مما تقرر في مناهج الاستدلال في الوحي الخاتم أن الظاهر الراجح يجزئ في الحكم ما لم ترد قرينة تخالف ، فذلك أصل في عامة الأحكام إذ اليقين لا يدرك في أحوال كثيرة فيجزئ الظاهر الراجح ، كما هي الحال في الاحتجاج بخبر الواحد في العلم والعمل ، فهو حجة بنفسه إذا تحققت فيه شرائط الصحة في الاصطلاح ، ولم يكن ثم من القرائن ما يقدح في صحته فيعمل بظاهر الإسناد الصحيح حتى يرد ما يطعن فيه بِعِلَّةٍ أو شُذُوذٍ أو نكارة ...... إلخ ، ويعمل بظاهر اللفظ الصريح حتى يرد ما يطعن فيه بعلة ، فالعلة جنس تندرج تحته آحاد فمنه العلة في الإسناد ، ومنه العلة في المتن ، بقلب أو اضطراب ... إلخ ، فخبر الواحد ، من هذا الوجه ، مناط احتجاج معتبر إن في العلم أو في العمل ، وإن لم يفد اليقين الجازم أو العلم الضروري وهو ما اصطلح أن يسمى علم العامة فعلم الضرورة علم عامة يستغرق جميع الناس ، سواء أكانوا من خاصة المجتهدين أم من عامة المكلفين ، وأما علم الخاصة فهو علم يقتصر على أهل الاجتهاد من خاصة النظار الذين أتقنوا الأدلة ألفاظا ، ووجوه الاستدلال معان ، سواء أكانت منطوقة أم مفهومة ، فأحكموا القياس وسائر أجناس الاجتهاد ، فلهم نظر يدق في تصحيح الأخبار وتضعيفها استنادا إلى معيار محكم صار مضرب المثل في هذا الباب الجليل الذي اختص الرب ، جل وعلا ، به أمة التوحيد فكان ذلك من تأويل الوعد الصادق بحفظ الذكر النازل ، فـ : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، فحفظه حفظ ألفاظه متواترة أو آحادا ، وحفظ معانيه ، نصا أو قياسا ، على وجه يحصل فيه التَّفَاوُتُ ، فأنظار المجتهدين تختلف في القياس بِالرَّدِّ إلى أصل منصوص أو أصل معقول استنبط من جملة فروع فَصَارَ أصلا كليا أو مقصدا رَئِيسًا من مقاصد الوحي ، فذلك مما يقع في الفروع على وجه قد يحصل به من رحمة الفتوى الخاصة ما يمتن به الرب ، جل وعلا ، على آحاد من المستفتين ، وإن كان الأصل في الافتراق والاختلاف أنه شر ، لا سيما إن كان في الأصول الجامعة فالخلاف فيها لا يسوغ سواء أكان مما يقدح في أصل الدين الجامع أم في كماله الواجب ، وكذلك الشأن في الفروع إن أفضى الخلاف فيها إلى التَّنَازُعِ والاقتتال ، كما اطرد في أحوال الضعف والانحطاط إذ فَشَا التعصب لقول الإمام أو المذهب على وجه يدل على ضعف العقل وضحالة الفهم وعظم الجهل فإن أعلم الناس بالخلاف ووجوهه أرحمهم بالناس مع علمه بالحق القاطع أو الراجح ، ولو في ظنه ، فعنده من آلة الاجتهاد والنظر والإحاطة بوجوه اللسان وطرائق البيان ، عنده من ذلك ما يرحم به المخالف إذ يدرك وجه خلافه ، ويعلم من دليله ما حَمَلَه على الفتوى التي تعارض فَتْوَاه ، فلا يخلو استدلاله من نظر ، صح أو ضعف ، فقد يستدل بلفظ ضعيف إذ رجح عنده أنه صحيح أو حسن أو وجد له من المتابع ما يشهد ، أو عضده عنده ما ظنه إجماعا وفيه خلاف لم يبلغه فاستقرأ أقوال المجتهدين فلم يجد ثم خلافا فيما حفظ فلا يقطع بصحة إجماع إلا من استقرأ الاستقراء التام الذي يحصل به اليقين الجازم ، وذلك ما قد يتعذر في الأعصار المتأخرة فيكون الاستقراء غالبا يفيد ظنا راجحا فلا يحكى إجماعا بلا قيد ، فهو إجماع من حفظ عنه العلم وَتَحَمَّلَ لا إجماع كل من عنده في المسألة علم ، فلا يعلم خلافا في المسألة بقدر ما أطاق من الاستقراء ، سواء أكان استقراء مشافهة فَرَحَلَ في الأمصار وَشَافَهَ المجتهدين أم كان استقراء الكتب والمدونات التي حفظ بها الرب ، جل وعلا ، أعظم إرث في هذا العالم ، وإن لم تكن له عصمة كعصمة التنزيل ، ففيه من الخير العظيم الذي يستزيد منه الناظر مدارس في النظر والاستدلال ، فلا يجمد على الألفاظ ، فإنها فتاوى بشر لم يكن لهم من عصمة الوحي ما يوجب إطلاق القول بالصحة ، وإن كان لها من العصمة حظ آخر أن عصم مجموعها من الخطأ فلا يخرج الحق عنها وإن لم يكن فيها جميعا فهي تختلف في الحكم ، والحقُّ واحد في نفس الأمر ، إن في الفروع أو في الأصول من باب أولى ، فلا يخرج الحق عن اجتهادات المجتهدين فِي نَازِلَةٍ ، وإن دق وجه الحق فلا يخفى على جميع النظار ولا يندثر إذ لا يكون إجماع على خلاف الحق ، ولا يضيع الحق في فتاوى المجتهدين ، فيكون إجماعهم على مفارقة الحق ، فذلك إجماع آخر يَمْتَنِعُ لصدق الوعد بشهادة الحق على أمم الأرض ، فلا يشهد إلا عدل ، وعدالة الأمم تَسْتَوْجِبُ ألا تُجْمِعَ على باطل فإن احتمال الخطأ ينسحب على جميع أقوالها ، وإن قول التوحيد ، أصل الحجة الرسالية ، فما يمنع الخطأ ؟! ، والدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال ، وإن كان ذلك ، من وجه آخر ، مما لا يطلق القول به ، فليس أي احتمال يبطل به الاستدلال لحصول الاشتراك في اللفظ ، وإنما الاحتمال المعتبر الذي يَبْطُلُ به الاستدلال هو الاحتمال الذي تَتَكَافَأُ فيه الوجوه أو تَتَقَارَبُ ، فيكون الخلاف المعتبر الذي يوجب التَّوَقُّفَ حتى يَرِدَ دليل يرجح ، فيكون تفاوت المجتهدين في الترجيح إما بالنظر في الإسناد أو في المتن على وجه اسْتَقْرَأَهُ أهل الشأن ، وهو ما يدحض شبهة اشتهرت في كلام الخصوم لا سيما من تناول الدرس الإسلامي بِنَفَسٍ استشراقي لا يخلو من غرض سياسي وعسكري ، فهو طليعة غزو واحتلال ، وهو ما يمهد الأرض بهدم الأديان والأفكار ، وتسوية الأرض بمحو الذاكرة والهوية وقطع الصلة مع الإرث ، بالتشكيك في ألفاظه وتسفيه معانيه وأحكامه ، فيكون الطعن في الإسناد تارة والمتن أخرى ، ليزهد الناس في إرث الرسالة وذلك ما انطلى على كثير من أرباب الثقافة العامة ممن لم ترسخ أقدامهم في علوم الديانة ، فَصَارُوا إلى أعظم صور الانهزام ، كما يقول بعض الباحثين ، وهو ما قد يطلق عليه الانهزام الذاتي فإن الخصم قد نجح في اختراقهم حتى صاروا أشد منه إخلاصا ! ، فليسوا بحاجة إلى توجيه ! ، فهم أكثر كرها للإسلام وأشد بغضا لِتُرَاثِهِ من خصومه الأصليين ، وأكثرهم ممن وفد على مدارس في الفكر تُخَالِفُ عن قِيَمِ الوحي فهي تأرز إلى أصول أخرى تُغَايِرُ أصول الرسالة في النظر والاستنباط وإن زعمت التجرد فلا تنفك تحكم على الأشياء بما استقر عندها من معيار الحكم الذي يأرز إلى عقل حادث ، هو عقل ركزت فيه طبائع النقص وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من جودة النظر والفكر ، فإنه خُلِقَ جاهلا ساذجا واكتسب العلوم شيئا فشيئا حتى حصل له من المقدمات ما به يحكم ، ولا ينفك يخالف في النتائج بما يكون من تفاوت في درك المقدمات ، فمنها أخبار يجمعها الناظر فهي مادة الاستدلال التي يجتهد المستدل أن يحرر ألفاظها صحة أو ضعفا فذلك أول ما يجب في أي حكم ، إذ لا بد من صحة المستمد ، وإلا كان البناء على غير أساس ، فإن الدليل الضعيف أو المكذوب لا يصح مستندا لا سيما في الأصول والمواضع التي عمت بها البلوى كما وقع لكثير ممن أرخ للفتنة فإنه إن لم يتشبع بكلم الوحي الصادق ، فيكون ثم من أصول الاستدلال ما به يعدل فلا يكون منه الغلو ولا الجفاء وإنما يَجْتَهِدُ في وضع إطار عام يستغرق الوقائع والأحداث ، فيكون هو الرائد الذي يُلْهِمُ الناظر فلا يكون ذلك بمعزل عن الوحي النَّازِلِ الذي جاء يُزَكِّي الفريقين ولم يثبت لهما من العصمة ما قد رُفِعَ من الأرض بقبض صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهم بشر كسائر البشر يصيبون ويخطئون ، ولكنهم ، من وجه آخر ، مُزَكَّوْنَ مُعَدَّلُونَ ، قَدْ زَكَّاهُم الوحي على وجه يغص به الخصوم فليس إلا تكذيب النص إن كان من الآحاد ، فيكون الطعن في إسناده فهو ضعيف مكذوب قد وضعه الغلاة في الحب ! فَرَامُوا إثبات العصمة لمن قارف من القتال ما يطعن في دينه ويخرم مروءته على وجه يوجب رد روايته ! ، مع أن القتال على قاعدة التأويل لا على قاعدة الدين تكفيرا أو تفسيقا ، فثم من التأويل ما جعل القتال قتال فتنة في حال وبَغْيٍ في أخرى ، وله من الأحكام ما قد تَقَرَّرَ فهو يخالف عن قتال الكفار وأهل الردة ، فكان الأمر بالإصلاح بعد قتال الطائفة الباغية حتى تَفِيءَ وَتَرْجِعَ ، فـ : (إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) ، فثبت اسم الإيمان لكلا الطائفتين ، وهو اسم تزكية يوجب التعديل وقبول الخبر ولا يستلزم السلامة من كل خطأ ، بل قد يخطئ الراوي في مواضع ، إن خطأ الحكم والنظر في مواضع الاجتهاد فلا يصيب الحق وقد يحصل له من حظ النفس هنة أو هنات ، فَقَلَّ من يسلم منها إلا من رحم رب البريات ، جل وعلا ، فالعدل أَلَّا يُهْدَرَ المجموع الغالب لأجل قليل نادر ، فالحكم للغالب ، كما يقول أهل النظر ، وذلك قياس الحكمة في الجرح والتعديل فلا غلو يبلغ بالناظر أن يتكلف من التأويل ما قد ظهر فساده ، فهو يجتهد في إثبات محال في حق البشر إلا من عُصِمَ من الأنبياء عليهم السلام ، فَيَرُومُ إثبات عصمة لآحاد لم يَزْعُمْهَا أحدٌ منهم ، بل قد سَلَّمُوا أنهم بشر يجتهد في الحكم فيصيب تارة ويخطئ أخرى ، فإن أصاب وأحسن أُعِينَ وَعُضِّدَ ، وإن أساء سُدِّدَ وَقُوِّمَ ، كما قال الصديق ، رضي الله عنه ، في خطبته مطلع خلافته ، فـ : "إذا أصبت فأعينوني ، وإذا أخطأت فقوموني" ، فاستغرق شطري القسمة على حد المقابلة فلا يخلو إنسان سواء أكان من العامة أم من أصحاب الولاية والسلطان ، لا يخلو أن يصيب في موضع ويخطئ في غيره ، لا سيما في مسائل الاجتهاد السائغ ، إذ لا نص ، فيجتهد في القياس على منصوص أو رد النازلة إلى الأصول والمقاصد العامة فيعتبر ما اعتبره الوحي ويلغي ما يلغيه ويجتهد في النظر فيما أرسل ، فيقيسه على أي مقاصد الشرع أقرب إن في اعتباره أو في إلغائه حتى يحصل له من اليقين أو الظن الراجح ما به يفتي ، ولا يكون حكمه حكم الصواب قطعا ، حتى يَنْضَافَ إلى ذلك من القرائن ما يدل على صحة الحكم في نفس الأمر ، كأن يعتضد بإجماع ، فهو حكم واحد من المجتهدين يحتمل الصواب والخطأ ، وإن رجح احتمال الصواب فظنا راجحا لا يقينا جازما ، فلا يجزم بصحة الحكم في نفس الأمر إلا إن كان دليله من النص المتواتر وكان دلالته دلالة النص الذي لا يحتمل فكان قطعي الثبوت والدلالة معا ، وأما ما دليله نص آحاد فهو يفيد الظن الراجح الذي يوجب الاستدلال إن في العلم أو في العمل ، لا سيما إن كان قطعي الدلالة فهو نص في محل النزاع ، فثم من قطعية الدلالة ما عضد ظنية الثبوت ، فكان من المجموع المركب من صحة الدليل ، وإن آحادا ، وصحة الاستدلال وإن ظاهرا يفيد ، أيضا ، الظن الراجح ، فهو يوجب العمل بالظاهر الذي يتبادر من دلالة اللفظ التي لا تحصل في الذهن إلا إذا وُضِعَتِ الألفاظ في سياق مركب مجموع ، فالسياق من القرائن التي تحتف بالألفاظ فترقى بها من رتبة الظن الراجح إلى رتبة العلم ، وإن نظريا لا ضروريا فلا يحصل لكل أحد ، بادي الرأي ، وإنما قرينة السياق في أحوال قد تلطف فلا يدركها إلا من له عناية بمبحث الدلالات وأنواعها في اللسان والأصول ، فأصول الاستدلال العقلية مَنْشَأُ ما يجري به اللسان من الكلام المفيد المركب الذي يَتَأَلَّفُ من مجموع ذي أجزاء ، فهي تَتَعَاضَدُ في حكاية المعنى على وجه يحصل به من الإفهام ما لا يحصل بها مفردة ، فأفاد اللفظ في السياق المركب ما لم يفد بالنطق المفرد ، فكان من القرينة الصحيحة المعتبرة ما يَنْفَعُ ، فوجب الاستدلال بالآحاد وإن أفادت الظن الراجح ، ووجب العمل بظاهر اللفظ المتبادر وإن أفاد ، أيضا ، الظن الراجح ، فهو يجزئ في الاستدلال إذ لَيْسَ الظنَّ الباطلَ الذي ذَمَّهُ الوحي النَّازِلُ في قول الرب الخالق جل وعلا : (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ) ، فاصطلاح الظن في الأصول اصطلاح يغاير في دلالته إطلاق الظن في لسان العرب وفي لسان الوحي الأول فلا يفسر باصطلاح طارئ بعده ، ولا يحمل الاصطلاح الطارئ على لفظه الأول الذي تَقَدَّمَ ظهورَ الاصطلاحِ ، وإنما يُحْكَمُ على كلٍّ بمعياره وذلك قياس العدل أن يستفصل عن مراد القائل فلا يُحَمَّلَ من المعنى ما لا يحتمل ، وإنما المرجع إلى عُرْفِهِ ، فَالتَّنْزِيلُ له عرف في اللسان تَقَدَّمَ ، وأهل الأصول لهم من العرف الخاص الحادث ما يوجب حمل اصطلاحاتهم عليه لا على اصطلاح آخر يغايره ، فيفيد خبر الآحاد ظنا راجحا ، ويفيد الظاهر ظنا راجحا ، وهو ما يجزئ في الاستدلال ، كما تقدم ، حتى ترد قرينة توجب العدول عن ذلك فهي تُرَجِّحُ المرجوحَ المقابلَ ، فيظهر في إسناد الآحاد أو متنه من العلة الخفية ما لا يظهر ، بادي الرأي ، فظاهر الخبر السلامة ، إذ استوفى شرائط الصحة بالاستقراء فحصل له منها ما رجح الصحة مع احتمال ضدها ، ولو احتمالا مرجوحا لا يعتبر حال الاستدلال فهو دعوى تفتقر إلى البينة ، فلا يجزئ في قبولها إطلاقُها ، وإلا قبلت كل دعوى أن أطلقت ولو بلا بَيِّنَةٍ تعضدها ، فـ : "لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجالٌ أموال قومٍ ودماءهم، لكن البينة على المدَّعِي، واليمين على من أنكر" ، فذلك ما يعم الحقوق والأحكام ، فهو معيار محكم في الاستدلال فلا تجزئ الدعوى في الإثبات ، بل لا بد لها من شاهد الإثبات ، وإلا فهي دعوى مجردة يجزئ في رَدِّهَا دعوى تُضَاهِيهَا ، فدعوى في مقابل أخرى على وجه تَتَسَاقَطُ فيه الدعاوى ، فلا بد من قرينة ترجح ، فيظهر من العلة ما خفي فهو مما يوجب رد الآحاد الذي ظاهر إسناده ومتنه الصحة ، إذ ثم تأويل صحيح استند إلى قرينة معتبرة ، فأوجب العدول عن الظاهر المتبادر من الحكم بصحة الخبر إلى المرجوح المؤول أَنَّ الخبر لا يصح ، فكانت القرينة المرجحة التي رجحت المرجوح فصيرت ما ظاهره الصحة ضعيفا في نفس الأمر لا هوى أو تَشَهٍّ كما اطرد في طرائق المحدِثَة في الدين فإنهم يَرُدُّونَ ما صح من الأخبار إن خالفت عن الأهواء والأذواق ولا مستند إلا أن خالف الوحي عن أهوائهم ! ، فيقترحون من الحجج ما تهافت ، ويجعلون دليل الضعف الاحتمالَ المجردَ من القرينة ، فليس إلا التشكيك بلا دليل ، وليس إلا الإعجاب بالرأي وإن خالف عن الوحي ، فما خالف عن أهوائهم فهو ضعيف يُرَدُّ ، ولو لم تكن ثم قرينة في الإسناد أو المتن تشهد بذلك ، إلا ما توهمه المستدل إذ صير عقله هو المعيار المحكم مع ما يقع له من الجهل والخطأ والنسيان والتغير والاختلاط ...... إلخ من عوارض النقص التي لا يسلم منها عقل إلا من عُصِمَ في البلاغ والبيان وليس أولئك إلا الأنبياء ، عليهم السلام ، وإن كانوا في غير ذلك بشرا يَنْسَى في مواضع على وجه لا يقدح في عصمة التبليغ والتبيين ، فنسي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسها في صلاته وسجد ، وقال بعدم التأبير ففسد النخل إذ لم يُؤَبَّرْ فليس ذلك بأمر شرع منزَّل ، فكان من إعجاب أصحاب الأهواء بالآراء ما صار هو المعيار المحكم وما سواه من الوحي فهو المتشابه فلا يسلم ويصير أهلا للاحتجاج إلا أن يوافق ما اقترحوا من الأهواء ، فاختل معيار النظر على وجه انقلبت فيه الحال ، فصار الأول من الوحي ثَانِيًا بعد الهوى وربما رُدَّ كله فلا اعتبار له وإن ثانيا فليس إلا أقاصيص الخرافة وأساطير الغواية التي لا يصدقها إلا السذج فكان ذلك مبدأ الأمر يصح لما كان العقل ساذجا لما يبلغ بعد رشده فاحتاج إلى دليل يرشده ، فلما بلغ الرشد وجاوز حد الصغر صار وحده الْحَكَمَ ! فلا حاجة أن يَقُومَ الوحي عليه ، فقد صار قَيُّومَ نفسه ، وهو ما اقترحته الفلسفة الوضعية التي لا تقر بالدين ، كما يقول بعض الباحثين ، فهو أمر غير علمي إذ لا يخضع للملاحظة والتجربة المباشرة ، فلا تؤمن هذه الفلسفة إلا بما يُدْرَكُ بالحس فهي تُعَظِّمُ القيم المادية فتجعلها رائدا في تفسير التاريخ تفسيرا ماديا لا يقيم للدين أو الغيب وزنا بل يجعله مخدرا يسكر العقل ويغيبه ! ، فانتهى العصر اللاهوتي الديني ، والعصر الميتافيزيقي الغيبي ، وصار العقل الآن هو الحاكم وأدلته تقتصر على ظواهر الحس ، فلا يقبل مرجع حُكْمٍ يجاوزه من خارج ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، انحطاط بالعقل أن لا يؤمن إلا بما يشهد بالحس فهو يعطل ملكات العقل العليا التي تَنْظُرُ فيما وراء هذا العالم ، فالوحي قد جاء يجيب عن سؤالات تلح في كل عقل عما وراء هذا العالم وما يليه من الدور ، وما يصير إليه الإنسان بعد الموت فضلا عن سؤال أول عن المنشأ والمبدأ ، فكل أولئك مما يلح في أي عقل ناصح ولا جواب من الشاهد إلا ظواهر لا يحصل بها القطع فنظريات التجريب في منشأ الكون لا ترقى أن تبلغ حد القطع ، فلا بد من مرجع يجاوز العقل يرشد الناظر ويسدده في قضايا الغيب المصيرية ويرقى به إلى درجة الإنسانية وإلا انحط إلى دركة الحيوان الأعجم فلا يفقه إلا ما يأكل ويشرب ويبول ويتغوط فلا يؤمن إلا بالحس الظاهر ، وهو مصدر من مصادر المعرفة ولكنه ليس المصدر الوحيد وإلا صار الإنسان من فصيل الحيوان البهيم ! ، فمنطقه مبهم لا يفقه ، إذ سلب خاصة المنطق الباطن فلا عقل كامل يجاوز عقل التخييل ، فلا عقل ينظر النظر الزائد أن يجول في فضاء المعقولات ويستنبط النتائج من المقدمات ، فتلك خاصة الإنسان العاقل الذي يترجم منطق الباطن إلى آخر ظاهر به يحصل الدليل المنطوق على ما استبطن من المعنى المفهوم ، فالاقتصار على المادة كمصدر واحد من مصادر المعرفة يحول تاريخ الإنسان العاقل إلى تاريخ صراع على الغذاء الذي يستحيل في الأحشاء فضلة يطردها البدن ! ، وهو ما قررته المدارس المادية في تفسير التاريخ ، فلم يكن ثم زاد ينفع من الوحي ، بل دخلت تلك المدارس في خصومة مستحكمة مع الوحي ، فلم تدرك منه إلا المبدَّل وهي ، مع ذلك ، لم تسلم من التحكم في الاستدلال ، فَثَمَّ إعجاب بالرأي توهم صاحبه أنه يدرك الحق كله بعقل يجهل أكثر مما يعلم ، وهو ، مع ذلك ، في النبوة والوحي يَزْهَدُ ! ، فحرم من الخير ما يعصم ويسدد ، ويجيب عن سؤالات الغيب التي لا يجيب عنها إلا مرجع يجاوز العقل والحس ، وذلك مرجع الوحي الذي ناصبته المذاهب الفلسفية والسياسية المحدثة العداوة ، فكان الجدال المحتدم بين التجريبيين الذي اعتمدوا التجربة والحس ، والرياضيين الذي اعتمدوا الحدس والاستنباط ، وكلاهما ، كما يذكر بعض الباحثين ، قد خلع ربقة الدين ، فخلع سلطة الكهنوت ، فلم تكن الكنيسة آنذاك إلا أعظم صاد عن سبيل الله ، جل وعلا ، بما انتحلت من دين الخرافة وبما احتكرت من وظائف الألوهية التشريعية فصار قضاؤها القضاء المحكم فلا ينسخه الأب في السماء إذ لا يملك حق النقض لما عقد مجمع الإكليروس فهو مجمع آلهة تحكم في الأرض بما شاءت فلا مرجع محكم تأرز إليه بل قد تصرفت في المرجع كيفما شاءت فكان التبديل والتحريف ، وكان النسيان لحظ من الوحي ، وهو نسيان الترك لا السهو ، فَنَسُوا عمدا لا سهوا وَتَقَصَّدُوا هجر الوحي وعدلوا عنه إلى الهوى والذوق ، فاستبدلوا ما هو أدنى بالذي هو خير ، فكانوا أعظم صاد عن سبيل الحق ، فجاء الإكليروس الجديد ، إكليروس الفلسفة اللادينية والمذاهب الفكرية التي انتزعت حق التشريع من إكليروس الكنيسة فكان اللاهوت الجديد ، لاهوت الأرض فهو لاهوت العقل الذي انقطعت نسبته إلى السماء والوحي ، فصار الحكم من الأرض خالصا ومن العقل ناصحا من الكدر ، كدر الوحي ! ، فلم يكن وحي الكنيسة إلا كدرا يعكر الصفو فجاوز من جاوز الحد إذ جرد حكم العقل من هداية الوحي كله ، ما صح وما بطل ، ما حفظ وما بدل ، فكان اللاهوت الفلسفي والسياسي الذي يستند إلى المرجع الحسي فلا يقيم وزنا إلا للمادة التي يدركها بحسه ، ولا ينظر في مصالح تجاوز مصالح البطن والفرج ! ، فهما أصل الصراع فلا صراع يجاوز هذا المناط الحيواني ، فلا صراع بين حق وباطل ، بين وحي ووضع ، بين آدم وذريته وإبليس وقبيله كما قص الوحي المحكم فليس ذلك إلا الخرافة التي سَكَّنَ بها الكهنة الجمهور فلا يَثُورُ على الساسة والحكام وإن ظلموا واستبدوا ، فصار الدين هو المسكِّنَ الذي يَعِدُ الناس بالجنة إذا صبروا فلا يدخل الملكوت إلا كل مهين حقير في الدنيا قد استسلم فخضع للظالم ولم يأنف بما رُكِزَ فيه من معدن الإنسان الشريف الذي يأبى الانقياد للظالم ، فلم يأنف ولم يستنكف ، وزعم من زعم زورا أن هذا هو الدين المحكم الذي نَزَلَ من السماء ليقر حكم الطغيان ! ، فَتَرَاكَمَ في الضمير بُغْضُ هذا الدين الذي يعضد الظلم والطغيان فضلا أنه يقاسمه الغنيمة من الجاه والثروة وهو ، في المقابل ، يأمر الناس بالزهد والصبر فهلا أمر نفسه بما يأمر به غيره ؟! ، فهو ، من هذا الوجه ، داخل في حد الذم في قوله تعالى : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، من أعظم ما يصد الناس عن الحق ، لا سيما إن انضم إلى ذلك هوى نفس كامن فهي تروم طغيانا يضاهي طغيان الساسة والكهنة ، فَتَرُومُ أن يكون هواها هو الحكم ، وإن أظهرت التجرد في الحكم فلا ينفك التحكم يظهر في أقوالها فهي تستقرئ التاريخ استقراء ناقصا فتختار منه ما يوافق هواها فقد أصدرت الحكم ابتداء ثم راحت تفتش في الأدلة عما له يشهد ، وإن ضعيفا أو باطلا ، أو متشابها ترد به المحكم ، كما يظهر في أحكام المدرسة المادية في أحداث الفتنة ، محل الشاهد آنف الذكر ، فإن من استبطن غلا للصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فلم يكن من أهل الدعاء الناصح أن : (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) ، فضلا أن ينضاف إلى ذلك إعجاب بالرأي ، وفساد في معيار الحكم يزعم صاحبه التجديد والاستقلال في النظر والاستدلال ، وليس إلا التقليد لمذاهب مادية أصحابها في أحيان كثيرة ملحدون صراحة فهم من أبناء المدرسة الماركسية التي تنكر وجود الإله وقد ينضاف إلى ذلك أنهم من قبيل يهود وهو ، لو تدبر الناظر ، من أكثر الشعوب إلحادا ، فهم أكثر من ينتسب إلى الوحي جحودا وإنكارا بالنظر في نسبة من جحد وأنكر إلى مجموع الناس ، فيهود قلة ولكن نسبة من يلحد فيهم إلى جميعهم أعظم من نسبة من يلحد في النصارى إلى جميعهم ، وأولئك أعظم من نسبة من يلحد من أتباع الدين الخاتم إلى جميعهم ، فكل شَرٍّ ، لو تدبر الناظر ، ظهر في أهل الإسلام فهو في غيرهم أعظم ، فمهما بلغت بهم الحال فسادا فإن الشر فيهم أقل إذ مستمدهم من الحق صحيح محكم لم يطرأ عليه من التبديل والتحريف ما طرأ على غيرهم فانحرافهم في التطبيق لا في الأصل ، فكان ما كان من إلحاد يهود الذي يظهر ، أيضا ، في مقرراتهم التوراتية بعد تبديلها فلا يكاد اليوم الآخر فيها يذكر وقد نجحوا في تمرير هذا الأصل الفاسد إلى مقال الإصلاح الناشئ في أروقة الكنيسة في العصر الوسيط ، المقال البروتستانتي ، فصارت الآخرة هي الملك الألفي في هذه الدنيا فلا آخرة وراءها ، وإنما ألف عام من حكم المخلِّص وبعدها يفنى الناس جميعا فلا دار تعقب هذه الدار ، ولا تنفك هذه الأفكار ، لو تدبر الناظر ، تأرز إلى مجموع خفي يمكر بهذا العالم فهو يمرر هذه الأفكار والسياسات التي تُكَرِّسُ سلطانه فَتَنْتَحِلُهَا الشعوب والأمم وهي لا تفقه إلا ظاهرا من القول يخدع قد استبطن من الأغراض الخبيثة ما لا يفقهه عموم الناس فتمرر هذه الأفكار في الأبحاث والرسائل العلمية ويكون إشراف أولئك عليها مع ما لهم من أسماء كبيرة في عالم البحث ! ، يكون ذلك جواز مرور لهذا الفكر إلى عموم الناس ، فَتَزْدَهِرُ هذه المذاهب المادية وَيُقَلِّدُهَا من يُقَلِّدُهَا ممن هُزِمَ روحا وفكرا ، فهو يستمد منها الأدلة ويعرض عن نصوص الوحي ، فإن كانت آحادا اجتهد في ردها بما تقدم من معيار التضعيف والتشكيك الذي لا يستند إلى دليل معتبر إلا الهوى الذي صار معيار النقد الأول وربما الأوحد ! ، فهو الذي يُحَسِّنُ ويقبح بلا مرجع محكم إليه يأرز لِيَرُدَّ إليه ما تشابه من أحكامه ، فالعقل الذي يزعم أولئك قاضٍ أن يُرَدَّ ما تشابه من أحكام العقول ، إذ تَتَفَاوَتُ ، أن يُرَدَّ ما تشابه منها إلى مرجع محكم يقضي فيها من خارج فتخضع له جميعا وتسلم ، فهو المحكم الذي يُرَدُّ إليه ما تشابه من قياس العقول وأذواق النفوس وإلا لو رد الأمر إلى العقول فلكلٍّ عقل يحسن ويقبح فَتَتَعَدَّدُ الشرائع والأحكام بِتَعَدُّدِ الأهواء والأذواق ، فلكلٍّ عقل يوحي إليه بما يستحسن من الشرع ، والوحيُ ، في المقابل ، مثار الشك والريبة فهو متشابه لا يفيد اليقين إذ لم يوافق هوى العقل ، فصار الشك في الوحي ، واليقين في العقل ! ، فلا يزول يقين العقل بشك الوحي ! ، وذلك قلب آخر لطريق الاستدلال ! ، فاليقين في الوحي والشك في أحكام العقول إذ جبلت على ما تقدم من النقص ، وإن أجمعت فَعَلَى أصول عامة مجملة يحصل الاختلاف حال تفصيلها في أحكام جزئية في نَوَازِلِ الفكر والشرع والسياسة والحرب ، فلا يجزئ هذا الإجماع على الكليات المجملة لا يجزئ في الحكم على النوازل المفصلة ، إذ يَتَأَوَّلُ كل عقل هذه الكليات على وجه يوافق ما يهوى فوجب ، كما تقدم ، الرد إلى منهاج كامل يحوي المقاصد والأحكام جميعا ، فَثَمَّ ذخيرة من النصوص والأحكام عليها يقيس العقل فلا ينشأ قياسه من هوى مجرد من الأدلة ينظر في فضاء مطلق لا قيد يلجمه ولا مرجع يسدده ، فقد صار هو المرجع المحكم وما سواه فإليه يرد ! ، فإن وافقه قبل وإن خالفه رد ، فكان هذا التحكم الذي قَلَبَ صاحبُه طريقَ الاستدلال فانطلق من ظني لا يفيد اليقين ، وهو قياس العقل لا سيما في مسائل الغيب التي لا يستقل العقل فيها بالإدراك بل غايته أن يُجَوِّزَ ، وتجويز الشيء لا يجزئ في إثباته ، وإنما لا بد من قدر زائد في الاستدلال يرجح الإثبات لما هو ثابت والنفي لما هو مُنْتَفٍ ، وإلا كان التحكم في الجائزات العقلية فكان الترجيح بلا مرجح ، فالجائز مما استوى طرفاه ، فهو يحتمل الإثباتَ أو النَّفْيَ ، فلا بد فِيهِ من مرجِّحٍ من خارج ، وذلك ما يأباه العقل المادي الذي اقتصر على موارد الحس الظاهر ، فلا يطيق مرجعا من خارج يهديه ويسدده ، وإن وحيا مُنَزَّلًا ، فَقَدْ تَرَاكَمَ في الذهن ، كما تقدم ، أن الوحي هو الكهنوت ولئن صح ذلك في العقل الغربي الذي أثقلته قُيُودُ الكهنوت فلا يصح بداهة في العقل الشرقي الذي سلم له من الوحي ما لم يسلم لغيره ، فكان حفظ الذكر أعظم مِنَّةٍ ، وهو الذكر المجموع المركب من آي التنزيل المتواتر وأخبار النبوة التي حفظتها الصدور والسطور فمنها المتواتر وهو الأقل ، ومنها الآحاد الذي يفيد ظنا لا كظن العقل في الجائزات إذ يثبت أو يَنْفِي بهواه ، وإنما ظن الاصطلاح فهو يفيد الغلبة على وجه يوجب الاستدلال به حتى ترد علة تقدح ، فلا يرد تحكما أن خالف عن الهوى والذوق ، وإلا جاز لكل عقل أن يرد ما لا يهوى ويستحسن ، فيصير الأمر فوضى فلكلٍّ ، كما تقدم ، عقل يستحسن ويستقبح فلا بد من مرجع يحسم النَّزَاعَ بَيْنَ العقول وإلا انتشر الخلاف واتسع فلا راتق لخرقه إلا الوحي بما جاء به من أخبار الصدق وأحكام العدل التي حسمت النزاع بين العقول فإليها تُرَدُّ الخصومات ، فـ : (إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، فسلم العقل الشرقي مما ابْتُلِيَ به العقل الغربي من آصار الكهنوت فقد وضعها الرب المعبود ، جل وعلا ، عن هذه الأمة بما حفظ لها من الوحي الخاتم وما شرع لها من الحنيفية السمحة ، فلا بد من مرجع من خارج ، من آي الوحي المحكم الذي تُرَدُّ إليه خصومات العقول فيما اختلفت فيه ، فـ : (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ، فذلك قياس العقل المحكم أن يُرَدَّ متشابه العقول إلى محكم الوحي ، إن في لفظه أو في معناه ، فالوحي دليل صحيح واستدلال صريح بما اشتهر من طرائق اللسان في الإيضاح والبيان ، فكان معيار المنطق الباطن نَظَرًا يستنبط بما تَوَاتَرَ من دلالات اللسان العربي الذي نَزَلَ به الوحي الخاتم ، إن بالمنطوق أو بالمفهوم أو بالنص الذي لا يحتمل أو بالظاهر المحتمل فراجحه هو الذي يتعين حتى يرد دليل يرجح خلافه من المؤول فهو خلاف الأصل ، فثم من دليل الوحي ما قد يشهد بخلاف الظاهر المتبادر بالنظر في دلالة المعجم المفردة ، فيكون ثم نص آخر في موضع آخر سواء أكان من التنزيل أم من الخبر ، من المتواتر أم من الآحاد ، يكون من هذا النص المنفصل عن سياق الأول ما يشهد بخلاف ما يظهر من عموم الأول أو إطلاقه ، فهو يخصصه أو يقيده .... إلخ من وجوه البيان ، فضلا عن قرينة السياق المركب في نفس الموضع ، فاللفظ ، كما تقدم ، يفيد بمجموع السياق ما لا يفيد حال الانفراد ، وذلك أصل جليل في باب التأويل فلا يكون تأويل الألفاظ تحكما ، فذلك وجه آخر يلجأ إليه من رام الخروج عن حكم الوحي وإن تَلَطَّفَ في مقاله ، فثم من فحشت خصومته فأنكر الوحي جملة وتفصيلا فهو مخدر الشعوب ! ، فكان التفسير المادي المحض لأحداث التاريخ ، وكان التعسف والتكلف مع الانتقاء فلا يستقرئ من المواضع إلا ما يوافق هواه ، ثم هو يزعم الإنصاف والموضوعية ! ، فيظهر التجرد في البحث ، وقد أبطن المكر والخبث ، فراح يفتش في نصوص التاريخ بلا تمحيص فلا آلة محكمة في نقد الأخبار إسنادا ومتنا بل ولعله لا يفقه يميز الإسناد من المتن ! ، فَيَتَحَمَّلُ أي خبر يقرأ دون نقد له بمعيار محكم يميز به الناظر الصحيح من الضعيف ، فضلا عما استكن في قلبه من غل ، ولو خفيا ، فثم سوء ظن بالصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فيترصد أخطاءهم وَيَتَتَبَّعُهَا ، ولو ندرت ، ويغفل عن فضائلهم ، وإن كثرت وغلبت ، فلسان حالهم معه :
إنْ يسمعُوا ريبةً طارُوا بِها فرحاً ******* منِّي، ومَا سمعُوا منْ صالحٍ دفنُوا .
فلا يطير إلا بالأخطاء فهو يبرزها ويكثر الاستشهاد بها ، فضلا أنه لا يحقق إسنادها ابتداء ، فقد تكون من المكذوب ، وقد تكون من الصدق الذي زِيدَ فيه الكذب ، وقد تكون صحيحة تحتمل تأويلا يطرح التثريب ، وقد تكون من الخطأ الظاهر فلا يحتمل التأويل إلا التأويل الباطن ! ، فالإنصاف قاض بإثباتها وهو ، مع ذلك ، قاض بالعدل في الحكم فلم يَدَّعِ أحدهم عصمة ، والنظر المنصف يقضي بالاستقراء التام لا الاستقراء الناقص الذي يقتصر على محل الشاهد ! الذي يؤيد ما ذهب إليه ابتداء ، فإذا جمعت طرق الباب وأدلته زال الاشتباه إذ يُرَدُّ إلى ما أحكم مما اطرد من حالهم ، فهو ماء كثير قد جاوز القلتين فاحتمل الخبث ، فالحكم لِمَا غلب إلا على طريق من تحكم وَبَغَى في الخصومة وإن أظهر الإنصاف فلا يرى إلا المساوئ ، ولا يكتم إلا الفضائل ، وقد تعظم الْبَلْوَى أن يكون من القبيل الجاهل فلا يحسن الحكم لا في نقد الأخبار ولا في تفسير الألفاظ فلا آلة بها يَمِيزُ صحيحا من ضعيف ، ولا فقه يستنبط به إذ لا يحسن من طرائق اللسان ما به يحصل البيان ، بل لعله أعجمي لا يحسن ينطق العربية ، أو هو عربي قد جعل عمدته في الاستدلال ما سطر الأعاجم من أرباب الاستشراق ، وخصومتُه خصومةُ الجور فلا ينصف في الحكم وإن زعم التجرد والإنصاف والموضوعية في البحث ، وقد يخدع الناظر بجمل من الحق يُدَسُّ فيها السم الزعاف إن بزيادة في اللفظ كاذبة أو طريق في النظر باطلة ، فلا يحسن إلا أصول المدارس المادية في تفسير الأحداث ، سياسة وحربا ، فهو ينظر في تاريخ أمة بمعيار أخرى ، فمثله كمن يفحص جسد مريض بآلة فلاحة أو صناعة ! ، فلا يستعمل آلات الطب ، فإن لكلِّ أمةٍ من معايير النظر والاستدلال ما به حصل الفرقان ، فلا يكون الحكم بمنطق المادة التي لا تجعل الوحي لها رائدا فهي تجحده صراحة ، أو تَتَلَطَّفُ في العبارة فَتُفَرِّقُ بَيْنَ متواتره وآحاده لتسلب التنزيل مذكرة التفسير من أخبار البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتشكك في صحة الأخبار بلا مستند إلا الهوى المحض ، فَتَتَحَكَّمَ وَتَتَعَسَّفَ إذ تَقْضِي بخلاف ما يظهر من صحة الخبر الذي استوفى شرائط الصحة وليت لها في ذلك دليلا يعتبر وإنما الهوى أن خالف عما استحسنته ! ، وقد تقبل الخبر على مضض ولكنها تجتهد في تأويله على وجه بعيد أو باطل فلا قرينة له تشهد إلا هوى المستدل ، أيضا ، فهو الآفة الرئيسة في هذا الباب ، فقد صَرَفَ المخذول أن يستمسك بألفاظ الوحي سواء أكانت نصا أم ظاهرا أم مؤولا على وجه يصح فيه التأويل لقيام دليل صحيح صارف فهو المرجح من خارج الذي يصير المرجوح البعيد راجحا ، ويصير الراجح القريب مرجوحا ، فلا يصار إلى خلاف الأصل إلا لقرينة توجب هذه المخالفة أو تُرَجِّحُهَا رجحانا معتبرا ، وكلما كان الوجه بعيدا افتقر إلى مرجح أقوى ، فيكون التخالف بين وجوه التأويل ، فلكلٍّ دليل فإذا تعارضت الأدلة وجب الترجيح بينها بطرائق في الترجيح محكمة ، فالترجيح بين الأدلة باب واسع صنف فيه من صنف من أهل الشأن فَبَلَغَ بها وجوها تَزِيدُ عَلَى المائةِ ، وكل أولئك من أخبار الخاصة في مقابل أخبار العامة ، فأخبار الخاصة تقتصر على أهل الشأن مِمَّنْ فَقِهُوا وجوه الألفاظ والمعاني فعندهم من أسباب التصحيح للألفاظ ، والجمع بين المعاني أو الترجيح بينها إن تعذر الجمع ، عندهم من ذلك ما به يُفْتُونَ في غير المنصوص من نوازل الأحكام ، فيكون التأويل الذي يستدرك ما لم ينص الوحي عليه ، فلم ينص الوحي ، بداهة ، على كل نازلة ، وإلا ما انقطع الوحي فالنوازل لا نهاية لها بَيْنَمَا ألفاظ الوحي لها حد ونهاية فانقطع التنزيل بقبض صاحب التشريع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، بل لم ينص التنزيل زمن الرسالة على كل حكم ، فكان ثَمَّ بَيَانٌ بالسكوت ، فالسكوت في موضع الْبَيَانِ بَيَانٌ على تفصيل في ذلك ، فالتأييد بالعصمة يقضي قضاء الفضل من رب السماء والأرض ، جل وعلا ، ألا تجمع هذه الأمة على خلاف الحق إن في أصل أو في فرع ، فكل طباق فيها قد عصم عصمة المجموع أن يَتَوَاطَأَ على خلاف الحق ، قصدا أو خطأ ، إن في فرع أو في أصل من باب أولى ، فكيف بطباق الرسالة والوحي لما يَتَنَزَّلُ آحادا تَتْرَى إن على سبب أو ابتداء ، فهو يرشد الأمة ابتداء بما يسن من الأحكام ، وهو ، من وجه آخر ، يجيب عن سؤالات تَرِدُ ، ومنها سؤالات النوازل ، فيفتي الوحي المتخاصمين في الفتيا ، فإن اختصموا لدى صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو يقضي بما يظهر ، ويقضي بما يعلم ، سواء أكان علما بِقَرَائِنِ النازلة الخاصة ، أم علما بالأصول العامة وطرائق الاجتهاد والاستنباط التي بها يتوسل المجتهد إلى درك الحق في النازلة ، فيقضي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما له من لسان العرب الفصيح ، فهو أفصح العرب بَيْدَ أنه من قريش فهو خيار من خيار إن في نسبه أو في لسانه ، فَلَهُ من العلم بطرائق اللسان ما قد أحاط به إحاطة التمام فلا يطيق ذلك إلا نبي ، كما أنه لم يطق أحد أن يحيط بالوحي لفظا ومعنى إلا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما له من عصمة التبليغ والتنزيل ، فيقضي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النازلة إن لم يكن ثَمَّ نص ، وهو في هذه الحال مجتهد من جملة المجتهدين وإن فُضِّلَ عليهم أنه مؤيد بالوحي والتنزيل ، فيجتهد ويفتي بما يظهر له من الأدلة والقرائن ، فيحكم بالظاهر الراجح حتى يرد دليل يوجب العدول عن الظاهر إلى المؤول ، فيكون التأويل المعتبر بقرينة صحيحة صريحة صيرت المؤول البعيد هو الظاهر القريب ، فالظاهر ، كما تقدم مرارا ، ليس ظاهر لفظ مجرد قد اجتزئ من سياقه فَاقْتَصَرَ الناظر على دلالته المعجمية المفردة دون النظر في القرائن المحتفة من السياق أو الحال فهي قدر زائد في الاستدلال يقيد الدلالة المعجمية المطلقة فقد يقيدها بقيد يضيق المعنى ، وقد يرفد القيد المعنى ، كما هي الحال في مسمى الإيمان المعتبر في اصطلاح الشرع ، فقيد القرينة الشرعية قد رَفَدَ حقيقة الإيمان فهو الاعتقاد والقول والعمل ، فَزَادَ على حقيقة اللسان وهي التصديق ، زاد عليها القول والعمل ، فالإيمان في اللسان التصديق المطلق ، على خلاف في ذلك ، فثم من رفد معناه في اللسان فهو تصديق باطمئنان وذلك ما لا يكون إلا بإقرار وإذعان واستسلام ، وكل أولئك مِمَّا يُدْخِلُ القول والعمل في حد التصديق ، ولو بدلالة اللازم ، فإن الاستسلام لا يكون إلا بامتثال للأمر والنهي فيستسلم الناظر لصاحب الأمر والنهي أن يشهد له شهادة الإقرار بلسانه ، ويشفع ذلك باستسلام أركانه لما يُؤْمَرُ به وَيُنْهَى ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقْضِي فيما لا وحي فيه بما حصل له من ألفاظ وحي تقدمت فهو يقيس عليها ويجتهد بما له من طلاقة اللسان وفصاحة البيان ، فيفتي بما يترجح عنده ، وقد يكون ثم خلاف في مواضع ، إذ لا نص ، وإنما الأمر أمر مشورة في سياسة أو حرب ، فَتَتَّسِعُ دائرة الشورى فيها ما لا تَتَّسِعُ في أخبار العقد وأحكام التعبد ، وإن كان الجميع يدخل في جنس الشرع ، فهو يعم سائر حركات الاختيار مما يظهر فيه معنى التشريع فيزيد على حركات الجبلة التي لا يظهر فيها مناط تعبد ، فهي محل اشتراك بين عامة البشر فلا يمتاز فيها مسلم من كافر ، فليست مناط اختصاص ، فكانت الشورى في السياسة والحرب ، وقد نَزَلَ فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على رأي الجماعة في مواضع وإن خالف عَنْ رأيه ، كما كانت الحال يوم أحد فَرَامَ البقاء في المدينة وَرَامُوا الخروج فَنَزَلَ على رأيهم ، وكما كانت الحال يوم الطائف إذ حاصروا هوازن فأشار بالرجوع وأشاروا بالحصار ثم جهدوا فرجعوا إلى رأيه فضحك كما في الأثر المشهور ، فكانت شوراه حقيقة لا دعوى ، فهو يربي أصحابه أن يكونوا قادة يجتهدون لا مقلدين في الديانة والسياسة والحرب قد سلبوا الإرادة ، وهو ، مع ذلك لا يخرج في ذلك عن الوحي المحكم لَا فِي مَقْصِدٍ عام أو نص خاص ، فالوحي يحوط هذا الجمع المبارك فهو يرقبه ويسدده إن اختار خلاف الأولى كما كانت الحال في اجتهاده صلى الله عليه وعلى آله وسلم واجتهاد الصديق في أسرى بدر إذ وافقه على الفداء فَنَزَلَ الوحي يقر اجتهاد الفاروق بالقتل والإثخان ، وكانت كلمة الفصل كلمة الوحي ، فهو الذي يحكم فيما اختلف فيه المجتهدون ، كما تقدم في قوله تعالى : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، وتلك خاصة الأمة التي ترجع إلى الوحي ليعصمها من الباطل فلا تجمع عليه ولا يخرج الحق عن قولها سواء أكان إجماعا أم كان ثم اختلاف فلا يخرج الحق عن جميع الأقوال بل لا بد من قول منها يصيب الحق قد تأيد بالدليل وإن دق ، ولا يكون ذلك في الأصول التي لا يصح إيمان إلا بها وإنما عظمت الرحمة أن كان الخلاف في مسائل الفروع سواء أكانت مما يسوغ أم من غيره مما لا يسوغ فيه الخلاف ، وكان من ألفاظ الأدلة الصحيحة وطرائق الاستدلال الصريحة فضاءُ بحثٍ واسع يَتَنَافَسُ فيه المجتهدون أيهم يصيب الحق فمن أصابه فَلَهُ أجران ومن أخطأ فَلَهُ أجر .

وكان ، في مقابل ذلك ، نظر المدارس المادية المعاصرة في نصوص التاريخ الإسلامي ، نظر التحكم في الانتقاء ، ونظر الجهل بمعيار الصحة والضعف وطرائق الاستدلال من الجمع أو الترجيح حال التعارض ، وطرائق الاستنباط من نص وظاهر ومنطوق ومفهوم ، فضلا عن غِلٍّ كامن في النفوس وسوء قصد وإن زعم صاحبه الإنصاف والتجرد ، وخصومة قد ركزت في العقول بما كان من طغيان الكهنوت الذي نسب إلى الدين كله ، صحيحه وباطله ، فعظمت البلوى بأحبار سوء تواطئوا مع الملوك أن يفسدوا الدين ، وذلك ما نَفَّرَ الناس من الحق ، وإن كان قياس العقل الناصح أن ينظر المستدل في مستند الأدلة ، فلا ينظر في حال الرجال استدلالا على الحق ، وإنما ينظر في الحق استدلالا على حال الرجال ، كما أُثِرَ عن علي رضي الله عنه ، فكانت مذاهب المادة التي تجحد الدين والوحي كانت رد فعل غال لما اقترفه الكهنة من الظلم والاستبداد باسم الدين ، فتلك مدارس فكرية لم تنشأ في ظروف طبيعية فليست إلا ردود أفعال على ما تَتَّسِمُ به من غلو ومجاوزة للحد في ضد الفعل ، فكان رد فعل المدارس المادية غلوا ومجاوزة للحد في ضد ما فعلت الكنيسة من جناية الطغيان والاستبداد ، فصار تفسير الدين والغيب حديث خرافة ، فلا حقيقة إلا لما يُحَسُّ وَيُدْرَكُ بالتجريب ، وليس ثم رب خارجَ العقل يدبر الأمر ، ولو سُلِّمَ به فهو ضامن لحركة الكون لا أكثر ، فقد خلقه وأعطاه دفعة الحركة الأولى فوضعه على الطريق ثم تَرَكَهُ وشأنه ، كما يذكر بَعْضُ الباحثين من تقريرات الفلسفة الغربية الحديثة ، فليس له من السلطان ما يدبر به أحداث الكون فلا سلطان له في الشرع ، لا خبرا ولا حكما ، فالعقل قد استقل وبلغ الرشد وصار يفسر التاريخ والحاضر انطلاقا من معيار مادي مجرد لا يقيم وزنا إلا لما يجد بحسه الظاهر فهو ، كما تقدم ، يضاهي الحيوان الأعجم الذي لا يفقه إلا أن يأكل ويشرب وينكح فتلك مناطات حركته في الحياة ! ، وذلك منطق يغاير ، بداهة ، عن منطق الوحي ، فكيف يفسر تاريخ أمة مرجعها الوحي في السلم والحرب ، في الفتنة والبغي ، كيف يفسر بمعيار مادي لا ينظر في الأحداث إلا نظر السياسة المجرد من الأخلاق ، فلا يقيم وزنا إلا للمنفعة المجردة من القيم ، ولا ينكر ناظر ، أن في النفوس أهواء تخفى قد تحمل صاحبها في مواضع أن يَتَعَسَّفَ في النظر والحكم فَيَتَأَوَّلَ ما لا يُرْضَى وقد وقع شيء من ذلك في أحداث الفتنة ، ولكنه ، كما تقدم ، استثناء لا يقاس عليه فلا يصح جعله أصلا يطرد فَيُرَدُّ إليه الغالب من أحوالهم مع التعسف والجهل في التصحيح والتضعيف والتَّحَمُّلِ عن أي مصدر دون نظر في معيار نقد محكم مع أن صاحبه يزعم التحقيق في البحث ! ، والجهل في الاستنباط فيكاد الناظر يكون أعجميا فلا يفقه شيئا في العربية ، فضلا عما استبطن في الغالب من الهوى والإعجاب بالرأي الذي يحمل صاحبه أن يَتَعَسَّفَ في الاستدلال لينصر ما يرى ، فقد جاء بجديد لم يأت به الأوائل وإن خرج عن قانون الاستدلال المحكم ، فَكُسِيَ ذلك لحاءَ التجديد ، وقال بعضٌ بإيجاب المسارعة في ذلك قبل أن يَتَوَلَّى كِبْرَ الأمر خصومُ الوحي ! ، فلسان الحال أن يسارع أتباع الرسالة بهدم بنيانهم وتخريب بيوتهم بأيديهم وقطع الصلة بالإرث تضعيفا وتشكيكا ، أو تأويلا ليس ، عند التدبر والنظر ، إلا تعطيلا لدلالات النصوص لتخريجها على وجه يرضى به الخصوم ، فقد كفاهم أهل الرسالة مؤنة التجديد ! ، فجددوا ما أراد الخصم ! ، وأعادوا النظر في الوحي قراءة لم تخل من ضغط الواقع ، فعقل المنهزم عقل مضطرب لا يجتهد ويستنبط ويصنف ..... إلخ إلا وهو يرقب المنتصر الظاهر الذي صارت له الدولة بما أجرى الرب ، جل وعلا ، من سنن التداول ، فصار هو الحاكم الذي يقضي في السياسة والحرب ، بل ويضع معيار التجديد في الفكر على وجه يعظم أثره فهو يُوَفِّرُ الجهد في السياسة والحرب ! ، فلا يكون ثم قبيل يقاوم ومبدأ ذلك أن يستمسك بأصوله فلا يعبث بها ولا يدع غيره يصنع ذلك ، فهو يحوط إرثه ولا يتعصب ويجمد فيعطي ذريعة لمن يزعم أنه يجدد ويحدث ، فلا أعظم دعاية لقوله من مقلد متعصب يجمد على أقوال بعيدة أو مهجورة في المذهب ، أو فتاوى خالف فيها الإمام أو المجتهد الصواب فظهر يقينا أو ظنا راجحا أن الحق في قول غيره ، على وجه لا يقدح في عدالته وكفايته فليس براج عصمة ، وليس بمتهم في ملة أو نحلة ، فهو عدل ضابط في الرواية ، وهو فقيه ناظر في الدراية ، قد أحاط بأجناس الاستدلال الصريح فحصل فيه من وصف الاجتهاد والترجيح ما به يفتي ، وإن حصل التفاوت بين أعيان المجتهدين وطبقاتهم ، فإن الاجتهاد على أنحاء ، وهو رزق يهبه الرب ، جل وعلا ، من شاء ، ويمنعه من شاء على وجه يحصل به من آي الحكمة في اصطفاء المحال ما يضاهي الحكمة في اصطفاء الأنبياء ، عليهم السلام ، مع القدر الفارق بداهة ، فاصطفاء النبوة اصطفاء عصمة للأعيان ، واصطفاء العلم لا يوجب عصمة آحاد المجتهدين ، فالجميع ليس بمعصوم إذ لا يخلو واحد منهم من فتوى مرجوحة خالف فيها الحق فأخطأ وإن اجتهد فبذل الجهد واستفرغ الوسع طلبا لوجه الحق الراجح في المسألة إذ ليس ثَمَّ قطع وجزم وإلا ما كان الباب محل اجتهاد ، فلا يكون الاجتهاد إلا في محال الخلاف التي يسوغ فيها النظر مما لا نص فيه ولا إجماع من نوازل تطرأ ، فيجتهد أهل الفتيا أن يَقِيسُوهَا على أصل منصوص أو يخرجوها على أصل محكم من أصول الشريعة الكلية ، فيكون الاجتهاد الذي تَتَّسِعُ دائرته ، فمنه القياس ومنه رعاية مصلحة معتبرة لا تخالف مقصدا كليا ولا نصا جزئيا ، أو رعاية عرف سائد لا يخالف الشرع النازل ، فكل عرف خالف النص فهو هدر ، أو سد لذريعة غالبة لا نادرة ، فالنادر لا حكم له ، وإلا تعطلت الأحكام العامة بفروع خاصة تُسْتَثْنَى ، فليس ثم عام إلا وله ما يخصصه ، إلا عمومات محفوظة وهي الأقل ، على تفصيل في ذلك ، فثم من أطلق القول أَنْ ليس ثَمَّ عام إلا وقد خص ، فتلك عبارة اشتهرت في مقال كثير من الأصوليين ، وثم من استدرك بعمومات كثيرة في نصوص الشريعة لا مخصص لها فاستدل بنحو قوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، فلا مخصص لهذا العموم ، بداهة ، بل تخصيصه يفضي بصاحبه أن يمرق من الدين مروق الردة ، إذ ينكر معلوما من الدين بالضرورة كما قد ذاع من مقال الفلسفة واشتهر أن العلم الإلهي يقتصر على الكليات العامة دون الجزئيات الخاصة ، على تفصيل في ذلك ، فهو إنكار صريح لما قد علم من الدين ضرورة ، فالعموم في ألاية محفوظ يفيد القطع ، فلفظه قد تواتر ومعناه قد أحكم فلا يشتبه على آحاد الناس ولا يفتقر إلى نظر أو استدلال أخص يشترط فيه من العلم ما يزيد على المقدمات الضرورية التي يستوي فيها جميع العقلاء ، فالاجتهاد باب محكم في الشرع وهو من خاصة الوحي الذي أمر بالنظر والاعتبار ، وهو سبيل من سبل النجاة بدرك الحق في النوازل ، وإبطال شبهة المخاصم الذي يزعم أن الوحي جامد في لفظه قاصر في معناه أن يحيط بأمور السياسة والحرب وسائر ما تعم به البلوى من نوازل العامة ، وهو ما أحسن الخصم يُرَوِّجُهُ وكان له من ظَهِيرِ التَّقْلِيدِ والتعصب ما جَعَلَ لشبهته حظا من النظر ، فقد عجز المقلدة أن يجدوا في نصوص المذهب ما يصح دليلا في النوازل ، إذ كان اجتهاد المذهب فيما جد من نوازل في زمانه ، فمن اقتصر على لفظ الإمام أو المجتهد دون أن يسلك جادته في النظر والاستدلال فَيُتْقِنَ من أصول العلم والفتيا ما أتقن فلم يفت الأول وحيا أو إلهاما ، فليس نبيا يوحى إليه في يقظة أو منام ! ، خلافا لما زعم من زعم من أدعياء الولاية أن الولي يصحح ويضعف الأخبار ، ويستنبط الأحكام بالرؤى والمنامات والكشوفات فيأتيه من الخبر الصادق ما به يفتي في الأخبار صحة وضعفا دون أن يبذل جهدا في إتقان الأصول في باب الرواية ، ودون أن يتكلف نَظَرًا صريحا في الإسناد بما حصل من آلة الاجتهاد في التصحيح والتضعيف فلا يجب عليه من ذلك شيء ، فذلك علم الظاهر الذي تحمله العامة ميتا عن آخر ، خلافا لعلم الخاصة الذي يقع في القلب إلهاما أو كشفا ، أو رؤيا منام ، أو حدسا يجيز لصاحبه أن يهجم في باب الفتوى وإن لم يكن لها أهلا ، فقد بلغ من رتبة الباطن ما أجاز له أن يخالف عن الظاهر المتواتر ، وأن يخالف في مواضع الإجماع المعتبر ، وأن يحدث من الأقوال ما ليس له أصل لا في أدلة جزئية ولا في مقاصد كلية ، فيخرق ناموس الشرع بما كُشِفَ له من باطن القول ، فلا يلزمه الظاهر الذي اشتغل به المحجوب فلم يكشف له من حجاب العلم ما كُشِفَ للولي الذي صار كالنبي فهو يعلم بلا معلم من الأرض ، وهو يحيط بِبَوَاطِنَ وَغَوَامِضَ من الأحكام لا يدل عليها ظاهر الألفاظ المتبادر ، ولا يخفى ما يستوجب هذا القول من إساءة الظن بالوحي أن دل بظاهره على خلاف الحق فبلغه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسكت عن بيان الحق الذي علمه الولي المتأخر بعد أجيال من البشر أجمعوا على العمل بالشرع الظاهر وليس الأمر كما ظنوا فقد ضلوا وحجبوا عن معادن الحق الباطن التي سلك الولي لأجلها ما سلك من جادة الرياضة والنظر ، فأصاب من الحق الباطن ما سكت عنه الرسول الشارع بما بَلَّغَ وَبَيَّنَ ، فَبَلَّغَ ألفاظا لا يفقه معناها فظاهرها يوهم إذ يدل على خلاف الحق في نفس الأمر ، ولم يُبَيِّنْ وجه الحق فيحذر الناس من الانسياق وراء هذا الظاهر الخداع الذي ابتلاهم به الرب ، جل وعلا ، فأنزله دالا على معنى في الظاهر ، وآخر في الباطن هو الحق في نفس الأمر وإن خفي طريقه في الاستدلال ودق فلا يحيط به عامة الخلق وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ علمه على آحاد من أرباب الولاية يحصل لهم العلم بطرق تخفى فلا يلزمهم ما يلزم آحاد النظار من حفظ الروايات وتمحيص الألفاظ صحة وضعفا ، إسنادا ومتنا ، بما تفنى فيه الأعمار فهو أشرف وظائف البشر بعد النبوة ، فأشرف الوظائف ما تحمل إرث الوحي علما وعملا ، فذلك ، كما تقدم ، اصطفاء العلم الذي يتحمل إرث النبوة ، فهي الاصطفاء الأخص الذي انفرد بالعصمة المطلقة في التبليغ والتبيين ، خلافا لاصطفاء العلم ، فهو يوجب عصمة المجموع لا الجميع فلا يخلو إمام أو عالم تحمل إرث الوحي ، لا يخلو من قول مرجوح خالف فيه الحق ، وإنما العبرة بمجموع ما تحمل من الإرث ، فإذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث مع بَيَانِ ما أخطأ فيه وزل ، فذلك من تمام النصح لهذا الدين أن يسلم من القادح الذي به يحتج المخاصم فلم يكن ، كما تقدم ، أسعد حالا إلا بما ذاع في المتأخرين من الجمود والتقليد لأقوال الأئمة ، أصابوا أو أخطئوا ، فقد صار الدليل نص فتواهم ، فهي كالوحي الذي يستدل به ولا يستدل عليه فهو أصل بنفسه ، فصار قول المذهب دليلا بنفسه ! ، فالدليل هو قول الإمام ، ولو كان الناقل لا يفقه فتوى الإمام ولا يعلم دليله ولا وجه استدلاله فلا عناية له إلا بنقل القول مجردا من الدليل وذلك في الاحتجاج عجيب إذ يُفْضِي ، ولو بلازم القول ، إلى عصمة الأئمة والمذاهب مع اختلافها في الأقوال والفتاوى ، والحق ، كما تقدم مرارا ، لا يكون إلا واحدا في نفس الأمر ، وإن في فروع الشريعة ، فصارت المذهب أديانا تُنْتَحَلُ ، لا طرائق في الاستنباط تُقْتَدَى فهي مدارس فيها يتعلم الناظر فنون الاجتهاد وطرائق الاستنباط لا التقليد الأعمى لإمام المذهب على وجه يصير قوله وحيا ويوجب له ، ولو بلازم القول ، من العصمة ما لا يكون إلا للنبي الذي يوحى إليه ، فذلك ، من وجه ، قول يضاهي قول العصمة للإمام ، وإن لم يَبْلُغْ ما بَلَغَهُ قول الغلاة في الأئمة فلم يصرح ما صرحوا ، وإنما وقع في لازم ما وقعوا فيه ، ولازم القول ليس بقول ، على تفصيل في ذلك ، فقد جاوز الغلاة في الإمامة الحد أن جعلوها ركنا من أركان الدين يضاهي النبوة فَهُمَا على حد سواء ، وذلك ما يلزم من غلا في التقليد ، فلسان الحال أن ثم نبيا آخر يوحى إليه ، وإن لم يُسَمَّ نَبِيًّا ، فصار له من إيجاب الاتباع في الفتوى ما لأجله يُرَدُّ النص الصحيح الصريح الذي يخالفه ، فثم علة توجب القدح فيه ، وإن خافية ، فمحال أن يصح دليل يخالف قول الإمام وإن كان ظاهره الصحة ، فلا بد له من تخريج بالنسخ أو التأويل أو التضعيف فهو من المتشابه الذي لا يزول تشابهه إلا برده إلى محكم المذهب ! ، فهو مناط الاتباع الأول ، فصار ، كما تقدم ، دينا يضاهي الدين الأول ، فليس مذهب نظر واستنباط في دين محكم على وجه يسوغ فيه الخلاف في الفروع فهي محل النظر في المذاهب ، فلا يخرج الجميع عن الدين الواحد ، وإنما وسعهم من الاجتهاد السائغ في الفروع ما لا يضيع فيه الحق ، وإن دق ، فلا يخرج الحق عن المجموع وإن خرج عن آحاد من المجتهدين فلئن أخطأه بعض فغيره يصيب منه ما يَسَّرَ له الرب ، جل وعلا ، فيه دليلا صحيحا أو وجه استدلال صريح ، فخفي عن الأول وبلغ الثاني على وجه لا يقدح في عدالة الأول أو فقهه فليس من شروط الاجتهاد في النوازل أو الفتيا في الوقائع أن يكون المجتهد أو المفتي من أهل العصمة وإلا صار نَبِيًّا يوحى إليه ، ولو إلهاما وحدسا ، كما تقدم من دعوى الولاية التي تجيز لصاحبها المخالفة عن الظاهر المتبادر بلا قرينة إلا الإلهام والحدس والكشف ورؤيا المنام ...... إلخ من وجوه الاستدلال المحدثة التي لم يعتبرها الوحي مع قيام الحاجة زمن التنزيل فلو كانت حقا يستدل به ما وسع النبي المبلِّغ المبيِّن أن يسكت عن بيانها إذ الحاجة قد قامت على وجه لا يجوز فيه تأخير البيان ، بل قد ذَمَّ الوحي القول بالرأي المجرد من الدليل فهو من القول على الله ، جل وعلا ، بغير علم ، وهو من أعظم الذنب ، بل قد جاء الوحي يحكيه بعد الشرك في آية العظائم ، فـ : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، فكان التدرج من الأدنى إلى الأعلى ، وذلك ما يحمل على العموم بعد الخصوص ، إذ القول بلا علم يعم الشرك والمحدثة ، سواء أكانت مما يقدح في أصل الدين الجامع أم في كماله الواجب ، فالإفراط والزيادة في الاجتهاد على وجه يسوغ لصاحبه أن يخالف عن المحكم من النص والإجماع رذيلة تقابل رذيلة الغلو في التقليد ، فكان جمود المتأخرين ذريعة لمحدثة أخرى تغايرها في الوجهة وإن ساوتها في الدرجة ، فكان ما كان من مقال الحداثة الذي كَسَى قوله لحاء التجديد ليروج في الناس فلا ينكر ، فصار التجديد هو قطع العلائق بالإرث العتيق البالي الذي لا يصلح حكما في النوازل الجادة مع ما حصل من تسارع في وتيرة الحضارة ، فاقتصر صاحب الشبهة على صورة متأخرة من التقليد الذي ذمه الشرع المحكم فليس منه في شيء ، بل قد جاء ينكر على أصحابه فهم بلا عقول تفقه وبلا أنظار تعتبر فليس إلا التقليد لما ألفوا عليه الآباء ولو ضالين ، فـ : (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ) ، فاحتجوا بالعرف السائد ، وقَرِينَةُ العرفِ ، لو تدبر الناظر ، هي مما اعْتُبِرَ في التشريع ، على وجه لا يجاوز حد الأمر والنهي فلا يكون الاعتبار به إلا في الأمر المباح ، فالواجب والمحرم مما قطع فيه الوحي الأمر فلا اعتبار بأعراف الناس وعوائدهم إذ خرجت عنه ، وإلا صح الاستدلال بأعراف الجاهلين إذ أشركوا برب العالمين ، جل وعلا ، وجعلوا إلف العوائد الموروثة دليل صحة في نفسه ، مع أنه محل نِزَاعٍ وخصومة مع الوحي ، فليست عوائدهم إذا عارضت الوحي مما يعتبر ، فهي من المتشابه الذي استحسنوه بالهوى والذوق ، فما كان جلب الأصنام إلى الجزيرة إلا استحسانا استحسنه عمرو بن لحي الخزاعي ، فكان أول من سن هذه السنة السيئة التي أخرجت الناس من الحنيفية إلى الشرك ، فَبَدَّلَتْ ما أُحْكِمَ من دين الخليل عليه السلام فهو دين العرب الذي تحملوه عن أبيهم إسماعيل الذبيح ، عليه السلام ، فكانوا أمة واحدة حتى اختلفوا بما أدخل عليهم ابن لحي من عبادة الأصنام فتفرقوا على آلهة شتى بعد أن كان الإله واحدا ، فكان التشريك الطارئ على التوحيد الثابت فهو الأصل ، وهو توحيد الرسالات لا توحيد الفلسفة الوضعية الذي اقترحته وهي تَخْبِطُ خَبْطَ عشواء أن تقسم تاريخ الفكر ، فكانت مرحلة اللاهوت الديني أيام القصور المعرفي إذ كان العقل ساذجا لا يفقه ! ، طفلا لا يدرك ، فكان تدرجه في النشأة من عبادة الأشياء المادية لذاتها ، ثم كانت نقلة أخرى من عالم الشهادة إلى عالم الغيب الميتافيزيقي فهو عالم ما وراء الحس الظاهر ، فانتقلت قوة التأثير في الكون من الأشياء المادية المحسوسة إلى قوى غيب خفي هي الآلهة التي تحكم في الناس حكم آلهة اليونان ، فذلك إكليروس الوثنية اليونانية الذي استنسخ بعد ذلك فكان إكليروس الكهنوت الوثني وإن زعم الانتساب إلى الدين السماوي ، دين المسيح عليه السلام ، فنسبته إليه نسبة باطلة ، إذ لم يأت المسيح بدين الكهنة الذي ناب فيه الإنسان عن الإله فهو الذي يشرع نيابة بل وأصالة ! ، لو تدبر الناظر ، إذ لا يملك الأب في السماء أن يخالف عن محال الإجماع الذي يعقده الإكليروس وإن كان إجماعا ناسخا لأصل الأصول ، أصل التوحيد ، فحوى الرسالات ومبتغاها الأول فلا يصح ما بعده إذا طَرَأَ عليه من الناقض ما يقدح في الأصل ، فكيف ينسخ البشر أصل الدين الذي أَنْزَلَهُ ربهم ، جل وعلا ، فأجرى على ألسنة الرسل من تَقْرِيرِ التوحيد وإحكام التشريع ما به قامت الحجة واستبانت المحجة ، فلا إله يشرع إلا المعبود بحق أَنْ كَانَ الخالق المدبِّرَ بكلم الكون ، فتسلط من تسلط على مقام التشريع وراح يحكم وينسخ بما يوافق هواه ، وعظمت جنايته أن نسب حكمه إلى الوحي ولو كان مبطلا للأصل ! ، فخالف عن قياس العقل الصريح فضلا عن نص الوحي الصحيح ، إذ كيف يستنبط ناظر من دليل ما ينقض أصل الدليل كله فهو يأتي على أصل التوحيد والرسالة بالإبطال أن يُجَوِّزَ من الشرك في التصور والحكم ما جاءت الرسالات ابتداء تبطله فَتَرُدَّ الناس إلى الأمر الأول بعد حصول الاختلاف ، فـ : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ، فكانوا أمة واحدة ثم اختلفوا ، فكان ذلك ، لو تدبر الناظر ، مبدأ شر استطار بعد ذلك لا سيما مع ذيوع المذاهب اللادينية فاستبدل مجالس إكليروس أخرى بالوحي ، وإن كانت هذه المرة مجالس لادينية ، فلم يكن انتسابها إلى الوحي ، بل خاصمته ونازعته الرياسة ، فكان إكليروس الحكم اللاديني الوضعي هيئاتِ تشريعٍ تَسُنُّ من الشرائع ما يخالف عن الوحي ، علمت أو جهلت ، فهي تأرز إلى مراجع أخرى تغاير مرجع الوحي الذي يجاوزها جميعا فهو من خارج العقول فَلَهُ من سلطان العلم ما ليس لها ، فكان أن استبدل الإكليروس اللاديني الذي هو أدنى من قياسه وذوقه بالذي هو خير من كتاب ربه ، جل وعلا ، وحكمه ، فتعددت المجالس واختلفت المشارب ، فلكلِّ إكليروس مستمد من عقل مخصوص سواء أكان عقل فرد أم عقل جماعة ، فكلاهما يطغى إذ يجاوز الحد في الشرع ، فتلك آخر مرحلة قررتها الفلسفة الوضعية وهي ما اصطلح أن يسمى المرحلة الوضعية التي اعتمدت الحس والتجربة مصدر معرفة ، فصار ما قبلها من مرحلة اللاهوت الذي انتقل فيه العقل الساذج من عبادة الأشياء إلى تعدد الآلهة إلى التوحيد أن جمعت الآلهة في واحد ، فذلك توحيد أرضي يخالف عن توحيد الوحي الذي نزل من السماء ، فتوحيد الأرض قد جمع الآلهة في واحد مخلوق ، كما وقع في الديانة المصرية القديمة فكان توحيد الأقطار السياسي ذريعة إلى توحيد التصور الديني ، فمن وحد الأمصار هو الإله الذي يعبد ! ، وتلك نظرية سياسية رسخت الطغيان في نفوس المصريين مبكرا ! ، فهم أول من عرف الطغيان لا أول من عرف التوحيد كما يقول من يقول من غلاة المادحين لقدماء المصريين ، فإن التوحيد لا يعرف من طريق تغاير طريق الوحي الناصح الذي يواطئ فطرة الخلقة الأولى ، فالتوحيد مجمل في النفوس قد استكن ، لا يبين عنه الإبانة التامة إلا الرسالة التي تصدق الأصل وتفصل ما أجمل منه وتقوم ما اعوج منه إن كان ثم حيدة عن الأصل الأول .
فكان التقليد الأعمى ، وهو محل الشاهد ، كان منشأ الضلال كله ، سواء أكان في أصل الدين شركا ، أم في فرع من فروعه خطأ لا يذم فيه المجتهد الأول وإن صح أنه قد ضل عن الحق في المسألة فلئن ساغ له ذلك أن اجتهد فلم يفقه وجه الصواب في المسألة فخفي عليه لفظ دليل صحيح أو وجه استدلال صريح فكيف يسوغ للمتأخر الذي بلغه من الألفاظ والوجوه ما لم يبلغ المتقدم فعلم أن الحق في مقال غيره فلا يسعه وقد علم أن يخالف عما عَلِمَ انتصارا لقول إمامه ، فذلك من الكبر والاستنكاف أن يتبع الحق وقد استبان له بدليل صحيح ووجه استدلال صريح ، فكان الغلو في التقليد فعلا يجافي الحق في شق ، وكان الغلو في الاجتهاد رد فعل يجافي الحق في آخر ، وبينهما فضيلة الحق توسطا ، فالمتأخر يسير على آثار المتقدم دون أن يغلو في تقليده فمنه يتعلم كيف يستدل ويستنبط ، فمذهبه مدراس فيه يَتَخَرَّجُ المجتهد ، وليس دِينًا يضاهي الدين المنزَّل فضلا أن يرجحه فتبلغ الحال بالمقلِّد أن يقدم قول إمامه على نص الوحي ، فيجتهد في التضعيف لما يخالف لفظا ، والتأويل لما يخالف معنى ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أصل في المحدثات سواء أكانت في الأصول أم في الفروع ، في العقد أم في الفقه ، فيكون اجتهاد الناظر بادي الرأي ، أن يفتش في الأدلة عما يشهد لقوله ، فإن أعياه البحث ، استدل بضعيف أو باطل ، أو اجتهد في تأويل الصحيح أن يشهد لمقاله سواء أكان التأويل بعيدا أم زاد الناظر في الحد فاستدل بطريق باطلة تحاكي طرائق الباطن في تأويل النصوص على وجه يفضي إلى نقض أصول الدين نقضا ! فذلك ، أيضا ، مما يطلق عليه خصوم الوحي أنه اجتهاد لا يخرج عن دائرة الإسلام بل هو الإسلام المجدد المستنير ! ، وإذا وجد ما يُخَالِفُ عن قوله من الدليل فإنه يجتهد أن يضعفه ، ولو صحيحا ظاهر الصحة ، فيقترح من القرائن المضعِّفة ما يوافق هواه فليس إلا خاطرا طَرَأَ ، إذ صار العقل والذوق هو الحكم فكل ما خالفهما فهو رد ، وإن وحيا منزلا قد سلم من الضعف والاحتمال فهو صحيح في لفظه نص في الباب في دلالته ، فكان من النبوة العقلية ، ونظيرتها الذوقية ! ، ما يضاهي النبوة النقلية ! ، فذلك من لوازم القول أن الحق قد ينال من طريق يغاير طريق الوحي المحكمة كما تقدم من طرائق الكشف والذوق والرؤيا ..... إلخ ، فإما أن النبيَّ قد علم ذلك الحق الباطن الذي فطن له الولي السالك فسكت عن بيانه مع قيام الحاجة فهو خائن كاتم ، وإنما أنه لم يعلمه فهو جاهل ، وإما أنه علمه وخشي أن يجحده الناس بما جبلوا عليه من غلظ الحس وبلادة الفهم فلا يؤمنون إلا بما يجدون آثاره بالحس الظاهر فكذب ليستصلحهم ، فكان خطاب التخييل أن وضع لهم من مثال الحس ما يفهمون ففي الجنة شهوات كالشهوات التي باشروها في الدنيا فلن يهتدوا إلا بالكذب عليهم وإيهامهم أن في الآخرة نعيما يحاكي نعيم الدنيا ! ، وليس الأمر إلا أمثلة تضرب لا حقيقة لها في الخارج ، بل قد بلغ الغلو في هذا المقال أن صارت النبوة ابتداء خيالا محضا يخرج من العقل فلم ينزل من السماء حكما ومرجعا يجاوز الأهواء والأذواق فيحكم فيها إذا تنازعت الحق ، فليس إلا طارئا في العقل تَمَثَّلَ في الخارج وحيا يكلم ، وليس الأمر إلا من داخل العقل حدسا أو إلهاما مجردا من الدليل خارجا عن سلطانه فلا يرد إليه حال التنازع ليحكم فيه بقبول أو رد ، بل الوحي هو الذي يرد إليه فقد صار المتشابه الذي تقضي فيه محكمات الأهواء والأذواق ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، عين ما نطقت به الحداثة وإن اختلفت الألفاظ ففحوى المقال واحد وهو إبطال النبوات وتسويغ الخروج عليها بما يهوى العقل وتجد النفس .

والله أعلى وأعلم .