مما تقرر في خطابات السياسة في الماضي وفي الحاضر أن إسناد الأمر إلى الدين يعطيه الشرعية التي تغلف مصالح الساسة في تحقيق النفوذ وتوسيعه ، فكان شعار حملات الصليب ذات الأيديولوجيا الأحادية التي وضعها البابا جريجوري السابع ، كما يذكر بعض الباحثين ، فهي تقوم على إقصاء الخصم وإلغائه فلا تعايش ولا تهادن ، إلا في خطاب الظاهر إن اقتضت حال السياسة قدرا من المناورة فالحرب خدعة ، وكان انتخاب الساسة ، كما يقول بعض المفكرين ، كان على خلفية المزايدة الأيديولوجية التي تَسْتَفِزُّ في الإنسان غَرِيزَةَ الصراع على البقاء فالغذاء لا يكفي الجميع ، كما قال بعض ساسة الغرب لما سئل عن ارتفاع أسعار اللحوم والألبان فقال إن السبب أن أطفال الهند قد اعتادوا أكل اللحم وشرب اللبن ! ، وَتِلْكَ طَبِيعَة الرأسمالية الصلبة أو الليبرالية الجديدة ، فهي تُحَوِّلُ الْبَشَرَ إلى قُطْعَانٍ تخدم فهي مجموعات وظيفية يَنْتَقِي منها السادة حاشيتهم ، فإذا أُرِيدَ لهذا الفكر أن يَنْتَشِرَ فلا بد من تأصيل نظري سواء اتَّسَمَ بالطابع الديني أم بالطابع العلماني ، أم امتزج فيه الدين بالدنيا ، فصار نظرية في السياسة مُرَكَّبَةً ، لا يمكن الفصل بَيْنَ أجزائها ، وهي تأرز إلى رِكْزٍ دفين من الحقد على الخصم ، فثم خصومة تاريخية ما كانت لتحدث لولا أن تَرَكَ الناس من الدين ما يجب ويندب ، فذلك شؤم العدول عن الوحي الصحيح فيكون الرجوع إِلَى الوضع المحدث والصدور عَنْهُ فِي التَّصَوُّرِ والحكمِ ، فكانت حملات صليب في ظاهرها ، حملات نفوذ في حقيقتها ، وهي لا تخلو من تفرقة أيديولوجية لا ترعى في المخالف إلا ولا ذمة ، فالصراع الأيديولوجي قدر كوني ، فـ : (لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) ، فَتِلْكَ مَشِيئَةُ التَّكْوِينِ النافذة التي تَعُمُّ الخير فضلا والشر عدلا ، فَيَكُونُ الخلق لكلا الوجهين ، فكان الخلاف بقدر التكوين وهو ما حسن معه إسناد الفعل إلى عنوان الرُّبُوبِيَّةِ في "ربك" فهي مئنة من الخلق والتدبير ، فيكون خلق الأضداد من الأفكار والأيديولوجيات والأديان والشرائع والأخلاق ..... إلخ ، ويكون تدبيرها بالتدافع الذي به صلاح الأرض وإن وقع من فساد الحرب ما لا يخفى ، فإن الحكمة تَقْضِي بصالح أعظم يعتبر وإن حصل من الفساد الأصغر ما لا يعتبر ، فيكون التَّرَاجُحُ بَيْنَ المصالح والمفاسد ، فَالْعِبْرَةُ لِمَنْ غَلَبَ ، فلا يمكن إهدار ما قد وقع في الخارج ، فإرادة جَمْعِ الناس على قول واحد أمر يَتَعَذَّرُ بقدر الكون ، وإن كانت الدعوة إلى الحق المنزَّل أمرا يجب بقدر الشرع ، فيكون التلاؤم بين إرادة التكوين العامة وإرادة التشريع الخاصة ، فالأولى لا يخرج مخلوق عَنْهَا فَهِيَ أعم من هذا الوجه ، وهي تستغرق الخير والشر فهي ، أيضا ، أعم من هذا الوجه ، فكانت الحكمة الكونية في التَّغَايُرِ ، وكانت الحكمة الشرعية في التدافع ، فكان الأمر بِالْمُصَابَرَةِ ، فالأمر بالصبر اللازم في المصائب الخاصة ، والأمر بالمصابَرَةِ في المصائب العامة ، فالنازلة تخص تارة وَتَعُمُّ بها البلوى أخرى ، فجاء الشرط الذي يفيد بالطرد والعكس ، وهو مئنة من التَّلَازُمِ الوَثِيقِ على حد الدَّوَرَانِ وجودا وعدما ، فثم تلازم بين الحكم والعلة ، فالأحكام تدور مع الأوصاف الجالبة لها وجودا وعدما ، طردا وعكسا ، والشرط يفيد بالمفهوم ، أَنْ لَمْ يشأ الرب ، جل وعلا ، ذلك فلم يخلق الناس أمة واحدة ، وإنما خلقهم على أنحاء ليكون الابتلاء بالتدافع ، ويكون الأمر بالتَّعَارُفِ على وجه يحصل به من نُصْرَةِ الحق وإقامة العدل ولو في المخالف ما به صلاح الدين والدنيا ، فكان تعارض الأيديولوجيات مادة تغتذي بها الصراعات لا سيما مع شح النفوس على وجه تعظم به الأثرة ، وهو ما اصطلح بعض الفلاسفة أن يسميه "الكل من أجلي" ، فَالْمَبْدَأُ واحدٌ وَالْمُنْتَهَى كذلك ! ، فلا فرق بين عالم وجاهل ، بين شريف ووضيع ..... إلخ ، فإذ كان الأمر كذلك فكانت النهاية واحدة ، وكانت نهاية الأبد فلا نشور ولا مبعث ! ، فإذ كان الأمر كذلك فلا يليق بعاقل أن يضيع لحظات اللذة متذرعا بحكمة في الشرع أو العقل فهي تحول بَيْنَهُ وَبَيْنَ لذاته التي لا يمكن استدراكها بعد فواتها ، فلا عليه أن يَتَلَطَّخَ بأقذار الشهوة وأن ينحط في دركات الهمجية لينال متعة لحظية تَفْنَى ، فليس بعد اللحظة أخرى ، وليس بعد الدنيا دار بعث ليجازى الناس بما عملوا ، وإنما هي دار واحدة حرم منها من ادَّعَى الورع والعقل فلم يَظْفَرْ بلذاتها فهي مُنْتَهَى السؤل إذا لم يكن ثم دار أخرى فما استفاد صاحب الورع في هذه الدار إلا الحرمان وما أعظم خيبة العاقل فضلا عن المؤمن الكامل إن لم يكن ثم بعث آخر ! ، فلو لم يأت الوحي له ذاكرا لكان العقل عليه دليلا فهو ضرورة في العقل إذ لا يستوي من أحسن ومن أساء ، ولا يكون العدل ، ولو قيمة مطلقة ، لا يكون في هذه الدار وإن اجتهد من اجتهد أن يتأوله ، فلا يقام منه إلا نذر يسير ، وإن حصل به لأهل الإيمان تمكين ، وهو ، مع ذلك ، أمر لا يتصل زمانه بما قضى به الرب ، جل وعلا ، من سنة التداول ، فالعقل يدل ضرورة على دار أخرى تُسْتَوْفَى فيها الحقوق وَيُقْتَصُّ فيها للمظلوم من الظالم أن عجز الأول أن يدرك حقه ، وذلك ما لا يصح التَّذَرُّعُ به أن يُنْتَقَصَ من جناب الشرع بإبطال سنن الجهاد ، فيكون الاستسلام أَنَّ ذلك قدر تكوين نافذ فلا يخالف عنه إلا عاص جاهل ! ، فالانقياد له وشهود مقامه والفناء فيه هو درجة العرفان ، وليس ذلك مما يكون به إيمان صحيح ناصح من كدر الشرك فتلك كانت حجة الأولين ، فـ : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) ، فاحتجوا بقدر التكوين على مخالفة قدر التشريع وذلك خطأ في الفهم عظيم ، وجهل بالوحي شنيع ، فإن القدر ، كما قرر أهل الشأن ، يحتج به في المصائب التي لا يطيق العبد لها دفعا ، فليس ثم سبب يباشره ، وليس ثم طريق يسلكه ، أو ثم من الأسباب ما يصح ، إن في الكون أو في الشرع ، فلا يكون الشرك ، من وجه آخر ، أن يُجْعَلَ ما لم يجعله الله ، جل وعلا ، سببا ، أن يُجْعَلَ سببا ، أو يباشر العبد سببا دون آخر ، فيباشر سبب الشرع إذا مرض فهو يدعو الله ، جل وعلا ، أن يشفيه ، ويهدر ، مع ذلك ، سبب الكون ألا يَتَعَاطَى من الدواء ما يَنْفَعُ بإذن الرب المدبر ، جل وعلا ، الذي وضع في الدواء قوة الشفاء ، فكان ثَمَّ ارتباط وثيق بين العلة والحكم إن في التشريع أو التجريب ومنه التطبيب ، فعلم بالتجربة والحس ، والبحث والنظر الذي تَتَرَاكَمُ مادته شيئا فشيئا حتى يكون من البحث الجديد ما يُظْهِرُ من سنن التكوين ما كان خافيا ثم ظهر ، على وجه واطأ خبر الوحي في مواضع ، فكان من إعجاز الأخبار بجمل من الغيوب منها غيوب الآيات النفسانية ، فكان من إعجاز الإخبار في أمور الطب والزراعة والصناعة ...... إلخ ، ما به أرى الخالقُ ، جل وعلا ، المخلوقَ السننَ الذي يحمل العاقل أن يؤمن بدار الجزاء لا أن ينكرها ويجعل غايةَ الإنسان غايةَ الحيوان ، فلا يروم إلا شهوة الحس وإن أزرت بالدين والمروءة والعقل ! ، فلا يروم إلا ما ينعش الحس الظاهر دون الجنان اللطيف الباطن ، وهو مناط العناية عند كل عاقل وإن لم يكن مؤمنا إيمان الرسالة فهو ، على أدنى تَقْدِيرِ ، يَرُومُ من الثناء والحمد ما يستحسن كل عاقل فمن ذا لا يروم ذكرا في الدنيا حسنا بعد موته أن يحمده الناس على صنائع المعروف ، وإن كان ذلك ، من وجه آخر ، مما لا يحسن بالعاقل فضلا عن المؤمن أن يقصر الهمة عليه ، فهمة المؤمن تجاوز هذه الدار ، وإن كان الذكر الحسن فيها من عاجل البشرى فَلَيْسَ البشرَى التامة التي لا تُنَالُ إلا في الدار الآخرة ، دار الحساب والجزاء الأوفى ، فكان من طريق العقلاء أن يكبحوا الغرائز وأن يلجموها بحكمة الشرائع التي تصحح القوة العلمية تصديقا بخبر الصدق ، والقوة العملية امتثالا بحكم العدل ، فلا يهيمون ، كما يقول بعض فلاسفة اللذة من حكماء الصين ، ولهم ، كما يقول بعض الباحثين ، لهم في هذا الأمر باع يطول ، وإن كان إلى العقل المجرد يأرز فلم يخل من نشاط في النظر والتفكر يحمد في مواضع أن وافق الوحي فيها ، وإن لم يكن ذلك اسْتِنَادًا إلى نظرية في الْمَرْجِعِيَّةِ تجعل الوحي رائد العقل وهاديه فلا يكذبه ولا يغشه فهو ناصح يخلص القول من شوب الكذب والخداع ، فلا يقارف من دعاية التزيين لما قبح ، والزخرفة لما بطل ، ما يقارف شيطان الإنس والجان ، وداعي النفس التي لا يلجم أهواءها العلمية وشهواتها العملية إلا الوحي المنزَّل فهو ، كما تقدم مرارا ، المرجع المحكم الذي ترد إليه متشابهات الأهواء والأذواق ومتعارضات الأفكار والأيديولوجيات فكلها يروم انتحال الحق ، وكلها يزعم أنه الدليل الصحيح الناصح على نظرية الأخلاق الإنسانية ، وهي من المعضلات الفلسفية التي اختلف فيها فلاسفة المدرسة الواحدة على أنحاء ، كما تَقَدَّمَ ، من خلاف رجالات الفلسفة الصينية ، فكان منهم من جعل اللذة غاية وإن انحطت بصاحبها إلى دركة الحيوان فلم يعد يشعر بوخز الضمير والفطرة فضلا عن حكم يلزمه في الشرعة فيكون النظر الْأَسَدُّ إلى يوم العذاب الأشد ، ويكون الإيمان بالبعث فَلَوْلَاهُ لصدق قول من دعا الناس إلى إطلاق الشهوات من عُقُلِهَا ، وطلب اللذات من سُبُلِهَا ، حَلَّتْ أو حرمت ، فليس بعد لحظة اللذة إلا الحسرة ! ، فقد اشتغل صاحبها زمانا يطول أن يتخلق بنظر العقل وعفة النفس ، فحرم نفسه مما لم يحرمها الجاهل فهو خير منه وأعلم ، فما استفاد العالم إلا أن أزرى بنفسه فَحَجَبَ عنها ما يَسُرُّ وإن كانت عاقبته مما يضر ، فقياس العقل ، من وجه آخر ، يقضي أن لذة الحس العاجلة لو سُلِّمَ أنها الغاية وأن لا دار وراء هذه الدار تُبْتَغَى فيها لذة أكمل ، فإن قياس العقل يقضي أن لذة الحس لو أعقبها من الندم والألم ما لا يقتصر على الروح والضمير فَقَدْ يعدم وخز الضمير بما ركز في النفس من فطرة أولى وُلِدَ الناس عليها فكانوا على جادة من التصور والحكم والأخلاق لا يحيد عنها إلا زائغ بما ورد عليه بعد ذلك من الوارد المبدِّل لفطرة الخلق الأول ، فلا يقتصر الألم على الروح والضمير فقد يَتْلَفَانِ بما يعالج من شبهات تَنْقُضُ أصل الدين الجامع ، أو شهوات تَنْقُضُ كماله الواجب ، فلا يقتصر الألم على الروح والضمير فلا وخز إذا وُرِيَ جثمان الحياء الثَّرَى فذهب مع من ذهب ، فلا يقتصر الألم على معادن النفس اللطيفة وإنما يجاوزها إلى أركان البدن وآلاته ، فالإفراط في اللذات وتعاطي المحرمات مما يؤذن بانحلال الجسد وضعفه فتذهب قوته وتزول حشمته بما يكون من تهافت ، فذلك من العقاب العاجل أن تذهب حشمة العبد إذا قارف ما يغضب الرب ، جل وعلا ، فَتُنْزَعَ من نفسه الحشمة والهيبة ، وَيُنْزَعَ من جسده القوة والصحة ، فلا يُرَى إلا ذليلَ النفس ضعيفَ البدن ، فالنفس قد خبثت والجوارح قد ضعفت وذلك ، كما أثر عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ذلك من شؤم العصيان والحيدة عن جادة الإيمان ، فالعاقل ، وإن لم يكن بالبعث والنشور مؤمنا ، العاقل لا يرضى أن تزول هيبته من النفوس فذلك مما جبلت على حبه النفوس ، وإن لذة وهم يروم صاحبها تعظيم الناس وتوقيرهم ، ولو بذل لأجل ذلك ما بذل من أسباب ، سواء أكانت ترغيبا فهو يستميلهم بماله وإحسانه ، أم ترهيبا فهو ينتزع منهم آيات التعظيم والتوقير بحد السيف ! ، بما استجمع من أسباب القوة فظن بها غنى وحظوة تجعله فوق الناس فهم له الخدم والحشم ، وهم دونه في الوصف والقدر أن لم يُخْلَقُوا على هيئته أو يكونوا على طريقته في الفكر والنظر ، فيكون التدافع الذي تقدمت الإشارة إليه ، ولا يحوز العبد فيه الحق الذي يُرْضِي الخالق ، جل وعلا ، وَيُنَجِّي المخلوق ، لا يحوزه إلا أن يسلك جادة الوحي فيكون رائده في المنشط والمكره ، في العلم والعمل ، في اللذات حُسْنَ سياسة للنفوس أن تَنَالَ منها ما يستصلح البدن ويجمه أن يستأنف من الخير ما ينفع في دار البقاء التي لا فناء بعدها ولا زوال بما قضى به رب العباد ، جل وعلا ، فـ : "يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ" ، فأي عاقل يضحي بآخرة كاملة طلبا لدنيا ناقصة فانية ، ولو كانت لذتها أعظم وذلك ما لا يتصور بداهة إذ الحس يكذبه فإن لذاتها قد طُبِعَتْ على كدر ، فلا تخلص لصاحبها وإن اجتهد ما اجتهد أن يمحصها ، فلو كانت لذة الدنيا أعظم ، ولو من باب التنزل في الجدال مع الخصم ، ما حسن أن تقدم على لذة الآخرة ، كما يقول بعض المحققين ، إذ لذة الآخرة باقية بما جاءت به الحجة الباقية من نصوص أخبرت يقينا ، فواطأت فطرة النفوس فالآخرة ، كما تقدم ، ضرورة في العقل إن لم يكن لصاحب النظر حظ من النقل ، فلا ينكرها إلا جاحد أو مسفسط ، ولو تدبر الناظر لوجد أن من جحد هذه الدار ، كما قد ظهر في مقال يهود بعد التبديل وهو ما سرى ، ولو بعضا ، إلى مقال الإصلاح النصراني في العصر الوسيط فكان ثم تهذيب للعبارة لا أكثر ! ، فالجنة أو الدار الآخرة هي ملك خاص يحصل بعد نزول المخلص بسيف الحرب ليقتل الخصوم الوثنيين ، ويجمع النصارى واليهود في ملك لا يدوم ، فهو ألف سنة مما تعدون ، وتلك هي الجنة الموعودة فلا تغادر هذه الدار فليس ثم ملكوت في السماء ، فالمملكة قد انتقلت من السماء إلى الأرض أن تَأَثَّرَ هذا الإصلاح بمقال يهود ، وهو مقال بَدَّلَ من الوحي أصولا ، فلا يكاد الناظر في مأثوره المتأخر الذي عبثت به أيدي الأحبار ، في الأخبار والأحكام جميعا وذلك لازم سبقت الإشارة إليه مرارا ، فلا ينفك فساد التصور العلمي يحصل منه في الخارج فساد الحكم العملي ، فلا يكاد الناظر في مأثوره المتأخر يجد لليوم الآخر ذكرا ، وقل مثله في الشيوعية إذ أنكرت ملكوت السماء فليس إلا الأرض فهي نهاية الخطب ، فلا دار بعدها إلا ما اقترح رهبان السوء ليسكنوا آلام الناس إذا ظُلِمُوا فلا يَنْتَفِضُونَ طلبا لحقوقهم المسلوبة وَانْتِصَارًا لكرامتهم المنقوصة ، فكان من شؤم التبديل لنص التنزيل ، أو شؤم التأويل لمعانيه بحمل ألفاظه على وجوه تحقق أَغْرَاضَ السادة من أرباب الكهنوت والسياسة ، كما تقدم من مادة الدعاية الصليبية الأولى فوضع البابا جريجوري السابع أيديولوجية الكره الذي يأرز إلى الصليب رمزا ، مع أنه بزعم من ينتحله عقدا ، مع أنه رمز الفداء المقدس بالإله أو ابنه فَقَدْ تحمل من الآلام ما تحمل رجاء الخلاص فافتدى النوع الإنساني كله أن تألم من أجله أعظم الأجل ، فتلك معان من البذل والتضحية لا توافق أيديولوجية جريجوري السابع وإن استعمل الدين مادة ، فقد استعمله مادة إثارة لغرائز الكره والقتل ، وإثارة لغريزة التوسع في النفوذ والملك ، فكان لكل مدعو من الدعاية ما يلائمه على وجه لم يخل من التلون ، فلم يكن ثم غاية إلا النَّفْعِيَّةُ العاجلة باسم الدين أو السياسة ، فخطاب المبادئ لمن يؤمن بها مع إذكاء نار التعصب والحقد أن عظم الهوى والجهل ، فالنفس تفارق خاصة البشرية وتقارب خاصة الحيوانية الغرائزية في القتل والاغتصاب وانتهاك الحرمات إذ عظم جهلها ولم تخل من تقصير في طلب الحق فكان أن قيض لها الرب ، جل وعلا ، من شياطين الإنس من يغذي فيها خاصة التعصب فَزَيَّنَ لها من زَيَّنَ ذلك باسم الدين تارة ، واسم المصلحة السياسية النفعية أخرى ، وكان من فساد المحل ، جهلا وهوى يظهر أو يخفى ، فلا ينفك ، وإن جاهلا ، من هوى في النفس بما كان من تقصير في طلب العلم الصحيح الذي يحسم مادة الأهواء والشبهات ، ويهذب مادة اللذات والشهوات ، وخطاب المصالح في المقابل لرجالات السياسة والحرب فهم يَسْخَرُونَ من خطاب الكهنة إذ يدركون حقيقته وفحواه فليس خطاب الورع كما يظن العامة ، فلا يحركهم خطاب العاطفة ، وإن صادقة ، فكيف بأخرى كاذبة يُظْهِرُ صاحبها من الورع ما لا يُبْطِنُ من الجشع ، إن جشع الحس في اللذات وفضائح الكهان لا زالت تَتْرَى إلى يوم الناس هذا ، أو جشع النفس في تحصيل أسباب الرياسة فتلك شهوة تعظم جنايتها ويدق وصفها فلا تكاد تفارق قَلْبًا ، وإن قلب صديق ، فكيف بالزنديق سواء أزعم الديانة أم كان من أرباب السياسة ، فالجميع قد سلك جادة النفعية العاجلة وإن كساها بَعْضٌ لحاء الديانة الكاملة فعظم بها الشؤم ما لم يعظم بصريح العبارة السياسية البراجماتية التي تبلغ في أحيان حد الاتساق التام مع النفس ! ، فهي تكفر صراحة باليوم الآخر ، وتجحد الصانع الأول ، كما قد صنعت الشيوعية ، وذلك ما يجعل الحياة الدنيا هي الفردوس الأعلى ، وذلك ، كما يقول بعض الباحثين ، قياس صحيح لو لم يكن ثم آخرة ، فصاحبه قد طرد مقاله فلم يجعل الدين ذريعة لِيُبَرِّرَ كفره ، وإنما جهر بالكفر والخصومة لكل دين لا سيما دين الوحي الخاتم ، فهو العدو الأعظم لكل منهاج أرضي محدث أو آخر سماوي قد بُدِّلَ فهو الذي جاء يصدق السماوي المحفوظ بما أوجب من توحيد المعبود ، جل وعلا ، في الذات والوصف والفعل والحكم فلا يحكم إلا هو : إِنْ أمر التكوين النافذ ، وهو ، كما تقدم ، أوسع دائرة من أمر التشريع الحاكم ، فهو الحكم في كلا النوعين ، وإن زاد أحدهما عن الآخر ، فكان بينهما من العموم والخصوص المطلق ما يدل عليه صحيح النظر ، فإن كل ما وافق قدر التشريع مما امتثل العباد في الإثبات والنفي في الأمر والنهي ، كل أولئك لا يكون إلا بقدر تكوين نافذ أن يسر الرب ، جل وعلا ، لهم من أسبابه ما أجرى وخلق فيهم من التصور الصحيح ما كانت به محبة الخير وإرادته فعلا وبغض الشر وإرادته تَرْكًا وذلك ما ظهرت آثاره في الخارج على حد التلازم الوثيق بين الإرادة في الباطن وتأويلها في الخارج في القول والعمل ، في الفعل والترك ، فكان قدر التكوين الذي عم كل أولئك بل وعم طاقة الفعل في الجارحة وعين الفعلة الكائنة ، فالرب ، جل وعلا ، خالق كل شيء بإرداة التكوين النافذة مشيئةً لا راد لها ، فيدخل فيها كل ما كان من تصور أو إرادة أو قول أو عمل ، ما ظهر وما بطن ، مما يوافق إرادة التشريع الحاكمة فكانت إرادة التكوين أعم من هذا الوجه ، فكل ما شاءه الرب الخالق ، جل وعلا ، يقع ، وليس كل ما شرعه الرب الحاكم ، جل وعلا ، يكون ، بل يكون منه بَعْضٌ وافق إرادة التكوين النافذة ولا يكون منه آخر لم يوافقها ، فالوحي ، من هذا الوجه المحكم ، هو الخطر الأعظم على كل منهاج باطل ، سماويا مبدلا أو أرضيا محدثا ، فلا يداهن المناهج الفكرية والأيديولوجيات السياسية الخارجة عن سلطان الرِّسَالَةِ ، وإن وافق بعضها في أوصاف ، فقد شاطر الوحيُ الشيوعيةَ مبدأ العالمية فكلاهما ينبذ القومية الضيقة فطرحه عالمي يستغرق كافة الأمم فكانت الشيوعية ، لو تدبر الناظر ، كانت في المذاهب والأفكار ، كالوحي الخاتم في الأديان ، فكلاهما يروم العالمية ، فوجدت الشيوعية من الحرج ما وجدت ، أن كان ثم من الدين ما يفضح دعايتها فقد ألصقت جناية الاستبداد بالأديان ، فَنَقَضَ الدين الخاتم هذه الدعاية ، فهو عالمي لا يميز بين أبيض وأسود ، كما الشيوعية تزعم أنها لا تفرق بين خاص وعام ، بين مالك وعامل وفلاح ، أو هكذا تزعم فإنها أهدرت الحرية أن رامت العدالة وَلَيْتَهَا أحسنت تحدها في النظر والتطبيق بل لم تدرك منها إلا المساواة التامة من كل وجه ، وذلك عين الجور في مواضع لا تحصى ، إذ الاختلاف في الأوصاف الجالبة للأحكام لا يكاد يحصى ، فكان العدل أن يُعْطَى كل وصفٍ ما يليق به من الحكم ، طردا وعكسا ، فكان من حكمة الوحي ما زاد على حكمة الشيوعية ، فهو عالمي لا يفرق بين أتباعه ، حقيقة لا دعوى ، فلا يسلب الرياسة من نخبة ليضعها في طبقة تستبد وتطغى حتى تصير نخبة بديلة تحظى بالامتيازات والمكاسب بل إفسادها أعظم إذ تَشَرَّبَتِ الحقد فهو رائدها في التغيير ، كما يقول بعض المنظرين الشيوعيين ! ، وذلك فقه في التغيير عجيب يُفْضِي إلى حال من الاحتراب بين طبقات المجتمع فلا يستقر إلا تحت حكم صارم يستجيز من سفك دماء المخالف ما تجري به الأنهار تحقيقا للعدالة والمساواة وإلغاء لاصطلاح الدولة وإن استعمل من أجناسها أعظمها استبدادا واستخفافا بحقوق الناس لا سيما حق الحياة فما أسرع ما تسفك الدماء في أنظمة الحكم الشمولية ، كالأنظمة الشيوعية ، ما أسرع ما تسفك بتهمة الخيانة العظمى لقيم الثورة فيكون تطهير الصف الثوري أولا بأول حتى لا يكاد يَبْقَى منه أحد إلا واحدا صار هو الإله الذي يُشَرِّعُ ، والملهِم الذي لا يخطئ فهو نظير الملك في الأنظمة الملكية التي تزعم الشيوعية أنها قد ثارت للقضاء على استبدادها ! ، والشيوعية ، مع ذلك ، تجد في الوحي خصما عنيدا لا يمكن ترويضه ، بل بديلا صحيحا لا يمكن إبطاله ، فقد احتوت بَقِيَّةَ الأديان أن حصل فيها من التبديل ما أهدر نظرية السيادة فسهل دخولها في سيادة الحزب الحاكم أو اللجنة المركزية خلافا للشرعة السماوية فإنها تحرص أشد ما تحرص أن تحرر نظرية السيادة والعبودية فلا تكون إلا لرب البرية ، جل وعلا ، فعظمت جناية من وَظَّفَ الدينَ الخاتمَ أن يكون عضدا للمستبد الجائر فأعطى الشيوعية مثالا شائها لا يمت للوحي بصلة ، أعطاه هذا المثال ليتذرع به فَيُلْحِقَ الوحي الخاتم بِبَقِيَّةِ الأديان فكلها ذريعة إلى الجور والاستبداد والوحي من ذلك براء فهو براء من كل مستبد ومن كل عالم سُوءٍ يحالف ملوك الجور فيعطيهم من الشرعية الدينية والأخلاقية ما تَسْكُنُ به ضمائرهم إن كان لهم ضمير ينبض بحياة ، وما يُطَوَّعُ به الناس ألا ينكروا على الظالم لئلا يُنْبَزُوا أنهم على طريقة الخوارج ! .

فَكُلُّ أولئك ، من لفق آخرة توافق هواه كآخرة الملك الألفي أو كفر بالآخرة جملة وتفصيلا ، كل أولئك لم يغادروا فطرة النفس أن تروم حالا من الكمال تكون بها السعادة التامة ، فآخرة الملك الألفي نُزُولُ المخلِّص بالسيف حاكما ألف سنة من اللذة وبعدها الفناء فلا بعث ، وآخرة الشيوعية حال من الذيوع في الأموال والأبضاع ..... إلخ تلحق أصحابها بالبهائم مع تحلل مسمى الدولة واضمحلال مصلح السلطة الحاكمة وصيروة الناس هملا يعبثون ، فلا يؤمنون بآخرة ولا بعث ، فكانت العبثية التي أنكرها رب البرية ، جل وعلا ، في قوله تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) ، فأبطل هذا الاستفهام مذاهبَ تقارب ما تقدم من مذهب اللذة المطلقة بلا حشمة ولا وقار ولا تعظيم لشرائع أو أخلاق ، فأبطل من مذاهب الفلسفة ما زعم أن الله ، جل وعلا ، قد خلق الكون ليلعب ، أو خلقه وأجراه على سنن محكم ثم تَرَكَهُ وشأنه فهو يتحرك بما ركز فيه من القوة الذاتية فيدبر أمر نفسه بنفسه فلا مرجع في التكوين وذلك ما يسهل على أرباب التشريع المحدث أن يضاهوا بالشرعة المنزَّلة أخرى محدثة ، إذ لا مرجع في التشريع ، أيضا ، فطردوا القياس فلا رب يخلق ولا إله يشرع ، أو الرب يُوجِدُ فقط بلا خلق تدبير فليس له من التشريع ما يضاهيه ، وذلك ما كان ذريعة في أعصار تلت أن تَنْزع من الوحي مرجعية الحكم المجاوز من خارج ، فليس ثم ما يجاوز الكون من خارج فهو يدبر أَمْرَهُ بقوة الذات ، وأهله يضعون من الشرائع ما يوافق أهواءهم وأذواقهم بقوة العقل أو الحدس أو الكشف ...... إلخ من المصادر المحدثة التي ضاهى بها أصحابها الشرعةَ المنزَّلة ، فكان لكلٍّ من الآخرة آخرةٌ يضاهي بها آخرة الوحي وتلك طبيعة النفس التي خلقت لتعتقد وتفعل لا لتنكر وتترك ، ولو جحدت الجحود التام فذلك في نفسه دين تعدل عن الوحي إليه ، فلما عدلت عن آخرة النبوات مالت إلى أضدادها الدائرة من الآخرات المحدثات في الأديان والمذاهب .
ولو لم يكن ثَمَّ وحي لصح مقال من تقدم من فلاسفة الصين أن جعل اللذة غاية تحمد ولو ذهبت لأجلها الحشمة وضاع الوقار فضلا عن فساد الأخلاق والأبدان ، فكان من صحة القياس ألا يَشْغَلَ الإنسان نفسه بأخلاق أو مروءة فذلك مما يُضَيِّعُ عليه لحظات اللذة المحرمة أو الزائدة فضولا يضر ولا ينفع ، بل لو تدبر الناظر إن سَلَّمَ للمخالف ما وجد في هذه اللذة ، كما تقدم ، إلا خروجا عن حد الفطرة فلا يكون إلا ألم الروح الباطن وألم البدن الظاهر ، فذلك من عاجل العقوبة ، فضلا أن العاقل ينال من هذه اللذات ما ينال الجاهل ، وإنما فارقه العالم بكمال العقل ، فَلَهُ ، كما يقول بعض المحققين ، له نصيب من لذة الحس التي يشاطره الجاهل إياها وليس للجاهل من لذة العلم وحشمة الأخلاق والفضائل ما انفرد به العالم ، فقياس العقل على كل حال تُرْضَى وإن كان صاحبها مقصرا في باب الإيمان بالرسالة فاقتصر على أدلة العقل ، قياس العقل أن يحمد من تَرَفَّعَ عن لذات الحس ما لم يبلغ حدا من الزهد يضر ، وأن يذم من كانت غايته في الدنيا إشباع غرائزه قبل فوات الدنيا فما مضى من لحظاتها لا ينقضي ، وذلك حق ، ولكن الأولى أن تعمر هذه اللحظات بما يجده صاحبها في صحائف الأعمال .

وكان من تباين الأمم في الأفكار ، وإن في القبيل الواحد ، كان من فلسفة الصين ما اصطلح أن يسمى الطاوية ، وهو يذم النظر والعمل ويجعل القعود والكسل فضيلة فَيُضَاهِي ، من هذا الوجه ، مقال الجبر الذي أحدثه فئام انْتَسَبُوا إلى القبلة ، فجعلوا السلبية وعدم الشروع في الأسباب مئنة من كمال الاستسلام لرب الأرباب ، جل وعلا ، أن وافقوا قدره الكوني فشهدوه وَفَنَوا فيه ، وليس ذلك الشهودَ والفناءَ المحمود ، وإنما يحمد منه ما وافق المشروع أن يقف على حد الخبر تصديقا وحد الشرع امتثالا فيشهد القدر الشرعي لا أن يقتصر على القدر الكوني فضلا أن يجعله ذريعة تصحح الخروج عن الحكم الشرعي .

وثم من جعل الأصل في الإنسان الشر فهو الذئب الذي لا يلجم شهواته إلا قانون صارم فغلب على هذا الجنس من الفلسفة طابع الجلال ولم يكن ثم اتزان يبلغ بصاحبه حد الكمال الذي يستجمع الجمال والجلال مَعًا ويحسن يضع كُلًّا في موضعه الذي يلائمه .

وَثَمَّ من رام الخير فبلغ بعض ما بلغ الوحي ولكنه لم يصب معدن الحق أن انطلق من الأرض ، فكان عقله هو المرجع فأصاب في مواضع تحمد ، ولكنه لم يصب من الحق المحكم ما لا سبيل لدركه إلا سلوك جادة الوحي المنزَّل .

فكل أولئك من الاختلاف في الأفكار والأيديولوجيات الذي ختمت به الآية أَنْ : (لَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) ، فلم يجعلهم ، جل وعلا ، بقدر التكوين النافذ ، لم يجعلهم أمة واحدة ، فالجعل هنا مئنة من الخلق إذ تعدى إلى مفعول واحد ، وجاء الخبر يُبِينُ عن قدر التكوين ، فخلقهم مختلفين بما قضت به سنة التكوين النافذة أن يكون ثم تدافع بين الأضداد والمتغايرات على وجه يعظم به الثناء على رب البريات ، جل وعلا ، وجاء الاستثناء ، فشاء أن يَرْحَمَ من عباده مَنْ رحم فكان على قدر التشريع وذلك ، كما تقدم ، لا يخرج عن قدر التكوين النافذ فيجتمع في المحل الواحد إصابة كلا الوجهين ، التكوين والتشريع ، وتلك أكمل الأحوال ، ومن ثم جاءت الإشارة التي ترجع إلى أقرب مذكور على وجه ، فخلقهم ليرحمهم بالنظر في قدر التشريع ، وإن لم تحصل الرحمة لهم جميعا بالنظر في قدر التكوين فلا تعارض ، أو هي مما تعددت مراجعه فَخَلَقَ بعضهم للخلاف بقدر التكوين على وجه لا يخلو من مصلحة تَعْظُمُ مفسدة الخلاف فكانت الحكمة في خلق الشر عدلا أن استخرج به ، جل وعلا ، من الخير ما يرجح ، وخلق بعضهم للرحمة بقدر التشريع أن يصدقوا ويمتثلوا ، وكلا التأويلين ، لو تدبر الناظر ، يصح ، وبه يستأنس من يجوز دلالة العموم في المشترك إذ السياق واحد وقد دل على أكثر من معنى يصح في نفس الآن على وجه يحسن فيه الجمع إِثْرَاءً له بالمعاني الصحيحة التي تواردت على لفظ واحد .

ومن ثم ختمت الآية بما قد يرشح الوجه الثاني أن ثَمَّ منهم من خلق للاختلاف ، فكانت عاقبة من خالف الوحي الخاتم فكفر أو جحد أو اقترف من ناقض الدين ما به يذهب أصل الإيمان الجامع ، كانت عاقبته جهنم التي جاء الخبر يُبِينُ عنها كلمة ربوبية نافذة ، فهي كلمة تكوين ، ولا تخلو إضافتها إلى عنوان الربوبية من تلاؤم بين أجزاء الكلام ، في : (شَاءَ رَبُّكَ) ، و : (رَحِمَ رَبُّكَ) فذلك الجمال من وجه ، و : (كَلِمَةُ رَبِّكَ) فذلك الجلال من آخر ، فأضيف الجميع إلى عنوان الربوبية وذلك مما يلائم المعنى فضلا عما تقدم من استواء أجزاء الكلام ، فكلها أفعال ربوبية ، فجاءت الكلمة الكونية التامة ، فكان الإجمال ثم البيان على حد التوكيد بالقسم : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) ، فاللام داخلة على الجواب فدلت على القسم المحذوف فضلا عن دلالة توكيد على حد الابتداء ، وزد عليه نون التوكيد المثقلة في "لأملأنَّ" ، وثم استغراق لشطري القسمة في باب التكليف : الجنة والناس ، فضلا عن الإطناب بالحال "أجمعين" فذلك ، أيضا ، مما يزيد المعنى تقريرا وتوكيدا ، فتمت الكلمة الكونية في هذا السياق لقرينة الجلال في قوله تعالى : (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) ، وتمت الكلمة الشرعية في آية الأنعام في قوله تعالى : (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ، لقرينة الصدق والعدل ، فصدق في الخبر وعدل في الحكم وهما مظنة التكليف بالشرع على وجه تصح به القوة العلمية الباطنة بكلمة الصدق ، والقوة العملية الظاهرة بكلمة العدل .

وقد يقال ، من وجه آخر ، إن الكلمة في آية الأنعام تحتمل كلمة التكوين النافذة لقرينة النفي في قوله تعالى : (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) ، فلا مبدل لكلماته الكونية النافذة ، وأما الكلمات الشرعية فمنها ما قد بُدِّلَ سواء أبدل لفظه نطقا أو خطا ، أو بدل معناه تأويلا بعيدا أو باطلا ، ولم يخرج هذا التبديل عن كلم التكوين ، وقد يصح الحمل على كلا الوجهين : الكوني النافذ بالنظر في دلالة النفي المجرد ، والشرعي الحاكم بحمل النفي على إنشاء النهي أن لا تُبَدِّلُوا كلمات الله ، جل وعلا ، الشرعيات بتكذيب أخباره أو تعطيل أحكامه .

والله أعلى وأعلم .