطة الضرب بالعصا ، فـ :
    لا تشترِ العبد إلا والعصا معه ******* إن العبيد لأنجاس مناكيد .
    فإذا غلب الإيمان على الجنان الباطن تحمل من مواضع الغفلة أو مواضع الصغائر ما يجبر الكسر فَتُقَالُ عثرة الكريم في هذه الحال ، ما لا تُقَالُ في أخرى كباب البلاغ والبيان فلا يحتمل في حق الناقل ، ولو آحادا من حملة الشرع ، لا يحتمل في حقه من الصغائر جنسا يقدح في المروءة ، لا يحتمل في حقه من هذا الجنس ما قد يَتَحَمَّلُهُ كثيرُ الإيمان في إناء الجنان في صدور العامة ، فخاصة النقلة للدين لا بد فيهم من قدر يزيد من العدالة التي توجب مفارقة بعض المباحات ، إذ لا تليق بأصحاب المروءات ، فضلا عن صغائر الخسة ، فإذا كان ذلك يثبت في حق آحاد من النقلة تحملوا الرواية تحمل الناقل ، لا تحمل المبتدئ الشارع بوحي لا يُعْلَمُ إلا من طريقه فهو أصل الإسناد فجميع أسانيد الوحي والحكمة إليه ترجع ، فاشترط في الناقل من العدالة التامة ما يجانب فيه كل ما يخرم المروءة سواء أكان مباحا أم كان من صغائر الخسة وإن لم يشترط فيه ما اشترط في النبي المبلِّغ المبيِّن من العصمة ، فَقَدْ يُقَارِفُ الناقل من الذنوب ما لا يجوز في حق النبي ، وإن جاز ابتداء بالنظر في معنى الجبلة ، فهي جبلة نقص وحاجة لها من الشهوات والحظوظ ما قد يحملها على مُقَارَفَةِ المعاصي طلبا للذة أو رجاء حظوة ، فكان مانع العصمة الربانية بما كان من الصناعة الخاصة ، صناعة الأنبياء على عين رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، رعاية لهم وتعاهدا بأجناس من الكمال الباطن والظاهر ، في الشرعة والخلقة ، في الباطن والظاهر ، في السر والعلن ، فكان لهم من الكمال ما ليس لآحاد من الرواة ، وإن اشترط في الراوي من آحاد النقلة ، وإن اشترط فيه قدر من العدالة لا يخلو من معنى العصمة ، وإن مقيدة ، فلا تخلو من مِنَّةٍ من جنس المنة بالصناعة الربانية ، فثم اصطفاء عام للنوع الإنساني أن يتحمل من الأمانة ما لا تطيقه بقية الكائنات ، وإن عظمت كالأرض والسماوات ، وثم اصطفاء أخص لمن آمن فصدق الخبر وامتثل الحكم وأحسن يتحمل الأمانة ، أمانة الدين والوحي ، وتأويلها في الخارج أمانة الخلافة في الأرض أن يحكم الإنسان بالعدل ولا يتبع الهوى ولا يكون ذلك ، لو تدبر الناظر ، إلا أن يكون الحكم من خارج العقول والنفوس فيكون من الوحي المنقول الذي يتحمله أولئك النقلة المصطفون بهداية أخص ، هداية الإلهام والتوفيق ، وفيها ، لو تدبر الناظر ، ما في سائر المعاني من تفاوت الآحاد في الخارج وإن اجتمعت تحت جنس واحد ، فَثَمَّ هداية توفيق لآحاد المؤمنين بحصول أصل الدين الجامع وإن فات الكمال الواجب فحصول الأصل في نفسه منة عظمى إذ يُنَجِّي صاحبه ، ولو آخر أمره ، فإن جرى عليه حكم الفضل نجا ابتداء بما يكون من موانع نفاذ الوعيد ، وإن جرى عليه حكم العدل فعذابه غير مؤبد فيخرج ولو بعد أحقاب ، وثم هداية توفيق وإلهام تَزِيدُ بحصول الكمال الواجب ، وهي ، أيضا ، مما يَتَفَاوَتُ حَتَّى تَبْلُغَ حد العصمة ، وهي وصف لا يكتسب فمعنى المنة والهبة فيه يتمحض وذلك أعلى الأجناس صناعة للأعيان على عين الرحمن ، جل وعلا ، فتلك أعيان النبوة ودونها أعيان العدول الذين اصطفاهم الرب ، جل وعلا ، أن يتحملوا أمانة الوحي تَبْلِيغًا وَتَبْيِينًا ثَانِيًا بعد تَبْلِيغِ النبوة وَتَبْيِينِهَا الأول ، فَلَهُمْ حَدٌّ من العدالة حتم لازم ليقبل خبرهم في الشرع ، فلا يقبل خبر فاسق ، أو خبر مقدوح العدالة ، ولو بمخالفة في مباح يَخْرُجُ صاحبها عن حد الاعتدال بالنظر في عرف زمانه وعوائد بلاده ، فلا يخالف عنها فيشتهر بالذم الذي يوجب التوقف في قبول خبره ، فلا بد لمن تحمل أمانة الوحي ، وهي أعظم الأمانات ، لا بد أن يتحلى بقدر زائد من العدالة فهو فوق الإيمان الذي يحصل لآحاد المؤمنين ، فقد يكتنفه من النقص ما يقدح في العدالة سواء أكان كبيرة أم صغيرة خسة أم مباحا يخالف عن العادة والعرف ، فالعادة محكمة ، كما يقول أهل الشأن ، وذلك حكم لا يقتصر على المقادير التي لم يحدها الشرع بحد مخصوص وإنما يجاوز إلى معنى العدالة في الرواية بالحكم بالاستقامة وكمال المروءة والحشمة على وجه يحصل به من التوقير والتعزير لصاحبه ما يجعله أهلا أن يتحمل أمانة الدين بلاغا وبيانا ، وإن كان هذا المعنى ، معنى العدالة ، وإن كان في نفسه اسما شرعيا كسائر الأسماء التي لم يحدها الشرع بحد مخصوص ، لا سيما في باب المباح ، فمنه ما يقارف الناس في عصر أو مصر فيكون محمودا لا يذم فاعله ولو ذم العادة لا ذم الدين ، فلو كان ثم ذم في الدين لكان من المحرم أو المكروه على أدنى أحواله ، مع أن من المباح ، ولو بالنظر في حكم الدين ، ما قد يَبْلُغُ بصاحبه حد التحريم أو الكراهة إن صار ذريعة لهما فهو لا يوصف بذلك لذاته ، بل هو ابتداء من الطيب الحلال الذي لا تخالطه شائبة تحريم أو كراهة إلا لوصف من خارج يجري مجرى القرينة الصارفة عن الأصل ، فيكون ذلك من التأويل الصحيح المعتبر ، فإن المباح ابتداء ما استوى طرفاه ، الفعل والترك ، فلما ورد المرجِّح من خارج أن كان الفعل ذريعة إلى خير يجب أو يندب ترجح طرف الفعل ، ولما ورد المرجح من خارج أن كان الفعل ذريعة إلى شر يحرم أو يكره ترجح جانب الترك ، وإلا فهو ابتداء مما استوى طرفاه ، فالترجيح بَيْنَهُمَا بلا قرينة أمرٌ يخالف عن قياس العقل الصريح فهو ترجيح بلا مرجح ، فمن المباح ، كما تقدم ، ما لا يذم فاعله مطلقا ، ولو ذم العادة والعرف كما هي الحال في أفعال الجبلة المباحة بالنظر في أجناسها المطلقة دون قيد بوصف زائد قد يقدح في الفاعل كما هي الحال في الطعام على سبيل المثال ، فالطعام جنس من الأفعال الجبلية لا يذم ولا يحمد لذاته ، وإن كان في تعاطيه ، ولو ضِمْنًا ، قَبُولٌ لِعَطَايَا الرَّبِّ ، جل وعلا ، مِمَّا أخرج من الطَّيِّبَاتِ التي تَنْتَفِعُ بها الكائنات ، فلا يمدح ابتداء إلا من هذا الوجه ، وقد يَزِيدُ الحمد بما يكون من نَوَايَا الخير كالاستعانة به على الطاعة فبه يصح البنيان ويقوى ، فيطيق من الخير ما يجب أو يندب ، ولا يذم ، ابتداء ، إلا إن كان ذريعة إلى مكروه أو محرم ، أو كان فيه من الفضول والزيادة ما يكره ابتداء إذ هو ذريعة إلى المحرم ، ولو تقصيرا في الواجب بما يكون من ثقل النفوس إذا أفرطت في الشهوات ، وبما يكون من جشع وَشَرَهٍ يحمل صاحبه أن يَقْتَرِفَ من الشر ما يَقْتَرِفُ رجاء تحصيله وذلك من شؤم العاقبة ، فالترف مُفْسِدٌ للدين مُتْلِفٌ للبدن مُنْقِصٌ للحشمة والمروءة ، قادح في العدالة وإن لم يبلغ بصاحبه المحرم فكيف إذا بلغ به ما يخالف عن الوحي فكان محل السخط من الرب ، جل وعلا ، فهو أشد ذما ، وقل مثله في مباح آخر تختلف أحكامه باختلاف الدور والأمصار ، وتغاير الدهور والأعصار ، كما يضرب المثل بصورة الأكل في قارعة الطريق ، فليس الفعل مطلقا مجردا من الوصف فهو طعام فقط قد جرده الذهن من القرائن والأوصاف في الخارج ، فذلك ، كما تقدم ، مباح لا يمدح ولا يذم لذاته ، فالأكل في الطريق فعل مقيد بصورة مخصوصة تقدح في مروءة بعض ولا تقدح في آخر ، وقد تقدح في مصر دون آخر ، أو عصر دون آخر ، لا سيما مع تغير العوائد فأكثر الناس في الأعصار المتأخرة لا يجدون مع كثرة الشواغل فسحة يأكلون فيها أكل المطمئن في بيته المستور فلا يطلع الناس عليه في حال نقص ، فإن مباشرة الشهوة ، ولو مباحة ، مظنة النقص بما يكون من استرسال النفس ما لا تسترسل في أوقات الجد ، فلا يكون تعاطيها مأمونا إلا حال الستر ، فلا يطلع عليها إلا الخاصة ، بل ثم من ينزلها منزلة الحاجة أو الوطر فلا يقضيها أمام أحد كما أُثِرَ عن أمثال مالك ، رحمه الله ، إذ كان لا يأكل إلا منفردا صيانة للحشمة أن كان من حملة إرث النبوة فلا يَلِيقُ في حقهم من الأقوال والأفعال ما يَلِيقُ بعامة الناس ، لا كبرا أو تَعَالِيًا ، ولا تَفَاوُتًا بَيْنَ خاص وعام من جنس التفاوت الذي اشتهر في الطرائق والمذاهب ، فكان ثم خواص وغيرهم عوام على وجه يتفاوت فيه التكليف ، فيستجيز الخاصة من خرق ناموس الشريعة الظاهر ما لا يجوز للعامة أن لم يبلغوا ما بلغ الخاصة من علم سَوَّغَ لهم اقتراف الخوارم بل والفواحش ، بل وجعل ذلك مئنة من كمال الحال فما صنعوا ذلك إلا أمارة على بلوغهم درجة اليقين فلا تكليف ! ، فَقَيَّدَ أهل الشأن هذا الباب بالسوقي الذي يقضي أغلب دهره في الخارج فيخالط الناس في الأسواق والمتاجر طلبا لرزق حلال طيب ، فلا يقدح أكله في الطريق في عدالته وإن استحب له في كل حال أن يستتر ما أطاق حال أكل أو شرب ، فضلا أن يكون مع ذلك من أهل الديانة والرواية فهو يُبَلِّغُ الوحي وَيُبَيِّنُهُ ، فيشرع في حقه من الاستتار ما لا يشرع في حق العامة ، فمقام النيابة عن الوحي مقام عظيم لا يطيقه إلا من تجرد من الأهواء والحظوظ وخالف عن الطبائع ، ولو مباحة ، على وجه لا يكون فيه من التكلف ما يفضي به إلى التصوف ، فيكون أمره رهبنة يُحَرِّمُ صاحبها ما حَلَّ له من الزينة والطيب من الرزق ، ولو تدبر الناظر لعلم أن الوحي في جميع أحكامه وأحواله قد جاء يصون صاحبه من القوادح ، فهو مناط عصمة ، وإن اختلفت درجاتها ، فثم عصمة النبوة وهي أرفع درجات هذا الجنس ، وثم عصمة الرواية من قادح الدين والعدالة ، على التفصيل المتقدم ، وثم عصمة الإيمان ، سواء أكان الإيمان الواجب الذي يمتثل صاحبه من الأحكام ، فرائض تجب ونوافل تجبر ، فليس صاحبه بمعصوم أن يخطئ في فتوى إن كان من أهل العلم ، أو في قول أو عمل إن كان من آحاد المؤمنين ، فلا يدعون العصمة من الكبائر إلا أن يُوَفِّقَهُم الرب ، جل وعلا ، فلا يقترفون منها ما ينحط بهم إلى دركة العصاة ، وإن كانوا من جملة الموحدين ، فعصمة الإيمان في حقهم لما تَنْتَفِ من كل وجه بل ثم منها ما يحفظ اسم الإسلام الأعم الذي تَتَّسِعُ دائرته فتستغرق كل من له سهم في الدين ينفع ، فكان التصديق مع قدر من القول والعمل يثبت به الجنس العام وإن تخلفت آحاد لا يقدح تخلفها في الأصل فذلك رأس الأمر ، كما تقدم ، إذ كل ما بعده لا يصح إلا إذا صح ، فمثله كمثل الجنان من سائر الأركان ، فإذا صَلُحَ صَلُحَ الجسد كله ، وإذا فَسَدَ فَسَدَ الجسد كله ، فكذلك الإسلام بمعناه المطلق الذي يصدق في أدنى قدر يَنْفَعُ إذ يثبت لصاحبه توحيد ، ولو في الجملة ، وإن لم يثبت له من الكمال ما ينجيه ، مبدأ الأمر ، بما تفضل به ، جل وعلا ، من وعد الصدق ، فقد فاته من وعد الصدق أن يدخل الجنة ابتداء بلا عذاب إلا إذا تفضل رب العباد ، جل وعلا ، فكان في حقه من مانع الوعيد ما يحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ عذاب التطهير ، ففاته من هذا الوعد ما فاته بما كان من وعيد المعصية المؤقت إذا كانت من الجنس القادح في كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع ، فإنها إن زادت فقدحت في الأصل فوعيده الوعيد المؤبد إذ وقع في الذنب الذي لا يغفره الرب ، جل وعلا ، أن وقع في شرك أكبر ، أو كفر يضاهيه فكلاهما ناقض لرأس الأمر الذي لا يصح فرع إلا بصحته ، فَنَقَضَا رأسي الإيمان والإسلام بما كان من قادح الكفر والشرك ، دون قادح المعصية الذي لا يقدح في أصل الدين ، إلا إن كان الفعل في نفسه قادحا في الأصل وذلك ما لا يثبت إلا بنص فهو خلاف الأصل أن ينتقض الأصل بمعصية ، فإذ كان خلاف الأصل فلا يعدل إليه إلا بدليل صارف عن الأصل يكون فيه من زيادة العلم ما يدل أن هذا الفعل بعينه قد اختص عن سائر المعاصي أن كان ناقضا بنفسه ولو لم يكن ثم استباحة أو استهزاء بالشرع فَذَانِكَ ناقضان بِنَفْسَيْهِمَا ولو لم يكن ثم مقارفة للناقض بل يكونان بالاعتقاد أو بما يظهر من قول أو عمل ، ولو لمزا لأهل الحق وطعنا فيهم لما يظهرون من هدي الدين ، ولو ظاهرا في الهيئة .
    فَلَئِنْ فاتت العاصي الموحِّدَ عصمةُ النجاة ابتداء بما كان من الفضل العظيم بوعد الصدق ، فلم يفته إن كان معه أصل من التوحيد يصح ، ولو في الجملة ، فَلَهُ عصمة ، ولو دنيا ، ألا يخلد في النار إن كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، فذلك صاحب البطاقة التي تنفع ، بطاقة الشهادة ، لا لفظا مجردا ، بل لا بد من قدر زائد من عمل يصحح أصل الدين وإن لم يبلغ بصاحبه حد الإيمان الواجب ، فكان من العصمة النافعة ما لا يكون إلا باتباع الشرعة النازلة ، تصديقا وامتثالا ، وكان من عصمة العدالة قدر زائد في حق النقلة فلا يقبل خبرهم إلا إن سلموا من قوادح المروءة ، فكيف بأصحاب العصمة مِمَّنْ كُلِّفُوا أن يُبَلِّغُوا نصوص الحكمة والشرعة وَيُبَيِّنُوا ما أُجْمِلَ من معانيها وأحكامها ، فإن عصمتهم أرفع درجات الجنس ، كما أن إيمانهم أرفع درجات الجنس ، وكما أن صلاتهم أرفع درجات الجنس ، فهم أول من يدخل في وعد الفلاح ، وأول من يصدق فيه وصف الخشوع في الصلاة ، فهم أول من يدخل في عموم قوله تعالى : (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ، فدخولهم قطعي إذ هم أعظم الناس إيمانا وأعظمهم خشوعا فذلك ، كما تقدم ، من لوازم الإيمان ، فضلا أنه من أعماله التي تدخل في ماهيته المركبة من الاعتقاد والقول والعمل ، فالخشوع من عمل الباطن الذي تظهر آثاره في الخارج ، كما في الأثر المشهور عن سعيد بن المسيب ، رحمه الله ، إذ رأى رجلا يعبث في صلاته ، فـ : "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" ، فذلك يجري على وزان القياس الصريح في باب التعليل إذ المسبَّب في الخارج من خشوع الجوارح حقيقة لا دعوى هذا المسبَّب في الخارج لا يصدر إلا عن سبب في الباطن من الخشوع الذي يحصل في الجنان عملا يزيد على محض التصديق ، فالخبر مادته الأولى فإذا صَدَّقَ القلب تصديقا ينفع لا معرفة تحصل في أي محل يعقل ، آمن أو كفر ، فليس ذلك ، بداهة التصديق النافع الذي يحصل منه الخضوع المعتبر في الباطن والظاهر ، فغاية العرفان المجرد أن ثم رَبًّا يخلق وإلهًا يستحق العبادة دون أن يشفع ذلك بما يصححه من انقياد الباطن وخشوعه وإرادة الخير فعلا والشر تَرْكًا ، غاية ذلك العرفان المجرد أن يحصل منه خشوع نفاق في الظاهر إن استعمل صاحبه التقية فأظهر الإيمان وأبطن الكفر ، فتلك ، بداهة ، تقية تخالف عن التقية الجائزة رخصة تقدر حال الضرورة بقدرها ، فهي إظهار الكفر وإبطان الإيمان لا عكسه ! ، فيكون من خشوع النفاق ما يذم من رفع الأيدي وإغماض العين تصنعا والجثو على الركبة تخاشعا لا خشوعا ، فذلك ، بداهة ، لا يدخل في حد المدح صدر السورة ، ولا يصدق في صاحبه وصف الخشوع الصحيح الذي ينفع في حصول اسم الإيمان المجزئ فلا يخلو الإطناب ، من هذا الوجه ، من تعليل ، فذكر حكم الفلاح الذي أناطه باسم الإيمان الأعم في قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) ، ثم أردف بخصلة أخص ، فهي ، أيضا ، من أسباب الفلاح فكان التعليل بها من هذا الوجه ، ولا يخلو إفراده بالذكر خاصة بعد اسم الإيمان العام ، لا يخلو من تَنْوِيهٍ بِهَا فهي ، كما تقدم ، أعظم الأركان العملية الواجبة وعمود الأمر بعد حصول الجملة الإسلامية النافعة التي يصح بها الأصل الأول فلا صحة لقول أو عمل إلا بشهادة صدق يواطئ ظاهرها المنطوق باطنها المعقود ، فهي مادة خشوع صحيح ينفع ، إذ انعقد في الباطن معنى التوحيد الناصح فكان إيمان به خشع الباطن ، فهو الذريعة التي بها يحصل الخشوع الظاهر في الصلاة خاصة وفي سائر أعمال التكليف عامة ، فالصلاة ، وإن كانت في هذا السياق اسما لمسمى في الشرع مخصوص فهي الحقيقة الاصطلاحية الشرعية التي تحصل في الخارج بمجموع من الأقوال والأعمال قد استوفى قَبْلَهُ شرائط من طهارة ونحوه وانتفت فيه موانع الإجزاء ولو في أحكام الدنيا فلم يقترف صاحبه من مبطلات الصلاة الباطنة كنية الخروج قطعا لا تعليقا ، على خلاف بين الفقهاء فثم من جعل تعليق النية حال الصلاة مبطلا لها ، ولم يقترف ، أيضا ، من مبطلاتها الظاهرة كالكلام فهو ينافي سمت الخشوع والقنوت ، فكان الأمر المقيد في قوله تعالى : (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) ، فهو قيام مخصوص في الصلاة لقرينة السبب الذي نزل عليه هذا النجم القرآني ، فَنَزَلَ ينسخ إباحة الكلام في الصلاة ، فالقنوت هنا قنوت أخص ينقطع صاحبه عن الكلام الأجنبي فيقتصر على الكلام الشرعي الذي به تحصل حقيقة الصلاة في الاصطلاح سواء أكان من الواجب كالفاتحة والذكر الواجب في الركوع والسجود والقعود والتشهد ، أم من المندوب كما زاد من التسبيح والتحميد والتهليل وما يكون من الدعاء سواء أكان مأثورا أم مطلقا على وجه لا يصدق في صاحبه أنه قد خرج عن حد الكلام الشرعي إلى الكلام الأجنبي الذي يكون خارج الصلاة ، فكان الأمر بالقيام في الآية ، وهو مما استدل به من يجعل القيام مع القدرة أول فرض بعد النية ، فهي أول ركن من أركان الصلاة خاصة ومن أركان أي عبادة عامة ، على الخلاف المشهور أشرط هي أم ركن ، فثم إجماع أنها فرض ، وثم خلاف أشرط يخرج عن ماهية الصلاة أم ركن يدخل فيها وَثَمَّ ، مِنَ المحققين ، مَنْ جمع فهي شرط بالنظر في إيجاب استصحابها وعدم نقضها فتشبه الطهارة من هذا الوجه ، وهي ركن إذ تسقط بأدائها خارج الصلاة لا سقوط الذهول التام عن الفعل وإنما قد يذهل العقل حال الصلاة عن النية الأولى التي عقدها فذلك ما لا يقدح في صحة الصلاة وإن قدح في كمالها الواجب فـ : "إنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها" ، كما أُثِرَ عن عمار بن ياسر ، رضي الله عنه ، فليس له منها ما ذهل عنه وسها ، فذلك مما ينافي الخشوع الذي أنيط به اسم الفلاح في الآية ، فلا يكون ذهول العقل عن أصل النية مبطلا للصلاة وإن نقص منها إلا إن كان الذهول تاما فلا يعقل ما يقول ، أو كان بطارئ رياء يتوجه إلى أصل العبادة ، على تفصيل في ذلك ، فإن كانت النية المعقودة ابتداء نية الرياء فذلك ما يبطل الصلاة في أحكام الآخرة وإن لم يبطلها بالنظر في صورة الظاهر فهي في أحكام الدنيا تجزئ في إسقاط الفرض سقوطه عن المنافق الذي يأتي من ظاهر الشرع ما يعصم الدم والمال ، فلا يفتش عن باطنه إلا إن أظهر من القرائن ما يرجح عقابه أن أظهر من الكفر ما كان به يستتر ، فالحكم في الدنيا لا يكون إلا على الظاهر ، وأمر الباطن إلى الله ، جل وعلا ، يُوكَلُ ، فـ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى" ، فمن أتى بالإيمان وشرائعه الظاهرة فقد برئت ذمته في أحكام الدنيا ، ومن سالم وعاهد بذمة صحيحة معتبرة فدمه وماله يعصم إلا إن نقض العهد فحارب بقول أو عمل أو خيانة أو تحريض .... إلخ من نواقض الذمة .
    وإن كانت النية في الصلاة خالصة لله ، جل وعلا ، فكان الخشوع صحيحا لا تكلف فيه ، ثم طرأت نية التكلف تخاشعا يَبْتَغِي به صاحبه حمدَ الناس إذ اطلعوا عليه وهو يصلي ، فذلك رياء طارئ على أصل صحيح ناصح ، فثم من حكم بانتقاض الأصل بما طرأ عليه من ناقض الرياء ، وَثَمَّ من حكم بانفكاك الجهة ، فالأصل صحيح والزيادة باطلة ، وقد يقال إن ذلك مما يجري مجرى الماء والخبث ، فإن كَثُرَ الماء احتمل الخبث ، وإن قل الماء وزاد الخبث فالحكم للغالب ، فجاء الأمر بالقيام في الآية أن : (قُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) ، وذلك ، وإن انصرف ، أيضا ، إلى الصلاة في الاصطلاح الشرعي بما تقدم من قرينة ما تقدم من قوله تعالى : (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) ، إلا أنه يعم سائر أحكام الدين لا سيما إِنْ حُمِلَ القنوت المقيد على حد الحالية "قانتين" إِنْ حُمِلَ على معنى الطاعة الأعم ، فجاوز معنى السكوت أو القيام الذي يشرع في صلاة الليل ، فيشرع فيها من طول القيام والقراءة ما لا يشرع في غيرها ، إذ ناشئة الليل أشد وطأ وأقوم قيلا ، فذلك معنى يجاوز إقامة الصلاة إلى إقامة الدين كله على وجه تظهر فيه دلالة التغليب في الضمير في "قوموا" ظهورها في عموم الموصول في قول الرب المعبود جل وعلا : (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ، فهم يعم الذكر والأنثى فكلاهما يكلف بما ركز فيه من قوة العقل الخاص الذي أنيطت به أمانة الدين تصديقا وامتثلا ، بلاغا وبيانا ، كل بقدر ما يطيق ليحصل له نصيب ينفع من قول الرب المهيمن جل وعلا : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فعم الأمر إقامة الدين طاعة تصح فلا رياء ولا نفاق ولا سعي في جاه ولا رياسة على وجه يهدر به معنى الديانة إخلاصا وانقيادا يعم الباطن خشوعا والظاهر خضوعا ، فعم إذ أطلق الفعل ، فهو يعم إقامة الدين في الباطن وفي الظاهر ، في الصلاة وفي الزكاة وفي الصيام وفي الحج وفي الجهاد وفي سائر الأقوال والأعمال ، ما خص منها كالعبادة والنسك ، وما عم كالحكم في السياسة والحرب والقضاء في الحقوق والمظالم ، فكان الأمر المقيد بوصف القنوت سواء أحمل على المعنى الأعم وهو الطاعة أم المعنى الأخص وهو السكوت ، وهو ما يواطئ الخشوع ، من وجه ، كما يقول أهل المعاني ، فالخشوع لا يخلو ، أيضا ، من دلالة السكوت ، كما في قول الرب المعبود جل وعلا : (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) ، فكان السكوت ، وكذلك سكوت المصلي إلا همسا بالذكر إن كان منفردا أو مأموما ، فلا يجهر ، وإنما يجهر الإمام في مواضع مخصوصة فالأصل في الصلاة مناجاة السر ، ويجهر المنفرد في الجهرية فذلك مما يجوز إن لم يحصل تشويش على قارئ أو نحوه ، كما أن القارئ يجهر ما لم يكن ثَمَّ تشويش على مصل أو قارئ آخر ، ولا يخلو الخشوع ، أيضا ، من معنى الغض ، فالخاشع يغض بصره وكذا من يصلي فهو لا يلتفت يمنة ولا يسرة ، كما في الأثر أنهم كانوا يلتفتون حتى نزلت الآية : (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ، فلم يلتفتوا ، وذلك ، من وجه ، تفسير لعموم الآية يذكر صورة من صوره إذ لا يقتصر الخشوع على عدم الالتفات ، وإنما الخشوع جنس عام تندرج فيه آحاد ، فمنه خشوع الباطن ، وهو الأصل الذي لا يصح خشوع الظاهر إلا به ، ومنه خشوع الظاهر ، وتحته آحاد ، فثم خشوع الجوارح أن تسكن فلا تكثر الحركة على وجه يخرج عن هيئة الصلاة فذلك ما يبطلها ، وثم خشوع اللسان أن يسكت فلا يهمس إلا بالذكر المشروع فَيَنْقَطِعُ عن الكلام الأجنبي ، وثم خشوع البصر ألا يلتفت يمنة ولا يسرة ، وثم خشوع يحجز صاحبه عن نواقض الصلاة من أكل وشرب ..... إلخ ، وثم خشوع بعد الصلاة ، فـ : "الملائكة تصلِّى على أحدِكم ما دام فى مجلسه، تقول: اللهم اغْفِرْ له، اللهم ارْحَمْه، ما لم يُحْدِثْ، وأحدكم فى صلاة ما كانت الصلاة تَحْبِسُهُ" ، فيستصحب شرائط الصلاة حتى يخرج منها بالتسليم ، ويستصحب الناقض تَرْكًا حتى يقضي صلاته ، ويجتهد ما استطاع أن يتم أركانها وواجباتها وأن يأتي بِنَوَافِلِهَا ومندوباتها فذلك ما يجبر نقصها ، وَثَمَّ من أطنب في تفسير القنوت في آية : (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) ، ثَمَّ من أطنب بآحاد في الخارج تجري مجرى المثال لعام على حد التبيين لماهيته وحقيقته دون استغراق لأفرادها في الخارج ، فذكر من غض البصر وخفض الجناح من رهبة الله ، جل وعلا ، وعدم الالتفات ، وعدم العبث بالحصى ، فذلك من الخشوع الظاهر ، وعدم التحدث في النفس بأمر من أمور الدنيا ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، فذلك ، في المقابل ، من الخشوع الباطن ، وكذلك الشأن في الصلاة في آية المؤمنون : (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ، فإنها إما أن تكون كناية عن الدين كله ، فلا يصح إلا بخشوع في القلب يحصل به من الانقياد الباطن ما تظهر آثاره في إرادات الخير فعلا والشر تَرْكًا ، وذلك ما يضاهي صلاة شعيب عليه السلام في قوله تعالى : (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) ، فهي مئنة من الدين ، فهو الذي يعم بأحكامه الحلال والحرام كله ، في العقد والشرع ، في السياسة والحرب .... إلخ ، على وجه يحصل به من الإيمان ما يصح ، في الشرع وفي العقل فلا يكون التفريق بين المتماثلين فيكون الخشوع في باب دون آخر ، فيخشع في عبادات الجوارح ، ولا يخشع في أحكام السياسة والحرب إن كان ذا ولاية تعم بها البلوى ، فيجب عليه من الخشوع والخضوع لأمر الوحي قدر يزيد على آحاد المكلفين ، فلا يخشع في باب دون آخر ، وإلا وقع في تَنَاقُضٍ يدخله في عموم الذم في قول الرب جل وعلا : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الذي ورد يذم بني إسرائيل ، فالصلاة ، من هذا الوجه ، تكافئ الدين كله ، وإنما ذكرت من باب الخاص الذي يراد به عام ، فخصت الصلاة بالذكر ، كمثال يُبَيِّنُ العام فلا يخصصه إذ ذِكْرُ بعض أفراد العام لا يخصصه ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، فغايته أن يكون مثالا مُبَيِّنًا ، وهو ، من وجه آخر ، لا يخلو من تَنْوِيهٍ بالصلاة فهي ، كما تقدم ، عمود الأمر ، فكان من وجوه التقدير في هذا الموضع ، نصب الموصول على حد الاختصاص مدحا على تقدير : أخص بالذكر الذين هم في صلاتهم خاشعون ، أو هو من الجواب عن سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ في الذهن به يحصل التنويه ، فيقدر سؤال من قبيل : ومن هم هؤلاء المؤمنون الذي وعدوا بالفلاح ؟ ، فجاء الجواب : هم الذين في صلاتهم خاشعون ، فيكون ثم في السياق إيجاز حذف لعامل الاختصاص أو المبتدأ الذي يسند إليه الخبر وصفَ خشوع يمدح ، ولا يخلو الخبر إذ يُبِينُ عن أوصاف المؤمنين لا يخلو من دلالة إنشاء يحض على الاتصاف بمعنى الخشوع ، فاخشعوا في الصلاة ليحصل لكم من وصف الإيمان ما به تكون الذريعة إلى حكم الفلاح ، فذلك من دلالة التلازم بين المدح والحض على الفعل ، كما أن ثم من الدلالة ما يضاهيها بين الذم والحض على الترك فالقياس في كلا الوجهين ، الخبر والإنشاء ، القياس فيهما جميعا يطرد وينعكس ، على وجه يواطئ دلالة القياس الصريح ، والموصول ، كما تقدم مرارا ، لا يخلو من دلالة التغليب بقرينة العموم في التكليف ، فهو معنى يقوم بكل محل يعقل ، فالتكليف إليه يتوجه أن يخشع في صلاته ، فَيَعُمُّ من يصلي رجلا كان أو امرأة ، فذلك تكليف الإيجاب ، ويعم من يصلي ممن له عقل يميز فذلك تكليف الندب ، ولا يخلو تقديم الظرف "في صلاتهم" ، لا يخلو أن يكون من التوكيد بتقديم ما حقه التأخير .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •