ومن نصوص الوعيد في أمور الحكم والسياسة ، ما ورد في احتجاب الراعي عن الرعية ، فالجزاء من جنس العمل ، فمن احتجب عن حاجة الناس احتجب الله ، جل وعلا ، دون حاجته في دار الجزاء والحساب ، فـ : "مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ ، وَفَقِيرِهِمْ احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ" ، فَثَمَّ جناس تام بين الفعل والجزاء ، مع اختلاف الفاعل ، فمادة الفعل واحدة وهي "احتجب" وهو مئنة من الافتعال ، فلا يخلو من التكلف ، فَقُيِّدَ العامل الأول بالفاعل الذي استكن في مادته وتقديره "هو" ، ومرجعه الاسم الموصول "مَنْ" الذي صدر به السياق ، وقد يحمل على الشرط فكلاهما مئنة من التعليل إذ مناط الحكم هو المعنى الذي اشتقت منه الصلة ، أو المعنى الذي اشْتُقَّ منه الشرط ، وهو معنى الولاية التي أطلقت من وجه ، فَعَمَّتْ كل ولاية بقرينة التنكير في "شيئا" في سياق الشرط ، فهو نص في العموم كما قرر أهل الأصول والنظر ، ولو حمل لفظ "مَنْ" على الوصل فلا يخلو لفظ "شيئا" أن يكون نكرة في سياق إثبات فدلالته دلالة الإطلاق ، والإطلاق لا يخلو من دلالة عموم ، إذ يصدق في واحد من آحاد العام ، وهي ، جميعا ، تدخل فيه ، ولو على حد الإبدال لا الشمول ، فَعَمَّ ذلك كل أمر من أمور المسلمين ، وتخصيص الأمر بقيد الإضافة لا يخلو من دلالة تعليل أخرى إذ أنيط الحكم بمعنى الإسلام الذي اشتق منه اسم الفاعل المجموع "المسلمين" ، ولا يخلو ذلك ، من وجه ، أن يجري مجرى التغليب فإن الكافر قد يدخل في ولاية المسلم فَيَلِي المسلم من أمره ما يجب عليه الوفاء به ، فأهل الذمة وأهل العهد ومن اسْتَأْمَنَ فَأُمِّنَ ، كل أولئك لهم من الحق ما يجب أداؤه ولو كان بغضهم وبغض دينهم الباطل من تمام الدين الواجب بل هو ، عند التدبر والنظر ، شرط صحة في أصل الإيمان ، إذ لا يحصل في القلب حصولا يُرْضِي ويجزئ إلا أن يكره القلب الكفر فلا يَرْضَاهُ كما لا يَرْضَاهُ الرب ، جل وعلا ، لعباده وإن كان غَنِيًّا عنهم ، فـ : (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) ، فجاء الشرط في سياق التهديد ولا يخلو من دلالة تَبْيِينٍ لوصف الرب الحميد المجيد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فهو الغني عن عباده ، وذلك وصف قيد في هذا الموضع لقرينة السياق إذ الأمر بالإيمان وإخلاص الدين لرب العالمين ، جل وعلا ، قد يوهم من لا يفقه ! ، أن الرب ، جل وعلا ، يفتقر إلى إيمان مؤمن أو طاعة مطيع ، فذلك قياس مع الفارق ، إذ ملوك الدنيا يفتقرون إلى طاعة الرعية فلا يستقر الملك إلا إذا بايع الناس طوعا أو أُجْبِرُوا على البيعة قهرا فكان ملك الجبر والتغلب بحد السيف ، وهو ، كما تقدم مرارا ، الاستثناء الذي عمت به البلوى في التأصيل لا سيما في كلام المتأخرين ، فصار هو الأصل ! ، وصار السمع والطاعة من الواجب المطلق دون نظر في جمل أخرى من الاستثناءات التي يهملها من يهملها من أحبار السوء فيكاد الأمر يبلغ حد الإثبات لعصمة الحاكم فلا يرد عليه خطأ ، ولا يفقه باطن السياسة إلا هو ، فَلَهَا من التراتيب ما يغاير عن أحكام الدين ، فذلك لسان حال يلزم وإن لم ينطق صاحبه ويصرح ، فيكاد يضاهي القول المحدث في المذاهب اللادينية أن الدولة الحديثة ! ، وهو اصطلاح يضاهي الدولة اللادينية واللاأخلاقية ! ، فهي دولة بلا أخلاق ، وإنما خلقها الوحيد عقد المنفعة العاجل الذي ينصرف إلى المصلحة المادية ولو أهدرت لأجلها القيم الدينية والأخلاقية ، وهو ما يجعل الملك غاية ، ويجعل كفاية البطن والفرج شرط البيعة ، فالناس لا يبايعون إلا من يطعمهم أكثر وأجود ، فإن نقص الغذاء عظم البلاء ، وإن فاض وزاد حتى فسد وألقي في المزابل فتلك آية الرفاه التي توجب البيعة ، ولو أهدرت العقائد والشرائع والأخلاق ، وصار الناس إلى حال تحاكي حال القطعان الباحثة عن لذة تسكر وقوة تبطش ، فلا يصير ثم من الأخلاق ما يحفظ بنيان الجماعة إلا أخلاق السيادة التي تجعل القوة هي الحق المحكم ، فهي آلة فض النِّزَاعِ بَيْنَ الخصوم وإن خالف الحكم عن المنقول والمعقول جميعا ! ، فالقوي هو الذي يشرع الحكم تارة وينسخه أخرى على وجه يوافق أغراضه ، ولو خالف عن القياس الصريح فالفعل واحد والحكم يختلف ، فإذا كان الغزو لغاية في السياسة أو الاقتصاد فهو فتح يعزز قيم الحرية والعدالة ويسعى في نشر ثقافة السلام والتعايش ويحسم مادة التطرف والإرهاب ويسهم في تحديث الأمم وتحضير الدول بإخراجها من البداوة الفكرية والسياسية فلا يخرج منها صاحب الأرض إلا أن يخضع لقيم المحتل فهو الذي يملك القوة الفاعلة فتلك آية الحق المحكم وما سواه من مُمَانَعَةِ الناس ومقاومتهم ، سواء أكانت باسم الدين فهو أعظم دوافع النفس أن تقاوم وتجاهد ، فلا يدعو إلى خضوع أو استكانة إن في تغيير المنكر الوافد من خارج أو الحاصل في الداخل فلا يرضى الشرَّ إلا اضطرارا يستدفع به شرا أعظم ، على وجه لا يفتي فيه إلا أصحاب الدين المحكم ممن لا حظ لهم في جاه أو سلطان ، فلا يستميلهم الحكام بعطايا أو منح هي من أعظم المحن فلا يكاد يسلم منها أحد إلا من عصم الرب ، جل وعلا ، فيكون استقلال النظر والحكم الذي يحسن صاحبه يقدر الأمور قدرها فلا يجعل الضرورة أصلا يطرد ، ولا يصير الرخصة في احتمال الظلم دفعا لآخر أعظم لا يجعله عزيمة رشد فليس ذلك مما يرضي الله ، جل وعلا ، بما شرع ، وإن قدر وقوعه بما كان من مشيئة نافذة ، فلا يحتج بالقدر على الشرع ، وإنما الشرع هو الواجب امتثاله ، فيدافع قدر التكوين لا سخطا ، وإنما امتثالا لواجب الشرع وَجَرْيًا على سنن الكون أن يُسْتَدْفَعَ القدر بالقدر بما أجرى الله ، جل وعلا ، من السنن المحكم فكما يستدفع قدر الجوع بالأكل ، فقدر الظلم والاستبداد يستدفع بقدر الدفع والإنكار لما يخالف عن سنن الوحي والعدل ، فهما صنوان لا يفترقان ، فلا يكون العدل التام إلا أن يكون الوحي هو الحاكم المهيمن ، فهو الذي من الأهواء قد تجرد فَأُمِنَتْ حكومته ما لم تُؤْمَنْ حكومة غيره ، فالسلامة أن يُنْكَرَ على الظالم الذي يحتجب عن رعيته ، ويغشها فلا يصدقها النصح ، فهو ساع في إفساد الأديان والأبدان وتضييق الأرزاق وقمع من يخالف ، وتقتيل من يعارض ولو توخى من طرائق المعارضة ما لا يهدد السلم العام ! ، فَسَلَّمَ له بما شرع وسطر في دستوره المحدث ، فلا يسلم من جوره وإن رضي بما شرع ! ، فجعله مظلة الاحتكام والاستفتاء سواء أكان ذلك من باب التنزل مع الخصم في الجدال أَنْ يُلْزَمَ لازم ما شرع وكتب فذلك حكم ضرورة تلجئ ، أم كان رضى بما سطر فذلك نقص عظيم أن يُسَلِّمَ من يَنْتَسِبُ إلى الحق ، فَيَرْضَى بمظلة حكم تُخَالِفُ الوحي فهو لا يطمح إلا في فضاء سياسة أوسع لا يخرج عن حكم الوضع المحدث ، فلا يروم الخروج من التَّبَعِيَّةِ وإنما غاية ما يطمح أن يَتَقَدَّمَ خطوة فيصير تابعا أقوى ! ، أو يشارك في صناعة القرار شراكة تقر للمخالف طوعا أنه صاحب حق في الأمر ولو خالف عن منهاج الوحي وقيمه ، فَلَئِنْ رَضِيَ أتباع الوحي بذلك ، رضى المضطر أو رضى المختار ، فَلَنْ يَرْضَى الشريك فظاهره الشراكة وباطنه الاستئثار بالحكم لا سيما في مواضع المفاصلة بين الوحي والوضع فيكون أتباع الوحي شهود الزور على ما ينتهك من أحكامه في إطار زائف من الشراكة باسم الوطن أو المصلحة العامة ، فلئن لم يطق المرء إنكار منكر تعم به البلوى فلم يجد من طاقة الإنكار ما به ينكر فلا تثريب عليه إذ لا تكليف إلا بما يطاق ويستطاع وذلك من أعظم رحمات الوحي الخاتم أن رفع الإصر الواقع ، فلا حرج أن يفارق إذ لم يطق التغيير ، فلا يكون شريكا في الجرم أن يقارف ما يقترف الشريك الغالب الذي صار يجاهر بانتهاك الأحكام وازدراء الأديان واستفزاز النفوس بما يَنْقُضُ من صحيح المنقول وصريح المعقول ، فهو يجاهر وَيُبَاهِي وشريكه المغلوب قد صار شاهد الزور ، كما تقدم ، فلا ناقة له ولا جمل ، وإنما يُقْضَى الأمر باسمه شريكا يقر الباطل فلا ينكره ، بل قد يَتَطَوَّعُ فَيُؤَيِّدُ فذلك نظر السياسة المحكم وإن أتى على أحكام من الدين معلومةٍ عِلْمَ الضرورة ، فيكون وحي المركز هو المحكم ، فدولته الحديثة بلا أخلاق ، كما تقدم ، والأخلاق المحكمة معدنها الشرائع المنزلة ، فلا أخلاق لها ولا دين فهي دولة تجردت من القيم فلم يعد ثَمَّ مُعَظَّمٌ في شرعها إلا المصلحة المادية العاجلة فهي تستجيز لأجل ذلك استعمال الذرائع جميعا ، ولو ذريعة دين ، أن تُحَصِّلَ من مكاسب السياسة والاقتصاد ما تَتَعَلَّقُ به نفوس الخاصة والعامة ، فالأرباح تستدر باسم الرفادة والسقاية ، والمن والأذى يعظم بما يكون من دعاية تخدع الناس فيصير صاحب الوفادة صاحب الفضل مع أن الوافد قد بذل من المال أضعاف الوفادة فقد آل الأمر أن يكون تجارة تَرُوجُ في مواسم كانت مواسم دين بمعناه الأعم الذي استغرق شئون السياسة والاقتصاد ، فـ : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) ، فليس ذلك مما يعيب تبعا ، وإنما العيب أن يصير أصلا فتنقلب مواسم الطاعة مواسم سياسة واقتصاد لا غاية منها إلا تحقيق المصالح استثمارا في نظرية السيادة الروحية فهي جزء من النظرية السياسية النفعية إذ تستجيز ، كما تقدم ، استعمال كافة الأدوات ، وأداة الدين وما له من تعظيم في النفوس وسلطان على الروح ، هذه الأداة من أعظم الأدوات تأثيرا في عالم السياسة في الماضي وفي الحاضر ، فالسنن واحد إذ النفوس قد جبلت على تعظيم الدين ، فلا يعاب ما يكون من عمل التجارة في مواسم الشعائر ، وإنما يعاب أن يكون الفرع أصلا ، إذ يصح تبعا ما لا يصح أصلا ، فلا يقبل الله ، جل وعلا ، من العمل إلا الخالص الصواب ، فإن صار الدين أداة سياسة فقد فسد الأمر إذ انعكس الفعل ، فالصحيح أن تكون السياسة أداة بها يعضد الوحي وينصر فهي ساعية في إقامة حكمه ودحض شبهات خصومه بالحجة والبرهان ، ودفع عدوان خصومه بالسيف والسنان ، وإصلاح حال رعيته فلا يغشهم الحاكم إن باسم الدين ورعا أو الدنيا فتحا وسعة ، وهو يبطن من الفساد ما لا يظهر ، فلا يضمر إلا شرا ، ولا غاية له إلا تحقيق مآربه وإن خالفت عن حكم الشرع ومصلحة الجمع ، وإن تأول من تأول أن ما يحكم به من الجور ويفسد به من القول والعمل هو الحق الذي تقصر الأنظار عن دركه فقد اطلع الحاكم الملهم على كشوف في العلوم والسياسات لا تدركها العامة فليست إلا رعاعا تسيره العاطفة وتحكمه الغريزة ، فالعقل حكر على الحاكم الذي تُسَيِّرُهُ ، لو تدبر ، غريزة الطغيان وشهوة الاستبداد فلا يطيق من الشورى اسمها فضلا عن ماهيتها الحقة ، فهي شورى العدل التي تعم الجميع في أمور الولاية والرائد في ذلك ما كان من بَيْعَةِ الراشدين فكان فيها من بَيْعَةِ العموم ما أعطى الأمة حق الاختيار والرقابة فهي تختار من يحكمها لا ما يحكمها فلا اختيار أن تخالف عن حكم الوحي ، فـ : (مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ، ولا تكون الشورى ، من وجه آخر ، إلا لأهل الكفاية في الشأن الخاص من أمور الطب والصناعة وسائر أجناس المعاش النافع فيرد الأمر إلى أهله ويستفتى أهل الذكر كلٌّ فيما يفقه على وجه يجتمع فيه الناس على طريقة سواء هي معيار الحكم وكلمة الفصل ومحل النِّزَاعِ وإن تجمل من تجمل من الخصوم فأظهر من التسامح والتعايش ما كان الخلاف في الفروع ، فإذا بلغ الأمر حد الفصل أن تُعَيِّنَ الجماعة مصدر التشريع ومعيار التحكيم فلا يجد الخصوم بدا أن يجهروا بالخصومة فينحاز كل إلى قَبِيلِهِ ويمتاز الأولياء من الأدعياء ، ويظهر العدو من البغض ما به يحرر ولاءه ، فهو ساع في نصرة ما ينتحل ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وربما تأول لأجل ذلك أن يقارف من جناية القتل والسفك والهتك والأسر والطرد ..... إلخ فهو يمتثل حكم القانون الذي يحرم الخروج عن قيم الدستور ويجعل الويل لمن خالف عنه فهو قرآن السياسة والسيادة ، فأتباع الوحي أحق بما تقدم ، فهو كائن لا محالة إذ لا بد أن تبلغ الخصومة حالا لا تجزئ فيها مداراة فهي تنقلب مداهنة وإن تأول من تأول من أتباع الوحي أنها مناورة في السياسة بها تعضد الديانة ، فقد انقلبت الآية ، فصارت الديانة هي الخادم التابع ، وصارت السياسة بقيم الوضع المحدث هي المتبوع الحاكم فأمرها هو النافذ سواء استقلت بالحكم صراحة فدستورها هو الحكم حال الخصومة وهو المعيار الذي تُقَاسُ به الأحكام والمراسيم فإن وافقته قُبِلَتْ ، وإن خالفته رُدَّتْ ، فتكون سياسة الوضع هي الحاكمة فمظلتها هي الجامعة سواء استقلت بالحكم ، كما تقدم ، أم خادعت الناس فأظهرت الورع والتدين وجعلت الوحي رائدها في كلمات تسطر في أنظمة سياسة وقضاء ، ولا تأويل لها في الخارج إلا بقدر ما يعضد الحاكم فيوظف الدين وتستثمر مواسم العبادة أن تحصل الدعاية السياسية الباطلة في مقابل ما يرفع من دعاوى مجملة اختلط فيها الحق بالباطل ، فلا يصح استثمار مواسم الديانة في أعمال السياسة ، ولو سلم بإطلاق هذا القول فهو من الفصام النكد بين الدين والدنيا فلا تَنْفَكُّ الشعائر وإن غلب فيها وجه التعبد المحض لا تَنْفَكُّ عن معان لطيفة في السياسة لا تخالف عن مقاصد الشريعة لا سيما المقصد الرئيس : مقصد الاعتصام بالوحي على وجه يوجب البراءة من الوضع المحدث ، فلا يصح عقد الإيمان ، كما تقدم ، إلا أن يسبق بالبغض والكفران بما خالف عن وحي السماء ، فإن شعائر الدين الخاتم مما يغلب عليه الاجتماع في الصلاة والحج ، واجتماع الزمان في فريضة الصوم ، فكل أولئك مما تَنْتَظِمُ به العامة في سلك محكم من الشرع المنزَّل يُقَوِّي الآصرة ويشد البنيان فلا يكون إلا التواد والتراحم إذ اتسع عقد الولاء ، لا كما يزعم خصومه ، إذ نَبَزُوا الوحي أنه يُفَرِّقُ الجمع وَيُغْرِي في الصدور العداوة والبغضاء ، وقد صدقوا من وجه ! ، فهو يُغْرِي العداوة والبغضاء لأهل الشرك والكفران فلا يصح عقد إيمان إلا بذلك بل هو الواجب الأول أن يُخَلَّى المحل من أوضار الكفر قبل أن يُحَلَّى بِزِينَةِ الإيمان الذي يعم جميع حركات الباطن والظاهر ، ما خص وما عم ، فلا يكون إيمان يصح إلا بمفاصلة تحد ، فهي تحسم مادة الولاء في القلوب فلا تكون لغير الله ، جل وعلا ، وأوليائه ، فيكون التمايز بين الصفوف على قاعدة من الوحي محكمة لا تعتبر قاعدة أرض أو دم أو عرق أو لسان إن خالفت عنها فهي لا تهدر هذه العلائق وإنما تجعل قاعدة الوحي هي المحكم الذي تُرَدُّ إليه العلائق كلها ، فإن لم تخالف عنها فلا حرج في اعتبارها ، فهي من نوازع البشر الضرورية وإنكارها خروج عن أحكام الجبلة ، فإن أصحاب الأرض الواحدة بينهما من الألفة ما يزيد ، فإن لم تكن ذريعة أن تُهْضَمَ قاعدة الدين الأولى ، فلا إنكار على أصحاب الأرض الواحدة أن حصل بينهم من التآلف ما يزيد ، لا أن تكون تلك القاعدة ذريعة يُنْتَقَصُ بها من حكم الإيمان والشرع ، فيكون الانتصار لابن الأرض ولو كافرا أو ظالما فذلك ما يغري من العصبية ما به تعظم الجاهلية ، وهو أمر قد عمت به البلوى في هذه الأعصار ، إذ صارت حدود السياسة المصطنعة هي مناط الولاء والبراء الأول ، مع ما عظم البلوى بها ، كما ينوه بعض المحققين ، فإن حدود السياسة المصطنعة قد صارت آلة فاعلة في إضعاف الشعوب فلا يحصل بهذه الحدود من قوة السياسة والحرب والاقتصاد ما به يحصل الدفع لخصوم الوحي ، وما به تمتاز أمة الرسالة بقوة فاعلة في الفكر والحكم والمال ، فالحد المشترك الجامع الذي يجاوز حدود السياسة المصطنعة هو حد الوحي الذي استغرق أتباع الرسالة جميعا وإن اختلفت الأعصار والأمصار فتلك أمة قد امتدت رقعة أرضها شرقا وغربا فليست حكرا على عرق أو لسان ، وهي أمة ذات تاريخ واحد ، فتاريخها تاريخ النبوات ، لا تاريخ الدول والأقاليم التي تتنازع حظوظ السياسة والاقتصاد على وجه أغرى بينها من العداوات ما استجازت به الحرب والحصار والتآمر مع أعداء الدين بالتحريض والتمويل والتسليح فلا يزيد ذلك الناس إلا جاهلية إذ يدفعهم دَفْعًا إلى الانتصار لذواتهم مع غياب القيم الرسالية التي حسمت هذه المادة الفاسدة من النفوس ، فجعلت مناط الولاء والبراء الأول كلمة الوحي المنزَّل ، فهي كلمة سواء تجمع الأبيض والأسود والأحمر ، فليست ، كما تقدم من نَبْزِ خصومها ، ليست مادة خصومة وتنافر إلا أن يكون ذلك لمخالف عن منهاج الوحي على وجه يُتَحَرَّى فيه العدل فلا تكون خصومة الدين ذريعة إلى الظلم فهو محرم في حق كل أحد ، آمن أو كفر ، والعدل ، في المقابل ، فرض واجب لمن وافق ومن خالف ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فلا يُمَيِّزُ الوحي أتباعه بِلَوْنٍ أو عرق كما يصنع خصومه وإن زعموا أنهم سواسية في حكم القانون المحدث ، وذلك ما قد يحصل في أحيان كثيرة يحمد فيها معنى العدل ولو كان الحكم بالوضع المحدَث ، فالعدل في نفسه أمر يعظم ، وإن لم يبلغ غاية ترضى في الحال والمآل جميعا إلا أن يكون على منهاج الوحي ، فهو الذي أمر بأعظم أجناس العدل ، عدل التوحيد تصورا وحكما فلا يعطى من لا يستحق من آلهة الباطل التي لا ترزق ولا تخلق ولا تدبر أمرها فضلا أن تدبر غيرها ، لا يعطى من لا يستحق من آلهة الباطل ما لا يستحق من العبادة والطاعة فلا تكون إلا لمن له الخلق فوحده من له الأمر ، وذلك قياس في العقل يصح ، فلا يخالف التوحيد عن منقول صحيح أو معقول صريح بل هو جار على جميع وجوه الاستدلال الناصح ، من نقل وعقل وفطرة وحس ، فمن خلق بقدر التكوين فوحده من له الحكم بأمر التشريع كما في قول الرب الحميد المجيد تَبَارَكَ وَتَعَالَى : (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) ، فكان التنبيه بالاستفتاح ، وكان التوكيد بتقديم ما حقه التأخير فضلا عن دلالة اللام استحقاقا في "له" ، وكان الاستغراق الذي عم بدلالة "أل" في "الخلق" و "الأمر" ، فهو يستغرق المعاني خلقا وأمرا على وجه يحصل به التمايز فلا ينفرد به مطلقا إلا الرب ، جل وعلا ، فهو الذي خلق الأعيان ، والخلق في هذا السياق يعم فهو يستغرق خلق التقدير الأول وخلق الإيجاد الثاني ولا ينفك يستغرق ، أيضا ، تدبير الأبدان بما يجري الرب ، جل وعلا ، من الأرزاق ، فلا يزال يخلق منها شيئا فشيئا ، ولا يزال يخرج من طيبها من الأرض وينزل من صَيِّبِهَا من السماء ما به صلاح الحال والمعاش فذلك مقصد رئيس من مقاصد التشريع ، وهو ، كما تقدم ، ما لا يذم وإن في مواسم الديانة على وجه لا يحرف النية والمقصد فلا يكون الدين ذريعة إلى تحصيل أسباب السياسة والتجارة فهو الذي يستغرقها وهو الذي يعلوها في الرتبة فهو الحاكم لما يكون من الفكرة والحركة ، فلا تصح حال الفرد والجماعة إلا أن يوافق الجميع أحكام الديانة ، باطنا يُنْتَحَلُ وظاهرا يُمْتَثَلُ ، فالوحي هو الحاكم المهيمن الذي استغرق بمنطوقه ومفهومه ، بنصوصه ومقاصده ، بكلياته وجزئياته ، فاستغرق جميع حركات الاختيار فَلَهُ في كلِّ حالٍ حكم بها تصلح ، وهو ، كما تقدم ، أوسع مناط يستغرق الناس جميعا فلا يميز بينهم ، كما هي حال خصومه ، وإن زعموا المساواة والعدل فالناظر في جذور الأفكار والسياسات يجد من استعلاء الخصم بجنسه ولونه ما استجاز به غزو الخصوم واحتلال بلادهم فذلك ثمن تبذله الأمم من دمائها وثرواتها لتلتحق بركب المدنية ، ولا يتوجه لوم إلا إلى الوحي ! ، مع أن دعواه من جنس دعوى أولئك ، ولو من باب التَّنَزُّلِ في الجدال مع الخصم ، فهو يَزْعُمُ أنه جاء لتحرير الشعوب وإخراجهم من رق العباد إلى رق ربهم ، جل وعلا ، فلا يتحرر البشر من عبودية البشر والشجر والحجر إلا أن يكون مناط العبودية لمن علا الجميع بالذات والوصف والفعل ، فجنس الدعوى واحد ، مع القدر الفارق بداهة وذلك ما يسلم به الخصمان ، فجهاد السيد الأرضي الذي احتكر قيم الحضارة وأخلاقها فهو ساع في نشرها في الشعوب المتخلفة ولو باسترقاق أبدانها وانتهاب ثرواتها ، وتاريخ الرق الذي يقصر ، أيضا ، على أحكام الرق في الوحي الخاتم مع نَبْزِهَا بالتوحش وإهدار الكرامة والحقوق الإنسانية ! ، تاريخ الرق ، أيضا ، مما اشترك فيه الخصمان فكان لكلٍّ من أحكام الرق ما أبانت عنه النصوص الحاكمة وما ظهرت آثاره في الوقائع الحادثة ، فالتاريخ قد أبان بما كفى من رُزِقَ الإنصافَ أن يَمِيزَ من بكى ممن تَبَاكَى ، ومن صدق بالفعل القولَ ، ومن كذب في القول وظلم في الفعل ، وذلك نظر لا يصح إلا باستقراء تام لا انتقاء في الوقائع والأحداث وإلا فأتباع الوحي قد ضلوا في مواضع وإن لم يبلغ بهم الضلال ما بلغ بالخصم فهو يَتَصَيَّدُ من أخطائهم الأقل وَيَتَغَافَلُ عن أخطائه وهي أكثر وأفحش بل هي الأصل فيه ، كما يظهر من تاريخ السياسة والحرب في الأعصار الوسيطة والحديثة ، فلما كانت له الدولة تأول من أحكام الغريزة ما أشبع به شهوة السيادة والثروة ، فكان تاريخه تاريخ المادة ، وكان صراع المصالح والمبادئ فلا يخلو من ضمير يألم ، فَحُسِمَ الصراع وَانْتَصَرَتِ المصالح ، وصارت السياسة النفعية هي السياسة الحاكمة ، على وجه اتسم باللادينية واللاأخلاقية معا ، إلا ما كان من حد أدنى من الأخلاق التي بها تُقْتَسَمُ الغنائم فالعدل إن ظهر في أرضه فلا يظهر في غيرها فهو من القيم النسبية التي يستحقها السيد ويحرم منها العبد ! ، فلا حظ للعبد إلا العصا ولا يطمع أن يجاور السيد في مجلسه فضلا أن يشاركه في الأمر ، فالعبد الأبيض هو السيد في منهاج ، وهو والأسود والأحمر على حد سواء في آخر فلا معيار يفاضل إلا التقوى وهو معيار عام دائرته أوسع الدوائر فليس مناط اختلاف بل قد أمر بالاتفاق والائتلاف وإن حد ذلك بكلمة سواء ، كلمة التوحيد المحكمة التي جاوزت كلمات الوضع المحدثة فكلمة التوحيد لا حظ لها به تُتَّهَمً وكلمة الوضع ليست إلا تأويلا لموازين من القوى تَتَدَافَعُ فكلٌّ يحركه من المآرب ما يَتَأَوَّلُ لأجله الحق فهو ما يحقق مصالحه ولو ظلم غيره فلا يعدم تأويلا لهذا الظلم كما لم يعدم المحتل في التاريخ الحديث من تأويل النظريات السياسية المحدثة التي جعلت مناط الحق هو القوة المادية وجعلت الْعِرْقَ واللون مناط السيادة المطلقة التي تَمْتَنُّ على غيرها أن استعبدته وانتهكت حقوقه فلولا ذلك ما عرف معنى الحضارة التي احتكر القوي معيارها فهو الذي يُعَيِّنُ قِيَمَهَا وفقا لما يهوى فهو ، كما تقدم ، متهم بالميل وإن أظهر الإنصاف في الخصومة ، وأما كلمة الوحي فهي الأعم بما اتسعت بها دائرة الأتباع فلم تقصرهم على لون أو عرق بل قد جاءت بالدعوى العالمية التي تجاوز الحدود السياسية المصطنعة ، فهي ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ ، فلا أقدم من تاريخ الرسالات من آدم إلى الختام ، وهي صالحة لِكُلِّ عصر ومصر ، وهي مما تقبله كل نفس فمناط التكليف : الجنانُ والأركانُ وهي مما رُكِّبَ في كل إنسان ، بل ثم من النصوص الصحيحة ما يتحرج منه بعض خصوم الاستبداد على وجه حملهم أن يَرُدُّوا الغلو بمثله ، فكان غلو من غلا في نصوص السمع والطاعة ، كما في الخبر المشهور أَنِ : "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة" ، فذلك مما تقدم بيانه في مواضع سابقة ، وله تخريج في الوحي يواطئ صريح العقل بلا غلو في تقرير الأمر على وجه يبطل شعيرة الإنكار والزجر لمن فارق حدود الوحي فجاوزها فضلا أن يعطلها ويناجزها العداوة ، أبطن ذلك أو أظهر ، فكان في المقابل من خاصم هذا الفريق فغلا في ضده حتى جحد صحة الخبر فلم يَرَ فيه إلا ذريعة استبداد أن أساء الأول الفهم أو القصد ! ، فجعله ذريعة إلى باطل لا يقره الوحي النازل الذي جاء في مواضع أخرى تترى يحض على الإنكار والزجر لمن خالف عن حكم الوحي من أئمة الجور على وجه يعظم فيه الفقه في تقدير المصالح بلا زيادة ولا نقص وهو أمر أدق في التأويل منه في التقرير ، فتقريره في النظر يسير وتأويله في القول والعمل عسير إلا أن يُيَسِّرَهُ الله ، جل وعلا ، على الناظر فيسدده في القول والعمل فيصدر عن هداية تامة تجمع فقه الألفاظ وفقه القرائن في الخارج ، فيحسن يضع الكلمات الشرعية في النوازل الفكرية والسياسية والاقتصادية على وجه يظهر به القدر الفارق بين شرع السماء المحكم وشرائع الأرض المتشابهة التي تصيب من الحق وجها أو وجوها وتخطئ غيرها فيكون من الفساد ما يعظم ، فكان الاختلاف في نص كهذا بين غال وجاف ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، غرض رئيس من أغراض إبليس أن يوقع الناظر في غلو أو جفاء فيخرج به عن حد الاعتدال وهو الوسطُ بين طرفين والفضيلةُ بين رذيلتين ، ولم ينظر كلا الفريقين في معنى آخر يحسن ، فهو يعطي العبد الحبشي الأسود من معنى الولاية ما يوجب السمع والطاعة وإن كان رقه مانعا من ولاية صحيحة تامة فلا تكون إلا لحر ، فولايته إن كان حرا توجب السمع والطاعة من باب أولى ، فليس لونه بحائل أن يلي من الولايات العامة ما هو أهل له ، وقد وَلَّى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسامة ، رضي الله عنه ، الجيشَ وكان أسود ، وولى أباه من قبله الإمارة وهو مولى له وإن أعتقه ، فـ : "إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمْرَتِهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإِمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ مِنْ بَعْدِهِ" ، ولم يكن الطعن في أسامة أنه أسود ، وإنما كان الطعن أنه الأصغر ، فلم يلتفت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى ذلك ولم يلتفت خليفته من بَعْدِهِ فعقد له اللواء وَأَنْفَذَ بَعْثَهُ كما قد أوصى النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَبْلَ قبضه ، وكان من ولاية القضاء والفتيا ما عقد لعطاءٍ في الحرم وهو الأعور الأشل الأفطس الأعرج الأسود ، فولاية الدين والسياسة والحرب ليست حكرا على أبيض فهو يسود الناس بلونه ! ، وإنما يسود الإنسان بِتَقْوَاهُ وورعه ، فذلك معيار التفاضل الأول ، فـ : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، وبعده يكون التفاضل في مواهب الفعل فَثَمَّ من يصلح في أعمال السياسة ، وثم من يصلح في أعمال التجارة ، وثم من يصلح للحرب فهو صاحب العزيمة والحيلة ، وثم من يصلح لأعمال الكتابة ، وثم من يصلح للعلم والفتيا ، وثم من يصلح للنظر والتربية سواء أكان ذلك للأفراد أم الجماعات ...... إلخ ، ولكلٍّ من الوظائف ما يلائمه على وجه يجعل الوحي هو الرائد فذلك عقد لا أعم منه إذ قد جاوز الحدود السياسية والأعراق البشرية ، وهو قياس الحكمة ، وإن بالنظر في أحكام السياسة المحدثة ، فإن الأمم الأقوى هي الأمم ذات التاريخ المشترك والأرض المتصلة فلا تُقَطِّعُهَا حدود السياسة المحدثة ، لا جرم كانت عناية المحتل إذ وطئ أرض الإسلام أن يجزئها قطعا لا تطيق بآحادها ما تطيق بمجموعها من أعمال السياسة والحرب والاقتصاد ، فكيانات صغيرة ضعيفة تفتقر إلى الحماية والرعاية مع ما عظم فيها من فساد الإدارة إذ قد غابت الديانة أن تضع معيار الأخلاق وأن تكون المرجع في الأحكام ، فانقطع إسناد الأمة إلى النبوة ، وهو إسناد الأمة الواحدة الضاربة بجذورها في تاريخ زاهر ، تاريخ : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ، فلم يعد تاريخها واحدا بل قد صار تواريخ عدة ، فكلُّ مصر من الأمصار المحدثة ، كما يقول بعض الفضلاء ، قد راح يفتش في تاريخ ما قبل الرسالة لعله يظفر بعقد يضاهيها فينتسب إليه نسبة جديدة لا تُغْرِي في النفوس إلا العداوة والبغضاء فهي ذريعة الشقاق والنِّزَاعِ فصار العرب خصوم الترك ، وصار البربر خصوم العرب ...... إلخ ، فكل قد استبدل رابطة جنس أو لون يظهر فيها من عصبية الجاهلية ما يفسد الأحوال الدينية والسياسية ، فكلٌ قد استبدل هذه الرابطة المحدثة بِرَابِطَةِ الرسالة الخاتمة التي جمعت الشعوب والأعراق على الحق فليس اجتماع الناس مطلقا هو الغاية ، وإلا فقد فَرَّقَ الوحي في أحيان ما لم يجمع أن امتاز من غيره من المناهج والشرائع ، فالغاية أن يجتمع الناس على الحق ، فـ : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ، فكانوا على الحق الأول ، حق التوحيد ، الذي وحد القلوب فاتحدت الأبدان ، فتاريخ واحد يجاوز تاريخ الأمصار والأقاليم الذي صار ذريعة التباغض والتقاتل ، فما هُيِّجَ العربي على التركي إلا به ، وما خاصم البربري العربي إلا به ، فصار لكلٍّ تاريخ ينافح عنه ، وانشطر تاريخ الرسالة الواحد إلى تواريخ أضيق تقتصر على العرق أو حد السياسة المحدث فكل دولة تفاخر بتاريخها وَتَتَغَنَّى بملاحم لها ناجزت فيها المصر المجاور الذي كانت يوما قسيمته في ولاية جامعة جاوزت الحدود وآلفت بين القلوب ، فجاءت الحدود سببا في الحروب صيانة لتراب الوطن الذي صار غاية عظمى أهدر لأجلها ما أهدر من عقد الدين المحكم الذي عم فاستغرق ، ونصح فلم يغش ولم يخدع ، بل إنه بمعيار الشرائع المحدثة أفضل وأقوى فإن الاقتصاد ، وهو مرجع رئيس من مراجع السياسة المحدثة وبه تقام العلائق وتذوب الفوارق ! ، فإن الاقتصاد لا يزدهر ، كما يقول بعض المحققين ، إلا إذا اتصلت رقعة الأرض فاتسعت فيكون من ثروة الأرض والعقل وقوة العمل والبناء ما يجعل العقلاء يَسْعَوْنَ في الاجتماع تحت لواء واحد ، فالخصم ، أبدا ، ساع في التفتيت إلى كيانات صغرى لا تحسن تدبر أمرها لا سياسة ولا حربا ولا اقتصادا ..... إلخ فهي تفتقر إليه ليحتلها احتلالا مباشرا أو آخر من بعيد بما تقيم من نواب فيهم يصدق ما تقدم من وعيد الاحتجاب ، فـ : "من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب عن حاجتهم ، وفقيرهم احتجب الله دون حاجته" ، فقد ولوا الأمر فاحتجبوا عن أمور المسلمين ، ما خص وما عم ، إذ قد صار شرط الولاية هو رعاية مصالح المحتل الذي قَيَّدَ الأطراف بولاة سوء احتجبوا وغشوا فأغلقوا باب النصح والرعاية إلا ما يكون من رياء بعطايا أو منح هي ، لو تدبر الناظر ، حقوق لا منة فيها فليست من كيس الحاكم أو كيس أبيه ، فذلك مال عام لكل فرد من الرعية فيه حق واجب لا تكرم فيه من حاكم بل هو مستخلف فيما ولاه الله ، جل وعلا ، فأسند الفعل "وَلَّى" إلى الله ، جل وعلا ، فذلك ابتلاء اجتمع فيه قدر الكون أن تَيَسَّرَ له من أسباب الولاية ما جعله فوق الناس ، فـ : (جَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) ، فذلك قدر الشرع ، إذ تأويل الاستفهام إنشاء أَنِ : اصبروا ، فالحاكم مبتلى بالمحكوم أن يصبر على أداء حقه وعلى مسألته فلا يضيق ولا يتبرم ولا يحتجب ولا يَتَهَرَّبَ ، فاجتمع في الإسناد في الخبر : "من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب عن حاجتهم ، وفقيرهم احتجب الله دون حاجته" ، اجتمع فيه من قدر الكون وقدر الشرع ما به يكون الابتلاء ، فكما ابتلي المحكوم أن يسمع ويطيع في المنشط والمكره إلا ما خالف عن الحق المنزَّل ، فكذلك الحاكم قد ابْتُلِيَ أن ينصح فلا يغش ، ويظهر فلا يحتجب دون حاجات الرعية ولا يكون ذلك ، بداهة ، إلا أن يشاطرهم المعاش فَيَطْعَمَ مما يطعمون لِيَجِدَ ما يجدون من تكاليف الحياة وأعباء المعاش ، فإن احتجب فاستأثر بالمغنم دون المغرم ، وأكل السمين وأكلوا الغث ، وسكن القصور وسكنوا الجحور ، وخاض في لذاته وتغافل عن آلام رعيته ، وامتن عليها بما هو لها حق ، واغتر بما له من سلطان الحكم ، وأحاط نفسه وبطانته بسياج محكم من الحرس والجند فهو ظالم يخشى أو مستكبر بما له من أبهة الملك فليس ذلك إلا لنقص في نفسه رام استكماله بما يظهر من آي العزة وإن فضحه الرب ، جل وعلا ، فكساه لحاء الذلة ، فإن كانت تلك حاله فَأَنَّى يَرْعَى ما استرعي من الرعية ، فلا عناية له بالتفتيش في أحوال الناس أو النظر في شكايتهم ، أو السعي في رعايتهم ، فخيانة في الحكم وغلظ في الطبع وقسوة في القلب وامتثال لأمر البشر ومخالفة عن أمر ربهم ، جل وعلا ، فهو يخشى رجالات السياسة الذين كسوه لحاء الشرعية فأقروه ملكا أو رئيسا ، وأطلقوا يده في رعيته أن يظلم ويبطش ، فهو نائب عن السادة فيما يُسْتَقْذَرُ وَيُسْتَهْجَنُ ، وهو أمر يَتَسَلْسَلُ فكلٌّ يستخدم من تحته في بُنْيَانِ السياسة الجائرة أن يقارف من الظلم ما به يعظم الذم فالكائنة سب ولعن ، والعاقبة عار وخزي ، فذلك مما يدخل في حد العموم في الخبر سواء أحمل على الوصل أم الشرط ، فـ : "من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب عن حاجتهم ، وفقيرهم احتجب الله دون حاجته" ، والعموم ، كما تقدم ، مما اتسعت دلالته فهو يعم المسلم ومن دخل في ولاية الإسلام من ذمي أو معاهد أو مستأمن فكل له من الحق ما يُبْذَلُ رعايةً للعقود ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، وَبِرًّا بمن سالم فلم يحارب ، فـ : (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ، فذلك من كريم الأخلاق التي جاء الوحي يُتَمِّمُهَا ، فمن كانت تلك حاله فالجزاء من جنس ما عمل كما في الشطر الثاني من الخبر : "احتجب الله دون حاجته" ، فكان الاحتجاب الثاني من الاجتجاب الأول ، على وجه تعظم فيه النكاية مع ما في الحكم من موافقة لصريح الدراية ، فالجزاء من جنس العمل ، كما تقدم ، وهو جنس عام كسائر ما اشترك فيه الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فكان الجناس التام في اللفظ مع الاختلاف في الحقيقة والماهية في الخارج ففعل الخالق ، جل وعلا ، مما يخالف ، بداهة ، عن فعل المخلوق وإن اشتركا في مادة اللفظ وجنسه المطلق في الذهن فآحاده في الخارج تختلف تَبَعًا لاختلاف الفاعلين في الذات والوصف ، فاحتجاب رب العالمين ، جل وعلا ، عدل ، واحتجاب الحاكم دون حاجات رعيته ظلم ، فشتان الفعلان وإن اتحدا في اللفظ وجنس المعنى المطلق ، كما تقدم ، وذلك من مَوَاضِعَ فِيهَا يظهر القدر الفارق بين وصف الخالق ، جل وعلا ، ووصف المخلوق ، فقد يكون الوصف واحدا ويكون مدحا في حق الخالق ، جل وعلا ، وذما في حق المخلوق كما في هذا الموضع ، وكما في مواضع الجلال كالكبرياء والعظمة فلا تطيقها المحال المخلوقة فهي تضعف أن تحتمل آثارها ، فذم اتصافها بأوصاف الجلال فلا تكون إلا لله ، جل وعلا ، ذي الجلال والكبرياء والجبروت والعظمة والعزة ..... إلخ ، وقد يكون الوصف على ضد ذلك فهو في حق الخالق ، جل وعلا ، نَقْصٌ عنه تَنَزَّهَ ، وهو في حق المخلوق كمال وإن لم يخل من شوب نقص بالنظر في أصل الخلقة ، كالأكل والشرب والنكاح فهي مما يمدح به المخلوق ، وإن لم تخل من وصف النقص والحاجة فلا يمدح بها ، بداهة ، الخالق ، جل وعلا ، لما اتصف به من الكمال المطلق الذي لا يحتمل نقصا من أي وجه ، واحتجاب الرب ، جل وعلا ، عن الحاكم الظالم مما يفيد بالمنطوق أنه لا يحتجب عن الحاكم العادل الذي لا يحتجب عن رعيته فلا يخلو من دلالة بها يستأنس من يثبت رؤية الرب ، جل وعلا ، في الدار الاخرة ، في دار النعيم ، على تفصيل في ذلك ، ولا يلزم من عدم احتجابه عن المؤمنين أن يحيطوا به فرؤيتهم رؤية التنعم لا الإحاطة طردا للنص الصحيح وقياس العقل الصريح إذ لا يحيط المخلوق بالخالق ، جل وعلا ، بداهة ، فـ : (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ، ولا يخلو السياق كسائر نصوص الوعيد أن يتحمل من دلالة الإنشاء ما يلازمه ففيه النهي عن الاحتجاب عن الرعية ، والنهي عنه يستلزم ، من وجه آخر ، الأمر بضده أن يخرج الوالي ويباشر من أمور الرعية ما به صلاح الحال الدينية والدنيوية فذلك ما يجعله مناط وعد يخالف عن الوعيد المنصوص فلا يحتجب عنه الرب المعبود ، جل وعلا ، يوم القيامة .

وحاجة العبد تعظم يوم الحشر فكانت النكاية أعظم إذ قُيِّدَ الجزاء في الخبر ، قُيِّدَ في مواضع أخرى بِيَوْمِ القيامة ، كما في رواية : "من ولي من أمور المسلمين شيئا فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة احتجب الله تعالى عنه يوم القيامة" ، فحصل بجمع الطرق من البيان ما ينفع فَفِي الزيادات معان صحيحة لا تعارض الأصل ، وذلك من فقه الاستدلال فإن أول ما ينصرف إليه الناظر أن يجمع أدلة الباب وأن يجتهد ما استطاع أن يجمع بين الدلالات فيحمل المطلق على المقيد ، والعام على الخاص ..... إلخ ، فإن تعارضت وتعذر الجمع فالمصير إلى النسخ ثم الترجيح ، فيكون الإعمال أولى من الإهمال ما استطاع الناظر إلى ذلك سبيلا ، وقد خص أولي الحاجة بالذكر إذ يعظم من الشر بالاحتجاب عنهم ما لا يكون في الاحتجاب عن أهل القوة والسلطان فلهم من الجاه ما به يكتفون فلا يلجئون إلى الولاة ما يلجأ الضعفاء إذ حاجة الضعيف أعظم وأسبابه أقل ، وذكرهم ، من وجه آخر ، يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام فهو مثال خص بالذكر تَنْوِيهًا به لمعنى زائد وهو عظم حاجتهم ، فلا يكون ذكره مخصصا لعموم المعنى فالوالي يجب عليه من رعاية الجميع ، القوي والضعيف ، وإقامة العدل فيهم ، ما يجعلهم جميعا على حد سواء وإن تفاوتوا في الأقدار ، فلا يفرق بين قوي وضعيف ، ولا أبيض ولا أسود ، فذلك ، كما تقدم ، معيار الوحي الذي لا يفاضل إلا بالتقوى ، ولا يحكم إلا بالعدل ولو لمفضول على فاضل ، بل ولكافر على مؤمن ، فشرعة الوحي شرعة العدل ، فلا يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنض أبيض وأسود ، ورب الجميع واحد ، وهو الخالق الشارع ، جل وعلا ، فوحده من له الحكم إذ وحده من له الخلق ، كما في آي الأعراف في قوله تعالى : (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) ، وقد شرع لأجل ذلك الجهاد بالحجة والبرهان سلما ، والسيف والسنان حربا يُطْلَبُ فيها خصوم الوحي إن حصل من الشوكة ما يطيق أصحابه ذلك فهو الفرض حال القوة ليحصل من البلاغ والبيان ما تقوم به الحجة ، وليكون الدين كله لله ، جل وعلا ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، قياس العقل الصريح ، فإذ كان الخلقُ له خلقَ العموم المستغرق جميع الأعيان إيجادا وجميع الأحوال تدبيرا ، فَلَهُ وحده الحكم ، فهو الذي دبر الأحكام بما أَنْزَلَ من الأمر ، ودلالته ، أيضا ، تعم فهي تجاوز ما يتبادر إلى الذهن من حد الأمر في لسان العرب وأصول الاستنباط ، فيعم الخبر إثباتا ونفيا ، ويعم الإنشاء الذي يشاطر النهي فيه الأمرَ في الاصطلاح ، فدلالة الأمر في هذا السياق أعم ، فهي ، عند التدبر والنظر ، تعم سائر النصوص الخبرية والإنشائية ، الخاصة والعامة ، فالأمرُ كله له ، جل وعلا ، ما كان من الكون ، كما في قوله تعالى : (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) ، وما كان من الشرع ، كما في هذا الموضع ، فهو لازم صحيح في النظر على ما تقدم مرارا من تكليف التأله والتَّنَسُّكِ فهو لا يصح إلا أن يفرد به من خَلَقَ وَرَزَقَ وَدَبَّرَ على وجه لا ند له فيه ولا نظير ، فلا ند في الألوهية إذ لا ند في الربوبية ، فلا يحكم في نازلة فقه أو سياسة أو حرب إلا من له الأمر المطلق بما أَنْزَلَ من الوحي المحكم فهو وحي العليم الحكيم الذي قدر من سنن الخلق والتدبير ما أحاط به علما فلا يحيط أحد بالخلق علما فيدرك ما يصلحهم مع تجرده من الحظوظ والأهواء ، لا يحيط أحد بهم إلا الرب القدير الحكيم ، جل وعلا ، الذي اتصف بالكمال المطلق ، فظهرت آثار كماله في أفعال الجلال وأحكامه ، وأفعال الجمال وأحكامه على وجه عظم به الثناء بالحكمة ، فَوُضِعَ الجلال وَشُرِعَ في مواضعه ، وَوُضِعَ الجمال وَشُرِعَ في مواضعه ، فلكلِّ موضعٍ من الحكم ما يواطئه فذلك مما يدخل في حد الإعطاء في قوله تعالى : (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) .

والله أعلى وأعلم .