ومن الوعيد في باب الولاية ما ثبت في صحيح الرواية أن : "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ" ، فلا يكون السمع والطاعة إذا ثَبَتَتِ الخيانة وكان غِشُّ الوالي رعيَّتَه ، وهو فوقهم في الرتبة بما نال من السلطة ، سواء أكانت سلطة الشورى كاملة ، أم أخرى ناقصة ، كما في الملك العضوض ، فكانت الشورى صورة بلا حقيقة ، وكان النقص في سياسة الملك بعد حكومة الرشد ، وحصلت ولاية المفضول مع وجود الفاضل ، وهو أمر يصح في الجملة ، وإن كان خلاف الأولى ، فضلا أن اجتهاد أهل الشأن أن يجبروا هذا النقص اجتهاد سائغ ، فينكروا ما كان من نقص في أمر الحكم والسياسة ، وهو ما تفاوتت فيه الأنظار ، فثم من أطلق القول بالإنكار وعدم التسليم بولاية من أظهر النقص ظلما كان أو كفرا ، وثم من قصر ذلك على الكفر البواح على وجه حصل فيه من البرهان ما ينقطع به العذر مع حصول المكنة وأمن المفسدة ، فيكون اجتهاد الأمة أن تمارس سلطة الرقابة ، فهي ترقب الساسة فإن حادوا عن جادة الدين وعظوهم فإن لم يتعظوا زجروهم بألفاظ الترهيب فإن لم ينزجروا كان التدرج في الإنكار على وجه يحاكي دفع الصائل فيكون من الأدنى إلى الأعلى ، على وجه يواطئ قياس الحكمة فلا يكون ثم من الحرج ما قد رُفِعَ أن تُحَمَّلَ عامة الرعية من البلاء ما تعظم به المفسدة ، فتستباح البيضة لا سيما إن لم يكن ثم مكنة إنكار باليد ، وإلا فهو أول ما جاء به الخبر ، فإن عجز الناس أو كان ثم نظر اعتبار يصح فكان من مفسدة الجور ما يعظم مصلحة الجمع ، لا سيما إن كان الحاكم بلا دين ولا مروءة ، فضلا عن حصول الأسباب في يده أن يسفك الدماء وينتهك الحرمات ، فكان الإنكار الذي يناط بالحال فوصفها يُعَيِّنُ جنس الإنكار الجائز الذي يبلغ في أحيان تضيق فيها الحال أن يكون الإنكار بالجنان ليسلم صاحبه من إقرار المنكر فإن لم يطق له تغييرا في الخارج ، فليغيره في الداخل ! ، مع مفارقته لئلا يستغرقه بشؤمه فلا يأمن أن يركن إلى الظالم بما يكون من جواره ، فجوار الفاجر يَضُرُّ ، وإن شؤما أن يفجر ولا يجد من ينكر ، وإن أنكر آحاد بجنانهم إن كان الفاجر قويا ذا ولاية ، فلا يأمن من اعتاد الفجور فهو يَرَاهُ كل يوم ولا يطيق له تغييرا ، لا يأمن أن يَرْضَى به فيكون لصاحبه أنيسا وأكيلا ، فيزول من قلبه بغض الباطل وأهله ، فقد صار منهم وصاروا منه ! ، فشهد من منكرهم ما يظهر ، ولم يكن له طاقة أن يغير ، ولم يفارق طوعا فلا إكراه يلجئه أن يحضر المنكر ، وإنما يطيق المفارقة ليسلم من الشؤم فَلَمَّا قَعَدَ عَنِ القدر الواجب فَلَمْ يفارق كان من الشؤم أن يضعف الإنكار في قلبه ، ولو شيئا فشيئا ، حتى تفضي به الحال أن يُقِرَّ ، ولو لم ينطق ، فصار حاله يغني عن مقاله فهي حال من ألف المنكر واعتاده ، فإن رام النجاة بإيمانه فلا أقل أن يحتاط بأضعف درجاته ، ولا يكون ذلك إن خالط أهل الفجور والعصيان ، وذلك أمر يعم الأخلاق والسياسة ، محل الشاهد ، فإن الإنكار على أئمة الجور من آكد الواجبات التي تَتَعَيَّنُ على مجموع الأمة ، وعلى جميع أفرادها كلٌّ بقدر ما يطيق ، ولو أن يظهر من الامتعاض وَالتَّمَعُّرِ ما به يسلم قلبه ، فإن أطاق كلمة أَثِمَ إن لم ينطق بها ، وإن أطاق فعل اليد وهو أعلى الدرجات على وجه لا يوقع صاحبه في حرج اعتبره الشرع ، ولا يوقع أهل الحق في قبضة الفاجر الذي يتذرع بحرب الفوضى أن يستأصل أهل الحق ، ولو في الجملة ، بل بطشه في أحيان يجاوز فهو يَسْعَى فِي إِفْنَاءِ كلِّ من يخاصم ، وإن كان من حزبه الغالب ، وتاريخ الصراعات السياسية وما كان فيها من الخيانة والغدر ، وما استبيح فيها من الحرمات بِنَقْضِ العهود التي أمر الرب ، جل وعلا ، أن تُوَفَّى ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، فكان خطاب أهل الإيمان ، بنداء بعيد به يحصل التعظيم لِرَبِّ العبيد ، جل وعلا ، وشحذ الأذهان واستحضار الجنان أن يفقه المخاطَبُ الأمرَ فهو خطب عظيم أن يصدر الأمر من الرب الخالق الشارع ، جل وعلا ، الذي له من حاكمية التكوين وحاكمية التشريع ، فهما صنوان لا يفترقان ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا ، لو تدبر الناظر ، نقض فاحش لقياس العقل الناصح ، فهو كالتفريق بين الروح والجسد ، فاسم الإنسان يصدق في هذا المجموع المركب الذي لا يمكن فصل أجزائه إلا بزوال وصف الحياة ، فانفصال الروح عن الجسد موت الأبدان ، وانفصال الشرع عن الكون موت الأديان ، إذ يَزُولُ القدرُ الفارقُ بَيْنَ المؤمن والكافر ، فكلاهما ، ولو في الجملة ، يدرك بفطرة الضرورة أن ثَمَّ لهذا الكون خالقا مدبرا يُسَيِّرُ أمره بكلمات التكوين النافذة ، فلا ينكر هذه الضرورة العلمية إلا من جحد أو سفسط ، فهي مقدمة في الاستدلال أجمع عليها كافة العقلاء ، فهم ، جميعا ، يقرون بهذه البدهية وإن كتم من كتم فلا ينفك إذا ضاق الأمر يدعو باتساعه فإن لم يلجأ في الرخاء فلا حاجة فهو يلجأ وَيَتَضَرَّعُ في الشدة إذ يُقِرُّ أن لا ملجأ من الخالق ، جل وعلا ، إلا إليه ، فيلجأ إليه لا إقرارا أنه الخالق ، فذلك قدر لا يحصل به تضرع ينفع ، وإنما يزيد فيدعو فيخلص من العبادة حال الشدة ما لا يخلصه حال الرخاء ، وإن لم يحسن دَرَكَ الإله الحق حق الإدراك فلم يقدره حق الإدراك ، فلو قدره حق القدر ما أشرك أو أنكر ، فـ : (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) ، فجاء النفي الذي تسلط على المصدر الكامن في الفعل "قدروا" ، وذلك آكد في تسجيل الجناية ، فضلا عن دلالة العموم المستغرق ، فإن واو الجمع نص في عموم يستغرق الذكور ، ويدخل فيه بقرينة العموم في التكليف ، يدخل فيه الإناث ، فَإِنَّ قَدْرَ الله ، جل وعلا ، حق قدره تكليف يعم ، بل هو منشأ الإيمان ومبدؤه ، فإن التصور منشأ الحكم ، فلا يكون الحكم صحيحا إلا إذا صح التصور ، وصحة التصور في الإلهيات أمر لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الرسالات ، فيكون من قَدْرِهِ ، جل وعلا ، حق القدر ، أن يقدر رسله حق قدرهم ، وذلك ما يوجب تصديقهم فيما أخبروا ليصح التصور ، وطاعتهم فيما أمروا وَنَهَوا ليصح الحكم ، وهو ما يستغرق جميع الأحكام ما بطن منها من أعمال الجنان ، وما ظهر من أعمال الأركان ، ما خص وما عم ، فإن قَدْرَ الله ، جل وعلا ، حق القدر ، لا يكون بتعطيل الشرع ودعوى استقلال العقل بالتحسين والتقبيح لا سيما في أمور السياسة والتشريع ، فيزعم العقل استقلالا بالأمر والنهي ، سواء أكان عقل الفرد طاغوتا ينازع الوحي كلم التصور والحكم ، فهو يضع من العقود ما يضاهي عقد الرسالة ، ويأمر الناس أمر الإله أن يَفُوا بما عقد لهم من الشرع المحدث ، فيضاهي أمر الرب ، جل وعلا ، أَنْ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، ومن آكد العهود عهد الإيمان الأول ، فهو أصل كل عهد تال ، فلا يصح عهد الشرع إلا أن يصح عهد العقد ، ولا يصح عهد العقد ، كما تقدم ، إلا أن يكون الوحي هو الرائد ، فهو الناصح الصادق الذي لا يغش أهله ولا يكذبهم ، بل يخلص النصيحة أن يوحد رب الخليقة ، جل وعلا ، فلا يشرك به أحد لا في فعل تكوين ولا في حكم تشريع ، فلا يكون ثم دعوى باطل أن ثم من الأرباب غيره من يُنَازِعُ أو يُشَارِكُ ، فَلَوْ صح ذلك لفسد الأمر ولعظم البغي بما يكون من تشاح الملوك وتصارعهم ، فلا يطيق الملك الأقوى أن تكون ثم رياسة تضاهي رياسته فهو يعلن الحرب على أجواره ، فَيَسْتَزِلُّهُم أو يُلَفِّقُ لهم من الجناية ما يتذرع به أن يقاتلهم فيكسو ظلمه لحاء العدل فهو ينتصر من ظالم اعتدى على حقه أو جاوز حده فَوَطَأَ حِمَاهُ ، فهو يرد العدوان ويحسم مادة الفساد من الأرض ويضرب على يد الظالم لئلا يجاوز ظلمه الحد فيؤذي أجواره ! ، فصار الأقوى صاحب الرسالة الأخلاقية أن يقيم في الأرض رسوم العدل السياسية ، فيغزو غيره ويحتل أرضه ويستبيح حرماته وثرواته ليصلح من شأنه فهو به أدرى ! ، وليكف أذاه عن غيره فذلك ، أيضا ، من النهي عن المنكر الذي يستحسنه العقلاء جميعا ! ، فهو قَيِّمُ الدنيا وسائسها ، فيكون من شهوة التسلط على غيره ما يروم به مضاهاة الرب المدبر والإله المهيمن ! ، فهو يروم الانفراد بالحكم إذ لا تصلح الأرض إلا أن يكون سيدها الأوحد بما أوتي من صفات الزعامة ، فعنده من كمال العقل الباطن والصورة الظاهرة ، لسانا وأركانا ، وعنده من منطق الجنان تصورا ومنطق اللسان حكما يأمر به وينهى ، عنده من ذلك ما يجعله في حِلٍّ من أي رسالة تَنْزِلُ من السماء ، فثم مرجع آخر يضاهيها يعلم ما به صلاح الأمر فلا حاجة له في نبوة أو وحي ! ، فكانت مضاهاة الوصف أَنْ لم يقدر الطاغوتُ الربَّ الخالقَ ، جل وعلا ، حق قدره ، ففسد تصوره أن نازعه ربوبية التدبير ، وفسد حكمه تَبَعًا أن نازعه ألوهية التشريع فما قدره حق قدره إذ جفا في حقه ، ولا ينفك ذلك بدلالة تلازم آخر ، لا ينفك أن يغلو في ضده ، فمن زهد في الحق المنزل أخذ من الباطل المحدث بقدر ما ودع من الحق وقلى ، فتلك خاصة النفس إذ لا بد لها من شاغل فلا يبقى المحل شاغرا عاطلا ، فإن لم يشغل بالحق في التصور والحكم كان العقاب أن يُشْغَلَ بضده ، فمن انصرف عن طلب الحق فَزَهَدَ في الوحي وَقَصَّرَ أن ينظر في ألفاظه ومعانيه فلم يجعله رائدا في الإثبات والنفي ، في الأمر والنهي ، ولم يفقه من حدوده ما يقيم به أمر الضرورة العلمية التي لا يصح أصل الدين إلا بها ، فذلك ، كما تقدم ، أول العهود وأجلها قدرا إذ كل ما سواه له تَبَعٌ ، فكل عهد بعد عهد الرسالة لا ينفك أن يكون عهد خبر يُصَدَّقُ أو حكم يُمْتَثَلُ ، أو عهد سياسة يجب على صاحب السلطان أن يُوَفِّي به فلا يغش الرعية فيغضب رب البرية ، جل وعلا ، على وجه يدخله في حد الوعيد في الخبر الصادق أن : "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ" ، فذلك من العموم الذي أكد بزيادة "من" فهي نص في العموم زائد ، فَثَمَّ عموم أول إذ تسلط النَّفْيُ على النكرة "عبد" ، فأفاد العموم كما قرر أهل اللسان والأصول ، فكان الاستدلال الصحيح بما اطرد في لسان الوحي فهو رائد الناظر أن يستدل ويستنبط فلا يخرج عن قانون اللسان الأول الذي يحتج به إذ كان من عرفه وطرائقه في البيان ما جاء الوحي يُخَاطِبُ به الجمع الأفصح من العرب ، فجاء يخاطب القوم بما اطرد في لسانهم المنظوم والمنثور ، فجاءهم بكلام لا نظير له في الوزن وإن كان من معهود لسانهم فكان الإعجاز بوجه جديد من وجوه البيان لا عهد لهم به نظما أو نَثْرًا فليس بالمنظوم فينسج على قافيته ، وليس بالنثر فيحاكيه الخطباء المشاهير ممن رفعت لهم المنابر في أسواق العرب وأيامها ، فجاء بما لا عهد للعرب به ، وكان الخطاب بلسانهم فذلك ، أيضا ، قانون آخر قد اطرد فجرى على وزان القياس الصريح أن يخاطب الناس بما يفقهون وإلا لو خوطبوا بلسان يُغَايِرُ لسانهم ، أو كان من طرائق البيان ما لا عهد لهم به ، أو كان ثم خرق لناموس النحو فرفع المفعول ونصب الفاعل ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، من جنس ما يدعي الغلاة من خرق ناموس الشرع آيةَ ولايةٍ ! ، وهي ، لو تدبر أصحابها ، آية غواية ! ، فيكون إبطال الشرع ونسخ الأمر والنهي ، كما يكون من نسخ أحكام اللسان ! فقد جاء المتنبئ الكذاب بما يفجع النحاة في قانون النظم والنثر ، فلا كلامه يجري مجرى اختيار ولا ضرورة ! ، فهو ضرب من الهذيان يُثِيرَ في نفس السامع الغثيان بما يكون من نقض صريح لبدائه القياس ، فما منطق الألفاظ ، كما تقدم مرارا ، إلا حكاية منطق آخر في الباطن ، منطق الأفكار إذ تحصل صورتها في الجنان مبدأ أمرها ، ثم يشرع اللسان يحكيها فيفصح عما استكن في الضمائر ويصوغ ما يرضى من الحقائق ، سواء أكانت حقا فمستمدها الوحي المنزَّل أم باطلا فمستمدها الوضع المحدث ، فكلاهما لا بد له من لسان عنه يفصح ويبين ، فكان ما كان من تأويلات الباطن ما زعمه المتبنئ الكاذب أو الضال الذي يجعل التخريف ضربا من ضروب التجديد فيستنبط للألفاظ معان جديدة لا دليل عليها من نقل أو عقل ، على قول من يُسَوِّغُ القياس في اللسان ، فلا نقل يحتج به يشهد لتأويله ولا قياس صحيح ، على قول من يسوغ القياس في اللسان ، وإنما الهذيان الذي يخرج عن قانون العقل فإما أن يكون صاحبه من أهل الكبر والجحود الذي يتكلف فيه رد الضروري المعلوم من الوحي واللسان إذ خالف عما يهوى ويجد ، وإما أن يكون مريضا يسفسط فكلامه هدر حتى يعقل ، وذلك الخروج الفاحش عن قانون الجنان إذ يتدبر واللسان إذ يتلفظ ، ذلك الخروج هو ، أيضا ، من جملة ما تذرع به نقضة العهود الدينية ، سواء أبلغت الجناية حد النقض لعهد التوحيد الأول ، أصل العهود ، كما تقدم ، أم كان النقض لعهد آخر دون عهد التوحيد وإن كان من الواجب الذي لا يسلم الإيمان من الكدر إلا بإيفائه ، فنقضه ، وإن كان مما لا يقدح في الأصل ، نقضه يخدش صفاء الكمال الواجب ، فيكون التأويل ذريعة لنقض عهود الديانة والسياسة كما يَرَى الناظر في تحايل الحكام والساسة أن يخادعوا ويخالفوا عن العهود فهو يتذرعون بأي دليل ، صح أو بطل ، ويستنبطون بأي سبيل ، وإن لم يكن له من صحة الاستدلال حظ ، بل قد يبلغ في أحيان حد التأويل الباطل فلا مستمسك فيه ، ولو بوجه بعيد مهجور ! ، فقد بلغ الغاية في البطلان ، فكان من حيل السياسة ما خرج بها عن حد الديانة ، بل عن حد العدل المحض بل وحد العقل في أحيان ، فأصاب صاحبها من الغرور ما أصابه بما عنده من أسباب القوة والسياسة والدعاية .... إلخ من أسباب الملك التي لا تمدح ولا تذم لذاتها ، فهي كالآلة المباحة ، فلا تُرَادُ لذاتها في العادة ، وإنما تُرَادُ لغيرها فإن استعملت في خير واجب أو مندوب فَلَهَا حكمه ، وإن استعملت في شر محرم أو مكروه فَلَهَا حكمه ، فكان من أمانة السياسة ما يشاطر أمانة الديانة جنس الأمانة الأعم ، فـ : "إنها أمانة, وإنها يوم القيامة خزي وندامة, إلا من أخذها بحقها" ، وكان من الاسترعاء ، محل الشاهد في الخبر أَنْ : "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ" ، كان منه ما عم بقرائن ، فثم تسلط النفي على المصدر الكامن في الفعل "استرعى" ، فهو يستغرق جميع أجناس الاسترعاء ، ما خص وما عم ، فـ : "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" ، فيستغرق أجناس الاسترعاء في الدين بما أخذ على حملة العلم من المواثيق ، فـ : (إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) ، فذلك وإن خص بالسبب إلا أنه يعم باللفظ والمعنى فيدخل فيه كل من حمل من أمر الوحي شيئا فذلك ميثاق وعهد يدخل في جملة ما أمر به ، جل وعلا ، صدر المائدة أَنْ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، فأعظم العقود عقد التوحيد والشرع وحملته هم حملة الأمانة العظمى إذ لا صلاح في الأولى ولا نجاة في الآخرة إلا أن يُوَفَّى هذا العقد ، فإذا فسدت حالهم نقض عقد الدين بما يكون من الكذب والتضليل فيكون كتمان الوحي الذي توعد الرب ، جل وعلا ، فاعله ، فثم لعن يستمر ، فَلَعْنُ الخالقِ ، جل وعلا ، فـ : (أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ) ، ولعن المخلوق ، فـ : (يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) ، فجاءت إشارة البعيد في "أولئك" مئنة من التحقير ، وإن احتملت في مواضع أخرى ضد التحقير من التعظيم بعلو المكانة ، فذلك لفظ ، كما تقدم مرارا ، يجري مجرى الأضداد ، وهو من أعوص مواضع الإجمال بما يكون من اشتراك بين وجهين يتضادان ، فلا بد من قرينة سياق تحسم النزاع حال الاستدلال فتبين عما أجمل وتزيل ما أشكل ، فسياق الذم في هذا الموضع وهو ما صدرت به الآية من فعل الكتمان في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ) ، فكان التوكيد بالناسخ "إِنَّ" وكان عموم الوصل في "الذين" ، وهو ما أُجْمِلَ فافتقر إلى بيان الصلة فذلك وجه بنائه في النحو ، ولا يخلو من غرض في البلاغة بما يكون من إطناب بالصلة بعد الموصول فذلك من الإطناب بالبيان عقيب الإجمال ، وذلك مما يرسخ به المعنى في الذهن ، فضلا عن دلالة التعليل إذ يناط الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو الكتمان الذي حُدَّ حَدَّ المضارع في "يكتمون" استحضارا لصورة الفعل في سياق الذم فذلك آكد في النكاية بتسجيل الجناية فضلا عن دلالة ديمومة واستمرار ، فذلك مما اطرد من حالهم فكان ، أيضا ، آكد في الذم وإثبات الجرم فلا عذر إذ لم يكن ذلك خطأً في التأويل في موضع أو اثنين ، ولم يكن نسيانا أو ذهولا عن نص أو اثنين ، وإنما كان الكتمان عمدا ، وهو ، عند التدير والنظر ، مما يعم كتمان الألفاظ تارة ، وكتمان المعاني أخرى ، فكتمانٌ في التنزيل بتبديل اللفظ أو السكوت في موضع لا يجوز فيه السكوت ، فثم حاجة توجب إظهار الدليل وإلا كان صاحبه كاتما للحق من الهدى فهو الألفاظ التي تقام عليها البينات الخبرية والعقلية ، فكتمان في التنزيل ، كما تقدم ، وآخر يضاهيه في التأويل ، فيكتم المعنى الراجح المتبادر ويعدل عنه الناظر إلى آخر مرجوح بلا دليل معتبر يرجح ، وإنما شبهة لا تسلم من الغرض هوى أو حظ نفس أو رغبة في جاه أو رياسة كما يقع في تأويلات السياسة إن خرجت عن حد الشرع فسلكت جادة النفع فهي تجتهد أن تُخَرِّجَ حظوظَها على نصوص الشرع وأحكامه ، وهي تلجأ في ذلك إلى غيرها ، إذ جهلها بالدين يفضح ، فتلجأ إلى أحبار سوء بدلوا من الوحي ما بدلوا وكتموا من هداه وأحكامه ما كتموا ، فسكتوا عن الظلم مداهنةَ راغبٍ طامحٍ فهو في فتات الموائد طامع ، بل واجتهدوا أن يُخَرِّجُوا الظلم على سنن العدل والحكمة فهو مما يوافق الشرعة وإن بدا غير ذلك ، فَثَمَّ من فقهِ السياسةِ الدقيقِ ! ما لا يفقهه العامة فأهل السياسة أدرى بالمصلحة ولهم نظر في الخير ثاقب وإن نقضوا ما نقضوا من الشرع الحاكم ، ألفاظا ومعانٍ ، فلسان الحال أنهم أرباب عصمة ، وأنهم أهل ولاية سياسية تضاهي الولاية الصوفية الغالية التي تسقط التكليف عن المحققين من أئمة الطريق الذين سلكوا من جادته ما بلغوا به المنتهى فلا تكليف بأمر ولا نهي ، فعندهم من العلم بالباطن ما قد حجب عنه أهل الظاهر ، فكذلك حال أولئك الذين يَدَّعُونَ لأرباب السياسة العصمةَ ، إن قولا أو لازم قول ، فالساسة عندهم من العلم بالباطن ما بَلَغَ بهم حد اليقين وإن خالفوا عن ظاهر التشريع بل وظاهر العقل في أحيان ، بل وظاهر المصلحة المادية التي صارت مُنْتَهَى سؤلهم فيكون من العقاب الحق ما يكون من الطمس ، فلا بصر يعالج الحال ولا بصيرة تنظر في المآل ، وإنما سعي في الحتوف وإن ظن الملِك أنه يصون ملكه من الخصوم ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، أعظم عقوبة أن يحجب الحاكم أو السلطان عن الحق ، فلا يكون له نظر في هدى أو بَيِّنَاتٍ ، فلا يتلو ألفاظ الأدلة الهادية ، ولا يفقه بَيِّنَاتِهَا العقلية ، فلا يدرك النقل ولا يفقه العقل ولا يتلو حق التلاوة ، وإن كان له حظ من القراءة فأماني من لا يفقه ، فلا تلاوة حق التلاوة إذ لم يقدر من تكلم بهذا الوحي المنزَّل ، لم يقدره حق قدره ، كما تقدم في قوله تعالى : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ، فجاء نَفْيٌ قد عم وجوه الْقَدْرِ ، فذلك ما يضاهي عموم الكتمان آنف الذكر ، فما قدروا الله ، جل وعلا ، في لفظ ما أُنْزِلَ من الكتاب فلم يعظموه ، وما قدروه في المعنى فلم يمتثلوه ، ففسد التصور وفسد الحكم ، وما قدروا الله ، جل وعلا ، حق القدر ، أن يُثْنُوا عليه بالاسم والوصف الذي جاء الوحي به يخبر فذلك من توحيد العلم الذي تصح به قوة العلم الباطنة ، وهي ما يصح به التصور ، مبدأ كل إرادة وقول وعمل ، على وجه تعاضدت فيه قوى الباطن علما والظاهر نطقا وعملا ، وتقاسمت ، من وجه آخر ، ماهية الإيمان الصحيح فهو ، كما تقدم مرارا ، العقد والقول والعمل ، فبعضها يعضد بعضا ، وبعضهما يكمل بعضا حتى تبلغ بصاحبها حد الكمال الواجب الذي به السعادة والنجاة ، فصلاح للحال والمآل لا يدركه من تأول في السياسات والأحكام فَرَاحَ يُلَفِّقُ من الأدلة ما يواطئ حظوظه وإن زعم أنه ينتصر للدين ويقطع دابر المفسدين ، فما أحقه بهذا اللقب إذ ضل في التصور والحكم فعظم إفساده في الأرض وإن ظن أنه المصلح بل والمجدد لما طُمِسَ من معالم الديانة ولو أتى على أصولها بالإبطال فهو يجهر بالحرب ويطعن في الأصل ، وما قدروا الله ، جل وعلا ، حق القدر في القول والعمل ، في الشرع والسياسة والحرب والأخلاق ، فذلك قدر آخر يشاطر قدر التصور آنف الذكر أن يعظم الناظر ربه ، جل وعلا ، فَيُثْنِي عليه بالاسم والوصف والفعل ، فكل أولئك من توحيد العلم ، فلا يشرك معه غيره في الأسماء والأوصاف ، ولا يغلو في مخلوق فيخلع عليه من الأوصاف ما لا يجوز إلا في حق الخالق ، جل وعلا ، فوحده من انفرد بالكمال المطلق ذاتا واسما ووصفا ، أزلا فهو الأول ، وأبدا فهو الآخر ، ولا تصح شركة في هذا الباب إلا ما قرر أهل الشأن من شركة في المعنى المطلق في الذهن فهي حتم لازم لحصول الانتفاع بالكلام وإلا بطلت دلالته على المعاني الصحيحة المفهمة ، فلا بد من قدر تتواطأ عليه العقول ، وإن كان ثَمَّ اختلاف في الحقائق والماهيات في الخارج ، فثم قدر مشترك في الذهن به تثبت دلالة اللسان الضرورية ، وثم قدر فارق في الخارج به يحصل التمايز بين الذوات ، فشتان ذات المخلوق وذات الخالق ، جل وعلا ، وإن صح في مواضع إطلاق بعض الأوصاف عليهما على حد الاشتراك المعنوي ، فذلك إطلاق الجنس الأعم في الذهن ، فآحاده في الخارج تتفاوت ، فثم ماهية كمال مطلق هي ماهية الرب المعظم ، جل وعلا ، ذاتا ووصفا ، وثم ماهية مخلوق لا تخلو من النقص ، فلكلٍّ قدره ، فمن سَوَّى الخالق ، جل وعلا ، في هذا الباب ، باب الذات والاسم والوصف ، فأشرك في توحيد العلم الخبري فما قدر الله ، جل وعلا ، حق القدر ، بما كان من غلو في المخلوق فقد خلع عليه بعضا من صفات الخالق ، جل وعلا ، وذلك ، أيضا ، مما قد عمت به البلوى في أمور السياسة والحكم فخلع على الطاغوت الجائر من أوصاف الرب الخالق ، جل وعلا ، ما عظمت به الجناية بغلو لا يجوز في حق الفاضل ولو كان النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ" ، فكيف بالمخلوق الناقص بل كيف بالحاكم الظالم الذي عطل الشرع والعدل بل وسعى في خُصُومَةِ الوحيِ فَتَقَصَّدَ نصه بالتبديل سواء أجهر بالخصومة أم كساها لحاء التجديد ، وَتَقَصَّدَ أتباعه ومن له أدنى نسبة إليه بالتنكيل وجاوز في أحيان فقد صار معنى العدل ، ولو مطلقا ، خصمه الألد فلا يرضى إلا بالظلم إذ به يرسخ ملكه وإن تأول له من تأول من الكهنة أنه على الأصل الكامل فهو ولي الأمر الناصح ، وإن لم يكن له من الوصف إلا ضده فهو الغاش للرعية بما يفسد من أحوالهم الدينية والدنيوية ، فيدخل ، كما تقدم ، في عموم النفي في الوعيد أَنْ : "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ" ، فكان من العموم ما أُكِّدَ بـ : "من" إذ دخلت على عموم قياسي كما قرر أهل الدرس الأصولي ، فتسلط النفي على النكرة "عبد" وذلك عموم أول جاء التنصيص عليه بـ : "من" فَزَادَهُ تقريرا وتوكيدا ، وجاء الإطناب بالقيد على حد الوصف : "اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ" ، والاسترعاء مئنة من تقصد فذلك ابتلاء التكليف في حق الساسة ما لا يكون في حق العامة ، فكان من أسباب الملك ونفاذ الأمر ما يوجب تكليفا يزيد ، فيكون من جنس الاسترعاء الثابت في كل محل ما يضاهي رعية المسترعَى ، ضيقا أو اتساعا ، فلا يسترعى أصحاب الولايات الخاصة في الأهل والولد ما يسترعى أصحاب الولايات العامة ، فولايتهم تستغرق وتكليفهم يزيد ، فالقدرة مناط التكليف وقدرة الولاة على إنفاذ الشرع وتغيير المنكر أوسع بداهة من قدرة الخاصة فكان قياس الحكمة أن يكون تكليف الأولين أعم ، فالحكم يطرد مع الوصف وجودا وعدما فكلما اتسعت الولاية وحصل من أسبابها قدر الكفاية كان تكليف صاحبها أن ينفذ الشرع ويغير المنكر ، كان تكليفه من ذلك أعظم ، وذلك ، أيضا ، مما يقدر به ربه ، جل وعلا ، حق القدر ، فيدخل ، من هذا الوجه في عموم قوله تعالى : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) ، إذ لا يقتصر ذلك على ما تقدم من قدره ، جل وعلا ، في توحيد العلم اسما ووصفا ، وتوحيد الفعل خلقا ورزقا ، فما بذا يحصل التمايز بين المؤمن والكافر ، وإنما البينة الصحيحة على الدعوى العظيمة دعوى : لا إله إلا الله توحيدا ينفع صاحبه ، وإنما البينة عليها امتثال الوحي تصديقا وامتثالا ، فلا يكون ثم معبود شارع بحق إلا الخالق الرازق المدبر بحق ، جل وعلا ، فإذ استقل بوصف الربوبية فَحَقُّ قَدْرِهِ أن يُوَفَّى لازمه من تكليف الألوهية تصديقا وامتثالا على وجه يعم الباطن والظاهر ، الخاص والعام ، ومنه ما تقدم من استرعاء الله ، جل وعلا ، أصحاب الولايات العامة ، في أمور الحكم والسياسة ، فإن الوحي قد جاء يستغرقها ، وإن بمقاصد رئيسة ، فضلا عن جمل من الأحكام كثيرة فيها زاد يكفي الناظر المؤنة فلا يجد حاجة في شرع الوضع المحدث وسياسته إذ تضلع من شرع الوحي وسياسته ، فمن تضلع من الحق وشبع لم يجد حاجة في غيره ، وإطلاق الاسترعاء ، من وجه آخر ، يعم الاسترعاء في أمور الديانة ، فإن الأمر لا يقتصر على ما يتبادر إلى الذهن من أمر السياسة والحكم ، بل إنها ما وضعت في الأرض إلا لحفظ الدين أن يكون هو الرائد الحاكم فالسياسة تحوطه وتنصح له ، فهي سبب من أسبابه فليست في نفسها غاية ، وإنما المقصد الرئيس من الرياسة أن يحفظ الدين لفظا ومعنى ، خبرا وحكما ، وأن تُسَاسَ به الدنيا على وجه صحيح يطرد فلا يكون التحكم أن يسوس الدين في مواضع ولا يسوس في أخرى تخالف عن حظ الساسة ! ، لا سيما إن زعموا أنهم على جادته ، فيكون التناقض أن يعظم في نوازل ويعطل في أخرى ، وتكون الجناية المركبة ، فثم رب سياسة يحكم ببعض الوحي في مواضع ويعطل بعضا آخر في مواضع ، فيضطرب قياسه ولا يطرد فلم يسلك جادة من القياس تصح ، وإن أفضت به أن يعطل الوحي كله ، فإما أن يطرد القياس حكما فيحكم به كله وافق هواه أو خالف ، فيكون هو الحاكم الرائد ، وإما أن يطرده في المقابل فيعطله كله فيسلم له القياس وإن فسد أمره في الحال والمآل ! ، وأما الاضطراب الذي يتأول فيه أحكام الوحي فإذا وافقت الهوى والمصلحة أَجْرَاهَا ، وإن خالفت عنهما عطلها ، فذلك في القياس عجيب ! ، ولا يعدم في كل عصر ومصر من كَتَمَةِ الهدى والبينات من يفتي له بذلك ، فهو مِمَّنْ تَقَدَّمَ لعنهم في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) ، فكان من الوصل في "الذين" ما عم به المعنى حال التعليل لحكم اللعن على وجه يطرد به القياس وينعكس ، فهو على جادة القياس الصريح ، وكان العموم في "ما أنزلنا" مُسْتَغْرِقًا فيعم كل نازل سواء أكان خبرا أم حكما ، وسواء أكان من أمر الخاصة أم مما عمت به البلوى في أمور السياسات والولايات فيسكت حبر السوء وهو يرى الدين هدرا فالساسة به يتلاعبون وهو ساكت بل وربما جاوز حد السكوت فَرَاحَ يَتَأَوَّلُ لهم من النصوص ما يجعل ظلمهم عدلا ، وتعطيلهم إثباتا وإنفاذا لحكم الشرع ومقصده ، فيتعسف في الآي المنزَّل أن يستشهد به على ولايتهم وبيعتهم وحسن سياستهم ! ، وقد حسن في مقام التحذير بتعظيم الجناية أن يسند فعل الإنزال إلى ضمير الفاعلين في "أنزلنا" ، فذلك من تعظيم النازل بتعظيم من أنزله فتعظم جناية من كتمه ، إما تبديلا أو تأويلا ، وثم إطناب بالهدى فهو الدعوى الخبرية والبينات فهي الأدلة البرهانية ، فلم ينزل الوحي لفظا مجردا من الدلالة ، فليس خطاب جمهور بلا دليل من المعقول كما زعم من زعم من الفلاسفة فأولئك ، أيضا ، ما قدروا الله ، جل وعلا ، حق قدره ، إذ لم يقدروا الوحي حق القدر ، فصار لفظا مجردا وصار لهم من أدلة العقل ما لم يفطن له الوحي فقد فَوَّضَ إليهم الأمر أن يعبثوا بألفاظ الوحي ونصوصه بما يتبادر إلى أذهانهم من المعاني والتأويلات وإن لم يكن لها من القرائن ما يعتبر ، فكان ذلك ، كما تقدم ، من الكتمان الذي جاء الخبر يذم فاعله ، فكان التوكيد صدر الكلام بالناسخ "إن" ، وكان العموم الذي يستغرق بأصل الوضع ، ويستغرق بدلالة التغليب فوصف الكتمان مما يستوي فيه الذكور والإناث ، وهو ما يضاهي خطاب المؤمنين صدر المائدة أن : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، فنداء المؤمنين نداء البعيد مما يَعْظُمُ به قدر المنادي ، جل وعلا ، وبه ، من وجه آخر ، استرعاء لأذهان المخاطبين ، وإن اقتصر على المؤمنين ، فذلك ، أيضا ، مما يجري مجرى التغليب ، فهو يعم كل من يتوجه إليه التكليف ، آمن أو كفر ، وإنما خص المؤمنون بالذكر أن كان التَّنْزِيلُ من المدني المتأخر فغالب من يخاطب هو من المؤمنين ، فذكرهم ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام ، فثم تغليب من هذا الوجه ، كما أن ثم تَغْلِيبًا في ضمير الجمع ، فهو يعم الرجال والنساء جميعا ، فالجميع قد كلف أن يفي بالعقود ، ومنها عقد : (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) ، وهو محل الشاهد في آية البقرة : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) ، فكان العموم بالنظر في دلالة التغليب وإن حُدَّ الموصول "الذين" حَدَّ الجمع المذكر فيدخل فيه الإناث لما تقدم ، ومن ثم كان الخبر الذي حُدَّ حَدَّ الاسمية في قول رب البرية جل وعلا : (أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ) ، وذلك ، أيضا ، آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فضلا عن دلالة الإشارة إلى البعيد تحقيرا ، وهي ، من وجه ، آخر ، تحتمل التعظيم بالنظر في قرينة السياق فمن يلعن أولئك هو الله ، جل وعلا ، ولعنه إياهم عين الحكمة التي استحق بها الثناء والمدح ، فيكون في لفظ الإشارة دلالة بعد آخر ، وهو بعد الله ، جل وعلا ، إذ علا بالذات والوصف والفعل والحكم فهو يلعنهم لما اقترفوا من جناية الكتمان والتعطيل ، فضلا عن بعدهم بانحطاط دركتهم لما قارفوا من الجناية ، فاللفظ ، من هذا الوجه ، يجري مجرى الأضداد فهو يدل على ضدين على وجه لا تعارض فيه ولا تناقض لاختلاف المحال ، فالمحل المعظَّم بالعلو يغاير المحل المحقَّر بالسفل ، وكان من تمام العدل في الحكم أن تعظم النكاية بالمضارعة في "يلعن" ، فهي مئنة من ديمومة واتصال زمان ، فلعنهم دائم لما قارفوا من الجناية ، فضلا عن زيادة أخرى فأردف بلعن اللاعنين ، فـ : (يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) ، والخبر كسائر أخبار الذم مما يطرد وينعكس في دلالته الخبرية فمن لم يتصف بهذا الوصف فلم يكتم وإنما بَيَّنَ فإنه ناج من اللعن ، ولا يخلو الخبر من دلالة إنشاء تلازمه حال الطرد والعكس معا ، فلا تكتموا النازل من الهدى والبينات لئلا ينالكم اللعن من الله ، جل وعلا ، واللاعنين ، بل امتثلوا ضده فَبَيِّنُوا الهدى بأدلته فيكون لكم من المدح والثناء ما مدح به الأنبياء ، عليهم السلام ، فهم : (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) ، وأتباعهم لهم تبع في ها الوصف وإن كان بلاغ التابع ، بداهة ، تال لبلاغ المتبوع الذي حمل من أمانة الوحي ما كان به البلاغ والبيان الأول ، فتكليفه أعظم ، كما تقدم في تكليف صاحب الولاية العامة في الخبر أَنْ : "مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ" ، فتكليف الْوَالِي أعظم من تكليف الرعية وإن كُلِّفَ الجميع أن يقيم الأحكام الشرعية ، فجاء القيد بالوصف : "اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً" ، وجاء الإطناب بالقيد : "فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ" فلم يكن منه إلا الغش إذ لم يحطها بالنصيحة ، ولم يخل السياق من دلالة استعارة بها يُزَادُ في المعنى تقريرا وتوكيدا ، فاستعيرت الإحاطة المحسوسة لأخرى معقولة بالنصيحة فهو يستغرق الرعية بها ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن معنى الإحاطة جنس عام تنقسم آحاده في الخارج فمنه إحاطة الحس ، ومنه إحاطة المعنى ، وقرينة السياق هي التي تعين مراد المتكلم فلا يكون ثم في الكلام تأويل باستعارة أو نحوه ، وإنما دل اللفظ بظاهره المركب من دلالة اللفظ في وضع اللسان الأول وما احتف به من قَرَائِنِ السياق المقيِّد ، والنصيحةُ قد أطلقت فعمت النصيحة في الدين والدنيا فلا ينصح لا في أمر معاد ولا في أمر معاش فَلَيْسَ إلا فساد الأديان وضيق الأرزاق ، فكان ذلك الوصف المركب من الولاية العامة مع الغش الذي تعم به البلوى ما لا تعم بالغش في ولاية خاصة وإن كان كلاهما مما يذم ، فهما يدخلان في عموم الوعيد وإن على تفاوت فحظ صاحب الولاية العامة الغشاش أعظم بداهة من حظ مَنْ ولايته دون ذلك ، وقد حَسُنَ ، أيضا ، في سياق التقرير والتوكيد أن يحد الوعيد بأقوى أساليب القصر ، النفي بـ : "ما" والاستثناء بـ : "إلا" ، وجاء الوعيد على حد النفي في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : " لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ" ، ولازمه أن يكون محله في ضدها من دار العذاب ، وزيد في النكاية أن لم يجد الرائحة فلا يجد الْعَيْنَ من باب أولى ، ولا يخلو الوعيد في هذا السياق أن يكون كسائر نصوص الوعيد فهو يحتمل ، فإما أن يكون الغش في أصل من أصول الدين ، كأن يعطل الوحي ويحكم بضده من الوضع أو يوالي أعداءه ويعادي أولياءه ، فذلك ما يقدح في أصل الإيمان فلا يجد رائحة الجنة أبدا ، فدلالة "أل" في "الجنة" من هذا الوجه مئنة من بيان لماهية المعرَّف فيكون ذلك من الوعيد المؤبد ، وإما أن يكون الغش على وجه يقدح في كمال الدين الواجب دون أصله الجامع ، فيكون ذلك من الوعيد المؤقت ، فدلالة "أل" في "الجنة" ، من هذا الوجه ، مئنة من العهد الخاص فلا يجد رائحة جنة مخصوصة لمن سلم من هذه الكبيرة ولكنه يجد رائحة جنة أخرى دونها في الوصف ، أو يقال إنه لا يجد رائحة الجنة ، بادي أمره ، فهو متوعد بعذاب التطهير المؤقت فيلاقي منه ما يطهره ، فإذا تطهر دخل الجنة ووجد ريحها ، إلا إن شاء الرب ، جل وعلا ، أن يعفو عنه ابتداء فيحصل له من التفضل بمانع نفاذ للوعيد ما ينجيه من العذاب العظيم ، وإن عذاب التطهير ، ولا يخلو الوعيد هنا ، أيضا ، من دلالة ما تقدم من طرد وعكس فمن لم يتصف بهذه الخصلة فنصح لرعيته فإنه يجد رائحة الجنة ، وكلاهما الطرد والعكس يستلزم نهيا عن الوصف المذموم المنصوص الذي استفيد بالمنطوق ، وأمرا بضده يتوجه إلى كل راع أَنِ : انصح لرعيتك لتنجو من الوعيد المنصوص وتظفر بلازمه الذي يستفاد بالمفهوم فتجد ريح الجنة أعظم منة من رب العزة ، جل وعلا ، بعد منة الرسالة التي لا تنال الجنة إلا أن تكون هي الرائد الصادق في الخبر والحكم معا .

والله أعلى وأعلم .