كتاب "في ظلال القرآن" ، كتاب طوقت شهرته الآفاق ، وصاحبه ، رحمه الله ، يمثل طرحا ممانعا يعكس هوية هذه المنطقة ، هوية السنة ، كحاضنة فكرية وشعبية وَكَمُكَوِّنٍ رئيس يشكل الأغلبية المطلقة ، فهم ، باستقراء التاريخ ، حائط الصد الأقوى ضد أي غزو وافد ، لا سيما في الجانب الفكري ، فهم ، بالنظر في المجموع ، من حَفِظَ الهدي الأول فسلك جادته وإن حاد عنه المتأخرون في مواضع كثيرة ، إن في العقيدة أو في الشريعة ، لا سيما مع انهيار الحكم الإسلامي المركزي الجامع ، وهو ما أفضى إلى تفتت الكيان الواحد ، وظهور مشاريع تجديد وإصلاح لها ما لها وعليها ما عليها ، فهي ، على أدنى تقدير ، قد ذَكَّرَتِ الناس بالمجد التليد ، لا تذكير العواطف والبكاء على الأطلال ، فذلك من جملة ما ابتلي به الشرق الذي يجيد لغة العاطفة ما لا يجيد لغة العقل ، فيكون تذكره الماضي بكاءً على الأطلال وَمَرَاثِيَ تسير بها الركبان ، ولا يكون ثم استلهام واستمداد من هذا الماضي الزاهر ليكون رائدا في مستقبل واعد يسترد به الوحي صدارة الدنيا ، فكان من أعظم ما فُتِنَ به بعض من تَبَنَّى خطاب التجديد في العصر الحاضر ، أن أصابه السأم والملل من كثرة المراثي دون أن يرى لها تأثيرا في الحاضر فصار الرجوع إلى الماضي من هذا الوجه مما يعرقل السير فلا يستفيد صاحبه إلا بكائيات توقد العاطفة ، ولها دور رئيس في بعث النفوس من مراقدها ، فعاطفة الإيمان وحرارته واستحضار أمجاد الماضي مما يعزز الثقة بالنفس أن هذه الأمة ليس كَمًّا مهملا كما يقول أعداؤها ، وليست عالة على غيرها بل هي أمة ذات حضارة مستقلة ، فأصولها تمتاز من غيرها أنها وحي منزَّل لم تعبث به أيدي البشر ، وهي ، مع ذلك ، قد أضافت بعقلها ما وافق نقلها ، فكان الوحي خير رائد لها أن تُبْدِعَ وَتَبْتَكِرَ في أمور المعاش ، فضلا عن دقة الفهم ورسوخ القدم في الفقه ، فكان لها من مادة التصور ما صحت به قوة العلم والنظر ، وكان لها من لسان البلاغة ما أحاط بوجوه البيان فظهرت ملكة العقل ، وهو منطق الباطن ، في تصور المعاني واستنباط الأحكام ، وأجاد الفقهاء تدوين هذا الإرث الهائل من الاجتهاد ، فكانت العبارة التي اعتضدت بالدليل فهو رائد الفقيه أن يستنبط ، فكان للعقل قاعدة راسخة من الوحي المحكم انطلق منها ينظر ويتدبر ، ويقيس ويعتبر على أصول من الفهم والنطق بلغت الغاية في البيان والإيضاح ، فجمعت الفصاحة والبلاغة ، وكان فيها زاد عظيم تَعَدَّى نَفْعُهُ فلم يقتصر على استنباط الأحكام الشرعية وإنما كان معيارُ الوحي في طرائق الاستدلال والبيان معيارًا عقليا يفيد الناظر في جميع العلوم ، فهذا نظر في ماض زاهر وتاريخ ناصع حمل لواءه أهل السنة ، فهم ، باستقراء التاريخ ، النواة الصلبة لجميع مشاريع التجديد والمقاومة التي اصطبغت بصبغة الوحي ، رائد هذه الأمة وباعثها الأوحد أن تقوم وتنهض ، فكل ما وفد بعد ذلك من اتجاهات الفكر يسارا أو يمينا ، لم يسفر إلا هزائم عسكرية وأزمات اقتصادية إذ كان الحل من خارج ، فَلَئِنْ كان يلائم الخارج ، فَلَهُ سنن يخالف عن سنن الأمة الخاتمة التي أنيطت بها وظيفة لم تنط بغيرها فإنها ما أخرجت لنفسها ، وما كانت غايتها في الدنيا أن تأكل وتشرب وتلعب ، ولم يكن تحصيل أسباب القوة المادية في نفسه غاية ، فليست إلا وسيلة ، وإن في أشد المذاهب مادية ، وإلا صار الناس إلى عدمية وعبثية تظهر آثارها في هذا العصر الذي غاب فيه الوحي ، حتى صار اختراع آلة القتل وتطويرها غاية تُرَادُ لذاتها فغرور القوة قد أصاب العقل في مقتل ، فلم يعد يحسن ينظر في الغايات الشريفة ويتدبر المآلات لما يقارف من جناية العبث ، وإن دق نشاطه وأبهر إنتاجه التقني نفوسا أصابتها الهزيمة ، فهي تنظر في الوافد أنه الرائد القائد ، إذ قد غفلت عن أصول حضارتها التي لا تفقه أحكامها إلا أن تنظر في الماضي نظر الحكمة والعقل ، لا نظر البكاء والعاطفة آنف الذكر ، فقد كان ذلك فِتْنَةً صرفت الناس عن الماضي التليد فَتَوَهَّمَ من تَوَهَّمَ أن التجديد هو نبذ الماضي فهو سبب القعود والكسل ، فليس إلا اجترارَ ماضٍ كاذب ! ، فأنكر من أنكر تاريخه وراح يَتَنَصَّلُ منه تارة ، ويعتذر عنه أخرى ، فليس إلا تاريخا استعماريا بغيضا كسائر تاريخ الإمبراطوريات ، فاجتزأ من المشهد ما يوافق رأيه ، ولم ينظر في السياق كله فهو تيار فكر وسياسية وحرب يَتَدَفَّقُ ، فلا يقرأ التاريخ وحدات منفصلة يجتزئ الناظر منها ما يشهد لقوله ، فيكون تفسير التاريخ انتقائيا ليثبت نظرية قد اعتقدها أولا ثم راح يفتش عن دليل يشهد لها ، كما يصنع مقلدة الفقه ومتعصبوه ، فإنهم ينظرون في اختيار المذهب وقول الإمام ثم ينظرون في الأدلة بعد ذلك ، فمحلها ثان بعد اختيار المذهب ! ، فيفتشون في الأدلة عما يشهد لمذهبهم ، فإن وجدوه فَخَيْرٌ فهو نافلة بعد الفرض ! ، وإن لم يجدوه صحيحا تكلفوا التفتيش لعلهم يظفرون بأي أثر يشهد لقولهم ، ولو ضعيفا أو منكرا ، فكثر في كتب المتأخرين الذين غلب عليهم التقليد ، كثر الاستدلال بالضعيف وربما الموضوع ، لا أنهم تقصدوا الكذب على صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وإنما قعدت النفوس أن تطلب الأدلة فركنت إلى مدونات المذهب وجعلت حفظها واستظهارها ولو مجردة من الأدلة ، جعلوا ذلك غاية الطلب فصار كتاب المذهب هو المفتي الذي ينقل المقلد منه نقل الحافظ للحروف المضيع للمعاني والحدود فضلا عن جفاء في الأدلة فلا يكاد يقيم دليلا من الوحي على قوله بل ولعله لا يحسن ينتفع بأصول الاستدلال ووجوهه من قياس وعرف ومصلحة ..... إلخ ، فليس له من الملكة إلا الحفظ والاستظهار دون الفقه والاستنباط فلا يستحق لقبا يزيد على لقب المقلد ، فضلا أن يزيد في الحد فيبلغ حد التعصب فلا يعلم قولا في المسألة إلا قول إمامه ، فإذا وجد ما يخالفه غضب وتعصب فانتصر للمذهب ما لا ينتصر للحق المنزَّل ، فهو يعتقد الصواب المطلق في قول الإمام الذي ما قال ذلك في نفسه بل جعل قوله صوابا في ظنه يحتمل الخطأ فهو يفتي بما ترجح عنده بعد النظر في الأدلة التي بلغته بإسناد صحيح ، فربما رد دليلا يخالف إن كان عنده ضعيفا فذلك اجتهاده فلم يَرُدَّهُ أنه يخالف قوله ، وإنما كان نظره ابتداء نظر المتجرد الذي يجمع الأدلة قبل النظر ، فيجتهد يحرر ألفاظها الصحيحة ، فَيَرُدُّ منها ما ضعف في نظره ، وإن كان صحيحا في نظر غيره ، وربما كان قول غيره هو الحق فبلغه اللفظ من طريق صحيحة لم تبلغ الأول ، أو ظهر للثاني من قرائن الصحة ما لم يظهر للأول ، فَضَعَّفَ الخبر أو توقف في قبوله أو كان له من معيار الاحتياط ما يزيد ، فرد به بعض الصحيح ولم يرده الآخر ، فثبت عنده ما لم يثبت عند الأول ، أو كان للثاني من وجوه الاستدلال ما يرجح الأول فقاس أو استنبط ما لم يقسه الأول أو يستنبطه ، أو أحسن يستعمل مقاصد الشرع في تقرير الفتوى على وجه يصح فلم يتذرع بالمصلحة الحادثة أن يخالف عن نص الشرعة النازلة ، وإنما جعل الوحي رائده في النظر فما اعتبر فهو المعتبر وما أهدر فهو المهدر فلا يتقدم بين يديه بل يجعله الرائد الذي يهديه فلا يكذبه فكل أولئك مما أوصى به الأئمة الأوائل وغفل عنه المتأخرون الذين انتسبوا إلى الأوائل نسبة لا تخلو من نظر فهي نسبة المقلد الجامد لا الفقيه النابه الذي يحسن يجدد أصول هذا الدين فهو ينظر في أدلته المحكمة ويحرر ألفاظها ومعانيها وَيَنْتَفِعُ بنصها على الحكم أو اشتمالها على العلة فيكون ثم من عقل المعنى الذي يَتَعَدَّى إلى غيره ما ينفع المفتين في نوازل السياسة والحرب والاقتصاد فذلك ما ينفي شبهة البكاء على الأطلال ! ، على وجه تضيق به نفوسٌ لم تَتَضَلَّعْ من الوحي الخاتم ولم تَتَشَبَّعْ بقيم التاريخ الزاهر ، فلم تجهد أن تطلبه من مظانه المحققة ، وإنما اكتفت بشوارد كتبها فلان أو فلان ممن له غرض فهو يجتزئ من التاريخ ما يشهد لقوله أو مذهبه كما صنع كارل ماركس فقد رأى أن حركة التاريخ حركة مادية رائدها الصراع على الموارد وآلات الإنتاج ، فهو صراع الإقطاع مع الطبقات الكادحة ، فاقتصر الأمر عنده على صراع البطن والفرج ! ، فلا يجاوز حاجة الحس على وجه يفضي أن تكون الدنيا غابة يتصارع فيها الوحوش على الغذاء والنكاح وتصير القوة هي معيار الفصل المحكم فلا رائد من قيم ولا مبادئ ، فالعقول غايتها أن تبتكر آلات القوة القاتلة التي تجعل لها في السياسة وزنا إذ صارت سياسة النفع والانتهاز مع تقريرات جديدة لمفاهيم كالحرية فاللذة غاية ولو على حساب جماعات تُقْتَلُ وأمم تُبَادُ ، فلا مانع أن تَفْنَى شعوب بأكملها في الأطراف لِتَنْعَمَ شعوب المركز بِثَرَوَاتِهَا فالشعوب الفقيرة الحقيرة لا تستحق ما عُدِنَ في أرضها من الثروات ، فغايتها أن تكون حارسة عليها نظيرَ ما يلقى إليها من فتات فليست إلا مجموعة وظيفية تخدم السيد في المركز ، فالأطراف ، عند التدبر والنظر ، قد تحولت بالتدريج إلى شركات أمن خاص تحرس مصالح المركز ، فصارت الأنظمة الحاكمة سوط عذاب يصب على الشعوب إذا أظهرت مقاومة أو ممانعة ، وصارت الأنظمة قطعانا من الموظفين الخاضعين الذين تشربوا قيم الرتابة والتقليد فلا رغبة في ثورة أو تجديد ، وإنما يتعلم أبناء الأطراف في مدارس أقامها المحتل ، يتعلمون فيها السمع والطاعة فهم أجزاء الجهاز الوظيفي الذي يدير مصالح المركز بكفاءة دون أن يكون له رأي فهو أداة تنفيذ لا إبداع أو تخطيط ، إذ لو كانت له ملكة إبداع لرام الاستقلال إذ يطيق الاستغناء عن المركز فقد بلغ فطام العقل وعنده من الموارد ما به يستقل ، بل المركز ، لو تدبر الناظر ، أشد حاجة إلى الأطراف من حاجتها إليه ، فلو استقلت ما وجد من الثروات ما به ينعم وما وجد من الخامات ما به تدار عجلة الصناعة في بلاده ، وهي صناعة موجهة لا تهدف إلا إلى الإثراء السريع ، ولا غاية لها إلا أن تكتنز من أسباب القوة المادية ما به تطمئن فقد سلبت غايات الحضارة الرشيدة كما يقرر نظار المركز إذ تَنَبَأَّ منهم من تنبأ بإفلاس هذه الحضارة الجديدة وإن امتلكت من أسباب القوة ما امتلكت فلا غاية لها إلا أن تكون الأقوى ويكون خصمها الأضعف ، فليس لها غاية أن تهدي الناس إلى قيم خير ورشاد فضلا أن تكون قيم وحي نَزَلَ من السماء وإن اجتهدت أن تكسو غاياتها المادية لحاء أخلاقيا فهي تبشر بقيم الحرية والإخاء والمساواة وتقرير المصير واستقلال الشعوب ..... إلخ ، فذلك ما تسكن به الضمائر لا سيما في الأطراف المشتعلة فما وفدت تحتل وتقتل وتنهب وتدمر ، وإنما وقع ذلك عرضا في إطار عملية التحديث والتطوير للأطراف فلا بد من هدمها ودكها على رءوس أهلها قبل الشروع في بنائها وفق أصول جديدة في الفكر والسياسة والاقتصاد على وجه يكرس التبعية فغايتها أن تكون فناء في الخلف يخدم المركز بكوادره المادية والبشرية ، فهو الذي يمده بخامات الصناعة والعمالة الرخيصة التي تمتهن الأعمال الحقيرة ، وإن نبغ فيها عقل فالمركز بإنتاجه أولى فعنده من آلات البحث الحديث ما يحقق طموح الباحث وعنده من أسباب العيش ما يغريه في مقابل ما يجد من تخلف الأطراف فالمركز يضع من القيود والخطوط والحمراء ما يحول دون تحول الأطراف إلى بيئات جاذبة للعقول والأموال .... إلخ من أسباب الحياة النافعة ، فالأطراف دوما طاردة للعقول تضطهد أي فكر يبتكر فهي لا تحتفي إلا بالساقط التافه فهو من أشد أسلحتها الوظيفية ، كما كانت الحال إبان الشيوعية التي أَنْسَتِ الناس الربَّ المعبودَ ، جل وعلا ، بما شجعت من الرياضات والفنون ، فكانت مجموعات الوظيفة الحقيرة التي ألهت الشعوب وخدرتها مع أن دعاية الشيوعية الرسمية أنها جاءت تكافح المخدرات الملكية ، مخدرات الدين والكهنوت الذي تحالف مع ملاك الضياع والقصور ضد الطبقات الكادحة ، فكان صراع المادة ، كما تقدم ، هو محرك التاريخ الرئيس الذي تحول إلى تاريخ البطن والفرج ! ، فلم يعد ثم قيمة من الحق لا سيما إن كانت من الوحي ، بل قد صار الوحي كله ، ما حفظ منه وما بدل ، صار الوحي كله من المخدرات التي تكافحها الشيوعية فهي آثار الرجعية التي تحالفت مع الإقطاع ضد حركة التاريخ وثورات التحرير ...... إلخ من الشعارات الجذابة التي أجهزت على الأديان والأخلاق ، وجعلت قيم الحزب المادية هي مستند السياسة والحرب ، فاستبدلت قيمها الأرضية بقيم الدين والكنيسة وهي خير من قيم الأرض ، وإن طالتها يد التبديل والتحريف فضلا عن التأويل الذي خدع الجمهور وَخَدَّرَهُ أن يُقَاوِمَ استبداد السلطة وما ذلك ، بداهة ، بدين صحيح نَزَلَ من السماء ، بل غايته أن تصح منه نصوص سلمت من التبديل قد صادرها رجال الكهنوت فكتموا منها ما كتموا ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) ، وزادوا فيها ما زادوا ، فـ : (وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) ، وتأولوا منها ما تأولوا أن يوافق أهواءهم وأهواء الساسة فكان استثمار الدين المبدَّل كمجموعة وظيفية مخدرة ، فجاءت الشيوعية بمخدر جديد ، فثم مجموعات وظيفية بديلة من الفنون والرياضات وثم صناعة ازدهرت لنجوم السينما والمسرح ..... إلخ ، وهي ، لو تدبر الناظر ، مجموعات خادمة لأي نظام يستبد ، سواء أكان استبداده ناعما أم صلبا فجا ، فتلك مجموعات وظيفية ناعمة تَنْضَمُّ إلى نظائرها من المجموعات الوظيفية الصلبة التي تحتكر آلة القتل ، فيكون الإفناء المركب ، إفناء الأديان والأخلاق والأفكار بمجموعات الحرب الفكرية ، وإفناء الأبدان بمجموعات القتل الوظيفية ، فذلك مجموع مركب استعمله الاحتلال المباشر ، فوفد بسلاح يقتل ويدمر ويقطع الأوصال فلما أخمدت روح المقاومة المسلحة لفارق القوة مع قعود الأطراف أن تأخذ بالأسباب ، فقد فشا فيها ، كما تقدم ، من التقليد والجمود ما جعلها صيدا سهلا ، فلم يعد ثَمَّ من جودة البحث ما يراه الناظر في تقريرات المتقدمين الذين ذموا التقليد ونبذوه فكان الدليل رائدهم وكان العقل تابعه الأمين فهو عضده الذي يُظْهِرُ من معانيه المحكمة ما يصلح الدين والدنيا ، فلم يكن الأمر حكرا على أبحاث الشرع ، وإن كانت هي الغاية العظمى ، عبادة وهداية ، فلا أشرف من هذا الباعث في نفوس الناس أن تكون حركاتهم وسكناتهم وإن في أمور الدنيا من السياسة والحرب والاقتصاد والابتكار أن تكون هذه الحركات والسكنات تحقيقا لغاية العبودية الحقة ، وإلا فعبوديات الباطل قد أفضت بأصحاب الحضارة في الأعصار المتأخرة إلى حال من العبثية والعدمية وعبادة الهوى والذات وتقديس القوة فهي السبب المشروع لاقتناص اللذات واستلابها من الخصم ، فالأقوى هو الذي يظفر بالفريسة فَيَلْتَذُّ بالتهامها وحده وإن زادت عن حاجته فثم غريزة أخرى تحركه وهي الأثرة والشح ، فلا يطيق أن يرى غيره قويا ، إذ يخشى أن يزاحمه السيادة وإن كان لها أهلا فعنده من أسباب الهداية من الأخلاق والديانة ما به يُخْلِصُ نصح البشر فقد ضلوا فَسَلَكُوا سبل الغواية فلم يَزِدْهُمْ ذلك إلا قلقا واضطرابا لانعدام الغايات العظمى الشريفة فهي ما رُكِزَ في فطرة الإنسان وبها حصل الفرقان بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحيوان الذي لا يعرف من أجناس الصراع إلا الصراع على الغذاء والنكاح ! ، فكان المركز أشد ما يكون حرصا أن يقطع أوصال الشرق بضربات عسكرية مباشرة اتسمت بالوحشية لإبادة أي نخبة تقاوم فتحمل السلاح ذبا عن الدين والأرض ، ولم يكن ذلك وحده يكفي بل لا بد من قوة ناعمة تعيد تشكيل العقول فتبث فيها من الأفكار ما يخمد روح المقاومة إن بالعداء الصريح طعنا وتشكيكا في الوحي ، أو بالالتفاف الناعم رغبة في استحداث دين جديد يتسم بالسماحة ، فهو جنين السفاح الذي يخرج من رحم التجديد الذي يضع معياره إما المركز ، ومجموعاتُه الوظيفية الفكرية الناعمة أعظمُ خطرا من مجموعاته الوظيفية العسكرية الصلبة فآلة القتل قد تحكم الأبدان قهرا ولكن سلطانها على الأديان لا يجاوز الرقم صفر ! ، فإنك قد تستطيع أن تُرْهِبَ البدن وَتُخْضِعَهُ ، ولكنك لا تطيق التحكم في القلب أن تجعله يرضى ما يسخط ، أو يحب ما يبغض ، أو يقبل ما يَرُدُّ ، فلا بد من مجموعة ناعمة تجعله يرضى طوعا بالتبعية الفكرية للمركز ، وإن باسم التجديد في الدين فتنزع مخالب المقاومة الصلبة والناعمة ، ويدجن أتباع الوحي باسم التجديد للوحي ! ، فلا بد من تخليص النصوص من كدر الإرهاب والتطرف ، ولا بد من إزالة الحاجز النفسي الذي يأبى صاحبه الخضوع للسيد في المركز فليس الإشكال في سادة الأطراف فعم عبيد يُسَيَّرُونَ فلا يملكون من الأمر شيئا ، وإنما غايتهم أن يستخدمهم المركز مجموعات وظيفية بها يحكم الأطراف لئلا تنتفض عليه أو تَثُورَ ثم يلقيهم في سلة النفايات إذا انتهى دورهم أو فسد طعمهم بتجاوزهم تاريخ الصلاحية السياسية ، فلكلِّ دورٍ من أدوار السياسة رجالاتُه ، ومن كان صالحا لكفاح الشيوعية قد لا يكون كذلك في كفاح الوحي ! ، فكان مشروع التجديد الذي رام المركز إتمامه في الأطراف ، فقد يأس من القضاء المبرم على الوحي فكان العدول إلى سبيل أخرى يستنسخ بها جنينا شائها قد مسخت صورته وأطرافه وأطلق عليه زورا اسم التجديد والإصلاح فقطعت صلته بالماضي الزاهر فليس ، بزعمها ، إلا ماضيا بغيضا من الاحتلال والاستعمار والتخلف فهو سبب النكبات المعاصرة مع أنها ما وقعت إلا في ظل أنظمة التقدم والتجديد التي أقصت الوحي وسخرت منه وسلطت عليه آلتها الصلبة والناعمة وجهدت ما لم يجهد المركز أن تستأصله من وجدان الشعوب ، بالحديد والنار تارة ، وبالفيلم والمسرحية والمقال ..... إلخ أخرى ، فَنُبِزَ الوحي أنه سبب الإشكال فهو معدن التطرف والإرهاب ! ، وذلك خطاب التجديد الرسمي ، وهو ما واكبه خطابٌ آخر يصب في نفس القناة الْمَسَمَّمَةِ وإن تظاهر أنه خارج سيطرة الدولة ، فلا يَنْفَكُّ يَعْقِدُ معها من الصفقات السياسية والمادية ما يجعله وَسِيطًا غَيْرَ محايد في صفقة تَبْدِيلِ الوحي وتحريفه ، وانساقت بعض النفوس المهزومة ، وإن كان لها من نية الخير حظ ، انساقت تحت ضغط الهزيمة الفكرية والسياسية ، فراحت هي الأخرى تنطق بما ينطق به أولئك ، وجعلت رائدها نفس المصادر التاريخية المشبوهة فضلا عما يحصل في النفوس من النوايا المدخولة إعجابا بالرأي وطمعا في الظهور والاشتهار بالغرائب ، ولم تكن إلا نقلا من كتب الخصوم وتقريراتهم ، فقد فسروا تاريخ الإسلام تفسيرَهم لتاريخهم فاستعملوا نفس المعيار المادي ، وكان الانتقاء في الاستدلال باختيار مواضع من التاريخ تشهد لنظريتهم في السياسة والحرب ، فكان اجتزاء مشهد من تيار تاريخ يتدفق ، فضلا أنه قد يكون انحرافا طارئا يجعله الناظر أصلا مطردا ، وقد يزيد فيه من ضعيف الروايات ، بل قد يكون الخبر ابتداء مما كذب وَاخْتُلِقَ وإنما وقع الناظر في الفخ أن لم يكن له زادٌ من الوحي ينفع ، فحاله كحال المقلدة الذين يذمهم فقد قلت بضاعتهم من العلم المحقق ، وهو معرفة الحق بدليله الصحيح واستدلاله الصريح ، فاكتفوا بالتقليد ، وكذلك حال من يزعم التجديد وليس له من الوحي رصيد فلم يُجَاوِزْ أن يكون مقلدا فهو يستمد الوقائع من كتب يزعم أصحابها التجرد في الحكم ، والموضوعية في البحث ، وقد دسوا فيها السم في العسل ، فمهدوا بما قد يخدع الناظر من كلمات المدح الزائف ، وكان في كلامهم حق كثير يخدع الناظر الذي يحسن الظن بتلك القامات الفكرية ! ، فضلا عن الهزيمة النفسية فهو ينظر إليهم نظر القزم إلى العملاق ، فالمنتصر هو الذي يكتب التاريخ وهو الذي يضع معيار التفسير والحكم ، والمهزوم يَتَلَقَّى لا أكثر ! ، فكل أولئك مما طعن به المركز الأطرافَ في أشرف ما تملكه من إرث دين وفكر ، فهو معدن حضارتها التي صارت تخجل منه وتعتذر عن أخطائه ، فليت الفاتحين ما حملوا السيف الهادي لئلا ينبزنا المركز بالهمجية والتوحش ! ، وذلك أمر لا يَنْقَضِي منه عجب الناظر ، فالتاريخ المسطور فضلا عن الحاضر المشهود دليل يحسم هذه الخصومة ، فكان لكلٍّ من الفتوح الحضارية ! ما استعملت فيه القوة العسكرية ، وكان لكلٍّ من الملاحم ما به ظهرت أخلاقه وغاياته ، وكان لكلٍ من آثار الخير أو الشر في الأمم المفتوحة ما شهد به التاريخ ، أيضا ، فهو الحكم العدل في هذه الخصومات ، وهو ما يجعل الناظر يستيقن أن أي تجديد في هذه الأمة يخالف عن الوحي ، إرثها التليد ، أن أي تجديد يخالف عن الوحي فهو التخريب بعينه ! ، وهو ما يجعل الناظر يحسن يفرق بين مجدد السلطة ومجدد الشهرة ومجدد الأمة الذي لا يقبل مساومة ، فالأمر أمر دين لا يحتمل أنصاف الحلول ، ولا يمكن ، ولو في إطار التأصيل الفكري ، أن يكون ثم تَنَازُلٌ بذرائع من قبيل فصل الدعوي عن السياسي ..... إلخ ، وإنما غاية المناورة أن تكون تكتيكية في مشاهد جزئية هي استثناء لا يقاس عليه فلا ينقض لأجله الأصل ، وحال مجدِّد من هذا النوع أن تجتمع عليه الخصوم فهو خطر يهدد الجميع ، وإن على تفاوت ، فلا بد من إخماد صوته وإخفاض ذكره فلا يذكر إلا بسوء ، ولا يكون النظر في تراثه إلا انتقاء من جنس ما تقدم ، فيكون التصيد للخطأ والاجتزاء بِبَتْرِ الألفاظ وانتزاعها من سياقها ، فتيار الأفكار كتيار التاريخ ، متصل لا ينقطع ، فلا يجتزئ المنصف في البحث أن يحكم دون أن يستقرئ الاستقراء التام أو الغالب ، فلا يكون مستنده كلمة قرأها أو سمعها ، فضلا أن تصدر من الخصم فهو متهم ! ، فَغَرَضُهُ الرئيس أن يشوه العظيم ، وتلك حال القزم الحقير فإنه لا ينفك يروم إذلال العظيم أن يستعطفه ويطلب العفو فَيُشْبِعَ في نفس الذليل شهوة الاعتزاز بالإثم ، فلو كان عزيزا ما تكلف أسباب العزة وإنما يدرك يقينا حقر ذاته ودناءتها فلا يرضى أن يجاوره شريف النفس إذ يفضح وضاعته ، فلا مكان لشريف في مشهد كهذا فهو إما قتيل أو سجين أو مطارد ، والطاغوت في الماضي وفي الحاضر يشتد في مطاردته واضطهاده ولا يزيده ذلك إلا كمدا لما يَرَى من إباء واعتزاز بالحق فليس ذلك مما يألف الذليل الذي يعطي الدنية في النفس والدين ، وحال صاحب الضلال ، رحمه الله ، وقد أعدم في هذا اليوم من إحدى وخمسين عاما ، 29 أغسطس 1966م ، حاله على ما تقدم خير شاهد ، فإن عقلا كهذا العقل النابه الذي خرج من رحم حضارة إرثها إرث السنة رصيد هذه الأمة فلا يخرج فكر يجدد الهوية عن هذه الحاضنة السنية التي يستهدفها المركز في هذه الآونة بما يسلط عليها من الأقليات التي يعطي لها من فسحة السياسة والحرب ما يجعلها سوطا يصب على الأكثرية فضلا عما اصطنعه المركز من نخب حاكمة مدنية أو عسكرية ، ملكية أو جمهورية ، يسارية أو يمينية .... إلخ فكلها على اختلاف مشاربها وتناقض مبادئها كلها قد أجمع على وأد أي صحوة إن في الفكر أو في الحرب فلا كتاب هادي ولا سيف ناصر فهما هدف السلطة الأول وهما هاجس المركز الرئيس وهو بهما أفقه فقد حاربهما قرونا طويلة في حملات تترى فعلم ما لم يعلم المتأخرون بل قد علم ما لم يعلم كثير من أتباع الوحي في الأعصار المتأخرة ممن قصر الخصومة على خصومة سياسة أو اقتصاد ولا تخلو الخصومة من ذلك ولكنها أعراضٌ وروافد فليست جوهر الخصومة ، وإنما جوهر الخصومة ما أبان عنه طرح كطرح صاحب الظلال ، فقد حسم ، كما يقول بعض الفضلاء ، إشكالَ الهوية فكان طرحه حاسما لا يعرف المداهنة أو المهادنة في وقت اشتد فيه الصراع فلا تجزئ فيه تقية قد تُضَيِّعُ الأصول وتخدع الجمهور فلا تُبِينُ له عن حقيقة الصراع في وقت حاجة ماسة لا يجوز تأخير البيان عنه فهو حتم لازم ليدرك كل عاقل أين تخطو قدمه ، فذلك صراع الوحي والجاهلية التي أحسن صاحب الظلال ، حدها فلم يقصرها على جاهلية قريش الزمانية والمكانية ، فالحقيقة تجاوز هذا المثال ، فثم معنى عام تندرج فيه جاهلية قريش فليس الوصف حكرا عليها بل هو حكم ذو أوصاف يدور معها وجودا وعدما ، وهي نقيض الوحي فلا يجتمعان ولا يرتفعان ، بل إذا ثبت أحدهما انتفى الآخر ، وإن اختلطا في مواضع فصار الحكم مركبا فلا ينفك الوحي يغايرها فلا يمكن تجديده وتحديثه ليقبل الإدماج في منظومة قيم وأفكار تخالف عن أصوله المحكمة فهي قطعية لا تحتمل مناورات السياسة المحدثة ، فلئن كان ثم هامش مناورة فلا يكون في الأصول القطعية التي تشكل الهوية التي تَمِيزُ كل أمة من غيرها ، فالخصم في المركز يغضب ويستفز إذا رأى مظهرا من مظاهر الوحي يفشو في مجتمعاته ، ولو كان مسلكا فرديا في بلاد تزعم أنها تقدس الحريات الخاصة والعامة ، فلا يطيق أيَّ وارد من حضارة الخصم يهدد قيمه التي تحكم مجتمعاته فَهَلَّا قسم بالسوية فكف قيمه ومبادئه عن الأطراف ، ولكنه اغتر بفائض القوة فرام فرض قيمه جبرا فلا أشد نكاية فيه من أمثال صاحب الظلال إذ يحرر هذا المعنى الدقيق فيضع الحد الفاصل الذي يَمِيزُ به الناظر طريقه من طريق خصمه ، وليس الرجل بِرَاجٍ عصمةً إن جاوز في تصويره الأدبي معنى شرعيا لا سيما وقد انصرف يحرر مسألة الهوية وهي مما يسال فيه المداد ما لا يسال في أحكام الشرع فهي أشد إحكاما فإطناب القلم في بيانها محدود ، خلافا لمن يحرر قضية فكرية كقضية الهوية فعنده من هامش العبارة ما يصور به المعنى فيستعمل من أساليب البلاغة ما قد يجاوز الحد ، بل إن من طرائق هذا الفن ، فن البلاغة ، ما قسمه أهل الشأن إلى تبليغ وإغراق وغلو ، فطبيعة البحث الأدبي أن يحصل في عبارته من التجاوز ما لا يحصل بداهة في البحث الشرعي فضلا أن الأديب يخاطب القلوب ليستنهض في النفوس ركائز المشاعر وهي مبدأ أي مقاومة في الخارج لغاز يحتل فلا يقاومه إلا صاحب العاطفة الصادقة التي لا تستقل ، من وجه آخر ، فإنها إن لم تلجم بحكمة الشرع حصل فيها من التجاوز ما لا يحمد ، وإن رام صاحبها الخير فقد أخطأ ، وذلك ، أيضا ، من جملة ما يُثَارُ تنفيرا من صاحب الظلال ، على وجه جعل بعض التيارات التي تظهر الانتساب إليه فهو شريكها في المحنة وإن خالفها في الفكرة ، على وجه جعلها تَتَبَرَّأُ منه في مشاهد لئلا تنبز بالإرهاب والتطرف ! ، وَتَنْتَسِبُ إليه في أخرى إن كانت في حال مقاومة ومواجهة ! ، على ما اطرد من طرائق السياسة البراجماتية ، فلكلِّ حالٍ خطابٌ ولكل جمهور مقال ! ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مبدأ الخذلان ، أن تصير الأصول الفكرية محل مساومة سياسية ، والعجب يزداد أن هذا التيار السياسي ينبز الحركات الجهادية المسلحة بالإرهاب والتطرف مع أن الناظر لو أنصف لوجد أن نسبة هذه التيارات إلى صاحب الظلال أصح من نسبة التيارات السياسية إليه ، وكثير من حركات الجهاد المسلح قد استفاد من تقريراته ما لم يستفد غيرها ، وإن حصل في بعضها ولا زال من الأخطاء الفكرية في مسائل الأسماء والأحكام فكان الغلو في مواضع عمت بها البلوى وحصل فيها من الشر ما نَفَّرَ من الحق مع أن الأمر لم يكن بَسِيطًا ساذجا ينظر فيه الناظر من زاوية واحدة فإن طبائع الصراع لا تخلو من اختراق وتوظيف لا سيما إن كانت خبرتك في التأصيل والتخطيط والتنفيذ أضعف وكانت مواردك على الأرض أقل فيكون لخصمك من التحكم في المشهد ما ليس فيلجئك أن تسير على طريق يرسمها ، إذ هو الأقوى والأعظم نفوذا وخبرة ، فالأخطاء الفكرية والميدانية والإجرائية أمر لا يجحده مُنْصِفٌ في الحكم قد تَجَرَّدَ من الهوى ، وما يقع الآن في بلاد الشام خير شاهد على ذلك فيكاد المولد ينفض ، كما يقال في مصر ، ولم تخرج منه الحركات الجهادية بأي حمص ! ، فكان الاختراق والتوظيف وذلك لا يعني ، من وجه آخر ، أن ينسب خطأ القيادة والأفراد إلى مرجع المبادئ والأفكار ، فإن طرح الاستقلال والخروج عن إطار النظام الدولي ومناجزته بالإرث الحضاري الإسلامي على وجه يحصل به التمايز ، هذا الطرح صحيح وإن أخطأ بعضٌ تأويله في ميادين السياسة والحرب ، وهذا الطرح لا يكون إلا باعتزاز بالهوية واستقلال وخلاص من التبعية الفكرية والسياسية والعسكرية والاقتصادية ..... إلخ وهو ما نَوَّهَ به صاحب الظلال فلم يكن تأصيله إلا تأصيل المقاومة والمناجزة لحضارة المحتل بالكتاب الهادي والسيف الناصر وهل دين الرسالة إلا ذلك ؟! ، فَهُوَ دين قد جاء من مبدإ تنزيله يَضَعُ مِعْيَارًا من المفاصلة يجعل التعايش بين الوحي والجاهلية ضربا من الهذيان ! ، وإن تأول له من تأول من المشترك الإنساني .... إلخ من المصطلحات التي تُمَيِّعُ الفوارق بين الأضداد ، ولئن رضي أتباع الوحي بهذا التمييع فلن يرضى به الخصوم ، فـ : (لَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ، فقتال في ميدان الفكر ، وآخر في ميدان الحرب على ما تقدم من ثنائية الغزو ، العسكري ثم الفكري ، فلا مناص من المفاصلة التي تجعل الوحي معيار الحكم فهو يجاوز الدعاوى الإنسانية والقومية والوطنية ...... إلخ ، فهو فوق الجميع حاكمًا بالعدل فلا يظلم الخصم ولا يهدر القيم الإنسانية ، فـ : (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، فأمر بفضائل الأخلاق من البر والإحسان إلى المخالف في المواضع التي يجوز فيها ذلك ، ولم يظلم الخصم وإن جعل شنآنه وبغضه دينا ينتحل ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فَكَسَى الوحي هذه الفضائل لحاءَ الدين وهو معيار يزيد على معيار الأخلاق العامة ، فلا يجتزئ عليها ويحصر الغاية في جمل من الفضائل قد أجمع عليها العقلاء فلا يحصل بها التمايز ، وإنما يحرر الأصول ، من أمور التوحيد والحاكمية الإلهية في الشرائع والولاء والبراء فهو من أعظم أصول العقائد ، وذلك ما أطنب صاحب الظلال في بَيَانِهِ فأوفى قضية الهوية حقها ، وإن لم يخل عمله من النقص أو الخطإ في مواضع ، فليس ، كما تقدم ، راجٍ عصمةً فقد ارتفعت من الأرض بقبض صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وَطَرْحٌ كهذا الطرح المقاوم هو ، عند التدبر والنظر ، مما لا يحبذه من يعمل في السياسة لا سيما على قواعد العصر المحدثة التي صارت فيها السلطة غنيمة تقتسم ! ، ولا يطيقه صاحب سلطان جائر وإن كان الزعيم الخالد ! ، فالطاغوت لا يطيق من يُذَكِّرُهُ بصاحب الملكوت ، جل وعلا ، فذلك ما ينزع عنه سلطانه ويجرده من جاهه ورياسته ، فما طلب العزة بالإثم إلا أن كان وضيع النفس ، ونفس كنفس صاحب الظلال ، وهي نفس شريفة ولا نُزَكِّيهَا على رب الخليقة جل وعلا ، نفس كهذه النفس أَنَّى لها أن تعتذر أو تطلب صفحا من نفس وضيعة لا حظ لها من فضيلة ؟! ، ولا يستوي من يكتب كلمات بقلمه ، ومن يبذل روحه ثمنا لها مع وساطة قد تُنْجِيهِ فالموت عنده خير من الحياة في سلطان ظالم وذلك معنى جليل هو ، لو تدبر الناظر ، أصل هذا الدين الذي جاء يخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، جل وعلا ، وهو ما عظمت به جناية من انتسب إلى العلم فصار يستعمل ما معه من نصوص وأحكام أن يكرس الظلم والاستبداد ويرسخ أركان الحكم الجائر بل وربما منحه وصف الحكم الراشد ! على وجه عمت به البلوى حتى انطلت الشبهة على كثير من الفضلاء فلم يجدوا مناصا إلا إنكار نصوص صحيحة أن أساء من أساء الاستدلال بها فوظفها لخدمة أغراض سياسية باطلة ، فكان التجديد بإنكار نصوص صحيحة ! ، فذلك شؤم أحبار السوء الذين يفسدون الأديان وَيَفْتِنُونَ العباد ، فتكون الفتوى تَبَعًا لهوى الحاكم الذي يتقلب وهو أمر يظهر ، أيضا ، في اختلاف الناس في صاحب الظلال فقد كانت السلطة المستبدة أيام مجده وشهرته تخطب وده فلا يتخيل قزم وضيع لا حظ له من ثقافة أو دين لا يتخيل الجلوس بين يدي نجم من نجوم المجتمع آنذاك قد أجمع عليه الناس كافة ، من وافقه في فكره ، ومن وافقه في أدبه ، فهو نجم من نجوم الفكر والأدب ، ثم انقلبت عليه هذه السلطة الجائرة فأعدمته أن أبى الخضوع لها ، وكانت أنظمة أخرى في الإقليم تعظم الرجل ، وهو لذلك أهل ، ولكنها كانت تصنع ذلك كيدا في نظام الحكم في مصر إذ كان طرحه السياسي يهدد سلطانها فاحتفت بصاحب الظلال ، رحمه الله ، وَكِتَابِهِ فكان يُطْبَعُ وَيُوَزَّعُ مجانا ولا يظن الناظر أنها اليوم تَتَبَنَّى نفس الطرح ! ، فَقَدْ تَغَيَّرَ مشهد السياسة وَجَرَى في نَهْرِهَا ما جرى من المصالح وإن خالفت عن القيم والمبادئ ! ، ولا يبقى ، عند التدبر والنظر ، إلا ما كان لوجه الله ، جل وعلا ، خالصا ، ولعل إقبال الناس على كتاب الرجل وإجماعهم على فضيلته وما رفع الله ، جل وعلا ، له من ذكر لا سيما بعد مقتله فلا تزال الألسن تحكي سيرته إلى اليوم وما كان ثمن ذلك إلا حياته ، لعل كل أولئك مما يشهد بإخلاصه ، ولا نُزَكِّيهِ على ربه ، جل وعلا ، فخاف من خاف من الفضلاء وأشفق يوم حكم عليه أن يقتل وَتَمَنَّى هو وأبناء جيله أن يفدوه بأرواحهم لما كان له في نفوسهم من تعظيم وتوقير ولما كان من كلماته في نفوسهم من تأثير ، فإذا قتله ، كما يذكر ذلك الفاضل وهو أيضا ممن سلك جادته فجاهد حتى قتل ! ، فإذا قتل صاحب الظلال مادةٌ بها أحيى الرب ، جل وعلا ، كلماته ، وإذا قتله شؤم على من قتله فلم تمض سنة أو أقل حتى أذله الله ، جل وعلا ، ونكبه في 5 يونيو 1967م فعاش بعدها ذليلا كسيرا قد انتهى دوره في السياسة بعد أن أدى دوره بنجاح في قمع الصحوة الإسلامية ثم جاوز الحد فكان الصفعة المدوية وكان التأديب العاجل كما تندر الرئيس جونسون بعد النكسة ! ، وقد جمع سفراء العرب ، في قصة مشهورة ، ووضع حذاءه فوق المكتب في وجوههم وخاطب كلبه بهذه الكلمات الموجعات ولم يخاطبهم فكانت تلك هي العزة التي زرعها الزعيم الخالد في قلوب الشعب العربي من المحيط إلى الخليج ! ، وهي ما تظهر آثاره اليوم تَتْرَى بعد انهيار سد المقاومة الذي كان رجال كصاحب الظلال لبنات رئيسة من لبناته ، فلما انهار السد جرف سيل التطبيع الجميع ، فصار من يطبع بالأمس سرا يجهر اليوم طلبا لود يهود فهم مستقبل الإقليم الواعد ولا بقاء لنظام حكم في المنطقة إلا أن يجتهد في إرضائهم وتحقيق مصالحهم وحفظ مكتسباتهم فيتحول إلى مجموعة وظيفية تؤدي ما تقدم من مهام الحراسة والإمداد البشري والمادي والاستخباراتي ... إلخ من وجوه الدعم اللوجستي ، و : (لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) ، وحكاية صاحب الظلال مع السلطة المستبدة آية اعتبار في هذا الباب ، فهي حكاية موجزة للصراع المحتدم بين أتباع الرسالة وخصومها .
وطرحه ، كما تقدم ، لا يقبل أنصاف الحلول ولا يطيق إمساك العصا من النصف ، كما تصنع تيارات الإسلام السياسي التي تجعل تراثه جزءا رئيسا من أدبياتها ، أو هكذا تزعم ، فكأنك بها تختار منه ما يوافق أجندتها السياسية وتدع ما منه تخجل ! ، ورائدها في ذلك ليس طلب الحق الخالص ، وإن كانت تختار الحق في مواضع ، ولكنها لا تطرد الأصل بل تَرَى في سيرها من الاضطراب أن راوحت في الخطى فتارة على جادة الوحي ، وأخرى على جادة السياسة بقواعدها البراجماتية المحدثة ولا يقبل الله ، جل وعلا ، من العلم إلا ما كان له خالصا وكان على طريقة الوحي صحيحا صائبا ، والوحي حزمة لا تقبل التفريق فمن أراده دينا فليتخذه مرجعا في كافة أحواله الفكرية والشرعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية ، وما منا إلا مقصر في هذا الباب ، إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، فلا يقتصر الأمر على الجماعات والأحزاب وإنما أصاب أول ما أصاب الأفراد فصار الهوى يغلب وإن في مواضع تدق وكان الاضطراب بالسير على جادة الوحي تارة والنكول عنها أخرى والرب ، جل وعلا ، يغفر ويتجاوز عن الزلات .

اللهم اغفر لصاحب الظلال وتقبله شهيدا وألحقنا وإياه بالصالحين في دار الكرامة والمقامة .

والله أعلى وأعلم .