اعرض النتائج 1 من 5 إلى 5

الموضوع: الحرب الاقتصادية

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:05:13 PM

    المشاركات
    4,706
    العمر
    39

    الحرب الاقتصادية

    الإسراف في الزينة مما نهى عنه الوحي نهيا محكما ، فهو يُدْخِلُ صاحبَه في عموم الذم إذ خالف عن النهي في قول الرب جل وعلا : (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) ، فَنَهَى الوحي ، على سبيل المثال ، عن اتخاذ الذهب والفضة زِينَةً تَفْحُشُ فهي تخرج عن حد العادة ، كالأكل والشرب في آنِيَةِ الذهب والفضة ، وذلك نَمَطٌ في الاستهلاك جاوز فيه المترفون الحد ، فكات التَّفَنُّنُ في اقْتِنَاءِ الأدوات التي تَسْتَنْزِفُ المال في غَيْرِ ما نَفْعٍ ، وذلك ما يدخله النهي من أنحاء أخرى كالخيلاء أو تضييق النقدين إن اصطلح أهل الزمان على سَكِّ النَّقْدِ من الجنسين ، أو كسر نفوس الفقراء بما يكون من المبالغة في الزِّينَةِ لا سيما إن عم الفقر وساد فخرج الأمر إلى حد الاستفزاز الذي يورث الإحن فتعظم الأحقاد وذلك ما يفضي إلى حال من الصراع بين طبقات المجتمع يخرج في الغالب عن حد العدل ، فَيُرَدُّ الظلم بآخر وربما زَادَ وأفحش فَبَلَغَ حَدَّ الاقتتال والاستئصال فيسرف الثائر في سفك الدم لا سيما إن وجد من النظر ما يسوغ ذلك ، فيكون رأس الأمر ذا غاية في السياسة يُلْبِسُهَا ثياب العدل الذي اختزل في معنى ساذج وهو المساواة مطلقا وذلك ما يخالف عن سنة التكوين ، سنة : (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) ، فالكمال أن يَمْتَثِلَ كل قَبِيلٍ من الأمر والنهي ما توجه إليه فتكون الفتنة التي تَعُمُّ ، ولكلٍّ في الفتنة تكليف يواطئ حاله ، فَابْتُلِيَ الغنيُّ بالفقيرِ أن يبذل حقه من صدقة الواجب والنفل لا أن يبالغ في الزينة والخيلاء كسرا لنفسه وإشعالا لنار الحقد والحسد في قلبه ، وابتلي الفقير أن يصبر لا صبر البهائم ، أو صَبْرَ المخدر الذي روجته الكنائس في جموع الفقراء ليصبروا على ظلم الأغنياء الذين اسْتَرَقُّوا أعيانَهم ، صَرَاحَةً أو ضِمْنًا ، في المزارع أو المصانع بعد ذلك ، فابتلي الفقير أن يصبر صبر الكريم الذي لا يضام ، فلا يكون صبره تعطيلا للشرع في باب الأمر والنهي ، فهو يُنْكِرُ المنكر أيا كان مقارفه ، غنيا أو فقيرا ، وهو لا ينكر على الغني أنه غني ! ، وإنما ينكر عليه أن جاوز حَدَّ الشرع فلم يمتثل الأمر والنهي فيما استخلف فيه من المال ، فَلَمْ يَمْتَثِلِ الأمر في قول الرب جل وعلا : (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) ، فأناط الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو الاستخلاف ولا يخلو من دلالة صرفية إذ دلالة الطلب بالألف والسين والتاء في "استخلف" دلالة تزيد على الفعل المجرد فهي مئنة من قصد راجح ، فذلك مراد الشارع ، جل وعلا ، ليكون الابتلاء الذي به تظهر آثار القدرة والحكمة في التشريع ، وبه تأويل ما قد علم أزلا وَأُثْبِتَ في لَوْحِ التقدير سطرا ، فاستخلف الرب ، جل وعلا ، الإنسان في الأرض ، واستخلفه في المال وسائر أسباب القوة ، فالمعنى يجاوز المال إلى كل سبب به تحصل مكنة أو رياسة ، وإنما خص المال بالذكر لشدة ما تَعْلَقُ به النفس ، فكان الاستخلاف أن يحكم الناس بالعدل فلا يَتَّبِعُوا الهوى ، والعدل في الخصومة لا يحصل بالمساواة التي تقضي على الفوارق بين البشر ، فذلك إخلال بسنة الكون وتعطيل لسنة الشرع في الابتلاء والفتنة أن يحكم الناس بالعدل ، فَيُعْطَى كل ذي حق حقه لا أن تُسْتَلَبَ الحقوق في ظل نظريات في إدارة المال تفضي إلى تراكم الثروات في أيدي طَبَقَةٍ من الأثرياء ، تنظر في الناس أنهم خدم وحشم لا أكثر فهم مجموعات وظيفة خادمة لا تملك مؤهلات القيادة بل وَرُبَّمَا انحطت عن معيار الحضارة الذي تضعه نخب السياسة والحرب والمال والأعمال فهي تحكي جنس الطغيان الذي يصيب الإنسان إن تَمَلَّكَ الأسباب ، وأعظمها بأسا أسباب القوة والمال ، فلا يخضع الناس في العادة إلا لمن يملك قوة السلاح أو قوة المال ، فمنهم من يخضع رهبا ، ومنهم من يذل رغبا في عطية أو طلبا للسلامة وإن أعطى الدنية ، فلا يبلغ بذلك أن يُسَوَّى بالسيد صاحب الحظوة ، وإنما غايته أن يَخْضَعَ لإعادة تأهيل وفق معيار يضعه السيد فهو يستصلح العامة الرعاع ليتخذ منهم خدما يلتحقون بَرَكْبِهِ ولا تحدثهم أنفسهم أن يُسَاوُوهُ في القدر فَلَهُ عليهم يد منة تعظم أن عَرَّفَهَمُ الحضارة والمدنية ، وتلك حجة الاحتلال من الخارج والاستبداد في الداخل فهو ابْتِدَاءً يَنْطَلِقُ من مبادئ عنصرية ، فَعِرْقُهُ أَنْقَى وعقله أذكى وبدنه أجمل ولسانه أفصح ودينه أصح فاستجمع أسباب السيادة حصرا ! وهو صاحب رسالة تَكْتَسِبُ تارة صبغة الدين وإن خَالَفَ عن دين الرسالة المحكم ، وأخرى صبغة الأخلاق والمبادئ العلمانية اللادينية فهو رسول العناية الإلهية ، أو مبعوث الحتمية التاريخية التي تَرْفَعُ بَقِيَّةَ البشر من دركة الهمجية إلى درجة المدنية فَلَهُ يَدَ مِنَّةٍ على البشر لا تَنْقَضِي وهو ما يجعل الأمم والطبقات تَسْعَى في سداد الدَّيْنِ العظيم والوفاء بالجميل ، فلا يكون ذلك إلا بالدخول طَوْعًا في سيادة المحتل وخدمة المستبِد فيكون الخضوع والاستسلام التام .
    والسيد المحتل أو نظيره المستبد كلاهما يشكو عقدة النقص والاضطهاد ، وذلك ، كما يقول علماء الأخلاق ، سمت المتكبر ، فهو يَرُومُ ستر النقائص والعيوب فلا يَتَكَبَّرُ إلا الناقص الذليل كما لا يَتَجَبَّرُ إلا ضعيف النفس وإن أظهر من آيات القوة ما أظهر ، بل كُلَّمَا تَكَلَّفَ أسبابَ الجاه وَأُبَّهَةَ الملك كان ذلك من نقص الباطن فلا يَتَكَلَّفُ أحدٌ خطوة إلى الأمام فَيُسَابِقَ الناس إرادة التقدم والتصدر والعلو في الأرض بِغَيْرِ الحق ، لا يكون ذلك التكلف إلا لنقص عظيم في الباطن يروم ستره بما يَتَكَلَّفُ من أسباب العظمة ، فالكبر والعلو في الأجناس الذليلة أرسخ وأعم ، كما يقول صاحب "الحيوان" ، فالحقير ، كما يقول بعض الفضلاء ، لا يَتَكَبَّرُ إلا على الضعيف الذي ابْتُلِيَ أن يكون تحت قدرته ، وآية الإنسان الحقير ذي النفس الخسيسة أنه لا يَنْزَجِرُ إلا بالقوة ، فلا قيم ولا مبادئ تجعله يحكم بالعدل ويعطي أصحاب الحقوق ما لهم ، فلا يُعَظِّمُ إلا صاحب القوة ، فحق القوة هو الحق الوحيد الذي يُقِرُّ به ، وتلك أخلاق العبيد ، وأما الأحرار فقوة الحق هي رائدهم في الحكم وأداء الحقوق إلى الناس بما يكون من وازع الدين والضمير ، فَثَمَّ منظومة أحكام وأخلاق بِهَا يحكم ، فتكون قسمة العدل في الحقوق على وجه تَنْتَظِمُ به الأمور فضلا أنها توافق المنقول والمعقول فصاحبها قد استكمل أوصاف التقوى والعفة فاستغنى حقيقة لا دعوى ، ولم يجد حاجة في نفسه أن يظلم أو يستبد ، فلا يكون منه عجب في نفسه أو استكبار على غيره أو تجبر في حكمه ، فهو يعلم ، علم اليقين ، ضعف المحل الأرضي الحادث ، محل الإنسان الناقص ، فلا يطيق أوصاف الكبر والجبروت إذ بِهَا استقل ذو الملكوت ، جل وعلا ، فإن ذاته القدسية محل يلائم أوصاف الجلال ، فذلك المحل الكامل الذي لا يضره الاتصاف بالجلال والقوة ، وذلك ، لَوْ تَدَبَّرَ الناظر ، قياس الحكمة ، فالمحل القوي هو الذي يقبل آثار الجلال ، خلافا للمحل الضعيف فلا يطيقها بل لو تكلفها لأضرته ، كضعيف يَرُومُ حمل ما لا يطيق من المتاع فمآله العجز أو الكسر ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فالحكمة ، كما تقدم مرارا ، تَقْضِي أن يُوضَعَ الشيء في المحل الذي يقبل آثاره ، فذلك العدل الذي يَرُومُهُ الناس والذي اختلفت فيه الأنظار إذ استبدت بالحكم فَلَمْ تَرْضَ بِحَكَمٍ من خارج فكان التَّنَازُعُ والتَّصَارُعُ بَيْنَ العقول في حد العدل ، فالعدل في الرأسمالية هو الحرية التامة في العمل والتَّنَقُّلِ وَتَرَاكُمِ الثَّرْوَةِ وإن لم يكن ثَمَّ عدالة في التوزيع ، لا سيما في أنموذج تختلط فيه السياسة بالاقتصاد ، فيكون الأمر تفكيكا لجبهة الخصم الأيديولوجي ، كما صنع المعسكر الغربي إذ تظاهر أنه يمد يد العون إلى المعسكر الشرقي لينقله من نظام اقتصاد إلى آخر يواكب قيم السوق الحرة فيكون الرخاء ويكون الإدماج في النظام الدولي الجديد ، وهو نظام أحادي الأقطاب فَلَهُ رأسٌ واحدة لا رأسان بعد القضاء على الرأس الشرقي وتراجع الرأس الإسلامي الذي فَقَدَ أسباب القوة والريادة لَمَّا خَالَفَ عن أحكام الرسالة ، فكان الغزو الاقتصادي الذي استباح الخصم فكرا واجتماعا وأخلاقا فضلا عن أَثَرِهِ السياسي والمالي ، فكان إجراء الصدمة بحزمة من القرارات الجذرية التي تَتَّسِمُ بالتطرف الشديد ، فهي تغيير لا يَتَّسِمُ بالتدرج أو التمهل ولا يعتبر حاجات الناس فلا ينظر فيهم إلا نظر المادة فلكلِّ إجراءٍ خسائر ، ولو كان ذلك خصما من رصيد الإنسانية بما يكون من انهيار تام قد يؤدي إلى رد فعل عنيف فيكون الانفجار الاجتماعي والاحتراب الأهلي بين طبقات المجتمع لا سيما مع التباين الشديد بما تحدثه هذه الإجراءات من فجوة في أمور المعاش مع غِيَابِ قِيَمِ الأديان ، ولو مخدرة للمشاعر ! ، مع التسليم جدلا بما يَقُولُ أرباب الفعل المضاد الذي يُوَاجِهُ هذه السياسة الرَّأْسِمَالِيَّةِ الجشعة فَقَدْ صَبُّوا جام الغضب على الدين أَنْ ظَنُّوهُ المخدر ، وهو ، لو تدبر الناظر وأصنف الحاكم فَنَظَرَ في الدين المحفوظ المحقق لا المحرف المبدَّل ، هو المحفِّز على إنكار الظلم ورفعه على وجه يحفظ الجماعة من الانهيار المفاجئ ، فيروم الانتقال بها من النقص إلى الكمال ، إن في الدين أو في الدنيا ، على وجه قد بَلَغَ الغاية في الحكمة فاستعمل في كل موضع من الأسباب ما يلائم ، فاستعمل في الجمال من أسباب اللين ما يلائم ، فكان الجدال بالحجة والبرهان ، واستعمل في الجلال من أسباب الشدة ما يلائم ، فكان الجلاد بالسيف والسنان ، فلم يضع سببا في موضع آخر ، فذلك خِلَافٌ عن الحكمة ظاهر ، فكان الانْتِقَالُ المحكم من حال النقص إلى حال الكمال بأقل الخسائر ، فلم يكن الانتقال مفاجئا من شق إلى آخر ، ولو إلى الحق الكامل ، فلا يأمن من يحمل الناس على الحق جملة أن يُفَارِقُوهُ جملةً ، كما أُثِرَ عن الأشج العادل رحمه الله ، خلاف ما يقع في تجارب الأمم السياسية والاقتصادية التي تأرز إلى مراجع محدثة في الفكر والسياسة والاقتصاد ، فلا تقيم لِلْوَحْيِ وزنا بل تَرَاهُ عبئا وثقلا يحسن التخفف منه حال النظر في الشأن العام ، فإما أن يعزل عزلا تاما فلم يجد الناس منه إلا الظلم والذل إذ لم يجدوا من كتابه لفظا وحكما إلا المبدَّل الجائر الذي ازدرى العقول بالكذب والخرافة واسترق الأبدان بسيف السلطة فجعل الخضوع للكهنة والساسة خلاصا للنفوس فلا تكون النجاة إلا بالاستسلام التام لأرباب السلطة الروحية الدينية والسلطة الزمانية الدنيوية وذلك ما يَرَى الناظر آثارا منه في طرائق في الحكم تمارس الاستبداد والظلم وتستجمع أسباب الرفاه والثروة في إطار نظام سياسي محكم قد أضفى من شَرْعِيَّةِ القانون الملزم ما به تستجيز الأقلية القاهرة بما احتكرت من أسباب القوة المعنوية والمادية ، ما به تستجيز هذه الأقلية حكم الأكثرية المقهورة فلا تملك من أسباب القوة السياسة والاقتصادية ما به تُغَيِّرُ المنكرَ والظلم ، ولا يكون فِعْلُهَا ، لو تدبر الناظر ، إلا رد فعل ثائر يفتقر إلى الحكمة ، فإن خبراء الاقتصاد في إطار تجارب الإصلاح الرأسمالي الجذري الذي يتسم بالجذرية المتطرفة فصدماته لا تَنْفُذُ إلا بِيَدٍ تبطش ، فيكون قمع السلطة وإرهابها لتمرير هذه الإجراءات القاسية مع حزمة أخرى من الوعود الكاذبة تخدر المشاعر وربما عظمت الجناية أن يُوَظَّفَ الدين لتمرير هذه الإجراءات فتوظف نصوص الطاعة ونصوص الصبر على الجور والفقر ، حتى يؤول الأمر بمن قل علمه وربما ساء قصده فَلَهُ غاية في الطعن في الأديان فليست إلا محامي الشيطان ! بما تقدم من تَبْرِيرٍ لإجراءات الصدمة بإلباسها ثِيَابَ الشرعة ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، أعظم جناية ، إذ يسيئ الجمع الظنَّ بالديانة ، ويلتئم في الأذهان التي لم ترزق حظا من الأديان ، يلتئم فيها نسج خبيث يقرن الوحي بالظلم والاستبداد ، فلا بد من الثورة على كلا الخصمين ، الدين الباطل والحاكم الجائر ، فتلك صورة قديمة جديدة يروم بعض الثائرين استحضارها الآن في إطار تجارب شرسة اتسمت بالكارثية في إجراءاتها الجذرية المتطرفة ، وذلك محل عجب آخر ، إذ يُتَّهَمُ الوحي في القديم وفي الحديث ، في المعسكر الغربي ونظيره الشرقي ، يتهم أنه يمارس الاستئصال الجذري المتطرف فيقضي على خصومه ولا يتسع صدره للرأي الآخر ! ، مع أن نصوصه تنضح بالجدال بالحسنى والدعوة بالحكمة والموعظة وإن قُرِنَ ذلك بالجلال الذي يحفظ هيبة الدين فلا تستباح بيضته ولا تعطل أحكامه ، وذلك ما لا ينكره أولئك ، أيضا ، على أي نظام في السياسة والحكم ، إصلاحيا كان أو ثوريا ، محافظا كان أو متحررا ، فلا توجد منظومة سياسة وحكم بلا سلطة تزجر المخالف إن خرج عن القانون العام الذي ارتضته ، بل إفساح المجال لحرية مطلقة لا تَرَاهَا تَزْدَهِرُ إلا في أشد مذاهب الفكر والسياسة استبدادا ، فهي تعطي الأقلية من الحقوق ما يسوغ لها خرق القانون العام بذريعة الحرية ، وإن كان ثم قانون حاكم فهو هش لا يكاد يحفظ إطار المجتمع الذي يمارس الحرية المطلقة بِهَمَجِيَّةٍ مطلقة ! يشكو صاحبها من رهاب الكهنوت والسياسة في تجارب استبداد ذاق ويلاتها فهي رِكْزٌ قد استقر في عقله الجمعي فصار دافعا رئيسا من دوافعه السياسية فهو يخشى أي دور للدين في الحياة إذ لم يجد منه ، كما تقدم ، إلا الصورة الشائهة المبدلة التي تواطأت مع صورة أخرى جائرة في السياسة ، فاستلبت الجماعةُ الحريةَّ وسائر الحقوق إلا ما تفضلت به النخبة التي تحكم بما استجمعت من أسباب السيادة وهي في أحيان كثيرة تحكي صورة من الكبر والعجب والارتقاء بالطبقة أو النوع عن سائر الطبقات والأنواع ، فثم تفاوت في الأوصاف والأعراق يذكي في النفوس التَّبَاهِي والتَّفَاخُرَ بالأحساب والتَّكَاثُرَ بالأموال ، فكان رد الفعل في شق آخر لم يَرَ في الدين إلا خصما ، فلا يطيق ذكره في الثَّوْرَاتِ المتطرفة التي تَبْلُغُ في أحيان حد الإلحاد والجحود التام لوجود الإله الخالق ، فهي تُنْكِرُ الحد الأدنى من البدائه والعلوم الضرورية التي رُكِزَتْ في النفس البشرية ، وإن تأول لها من تأول أنها لم تُرِدِ القضاء على الدين ، وإنما كانت ثورة على الكهنوت ، وذلك وجه من الحق لا يجحده الناظر في تاريخ الشيوعية ، ولكنه لم يقتصر على الكهنوت وإنما استعمل في ثورته ما يجري مجرى السد لذرائع الاستبداد ! ، والدين منها ! ، فلا يسلم الناس من الشر إلا بحسم مادة الدين كله ! فهو مظنة الاستبداد وهو مادة الظلم والإقصاء للآخر إذ يحتكر الحق مع أن هذه النظرية قد احتكرت الحق فلم تُقِمْ دَوْلَتَهَا إلا في إطار شمولي مركزي لا يطيق معارضا فكان تاريخها المشهور في استئصال الخصوم وتطهير الصفوف في منهاج جذري يمارس الاستئصال التام ، وذلك ، كما تقدم ، محل الإنكار على الوحي وحده ! ، فَلَيْسَ غَيْرُهُ من يُقْصِي الآخر فيحكم بخروجه من دائرة الحق مع أن أي منتحل لدين أو مذهب يحتكر ، كما تقدم ، الحقَّ ، ولو كان مذهبه مذهب الحرية المطلقة التي تصحح الطرق جميعا فلا تنكر على أحد في دين أو دنيا أو طرائق في السياسة والأخلاق ..... إلخ ، فهي تَرَى أن الحق هو ما قالت فقد احتكرت مادته ورامت الانتصار له من خصومه ، بل الحرية المطلقة ، في السياسة والاقتصاد ، لم تفرض قيمها إلا بالصدمات سواء أكانت إجراءات حرب أم اصطلاحات جذرية في المنظومات الاقتصادية ولو أفضت إلى نتائج كارثية تدمر بنية المجتمع وتعيد تشكيله على وجه أشد استبدادا ، وإن كان ظاهره أنه تحرير للسوق ، فليس إلا تحرير الأسعار وبيع الأصول وهي مال عام تستجيز تلك النظم السياسية التصرف فيه على وجه يستأثر فِيهِ الأغنياء بِثَمَرَةِ الإصلاح الجذري الذي يمارس من التطرف ما تقدم ذكره ، فلا إنكار عليه إذ رام التغيير الجذري ولو بمنهاج كارثي لا يقيم لحاجات الناس وزنا ، ولا إنكار في المعسكر الآخر الذي يضاده فَيَثُورُ عليه باسم العدالة والمساواة ، فهو ، أيضا ، يروم التغيير الجذري ، فلا يعرف أنصاف الحلول ولا يعرف التدرج في الانتقال من نمط إلى آخر ، فكلاهما يمارس سياسة الصدمة بإجراء عنيف ، كانقلاب مفاجئ في نظام الحكم يستعمل القوة الصلبة أو الناعمة ، أو حدث عظيم تذهل به العقول ككارثة إنسانية من هدم أو غرق ....... إلخ ، فتكون الانْتِهَازِيَّةُ في مباغتة الجمهور والاتجار بأحلامه في الحرية تارة ، وبآلامه أخرى بوعود كاذبة في رخاء وازدهار إذا صَبَرَ الناس على مُرِّ الدواء الذي يصفه الخصم فَهُوَ متهم بما اطرد من حاله في دول وأمصار أخرى أراد السيطرة عليها وتطويع نظمها والتحكم في أصولها على وجه يحفظ له الهيمنة التي يكسوها لحاء التحرر من الأنظمة المستبدة ، فلا يخرج الناس من استبداد الأنظمة الشمولية إلا لاستبداد الأنظمة التي تَنْتَحِلُ الحرية زورا ، وتزخرف دعواها بما تُتِيحُ من هامش حرية خاصة تَبْلُغُ بصاحبها حد الإلحاد والانحلال ، فهو حر أن يكفر أو يفجر ، وليس حرا أن يخرج عن نظام الحرية السياسية والاقتصادية بما فرضه المركز عبر أجهزته الأممية الفاعلة التي تعيد هيكلة المجتمعات بذريعة الهيكلة للاقتصادات ، وإنما الغاية السيطرة على الشعوب فكرا وسياسة واقتصادا وإن أُعْطِيَ الأفراد هامش حرية واسع في العقائد والأخلاق ، فذلك طعم ابْتَلَعَهُ الناس إذ فارقوا الدين والحشمة وخرجوا عن آداب الشرعة وطرائق الحكمة ، فصار الهم الأعظم تحقيق اللذة العاجلة دون نظر في عواقبها ، فسهل على المركز أن يخدعهم بما بذل من وعود رخاء وبما يَسَّرَ من أسباب الإلحاد والانحلال ، فغايته أن يسيطر على المجتمعات ولا يكون ذلك إلا بالسيطرة على العقول بمناهج في الفكر والسياسة تجعلها تابعة منقادة فلا تخرج عن حكمه الذي يستبد بصناعة القرار وإن أوهم الجمهور أنه السلطان الحاكم ، فليست الحال إلا منظومة حكم في المركز أَنْوِيَتُهَا الصلبةُ قد تَوَزَّعَتْ في مجاميع ضغط تُمَوِّلُ هذه المنظومة بحثا وفكرا ، وسياسة وحربا ، فيكون قرار السياسة والحرب تأويل ما يصدر من مؤسسات البحث الموجهة التي تقدم التوصيات الملزمة لصانع القرار وإن كان ظاهرها أنها تنصح ، فهي تُلْزِمُ بما تُنْفِقُ جماعات الضغط التي أوصلت رجالات السياسة إلى مناصبهم فلا يملكون من أمرهم شيئا إذ السلطان لمن دَفَعَ ، وإنما الطلاق لمن ملك الساق ! ، ولو كان ثم فضاء يتحرك فيه رجالات السياسة فهو كالفضاء الذي يتحرك فيه الأفراد في أمور العقائد والأخلاق فلا بد من هامش حرية وشفافية يخدع النظار فيظن الناس أنهم صناع القرار وأنهم من يحاسب صاحب المنصب فَيُوَلِّي وَيَعْزِلُ ، وليس ثَمَّ بأس من صور تخدع يحاسب فيها بعض الساسة لا سيما من رام التمرد والخروج عن نظام المركز الحاكم ، فمصيره كمصير من يَرُومُ التمرُّدَ في الأطراف سواء أكان صاحب طرح يضاد فهو يروم تحرير الأطراف من هيمنة المركز سواء أستند إلى الوحي فجرمه أعظم ! ، أم استند إلى منهاج آخر أرضي يعارض النظام الدولي ، أم كان تابعا لنظام المركز ولكن نفسه حَدَّثَتْهُ أن يخرج عن الطوع فَلَا بُدَّ من الزَّجْرِ والعقاب الذي يُعِيدُهُ إلى الصواب أو يَعْزِلُهُ من المنصب ويستبدل آخر به إذ لكلِّ دَوْرٍ في الإصلاح رجالاته ! ، كما قالت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت لرئيس الكونغو الديمقراطية الجنرال موبوتو الذي انقلب على رئيس الوزراء الأشهر باتريس لومومبا بإيعاز من المعسكر الرأسمالي وكان لموبوتو بعد ذلك دور بارز في تجفيف منابع الشيوعية في قلب القارة الإفريقية ، وبعد أن انتهى دوره بعد نحو 35 عاما من الانقلاب ! ، قالت له وزيرة الخارجية أولبرايت : عليك أن ترحل فإن زمانك قد انتهى والتاريخ دورات ! .

    فكل أولئك ، كما تقدم ، يحتكرون الحق ، فلا يوجد صاحب مبدأ في الفكر أو نظام في السياسة والحكم يَرَى أن غَيْرَهُ على صواب ولا يعدل عما يَنْتَحِلُ من الأفكار وَيَنْتَهِجُ من السياسات ، وقيم الأنظمة الأرضية ، الشمولية أو الليبرالية ، قِيَمٌ تَتَّسِمُ بالاستعلاء والكبر ، فهي قِيَمٌ تُزَكِّي النفس فلا تحاسبها إذ تظن أنها فوق المحاسبة فَلَهَا من وصف التأله ما جعلها تضع القانون الحاكم فكيف تجري أحكامه عليها وذلك قياس صحيح ! ، مع بطلان قانونها المحدث ، فإن القانون لا يجري بداهة على من وضعه إذ له من رتبة السيادة المطلقة ما جعله يفرض شرعته على الناس ، فهو في رتبة أعلى فلا يُقَاسُ على الأدنى ، كما يقول من صنف في الإلهيات فإنه في سياق إبطال شبهات التمثيل ، إن في الأوصاف أو في الأفعال ، وما يَنْتُجُ عنها من التعطيل استنادا إلى لَوَازِمَ لا تَلْزَمُ فهي من نَتَائِجِ القياس الفاسد ، قياس الخالق ، جل وعلا ، على المخلوق ، فهو ، كما يقول أهل الشأن ، قياس مع الفارق ، أي فارق ، فَلَئِنِ اشتبه الأمر في عقل من نَظَرَ فَقَاسَ قياس الشمول إذ وضع معيارا يَصِحُّ قِيَاسُ المخلوق به ، وأدخل الخالق ، جل وعلا ، فيه ، فجعله فَرْدًا من الأفراد التي تقاس به ! ، كأن يقول : إن كل من يتكلم فَلَهُ لسان ، والصوت الخارج صوت حادث من أحبال ولهاة وتجويف فم ولثة وأسنان ...... إلخ ، فَلَوْ أَثْبَتَ الناظر وصف الكلام لله ، جل وعلا ، لَلَزِمَهُ أن يثبت هذه اللوازم التي استقرأها من كلام البشر واستنبطها من تشريح جهاز النطق المخلوق ثم رام يقيس الرب الخالق ، جل وعلا ، عليها ! وهو الذي خلقها ، فهو الحاكم بقانون التكوين والتشريع فكيف يَدْخُلُ كَفَرْدٍ في قَانُونٍ قد وضعه إن في التكوين أو في التشريع فَيَجْرِي عليه ما يَجْرِي على المخلوق فيكون الكبر والجبروت ، على سبيل المثال ، في حقه نقصا أَنْ كان في حق المخلوق نقصا ؟! ، مع القدر الفارق بين ذات المخلوق وذات الخالق ، جل وعلا ، فلا يدخل واضع القانون ، وهو محل الشاهد ، لا يدخل تحت طائلته ، سواء أكان الحق المنزل فلا يدخل فيه بداهة الرب المعظم ، جل وعلا ، وذلك ما يبطل الشبهات جميعا في باب الإلهيات وباب الشرعيات ففي الحكم بحسن الأشياء أو قبحها لا يكون كل ما يُقَبِّحُ العقل البشري قبيحا ولا يكون كل ما يحسِّنُه حسنا فقد يَعْتَرِيهِ من النَّقْصِ وفساد القياس ما يجعله يُقَبِّحُ الحسنِ أو يُحَسِّنُ القبيحَ ، وذلك ما يَرَاهُ الناظر في طرائق المركز في علاجه الصادم الذي يستجيز إجراءاته القاسية في الأطراف ولو أفضى بها إلى الانهيار ، وهو ، مع ذلك ، لا يشعر بوخز ضمير ، فقد حكم بحسن ما يصنع وإن كان ظاهر القبح ، فَالْحَسَنُ عنده ما يحقق مصالحه ويحفظ مناصبه في السيادة المطلقة ولو أفضى إلى هلاك أمم ، فلا تستحق العيش إذ خالفت عن مراد السيد المطلق الذي ضاهى الإله بل وجاوز حكمه فَعَزَلَ شرعة السماء وحكم بما يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ ولو خَالَفَ عن كل قياس وضمير فضلا عن المروءة والدين ، فلم يجد غضاضة أن يُحَسِّنَ وَيُقَبِّحَ بِمَعْزِلٍ عن الوحي ، فَوَقَعَ في جنس ما تقدم من قياس الشمول ، فَإِنَّهُ يَرَى كل ما حسن في قياسه فهو حسن في الشرع وكل ما قبح في قياسه فهو قبيح في الشرع ، إن كان يؤمن بالشرع ابتداء ! ، فَيَحْتَالُ بهذا القياس أن يحكم بهواه وذوقه وإن كساه لحاء الدين ، فكيف إن كان ابتداء ممن يكفر بالوحي ويناجزه العداوة فهو يحسن الظن بعقله وذوقه مطلقا ، فَلَيْسَ شَرْعٌ يُسَنُّ وَيَنْفُذُ إلا ما يَهْوَى وَيَجِدُ ، فكيف يدخل وهو السيد المطلق الذي يحكم في العامة ، كيف يدخل تحت طائلة قانون هو من وضعه ؟! ، فلا يملك من القيم ما يحاسب به نفسه ، إذ هو السيد الذي عصم من الخطأ فهو الجنس الأرقى وهو الحاكم الأعلى ، ولئن ادعى السادة في الماضي وِفِي الحاضر ! ، فَذَلِكَ من السَّنَنِ الذي اطرد ! ، لَئِنِ ادعى السادة أنهم جميعا فوق الحساب ، فمن يحاسب الجنس الأبيض على ما يقارف من جرائم في حق الملَوَّنين والسود ، ومن يحاسب الزعيم على ما يقارف في حق الرعية ؟! ، فصار كلٌّ يأرز إلى قانونه الخاص الذي يستند إلى قِيَمِ التَّزْكِيَةِ المطلقة وَكُلٌّ يَزْعُمُ أنه فوق الحساب فمن يحاسب أولئك جميعا ؟! ، فقياس العقل فضلا عن نص الشرع يدل ضرورة على حاكم أعلى يحكم بين أولئك السادة فيما كانوا فيه يختلفون ! .
    وَكُلٌّ ، كما تقدم ، لا يَفْرِضُ نظامه السياسي والاقتصادي إلا بالإجراء الجذري الذي لا يعرف أنصاف الحلول ، وهم ، مع ذلك ، لا يتوجهون بالإنكار إلا إلى الوحي فهو الذي يُتَهَّمُ حصرا أنه جذري يستأصل الخصم فَيُقْصِي الآخر ويخمد صوته ، مع ما تقدم من نصوص الجدال الذي يحسن في مواضعه ، فأين وجد خصوم الوحي جدالا في نظام الصدمات الكارثية في الأنظمة الرأسمالية التي جعلت الأطراف حقول تجارب لإجراءاتها الجذرية التي استعانت بالعنف المفرط فكانت هي وآلة القمع صنوان لا يفترقان مع أنها تزعم الحرية ، وهي حرية تكفل للسيد أن يحافظ على سيادته ، وللعبد أن يحافظ على عبوديته ! في إطار نظام طبقي يصب في قناة النخب الحاكمة فيكون تقليص النفقات العامة ورفع الدعم وَبَيْعُ الأصول ....... إلخ حفاظا على مصالح النخب الثَّرِيَّةِ ، فلا تَزْدَادُ إلا ثَرَاءً على وجه يفحش فهو يَسْتَفِزُّ المجتمع المهضوم الذي سُحِقَ بآلة القمع والفقر ، وهي آلة لا تعرف الرحمة يديرها حاكم أو نظام يَرْتَبِطُ مباشرة بمنظومة المركز فهو الذي يَتَوَلَّى هذا الإجراء الصارم ، ولا بد أن يحظى بشرعية مطلقة فيكون هو المنقِذ من الاستبداد أو الرجعية أو التطرف أو الإرهاب ..... إلخ ، ولكل بلدٍ من الدعاية الأيديولوجية ما يلائمها ، فيفضي الأمر انْتِهَاءً إلى تعاظم الأحقاد في صدور الفقراء والمستضعفين فهم يَتُوقُونُ إلى يَوْمٍ يكون فيه الثأر من الطبقة التي استبدت بأسباب الرفاه وَتَرَكَتِ العامة في بُؤْسٍ وشقاء ، فَتَكُونُ ثَوْرَةٌ باسم العدل ، كالثورة الشيوعية ، وقد اغتر بها من اغتر ، فجعلها أعظم سردية في التاريخ تَرُومُ العدل ، في هضم بَيِّنٍ لمنهاج الوحي المنزَّل ، فقد صار العدل في هذه السردية الثورية ! ، صار المساواة المطلقة في رد فعل لطبقية مفرطة ، فانتقل العقل من طرف إلى آخر ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ، ولو تدبر الناظر في مآل هذه السردية الثورية باسم الطبقة الكادحة لوجد أنها قد آلت إلى نفس النهاية ، بُرُوزِ مراكز قوى جديدة قد استأثرت بأسباب القوة والثروة ، فسحقت طبقة واستبدلت أخرى بها وهي ، أيضا ، تحتكر الثروة وأسباب القوة وإن باسم الجمهور الكادح الذي تُقْتَرَفُ باسمه جميع الجرائم السياسية والاقتصادية ! ، فالمساواة قد صارت ذريعة للقضاء على الحرية ، فضلا أنها خالفت عن منهاج العدل فالعدل ليس التسوية المطلقة ، وإنما العدل أن يُعْطَى كل ذي حق حقه ، فيعطي المجتهد حقه ، ويعطى الكسول حقه ، فإن سَوَّى بَيْنَهُمَا المعطِي فقد ظلم إذ خالف عن قياس العقل الصريح الذي يوجب التفريق بين المختلفين فلا يستويان مثلا ، وذلك ما اطرد في مواضع من الوحي كان فيها الإنكار على من سَوَّى بَيْنَ المختلِفَين ، لا سيما أعظم مختلفين ، الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، كما في قوله تعالى : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) .


    فَبَرَزَتْ نخبة الحزب الحاكم وأبناء الساسة الذين يهيمنون على القرار السياسي من أعضاء الحزب الشيوعي ، حزب العدالة والمساواة ، وإن في أعصار الانفتاح كما في الصين ، وهي التجربة التي لا زالت تَرْفَعُ شعار الشيوعية ، مع انفتاحها في المقابل على النظام الرأسمالي ، فكان العلاج بالصدمة ، وهو أمر اطرد في جميع الغزوات الاقتصادية ! التي شنها المركز الرأسمالي على معاقل الخصوم لا سيما الخصوم الأيديولوجيين ، فكانت الشيوعية هي العدو الأقوى في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، وهي مرحلة شهدت تبلور النظرية السياسية الجديدة للأمة الأمريكية بعد صراع طويل بين مدرسة المصالح الواقعية ، ومدرسة المبادئ المثالية ، فكان ثَمَّ من يدافع عن القيم الجديدة التي بَشَّرَ بِهَا العالم الجديد ، من مبادئ ويلسون إلى مبادئ روزفلت ، فضلا عن قيم الدستور والحكومة ، وهي تَنْضَحُ بِمُثُلٍ عليا تَتَشَدَّقُ بالحرية والإخاء والمساواة ...... إلخ ، فَثَمَّ فِصَامٌ حاد بين ما يَتَلَقَّاهُ الطلبة في المدارس الأمريكية ، وهم يدرسون مبادئ الحكومة والدستور ، جَبْرًا لا اختيارا ، كما يذكر بعض الفضلاء ، وهي مبادئ تُؤَكِّدُ على سيادة الجنس الأبيض عموما ، والجنس الأبيض الأنجلوساكسوني البروتستانتي خصوصا ، وهو ما اصطلح أن يختصر في أحرف wasp ، white anglo-saxon Protestant ، وهي طبقة المثقفين الَّتِي تحاكي الطبقة الوسطى في أي مجتمع ، فتشير إلى الفرد الأمريكي الناجح المتعلم ، الفرد الأبيض من ذوي الأصول الإنجليزية أو الإيرلندية ، أو الألمانية السكسونية ، وقد وفد جميع رءوساء أمريكا من هذه الطبقة إلا الرئيس جون كيندي والرئيس باراك أوباما ، فكلاهما كاثوليكي ، والأخير قد جمع إلى ذلك أصوله الإفريقية الإسلامية ! ، قبل أن يَرُدَّ المجتمع الأمريكي الأبيض باختيار فج للرئيس ترامب ، الأبيض ذي الأصول الساكسونية الألمانية ، يَرُدَّ الصفعة ويستعيد الدفة ، فَيَبْرُزَ من جديد دور هذه الطبقة ، الطبقة الوسطى ، التي تشكل الهوية وتصنع المعجزة في بعض الدول ! ، فَمِنْهَا الصناع المهرة والتقنيون أصحاب الكفاءة ، والقضاء على هذه الطبقة ، عند التدبر والنظر ، بَنْدُ رئيس في حرب المال والاقتصاد ، فتجارب المركز في غَزْوِ الخصوم تعمد إلى هذه الطبقة بإجراءات قاسية لا تعرف الشفقة ، وهي ، في الغالب ، تشفع بجرعة قمع زائد ، وإن في الدول التي لا عهد لها بالاستبداد ومركزية الحكم كما يذكر بعض الباحثين من ارتفاع وتيرة القمع في بلد لا عهد لها بذلك ككوريا الجنوبية خلافا للشمالية ! ، فَصَاحَبَ الإصلاح الاقتصادي أواخر التسعينيات بعد أزمة النمور ، صَاحَبَ هذا الإصلاح في كوريا الجنوبية إِجْرَاءَاتُ قَمْعٍ لِلتَّظَاهُرَاتِ الَّتِي انطلقت احتجاجا على تَرَدِّي الأوضاع وفقدان آلافٍ لوظائفهم في إطار خطة الإصلاح التي اعتمدتها الدولة بِنَاءً على توصيات الجهات الدولية المانحة .

    فالصدمة الاقتصادية التي تُؤَدِّي إلى انهيار المجتمع بما يكون من فُقْدَانِ الوظائف وتخفيض الدعم والمساعدات الاجتماعية من تعليم وصحة وغذاء وتقليص برامج الرعاية في مقابل التوسع في برامج الخصخصة وتحرير الأسواق ...... إلخ ، هذه الإجراءات التي تعتمد ، كما تقدم ، سياسة التغيير الجذري الذي لا يسلك جادة التدرج حفاظا على بُنْيَانِ المجتمع من الانهيار فضلا عن الاحتفاظ بحد أدنى من برامج الرعاية الاجتماعية ، وذلك ، كما يقول بعض الخبراء ، أمر تحرص عليه أعتى الرأسماليات كالرأسمالية الأمريكية فهي تضخ نحو 40% من الميزانية في الخدمات العامة كبرامج الرعاية الصحية والتعليم ..... إلخ وهي ملزمة بنص الدستور أن توفر وظائف عمل إذا ارتفعت نسبة البطالة عن 5% وأن تضبط الأسعار إذا ارتفعت نسبة التضخم عن 2% فلا توجد دولة في العالم تحرر الأسعار مطلقا كما تصنع الدول التي تخضع لتوصيات المؤسسات الدولية المانحة لِيَصِلَ فيها التضخم إلى أرقام قياسية في فترة زمنية وجيزة ويكون ذلك الخراب هو ضريبة الإصلاح فتحرير الأسعار لا يكون مطلقا بلا ضابط إلا في دول العالم الثالث ! ، فلا بد في أي دولة من شبكة أمان وحماية للمجتمع ، وإلا أَفْضَى الأمر إلى فَوْضَى ، فإن تحرير السوق ، وهو بَنْدٌ رئيس من قائمة اللَّيبْرَالِيَّةِ ، هذا التحرير يَزِيدُ من احتمال الدخول في الفوضى العامة ، لا سيما مع تطبيق حزمة المبادئ اللَّيبْرَالِيَّةِ كلها ، فهامش الاحتجاج في الدول التي تقمع وإن زعمت الحفاظ على قيم الحرية ، هامش ضيق فلا تَعْتَبِرُ إلا بعد الانفجار وخروج الأمر عن السيطرة فتشتد في القمع إذ لا تعرف إلا الحل الأمني الفج ، فيكون رد الفعل موجة تخريب وفوضى ونهب للممتلكات العامة لا سيما مع انهيار حاجز الخوف وانسحاب أجهزة الأمن ، وإن قصدا في بعض الأحيان لِزِيَادَةِ مُعَدَّلِ الْفَوْضَى فذلك ما يجعل لها الكلمة العليا بما تحتكر من أسباب القوة فالناس آنذاك يَشْتَغِلُونَ بحفظ ممتلكاتهم عن الانتقام من السلطة ! أول مستهدف في دول القمع ولا يمثلها تمثيلا مباشرا في تِلْكَ الحال إلا رجل الأمن الذي يباشر القمع بِيَدِهِ وسلاحه .
    وهذا الهامش قد يَبْلُغُ ، أَيْضًا ، حد التخريب في الدول الديمقراطية التي تكفل حق المواطن في التظاهر السِّلْمِيِّ كما يرى الناظر في بَعْضِ الاحتجاجات في دول المركز ، وهو ما يُفْضِي تِلْقَائِيًّا إلى القمع للحفاظ على السلم العام ، فيكون رد الفعل الذي يفضح زيف الحرية المطلقة فهي ، إن تدبر الناظر ، طريق إلى القمع والاستبداد ، كما أن القمع والاستبداد في نظريات سياسية أخرى طريق إلى الفوضى بما يكون من الانفجار بعد الكبت ، والصراخ بعد الصمت ، فليس الأمر إلا ردود أفعال تَتَّسِمُ بِالرَّادِيكَالِيَّةِ في التَّغْيِيرِ ، فلا يكون ثم تَعَقُّلٌ في الفهم أو تدرج في الفعل وإنما يكون الانتقال الحاد من شق إلى آخر ، ويكون التصلب في المذهب وهو أمر يستدعي العنف والقمع لفرض الرأي بقوة الإرهاب الذي يَنْبِزُ به المركزُ خُصُومَه ، مع أنه لا يستطيع نشر ثقافته وصدماته ! إلا بحد السيف ، فتوصيات كبار النظار لزعامات الاستبداد العسكرية والمدنية ، توصياتهم أن إياكم والتراجع أمام ضغط الجماهير ، وإن خرجت بالآلاف تروم الدفاع عن أبسط حقوقها التي يَتَهَدَّدُهَا مَدُّ الرأسمالية الكاسح ، فضلا عن مطالبتها بالحقوق السياسية في أنظمة الحكم القمعية ، كما كانت الحال في الصين ، وهي محل شاهد تقدم ، فمن عجب ، كما يذكر بعض الباحثين ، أن تبارك أمريكا التحول الاقتصادي في الصين تجاه مزيد من الانفتاح وتحرير الأسعار ..... إلخ ، ولا تؤيد مطالب المتظاهرين في ميدان السلام السماوي في مايو ويونيو 1989م ، مع أنها مطالب تستكمل النظرية الليبرالية الأنجلوساكسونية ، لاهوت التحرير والإصلاح الجديد الذي زَرَعَتْهُ أمريكا في أذهان الطلاب في المدارس ، فأنتم حصرا ! من أَوْكَلَ إليه الرب إخراج الناس من البربرية والتخلف إلى الحضارة والتقدم بِحَمْلِهِم ، ولو قَسْرًا ، على مبادئ الليبرالية البيضاء ! ، فهي الحرية وإن في رداء العنصرية ، فالعرق الأبيض الأنجلوساكسوني البروتستانتي هو الأرقى ، وهو الذي يُغَلِّفُ نُظَّارُهُ المصالحَ بغلاف جذاب من المبادئ في إطار ما تقدم من الصراع الذي احتدم بين نظار المركز : بين القيم التي يدرسها النشأ في المدارس ، وما يحصل على أرض الواقع في فتوحات أمريكا الفكرية والعسكرية والاقتصادية ، فَثَمَّ ، كما يذكر بعض الباحثين ، نشاط مركب ذو شعب ، فَثَمَّ الحرب العسكرية المباشرة التي رسخت وضعا جيوسياسيا جديدا بعد الحربين العالميتين ، ومن ثَمَّ كانت الحرب الباردة التي ازدهرت فيها الحروب بالوكالة ، كما في حرب فيتنام ، ثم في اجتياح السوفييت بلاد الأفغان ، وما كان من دعم غير مباشر من أمريكا وآخر من أتباعها في الشرق الأوسط اتسم بالتوظيف السياسي لقيم الوحي وأحكامه ، ثم كان الانقلاب المشهور على الجهاد فكرا وعناصر ومرجعيات ..... إلخ ، بعد أن كان يَوْمًا مِلْءَ السمع والبصر على وجه اتَّسَمَ ، أيضا ، بالقمع ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، قاسم مشترك أكبر في كل مظاهر السياسة والحرب والاقتصاد التي تُبَاشِرُهَا أمريكا أو تدعمها خارج حدودها ، فلا تستجيز المخالفة عن الدستور والقانون داخل الأرض الأمريكية إلا في أضيق الحدود ، وذلك جزء آخر من أجزاء خطة الخداع الاستراتيجية لأبناء الأمة الأمريكية لِئَلَّا يشعر المواطن الأمريكي بالتناقض بين مبادئ الدستور وما يجري على الأرض ، فلا بد أن يجد تأويل الدستور والقانون في حياته الخاصة والعامة داخل أمريكا فهي في نظره العالم المثالي الذي يجب على كل إنسان أراد التحضر والمدنية أن يهاجر إليه ، ولو بِرُوحِهِ ، فيكون هو الأنموذج الأسمى للقيم الإنسانية الراشدة التي نص عليها الدستور ، فلا مانع أن تقع بعض التجاوزات الفردية التي تبلغ حد جرائم الإبادة الجماعية ! ، لا مانع أن يقع بَعْضُ ذلك في معركة التحرير والتحديث للأمم المتخلفة ، فالأمريكي صاحب رسالة بها يفتح العالم ليخرجه من الظلمات إلى النور ، فلا بد له أن يجاهد في أمريكا ، لإنشاء الكيان الذي خرج من رحم حروب إبادة للسكان الأصليين ، ثم حروب تحرير من الاحتلال البريطاني ، ثم حروب توحيد فكانت الدولة المركزية المرعبة ، كما يصفها بعض الفضلاء ، فهي دولة صارمة في القيادة وإن بدا أنها منفتحة في الأخلاق والديانة ، فلم تَتْرُكْ للفرد من الحرية إلا الهامش الذي لا يهدد مصالحها ، فَلَئِنْ كان له دور في صناعة القرار ، فليس هو الصانع الأول ، وإنما غَايَتُهُ أن يشارك في صناعة القرار الذي اتخذ سلفا ! ، فمشاركته موجهة تحت سيطرة أجهزة الدولة العميقة وأذرعها الفاعلة في إطار ما أُطْلِقَ عليه المؤسسة الحاكمة establishment ، فظاهرها الحرية التي تخدع بِهَا الفرد ، وهي ، من وجه آخر ، تُغَذِّي فيه قيم السياسة الفوقية فهو جنس فَوْقَ بَقِيَّةِ الأجناس وهو صانع الحضارة في الداخل والخارج ، وهو ، كما تقدم ، مبعوث السماء إلى أهل الأرض بالفتح والتحرير وإخراج الناس من دين التخلف وإدخالهم في دين التقدم ! ، فعجبا ثُمَّ عجبا أن كان الإنكار على الوحي والنبوة إذ صار جهادها نشرا لقيم الرسالة إرهابا وتطرفا وراديكالية في التغيير تَتَّسِمُ بالتصلب والعجرفة والاستعلاء ، مع أنها بشرت بالجدال بالتي هي أحسن ، فـ : (لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) ، وأرست معيارا جديدا للتفاضل ، معيار : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، ولم تمارس العنف إلا علاجا يحسم مادة الطغيان فلم يكن خيارُها الأول هو الغزوَ ، وإنما كان آخر الدواء إذا امتنع الطاغوت أن يفسح للحق لِيَبْلُغَ الناس بلا قيد أو تحريف يَتَقَصَّدُهُ أعداءُ الوحي لِتَنْفِيرِ الناس منه ، أو إذا امتنع الناس أن يُسَلِّمُوا بحكم الوحي فهو مرجع الحكم ومصدر التشريع وإن لم يدخلوا فيه فليس ثم إكراه في انتحاله ، وإن حمل أصحابه معتقدا راسخا يوجب عليهم مدافعة سائر الخصوم إن لم يقبلوا الشرع المنقول مظلةَ حكمٍ في الخصومات ، وإذ كان الأمر دعوى في مقابل دعاوى ، فإن المركز في المقابل يَنْتَحِلُ نفس الدعوى ، فلا مناص أن يقيم كل مدع من البينة ما لدعواه يشهد ، والتاريخ ، كما تقدم مرارا ، حكم عدل لا يداهن أحدا ، ولا زالت يد التاريخ تكتب ما يَجِدُّ من نوازل ، ولا زال المركز إذ يبشر بحضارته البيضاء ! ، حضارة السيد والعبد ، لا زال يقترف من الجرائم السياسية والحربية والاقتصادية ما يصعق به الخصوم رجاء التطويع والاحتواء لتصير له السيادة المطلقة ، فكانت الحرب العسكرية ، كما تقدم ، وهي ما أفرز وضعا جيوسياسيا جديدا ، فحرب إبادة أولى للسكان الأصليين ، ثم حرب تحرير من المحتل البريطاني ، ثم حرب توحيد كانت الدولة فيها هي صانعة المجتمع ، فليست إفرازا طبيعيا يعبر عن المجتمع ، وإنما نشأت على قيم فكرية وسياسية تَتَّسِمُ بالعنصرية وراحت تحارب في فضائها المحلي ابتداء بدافع من شهوة التوسع التي تتسم بها حروب المركز ، فكان التوسع المحلي ، ثم الإقليمي بدفع المحتل الإسباني من الجزر المحيطة بأمريكا ثم كان جهاد الطلب في العالم القديم ، بعد أن استكمل العالم الجديد آلة الحرب المركبة ، فارتفعت وتيرة الحراك العسكري شيئا فشيئا من الحرب الأولى إلى الثانية في ظل تحفظ شديد مبدأ الأمر لم تَزَل جماعات الضغط الصانعة لقرار السياسة والحرب تُخَفِّفُ من غَلْوَائِهِ وَتُبَدِّدُ من مخاوفه كشأن أي تغيير جديد في السياسة ، فهو انتقال من مرحلة إلى أخرى ، فكان التحول التدريجي في العقل الجمعي الأمريكي الذي اتسم بالمحلية والرغبة في الانكفاء على الذات دون رغبة في التدخل في صراعات العالم القديم فخير لنا أن نشتغل ببناء حضارتنا دون تدخل من أحد ، ودون التدخل في شأن أحد ، وتلك حقبة استغرقت القرن التاسع عشر فأطلق فيها الساسة والنظار شعار : ارفعوا أيديكم عن العالم الجديد ! ، وليت العالم الجديد اليوم يمتثل نفس السياسة فيرفع يده عن العالم القديم ! الذي غزاه بعد ذلك بآلة الحرب والسياسة والاقتصاد ، فلم يعدل في حكمه أن أمر بالكف ولم يكف يده عن غيره ، ورام الانتقال تدريجا ، ولم يكن منهاجه في تغيير الأنظمة الأخرى ، السياسية والاقتصادية ، إلا منهاج الصدمة بلا تدرج ، وإنما اعتمد سياسة الكارثة سواء أكان له فيها يد تخطيط وتدبير أم كانت منحة من الرب القدير ! الذي شاء وقوع نَوَازِلَ استفاد منها المركز ، وإن كانت مصائب عند أهلها ، فمصائب قوم عند قوم فوائد ، فكيف ولم يكن الأمر في أغلب الأحيان إلا تدبيرا وتخطيطا لغزو مركب ، فثم ، كما تقدم ، حرب باردة تلت الحربين العالميتين ، فكان منها حرب باردة ثقافية رأس حربتها مؤسسات بحث محترفة كمؤسسة فورد ، كما يرصد بعض الباحثين نشاطها الذي لم يكن إلا غطاء فكريا لأنشطة استخباراتية ، وتلك سوق صِرَاعٍ بين القيم والأفكار والمبادئ ، ازدهرت بعد ذلك فكان تَمْوِيلُ المؤسسات العسكرية والاستخباراتية المحترفة لمراكز بحث فكرية لا يظهر ، بادي الرأي ، أن نشاطها يدخل في إطار استراتيجيات الحرب ، وذلك قد يصح بالنظر في الاستراتيجية العسكرية الصلبة ، وأما الحرب بالمفهوم الأعم الذي يستغرق كافة أجناس الغزو ، فهي تعم الغزو الفكري الذي تقوم به هذه المؤسسات البحثية إن في المركز أو في فروعها في الأطراف فقد أنشأت مراكز تابعة لها في دول كثيرة ، سواء أحملت نفس الاسم ، وهو أمر يظهر ، أيضا ، في فروع المطاعم والمتاجر ..... إلخ ، فالعلامة التجارية قد صارت هي ، أيضا ، شعارا لغزو اقتصادي ذي نمط استهلاكي يستنزف مدخرات الأفراد في دول الأطراف رغبة في الاقتداء بالسيد الأبيض الذي نجح في صناعة صورة إعلامية خادعة جعلته الأسوة التي يجب على أمم الشرق والغرب الاقتداء بها في طرائق الفكر وأساليب الكلام والجلوس والكلام والهندام وتصفيف الشعر وزينة الوجه وأدق تفاصيل الحياة ، وذلك ما يظهر ابتداء في سلوك الأفراد ثم لا يلبث أن يتحول إلى ثقافة عامة تلعب دورا رئيسا في صناعة القرار السياسي الذي نُزِعَتْ منه الرغبة في المقاومة والمدافعة لهذا الأنموذج الوافد فقد نجح في تغييب الهوية والقضاء على جبهات المقاومة الفكرية بما بَثَّ من أفكار وَتَصَوُّرَاتٍ وأنماط في الحياة الخاصة والعامة ولم يكن ذلك إلا نتاج عمل جاد محكم بدأه الاستشراق من وقت مبكر بعد أن أيقن المركز وكان آنذاك في أوروبا ، بعد أن أيقن أن مواجهة الشرق المسلم وكان آنذاك العدو الاستراتيجي الأول سياسيا وعسكريا فضلا عن خصومة فكرية مستحكمة بين الوحي وسائر المراجع الأرضية المحدثة ، شرقية كانت أو غربية ، فإن الصراع بين المراجع الأرضية ، شرقية أو غربية ، أمر لا يمكن إنكاره ، لا سيما مع تعارض المصالح المادية المحرك الرئيس للصراعات السياسية والعسكرية المعاصرة ، وهو ، كما تقدم ، تأويل لورقة بحث مشهورة ، كما يذكر بعض الفضلاء ، صدرت من مؤسسة بحثية مرموقة فِي أمريكا في العام 1948 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ودخول العالم حقبة الحرب الباردة ، وكان الخصم آنذاك خصما ذا مرجعية أرضية ، وهو الخصم الشيوعي في ظل انحسار الشرق وتراجع دوره بعد انحسار المد الإسلامي في مقابل المد العلماني ، لا سيما القومي ، فكان الصراع لا يزال يحتدم بين نظار الفكر والسياسة في أمريكا ، فثم مفاضلة بين المبادئ التي نص عليها الدستور ، والمصالح على الأرض ، والتي تستوجب المخالفة عن قيم الدستور ، بل ونقضها نقضا ، مع أَنَّهَا ، كما تقدم ، مبادئ لم تنطلق من مبدإ المساواة وإن زعمت ! ، ولم تنطلق من مبدإ الإصلاح إلا إذا كان رائده هو الأنجلوساكسوني الأبيض الذي تمثلة نخبة wasp ، فلا يصلح هذا العالم إلا إذا تولت هذه النخبة قيادته الفكرية والسياسية والاقتصادية ، وهو ما يعطيها هامش خطأ كما هي الحال في أي حرب ، وإن بلغ الهامش أن تُبِيدَ أمما بأكملها ، فلكلِّ معركة خسائر ، وهي تخوض حربا ذات قيم ومبادئ فوحدها من يحمل لاهوت الحضارة ، فلا تثريب إن أخطأت وإن أفنت وأبادت أمما فتلك ضريبة التحديث الذي يتسم ، كما تقدم ، بالراديكالية فلا يرقب في أمة عادة أو ثقافة أو بناء اجتماعيا رسخ عبر أحقاب وأجيال ، فلا علاج إلا الصدمة التي تقوض بنيان المجتمع ، وهو ما يظهر أثره في الصدمة الاقتصادية الكارثية التي تجهز على الطبقة الوسطى عماد أي أمة ، وصانعة مجدها الفكري أو الاقتصادي ، كما يضرب بعض الباحثين المثل بالصدمة الاقتصادية التي أصابت النمور الآسيوية أواخر القرن الماضي ، فكانت الدعاية الكاذبة ، وهو أمر دأبت المؤسسات الدولية تقارفه ، فإطلاق الشائعة ، كما أقر بذلك بعض المسئولين وصناع القرار في تلك المؤسسات ، إطلاق الشائعة كفيل بإثارة الرعب في الأسواق ، فَتَتَرَاجَعُ البورصات وتسحب الاستثمارات وَتَنْهَارُ العملات المحلية ويصاب صانع القرار في الدولة التي يروم المركز احتلالها اقتصاديا ، يصاب بالارتباك والخوف من مؤشرات الأداء التي تصدرها تلك المؤسسات فَهِيَ توهم الناظر أن البلاد على حافة الانهيار فلا سبيل إلا الاقتراض من تلك المؤسسات وفق شروط قاسية تعيد هيكلة الاقتصاد والمجتمع دون رعاية لأي أبعاد إنسانية ، بل المعالجة الجذرية العنيفة جزء رئيس من مخطط الاحتلال فلا بد من هدم المجتمع بصدمات قاسية تستهدف أول ما تستهدف الطبقة الوسطى فهي العماد الذي ينهدم المجتمع إذا انكسر ، فسارعت النمور الآسيوية آنذاك إلى المؤسسات الدولية خاضعة راضية بما تملي تلك المؤسسات من شروط إصلاح قاسية ، ولم يرفض الاقتراض أحد إلا الحكومة الماليزية فقد كانت ديونها صغيرة ولم تَرَ ، كما قال رئيسها آنذاك ، لم تر حاجة أن تهدم البلاد لإعادة بنائها وتحسينها ! ، فقد يكون ذلك بترميمها دون حاجة إلى هدمها وإعادة بنائها على طراز غربي رأسمالي يجعلها دوما في قبضة المركز ! ، وكان من نتائج هذا الإصلاح الهادم ما يرصده بعض الباحثين في شتى التجارب التي وقعت في العقود الأربعة الماضية في دول كثيرة ، في شيلي والأرجنتين والأورغواي وبوليفيا في أمريكا اللاتينية ، وفي النمور الآسيوية في آسيا ، فجميع التجارب أفرزت نسبا مفزعة من التضخم في الأسعار مع تقليص النفقات العامة وتراجع دور الدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية وبيع الأصول بأسعار زهيدة في صفقات شابها من الفساد ما شابها ، وهو أمر يضرب له بعض الباحثين أمثلة تثير التهكم ، فَبِيعَ قطاع فاعل في صناعة السيارات في كوريا الجنوبية قدرت قيمته بستة مليارات دولار ، بيع بأربعمائة مليون دولار فقط ، وكذلك الشأن في روسيا ، فبيعت شركات كاملة بأسعار تساوي سعر منزل يشتريه فرد للنقاهة أو السياحة ! ، وقل مثله في تجربة بيع القطاع العام في مصر فقد بيع منه جزء مطلع التسعينيات من القرن الماضي ، وهو جزء أطلقت الشائعات أنه فاشل يخسر ، كما تقدم من استراتيجية الشائعة التي توهم فهي تهيئ الرأي العام وتخدعه وربما خدعت صانع القرار نفسه إن كانت المؤسسات الدولية هي من أطلق الشائعة ، فإذا تهيأ الرأي العام سهل عليه تقبل الأمر ، حتى بلغت الكارثة آنذاك في مصر أن بِيعَ ما بِيعَ بـ 5% فقط من قيمته الحقيقية ، مع تسريح آلاف العمال وما واكب ذلك من تعويم جزئي للعملة المصرية ، فكانت الصدمة التي تَتَكَرَّرُ اليوم في مصر وإن كانت أشد قسوة ، فاستراتيجية الغزو واحدة ، تغيير جذري صادم في السياسة أو الحرب أو استنادا إلى كارثة طبيعية ..... إلخ ، مع حِزَمٍ متتابعة من القرارات التي تَشُلُّ حركة المجتمع فَتُصِيبُهُ بالذهول فلا يكاد يُبِينُ من هول الصدمة ، مع قوة قمع وبطش تؤمن سريان هذه القرارات ، فانتشار مكثف لعناصر الأمن وإجراءات استثنائية توسع دائرة الاشتباه والاعتقال والتصفية مع إكسابها قوة القانون بما يُسَنُّ من تشريعات ، فَتُقْمَعُ أي تظاهرة وإن كانت مطالبها اجتماعية لا تكتسب أي صبغة سياسية ، فالقوانين تسري على جميع التظاهرات ! ، ويصاحب ذلك ، كما تقدم ، موجة غلاء وبلاء مع انهيار في منظومة الأخلاق الخاصة والعامة ، وازدياد معدلات الجريمة وظهور أزمات اجتماعية جديدة كارتفاع نِسَبِ الطلاق والعنوسة فقد صارت تكاليف الزواج باهظة لا يطيقها عامة الناس ، وذلك ما يفتح الذرائع لاقتراف الفواحش لا سيما ونظام الحكم يدفع في هذا الاتجاه ، تصريحا أو تلميحا ، فَلَهُ غاية في إضعاف المجتمع لئلا يقاوم استبداده ، ولا أعظم من إضعاف المجتمع بضربه في قيمه وثوابته وأخلاقه فتسهل السيطرة عليه إذ تحوال إلى قطيع تحركه غرائزه وَنَزَوَاتُهُ ، وإذا انتشرت الفواحش ظهرت الأسقام التي لم تكن في الأسلاف ، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتزيد نسبة الإصابة بالأمراض الخطيرة ، كنقص المناعة المكتسبة ، فقد زاد معدل الإصابة بها في بعض الدول التي خضعت لهذه الإجراءات الاقتصادية الجذرية زادت ، كما يرصد بعض الباحثين ، من خمسين ألفا إلى مليون حالة إصابة كما هي الحال في روسيا ! ، والفقر ، من وجه آخر ، بِيئَةٌ خصبة لوجوه من النشاط الإجرامي الذي صار تجارة منظمة ، فزادت في بعض دول آسيا التي خضعت لهذه الصدمات زادت تجارة الرقيق الأبيض لا سيما الأطفال ، زادت بنسبة 20% في عام واحد وهو ما أثار استياء وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت فأعربت عن امتعاضها من الظاهرة مع تأييدها في نفس الآن لسبب هذه الظاهرة من إجراءات الإصلاح الاقتصادي الصادم ، وكذلك كانت حَالُ مُنَظِّرٍ شهير لهذا النمط من الغزو الاقتصادي ، فهو يمتعض من تجاوزات نظم الحكم في تشيلي والصين ويؤيد في نفس الآن تمسكها بهذا النمط من الإصلاح الهدام ! ، في تعارض يحكي ما تقدم من تعارض المبادئ والمصالح في العقل الأمريكي المعاصر ، فالأفراد قد يؤمنون بما سطر في الدستور من قيم الحرية والمساواة ، وذلك أمر يحكيه كثير من الفضلاء ممن احتكوا بآحاد من الأمريكيين ، فليس فيهم ما في الأوروبيين من التعصب إذ تاريخ أوروبا في الاعتداد بالنفس والاحتقار للخصم تاريخ أشد تجذرا من تاريخ أمريكا الأمة الجديدة فضلا أنها في الجملة أمة من المهاجرين المضطهدين وإن كانوا ، من وجه آخر ، من البروتستانت المتعصبين ، فلا تخلو نفوسهم من التعصب في إطار ما تقدم من نظرية WASP ، إلا أنهم في نفس الآن يعتبرون أنفسهم أصحاب رسالة حضارية وإن صارت بعد ذلك ذريعةً لِلتَّدَخُّلِ السافر في شئون الأمم بالغزو الفكري والعسكري والاقتصادي ، فقد نجحت الدولة الأمريكية الصلبة أن تزرع في نفوس الأفراد عقيدة التفوق العنصري فَسَهَّلَ ذلك تَبْرِيرَ انتهاكاتها في الخارج لئلا يصاب الفرد بالتناقض لا سيما وهو يرى العدل في بلاده ولا يرى في سلوكها في الخارج إلا الظلم والاستبداد ! ، فالمبرر هو تحديث العالم فلا بد من خسائر ! ، فيسكن الضمير الفردي أن حظي بمبرر أخلاقي لما سيقترفه هو نفسه بعد ذلك من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان التي طالما رددها في المدارس والمعاهد ثم نقضها نقضا في الخارج ! بعد التحاقه بالجيش أو دائرة فاعلة من دوائر السياسة أو الاقتصاد ، فيرى ضد ما درس وانتحل فليس إلا الظلم والهدم لبقية الأمم ، ولكن الأمر يهون إذ لا بد من الهدم قبل البناء على الطراز الأمريكي ، الأنموذج الحضاري الأسمى ، فتغلب حزب المصالح على حزب المبادئ بعد طول نقاش في دوائر الفكر والسياسة في أمريكا وانتهى الطرفان إلى حل وسط ، مصالح تُكْسَى لحاء المبادئء ، مع التوكيد على تقليل جرعة المبادئ حال التعاطي مع الإجراءات السياسية والعسكرية والاقتصادية المباشرة ، فإن الأمة الأمريكية لن تسود العالم إلا إذا حافظت على مكتسباتها السياسية والاقتصادية فلا بد أن تتخطى لأجل ذلك كل حاجز أخلاقي ، إما بالتأويل أو بالتعطيل الصريح ، فلن نحافظ على الثروة ولن نسود في الجوار وفي سائر أقطار الدنيا إلا بإضعاف الآخرين والتدخل السافر في شئونهم سياسيا وعسكريا واقتصاديا ، ولو بتدبير المؤامرات وهدم المجتمعات والرضى بحكم الظلم والاستبداد وتأييده في السر والعلن ، بقوة السياسة والمال وآلة القمع والقتل ، مع إضفاء المبرر الأخلاقي على هذا الفعل الإجرامي ، ولو تدبر الناظر في مصر كأنموذج إقليمي لوجد أن الدول التي ساهمت بالتمويل في الأزمة الحالية التي تعيشها مصر بعد 3 يوليو 2013م ، لوجد أنها قد انطلقت من ذات المنطلقات الأمريكية ، فهي دول غنية ترى أن حفظ مصالحها لا يكون إلا بهدم أي قوة في الجوار تخرج عن طوعها وتهدد وجودها الهش الذي يفتقر إلى مقومات الدولة إن بمعيار الوحي ، أو بمعيار الأرض ، وإن زعمت انتحال الوحي فذلك يكافئ المبرر الأخلاقي في الطرح الأمريكي ، مُبِرِّرَ القيم التي تجعل صاحبها فوق البشر فوحده من يحتكر قيم الحق والدين والأخلاق والمبادئ ..... إلخ ، وذلك ما يمنحه حق التدخل السافر في شئون غيره ولو بالإفساد ، فكان الدعم لقوة قمع قتلت وسفكت وانتهكت محرمات الدين والدنيا وكان التأييد والتبرير الديني بذريعة قمع الفساد والاضطراب فذلك مقصد رئيس من مقاصد السياسة الشرعية ثم كان الوثوب أخيرا على مقدرات البلاد فذلك الجزء الثاني من الخطة الإقليمية التي تَتَقَاسَمُ موارد مصر مع المؤسسات الدولية المقرِضة ، ولكلٍّ جزء من الكعكة بعد تمام نضجها ، مع حصول الانهيار التام في بنية المجتمع بما يشكو من تضخم وبطالة وارتفاع في معدلات الانتحار وانهيار في كافة الخدمات فلا يعني المستثمر الوافد شيء من ذلك فعينه على الموارد بعد انهيار القيم والمبادئ ، فضلا عن حال من العدمية والعبثية الفكرية التي يَفْقِدُ العقل فِيهَا بَوْصَلَةَ الهدى ، فالوحي قد غُيِّبَ قسرا ، فصارت الحياة بلا معنى وذلك ما يفضي ، أيضا ، إلى زيادة معدلات الإدمان وقد بلغت في بعض الصدمات الاقتصادية الناجحة ! التي وجهها المركز إلى دولة كبيرة كروسيا ، بلغت تسعة أضعاف ! ، فضلا عن تعاطي المسكرات رغبة في غيبوبة العقل فرارا من هذا الوضع البائس ، ورصد بعض الباحثين ضحايا هذه الحرب الاقتصادية على روسيا بستة ملايين وستمائة ألف ضحية في أربعة عشر عاما من 1992 إلى 2006 ، ورصد ، نفس الباحث ، في بلد ككوريا الجنوبية ، رصد تَقَلُّصَ الطبقة الوسطى صانعة المعجزة الاقتصادية والتكنولوجية ، من 63,7% إلى 38،4% في غضون ثلاث سنوات فقط من الإصلاح الاقتصادي الهيكلي ، من 1996 إلى 1999 ، ويصاحب ذلك في العادة تكدس الثروات في يد النخبة السياسية والعسكرية والاقتصادية ، وإن في بلد يزعم أنه شيوعي يقدس العدالة والمساواة ! ، فذكرت الإحصائيات بعد موجة الانفتاح على السوق في الصين أن 90% من أثرياء البلاد هم من أبناء المسئولين في الحزب الشيوعي الحاكم ، وأن 2900 فرد فقط يمتلكون ما قيمته 260 مليار دولار أمريكي ، وفي روسيا ازداد عدد المليارديرات إلى 17 فقط يسيطرون على اقتصاد البلاد بعد تحوله إلى اقتصاد السوق ، والانتقال إلى اقتصاد السوق بشكل مفاجئ دون تمهيد يُفْضِي ، في العادة ، إلى انهيار عظيم في بنية المجتمع إذ لا يعتبر البعد الإنساني فَيُؤَدِي إلى ارتفاع نسبة الفقر والبطالة والجريمة بشكل متسارع .

    والله أعلى وأعلم .

    التعديل الأخير من قِبَل مهاجر ; 24-09-2017 في 07:38 AM

  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:05:13 PM

    المشاركات
    4,706
    العمر
    39

    والإحصائيات في الدول التي طبق فيها إصلاح الصدمة غير المتدرج ، الإحصائيات تبين ارتفاع شريحة الفقراء في هذه الدول بنسب تَتَرَاوَحُ بَيْنَ 25 وَ 60% ، وهو ما أدى إلى تصاعد أعمال العنف فلم تفلح هذه السياسة في إرساء دعائم الاستقرار من منظور غربي رأسمالي ، لأن هذا النظام إن سُلِّمَ أنه علاج في بعض الدول فليس علاجا يصلح في أخرى لتباين الظرف الاجتماعي والسياسي فضلا عن الظرف الفكري فالنظام الرأسمالي ليس نظام إدارة وتجارة فحسب ، وإنما يرجع كأي نمط في الحياة إلى أصول فِي الْفَلْسَفَةِ والنَّظَرِ ، فمعيار الأخلاق في هذا النظام هو معيار النَّفْعِ المادي والتطور الذي اتسعت دائرته فلم تعد تقتصر على التطور البيولوجي ، وإنما جاوزت ذلك إلى التطور في الأديان والأخلاق ، فما كان خيرا في الماضي لم يعد كذلك الآن في ظل نَظَرِيَّةٍ نسبية أصابت الإنسان بالاضطراب فَلَمْ يَعُدْ ثَمَّ أصول محكمة يأرز إِلَيْهَا العقل في أحكامه ، فاختل معيار الحكم على الفعل أنه حَسَنٌ أو قَبِيحٌ ، فالمصلحة المادية قد صارت هي الغاية وهي أمر تتفاوت فيه الأنظار وَتَتَعَارَضُ فيه الأهواء ، فيتأول كلٌّ من القيم والأخلاق ما يحقق أغراضه إذ يكسوها لحاءً من القيم يسمي الخمر بغير اسمها ! ، فيكون الْغَزْوُ تَحْرِيرًا ، وإفساد الأديان والأخلاق تَجْدِيدًا ، ومن استمسك بأصول الدين والقيم والمبادئ ، ولو مطلقات في الذهن أجمع عليها العقلاء كلهم فضلا عن ذوي الاعتقاد ، فمن استمسك بها فإنه متعصب رجعي لا يُوَاكِبُ التَّقَدُّمَ الحضاري الذي اختزل في تقدم الآلة فهي سبب القوة وَالثَّرْوَةِ ، وهما مناط الصراع في عالم تحول إلى غابة أن غُيِّبَتْ قِيَمُ الوحي والرسالة وهي خاصة الإنسان الذي حُمِّلَ أمانة التكليف فَقُعُودُهُ عن النهوض بأعبائها قد سلبه وصف الإنسانية سواء أكانت إنسانية الشرعة أم إنسانية الفطرة ، فإنها لا تنفك تحمل من قيم الخير المجمل ما جاءت الشرائع تُزَكِّيهِ وَتُبَيِّنُهُ ، فإذا اضطرب معيار الحكم فإن شؤمه لا يقتصر على أحكام الوحي وإنما يجاوز ذلك إلى أحكام الفطرة فتصير المجملات الضرورية التي ركزها رب البرية ، جل وعلا ، في النفس الإنسانية ، تصير محل نظر وشك ! ، فمن ذا قال إن العفة فضيلة وإن دلت عليها الشرعة والفطرة والفكرة وكل ما يَمُتُّ إلى الاستدلال الصحيح بِصِلَةٍ ، فالعفة قَيْدٌ يحول دون الاستمتاع بِلَذَّاتِ الحس ، وهي الغاية العظمى إذ لا دار بعد هذه الدار ! ، فخير لمن له عقل أن يُبَادِرَ فيستمتع بلذات العاجل ، وإذا صارت هذه طريقة الإنسان في الاستدلال فإنه يتحول شيئا فشيئا إلى حيوان وإن كانت صورة الظاهر صورة البشر الذي يمشي على اثنين ، بل العقل آنذاك قد صار نِقْمَةً إذ ضَلَّ في أودية الباطل دينا وفكرا وسياسة وأخلاقا ..... إلخ ، فالحيوان الذي لا يعقل لا يجاوز من اللَّذَّاتِ ما قد جُبِلَ عليه فَلَيْسَ له من آلة العقل ما به يَبْتَكِرُ من أجناس اللذة ما يجاوز الفطرة فَيَقْتَصِرُ على ما يدركه مما رُكِزَ في جبلته ، وأما الإنسان الذي كُرِّمَ بالعقل وَابْتُلِيَ به في نفس الآن ، فهو إن لم يسلك جادة الوحي فَعِنْدَهُ من قوة العقل ما يجعله إمام ضلال وشر فيحدث من أجناس القول والعمل ما يخالف به عن هدي الشرعة وهدي الفكرة وهدي الفطرة ، فأحدث من أحدث من مقالات الدين ما لا ينقضي عجب الناظر فيه سواء أكان من الدين السماوي الذي بُدِّلَ وَغُيِّرَ ، أم من الدين الأرضي الذي لا نسبة له إلى السماء فالعجب منه أعظم ، إذ باعد عن الوحي أكثر ، وهذا أصل يطرد في كل عصر ومصر ، فالناس ، وإن كفارا ! ، كلما كانوا أقرب إلى حكم السماء فهم أقرب إلى الفطرة الأولى وذلك ما يجعلهم على هدي أفضل ، وإن لم يصيبوا الهدي الأكمل فلا يصيبه إلا من سلك جادة الوحي في كل قول وعمل وَخُلُقٍ ، فكان اتجاه الأخلاق النفعية وهو اتجاه يسيطر الآن على مجريات الحياة وآثاره تظهر في الحرب العسكرية والاقتصادية ، فلا ينظر صاحبها إلا فِيمَا يُحَقِّقُ لَهُ النصر ، وإن خسيسا على أشلاء البشر وَبُنْيَانِ المجتمعات التي يَغْزُوهَا فَيُقَوِّضُ أركانها ليعيد بناءها من جديد على وجه يضمن له السيطرة عليها فلا تصير إلا تابعة له ، خاضعة لحكمه ، فهو يبث فيها من القيم ما يكرس الهيمنة الفكرية والسياسية ، فضلا عن أنماط من الأخلاق تَزْدَهِرُ في ظل أي احتلال ، فهو يضرب المجتمع في مفاصل تؤلم ، فينهار الإنسان من الداخل ويتحول إلى وحش كاسر ، ويظهر من أنشطة المال والتجارة ما يسلب الحياة معنى الحرمة والتعظيم ، فالأفكار والأجساد وكل شيء قد صار معروضا للبيع ، فأقلام الأفكار تُشْتَرَى بالأموال والامتيازات ....... إلخ ، وكلٌّ يُبَدِّلُ اتجاهه كما يبدل الثعبان جلده ، وكما تَتَلَوَّنُ الحرباء فذلك قدر من التكيف يجعل صاحبه يعيش في أي بِيئَةٍ فكرية أو سياسية ! ، والأجساد معروضة للبيع في أسواق النخاسة ، سواء أكانت تجارة المتعة وهي من جملة الأنشطة الهامشية التي لا تقيم اقتصادا ، فضلا أنها لا تقيم أديانا أو أخلاقا فلو سُلِّمَ لأصحاب هذه النظرية الاقتصادية المادية أن الاتجار بأي سلعة ، ولو رقيقا أَبْيَضَ ، اتجار مشروع ، لو سُلِّمَ بذلك فَبَيْعُ الأجساد لا يقيم اقتصادا إلا اقتصاد النخب التي تحقق أرباحا طائلة من إدارة هذه الأنشطة القذرة ، فلا يحترف هذه الأنشطة إلا شرائح متدنية من المجتمع سواء أكانت طالبة للثراء السريع ولو باعت لأجل ذلك أي شيء فقد تشبعت بقيم الاستهلاك المادي فَتَرْغَبُ في المال ولا تقيم وزنا لأديان أو أخلاق ، فسواء أكانت كذلك أم كان الدافع هو الحاجة التي ألجأت الناس أن تبيع الجسد فضلا عن الدار والمتاع ، وقل مثله في تجارة الأعضاء ، وذلك باستقراء تجارب الإصلاح الاقتصادي ! ، نشاط يزدهر في ظل ما يحدث في المجتمع من انهيار مفاجئ في دخول الأفراد والأسر فيلجأ من يلجأ أن يبيع عضوا من جسده لِيُؤَمِّنَ مبلغا زهيدا ، فينمو هذا القطاع من الاقتصاد النفعي الذي يتجرد من الطابع الإنساني ، ينمو على وجه يجاوز المبادرة الفردية إلى الشبكات المعقدة التي تجاوز البلد أو الإقليم إلى شبكات تَعْبُرُ الحدود ، فَثَمَّ وسطاء وثم أطباء وطواقم تمريض ، وثم داعم يوفر الغطاء القانوني فعنده من الجاه ما يجعله شريكا في أي صفقة بما له من اسم ونفوذ فهو يَتَّجِرُ باسمه وإن شئت الدقة فَقُلْ بمنصبه لِيُضْفِي الشرعية على هذه الأنشطة الاقتصادية القذرة التي تمثل فَضَاءً وَاسِعًا من الرِّبْحِ السريع الكبير في نفس الآن وذلك ما يغلب على الاقتصاد الهامشي الذي لا يؤسس بِنْيَةً حقيقية لأي مجتمع فضلا عن مخالفته لبدائه القيم الشرعية والأخلاقية التي لا يمكن لجماعة إنسانية أن تَتَجَرَّدَ مِنْهَا إلا إذا قَرَّرَتِ التخلي عن إنسانِيَّتِهَا وهو ما يَرَاهُ الناظر في مجتمعات حققت الرَّفَاهَ المادي والبدني ، فَهُوَ فِي نفسه قيمة مقدسة في الأنظمة البراجماتية ولو اشتكى الآحاد من الفراغ الروحي والجفاف العاطفي الذي يبذل كل عاقل ما يبذل من وقته وجهده وماله ليحصل على لحظات من السلام النفسي حقيقيا كان أو متوهما ، فجميع البشر ، كما يقول بعض المحققين ، جميع البشر قد أجمعوا مع اختلاف الأديان والأخلاق ، أن حصول السعادة وَانْتِفَاءَ الحزن هو مطلوب كل عاقل ، فإذا حصل ذلك فالضيق يصير سعة ، إذ الروح قد انتعشت فلم يَعُدْ ثَمَّ ما يُؤْلِمُهَا ولو ضاق الأمر على البدن فقد اتسع على الروح فهي في فضاء يجاوز الحس فلا يضرها ما تجد من آلام الدنيا إذا كان ثم من غاية دينية أو أخلاقية عظمى ، ولو بشرية محضة ، فكيف بالغاية العظمى التي لأجلها كان الخلق والابتلاء ، فمحل الإجماع هو طلب السعادة ودفع الهم ، ومحل الاختلاف كيف يكون ذلك ؟! ، وفي إطار النظام النَّفْعِيِّ لا سبب يحقق السعادة وَيَطْرُدُ الْهَمَّ إلا أسباب الحس التي تُشْبِعُ غَرِيزَةَ الإنسان أن يَطْغَى ، فهو يجاوز الحد فِي كل سلوك سواء أكان في الأخلاق أم في السياسة ، فصار التاجر الماهر من يحقق أعلى الأرباح بأقل جهد وتكلفة ، دون نظر في قيم دين أو تَرْبِيَةٍ ، وذلك ما يحول الحياة إلى جحيم لا يطاق ، ويحول المجتمع إلى غابة لا بقاء فيها إلا للأقوياء فهي تمارس من الانتخاب الطبيعي ما يلحقها بالنوع الحيواني ، بل الحيوان قد أجرى له الرب ، جل وعلا ، من قانون الافتراس عبر سلاسل غذائية ما يحفظ التوازن في الحياة البرية والبحرية ، خلافا لِمَا أحدث الإنسان من طَرَائِقَ فِي السياسة والحرب والاقتصاد أفضت إلى اضطراب وَتَفَاوُتٍ في الدخول بَيْنَ عالم أول بشرته بيضاء ، وثالث بشرته ملونة أو سمراء ! ، فصار اقتسام الدخول يستند إلى لون البشرة ونقاء العنصر والسلالة ، فدماء السادة لا تمازج دماء العبيد ، وإن كان لا بد من احتكاك ففي أضيق حد على وجه لا يهدد النخبة ، فهي تضع يدها على أنفها تأففا وهي تخاطب غيرها ! ، فغاية الخطاب أن يكون أمرا أو عقدا ظاهره الشراكة وباطنه التبعية المطلقة ، فالدول الكبرى تَتَّخِذُ من الصغرى خدما وأذرعا في إدارة الأطراف بما توحي إليها من قرارات السياسة والحرب فلا تملك الأطراف إلا الطاعة المطلقة رجاء ما يُلْقَى إليها من فُتَاتِ السلطة والثَّرْوَةِ وَلَيْتَهُ يُوَزَّعُ على طريق العدل في القسمة وإنما تستأثر به النخبة التابعة مباشرة إلى دوائر صنع القرار في المركز فهي وكيل يعمل نظير ما يأخذ ، وإن شئت الدقة فقل نظير ما ينهب من حق العامة فلا يجرؤ أحد على محاسبته إذ أقام قانون السياسة على نظرية مطلقة في التملك سواء أكان ذلك صراحة أم بواسطة من الدين أعظم فيها الجناية وأفحش أن أسند إلى الوحي ، وهو معدن العدل المطلق ، أن أسند إليه ما يقارف من الظلم والجور فجعل ذلك من ورع العبد وتقواه أن يسمع ويطيع الحاكم الجائر وإن عطل ما عطل من الشرائع والأخلاق وجاهر بالظلم والعدوان وأبان عن وجوه من الخيانة الدينية والسياسية والأخلاقية ، فصار يسعى في حفظ الملك أو استلابه دون أن يَتَوَرَّعَ عن قتل أو سفك ، إما مباشرة أو بواسطة ، فأذرع السياسة في هذه الأعصار تتعدد وكل ذراع إلى آخر يفضي ! ، فثم بناء هَرَمِيٌّ عماده الرئيس : استبداد الرأس وانصياع التابع فهو يقدس الرتبة الأعلى فلا ينال الحظوة إلا بذلك ، وكلما أعطى الدنية من دينه ومروءته كان له حظ أعظم في المناصب السيادية فلا ترى الحياة إلا سلسلة من الانتهازية مادتها الرئيسة المداهنة والكذب مع ما تكسى به الوجوه من ذل وكآبة وإن حصل لها ما حصل من أسباب السعادة المادية ، فلا زال في النفس عرق ينبض فهو يتألم لما يَبْذُلُ كلَّ يوم من ماء الوجه ولما استقر في القلب من الخوف من المخلوق فصار رضاه قبل رضى الخالق ، جل وعلا ، طوعا بلا إكراه يعذر صاحبه في أحوال فَلَئِنْ أكره بدنه فقلبه حر لم يقع في الأسر خلافا لمن وقع قلبه في الأسر أن صارت الدنيا غايته ولو بذل لأجلها ما بذل من الدين والمروءة ، فلا يملك صاحب هذه النفس من شريف الخصال ما يجعله أهلا أن يصير رأسا في قومه ، وهو ، مع ذلك ، لا يقنع بما قُسِمَ له من رزق ، فَيَرُومُ التصدر ولو لم يكن ذا كفاءة وكفاية ، فلا بد من تنازل تلو آخر حتى يبلغ من المنصب ما ليس له بأهل ، وهو ما يفضي آخر الأمر إلى انهيار بنيان السياسة فضلا عن ذهاب المروءة والديانة ، فليس ثم كفاءة في دين أو دنيا ، وليس ثم سبب رياسة إلا إرث ملك أو اغتصابه ، ومن جعل أمره إلى غيره فلا سلطان له أن يستقل ، وإن كان ظاهر أمره استقلالا في الخطاب السياسي والقرار العسكري ، فليس ، عند البحث في أصوله ، ليس إلا مجموعا وظيفيا خادما لمن فوقه ، كما أن من فوقه خادم لمن يليه في الرتبة فذلك هرم سلطة جائرة لا تقيم وزنا إلا لعاجل المصلحة ، وهي في سبيل ذلك توظف أدوات الحكم ، ومنها أداة الدين المبدَّل أو المؤوَّل الذي يتولى كبره أئمة ضلال يدعون الناس إلى النجاة بالقول ، وقد خالفوا بأفعالهم منطوق لسانهم ، فخضعوا لسلطان الجور وألبسوا ذلك لباس الزور أن صيروه من الحكمة والتقوى التي تُرْضِي ربنا الأعلى ، وليس ذلك مما يَرْضَاهُ ، جل وعلا ، فـ : (لَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) ، فالكفر أعظم شعب الظلم أن يُعْطَى من لا يستحق ما لا يستحق ، فَيُعْطَى البشر من خصائص الربوبية ما لا تطيقه الجبلة الأرضية ، ويخلع على الملوك من ألقاب القداسة ما يُغْرِي الناس أن يصرفوا لهم من أجناس العبادة الباطنة أو الظاهرة ما لا يصرف إلا للخالق القدير الحكيم ، تبارك وتعالى ، سواء أكان ذلك صراحة كما في أنظمة السياسية البدائية في الجاهلية الأولى ، فكان الملك يطلب من الرعية أن يعبدوه ، فنص الكلام دون تأويل ! : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) ، فهو المدبر لأمورهم بما يجري من القوت وما يُعَيِّنُ مِنَ المصير ! ، فـ : (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) ، فسواء أكان ذلك صراحة كما في الجاهلية البسيطة أم كان ضِمْنًا كما في الجاهلية المركبة التي تخاطب الناس بالخطاب الأول وإن تجملت ما لم يتجمل الأبعد ، فالعقول قد نضجت في الفهم فلا بد من خداعها بخطاب جديد مبتكر يستعمل من اصطلاحات السياسة الجديدة ما يضمن معاني العبودية للبشر وإن كان ظاهره التحرر من كل قيد ، وقد صدقوا وهم كذبة ، فهو يحرر الإنسان من كل قيد شريف ، قيد الأديان والأخلاق والمبادئ ، فلا يمكن استعباد الناس إلا بالإكراه فإن لم يكن ثم سبيل فلا بد من تطويع النفوس أن تستعبد طوعا ولا يكون ذلك إلا بإخراجهم من فضاء العبودية الحقة إلى ضيق العبودية الباطلة ، فهم خصوم الوحي ، وإن زعم بعضهم ولايته فهو زعم كذب يُبْطِلُهُ القول والعمل ، فقولهم تأييد للحاكم الجائر وعملهم تَرْكِيعٌ للشعب الغافل الذي يُخْدَعُ بلحن القول وَيَتَلَهَّى بفضول الشهوات التي تُرَوِّجُهَا السلطة فهي مخدر قوي المفعول ينحط بالإنسان إلى رتبة الحيوان البهيم ، فيروج هذا المخدر تحت شعار التجديد لخطاب الدين والتحديث والتطوير الذي لا يُؤْتِي أكله إلا أن يقتبس المنهزم من المنتصر طرائق الفكر وعوائد الفعل دون مرجع محكم يحسن يميز الخبيث من الطيب ، فصارت الحرية أداة من أدوات الحكم المستبد في مفارقة قد يعجب الناظر فيها إذ كيف تكون الحرية أداة استبداد ؟! ، والجواب أن الحرية التي تُخْرِجُ صاحبها من قيد العبودية الحقة ، عبودية الخالق الشارع ، جل وعلا ، فهو الذي أنزل من الأرزاق وشرع من الأحكام ما به الصلاح العاجل والآجل ، فالحرية التي تخرج صاحبها من العبودية الحقة إلى عبودية الوثن هي ما يَقَرُّ به سلطان الحاكم الجائر ، سواء أكان الوثن محسوسا في الخارج كما في الجاهليات البدائية ، أم معقولا كما في الجاهليات المعقدة التي ابتكرت من آلهة الأديان والأفكار والمذاهب في السياسة والحرب والاقتصاد ما عظم شره فهو يواطئ الآلهة الأولى في غايات من صنعها فما كانت إلا ذريعة بها يستقر نظام السياسة فلا بد له من ركن ميتافيزيقي غَيْبِيٍّ يشهد الظلم وَيُقِرُّهُ ، فيكون شاهد الزور باسم الدين أَنَّ سادة قريش على حق ، فيما يقارفون من الجنايات الفكرية والأخلاقية وأعظمها التعدي على سلطان رب البرية ، جل وعلا ، أن يعبد ويحكم في الناس بما أنزل على لسان رسله ، عليهم السلام ، فلا يكون ذلك ، بداهة ، إلا تهديدا لمصالح الساسة وامتيازاتهم التي أفنوا ما أفنوا من الأجيال في تحصيلها فَوَرِثُوهَا كابرا عن آخر ، فكانت آلهة قريش لحاء شرعية زائف كسيت به المظالم ، وأعظمها ، كما تقدم ، جناية الكفر الأكبر أن حَكَمَ الناس بغير ما أُنْزِلَ ، فعطلوا الوحي واتبعوا الهوى فكان إلها يعبد وإن لم ينطق صاحبه بذا ويجهر ، وهو أمر لا ينفك الناظر في أنظمة الحكم المعاصرة ، إن في المركز أو في الأطراف ، لا ينفك الناظر فيها يراه ، ولو على تفاوت ، فالنظرية السياسية المهيمنة على العالم في هذا العصر هي نظرية قريش ، أن تحفظ النخبة القائدة وما دونها من النخب التابعة وما يدعمها من الأقليات المتساندة ، سواء أكانت أقليات في الدين أو في المذهب أو في الفكر أو في السياسة أو في الحرب أو في المال فهي نخبة تحمل ما تحمل من إرث العداوة للمجتمع الذي تقوده فلا يعنيها صالح ينفعه في أولى أو آخرة ، فلا يعنيها إلا تحقيق مصالح النخبة الأعلى التي تعمل بأمرها ، والتقاتل على فتاتها قِسْمَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ بقية النخب التي تساندها فاقتسام الحظوظ بين المجموعات الوظيفية الخادمة يجري مجرى اقتسام الغنائم بين أفراد العصابة فكلما علت رتبة المجرم وكان له في العصابة كلمة كان حظه من المغنم أعظم ، فالفتات ينقسم إلى فتات أدق في إطار النظام الهرمي نفسه فكلما اتسعت القاعدة كان نصيب الفرد أقل إذ لا تأثير له في القرار فليس إلا آلة تباشر التنفيذ فتتحمل معظم العبء ولا ينالها آخر أمرها إلا أقل نصيب من الغنيمة ، فالعبودية التي تخرج صاحبها من عبادة إله حق ، يرزق ويدبر بالأمر النافذ وينصح ويرشد بالأمر الشارع الذي بلغته الرسالات فكانت أعظم الأعطيات إذ أبانت طريق السعادة التي يلهث الناس وراءها ، فمن طالب لها في نظام براجماتي ، ومن ضال أفضى به الوسواس أن الإنسان كائن تطور من خلية قذرة فكذلك دينه وأخلاقه فلا مذهب محكم يرد إليه ما تشابه من الأهواء والأذواق ، ولا عاصم له من الحيرة في أودية الضلال ، فقد صار كل شيء في الكون ، وإن قيما ومبادئ ، صار يخضع لقانون النسبية الأرضية ، فلا ثابت يَأوي العقل إليه في بحثه عن الحقيقة التي يطمئن بها القلب ويسكن ، ومن قائل بمذاهب في الأخلاق والسياسة تجعل التجربة عمادها في الحكم بالحسن والقبح فيتحول الإنسان إلى فأر تجارب كما يرى الناظر في تجارب المركز في الأطراف ، فهو يجرب فيها السلاح ، ويجرب فيها الدواء والغذاء ، ويجرب فيها أنماطا من السياسة والاقتصاد لِيَبْلُغَ بِهَا صورة تُوَافِقُ ما يَهْوَى ، فيسهل عليه أن يسيطر على المجتمعات وأن يوظف الطاقات وينتهب الثروات فيكرس ألوهيته ، وإن لم يَنْطِقْ بِهَا صراحة ، فهو السيد الحاكم في المركز ، وهو الذي يشكل الأطراف على هيئات وصور سياسية وأخلاقية تضمن له السيادة الكونية والشرعية ، فلسان الحال فرعوني ، وذلك ما تَنْطِقُ به كل طبقة في الهرم السياسي من رأس السلطة إلى أدنى موظف فالجميع يروم التأله والاستبداد ولو في أضيق نطاق حتى يبلغ الأمر حد التسلط والتأله في مكاتب السلطة التنفيذية الدنيا التي لا يكاد الموظف فيها يجد قوته الضروري وهو مع ذلك يشبع غروره أن يتسلط على الموظف الأدنى أو على الناس الذين ابتلاهم الرب ، جل وعلا ، بإطلاق يده في مصالحهم الخاصة ! ، فلا تقضى إلا بالرشوة مع إظهار آيات من التوقير والتبجيل لصاحب العظمة الذي يُمْنَحُ من ألقاب الرياسة ما تَنْتَفِخُ به أوداج الفرعونية الكامنة في كل نفس إلا أن يلجمها لجام الوحي ففي داخل كل إنسان طاغوت يتربص فإن آنس غفلة استبد بالأمر وإن كان قيد الوحي محكما لم يزل خاسئا حسيرا فلا يحدث نفسه أن يطغى بما حصل له من أسباب فالعاقل يدرك ضرورة أنها الابتلاء الأعظم ، فـ : (جَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) .

    وإذا عم الظلم واستأثرت هذه النخبة بمقاليد الحكم ، ولا يخلو ذلك أن يكون عقوبةَ عَدْلٍ لرعية لا تحسن تدرك حقوق ربها الشرعية ، بل ولا تبلغ حد غيرها من الأمم التي رضيت بالحياة الدنيا واطمأنت بها فلا تحسن تدرك حقوقها السياسية ، فيكون استبداد الحكام بعد أن غَشُّوا الرعية في الدين والدنيا فهم ساعون في هدم الأديان أو توظيفها التوظيف الباطل أن تُضْفِي على الاستبداد شرعية الحكمة والرشاد ، وهم ساعون في إفساد الأخلاق وإذاعة الخوف وسوء الظن ، فلا يكون ذلك إلا من سوء الفعل :
    إذا ساء فعلُ المرء ساءت ظنونه ******* وصدّق ما يعتاده من توهمِ .
    فيكون العقاب العام الذي يجده كل إنسان في نفسه وجاره وربما أخيه وأمه وأبيه ، فلا يأمن الناس وقد صيرتهم السلطة عيونا تَتَحَسَّسُ من أخبار الناس ما نهيت عنه ، ويكون العقاب الخاص بضيق الأرزاق والمعايش مع توافر الأسباب ، فلم تَنْفَدْ خزائن الرب ، جل وعلا ، الذي أَنْزَلَ من الرزق ما يكفي ويزيد ، كما تقول تقارير البشر ، فيكون العقاب بضيق الأرزاق مع توافر الأسباب إذ كان التشاح بين النفوس بما جبلت عليه من الأثرة ، فلم يؤمن الناس بالوحي الذي جاء يخبر عن الخزائن الربانية من الرحمات الدينية والدنيوية ، فـ : (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) ، فلم يكل أمرها لبشر ، فإن عقولهم لا تجاوز حظوظهم فلا يضعون من تقارير الفكر والسياسة والحرب والاقتصاد إلا ما يوافق أهواءهم ويشبع غرائزهم ويسد حاجاتهم التي لا تنقطع لا سيما إن استسلم الإنسان لداعي الطبع ، فكان الشح الذي أحضرته الأنفس ، كان منشأ الحكام إذ يقضون بالهوى ، فيعظمون العقل الذي يحكم في إطار ما يدرك بالحس الظاهر ، وهو إطار الحاجة الاقتصادية ، إطار الحاجة إلى الأسباب ، فلا يعدل الحاكم في الخصومة إن كان طَرَفًا فيها فالنفس لها حظٌّ تُعَطِّلُ ما تُعَطِّلُ من الوحي لأجله ، وَتَتَأَوَّلُ ما تَتَأَوَّلُ ، فَتَكْسُو حظوظها الدنيا لحاءً من القيم العليا وتضع من نظريات السياسة والاقتصاد ما تزعم أَنَّهُ الأصلح لعامة البشر ، وليس إِلَّا الأَصْلَحَ لنخبة بعينها قد اختزلت العالم كله في صورتها فضاق منظار الرؤية السياسية والاقتصادية فلم يعتبر إلا مصالحها الخاصة وإن خالفت عن المصالح العامة ، فهي تقضي في هذا الإطار الضيق وتأبى الانقياد لمرجع يجاوزها من خارج ، فلا اعتبار لوحي أو رسالة بل قد صار ذلك مثار سخرية وَتَنَدُّرٍ ! ، فالدين في أحسن أحواله إطار من القيم المجملة لا تجاوز حدود الفرد ، فقانون الجماعة هو ما تَغْزِلُ ثم تنقض إذا لم يوافق مصالحها وأهواءها ، فلا تزال تغزل وتنقض إذ لم يكن لها من الوحي قدر يَنْفَعُ به يصلح الفرد والجماعة في أمور الحكم والسياسة والاقتصاد فهي مظنة التشاح والتنازع فلا يحسم مادتها إلا الوحي الذي تَجَرَّدَ من الحظوظ والأهواء فَلَيْسَ محل تهمة بحظ عاجل أو زيغ طارئ ، فـ : (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ، فكان من الفساد ما يعم إذا لم يكن من الوحي ما يعصم من الخطايا ، فكان من الفساد ما يعم فلا يسلم منه أحد ، ولا يقتصر على باب دون آخر ، بل الأبواب تَتَسَانَدُ فيجري فيها الفساد على وزان نظرية الأواني المستطرقة ، ففساد السياسة يظهر أثره في الاقتصاد بما ينشأ تلقائيا من نخب الاحتكار التي تضيق الأرزاق ، وإذا ضاقت الأرزاق ضاقت سبل الحلال الطيب في المطعم والمشرب والمنكح ، فارتفعت معدلات الجريمة الجنائية والأخلاقية ، فَكَثُرَ الهرج من القتل والزِّنَى ، وارتفعت معدلات الطلاق فَخُرِّبَتِ البيوت إذ عظمت الحظوظ فصارت البيوت تؤسس على شفا جرف هار من الدنيا فلم يعد الدين عمادها الرئيس ، وذلك ما يُفْضِي إلى تشرد الأولاد وضياعهم فهم نخبة المستقبل في عالم الإجرام والبطالة والإدمان ..... إلخ ، واضرب له مثلا بما يحدث الآن في مصر والإحصائيات الرسمية تتحدث عن نحو 21 مليونا من الشباب العاطل والمدمن فتلك مادة خام تحسن أنظمة الجور توظيفها إما استنزافا لها فبارونات المخدرات هم كبار رجالات النظام أو بتوظيفها في خدمة أركان النظام فمنهم البلطجية الذين يقمعون مخالفي النظام ومنهم من يتطوع في أجهزته الأمنية والعسكرية ومنهم من صار يميل إلى الالتحاق بشركات الأمن الخاصة التي تشكل الآن رافدا رئيسا من روافد التوظيف لا سيما مع ضعف الدولة المركزية وأجهزتها التنفيذية العاجزة عن فرض الأمن وتطبيق القانون فهم حرس المنشآت والشخصيات الهامة ، فثم نخبة عنف جنائي مادتها أولئك الشباب الضائع ، وثم نخبة عنف سياسي مادتها الشباب المعتقل الذي يحتقن يوما بعد آخر تطلعا إلى يوم الانفجار والانتقام ، فتساندت الأواني وبعضها يُؤَثِّرُ في بعض كسائر الظواهر الاجتماعية فإنها لا تعمل منفردة ، وإنما أقام الله ، جل وعلا ، الكون على سنن وظواهر تتعاضد وتتقاطع ، ولو تدبر الناظر لوجد أن الدين إن حكم فلا تَخْشَ الفقر أو الفاقة ، فإن ما يحصل من حكومة الوحي من الديانة والعدالة يُعْظِمُ في النفوس معنى التكافل والتعاضد ، فـ : "إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" ، وهو ما يجعل المجتمع ينهض وإن كان أكثره من الفقراء إذ الجميع يشعر بالأمان فإذا سقط أحد أو ضعف فلن تدهسه الأقدام بل سَتَتَدَاعَى الأفراد والمؤسسات أن تأخذ بِيَدِهِ وَتُقِيلَ عَثْرَتَهُ ، ولكن الخطر يعظم إن لم يكن ثم وحي حاكم وإن بلغ الناس ما بلغوا من الجاه والثروة فلا يشعرون بالاطمئنان بل الجميع خائف فليس ثم من يجيب عن أسئلة المستقبل والمصير إجابات تشفي الصدور من الهم والحزن وَكُلٌّ يَتَرَبَّصُ بالآخر في ظل نظريات مادية تجعل الإنسان ذئب أخيه فهو يترصده لِيَثِبَ عليه ويفترسه فيأخذ كلٌّ حذره على وجه تعظم فيه الظنون وتلك حال تزدهر فيها الجريمة والعنف ويتخذ كلٌّ من آلة القتل ما به يدفع عن نفسه ، أو من المرتزقة من يحوطه إن كان ذا جاه وثروة فلم يبذل حق ما استخلف فيه من النعمة فَيَخْشَى من فضول الناظرين ويسيئ الظن بمن حوله فهم يَتَرَصَّدُونَهُ ، وما ذلك إلا أنه قد أساء العمل فمنع الحقوق ولو أحسن العمل فأدى الحقوق لأحسن الظن وإن احتاط وحذر ، وقد كان الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، في فَقْرٍ وفاقة ، لا أن ذلك غاية في الدين كما يظن من غلا في التزهد والترهبن ، وإنما كان ذلك قدرهم الذي سعوا في تغييره بالأسباب المشروعة من تجارة وغزو .... إلخ فأحسنوا فهم الدين فهو طاقة تغيير مشروع يُبَاشِرُ من أسباب الشرع والكون ما به ينتظم أمر العالم ، ولا يكون ذلك إلا في إطار من الوحي فهو رافد التصور الصحيح الذي يجيب عن تساؤلات المصير ، وهو رافد الشرائع التي تحقق من معاني التكافل ما تعجز عنه منظومات الأرض وإن بلغت ما بلغت من الدقة والإحكام وتعدد مصادر التمويل ..... إلخ من أسباب النجاح ، وهو رافد الأخلاق التي تغرس في النفوس قيم التآلف والإيثار ..... إلخ فيأمن الناس وإن ضاقت الأرزاق ، فـ : "وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" .

    فإذا ضاقت الأرزاق ولا دين يعصم ، عسرت الحياة وصارت قطعة من الجحيم فهي جحيم بلا دين وإن كان ثم من حظوظ الدنيا ما يكفي مؤنة البطن والفرج وما به يغتر الناظر في صور وهيئات ظاهرها السعادة وباطنها الشقاء ، فقد أعرضت عن ذكر السماء ، فـ : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، فكيف إن كانت عنه تُعْرِضُ وليس ثم من سعة الدنيا ما يسكن ألم القلب ولو خدرا ويسد حاجة البدن ولو أكلا وشربا ، فيكون الجحيم أعظم ، فلا تصلح دنيا إلا بدين ، وإن اخترعه الناظر ليسد حاجة النفس الضرورية أن تَتَأَلَّهَ ، فأشد نظم السياسة والاقتصاد قسوة يَتَوَلَّى كبرها الآن رجال ينتسبون إلى الإنجيل ، وَيَتَدَيَّنُونَ على مذهب اليمين المتعصب الذي يؤمن بأطروحة الغيب الألفية فيدعم الأطروحة الإسرائيلية ويوفر لها من الحماية والرعاية ما يصح مثالا قياسيا على توظيف الدين في فتوحات الحرب والاقتصاد ، فمدرسة هذا التيار في الاقتصاد هي "مدرسة شيكاغو" ، نسبة إلى جامعة شيكاغو وفيها نخبة من أساتذة الاقتصاد الذين يؤمنون بالنظرية الليبرالية الجديدة وهي أشد النظريات تطرفا في تحرير السوق وخصخصة الأصول المملوكة للدولة وعدم مراعاة البعد الاجتماعي أو التدرج المرحلي في عملية الإصلاح كما يرى الناظر اليوم في حال مصر وقد تَبَنَّتْ هذا الأسلوب القاسي دون نظر في حاجات الناس الضرورية ، فضلا أن تسعى الدولة في توفير سبل العيش الكريم لجميع المواطنين فلا يعنيها إلا تنفيذ شروط الجهات الدولية المانحة ولو بالإجهاز على الطبقة الوسطى العاملة ، فتلك مدرسة في الاقتصاد لا ترى مصلحة سوى مصلحة الشركات التي صارت نائبة عن الدولة في إدارة دفة الحكم ، فصار رجال السياسة نوابا عنها في أجهزة الدولة فهم الذين يمنحونها العقود نظير ما أسدت من معروف في حملات الترشيح والانتخاب ، ولا يبعد أن تجد قسسا في حملات الساسة فهم يضفون على الساسة من البركات ما يجعلهم أهلا لتولي الرياسات ، فلا تقيم هذه المدرسة وزنا إلا لطبقات الأثرياء ، إن في المركز وهم الأصل ، أو في الأطراف وهم الفرع ، فالجميع يصب في قناة الأصل ، ونخب الفروع قد فحش ثَرَاؤُهَا فهم أرباب الجاه والثروة ، وهم الطبقة المستهلكة التي تدر الأرباح الطائلة على الشركات الفاتحة للأقطار والعابرة للقارات ! ، وهي ، كما تقول بعض التقارير ، تستحوذ على 44% من حجم الناتج الإجمالي العالمي ، أي أن هذه الشركات تمتلك ما يقارب نصف أصول العالم وأرباحه ، فضلا عن استحواذها على نحو 80% من حجم المبيعات في العالم وتحقيقها نسبة نمو تصل إلى 10% وهو ضعف معدل النمو الاقتصادي العالمي الذي لا يتجاوز 5% ، فهذه الشركات تحقق دُخُولًا مَالِيَّةً أعلى من دخول الدول ، وإذا تأمل الناظر توزيع هذه الشركات على مستوى العالم لوجد أن 44% منها يحتفظ بمقار رئيسية في الولايات المتحدة الأمريكية ، و32% في الاتحاد الأوروبي ، وهما معا النواة الصلبة للنظام الدولي الجديد الذي يتحكم في العالم بواسطة هذه الشركات ، أو أن هذه الشركات هي التي تتحكم في النظام الدولي فَتُشَكِّلُهُ على الوجه الذي يحفظ مصالحها ، فهي ، كما تقدم ، من يمول حملات الانتخاب في عواصم صنع القرار العالمي ، فهذه النواة الأنجلوساكسونية اللاتينية هي التي تتحكم في النظام الدولي عبر مؤسسات اقتصادية كالبنك الدولي والشركات متعددة الجنسيات فهي ، عند التدبر والنظر ، من يمول هذه المؤسسات المالية العالمية ، ولو من الباطن ، فيكون تحكم هذا المركز الأنجلوساكسوني اللاتيني في العالم عبر المؤسسات الاقتصادية متعددة الجنسيات ، والمؤسسات العسكرية متعددة الجنسيات والتي يمثلها حلف الناتو فنواته الصلبة هي دول المركز مع احتفاظه بتحالفات ثانوية مع بعض دول الأطراف في إطار النظرية الوظيفية التي تستخدم الأطراف في أعمال الخدمة النظيفة أو القذرة ! ، فلا تجاوز هذه الأطراف دور الخادم الوظيفي الذي يقدم الدعم السياسي أو اللوجستي أو يشارك ، ولو بقوات رمزية ، في مهام مكافحة الإرهاب وحفظ السلام ..... إلخ ، ليضفي على تحركات المركز صبغة الإجماع الدولي مع ضعف مشاركة الأطراف في عمليات الميدان فلا يجاوز عدد الأفراد مئات بل وربما عشرات في صورة أقرب ما تكون إلى صورة المرتزقة ، لا سيما في دول تَتَسَوَّلُ الإعانات فهي تقدم من رءوس الخدمة البشرية نظير ما تَتَلَقَّى من المعونات المادية ، فضلا أنها تقدم الدعم المعنوي والسياسي بمشاركها ، ولو شاهد زور يُقِرُّ ما يقترف المركز من جرائم في الأطراف بذرائع ما تقدم من حفظ السلام ومكافحة الإرهاب مع ما تَتَّسِمُ به هذه العمليات من انتقائية فإنها لا تقسم بَيْنَ الدول بالسوية ، وَإِنَّمَا تَخْضَعُ لحسابات المركز وَأَهْوَائِهِ ، فتدفع المنظمات الدولية بقوات سلام للفصل بين الكروات والصرب ، ولا تدفع بقوات تضاهيها لحماية المسلمين الْعُزَّلِ في البوسنة إبان الحرب البلقانية نهاية القرن الماضي ، فالأمر ، عند التدبر والنظر ، يدار بنظرية الشركات الأمنية والاقتصادية متعددة الجنسيات ، فَثَمَّ شركات أمن تحل شيئا فشيئا محل الجيوش النظامية فضلا أن الجيوش نفسها تُغَيِّرُ من نشاطها شيئا فشيئا فهي تقارب الميليشيات في عقائدها القتالية ومهامها الميدانية وتسليحها الذي صار يضاهي تسليح القوات الخاصة التي تُنَفِّذُ عمليات نوعية ، فلم يعد للجيوش من التسليح والتدريب والتخطيط ما يؤهلها للقيام بعمليات ميدانية واسعة ، فصارت أقرب ما تكون إلى قوة شرطة فيدرالية ! ، وليتها تسلم ، مع ذلك ، من منافسة الشركات الخاصة فهي أقدر أن تقوم بمهام الحماية للشخصيات والمنشآت .... إلخ من مهام يغلب عليها أنها مهام المرتزقة ! ، فهذه الشركات تنافس الجيوش وأجهزة الأمن الرسمية التي تخلت عن دورها طوعا أو كرها ، فحدث في تَرْكِيبِهَا وتفكيرها من التطوير ما جعلها تتحول إلى ميليشيات لا تعمل إلا مقابل ما يقدم لها من أعطيات وإكراميات ، فلا تستنهض لأداء وظائفها في حفظ الأمن العام وتنفيذ الأحكام ..... إلخ إلا إذا أعطيت من المال ما يزيد على مخصصاتها الرسمية ، وإن كانت مخصصاتها أعلى من مخصصات بقية موظفي الدولة ، فلا يكفيها ما تأخذ أو يكفيها ولكنها تروم الزيادة فلا تشبع ! ، فتحولت ثقافتها إلى ثقافة الميليشيا المستأجرة لتنفيذ القانون ، وهو ما يتيح للشركات الخاصة أن تزاحمها وتنافسها فهي تقوم ، أيضا ، بنفس العمليات النظيفة أو القذرة ، فالبلطجي قد يُسْتَأْجَرُ لاستخلاص حق واجب فليس تعديا على حقوق عامة أو خاصة وإنما يستأجره من يعجز أن يستخلص حقه بالطرق المشروعة ، فقد استنفد المحاولات وبذل الأعطيات والإكراميات ..... إلخ ولم يجد إلا التقاعس والتكاسل ، فثم من يأخذ ولا يعمل ، فهو يروم الأخذ مرة بعد أخرى ، وثم من يأخذ ويعمل ببطء فلا بد من تحفيزه بدفعات أكثر ..... إلخ ، وهو ما يجعل صاحب الحق يدرك الرسالة التي ترسلها الدولة ! ، فأجهزتها التنفيذية قد ترهلت فلا تؤدي وظيفتها إلا بحد أدنى من الكفاءة مع انتقال وظائفها بالتدريج إلى الشركات الخاصة ، أَمْنِيَّةً كانت أو مَدَنِيَّةً ، وهي شركات تقدم خدماتها لمن يدفع من الأثرياء ، فهم الشريحة التي يستهدفها القطاع الخاص في أي بلد يحل فيه فلا ينظر بداهة في حال الفقراء ، إلا إذا رام الدعاية والإعلان فيشارك في بعض الأنشطة الاجتماعية الخدمية من باب الوجاهة لا أكثر ، فلا دور له في دعم المجتمع إذ ليس من وظائفه العمل الخيري ! ، وليس دولة رسمية ليقدم الدعم الاجتماعي ، فهو يُقَصِّرُ في أحيان كثيرة في تقديم الدعم الاجتماعي لموظفيه ، فهدفه ربحي بالدرجة الأولى ، ومن يقدم خدمات اجتماعية وعلاجية ملائمة لموظفيه فلا يقدمها ، بداهة ، لوجه الله ! ، أو رجاء ثواب آجل ، وإنما يقدمها ليحفز الموظفين أن يُجَوِّدُوا العمل ، فإنهم إذا اطْمَأَنُّوا على أنفسهم وعائلاتهم تفرغوا للعمل فحققت الشركة أرباحا أعظم ، فالنظرية النفعية هي المهيمنة ، وإن كان ظاهرها خدمة تقدم للأفراد والأسر فلا تقدم إلا نظير مقابل أعظم ، ولو أحست الشركة أن مصالحها تَتَعَارَضُ مع مصالح الموظفين ، فالتسريح والمعاش المبكر أو الطرد بلا حقوق إن أمكن ! توفيرا للنفقات ، فيعظم الظلم في القطاع الخاص لا سيما إن كان ذلك في إطار منظومة عمل لا تحمي حق الموظف أو العامل فتجعله كالرقيق في ملك صاحب العمل فهو سيده الذي يستخدمه ويستنزفه ثم يعطيه الفتات من الربح ، سواء أكان ذلك بعقد رسمي أم باتفاق ودي ! ، أم كان استخداما لأجير يعمل ثم يطالب صاحب العمل بالأجر فلا يناله إلا الإهانة والضرب ! ، فتلك حال اشتهرت في دول لها من السمعة في استخدام المتعاقدين من خارجها ، لها من السمعة في ذلك ما يسوء ! ، إلا إن كان المتعاقد من دولة ذات جواز سفر يُهَدِّدُ ! ، فالجيوش والأساطيل تتحرك من أجل حامله ، فلا يجد نظام العمل في تلك الدولةِ الظالمِ قانونُهَا ، لا يجد مناصا أن يوقر صاحب هذا الجواز ويعظمه ، في مقابل احتقار من جواز سفره من الفئة الثالثة ، فئة العمالة الوافدة ، وإن كانت تُبَاشِرُ من وظائف الخدمة العامة ما لا يطيق صاحب العمل ، فالمجتمع بدونها لا ينهض إذ تحتل مواقع خدمية ، طبية وهندسية وتعليمية فضلا عن الأنشطة الحرفية بل ووظائف الخدمة الدنيا كجمع القمامة ، ولا يكون في المجتمع المترف الذي أتخمته الثروة لا سيما إن كان يحصلها بلا عناء ، لا يكون فيه ، بداهة ، من يحمل أقذاره بنفسه ! ، فمن حصل له المال بلا جهد ولم يحصل له من التقوى ما يعصم وما به يحسن إنفاق هذا المال على وجه يحقق مقاصد الشرع من إنزاله ، فما نزل المال إلا لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، فنزل يحفظ حشمة صاحبه أن يسأل غيره ، ونزل يُحْسِنُ به إلى غيره من خاصة أهله وعامة الناس ، مؤمنهم وكافرهم ، على تفاوت في ذلك فحظ المؤمن من الإحسان الواجب والمندوب أعظم ، فمن حصل له المال بلا عناء ولم يرزق تقوى تسدده في الإنفاق فإنه لا بد أن يطغى بما معه من أسباب لم تُشْفَعْ بالعلم فالجاهل إن أُعْطِيَ قوة فذلك مما تَعُمُّ به البلوى ، فتجده يفخر بِقُوَّتِهِ أن ظلم من دونه فلم يرع له حرمة دينية أو إنسانية على وجه يثير في نفوس الناس ما دفن من حمية الجاهلية فيثير النفوس أن تراجع ما كانت عليه قبل نزول الوحي ، وتلك حال العالَم اليوم إذ استبدل عصبيات أخص بعصبية الوحي الأعم فقد كفر بها تصريحا أو تلميحا ومن لم يكفر فلا ترى منه إلا تهاونا وتعطيلا للأحكام فَرُدَّ الناس إلى عصبيات أخص ففشا الكبر والظلم والتجبر بما في الأيدي من أسباب الجاه والقوة والثروة في عالم صار تصنيف البشر فيه يأرز إلى مقدار ما معهم من مال أو ما لهم من نفوذ بأنفسهم أو بقراباتهم أو ما يحملون من آلة القتل النارية أو البيضاء ، فلم يَعُدْ ثَمَّ وحي يضبط هذه الأسباب ويحكم لجامها فإن تحصيلها مقصد رئيس من مقاصد التشريع ولكنها لا تخرج أن تكون وسائل يُتَذَرَّعُ بِهَا إلى غايات فليست في نفسها غاية إلا إن تحول العالم إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف وتلك حال الإنسان إذا حاد عن جادة الوحي ، كما هي الحال في هذه الأعصار ، وإن في دول وممالك تَزْعُمُ الانتساب إلى الوحي وهي تقارف من الظلم والجور الذي يبلغ في أحيان حد استرقاق البشر بأنظمة عمل يعجب الناظر فيها كيف تسلب العامل حريات أساسية كحرية الانتقال إلا بإذن صاحب العمل فترجع بالذاكرة إلى أعصار الإقطاع الزراعي فلم يكن لرقيق الأرض ، وإن كانوا أحرارا على الورق ! ، فليسوا كرقيق المعارك ، فلم يكن لهم الحق في مغادرة الإقطاع إلا بإذن صاحبه وإلا تعرضوا لعقاب شديد أن خالفوا عن أمر سيدهم ! ، وكانوا كما هي الحال الآن يعملون كثيرا ولا يتقاضون إلا قليلا وربما منعهم صاحب العمل الحق واعتدى عليهم بالقول والفعل ، وافتخر بذلك بين أصدقائه من أبناء العائلة أو القبيلة ، فذلك إفراز بدهي من صديد أخلاقي واجتماعي ينشأ من ثُنَائِيَّةِ الترف وقلة الورع ، وهما هدف رئيس للقطاع الخاص آنف الذكر فإنه يتوجه ببضاعته الاستهلاكية إلى مجتمعات مترفة ، أو نخب مترفة في دول فقيرة ، فأولئك هم من ينتفع بخدمات القطاع الخاص الذي يأخذ في التمدد وإن شئت الدقة فقل : التسرطن ، وتمدده وزيادته الورمية مئنة من أزمة اقتصادية تَتَلَقَّفُهَا الجهات الدولية المانحة ومكاتب الاستشارات الاقتصادية لتضع رؤى استراتيجية ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب إذ لا تأخذ في الاعتبار ، كما تقدم مرارا ، طبقات المجتمع الدنيا ، فأولئك لهم الله ، جل وعلا ، ثم القطاع العام بعد إفراغه من مضمونه الوظيفي والأخلاقي ، فَأُفْرِغَ من الكفاءات إذ لا تجد حافزا يحملها على البقاء على قُوَّةِ العمل في مؤسسات مترهلة ، مرتباتها ضئيلة وخدماتها رديئة فلا يتعلم فيها الموظف أي مهارات تجعله يصبر ، ولو من باب تطوير الذات واكتساب الخبرات قبل الانتقال إلى القطاع الخاص ! ، فثم من يلتحق بالقطاع العام للتدريب لا أكثر انتظارا لفرصة عمل أحسن ، وثم من يلتحق به كرافد يخدم نشاطه الخاص كما يرى الناظر في حال الأطباء أصحاب العيادات الخاصة فإنهم يلتحقون بالقطاع العام إذ هو سوق الزبائن التي تتوجه إلى العيادة الخاصة ففي القطاع العام يتم التعارف وفي القطاع الخاص يتم العمل ، فالقطاع العام لا يتمتع بكفاءة خدمية تجعل الطبيب يمارس فيه عمله بحرفية ، وإن كان لا محالةض عاملا فالمريض يدفع ثمن الخدمة وإن كانت مجانية أو رمزية على الورق ! ، فلا معدات ولا لوازم طبية ولو قطنا وشاشا وخيط جراحة ! ، فأفرغ القطاع العام من مضمونه ولم يبق إلا هياكل المنشآت مع حد أدنى من الخدمات هو نصيب الفقراء الذين لا يخاطبهم القطاع الخاص بخدماته المتميزة فهي للنخب التي تملك من المال ما تَبْذُلُهُ نظير الخدمة ، فيذيع في الناس والحال كذلك أن قيمة كل إنسان ما يملك ، لا ما يحسن من الفكر والعمل ، أو ما ينتحل من الدين والقيم ، ويصير كل شيء محل مساومة ، بيعا وشراء ، ولو مبادئ وأخلاقا ، والناظر في المجتمعات والنخب المترفة يجد أنها لا تجيد الكلام إلا بلغة المال فإذا أعجبها شيء وضعت يدها في جيبها بلا تردد ، وكأن كل شيء في الدنيا قد صار سلعة تُبَاعُ وَتُشْتَرَى ! ، فانقسم المجتمع تلقائيا إلى نخبة القطاع الخاص التي تحظى بخدمات الشركات متعددة الجنسيات التي وضعت يدها على أصول الدولة بأبخس الأسعار سواء أكان ذلك لفساد مالي في عمولات تبذل في هذه الصفقات التي تطال في أحيان كثيرة شركات ناجحة وقطاعات حيوية لا يتصور أن يكون للدولة استقلال إن لم تملك أصولها ، كقطاع التعليم والصحة والكهرباء والماء ، فإذا بِيعَتْ هذه الأصول فماذا بقي للدولة المركزية إلا مكاتب وظيفية تعقد فيها هذه الصفقات فالدولة قد تحولت إلى مقاول يهب هذه الشركة أو تلك من الصفقات ما يجعلها مقاولا من الباطن ، فهي متعهد ثان يهب ثالثا ..... إلخ في تسلسل هرمي ينتهي آخر أمره إلى قاعدة عريضة من العمالة هي أكثر من يجهد في العمل وأقل من يَتَقَاضَى ، فتلك فلسفة القطاع الخاص الذي يأرز إلى مذاهب رأسمالية كلاسيكية أو ليبرالية جديدة لا تقيم وزنا إلا لقيمة الربح المجرد من الأخلاق والمشاعر ، فبرامج الخدمة الاجتماعية والرعاية الصحية المجانية ..... إلخ كل أولئك من تَرَفِ المعاش ! ، فالحكومة قد أسرفت في تدليل المجتمع وقد آن لها أن تقسو عليه ليشتد عوده ! ، فصارت الدولة مكتب إدارة يمنح الصفقات للشركات الخاصة نظير ما تقبض الدولة من عمولة فقد تحولت إلى سمسار فاسد يمارس الرشوة بغطاء قانوني ، فعمليات البيع لقطاعات الخدمة العامة لا تخلو من فساد مالي ، كما تقدم ، أو فساد سياسي فهي ثمن السلطة ، فلا يجلس على كرسي الرياسة إلا من ينفذ أجندة هذه الشركات التي جاوز نفوذها نفوذَ الدول فلا بد أن تَتَعَاقَد أنظمة الحكم معها في إنشاء بِنْيَةٍ تَحْتِيَّةٍ أو تجديد ما تَهَالَكَ مِنْهَا أو استكماله ...... إلخ ، ولا بد أن تربح الشركة من النظام بقدر ما يجعلها تضغط على حكومات بلادها أن تقر بشرعيته أو تقبل جلوسه على كرسي الحكم أو عرش الملك ، فثمنُه يُبْذَلُ مليارات في صفقات لا تخلو ، كما تقدم ، من الفساد المالي ، فثم مجموع مركب من فساد السياسة وفساد المال ، وهما في الغالب يقترنان فلا يفترقان إلا في القليل النادر ولا حكم له ! ، إذ السلطة تغري صاحبها أن يَثْرَى ، والثروة تفتقر إلى منظومات السلطة ، منظومة العدالة القضائية ومنظومة الجهات السيادية لا سيما الجهات التنفيذية التي تحتكر القوة كأجهزة الأمن وفسادها أعظم ما يكون في إطار هذا المجموع المركب من فساد المال والسلطة ، فالثروة تفتقر إلى السلطة كي تحميها ، ومع تقلص دور الدولة التي يمثلها القطاع العام المترهل لا تجد إلا تسرب الكفاءات منه إلى القطاع الخاص وإن في وظائف سيادية لا يتصور أن تخرج عن سلطة دولة تزعم أنها ذات سيادة ، فصارت الشركات الأمنية توظف من ميليشيات المرتزقة ما يحرس الشخصيات والمنشآت وجاوزت بعض الدول التي تشتكي فقر الموارد البشرية ، جاوزت هذه الدول الحدَّ فصارت تجند هؤلاء المرتزقة كجند نظامي في جيشها العامل في جبهات القتال في الداخل وفي الخارج ، وأمريكا ، كما يقول بعض الصحفيين ، رائدة في هذا المجال ، فقد بلغ عدد المرتزقة من ميليشيات الشركات الأمنية الخاصة ، بَلَغَ في أحيان 1 إلى 1.4 جندي ، كما قد آلت إليه الحال في حرب العراق ، فيكاد المرتزقة يعدلون الجند النظامي وقد شاركوا في القتال المباشر فلم يقتصر دورهم على حماية الشخصيات والمنشآت ، بل قادوا عمليات حصار واقتحام اقْتُرِفَ فيها من الجرائم ما اقْتُرِفَ ولعل الناظر يرجع بالذاكرة إلى إبريل 2004 لما قام سكان الفلوجة بقتل ثلاثة من أولئك المرتزقة وحرق جثثهم وتعليقها على أحد الجسور فكان حصار الفلوجة المشهور والذي استعملت فيه أسلحة محرمة دوليا أفضت إلى تلوث كيميائي واسع النطاق في المدينة مع ما واكب ذلك من زيادة الإصابة بالأورام وتشوهات الأجنة ...... إلخ ، فكان هذا الحصار عقابا لقتل أولئك المرتزقة ، وكذلك كان لهذه الميليشيات دور كبير في مواجهات قادها الاحتلال ضد جيش المهدي الشيعي في إطار ما وقع داخل البيت الشيعي من تمرد قاده الجناح العربي في إطار الثنائية المشهورة من الصراع التاريخي بين المرجعية الفارسية في قم ونظيرتها العربية في النجف مع اشتراكهما جميعا في بغض السنة ، عربهم وعجمهم ، فلم تخل حالهم من عصبية جاهلية وإن كان الجميع يزعم الولاية والتدين ! ، وبلغ الأمر في القوات البريطانية حدا أعلى ، فكان مقابل كل جندي ثلاثة عناصر من المرتزقة ، ولذلك كانت الخسائر أكبر بكثير مما يعلن إذ تقتصر الجيوش في بياناتها على الجند الرسمي ، فلا تدرج في خسائرها عناصر الميليشيات والشركات التي تعاقدت معها ، فَتَقَلَّصَ دور الجهاز الأمني الرسمي ونما في المقابل دور القطاع الخاص ، قطاع الشركات الأمنية الخاصة فلم يعد كما كانت الحال في الصورة الكلاسيكية القديمة ، صورة موظف الأمن الذي يحرس شخصية مشهورة أو يقف أمام منشأة عامة أو خاصة وقد لبس زيا خاصا يختلف عن زي الشرطة الرسمية وإن كان يدل على طبيعة وظيفته الأمنية ، فجاوز الأمر هذه الصورة فصار لهذه الشركات من النفوذ ما يغري عناصر القطاع العام المترهل أن يلتحقوا بها ولو بعد التقاعد ، فلهم من الخبرة ما يجعلهم عناصر فاعلة في تأمين الأشخاص والمنشآت ، بل وشن الغارات والقيام بعمليات في الميدان مع تحول الجيوش والأجهزة الأمنية في المقابل إلى ثقافة الميليشيا فدورها يقتصر على حماية النظام بذريعة مكافحة الإرهاب فانصرفت جهودها إلى وظائف الأمن السياسي فهي التي تزدهر في ظل أنظمة القمع ، فيكون لها من النفوذ والمخصصات المالية ما يجعل الالتحاق بها حلم كل مرتزق رسمي ! ، فضلا عن مخصصات أخرى لبقية أفراد الجهاز فهي بدل الولاء والطاعة ، ولكن منظومة الأمن الجنائي في المقابل تترهل فلا أحد يريد أن يعمل أو يعرض نفسه لمخاطر الاحتكاك مع المجرمين والخارجين عن القانون مع أن تلك هي الوظيفة التي يفترض أنه قد أُهِّلَ لها نفسيا وبدنيا ودراسيا ، فمكافحة الجريمة سواء أكانت فردية أم منظمة هي وظيفة جهاز الأمن في أي دولة تحظى بحد أدنى من لقب الدولة ! ، فليست وظيفته أن يتحول لأداة تقمع خصوم الدولة على خلفية سياسية أو أيديولوجية ، فذلك يفضي إلى تحول جهاز الخدمة العامة إلى ميليشيا خاصة تعمل في خدمة النظام وقمع مخالفيه ، كما يستأجر رجل الأعمال حفنة من البلطجية يحيطون به وبأسرته من باب الوجاهة الاجتماعية تارة ، ومن باب التأمين ضد الخصوم أخرى ، ومن باب الهجوم على الخصم الذي تسول له نفسه أن يقف في طريقهم ولو قَدَرًا ، فهم أسياد البلاد وملاك المال والعقار وما الناس في ضياعهم إلا خدم ورعاع فلا بد من اصطناع مجموعات وظيفية تؤدب أولئك الرعاع إذا جاوزوا الحد ولو بالنظرة أو الكلمة فلم يحسنوا التأدب مع سادتهم ، وفي ظل انهيار الأمن الجنائي تصل الرسالة إلى صاحب أي حق فلن تَنَالَ حقك بواسطة الطرق المشروعة إلا بعد معاناة شديدة ، فإما أن تبادر فتدفع العطايا والإكراميات ، وإما أن تختصر الطريق فتتعاقد مع بعض البلطجية ليرجعوا إليك حقك ، وإما أن تكون ذا جاه فتعرف فلانا أو فلانا من النخبة ! ، أو أنك من عائلة ذات قوة ومنعة لا يجترئ أحد عليها ، ومع سوى ذلك فحقك ضائع أو منقوص فتلك فلسفة النظام السياسي والإداري في دول القمع والاستبداد التي تخالف عن قيم العدل فضلا أن تخالف عن قيم الوحي التي تحفظ الحق للضعيف والقوي ، وما سواها فهو على الجادة الإسرائيلية جادة : "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ" ، فإن أقيم الحد فلم يعطل وتبجح صاحبه أنه يعظم الكتاب والسنة وهو ، لو تدبر من ألد خصومها ، فإن أقيم فعلى الضعيف لا سيما الغريب وأما صاحب البلاد لا سيما إن كان من الأعيان فهو فوق الشرع والعرف والقانون وما شئت من منظومات الحكم سماوية كانت أو أرضية .

    وأما الجادة الرسالية فهي جادة : "وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" ، وهي تفوق ما يزعم أرباب الوضع المحدث من دولة المؤسسات وسيادة القانون ... إلخ ، وأكثر من يتبجح بهذه المصطلحات ، لو تدبر الناظر ، هو أول من يخرقها ! .

    والله أعلى وأعلم .


  3. #3
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:05:13 PM

    المشاركات
    4,706
    العمر
    39

    وفي ظل هذا النظام الاقتصادي الدولي تَتَدَاخَلُ الأعمال وَتَتَعَدَّدُ المهمات على وجه يؤذن باحتكار الأنشطة المربحة ، فالشركة متعددة الجنسيات هي ، في نفس الآن ، شركة متعددة المهمات ، والشركة المحلية التي تسير على جادتها تمارس من الاحتكار ما تمارسه الأولى وإن في نطاق أضيق ، لا سيما إن كانت تملك ذراعا نافذا في السلطة ، كما يرى الناظر على سبيل المثال في شركة أمنية تصاعدت أسهمها في مصر في الآونة الأخيرة فكان ظهورها البارز في تولي إدارة جامعة القاهرة ، ثم تسربت أنباء من وزارة الكهرباء أنها تدرس إسناد تحصيل الفواتير إلى ذات الشركة التي كَنَّى الخبر عنها أن ذكرها باسم جهة سيادية مع أنها ليست جهة رسمية تابعة للدولة بل هي شركة أمن خاص ، أو هكذا يفترض ، فلا يخلو الأمر من شبكة علاقات مع رجال النخبة داخل جهاز الدولة وربما كان لهم فيها أسهم ، فهي شركة خاصة في الظاهر ، وهي ذراع من أذرع السلطة في الباطن ، فالدولة تعطيها من الصفقات والعقود ما لا تأتمن عليه إلا ثقة من رجالاتها ولو بعد التقاعد فلا زال ابنها وإن خرج من الوظيفة ! ، وإذا أرادت الدولة وضع يدها على قطاع أو نشاط أو مؤسسة أوعزت إلى هذه الشركة الخاصة أن تقوم بالمهمة نيابة عنها لئلا تظهر الدولة في المشهد فيصيبها الحرج إذ تضبط متلبسة بتهمة الاستيلاء على المؤسسات والممتلكات وإن بعقود ظاهرها الرضى وباطنها السخط فهي غصب ناعم أُخِذَ بسيف القهر الغالب ، فصورتها صفقة بيع وشراء وحقيقتها غصب تمارسه تلك الشركة الخاصة التي تنوب عن السلطة في شراء أسهم شركة كذا أو كذا ، ومن عجب أن هذه المؤسسة قد نوعت نشاطها في هذه الآونة فهي الآن تروم شراء قناة تليفزيونية شهيرة ، فضلا عن سيطرة جهة استخباراتية نافذة على شبكة تليفزيونية أطلقت من شهور واستقطبت ما استقطبت من النجوم لتهيمن على فضاء الإعلام فلا بد للسلطة من أذرع إعلامية فاعلة تحمل رسالتها السياسية كما قال رأس النظام في تسريب مشهور من تسريباته ، فالدولة ، كما تقدم ، قد تحولت إلى مجموعة هياكل ومكاتب لا وظيفة لها إلا المقاولات العامة بمنح الصفقات لمقاولين من الباطن من الشركات الخاصة سواء أكانت محلية أم إقليمية أم دولية عابرة للقارات ، كما في صفقة أخرى في مصر ، وهي صفقة إدارة الموانئ التي أسندت إلى شركة تتخذ بعض مدن الإقليم مقرا وليس لها وظيفة في الإقليم إلا أن تسيطر على أي ميناء منافس أو مشروع مائي واعد فَتَتَوَلَّى إدارته لتقضي عليه فلا تريد منافسا لموانِئِهَا التي تشكل مصدرا رئيسا من دخلها ، ومصر الآن ، بلد الصفقات التي لا تكاد تَنْتَهِي إلا مع بيع آخر شبر من أرضها ، لا سيما بعد إقرار قانون الاستثمار الجديد وهو ، كما يتندر بعض الاقتصاديين ، مشروع لبيع البلاد أصولا ومؤسسات وشركات ولا أحد مع ذلك يشتري مع بخس الثمن وكثرة الامتيازات التي منحها القانون للمستثمر الأجنبي في طور جديد من أطوار الاحتلال باسم الاستثمار وتحسين خدمات الدولة المترهلة ، فتباع الأصول العامة للدولة واحدا بعد آخر ، ومع كل أصل يباع فَثَمَّ جزء من القرار السياسي يَذْهَبُ معه حتى تصير الدولة تابعة تَبَعِيَّةً مطلقة في الفكر والسياسة والاقتصاد ... إلخ ، فتلك صورة الاحتلال الجديد الذي لا يفتقر إلى الجيوش المدججة بالسلاح كما هي الحال في الاحتلال الكلاسيكي وإن ظل ذلك خيارا مطروحا على الطاولة كما هي الحال في غزو العراق وبلاد الأفغان .

    والأمثلة تكثر ، فالسياسة واحدة وإن اختلفت المشاهد ، فَثَمَّ انقلاب في نظام الحكم يجاوز حد التغيير المفاجئ في نطاق السياسة اعتمادا على القوة الصلبة ، قوة الجيش والأمن ، فَثَمَّ تَغْيِيرٌ في بِنْيَةِ الاقتصاد وما ينجم عن ذلك من تَغْيِيرٍ في بِنْيَةِ المجتمع ، وذلك ما يظهر في مصر الزعيم الخالد ! ، على سبيل المثال ، فإن وفاته المفاجئة في سبتمبر 1970 حدث عظيم ، سواء أكان مدبرا أم غير ذلك ، وهو ما استثمره بطل الحرب والسلام بعده ، وكان ، كما تصفه بعض التقارير ، رجل ظِلٍّ وإن ظهرت بعد ذلك مواهبه في الإعلام والتمثيل ! ، ولكنه كان رجل ظل لا يطيق الظهور بجوار نجم طاغ بحنجرته المتدفقة بعبارات الثورة والتحرر ! ، فلم يكن له دور في حقبة الزعيم الخالد إلا التأمين على قراراته ، كما كانت حال من خَلَفَهُ بعد حادث المنصة الشهير في 1981 ، فقد كان ، أيضا ، رجل ظل وموظفا نشيطا كما وصفه رئيسه الذي اختاره لضعف رؤيته السياسية وضآلة طموحه فلا يجاوز أن يكون سفيرا في بريطانيا أو مديرا لشركة طيران كما يذكر هو نفسه ! ، وهو جار على ما تَقَدَّمَ من فلسفة الرئيس في الدول ذات النظام الرئاسي ، فيحرص الرئيس في مصر كما في أمريكا أن يختار نائبا ضعيفا هزيلا لا حظ له من الأضواء ، فهو موظف بدرجة نائب رئيس لا دور كبير له في التخطيط إلا في أحوال ناردة لا يقاس عليها فهي شواذ القاعدة المطردة ، فلا حكم لها إذ النادر الشاذ لا حكم له ، فجاء رجل الظل في 1970 وخدع الجمهور أنه على خطى الزعيم الراحل سائر ولم يأل جهدا أن يتخذ قرارات تنسخ الحقبة الاشتراكية ، فكانت قراراته جميعا لا سيما بعد ثورة التصحيح في مايو 1971 ، كانت نسخا للحقبة الماضية برجالاتها من مراكز القوى ، وخطاباتها الثورية ، وأنماطها الاقتصادية فثم الآن نظرة أكثر واقعية وبراجماتية ، ترى أن أمريكا هي الأقوى ، فكان نسخ آخر لوجهة الولاء من المعسكر الشرقي السوفييتي إلى نظيره الغربي الأمريكي فبيده وحده 99% من الحل ، وسبق ذلك زيارة تمهيدية إلى واشنطن في 1966 ، ولتاريخها مغزى ، أي مغزى ، فقد نجحت وكالة الاستخبارات الأمريكية عن طريق بعض وكلائها في الإقليم ، نجحت في توظيف الرجل سنة 1965 ، أي قبل الزيارة بسنة واحدة ! ، فكانت الزيارة التي أبدى فيها رجالات المركز إعجابهم بهذا الوجه الجديد في عالم السياسة وإعجابهم بزوجته المتحررة التي لعبت بعد ذلك دورا كبيرا في حملة التغريب الفكري والتشريعي فكانت سيدة مصر الأولى في السياسة والفكر وعظمت بها البلوى ما لم تعظم بمن خلفتها في هذا المنصب غير الرسمي وإن طال زمن الأخيرة فكان إفسادها ممتدا ، والناظر في حال كلتا السيدتين يجد حاجة في النفس أن تُفَتِّشَ في الأصل فكلاهما ينحدر من عرق بريطاني هجين فأم الأولى من إنجلترا وأم الثانية من ويلز وكلاهما تابع للتاج البريطاني ، وتلك وصاية المعتمد البريطاني الأشهر ، اللورد كرومر ، فقد دعى بريطانيا أن توثق علائقها بالنخبة المصرية الجديدة التي تعلمت في مدارس الاحتلال وجامعاته ثم وفدت عليه لاستكمال دراستها فهي نخبة المستقبل فلا بد من توثيق العلائق معها بالمصاهرة التي تنجب من الأبناء والبنات من يلعب في المستقبل دورا رئيسا في تحديث مصر وإلحاقها بالركب الحضاري الغربي ! ، فالبنات زوجات الساسة والضباط ورجال النخبة ، فكان إعجاب الأمريكيين بالرجل في زيارته الاستكشافية ليقدم أوراق اعتماده في 1966 ، كما كانت زيارة خلفه بعد ذلك قبل اغتيال الأول بقليل فاحتفى به ساسة أمريكا آنذاك : من يتولى الحكم وهو آنذاك الرئيس جيمي كارتر ومن خرج من البيت الأبيض كالرئيس الراحل ريتشارد نيكسون فكان مما يثير التعجب أن تجتمع هذه القامات السياسية مع رجل لا حظ له من السياسة فليس إلا موظفا بدرجة نائب رئيس فما سر هذا الاهتمام الزائد ؟! ، وهم ، عند التدبر والنظر ، قد عقدوا له حلقة امتحان أغضبت الرئيس الذي رأى إعجاب الغرب بنائبه كما رأى إعجابه به أيام كان نائبا فتلك مقدمة للتخلص منه كما تخلصوا ممن سبقه والخائن يتوجس خيفة إذ قد عهد من هذا الجنس من الخيانة ما قارفه قبل ذلك ! ، فكان بعد وفاة الزعيم الخالد المفاجئة ! ، كان رجل المرحلة القادمة بكل قراراتها الجريئة التي تشبه القرارات الجريئة التي تُتَخَّذُ الآن في مصر في سيناريو يحاكي سيناريو الانفتاح الرأسمالي في السبعينيات بعد عقدين من الاشتراكية ، فثم الآن موجة ليبرالية شرسة تحاكي موجة الرئيس ريجان لما تولى الحكم في 1980 ، وموجة رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارجريت تاتشر لما تولت الحكم في نفس الحقبة ، وكانا صديقين حميمين إذ الفكر السياسي والاقتصادي واحد ، فاتخذت في عهدهما إجراءات ليبرالية اقتصادية صارمة ، لا سيما في بريطانيا فكان عنف السلطة ضد عمال المناجم لما أضربوا احتجاجا على سياسات الدولة التي كانت تسعى في خفض الإنفاق العام وتقليص برامج الدعم والمساعدات لطبقة العمال وما سواها من الطبقات الدنيا فكانت القرارات الصعبة ! التي يشكر رأس النظام في مصر الآن الشعب أنه يَتَحَمَّلُهَا ، فهو يتحمل ضريبة مركبة : ضريبة أن يَزْدَادَ الأغنياء غِنًى فَلِكَيْ يكون لهم مقار إقامة فخمة في المنتجعات والمدن الجديدة ، ولكي يمضي العمل في العاصمة الجديدة ، عاصمة النخبة ، على قدم ساق ، لا بد أن يتحمل الفقراء ضريبة التغيير ! ، ولكي يتأدب الشعب فلا تحدثه نفسه أن يثور أو يتحرك لا بد من إجراءات اقتصادية عقابية تَتَّسِمُ أنها جماعية لا تفرق ، فلا يسلم منها إلا النخب ، فهي في مأمن من أي عقاب لأنها في الغالب من يعاقب الشعب أن اجترأ فطلب بعض حقوقه ! ، أو من ادخر من رحلة عمل في الخارج أو كان له تجارة تضمن له حياة كريمة ، ولو مؤقتا ! ، أو قَدَّرَ الله ، جل وعلا ، له إرثا من أرض أو عقار فهو يقتات من ريعها أو تجارة فهو يقتات من ربحها ..... إلخ ، فأولئك من قد يسلم من هذه العاصفة الاقتصادية ، ولكي يتم إضعاف المجتمع وإنهاكه فذلك يفضي إلى إخراج مصر من معادلة السياسة والحرب في المنطقة ، وإن كانت عمليا قد خرجت بعد معاهدة السلام وما تلاها من تطبيع سياسي واقتصادي .... إلخ ، وإن افتقر إلى التطبيع الشعبي إلا أن الشعب في بلد كمصر لا يملك تأثيرا في قرار سياسة أو حرب أو استراتيجية اقتصاد أو زراعة ، فَلَئِنْ حُمِدَ له أنه لم يطبع بقلبه وذلك أضعف الإيمان فقد طبع بِبَدَنِهِ رغما عنه ! ، فوجد شؤم هذا التطبيع في كرامته التي انتقصت إذ زالت حشمة الدولة بعد التوقيع على المعاهدة ، فَزَالَتْ حشمة المواطن تَبَعًا كما هي الحال الآن وإن ازدادت سوءا فإن ما بِيعَ من هذه البلاد ، من قرارها السياسي وأصولها الاقتصادية ..... إلخ حتى صار الغريب يَتَمَلَّكُ أجود الأراضي ويضع يده على أصول الدولة بَيْعًا وشراء بأبخس الأثمان على ما تقدم من صفقات تتسم بالفساد ، فَيُقَوَّمُ الأصل بأقل من ثمنه وتعطى العمولات والإكراميات لكل من يسهل هذه الصفقات التي تقتص من المال العام انتهابا يحظى بالشرعية القانونية فهي صفقات معلنة ! ، وحشمة الدولة تظهر آثارها في حشمة المواطن الذي يحمل جواز سفرها ، وحشمته ، في المقابل ، من حشمتها ، والعلاقة بينهما متبادلة ، فإذا كانت الدولة دولة عدل فضلا أن تكون دولة وحي ، صار المواطن في مأمن أن يغتصب حقه أو تنتهك حرمته ، فيزداد ثقة وحشمة ، فَوَرَاءَهُ دولة قوية تقيم من أحكام العدل ما تزدهر به الحال ، فتعظم التجارات النافعة إذ ترعى الدولة نشاط الأفراد وتعطيهم من الأمان في الأديان والأبدان والأموال ما يجعلهم يبتكرون ، كُلٌّ في مجاله ، فَيَزْدَهِرُ العمل الجماعي وتختفي النزعة الفردية الأنانية التي تعظم في أعصار القمع والقهر فكلٌّ قد اشتغل بنفسه ومن بعدها الطوفان ، فتعظم الأثرة ويصير الاستبداد عرفا عاما فلا يقتصر على منظومة الحكم والسياسة ، فإذا ساد العدل قوي المجتمع وقوته من قوة الدولة ، فهي تحمي المواطن أن يظلم في الداخل أو في الخارج ، فلا قيمة له في الخارج إن لم تكن له ابتداء قيمة في الداخل ، فما الظن إن كانت الاستراتيجية هي إضعاف هذا المواطن وتركيع هذا المجتمع بالإفقار والإفساد والتجهيل ورداءة الخدمات الصحية وتهالك البنى التحتية ..... إلخ ، فيتقلص الطموح في المأكول والمشروب ، وهو ما يجعل بيع البلاد جزرا وأراض ومصانع ومؤسسات وأصولا .... إلخ ، وهو ما يجعل بَيْعَهَا أمرا يسيرا ، إذ ضعف المجتمع بما مارسته السلطة من إضعاف وإفقار فلا يطيق الاعتراض فضلا عن قبضة القمع الجاهزة للقضاء على أي بؤرة اعتراض ولو محدودة ، فطموح السلطة المستبدة في قمع المخالف طموح لا ينتهي فيصل في أحيان إلى حد قمع أي صوت ، ولو كلمات تكتب ، فضلا عما يجاوز ذلك من نشاط على الأرض ، ولو في إطار العمل السياسي الذي تكفله الدساتير الأرضية ! ، فإذا ضعف المجتمع وانهار صارت قيمة المواطن صفرا ، فلا يستشار ، ولو ضمنا ، فأولياء الأمور الذين يصوبون البنادق إلى صدور المواطنين ! ، قد نابوا عن المجتمع في اتخاذ القرارات المصيرية ، ولو بلغت حد البيع لدورهم وأراضيهم وهم لا يعلمون ، كما وقع في حادث جزيرة الوراق في يوليو الماضي ، وهو حادث ذو مغزى يبين ما آل إليه الأمر ، فثم فواتير لا بد من سدادها ، وليت الأمر اقتصر على فاتورة إقليمية تدفع للدول الراعية في الخليج فهي تجاوزهم بكثير فهم أصغر أن يَسْتَقِلُّوا بهذه القرارات فَلَيْسُوا إلا واجهة تنفيذ لا مركز تخطيط ، فليس عليهم كمجموعة وظيفية تملك المال ، ليس عليهم إلا التمويل ، وليس على محتكر القوة المسلحة كمجموعة وظيفية تملك آلة القتل ، ليس عليه إلا التنفيذ ، فالفواتير الأعظم ، كما تَتَنَبَّأُ بعض التقارير ، الفواتير الأعظم هي صفقات في السياسة والجغرافيا في إطار مشروع التطبيع الكامل الذي بدأ يكتمل فلم يعد أحد يستحي أن يجهر بما جهر به بطل الحرب والسلام في 1979م فمن اتهمه بالخيانة والعمالة ..... إلخ آنذاك هو الآن يسير على جادته بخطوات ثابتة حتى بلغ الأمر حد التوسط عند رئيس وزراء الكيان الصهيوني بواسطةٍ هي صهر الرئيس ترامب فهو مبعوثه في الشرق الأوسط لحرب الإرهاب ومفاوضات السلام ! ، وهما البندان الرئيسان في استراتيجية إعادة رسم الجغرافيا السياسية الجديدة للمنطقة ، منطقة الشرق الأوسط الجديد ، فهو بقعة من الأرض تُنْزَعُ مِنْهَا روح المقاومة لحضارة المركز ، بالقضاء على بؤر الإرهاب والتطرف الإسلامي ، وليس لديهم ، كما ينقل بعض الفضلاء عن منظر شهير من منظري الطرح الجمهوري اليميني في المركز ، ليس لديهم جهاز يكشف عن المسلم المتطرف فيقتله ، والمسلم المعتدل فيتركه ! ، فلا بد من قتال المسلمين كلهم ، وقتالهم يَتَنَوَّعُ فمن يحمل السلاح ويقاوم ، وإن أخطأ وجاوز الحد في مواضع ، من يحمل السلاح فيكون خيار المقاومة الصلبة خياره لا بد من استئصاله أو اختراقه وتوظيفه في ضرب بَقِيَّةِ الخصوم ثم الإجهاز عليه أو إضعاف شوكته مع إبقاء أصلها إذا ظهرت حاجة أخرى إلى استعمالها ، فذلك شق مكافحة الإرهاب الإسلامي ، وهو إرهاب يأرز إلى أيديولوجية ، فلا ينطلق من فراغ ، فلا نشاط لبشر عاقل بلا تأصيل فكري وخط استراتيجي وهدف نهائي ، وإلا كان عبثا كعبث الأطفال ، والخلل ليس في فهم أولئك المتطرفين لهذه الأيديولوجيا المعتدلة ! ، وإنما الخلل في الأيديولوجيا نفسها كما قال الرئيس ترامب في لقاء له ضمن حملته الانتخابية فلما سئل عن الإسلام لم يتجمل كما كان سلفه الرئيس أوباما يصنع فالإسلام جميل سمح وإنما الإشكال في بعض العناصر المتطرفة وهي قلة لا تمثل سواد المسلمين الأعظم ، فغالبيتهم أصدقاؤنا ! ، فلم يكن للرئيس ترامب من هذه اللباقة حظ ، فأجاب إجابة حاسمة : أعتقد أنهم يكرهوننا ! ، فلم يفرق بين معتدل ومتطرف ، فكلهم يكرهوننا إذ يشربون من نفس الكأس ، كأس الكراهية التي تحضهم ليل نهار أن يقتلوا البشر جميعا ليحيوا وحدهم ! ، فالتابع ينطق بكلام السيد المتبوع ! ، فهو الذي يَرْعَى أتباعه ، ولو عاقبهم في أحيان فحجب عنهم بعض المعونات في رسائل توبيخ رمزية ، لا تقطع العلائق الدبلوماسية وإن أصابها الفتور في أحيان فهي علائق تاريخية ، وتلك حال العلائق الأمريكية مع دول المنطقة بوصفها الوارث الشرعي للتركة البريطانية ، فالدول صناعة بريطانية ورعاية أمريكية ، فليست إلا مجاميع وظيفية لضمان تدفق النفط وحفظ الأمن في المنطقة ، وذلك ، كما تقدم ، الشق الأول من خطة كوشنر ، فمكافحة الإرهاب والتطرف الإسلامي ، ميدانيا وأيديولوجيا فلن يتحقق الشطر الثاني فيعم السلام المنطقة إلا إذا أَغْمَدَ الإسلام سيفه ووضع السلاح فلم يقاوم ، لا مقاومة الجلاد ولا مقاومة الجدال ، فلا بد من نَزْعِ أنيابه ومخالبه ولا بد ، كما يقول بعض الفضلاء ، من إخماد روح المقاومة في الشرق أن يدفع قيم الغرب الوافدة التي شنت غارة الثقافة بعد غارة الحرب ، وقبل تطويع الشرق وإدخاله طوعا أو كرها في حضارة الغرب ، قبل ذلك ليس إلا القتال ، الصلب والناعم تصديقا لقول الخالق جل وعلا : (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، فلئن كان الطموح قد تقلص أن تكتب كلمة النهاية للإسلام في الشرق ، فقد يأس خصوم الوحي أن يكتبوها ، وذلك ، أيضا ، من جملة ما يحكيه صراع الحركات الإسلامية مع الأنظمة الحاكمة في بلاد الشرق لا سيما مصر ، فكان طموح النخبة العسكرية في الخمسينيات والستينيات ، القضاء المبرم على النخبة الإسلامية قتلا وإفقارا وتشريدا ..... إلخ ، وكان الأمر أسهل بكثير ، فقد كانت النخبة العسكرية تحظى بدعم شعبي هائل ، وكان للزعيم الخالد من الكاريزما ما جعل الشعب يغفر له جميع أخطائه ! ، ولو أفضت بالبلاد إلى الهاوية ، فهتف الجميع بذبح التيار الإسلامي فلا يريد الشعب التقدمي أي أفكار رجعية ! ، وكانت أعداد الرجعيين قليلة ، فلا تجاوز آلافا ، وسجون الحاضر تستغرق أكثر من عددهم آنذاك ! ، ومع قوة الدولة آنذاك وريادتها في المنطقة وكاريزمة قيادتها وإطلاق يدها بضوء أخضر من واشنطن أن تستأصل هذه النخبة الممانعة لمشروع التطبيع آنذاك ، كما تسربت الأنباء بعد ذلك أن الرئيس الأمريكي الراحل أَيْزِنْهَاوَر قد اطلع على تفاصيل خطط التسوية السياسية والمائية في الشرق الأوسط على وجه يُعْطِي اليهود حقوقا كاملة في المنطقة فيتم الاعتراف بهم كدولة رئيسة في المنطقة ، بل ودولة رائدة يحتذى بها فهي مثال الحضارة الغربية في الشرق فلا بد أن تسعى الأنظمة الحاكمة جاهدة أن تخطب ودها ، ولو من الباطن ، فالخطة التكتيكية قد تقضي بعداوة في الظاهر ، سواء أكانت تأرز إلى قيم سياسية كما كانت الحال في مصر قبل حرب أكتوبر ، أو إلى قيم دينية ، كما هي الحال حتى الآن ! ، في دول الخليج فالمناهج هدف رئيس في مرمى التغيير والتجديد الذي تتسارع خطاه الآن في المنطقة استعدادا لحقبة سياسية جديدة يعاد فيها تعريف الإسلام تعريفا جديدا يواكب صفقة القرن التي يخطب فيها الجميع ود يهود إن مباشرة كما هي حال رأس النظام في مصر ، أو بطريق وسيط غير مباشر كما هي حال الخليج إذ يتولى صهر الرئيس ترامب كِبْرَ ذلك ، وهو أمر يجعل الخطة تمضي قدما في شقها السياسي وشقها الأيديولوجي ، والثاني أخطر فهو استكمال لما بدأ بعد سبتمبر 2001 ، ولكنه الآن أسرع وأظهر ، وهو ما يبذل ثمنا من نص الدين وقرار السياسة سعيا في ترسيخ الملك وحيازة السلطان ، فالجميع يرى في المركز خير ضامن لأي نظام حاكم ، والمركز إذ صار هو الضامن فهو ، بداهة ، الحاكم ، وحكومته لا تقتصر على حكومة السياسة والحرب ، وإنما تعم حكومة الاقتصاد فيرى الناظر برامج الخصخصة في المنطقة تجري على قدم وساق ، وإن في الدول الغنية ، فهي تسارع في خطط الخصخصة وَبَيْعِ الأصول بما فيها الأصول الاستراتيجية كالتعليم والصحة ، مع المسارعة في الحداثة الفكرية ، وهي أشد خطرا من الحداثة الاقتصادية ، فثم موجة تغريب عاتية تكاد تستفز المزاج العام على وجه قد يفضي إلى رد فعل عكسي إذ لا تَتِّسِمُ بالحنكة والمكر فهي تجهر بما لا يحسن الجهر به الآن ! ، مع بعض تجارب في زيارات وإجراءات فهي بالونات اختبار لرد فعل الشعوب والمجتمعات ، وإن كانت حكومات الشرق لا تَرَى في الشعوب إلا قطعانا من الخراف والنعاج تساق طوعا أو كرها ، ولو إلى حتوفها ، فلا تملك من أمرها شيئا ، فلا تعرف من نصوص الوحي إلا طاعة ولي الأمر مطلقا ! ، ولا تحسن تُنْكِرُ وَتُغَيِّرُ ، مع أن الآخر يعبث بدينها ويغير فهو ، كما تقدم ، قد يأس أن يستأصل الإسلام ، ففشلت خطة النظام في مصر في الخمسينيات ، كما تقدم ، مع ما منحت من ضوء أخضر من البيت الأبيض ، ولم تستأصل آلافا إذ الإشكال ليس في الأعيان فما أسهل قتلها وسجنها وإفناءها ، وإنما الإشكال في الأفكار فهي مما تتوارثه الأجيال ، ولو كانت أفكار سياسة وحرب ، فكيف بأفكار الديانة ، وإن مجملة فلم يكن التيار الإسلامي آنذاك على جادة الوحي الأول ولكنه كان إليها الأقرب والأشد تعظيما وتوقيرا ، فإن فشل النظام آنذاك أن يستأصل هذا التيار ، أينجح اليوم وقد اتسعت القاعدة وزادت الأفكار تأصيلا وإن لم تخل من أخطاء عظمى تَتَكَرَّرُ ! ، فانتقل المركز ، وهو محل الشاهد ، انتقل من خطة الاستئصال للإسلام إلى خطة احتوائه ، وهي خطة مركبة من أجزاء ، فثم احتواء سياسي واقتصادي ، كما تقدم ، فلا بد من السيطرة على اقتصادات المنطقة بخطط ترعاها الجهات الدولية المانحة والأذرع الإقليمية الفاعلة فيبعد ، كما تقدم ، أن تكون هي من يدبر هذا المخطط المحكم فليس لها من أهلية الفكر أو السياسة ما يجعلها تستقل بأمر كهذا ، وإنما هي أداة وظيفية فاعلة انضمت إليها الأداة الوظيفية القامعة لتضع يد المركز على أصول الدول وَثَرَوَاتِهَا حتى صار كل من يملك شيئا ذا قيمة ، ولو بَيْتًا في جزيرة في النيل كجزيرة الوراق فهي ذات موقع استراتيجي ، حتى صار كل من تلك حاله مُبْتَلًى أن امتلك شيئا ذا قيمة فرجال الأعمال ورءوس الأموال تطمع فيه ، فالكعكة في يد اليتيم عجبة ! ، كما يقال في مصر ، وبعض الدول والأفراد ، كما يقول بعض الفضلاء متندرا ، بعضهم قد ابتلي أن امتن الله ، جل وعلا ، عليه بموقع استراتيجي ، أو ثروة قد عدنت في الأرض من نفط أو غاز أو ذهب .... إلخ ، أو ممر مائي مهم في حركة التجارة العالمية ...... إلخ ، فلسان حاله : لَيْتَنِي ما منحت هذه النعمة فقد صارت نقمة أن طمع فيها الشرق والغرب حتى بلغ الأمر حد الطمع في أرض كجزيرة الوراق يسكنها في الجملة أهل فلاحة لا يملكون من الدنيا إلا البيت وقطعة الأرض التي يحرثونها ! ، وهذه الاستراتيجية الاقتصادية ، هي المثال الذي يجب على دول المنطقة أن تقتدي به ، فهو الذي يحكم السيطرة على مفاصل المجتمع ، فالدولة قد صارت آلة حرب غرضها الرئيس اتخاذ القرارات التي تصب في مصلحة المواطن ! ، حتى تفضي به الحال أن يصرخ ويتألم وكلما علا صوته من شدة الضرب كان سرور المركز إذ لا يطيق إنسان كهذا أن يمانع في أي قرار ، ولو اجتزاء من أرضه وبيعا لحقوقه وإهدارا لكرامته فلا يلتفت إلى غير الخبز إلا نادرا ! ، وإن كانت الحرية ، كما يقول بعض الفضلاء ، هاجسا ، أي هاجس ، ما دام للإنسان نصيب من وصف الآدمية ، فثم ما يؤرقه وإن لم يجد الخبز أن انْتُقِصَ من آدميته ، بل سعيه في تحصيل الخبز الضروري على وجه مهين ، لا ينفك ينكأ جرح الكرامة ، فضلا عن جرح الديانة ، فما تلك حال تُرْضِي ذا دين ولا ذا مروءة ، ولا ذا آدمية ، ولو حدا أدنى إلا إذا انقلبت الماهية من إنسانية إلى حيوانية وإن ظلت آدمية في صورة الظاهر ، والدور على كل دولة في المنطقة فلئن حظيت مصر الآن بالنصيب الأعظم من الإصلاح الاقتصادي المؤلم ، وهو ما جعل دول الإقليم تتحكم فيها وجعل مواطنيها يتندرون بحال المواطن المصري الذي يقيم في أرضهم ، فصار كلأ مباحا إذ ليس له من قوة السياسة ولا المال ما به يصير ذا حشمة في عصر تحكمه قيم البراجماتية فلا اعتبار فيه إلا لصاحب القوة السياسية أو العسكرية أو المادية ، فلئن كانت الحال كذلك فالدور على الجميع آت في ظل موجة الخصخصة التي تجتاح المنطقة فهي جزء رئيس من عملية التطبيع التي لا تقتصر بداهة على التطبيع السياسي بل لا بد من آخر اقتصادي يدمج اقتصادات الأطراف في اقتصاد المركز الذي يقوم على سياسة الصدمة التي تجعل الكارثة أو التغيير المفاجئ خير ذريعة إلى التغيير ، كما تقدم من حال مصر بعد رحيل الزعيم الخالد ، وهو محل شاهد أول ، فكانت هذه الصدمة مع ما وَرَّثَهُ الزعيم من نكبات في السياسة والحرب والاقتصاد ، كان كل أولئك ذريعة أن يتخذ خلفه قرار التغيير الصادم ، فانتقل فجأة إلى المعسكر الغربي وأقصى رجالات النظام البائد وراح يكيل له الاتهامات ، تصريحا أو تلميحا ، وصار يَتَقَصَّدُ من فضح جرائمه ما يوغر الصدور لتكره تلك الحقبة الاشتراكية وتتطلع إلى حقبة التجديد ، حقبة الانفتاح الاقتصادي وإطلاق الحريات وهدم المعتقلات وإعطاء هامش جيد في السياسة فكل أولئك مما مهد لعملية التطبيع مع إلقاء الحجر في مياة الحرب الراكدة في حرب العاشر من رمضان فهي صدمة أخرى أجاد النظام توظيفها سعيا في التطبيع ، فكان الانفتاح الاقتصادي بعدها إعلان وفاة مبكر للنظام الاشتراكي ، وتبدلت قيم الأفراد والمجتمع وصارت ثقافة الربح والنفعية هي الثقافة السائدة ، وهي ثقافة بيع وشراء تمهد لصفقات السياسة التي أبرمت بعد ذلك ، وإن وجدت المقاومة الشعبية بما ترسخ في العقل الجمعي من العدواة المستحكمة مع قَبِيلِ يهود ، وهو ما جعل الزعيم يعيد النظر ، ولكن بعد فوات الأوان فقد انتهى دوره ، وجاء رجل آخر من الظل لا رصيد له في السياسة أو الاقتصاد ، وكان دوره تفعيل السلام وتسخينه ، فلا زال مجمدا باردا ، فزادت وتيرة التطبيع وكانت إجراءات الخصخصة مطلع التسعينيات ، والتي اتسمت بالحذر ، ولو نسبيا ، إذا قورنت بما يحدث الآن ، فالخصخصة الآن إجراء عقابي يدمر بنية المجتمع ، وانتهى دور النظام السابق كما انتهى دور من سبقه فقد وضع خطوطا حمراء لا يجحدها المنصف وإن كان خصما لدودا لذلك النظام الفاسد ، فلم يرض بصفقة القرن ورام الحد من الاقتراض من الجهات الدولية المانحة للحفاظ على حد أدنى من استقلال القرار السياسي ، وإن كان في الجملة تابعا خاضعا ، ولكنه احتفظ بهامش مناورة لا سيما في ملف الأمن في سيناء ، فضلا عن كبح جماح الخصخصة ولو نسبيا والحفاظ على حد أدنى من الدعم الاجتماعي صار الآن حلما مع أنه كان في الجملة رديئا ، وإعطاء التيار الإسلامي هامش حركة واسع في العمل الخدمي الذي حفظ بنيان المجتمع أن ينهار في مقابل منحه جزءا من كعكة السياسة ، في إطار صفقة تسوية متبادلة جعلت الأمر تحت السيطرة ، وذلك ما يفتقر إلى ثورية النظام الحالي الذي يسير قُدُمًا في صفقة القرن فلم تعد خطا أحمر ، ولم يعد ثم تدرج في الإصلاح الاقتصادي ، إن سلم جدلا أنه إصلاح ، فكان العقاب بصدمة الإجراء السياسي العسكري العنيف في 3 يوليو وما بعدها ، ثم العقاب الأشد قسوة الذي يشكو منه المجتمع كله ، من عارض ومن أيد ، وإن استكبر المؤيِّد أن يقر بالخطإ فلا أشد قسوة على النفس إن لم ترزق التجرد أن تقر أنها كانت حمارا يركب ! ، فما كان ذلك ليتم إلا بإجراء عنيف ينقل الدولة إلى نظام اقتصاد جديد هو نظام المركز الذي يبشر بدينه السياسي والاقتصادي وهو ، كما يرصد بعض الصحفيين ، دين الدولة اليهودية ، فهي المثال الذي صنعه المركز في الشرق فَعَلَى الجميع أن يحاكيه ، فنظام الدولة اليهودية نظام ليبرالي اقتصادي صارم يشكو فيه المجتمع من آفة الفقر مع تبجح القيادة السياسية أنها واحة رفاه وديمقراطية في محيط تخلف وجهل واستبداد ، فنسبة الفقر فيها قد بلغت نحو 24.4% ، ونسبة الأطفال الفقراء عام 2007 : 35.2% بعد أن كانت 8% فقط قبل عشرين عاما من ذلك التاريخ ، أي في 1987 ، وذلك محل الشاهد الرئيس ، في حروب الاقتصاد ، فليس الأمر شراءً لأرض أو أصول ، وإن عظم الخطب بذلك ، وإنما الأمر يجاوز ذلك إلى احتواء العقول ، فيأس المركز أن يقضي على الإسلام ، حائط الصد الذي يقاوم قيم الحضارة الغربية كما يقر بعض صقور الفكر في المركز فلا يعدون الصين خصما مع أنها المنافس الاقتصادي الأول ، فلا تملك من القيم الدينية والفكرية ما تقاوم به حضارة الغرب فقد نجحت في غزوها وتغيير اقتصادها من شيوعي إلى رأسمالي وإن بقيت خطاب السياسة الرسمي شيوعيا ، فالخصم الرئيس هو الإسلام فلئن فشلنا في القضاء عليه فلا بد من الاحتواء الفكري ، وهو الأخطر ، كما تقدم ، وذلك ، كما يقول بعض المحققين ، أمر ذو مسارات ، فثم مسار الأعراق كما يظهر الآن من تصاعد القومية الكردية في العراق وبلاد الشام ، وثم مسار المذاهب كالصراع الدائر الآن بين السنة والشيعة مع دعم كبير وانحياز صريح إلى الشيعة لا حبا فيهم ، وإنما اقتضى ميزان القوى أن يدعم المركزُ الأقليةَ المذهبية ويمنحها من أسباب القوة ما به تلجم الأكثرية ، فليست الأقلية الشيعية ، لو تدبر أصحاب العقول من نُخَبِهَا ، ليست إلا مجموعة وظيفية أخرى وظيفتها الرئيسة إضعاف الأكثرية وتقييدها فالسنة ، باستقراء التاريخ ، هم حملة الإسلام الأول الذي نَزَلَ على قلب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهم الطرف المقاوم الذي صد هجمات الصليب والتتر وسائر من غَزَا الشرق في وقت كان الطرف الآخر متواطئا إن بالفعل أو بالسكوت مع الغازي المحتل ، فتواطأ مع التتر كما صنع مؤيد الدين ابن العلقمي ، وزير الخليفة المستعصم بالله ، وتواطأ مع دول الصليب كما صنعت الدولة الصفوية إذ تحالفت مع البرتغال ضد العثمانيين السنة ، وكما صنعت المرجعية الشيعية وميليشياتها القادمة من إيران والناشئة في العراق إبان الغزو الأمريكي البريطاني البروتستانتي الأنجلوساكسوني ، وكما صنع القوم إبان الحروب الصليبية ، فتواطئوا مع حملات الصليب وكانت جماعاتهم الباطنية في بلاد الشام خنجرا في ظهر المقاومة السنية ، وكانت دولتهم في مصر سَبَبًا رئيسا في إخراج مصر من معادلة الصراع آنذاك ، بل هي التي فرطت في بيت المقدس في إطار صفقة غير مباشرة مع الصليبيين نكاية في السلاجقة السنة ! ، فظلت مصر خارج معادلة الصراع حتى افتكها صلاح الدين ، رحمه الله ، من أيديهم ، كما هي الحال اليوم ، فمصر خارج الصراع حتى تُفْتَكَّ من يد النظام كله لا من يد رأس من رءوسه لتنتقل إلى رأس آخر أشد وطأة كما حدث في يناير 2011 فمن رأس عسكري إلى آخر أشد وطأة جاء ، كما يقول ، ليتخذ القرارات الصعبة التي عجز عنها أسلافه ، وهو ما يرى الناس الآن في مصر آثاره السياسية والاقتصادية ، فضلا عن الآثار الأخطر ، وهي آثار التجديد الفكري الذي ينتحله ! ، فذلك جزء رئيس من مخطط الاحتواء الفكري ، فَثَمَّ تجديد فكري رسمي تباشره الدول بتعديل المناهج وإصدار الفتاوى ذات الصبغة السياسية التطبيعية الظاهرة ، وإن شئت الدقة فقل الطافحة ، وهو أمر لم تسلم منه مرجعيات الجزيرة العربية المعاصرة ، لا سيما المرجعية النجدية الحنبلية ، ولها في نفوس المسلمين السنة مكانة عظمى ، فقد بدأت هي الأخرى في التجديد ، وفي نفس الآن يكون التجديد الفكري الحر الذي يمارسه من اصطلح إطلاق لقب "الدعاة الجدد" عليهم ، وهو أشد خطرا من التجديد الرسمي إذ يتوجس الناس دوما من أي وارد رسمي من الدولة فقد فقدوا فيها الثقة فلا يأمنونها على دين أو دنيا ! ، خلافا لمن يَزْعُمُ أنه حر فلا يَتَقَيَّدُ بخطاب الدولة الرسمي وليس محسوبا على مؤسساتها ، وإنما يمارس النشاط الدعوي الحر الذي صار نشاط اقتصاد رائج في فضاء الإعلام الجديد ، فكلٌّ يستثمر مواهبه في القص والتأثير وتكلف المشاعر والدموع في أحيان ! ، ولكلِّ داعية في بورصة الإعلام ثمن ، فَكُلَّمَا كان أَبْرَعَ في التأثير كان أعظم في الأجر ! ، وهو أجر يتقاضاه في الدنيا عاجلا ، فقد استدرج الناس ، ابتداء ، بخطاب العاطفة ، فكان القص والوعظ بلا محتوى علمي فضلا عن تمييع الدين بإهمال مسائل الخلاف الرئيس ، مسائل التوحيد وما يتفرع عنها من ولاء وبراء وحاكمية ..... إلخ من المسائل المفصلية التي تَتَمَايَزُ بها الثقافات والحضارات ، فيكون التركيز على ما اصطلح أنه المشترك الإنساني مع إهمال المضمون الديني الذي جاء بقول فصل في أمور الاعتقاد والتشريع والسياسة والحرب وإن أعطى فسحة في المشترك الإنساني في مسائل المعاملة مع غير الحربي في إطار فقهي محكم رائده الرئيس قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، فكان هذا الخطاب المائع الذي تذرع بالمشترك الإنساني ليهدم في النفوس التمايز الديني والفكري الذي يجاوز الهوية المجملة إلى أخرى مفصلة تستغرق العقد والشرع والسياسة والحرب .... إلخ فهي منظومة الحياة التي تقف بالمرصاد لقيم الحضارة الغربية ، فكان المكر الكبار أن يصطنع هذا الخطاب الناعم ليروج قيم الحضارة المنتصرة الآن ! ، قيم المواطنة فلا بد من إعلاء قيمة الوطن فهو فوق كل شيء وإن كان الدين حتى قال بعضهم إن سبب سقوط غرناطة ، أن أهلها قد تَقَوْقَعُوا على أنفسهم في غرناطة فلم يندمجوا وينصهروا مع بقية الشعوب والثقافات في البوتقة الإسبانية الجامعة ، فقدموا إسلامهم على جنسيتهم الإسبانية ، فلا بد من تقديم الهوية الوطنية على الهوية الدينية ليسود الحب والوئام بين كافة الثقافات ، فالجميع تحت سقف واحد هو السقف الجامع ، وإن كان ضيقا لا يتسع إلا لساكن الأرض خلافا لسقف الوحي الذي ارتفع واتسع فَعَمَّ البشر كلهم ، فمن يزعم أنه يروم الوحدة والتآلف فقياس العقل أن يعزز القيم التي تشمل الجميع فلا تقصي أحدا لعرق أو لون ، وإنما عمت رحمتها العالمين جميعا ، وليست ذلك إلا للرسالة وإن زعم خصومها ما زعموا من التسامح ونبذوها في المقابل بالتعصب فليس ذلك إلا من قول القائل : رمتني بدائها وانسلت ! ، والتاريخ على ذلك يشهد ، فحال الأقليات غير المسلمة في بلاد الشرق إبان حكم الوحي وحال الأقليات المسلمة في الأندلس وفي البلقان ، وحال السكان الأصليين في العالم الجديد بعد هجرة البيض الأنجلوساكسون وما كان من ذبح حضارة وشعب بأكمله ، هذه الأحوال المتناقضة تشهد أي الفريقين أحق بوصف التسامح في مقابل تعصب الآخر وتعنته انتصار لجنسه أو لونه ، فعجبا أن يخرج من المسلمين من يروج دعاية الخصم وإن كساها زورا لحاء الدين ، فذلك خطاب يدعمه المركز في إطار ما تقدم من خطة الاحتواء الفكري ، فضلا عن دعم تيارات تنتسب إلى القبلة تطعن الطرح الرئيس لا سيما في مسائل الجهاد ، ذروة السنام ، سواء أكان بالحجة والبرهان ، أم بالسيف والسنان ، فهو الدرع الذي يصد ضربات المركز فلا بد من إقصائه واستبدال آخر به لا يصد ولا يَرُدُّ ، فكان ما يَرَى الناظر الآن من تَرْوِيجِ خطاب التصوف والتشيع وكل مذهب يطعن في المذهب الحق ، مذهب الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، الذي حمل الكتاب الهادي بيد ، والسيف الناصر بالأخرى ، فظهر من الدعاة المجددين والمفكرين الإسلاميين من يعتذر عن فتوحات الإسلام فهي حروب استعمارية وإن اتشحت بثياب دينية فلا فرق كبير بَيْنَهَا وَبَيْنَ الحملات الصليبية ، وأي عاقل ينظر في سلوك الفريقين بعد الفتح ، وما بشر به من قيم الدين والأخلاق يدرك خطورة هذا الطرح الجديد الذي يحتل فضاءات إعلامية واسعة فهو أشد خطرا من خطاب المركز الفج الذي يجهر بعداوة الوحي وأهله ويحرض على قتلهم واستئصالهم بعبارة مباشرة لا تعرف اللف والدوران كما يقال في مصر .

    والله أعلى وأعلم .


  4. #4
    ركب الفصحاء

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 24410

    الجنس : ذكر

    البلد
    السعودية

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : علمي

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 1

    التقويم : 26

    الوسام: ★
    تاريخ التسجيل25/5/2009

    آخر نشاط:16-09-2017
    الساعة:09:52 AM

    المشاركات
    1,173
    العمر
    25

    ما شاء الله تبارك الله عليك يا أيها المهاجر ما زلت مبدعا متميزا في مشاركاتك

    وفقك الله وسدد خطاك


    سوريا .. صبرا صبرا

  5. #5
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:اليوم
    الساعة:05:13 PM

    المشاركات
    4,706
    العمر
    39

    وجزاكم خيرا أخي الكريم ووفقكم وسدد خطاكم وشكر لكم المرور والتعليق .

    ولا تخلو هذه الحرب من أذرع فاعلة تمارس من القصف الإعلامي ما يشغل الرأي العام ، ويستفزه في نفس الآن ، فهدم القيم الدينية والأخلاقية مما ينزع من الشعوب قدرتها على المقاومة والممانعة ، فتستسلم لثقافة الغالب وتنقاد لأنماطه الاستهلاكية ، فهي سوق رائجة لما تنتجه مصانعه ، وما كان ذلك ليكون لولا أن الشعوب قد فقدت الثقة في حضارتها وأفكارها ، فإن الاحتلال العسكري المباشر دون مشروع كامل لإعادة هيلكة الأفكار قبل الاقتصاد ، والقيم والأخلاق قبل السياسات ومؤسسات الإدارة ، الاحتلال بدون هذا المشروع الكامل في التصور والحكم مصيره الفناء والاضمحلال إذ ليس له في الأذهان رسوخ فهو ضيف ثقيل الظل يحتمله أهل البيت اضطرار فإذا سنحت الفرصة أن يغادر فهو منبوذ غير مأسوف على فراقه ، فالاحتلال يصدم الشعوب بالقوة العسكرية الصلبة ولكنه لا يحقق الغاية إلا أن ينزع من الناس إرادة المقاومة ، فإن احتلاله الأرض بضربة الحرب المفاجئة يحدث صدمة مؤقتة تستفيق منها الأمم ولو بعد حين يطول أو يقصر ، فلحظة الهزيمة لحظة صعق تشل الفكر والأركان ولكنها لا تدوم ، فسيطرة الغالب على الأرض والمؤسسات لا يجدي نفعا إن لم تتم السيطرة على المجتمع ، فهو مادة الحكم ، فلا يوجد محتل يحكم الأرض بلا أهلها ، فهم أمر واقع لا يطيق تجاهله إلا إن كان هدفه إفناء الجماعة الإنسانية التي تسكن الأرض لا احتواؤها ، كما صنعت النخبة البروتستانتية مبدأ هجرتها إلى الأرض الجديدة بل إنها لم تشرع في إفناء السكان الأصليين إلا بعد أن خدعتهم فأظهرت الود والرغبة في العيش المشترك فهي نخبة وافدة مهاجرة من أرض الظلم إلى أرض جديدة تتنفس فيها الصعداء ، فالاضطهاد الديني قد حملها على الرحيل ، فاستقبلتها الجماعة الأصلية استقبال الضيف إذ إكرامه واجب ، فتلك من البدائه الأولى التي يستحسنها كل عاقل ذي مروءة ، ثم كانت الصدمة الحربية الإفنائية ، وهي ما نجحت فيه الجماعة البروتستانتية ويكاد ذلك يكون استثناء في التاريخ وإن لحقه ، ولو من وجه ، ما صنعت الكاثوليكية في الأندلس بعد سقوط غرناطة فلم يكن الأمر أمر احتواء أو تعايش ، وإن كان في معاهدة التسليم من الضمانات ما يغر الجاهل الساذج الذي لا يحسن يستقرئ التاريخ ، ولا يحسن يفقه من أمر الدين ما أخبر به يحذر ، فـ : (لَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) ، وما أنشأ من الأحكام ما به يدفع ، فـ : (قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) ، وهو ما يعم كافة أجناس المقاتلة : بالسيف والسنان في ميادين الجلاد ، وبالحجة والبرهان في ميادين الجدال ، فكان الاستسلام رجاء التعايش ، ثم كان الاستئصال الذي حمل الناس أن يهاجروا إلى دار الإسلام في المغرب ، ومن بقي مختارا أو مضطرا فمآله أن يفنى بدنه بالقتل والتعذيب في أَقْبِيَةِ دَوَاوِينِ التحقيق ، أو أن يفنى دينه فيذوب في المحيط الكاثوليكي ، فاندثرت الجماعة شيئا فشيئا حتى صارت أَثَرًا بعد عين ، فَلَهَا جُمْلَةُ آثار في المبنى ولا إنسان يعمرها فقد أتى الحكم الكاثوليكي على الأفكار والأبدان ، وإن زعم أنه يرعى الأديان وَيُتِيحُ للمخالف فسحة في العبادة والفكر ، وتلك دعوى كل مستبد ، ولعل هذه التجربة الاستئصالية هي ما جمع بين هجرة البروتستانت إلى الأرض الجديدة في أميركا الشمالية وهجرة اليهود إلى الأرض المقدسة ، فإن البروتستانت قد فروا من اضطهاد الكاثوليك ، وكان ثَمَّ نَبْذٌ لهم من أوروبا وكان ثَمَّ يأس منهم أن يقيموا مجتمعهم الذي يحلمون به ، وكذلك كانت حال يهود فإنهم قد فَرُّوا من اضطهاد أوروبا الكاثوليكية ، وإن كانت آنذاك علمانية قد تقطعت أمرها زبرا قومية وعرقية ..... إلخ ، إلا أن نَفَسَ العدواة التاريخية لا زال حارا ، فكان ثم من المصالح السياسية والاقتصادية ما أوجب استنفار أوروبا ضد يهود ، ليتحولوا إلى مجموعة وظيفية فاعلة تحقق أهداف الغرب في طعن الشرق ، وتحقق مصالح جماعات الضغط الفاعلة وهي التي تواصلت مع القيادات السياسية في بريطانيا وأمريكا لتستصدر منها وعودا ، وتحرض أمما على أمم ، كما كانت جماعات الضغط في أمريكا تصنع بإيحاء من بريطانيا فكان تحريض أمريكا أن تتدخل لترجيح كفة الحلفاء أواخر الحرب العالمية الأولى في مقابل ما تبذله بريطانيا من وعد بلفور الشهير بوطن قومي لليهود في الأرض المقدسة وأكنافها ، وكان للاقتصاد دور رئيس في هذا التحريض فإن دعم بريطانيا يحفظ لأمريكا ديونها المستحقة على بريطانيا ، فرجال الأعمال لا بد أن يمارسوا من الضغط السياسي ما يحفظ لهم أموالهم التي ضخوها في الاقتصاد البريطاني لإنعاشه فلئن انهار الاقتصاد البريطاني فأموالكم قد ضاعت ، فكان تحرك رءوس الأموال لتمارس دورها السياسي المعهود في صناعة القرار وهو ، كما تقدم مرارا ، قرار مركب رائده المصلحة ، ولا يخلو من مادة قيم وأخلاق وربما استعان صاحبها بالدين ولو حافزا يسارع من تفاعل المصالح ، فإن مرجع الأمر ومرده هو مصلحة الإنسان الذي صار السيد المطاع ، وهو إنسان بِعَيْنِهِ قد امتلك أسباب السيادة المادية ، فهو الإنسان ذو العنصر الأرقى ، وكل يدعي وصلا بهذا العنصر ، فهو سيد العالم ومعلم الحضارة وصاحب التاريخ وصاحب القيم والأفكار ومعدن الفلسفة والأخلاق ..... إلخ ، فالإنسان إذا انقطعت صلته بالوحي تحول إلى كائن مادي بحت لا يعنيه إلا تحقيق احتياجاته البيولوجية ، وإن اتخذت من جمل الفكر والفلسفة ما يصوغها في معان إنسانية فلا تخرج آخر أمرها أن تُشْبِعَ غَرَائِزَ الحيوان ، فضلا عن غَرَائِزِ الطغيان والاستبداد ، فامتلاك أسباب المادة ، لا سيما القوة والثروة ، يحرك في النفوس شهوة التحكم والسيطرة ، فَبَعْدَ أن حَصَّلَتْ المالَ والجاه وأشبعت الغرائز الفردية ، فهي تروم الطغيان والاستبداد بالرأي ، فلا تقتصر على شأنها الخاص ، وإنما وجدت من سعة العيش وفائض القوة ما به تطغى على غيرها ولم يكن لها من وازع الوحي ما يردع ، ولم يكن ثم من الإصلاح والنصح ما به تستثمر قوتها الزائدة في أَغْرَاضٍ نافعة ، فكان خطاب السياسة خطاب القيم ، وكانت حقيقته في الخارج التدافع لأجل المصالح ، لا سيما مصالح الاقتصاد ، وهي محل شاهد رئيس ، فهي محرك قوي فاعل ولكنه لا يستنهض الناس ابتداء إلا أن يكسى من لحاء القيم ما به يروج ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، مما تصدقه الحال في الخارج أو تكذبه ، فإن أتباع الوحي لا تخالف دعواهم هذه الدعوى ، ولو في الجملة ، وشتان الغاية وهو أثبتته وقائع التاريخ وهو الشاهد الذي لا يكذب ، فكان من عدل الفتح بعد أن استقر ما كان مضرب المثل الذي شهد به من أنصف من الخصوم ، فثم حركة فتح سياسي وعسكري ، وثم قوة ناهضة فتية خرجت من الجزيرة العربية للمرة الأولى في تاريخها ، فجاوزت في طموح التمدد ما كان بالأمس سقفا لا يطال ، فكانت غاية السقف السياسي قبل البعثة حكما محليا في الجزيرة يفرض سيطرته على المضارب المجاورة ويدخل في صراع مع رءوس القبائل في ظل معادلة اقتصاد فقير الموارد ، بشرا ومادة ، فكانت غايةُ الغزو السلبَ والنهب والسبي لتحقيق بعض المكاسب الاقتصادية على وجه يجعل الحكومات المحلية عصابات إجرامية ! ، وإن جاوز بعضٌ هذا السقف المنخفض فلا يأمل في كيان سياسي مستقل ، بل لا يجاوز دوره دور التابع لكيان أكبر يمثل آنذاك المركز ، فكانت الممالك العربية التابعة شمال الجزيرة ، وهي ما شكل الجدار العازل بين الإمبراطوريات العظمى ، والصحراء العربية التي تشكل جيب شغب وقلاقل فهي تفتقر إلى ضابط أمن يحكم السيطرة عليها أو يحول دون انتشار الجريمة لئلا تؤثر على مصالح القوى العظمى ، فأي فراغ أمني يجاورها فهو يشكل تهديدا لمصالحها ، ولو على المدى البعيد ، فضلا أنها لا ترغب في مغامرة عسكرية غير مأمونة في صحار وقفار شاسعة أهلها يعلمون من دروبها ومسالكها ما يجعلهم أصحاب الكلمة العليا في معارك الكر والفر فهم الخبيرُ في حروب العصابات وذلك ما يستنزف أي قوة منظمة مهما بلغ حجمها ، فالتدخل بواسطة الأدوات المحلية خير وأقل خسائر ، إذ تُوَظِّفُ القوة المركزية في هذه الحال بعض قوى الأطراف فتنشأ الكيانات السياسية والعسكرية التابعة التي تمارس الحرب بالوكالة ، وما يحصل الآن في بلاد الشام خير شاهد على ذلك ، ويكاد يحكي الصراع القديم بين مراكز القوى السياسية في العالم القديم ، فإن دولة المناذرة الوظيفية التابعة لفارس في الشرق ، ودولة الغساسنة الوظيفية التابعة للروم في الغرب ، لم يكن غرضهما الأوحد حفظ الأمن على الحدود العربية المضطربة ، وإنما كانتا أدوات صراع بالوكالة بين فارس والروم فهما جزء من الحرب الباردة غير المعلنة بين الإمبراطوريتين ، وإن كانت حراسة الحدود ، كما تقدم ، هدفا رئيسا ، فكل دولة تحس مخاطر أمنية على حدودها فإنها لا تظل مكتوفة الأيدي حتى يخرق الخطر سياجها فتلك طبيعة التدافع السياسي والاجتماعي لا سيما إن اتخذ شكل الصراع العسكري ، فيكون من أسباب القوة ما يجعل انتشاره أسرع وخطره أفدح فيطرق حدود الدولة بقوة ، فلا تجد بدا من الحشد الذي يقاوم فتتخذ من إجراءات الحماية لحدودها سياجا يحول دون تمدد الصراع إلى أرضها ، بل قد تخطو خطوة أوسع فتكون حربها في أرض الخصم قبل أن يدهمها ، فتقدم على خطوات جريئة تجاوز الخطوات الدفاعية الاحترازية إلى أخرى هجومية استباقية ، وذلك سلاح ذو حدين قد يصيب في أحيان إذا استطاعت الطليعة العسكرية ترسيخ أقدامها في مناطق عازلة تحول بينها وبين الخطر ، فتتخذ منه وِجَاءً وحمى ، وهذه المنطقة العازلة تفتقر إلى وظائف أمنية دقيقة ، فليس الأمر ضربة تفاجئ ثم انسحابا ، فلا تحقق الضربة الهدف إذ لا تطيق بداهة إفناء الخصم وإنما غايتها أن تضعفه مؤقتا أو تحمله أن ينحاز إلى مناطق آمنة فيكمن حينا حتى يجد فرصة الظهور من جديد لا سيما إن استعمل طريقة الحرب الخاطفة ، فَكَرٌّ وَفَرٌّ يستنزف الخصم حتى تصير المنطقة المحتلة عبئا يؤرقه ، فقد اتخذها سبب أمن فإذا بها مصدر إزعاج وخوف لا سيما مع زيادة الخسائر البشرية التي تهيج الرأي العام ، ولو بعد حين يطول ، وحرارة الخسائر على الأرض ، من وجه آخر ، مما يستثمره خطاب الإعلام المحرِّض الذي يستثير في الناس غرائز الانتقام فيدخل الناس في حلقات تَتْرَى من الصراعات الأهلية والإقليمية تستنزف جميع الأطراف ، وإن لم تَتَأَثَّرِ السلطة بها فلا يجد أثرها المباشر إلا الشعوب فهي مادة أي صراع إذ تَتَّخِذُ منها السلطة جماعات وظيفية تحارب في سبيلها ، فهي تباشر الحرب وَتَتَحَمَّلُ الفقر ثمنا للأمن والسلامة ! ، فتلك معادلة الاستبداد إذا لم يكن له إنجاز في الواقع يذكر ، لا سيما الواقع الاقتصادي ، وهو ما تنصرف إليه همم العامة في أي مجتمع ، لا سيما إن غاب خطاب الوحي ذو الأغراض الشريفة التي تجاوز حاجات الحس ، وإن كانت ، كما تقدم مرارا ، من الضرورات والحاجات التي لا يجحدها عاقل ولا يستقبحها وحي ، فإنه ما نَزَلَ يخاطب ملائكة لا يفتقرون إلى أسباب الحس ، وإنما نَزَلَ يخاطب بشرا يأكلون ويشربون ويألمون ، فَنَزَلَ يهذب هذه الغرائز ألا تطغى فتجاوز حدها وتصير غاية عظمى وإن كسيت ، كما تقدم ، لحاء أخلاقيا فلسفيا ، فصارت الفلسفة الوضعية والوجودية وصارت الفلسفة البراجماتية ذرائع فكرية تبرر ما يقترف أصحابها من الجرائم السياسية والاقتصادية فضلا عن الجرائم الجنائية المباشرة ، فكان من مكر الاستبداد الْكُبَّارِ أن قايض الناس مقايضة الجور في إطار معادلة الأمن مقابل الحكم ، فلم يكن ثم غاية تجاوز الأمن بمعناه المباشر الذي اتُّخِذَ ، أيضا ، ذريعة استبداد وقمع في إطار حزم من القوانين والإجراءات الاستثنائية ، فاتسع حيز الحاكم أن يمارس الاستبداد بذرائع استثنائية وضاق حيز الرعية أن تطالب بأي حقوق فكرية أو سياسية أو اقتصادية ، بل صارت المطالبة بها خيانة في المعركة فلا صوت يعلو صوتها وهي مما تُجَيَّشُ له المشاعر في الداخل وفي الخارج ، فهي مادة يتم تداولها في أي فضاء سياسي أو إعلامي وهي ذريعة الاستبداد بالفعل أو بالسكوت ، فمعارك الإنسانية ضد الهمجية ! معارك تحكمها قوانين استثنائية يغض فيها الطرف عن أي حقوق ، ويتسامح فيها العالم مع المستبد الظالم وإن قارف ما قارف من الجرائم فهو مجموع وظيفي فاعل لا يحسن التفريط فيه أو محاسبته ولو في الحال الراهنة قبل أن تضع الحرب أوزارها وبعد تحقيق الهدف لا مانع من الحساب وهو ما يجعل المستبد يحرص أن يطول أمد الصراع فهو يذكي ناره كلما خبت ، فإذا انطفأت فقد انتهى دوره وصار وجوده عبئا سياسيا وأخلاقيا كما يلحظ الناظر في تجارب المعسكر الغربي في صراعه مع المد الشيوعي فقد اتخذ من الأنظمة التابعة ما حال بينه وبين انتشار الشيوعية في فَضَائِهِ الجيوسياسي القريب وبعد انتهاء دور تلك الأنظمة التابعة كان التخلص منها بالتخلي عنها وَتَرْكِهَا فريسة لخصومها فَلَمَّا رُفِعَتْ عنها الحصانة الدولية كانت النهاية المخزية قتلا أو أسرا أو فرارا ، ولعل ما وقع لشاه إيران وحاكم زائير أو الكونغو الديمقراطية الحالية ، لعل ما وقع لهما خير شاهد على ذلك بعد انتهاء دورهما وإن تقدمت نهاية الشاه في 1979 ولم تكن الحرب الباردة آنذاك قد وضعت أوزارها خلافا لحاكم زائير ، موبوتو ، فلم يتخلص منه الغرب إلا في 1997 بعد انتهاء الحرب الباردة بسبع سنين ، وهو ما يضاهي صنيع أمريكا في فضائها الجيوسياسي في أمريكا الوسطى والجنوبية ، فكان ثَمَّ من الجماعات الوظيفية ذات الطابع العسكري الصلب ما أَمَّنَ مصالح أمريكا في الجنوب ، واقترف لأجل ذلك من الجرائم ما أخضع الناس باستراتيجية صدمة ورعب ، سياسي وعسكري مباشر ، واقتصادي غير مباشر ، فكان الاستهداف المباشر الذي ركع الشعوب وأخضعها بل قد تقصد بَثَّ للرعب في الناس ، فكان القتل والاختطاف الذي جاوز حد المقاوِم المباشر الذي اختار المقاومة المسلحة إلى كل من يعارض ، ولو بالكلمة ، فالمعارض المسلَّح أول هدف ، وهو ، من وجه آخر ، ذريعة تُسْتَأْصَلُ بِهَا أي مقاومة أخرى ، ولو كلمة مسموعة أو مكتوبة ، فحرب الأفكار الشيوعية المتطرفة التي تهدد زعامة أمريكا هي العنوان الرئيس لحملات التشويه والاستئصال فمارست الدعاية من تشويه التجارب اليسارية في أمريكا اللاتينية ما جعل المواطن يحمد الله على تدخل الآلة العسكرية لإبطال هذه المؤامرة المدعومة من الاستخبارات السوفييتية التي تروم تحويل البلاد إلى كيان تابع لإمبراطورية الشر الشرقية ! ، مع أن الآلة العسكرية قد نجحت في المقابل أن تحول البلاد إلى كيان تابع لإمبراطورية الشر الغربية ! ، ولو تدبر الناظر بعض الخطابات السياسية الديماجوجية في الشرق أيام انتحاله مقال القومية الذي أُشْرِبَ قيم الشيوعية وإن اتخذ منها صورة الاشتراكية المخففة لوجده ، أيضا ، خطابا ديماجوجيا شعبويا يثير في الناس غرائز الخوف من المؤامرة الإمبريالية التي تروم احتلال البلاد وانتهاب ثرواتها فلا بد أن تعيش الشعوب أجواء المؤامرة الكونية ليسهل إخضاعها للقوانين الاستثنائية التي تكرس الطغيان والاستبداد سواء أكان ثم مؤامرة بالفعل زِيدَ فيها ما زِيدَ أم كانت ابتداء من نسج الخيال ، فكانت السلطة تحارب طواحين الهواء الإمبريالية أمام مكبرات الصوت التي تُثِيرُ في المواطن الغافل غَرَائِزَ الوطنية والعزة والكرامة فتصبره على ما يلقى من الضيم والانتهاك لحقوقه الفكرية والجسدية والاقتصادية ، فهو يسلي نفسه بما يسمع من كلمات العزة والكرامة مع أنه لا يجد في حياته إلا الذل والإهانة والخوف فلا بد من شيء من الخوف يُخْضِعُ الجماهير ، فثم الخوف من بطش السلطة فهي تبث الرعب بما يتسرب من أقبيتها من قصص الانتهاك فهي جزء من استراتيجية الصدمة ، وَثَمَّ شيء آخر من الخوف من أعداء الوطن والحياة الذين يُرِيدُونَ تقويض أركان الدولة ، فهم جزء من المخطط الخارجي الإمبريالي الصهيوني ..... إلخ من ألقاب العمالة الكلاسيكية التي لا زالت حتى الآن تحظى بالرضى والقبول في نفوس كثير من الناس فالثقافة السياسية لم تتغير كثيرا ، لا سيما مع ضعف الجبهات السياسية المعارضة أن تقدم بديلا ، فالناس يقنعون بما في أيديهم من عصفور الأمن والاستقرار وإن هزيلا يحتضر فهو خير من عشرة على شجرة الوعود ، فالجبهات السياسية المعارضة لا تملك رؤية كاملة ولا تحظى بدعم قوي كالذي تحظى به السلطة في إطار محكم من المصالح الإقليمية والدولية فضلا عن مصالح النخب المتنفذة في الداخل والتي تحتكر أسباب القوة المادية والمعنوية ، والجبهات السياسية المعارضة ، من وجه آخر ، قد اخترقت في دوائر عليا متنفذة ، وذلك أمر لم تسلم منه جماعات المعارضة كلها ، السياسي منها والمسلح ، فالجميع لا يملك من البنية الأمنية المحكمة ما يحول بينه وبين الاختراق ، فثم اختراق السلطة ، وثم اختراق منصات في الخارج ، سياسية وحقوقية ...... إلخ ، فهي قوى تستثمر في الأزمة استثمارا مباشرا قصير المدى أو طويلا بعيد المدى في إطار تشكيل جبهات تحمل أفكارها ولو في مستقبل الأيام بعد استقرار الأوضاع السياسية ودخول البلاد مراحل التحول وأخطرها التحول الفكري فثم قيم جديدة في الفكر والسياسية تعيد تعريف المفاهيم الرئيسة في نظرية الحكم والسيادة وغالبا ما تلقى دعوات الحرية المطلقة ترحيبا كبيرا يجاوز الحد فذلك ، بداهة ، رد فعل الاستبداد والقمع ، فيخرج الناس من قبضة الاستبداد إلى فضاء الانفلات ، ولا يكون ثم رائد ينصح ويرشد إلى فضيلة الحق والعدل إذ يتوسط رذيلتي الاستبداد والانفلات ، ولا يكون آنذاك من تعظيم الوحي ما يجعل قوله نافذا فلا صوت له يسمع إذ تقصد الاستبداد قمعه فهو أخطر خصومه ، فضعف صوته فضلا عن حملات التشويه ليل نهار ، وما وقع فيه أصحاب هذا الخطاب من تَنَاقُضٍ زَهَّدَ الناس في خطابهم إذ اضمحلت مصداقيتهم في القلوب ، ، وَزِدْ عليه حملات الإفساد المنظم للأديان والأخلاق ، وحملات التضييق على الناس في أمور الحياة والمعاش ، فالحرب الاقتصادية تحقق أهدافا سياسية ولو على المدى البعيد ، فهي تصدم الناس صدمة مباشرة يجدون آثارها في الواقع القريب ، واقع الحياة اليومية ، فتمهد الطريق لإعادة هيكلة المجتمع ، كما تمهد الطريق للهيكلة الاقتصادية ، فثم حزمة كاملة من القيم الفكرية والسياسية والاقتصادية بعضها يعضد بعضا ، فالحرب الاقتصادية تسحق المجتمع وتعيده إلى صورته الأولى ، إذ تحوله إلى مادة خام يسهل تشكيلها بإعادة توزيع القوى على وجه يحقق مصالح النخبة المتنفِّذَةِ إن في الخارج أو في الداخل ، فهي تسحق الطبقة المتوسطة ، عماد أي مجتمع وعماد أي مشروع في الحياة ، وهي القوة الفاعلة في المجتمع ، فأغلب النخب المنتجة تخرج من هذه الطبقة فلا يطيق الاستبداد بقاءها فلا بد من سحقها إن كان استبداده صلبا كما في تجارب الصدمات الصلبة في أمريكا اللاتينية ، فقد هاجمت ، كما يذكر بعض الباحثين ، الشركات والسياسات التي حولت الطبقة الفقيرة إلى طبقة متوسطة ! ، وتلك فضيلة وإن كانت في قياس خصومها رذيلة ، فهي تجري مجرى : (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) ، فهي فضيلة بالنظر في المجموع الغالب ، وهي رذيلة بالنظر في مصالح النخب التي تخالف في العادة عن مصالح المجموع الغالب في الأنظمة السياسية الأرضية التي لا تقيم وزنا إلا للمصالح المادية وإن خالفت عن القيم الدينية والأخلاقية ، فصرخات الفقراء لا تحرك مشاعرها بل إنها مما يكون قَصْدًا لا سهوا أو خطأ ، فإن ثم من يَتَوَهَّمُ أن هذه التجارب تخطئ في سياستها فتضعف المجتمع إذ فشلت في إدارة موارده ، وهي في حقيقة الأمر ناجحة أيما نجاح في مخطط الإضعاف والإفساد المتعمد ، فهي تستهدف نقاط القوة في المجتمع ، سواء أكانت مادية أم معنوية ، فذلك حتم لازم في هدم الكيان قبل إعادة إعماره وفق تصميم يحقق أهداف النخبة ويحفظ مكاسبها فليست صرخات الفقراء إلا دليل نجاحٍ ! إذ المجتمع ينهار ولا بد لكلِّ عملية جراحية من آلام ووحدهم الفقراء من يتحملها فالساسة وصناع القرار لا يشعرون بالألم فهم من يباشر الجراحة بآلة حادة لا تحس فَتُمَزَّقُ قيم المجتمع بذريعة التجديد الفكري وَيُهْدَمُ اقتصاده وَيُدَمَّرُ بُنْيَانُهُ بذريعة إعادة الهيكلة وليس الأمر باستقراء هذه التجارب الصلبة التي تحارب المجتمع على جبهات شتى ، سياسية وفكرية واقتصادية ، ليس الأمر إلا إعادة هيكلة وتوزيع لقوى المجتمع على وجه يحفظ للنخب مصالحها ، وبعض الباحثين يضرب مثلا بما حدث في شيلي ، إحدى دول المخروط الجنوبي في أمريكا اللاتينية قاعدة الارتكاز الجيوسياسي الأمريكي ، فيضرب بها المثال بعد استيلاء الجيش على السلطة بآلة الحرب الصلبة بدعم مباشر من واشنطن ، ففي غضون سنة واحدة انخفض الإنفاق العام بنسبة 27% فالدولة قد تخلت عن واجبها الأخلاقي في برامج الدعم الاجتماعي التي تؤمن أسباب الحياة الكريمة فمن أراد أي خدمة فلا بد أن يدفع ثمنها نقدا ، وفي غضون نفس السنة انكمش اقتصاد البلاد بنحو 15% وارتفعت نسبة البطالة من 3% إلى 20% ، وانصرف 74% من دخل الأسرة إلى شراء الخبز فقط ! ، بعد أن كان الخبز والحليب وأجرة المواصلات العامة لا تشكل إلا 17% من إنفاق الأسرة وهو ما انعكس على الصحة العامة ، لا سيما الأطفال الذين حجبت السلطة عنهم برامج دعم الحليب في المدارس ، فكان كثير منهم يغيب عن الوعي إذ لا يجد وجبة إفطار تقيم أوده ولو حليبا مجردا ! ، وامتنع كثير منهم عن الذهاب إلى المدارس ، فكان ذلك أثرا آخر من آثار الصدمة الاقتصادية فهي تؤثر مباشرة في التعليم إذ تجعله حكرا على الأغنياء في إطار سياسة الخصخصة التي طالت كل شيء ، وهي تؤثر بِطَرِيقٍ غير مباشرة فالتعليم رديء وبرامجه سيئة حتى بلغ الشح وغلظ القلب أن تحجب السلطة عن الأطفال الحليبَ فلا تعرف رحمة ولا شفقة ، وهي الصفات القياسية في أي مجموعة وظيفية سياسية تباشر هذه الصدمات الاقتصادية فلا بد أن تتجرد من أي مشاعر فهي تاجر لا قيم تحكمه إلا قيم السوق الحر ، فَتَتَّجِرُ في كل شيء ، وإن حليب الأطفال ، ولو تدبر الناظر في مصر لوجد من ذلك آثارا تَتْرَى كما في أزمة ألبان الأطفال في الصيف الماضي فكانت ذريعة أن تحتكرها السلطة فتحقق أرباحا كبيرة بما اصطلح أن يسمى "تعطيش السوق" بحجب السلعة قصدا فذلك ما يسهل التحكم في سعرها بتحريره كليا أو جزئيا تمهيدا لتحريره الكلي بِرَفْعِ كافة صور الدعم عنه ، وهو ما وقع أيضا في أزمة السكر ، وفي وقائع تسمم الأطفال بعد تناول وجبات التغذية المدرسية الفاسدة التي احتكرتها السلطة فكانت مرتعا للفساد الذي لا يتورع أن يتجر بصحة الأطفال فكل شيء جائز في إطار هذا الإجراء الصلب الذي لا يستفيد منه إلا أصحاب الثروة الذين يمتلكون أدوات الإنتاج وعندهم من رءوس الأموال ما يجعلهم يحتكرون فضاء الاستثمار ، وتجربة شيلي ، أيضا ، مثال شاهد كما في تقرير الباحث آنف الذكر ، فبعد خمسة عشر عاما من هذه الإجراءات الصلبة ، من 1973 إلى 1988 ارتفعت نسبة الفقراء إلى 45% ، أي ما يقارب نصف المجتمع وهو ما يعني انهيار الطبقة المتوسطة عماد المجتمع القوي فهو ، كما تقدم ، العدو الاستراتيجي الأول لأي نظام حكم مستبد فلا بد من الإجهاز عليه بإجراءات القوة والاقتصاد الصلبة ، وارتفعت دخول 10% فقط من المجتمع ، فزادت بنسبة 83% ، فازداد الغني غنى والفقير فقرا ، وكان التوأم الفاعل كما ينقل ذلك الباحث : القوة العسكرية والرعب السياسي ! وهو ما يحقق مآرب هذه المدرسة الاقتصادية الرأسمالية الصلبة ، فعليها ، كما يقول منظر المدرسة ورأسها في التدبير والتخطيط ! ، عليها أن تلغي جميع القواعد والأنظمة التي تعرقل تراكم الأرباح ، وهي الضرائب فلا بد من إبطالها مطلقا وفي حال فُرِضَتْ فهي ضرورة تقدر بقدرها على وجه يتحمل فيه الجميع العبءَ ! ، فلا فرق بين غني يقدر وفقير يعجز بل الفقير في الغالب هو من يدفع ثمن التغيير والإصلاح الأكبر إن لم يدفعه كله ! ، وإبطال الضرائب في الشرع حق ، فالأصل منعها ولكن ثم موارد أخرى حَكَمَ بها الشرع كالزكاة والصدقة وسائر وجوه النفقة ، وهي ، بداهة ، مما تَسْخَرُ منه النظم الأرضية ! لا سيما النظم التي نصبت العداوة لأي رعاية اجتماعية سواء استمدت أمرها من وحي منزل أو وضع محدث ، وإذا جاز في الشرع فَرْضُ بعض الضرالئب فذلك من الضرورة التي تقدر بقدرها مع تفاوت الناس في تحمل أعبائها ، فلا يستوي الغني القادر والضعيف العاجز وهو ما تنكره هذه المدرسة الاقتصادية الرأسمالية الصلبة ، وعليها ، أيضا كما يقول ذلك المنظر ، عليها أن تتخفف من عبء البرامج الاجتماعية التي يستفيد منها عامة الناس لا سيما الطبقة الوسطى ، العدو الاستراتيجي كما تقدم ! ، وعليها أن تسارع في بيع أصولها ، وهو بيع يشوبه من الفساد ما يشوبه ، فثم من جهات التمويل من يظهر النصح ويبطن الغش فهو ، كما يقول بعض الاقتصاديين المتخصصين ، يقرض المؤسسة الخاسرة لا لتصلح من شأنها وإنما لِتَزْدَادَ ديونها فتضطر أن تبيع أصولها فيشتريها المقرِض بثمن بخس مع ما يكون من رشاوى وعمولات فتباع المؤسسات الخاسرة بأثمان زهيدة بلغت في مصر على سبيل المثال 5% من قيمتها الحقيقية ، نحو 35 مليار جنيه من أصل 700 مليار ! ، إبان موجة الخصخصة الأولى في التسعينيات ، بل وتباع الشركات الرابحة في أحيان ، وكأنها عبء تروم الدولة التخلص منه في إطار انْتِقَالِهَا الحاد من اقتصاد المركز إلى اقتصاد السوق ، والمشتري الأجنبي لا يقيم وزنا لأي بعد اجتماعي فلا يروم إلا الربح وهو ما يحمله على إعادة الهيكلة الصلبة بطرد أعداد كبيرة من العاملين وربما تقصد إغراق المؤسسة ليبيع أصولها بأثمان كبيرة بعد أن اشتراها بأسعار زهيده فهو تاجر لا مستثمر ، والتاجر لا يروم إلا مصلحته الخاصة ، ولو باع لأجلها أصول البلاد وأرضها ، وذلك ما كان ، أيضا ، في تجارب اقتصادية في أمريكا اللاتينية في إطار ما تقدم من سياسة أمريكا في ضرب التجارب اليسارية في جوارها الإقليمي ، حتى بلغ الأمر في الأرجنتين حدَّ الإعلان عن تخفيض 10% لمدة ستين يوما لمن يبادر فيشتري أرضا تصلح للفلاحة ، ! ، وكأن أرض الدولة سلعة في مركز تجاري يروم اجتذاب الزبائن بتخفيض الأسعار وتحطيمها ! ، وذلك ما يصاغ في ديباجة لطيفة فهو قانون استثمار يسهل تدفق الاستثمارات التي تسهم في ازدهار الاقتصاد وذيوع الرخاء ! ، وهي استثمارات لا تجاوز حد الاتجار والمضاربة كما في استثمارات مصادر التمويل الدولية في أي اقتصاد ضعيف كما هي الحال الآن في مصر ، فأغلب الاستثمارات ليست إلا استثمارات في أدوات الدين بإقراض بلغت فوائده الربوية أرقاما قياسية تغري أي مرابٍ أن يقرض الدولة المصرية فهي تعطي فوائد لا تعطيها أي جهة أخرى تَقْتَرِضُ ، فتدخل الأموال البلاد في دورة سريعة تجتذب أرباحا كبيرة بلا إنتاج ، وهو ما اصطلح أن يسمى الأموال الساخنة ، فضلا عن استثمار آخر يلبي احتياجات الأغنياء ، فهو ينصرف إلى مشاريع الترفيه والاستهلاك كالمجمعات التجارية الفخمة التي لا يرتادها إلا الأغنياء الذين احتكروا ثروة البلاد ، فالمستثمر التاجر ! لا يلبي إلا احتياجات هذه الطبقة فيقيم مشاريع تافهة تحقق أرباحا طائلة يستخرجها من جيوب الأغنياء دون أن يعود نفعها بداهة على الفقراء فهي مشاريع استهلاك لا إنتاج ، فالإنتاج ضئيل والصادرات في تناقص وهو ما يسبب فجوات تمويلية تلجئ السلطة إلى الاقتراض طويل المدى الذي تدفعه الأجيال القادمة وذلك جزء آخر من مخطط الإغراق والسيطرة ، وقد يتبادر إلى الذهن أن الإنسان لا يجد الأثر المباشر لهذا المخطط ، فبعض الاقتصاديين يُعَيِّنُ الرقمَ ستين ألفا كدين على كل مصري الآن وليس أحد من المصريين يدفعه مباشرة ولكنه يدفعه من الخدمات التي صارت رديئة إن لم تكن عديمة ! ، إذ الموارد قد استنزفت في سداد فوائد الدين فضلا عن أصله ، ويجدها ، أيضا ، في تعليم ابنه وعلاجه ...... إلخ ، فضلا عن أثر أعظم وهو ما يصيب الأخلاق في أعصار الاستبداد الذي يتسبب في ظهور الفقر وذيوعه فيجمع على الناس السوأتين فتسوء الأخلاق وتصير الحياة جحيما لا يطاق ، وهو ما قد يحمل كثيرا من الناس على الانطواء والانزواء فتعظم السلبية في المجتمع ويصير الأمر والنهي احتسابا ، يصير مثار استنكار من الرعية قبل الأنظمة المستبدة ! ، بل المجتمعات الغنية التي تَتَّجِهُ حكوماتها الآن إلى هذا النظام الرأسمالي الصلب بانتهاج الخصخصة التي لا تخلو من المحسوبية فسادا سياسيا وآخر ماليا ، والاقتراض لسد عجز الموازنة فضلا عن تآكل الاحتياطي النقدي ، هذه المجتمعات قد لا تشعر الآن بأثر هذه السياسات وإن شعرت بها فشعورا نسبيا لا يخرجها في الجملة عن حال الرفاه ولكن أجيالها القادمة هي من سَيُكَابِدُ آلام هذه الصدمات الاقتصادية ، وهو ما يجعل الناس يخشون المستقبل الذي صار قاتم اللون فكلٌّ يخشى قَابِلَ أيامه فالاقتصاد قد انهار بما قارفت السلطة من جرائم الاحتكار والخصخصة الفجة التي لا تحقق مصالح الناس فتعظم فيهم أخلاق الشح والأثرة .... إلخ وذلك ، كما تقدم مرارا ، نجاح عظيم واختراق استراتيجي يحققه الاستبداد السياسي في حربه الضروس مع أي قوة في المجتمع فإفساد الأديان والأخلاق مع تضييق الأرزاق في جو من الإرهاب والقمع ، كل أولئك وَصْفَةٌ محكمة تحقق أغراضها من التحكم والسيطرة على أي مجتمع ، وفي إطار هذه السياسة المركبة من القمع السياسي والهدم الاقتصادي ، في إطارها يتم سحق الطبقة الوسطى ، فتلك سياسة الأنظمة المستبدة ، فالطبقة الوسطى لا بد من إفنائها أو احتوائها إن كان الاستبداد ناعما كما في الديمقراطيات الغربية الحديثة فإن خيار الحكومات في استعمال الصدمات العسكرية الصلبة خيار محدود جدا بل يكاد يكون معدوما لما تملكه هذه المجتمعات من ثقافة سياسية راسخة انتزعت حقوقها بعد ملاحم شهدها الغرب في أدواره الوسيطة وفي أطوار تكوينه الحديث وإن لم يجد فيها الرائد الناصح فإنه انتقل من استبداد صلب يقيد الحريات إلى استبداد ناعم يطلق الحريات بلا أي قيد إلا القيد الناعم الذي يضعه على الأفكار فهو يحسن يستعمل هذه الحريات في تحقيق مشاريعه السياسية والاقتصادية دون إثارة ضجة وهو يملك من فضاء الإعلام ما يشكل به العقل الجمعي الفكري والسياسي فاختيار الناس تحت قصف الإعلام يكون في الغالب فاسدا وإن روج الإعلام أنه الاختيار الصالح الناصح الذي يحمي المجتمع من الأخطار المحدقة به فهو يصنع العدو الاستراتيجي ، الشيوعي تارة والإسلامي أخرى ، وإن كان الإسلامي أخطر بالنظر في مآلاته البعيدة إلا أن الشيوعي كان أخطر بالنظر في مآلاته القريبة إذ نازع الغرب الرأسمالي السيطرة على العالم بل ونجح في التسلل إلى فضاءات تجاوره كما كانت حال الديمقراطيات اليسارية التي نشأت في أمريكا اللاتينية فضلا عن التجارب الثورية الصلبة في بلاد ككوبا وهو ما أثار حفيظة أمريكا وحملها أن تخطط للتغيير الصلب في أمريكا اللاتينية إبان حكم اليسار في الستينيات والسبعينيات فكانت سياسة الحرب الاقتصادية وهي استراتيجية لخصها الرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون في عبارة "لا بد من إنزال الألم بالاقتصاد" وكانت السياسة الأمنية فكان لرجال الاستخبارات المركزية الأمريكية دور كبير في التخطيط لهذا التغيير الصلب مع ما يكتنفه من انتهاكات جسيمة في مجال حقوق الإنسان ، كما ظهر في برنامج "كوندور" لتبادل المعلومات بين أنظمة القمع في أمريكا اللاتينية التي نجحت واشنطن في إقامتها فكان من أبرز صور الدعم لها ، الدعم الاستخباراتي الذي يَتَتَبَّعُ المعارضين السياسيين إبان تَنَقُّلِهم بَيْنَ الدول فيسهل تَوْقِيفُهم وتسليمهم إلى دولهم والبقية معروفة ! ، وهو ما يحرج الساسة أمام الرأي العام فلا بد من خطاب إعلام يبرر هذا الإرهاب فهو إرهاب رأسمالي يتذرع أنه يحارب الإرهاب الشيوعي الأحمر ! فالعدو قد طرق أبوابنا الخلفية والمعركة مَعَهُ معركة وجود تُجِيزُ للساسة والقادة تجاوز أي قيم أو مبادئ لا سيما إن كانت تخدم المصالح فهي نسبية تَتَفَاوَتُ ! ، وكان لأولئك الرجال من الاستخبارات المركزية الأمريكية دور كبير في التنفيذ ولو بالإشراف والتدريب فلم يلجئوا إلى الدخول المباشر في الحرب فذلك ما كان حاضرا في الأذهان بعد الانزلاق في فيتنام التي استدرجت إليها أمريكا فالدول في إطار ما يحصل بينها من تدافع إما أن تلجأ إلى الدخول المباشر في معارك على حدودها لتحفظها بما تقدم من مناطق عازلة تُنْشِئُهَا وإن لم ترغب في البقاء فيها مدة طويلة فحروب الاستنزاف تجهد أي قوة عسكرية منظمة فسرعان ما تنسحب إن وجدت البديل الوظيفي الذي ينوب عنها في إدارة الشريط العازل واضرب له مثالا بما صنع الكيان اليهودي بعد اقتحام الجنوب اللبناني فإنه لم ينسحب إلا بعد أن أمن الشريط الجنوبي بقوة وظيفية محلية من نصارى لبنان الذين تحالفوا معه فضلا عن بعض المسلمين الساخطين من اتساع نفوذ الفلسطينيين في الجنوب اللبناني ، فكان إنشاء جيش لبنان الجنوبي في 1976 ثم اتسع نطاق سيطرته بعد عملية الاجتياح التي عرفت باسم عملية الليطاني في 1978 ، فَشَكَّلَ وِجَاءً وقى الكيان اليهودي الخطر القادم من الشمال ، وهو ما يرجع بالكلام إلى شاهد تقدم وهو شاهد المناذرة والغساسنة فتلك دول وظيفية تابعة لا تملك استقلالا في قرارها بل غاية أمرها أن تحظى ببعض الاستقلال في قراراتها الداخلية التي لا تؤثر ولو على المدى البعيد على مصالح المراكز الحاكمة في فارس والروم وهي ، من وجه آخر ، منصات صراع بالوكالة في إطار الحرب الدائرة بين الفرس والروم ، قطبي العالم الرئيسين آنذاك ، فالحرب الباردة بين القطبين لا تَتَّسِعُ دائرتها فتصير مواجهة شاملة إلا في أضيق الحدود فذلك آخر الدواء ، وإلا فثم إجراءات أخرى تسبقها فثم خيارات كثيرة في حروب الفكر والسياسة والاقتصاد ، محل الشاهد ، أو الحروب العسكرية بالوكالة ، وهي ، في الغالب ، جبهات محدودة يستنزف فيها الخصم باستدراجه إلى الحرب في مواضع لا علم له بها فتكون الورطة إن نَزَلَ بأعداد كبيرة وتجهيزات ضخمة فيخوض حربا نظامية أمام مقاومة تجيد الكر والفر فهي تستنزفه وتجهده ، ومثال فيتنام الذي تقدم وفيه استدرج السوفييت أمريكا ، ومثال الجهاد الأفغاني وفيه استدرجت أمريكا السوفييت ، هذان المثالان مثالان قياسيان على حروب الاستنزاف للجيوش المنظمة بمقاومة تجيد حروب العصابات كَرًّا وَفَرًّا فلا يؤثر فارق التسليح الضخم إذ تجتهد المقاومة في تحييده فضلا أَنْ تَمْلِكَ من السلاح النوعي الخفيف ما يبطل آثاره فتحقق معادلة الردع الاستراتيجية ، والتسليح الثقيل في نفسه عبء كبير على الجيوش المنظمة ، فهو عبء في الإمداد والتموين والتدريب والحركة على الأرض ، فالدول ، كما تقدم ، إما أن تدخل مباشرة في معارك على حدودها أو في فضائها الإقليمي ، وإما أن تَنْقِلَ الحرب إلى ميدان بعيد فهي تبادر بالهجوم فهو خير وسيلة للدفاع ، وذلك سلاح ذو حدين قد يوقعها في فخ الحرب بالوكالة كما تقدم في مثال فيتنام والجهاد الأفغاني إذ انتقلت آلة الحرب الثقيلة فقطعت مسافات كبيرة ، مع عظم التكلفة والمشقة وارتفاع وتيرة الخسائر البشرية والمادية ، واضرب له مثلا الآن بتورط إيران في جبهات عدة في الشرق وهي تظن أنها تحقق مكاسب جيوسياسية وذلك ما قد يصح بالنظر في الحال القريبة ولكن المآل البعيد قد يفضي بها إلى حال من الإجهاد والإنهاك لا سيما مع ما تشكو منه من أزمات اقتصادية وما يعتري جبهتها الداخلية من تململ ، وهو ما يجعل هذه الدول تلجأ في أحيان أخرى أن تصطنع وكلاء يَنُوبُونَ عنها ، إن في حراك عسكري مفاجئ فيكون الاستيلاء على السلطة في زمن قصير بإجراءات صدمة تَتْرَى لا تقتصر على الصدمة العسكرية وإن كانت هي الأظهر ، وإنما يكون ثَمَّ من الصدمات السياسية والاقتصادية ما يشل أركان المجتمع ، فذلك الوكيل الذي يتراوح ، كما تقدم ، فإما أن يكون الوكيلَ في هذا الحراك المفاجئ قصير المدى ، وإما أن يكون الوكيلَ في حراك عسكري طويل المدى كما يقع الآن في بلاد الشام ، فكل خصم في هذا الصراع قد اتخذ مجموعة وظيفية عسكرية تَنُوبُ عنه ، إن بطريق مباشرة أو أخرى غير مباشرة فهي ماكرة توظف الفاعل على الأرض دون أن يشعر ، فقد نجحت في اختراقه استخباراتيا أو فكريا وذلك الأخطر ثم راحت توظفه ميدانيا ، فأمريكا قد اتخذت الأكراد مجموعة وظيفية نائبة عنها ، وروسيا قد اتخذت النظام وميليشيات إيران الداعمة مجموعة وظيفية تناجز الأولى ، كما يظهر الآن في المعارك الدائرة في شرق سورية فثم هدف معلن وهو ، بداهة ! ، القضاء على الإرهاب والتطرف فهو العنوان الرئيس لأي حرب في الإقليم وربما في العالم ! ، وثم صراع بين الخصمين ، فقوات النظام التابعة لروسيا تدخل في اشتباك مع قوات سورية الديمقراطية التابعة لأمريكا في واقعة نادرة ! ، وكلا الطرفين يقصف المجموعة الوظيفية التابعة للآخر ثم يعتذر فهو خطأ غير مقصود ! ، مع تحريك بعض الجبهات المتطرفة ! أن تضرب الخصم ، فيتم التواصل التكتيكي معها لتحقيق بعض المآرب الميدانية مع أنها ، كما تقدم ، الهدف المعلن ! ، وتركيا قد اتخذت من الجيش الحر مجموعة وظيفية على حدودها الجنوبية ولكنها الأضعف أَثَرًا مما يجعل تركيا تلجأ إلى التحالف مع الخصم الأقل ضررا فهي في معرض المفاضلة بين السيئ والأسوإ ، فتختار التحالف مع روسيا وإيران والنظام ، ولو بشكل غير مباشر ، فهو أخف الضررين ، وهي ، كما تُنَوِّهُ بعض التقارير ، حليفٌ لكلِّ من يقاتل الأكراد عدوها الأخطر والأقرب على حدودها ، وهو ما جعلها تَتَقَارَبُ في هذه الآونة مع طهران لا سيما في ملف الاستفتاء في كردستان العراق ، فهي ، كما تقدم ، حليفٌ لكلِّ من يقاتل الأكراد أو يعارض طموحهم في الاستقلال فعلائقها الطيبة مع كردستان العراق لم تمنعها أن توافق طهران فتشاركها المخاوف والاعتراضات على استفتاء الاستقلال وإن تغايرت الأهداف فهدف تركيا ، كما يقول بعض المحللين ، عراق موحد قوي ، وهدف إيران عراق موحد أيضا ولكنه ضعيف تحت سيطرتها ! ، والمعارضة قد بدأت تسرب وجهة نظر لا أكثر لبعض منصاتها ! ، فهي لا تعارض بقاء رأس النظام الحالي بعدما قارف من جرائم ! ، وهو رأي محل استنكار حتى الآن ! ولو في الظاهر حتى تألفه الأسماع وتستسيغه النفوس فيكون ناتج الحرب الضروس بقاء النظام ورحيل بعض رموزه في عملية سياسية ناعمة ! ، وإجراء بعض التغييرات الشكلية مع إضعاف البلاد بصيروتها مناطق نفوذ تجعل الفيدرالية خيارا مطروحا وتجعل التقسيم واقعا على الأرض بين القوى المتنفذة إلا العرب السنة بداهة ! فيتم استنساخ صورة العراق ولكن بتكاليف أكبر وحرب أشرس إذ كان النظام في دمشق أقوى وأرسخ فكان اقتلاعه في إطار إعادة رسم خرائط المنطقة ، كان اقتلاعه أعسر ، والسنة الكونية قضت بزواله لما قارف من الجنايات وليس ذلك مما يُحْتَجُّ به على مخالفة سنن الشرع في إدارة هذا المشهد وهو أمر لم يسلم منه فصيل شارك إن في السياسة أو في الحرب ولعل شؤم ذلك ما أفضى إلى هذه النهاية المحزنة لا على الأنظمة الجائرة فهي ذاهبة لا محالة فذلك سنن التكوين الذي لا يتبدل ولكن مخالفة الشرع وتعاظم الحظوظ النفسانية في الجاه والرياسة فضلا عن عِظَمِ الغفلة التي دخل منها الخصم فاخترق وتلاعب وما كان له ذلك لو كانت النفوس يقظة وما كانت لتستيقظ إلا أن تخلص القصد وَتُحَرِّرَ ولكن حظ النفس قد غلب في مواضع كثيرة فكان شؤمه في هذه النتيجة ، فلعبت المجموعات الوظيفية القتالية دورا كبيرا في إدارة الصراع ، كما هي الحال في المجموعات الوظيفية السياسية والاقتصادية والإعلامية في إطار هذه الحرب المركبة ، ومن أبرز أذرعها الفاعلة ذراع الإعلام ، وإن كان ناعما فخطابه كلمات ولكن أثرها في الخارج عظيم فهي الذريعة الأخلاقية التي تحول الحرب الجائرة إلى قضية عادلة ، فهي معركة الوجود وهي الحرب المقدسة ، حرب الحرية ضد الطغيان ، كما ينقل بعض الصحفيين عن بعض جنرالات الأرجنتين بعد الاستيلاء على السلطة في 1976 بآلة الحرب الصلبة ، فكان مقاله الصارخ ! : "نحن نحارب منكري الوجود وعملاء الدمار الذين يشكل التقويض هدفهم الوحيد ، وإن كانوا يموهون ذلك بفتوحات اجتماعية" ، فذلك غطاء الحرب على الإرهاب الماركسي الأحمر ، وهو نفس الغطاء الذي يستعمل اليوم في الحرب على الإرهاب الإسلامي المتطرف الذي صار لغة ذائعة في خطاب السياسة في الأطراف ، فاستبدل العدو الإسلامي بالعدو الماركسي ، ولم تتغير السياسة الأمريكية ، فقد دعمت بالأمس المجموعات الوظيفية التي انقضت على الإرهاب الماركسي في أمريكا اللاتينية ، وهي مجموعات قد بلغت من الابتذال والتبعية حدا فاق الوصف ! ، حتى قال الرئيس روزفلت وهو يصف رئيس نيكاراجوا الحليف له ! ، الجنرال سوموزا ، إنه ابن كلبة ولكنها كلبتنا التي تحقق مصالحنا ! ، وكان ذلك الجنرال يغار إن لجأت أمريكا إلى غيره فقال يوما يشكو جفاء أمريكا ! إنه تعامله كالزوجة القديمة التي زهد زوجها فيها فلا تعاملة كالخليلة الصبية التي تشغل قلب العاشق ! ، فهو يروم أي دور ولو زَانِيَةً يَطَؤُهَا الرجال سفاحا ! ، وتلك حال تشبه إلى حد كبير حال أنظمة كثيرة في الشرق في هذه الآونة ، فالجميع يتهافت أن يكون كلبة أمريكا وخليلتها التي تكافح نيابة عنها التطرف الإسلامي هذه المرة ! ، ولم يكن في قاموس أمريكا آنذاك من الاعتدال ما يجعلها تغض الطرف عن أنظمة اشتراكية لا تنتحل الشيوعية بل إنها تحاربها فترسل رسائل تطمئن أمريكا كما صنع رئيس بنما العميد عمر توريخوس فَرَامَ الدخول في صَفْقَةٍ يقاسم فيها أمريكا الربح فهو يريد لبلاده حظا من الرخاء لا يتعارض مع سياسات واشنطن بل يخدمها في مكافحة الشيوعية فلم يشفع ذلك له عند أمريكا ، إذ لم يكن ، كما تقول بعض الموسوعات ، فاسدا كما ينبغي وفساد المسئولين الكبار شرط رئيس في اختيار أمريكا لرجالها ليسهل الضغط عليهم وابتزازهم بما تمتلكه من ملفات الفساد والدعاوى الجنائية الجاهزة فهي تتحرك إذا أبدى التابع بعض الممانعة أو انتهى دوره وحان أوان التخلص منه ! ، فكان اغتيال العميد توريخوس في 1981 إذ لم يكن ، كما تقدم ، فاسدا كما يَنْبَغِي ، فأمريكا تَرُومُ تابعا مستسلما ينقاد فلا تَرُومُ ندا وإن كان دونها فلا يخرج عن سياستها ، ولعل ذلك ما تمثله الآن تركيا التي خرجت من وصف التابع المطلق وإن لم تبلغ وصف الند الكامل فلا تروم الخروج عن سياسة واشنطن ولكنها تروم تعديلا لقواعد اللعبة السياسية لا يقوض أركان النظام الدولي ، فَتَرُومُ حظا أوفر في إطار التغيير الحاصل الآن في خريطة القوى الدولية ، فلا بد من إعادة هيكلة ، ولو جزئية ، كما ظهر في خطاب الرئيس التركي في الجمعية العامة للأمم المتحدة فهو يبدي امتعاضه من النظام الدولي في صورته الحالية وإن لم يشر إلى تقويضه أو استبدال آخر به وإنما يروم إصلاحا يخفف من مركزيته الشديدة التي استأثرت فيها خمس دول فقط بقرار السياسة الفاعل بما تملك من حق النقض والعضوية الدائمة في مجلس الأمن فهي الدول التي اكتسبت شرعيتها السيادية أنها القوى التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية فعقد التأسيس عقد الغلبة بالقوة الصلبة وهو ما يُبِينُ عن طبيعة هذا النظام الدولي الشرس ! ، مع اختيار عشر دول تلعب دور الكومبارس في هذه المسرحية ! ، فَيَرُومُ الرئيس التركي توسيع هذه الدائرة لتشمل قوى ناهضة كبلاده ، وهو ما لا يُرْضِي بداهة ، واشنطن وبقية الأعضاء الدائمين وربما كان ذلك سببا أن يلقى الرئيس التركي مصيرا يشابه مصير رئيس بنما العميد توريخوس ! ، لا سيما بعد فشل الانقلاب العسكري في يوليو من العام الماضي ، فثم الآن إجراء عسكري يَرُومُ استدراج تركيا إلى حرب عصابات تستنزفها ، والاغتيال آخر حلقات المؤامرة إن فشل التضييق السياسي والاقتصادي والانقلاب العسكري بعده فآخر الدواء في عالم السياسة المعاصر هو الاغتيال ، والنظام الدولي يغض الطرف ، كما تقدم ، عما تقارف الأنظمة الخادمة في الأطراف من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بذريعة مكافحة الإرهاب والتطرف ، فالدوائر الاستخباراتية الفاعلة تدرك أن حديث هذه الأنظمة عن الإرهاب حديث مبالغ فيه ، ولكنه يحقق أغراض المركز في القضاء على أي بؤرة معارضة لمصالحه وإن لم تهدد نظامه الدولي المحكم فارتضت أن تعمل تحت سقفه راضية بما سن من قواعد اللعب فلا يؤمن جانبها مع ما تُقَدِّمُ من تنازلات إذ لم تبلغ حد الخضوع والانبطاح بل من بَلَغَ هذا الحد فلا بد من الضغط عليه أكثر لِعَصْرِهِ عَصْرًا ، كما يتندر بعض الفضلاء ، فلا بد دوما من أوراق ضغط تجعل الخصم وإن سلم ورفع الراية البيضاء يسارع في الانبطاح أكثر وإن عُصِرَ عَصْرًا لاستخراج أي مصلحة سياسية أو اقتصادية ، والدوائر الاستخباراتية آنفة الذكر تمارس من دعاية التخويف من الإرهاب والتطرف ما تمارسه الأطراف فهي تعلم قبل غيرها ! أن هذا الحديث كذب ملفق وأنه ليس إلا ذريعة لاستئصال أي مقاوم لا سيما إن بلغت المقاومة حد القوة المسلحة مع عدم التكافؤ فسرعان ما تقضي الأنظمة عليها ولكنها تجعلها في المقابل سببا لاستئصال أي مخالف ولو اضطرت في أحيان أن تصطنع بعض العمليات أو تسهل تَنْفِيذَهَا بغض الطرف عمدا لتكون ذريعة إلى إحياء الحرب على الإرهاب إن ماتت أو فَتَرَتْ فلا بد من تنشيطها وابتعاثها من جديد لتحقيق الأهداف السياسة والاقتصادية العظمى ! .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •