اعرض النتائج 1 من 2 إلى 2

الموضوع: الصلاة والذكر

  1. #1
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:20-11-2017
    الساعة:02:36 PM

    المشاركات
    4,705
    العمر
    39

    الصلاة والذكر

    إقامة الصلاة والذكر مما اقْتَرَنَا في نحو قوله تعالى : (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، فجاء الأمر بإقامة الصلاة ، ولا تخلو ، أيضا ، من استعارة ، إذ استعير المحسوس للمعقول ، فإقامة الصلاة كإقامة البنيان ، وذلك قدر يَزِيدُ على البناء المحض ، فَفِيهِ إتقان وإحكام ، فالصلاة ركن أعظم به عماد الدين وقوامه ، فإقامتها إقامة للدين إذ لا يُقَامُ البنيان إلا بِعِمَادٍ مُحْكَمٍ ، فإن سَقَطَ العماد هُدِمَ الْبُنْيَانُ ، ودلالة "أل" في الصلاة دلالة عهد خاص ، فهي الصلاة الكاملة التي تجزئ ، إن في أحكام الدنيا ، وذلك ما يُنَاطُ به درس الفقه فهو ينصرف إلى الشروط والأركان والواجبات والمندوبات والمحرمات المبطلة وغير المبطلة والمكروهات ..... إلخ ، فلا يجاوز الفقه وجود الفعل الشرعي في الخارج على وجه يُوَاطِئُ حكم الشارع ، جل وعلا ، وذلك ، كما يقول أهل الشأن ، قدر يَزِيدُ على وجود الحس في الخارج ، فقد تقع الصلاة صحيحة تجزئ في أحكام الدنيا ، ولا تقبل عند الله ، جل وعلا ، إما لفوات شرط يخفى كمن يُصَلِّي بلا طهارة فذلك مِمَّا يخفى في العادة إلا من جهر واستعلن أو افتضح أمره واشتهر أنه لا يقيم شروط الصلاة ، فلا تجوز الصلاة خلفه ، وإن كان الأصل ، ابتداء ، ألا يفتش المصلي في حال إمامه ، وإنما يُجْرِي الأمر على الأصل ، فالأصل في المسلم السلامةُ في أمر دِينِهِ ، فلا يُتَّهَمُ إلا بِقَرِينَةٍ توجب الانتقال عن الأصل ، فلا يجزئ في ذلك الاحتمال المجرد وإلا جاز الطعن في الناس بلا بَيِّنَةٍ فتجزئ الدعاوى وهي محل اتهام لما يكون بين الناس من التَّشَاحِّ والتَّنَافُسِ ، وَلِمَا يحصل بَيْنَهُمْ من الإحن فَقَلَّ من يُنْصِفُ في خصومة ، إذ الغالب في الخصوم البغي والعدوان إلا من رحم رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، ممن أنصف في الحكم فلم يطعن في الخصم ، ولم يُلَفِّقْ لأجل ذلك من ألفاظ الأدلة ما يخالف عن الصدق ، ومن وجوه الاستدلال ما يخالف عن العدل ، فلا قيام لدين أو دنيا إلا بالصدق والعدل فهما مادة صلاح للباطن صدقا والظاهر عدلا وَبَيْنَهُمَا من التلازم ما لا يخفى ، فثم إيجاب في العقل أن يواطئ الظاهرُ الباطنَ ، فَيَكُونَ حكمُ العدل في الخارج مواطئا لتصور الصدق في الباطن ، فلا يكون الانتقال عن الأصل في الدين وهو السلامة في دار الإسلام إلا أن تَرِدَ قرينة توجب الانتقال عن هذا الأصل ، إن في العقد أو في الشرع ، كما تقدم من الصلاة التي يظهر من أركانها ما يناط به حكم الفقه في الدنيا فمن صحت صلاته لنفسه صحت لغيره ، وهذه الصحة لا تقاس بموافقتها الشروط والأركان جميعا ، فمنها ما يخفى فلا يظهر ، فذلك مما يُسِرُّ العبد فلا يعلمه علم اليقين إلا رب العالمين ، جل وعلا ، فإذ خفي القصد الباطن فَلَا مناط من الاجتزاء في الحكم بالصحة أو البطلان على الظاهر نُطْقًا أو فِعْلًا ، وإلا بطلت العقود والعبادات وَسَائِرُ الحركات الإرادية التي تُنَاطُ بِهَا الأحكام الدينية والدنيوية ، فَلَوْ أبطن الإمام الكفر فكان منافقا لم يستعلن بكفره ، ولم يشتهر في الناس بالتفريط والاستخفاف بل ظاهره السلامة فلا يُفَتَّشُ في باطنه فذلك ما لا سبيل للجزم به ، وإنما يُقْبَلُ من الناس ما أظهروا ما لم تَقُمْ قَرِينَةٌ معتبرة تجاوز الشك أو التجويز المحض في العقل ، فلا اعتبار في نَقْضِ ما استقر من الأحكام بما يطرأ من الأوهام ، وإنما اليقين لا يزول بالشك ، فلا يعدل عنه الناظر إلا إلى يقين آخر يضاهيه أو يزيده ، فإن العلم ، من وجه آخر ، درجات ، فَثَمَّ علم الضرورة الذي يفيده المتواتر بالنظر في ثُبُوتِ الألفاظ ، وَثَمَّ نص اللفظ القاطع الذي لا يحتمل معنى آخر ، فَهُوَ يُفِيدُ علما آخر يضاهي علم الضرورة المتواتر بالنظر في الإسناد ، فَثَمَّ ضرورةُ ثبوتٍ للأدلة ، وثم ضرورة وجوهٍ للاستدلال ، فقد يكون اللفظ متواترا ، فَثُبُوتُهُ من المعلوم الضروري الذي لا يَفْتَقِرُ إلى دليل إثبات فيستوي فيه العام والخاص ، خلافا لما قد يَتَوَاتَرُ عند الخاصة من أهل الشأن ، فيثبت عندهم من العلوم ما يَبْلُغُ حد الضرورة وهو عند غيرهم لا يفيد العلم لا الضروري ولا النظري بل ولعلهم لا يدركون ماهية البحث ابتداء ، فلا يدرك العامة ماهية البحث في دقيق المسائل في الطب أو الزراعة ، وإن علمه أهل الفن فهو عندهم من البدائه التي تفيد الضرورة العلمية فيدركها الطالب المبتدئ فضلا عن الصانع المحترف ، فقد يكون اللفظ متواترا التواترَ العامَ الذي يستوي فيه الخاص والعام ، فيثبت اللفظ يقينا ويكون المعنى ، من وجه آخر ، مما يحتمل فهو يفيد الظن الراجح ، بل ولعله مما عَظُمَ فيه الخلاف حتى بَلَغَ حد الاشتراك بل وصار من الأضداد ، كما في لفظ "القرء" وهو من أشهر المشتركات في الفقه ، إذ يطلق على الطهر والحيض معا ، فبلغ حد الأضداد ، وعظم فيه الخلاف واشتهر كما في كلام أهل الشأن ، فَثَمَّ من رَجَّحَ معنى الحيض ، وَثَمَّ من رَجَّحَ معنى الطهر ، ولكلٍّ قَرَائِنُهُ ، فذلك مناط الترجيح فإن أَيًّا من الفريقين لم يُرَجِّحْ بلا مرجح ! فيخالف عن قياس العقل المحقق ، فلم يكن اختياره هوى أو تَشِهِّيًا ، بل استند إلى قرائن معتبرة ، على تفصيل في ذلك ، فلا يَلْزَمُ من تَوَاتُرِ اللفظ ، من جهة الثبوت ، وإفادته علم الضرورة أنه يفيد معنى واحدا على حد النص القاطع ، بل قد يجتمع فيه الوصفان تارة فيكون قطعي الثبوت قطعي الدلالة كما في لفظ ثلاثة في نفس الموضع في قوله تعالى في آية البقرة : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) ، وقد يكون قطعي الثبوت ظني الدلالة بل ومشتركا مجملا يفتقر إلى مرجح من خارج ، فلا يفيد ، بادي الرأي ، معنى يصح الركون إليه ولو ظاهرا راجحا مع احتمال ضده المرجوح ، بل قد تساوت فيه وجوه الدلالة فصار مشتركا مجملا يفتقر إلى قرينة بَيَانٍ من خارج ترجح ، فلا يكون الاختيار تشهيا ولا يكون الترجيح بلا مرجح ، وإنما لزم من دليل الخارج ما يرجح أحد وجهي الاحتمال الكائن .

    والشاهد أن العمل بظاهر العدالة في مسائل الإمامة في الصلاة هو الذي يَتَعَيَّنُ ما كان الإنسان في دار إسلام وسنة ، فالغالب على أهلها السلامة ، ولو في الجملة ، خلاف الحال في دار حرب أو بدعة ، فإن السؤال فيها يَتَعَيَّنُ ما لا يَتَعَيَّنُ في دار الإسلام والسنة ، وذلك ، أيضا ، من قياس الحكمة إذ لكلِّ دارٍ أحكامٌ ، فاختلاف الأحكام فرع على اختلاف الأوصاف ، فالحكم ، كما يقرر أهل الشأن ، يدور مع علته وجودا وعدما ، فلا يكون من إقامة الصلاة بالنظر في أحكام الدنيا أن يمتحن الناس في دينهم إلا إن أظهروا من القرائن ما يوجب التوقف ، وإلا فالظاهر المتبادر أن يصلي الإنسان خلف الإمام الذي قَدَّمَهُ النَّاسُ ، فذلك ظاهر راجح يجزئ في العمل فلا يعدل عنه الناظر إلا لقرينة توجب العدول عن ذلك ، فلا يكون ترجيح المرجوح بلا دليل ، ولا يكون التَّوَقُّفُ حتى يحصل التَّبَيُّنُ ، فذلك إنما يكون في المجمل ، بادي الرأي ، لا الظاهر الذي يرجح فيه طرفٌ طرفًا آخر ، فذلك ما يعمل به الناظر فيجزئه حتى يرد دليل صارف ، فمن حصلت له قرينة صحيحة معتبرة أن إمامه لم يستوف شرائط الصلاة الصحيحة كأن يبطن الكفر ويظهر الإيمان فهو منافق قد فاته شرط الصحة الأول ، فالإسلام أصل الأصول ، فلا يقبل فرع من الفروع إلا أن يحرر العبد من معنى التوحيد ما يجزئ في تصحيح العمل ، فيحصل له أصل توحيد نافع ، وإن لم يبلغ به الكمال الواجب ، فحصول الأصل شرط في قبول العمل ، فذلك شرط التكليف الأول ، كما حده الفقهاء ، فإن قام دليل أن ثم نفاقا فصاحبه يظهر الإيمان ويبطن الكفر فحصل للناظر من القرينة ما أوجب في حقه العدول عن الظاهر وإن لم يوجب في حق غيره ، فقد تقضي الحال أن يعتزل الإمام لما قام عنده من قرينة ، ولا تقضي في المقابل أن يعتزل غيره ، إما لاختلاف الاجتهاد ، فقد يكون الأمر محل نظر ، فيترجح في نظر واحد أن فلانا من الأئمة قد اقترف من ناقض الصلاة أو ناقض الإيمان ما لا يُجَوِّزُ الصلاة خلفه ، ولا يترجح عند غيره ، إما لاختلاف في الاشتراط فلا يرى الأمر ابتداء مما يبطل الصلاة ، كمن لا يرى نقض الوضوء بأكل لحم الجزور فهو يصلي خلف إمام أكل جزورا وقام فصلى بلا وضوء خلاف من يرى أن ذلك ناقض للوضوء فلا يصلي خلف من يعتقد أن صلاته باطلة لتخلف شرط من شروطها وهو الطهارة ، وقد يصلي إذ يرى الأمر من مسائل الخلاف السائغ ، فإمامه على مذهب في الفقه وهو على آخر يغايره على وجه يسوغ فيه الخلاف وإن كان الحق في الباب واحدا ، كما صلى القاضي أبو يوسف خلف الرشيد وقد نَزَفَ دما فقام فصلى ولم يتوضأ وذلك ما يخالف مذهب الحنفية ، رحمهم الله ، وأبو يوسف من رءوسهم ، فيرون أن الدم ينقض الوضوء ، فصلى وراءه وصلاته على مذهبه باطلة ، إذ كان الرشيد على مذهب آخر يغايره في أمر يسوغ فيه الخلاف ، كما تقدم ، خلاف ما لو كان الأمر من مسائل لا يسوغ فيها الخلاف ، كأن يكون الخلاف في الأصول باقتراف ناقض من نواقض الإيمان أو التلبس ببدعة مغلظة تجاوز بدع الفروع ، فلا يصلي بداهة خلف من يعتقد كفره أو تلبسه ببدعة مغلظة ، وإن لم يكن كذلك في نفس الأمر ، فقد غلب على الناظر أن هذا الإمام مارق من الدين مروقا يوجب مفارقته في الصلاة فلا يصلي وراءه اختيارا ، وإن أُجْبِرَ اضطرارا فهو يَنْوِي المفارقة في النية وإن وافقه في الحركات فذلك مِمَّا يجري مجرى التقية حال الضرورة والإكراه الملجئ ، أو يصلي معه ثم يعيد الصلاة منفردا ، فإن غلب على ظنه أنه مارق وجبت المفارقة ، ولو بالنية ، فهو يعزم مفارقة الأبدان تَبَعًا لمفارقة الجنان ، فإن لم يطق مفارقة الأبدان بإكراه ملجئ أو نحوه ، فيفارق بجنانه وذلك ، كما تقدم مرارا ، آخر درجات الإنكار ، سواء أكان الأمر أمر إيمان وكفران ، أم أمر طاعة وعصيان ، فكلاهما ، عند التدبر والنظر ، يدخل في عموم قوله تعالى : (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ، فالخوض في الآيات قد يكون بكفران ينقض أصل الإيمان الجامع ، وقد يكون بعصيان ينقض كمال الإيمان الواجب ، فالإنكار يوجب المفارقة بالأبدان إن أطاق بلا مفسدة راجحة ، أو أخرى بالجنان إن لم يطق الأولى ، أو كان ثم مفسدة راجحة في إظهار الإنكار بمفارقة الأبدان ، فلا أقل أن يفارق بجنانه ، وقد طَرَدَ بعض الفقهاء هذا الحكم في الإمام الفاجر ، فلم يجيزوا الصلاة خلفه إلا اضطرارا ، وثم من أوجب إعادتها ، وإن كان الراجح في حق الإمام الفاجر الذي لم تبلغ به الحال نقض الأصل ، وإن كان الراجح في حقه أن الصلاة خلفه صحيحة وإن كان الْأَوْلَى أن يُصَلَّى خلف غيره من أهل العدالة التامة ، خلافا لمن رَجَّحَ في النظر أنه مارق من الدين أو مقارف لبدعة مغلظة في الأصول ، فذلك من لا تصح الصلاة خلفه ، فالأمر قد جاوز حد العدل والظلم إلى الإيمان والكفر ! ، وذلك أمر يفتقر إلى العدل في الحكم ، فلا يكون ثم هوى يحمل صاحبه أن يجاوز حد العدل في الخصومة فيحكم على المخالف أنه كافر أو مارق ، وإن كان الأمر مما يحتمل ، أو كان ثم من العذر ما يعتبر ، خلاف من أبان عن باطنه فجهر بما يُبْطِنُ من الشر على وجه ينقطع به العذر ، أو غلب على ظن الناظر أن العذر قد انقطع ، فقامت الحجة واستبانت المحجة ، فلا عذر ، فيكون الخلاف في هذه الحال خلافا في تحقيق المناط ، فكلا الناظرين قد أجمع أن هذا القول أو العمل ناقض لأصل الإيمان ، وأحدهما قد اجتهد فرجح تحقق المناط في المحل المحكوم ، فقد استوفى الشرائط وَانْتَفَتْ في حقه الموانع من جهل أو تأويل أو إكراه ..... إلخ من موانع التكفير ، والآخر قد اجتهد في المقابل فلم يَرَ المناط قد تحقق في المحكوم لعدم استيفاء الشروط أو لقيام مانع مما تقدم من موانع التكفير ، وقد يكون الخلاف ، ابتداء ، في أصل الاشتراط ، فَنَاظِرٌ يَرَى أن هذا القول أو العمل سبب في خروج صاحبه من الدين ، وآخر يَرَى أنه عصيان ينقض كمال الإيمان الواجب دون الأصل الجامع ، وذلك ، لو تدبر النظر ، باب يفتقر إلى العدل في التأصيل وفي التأويل ، فَيَتَجَرَّدُ الناظر من حظوظ نفسه فلا يجاوز الحد في بيان نواقض الإيمان ، وَيَتَجَّرَدُ ثانيةً حَالَ تحقيق المناط في المحل المحكوم ، وهو كسائر مواضع الحكم مما خالف فيه الناس حد العدل إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، فثم من غلا في هذا الباب ، فأدخل في النواقض ما ليس منها حتى جعل المعاصي ناقضة لأصل الدين ، ولو بلا استباحة أو استهزاء ، وهي ، وإن كبائرَ ، لا تنقض أصل الإيمان الجامع وإن نقضت كماله الواجب إلا جُمَلًا من الكبائر قد ورد النص أنها كفر ، سواء أكانت بالفعل كالشرك والسحر ، أم بالترك ، كترك الصلاة ، على قول من يكفر تاركها في خلاف مشهور مسطور في مدونات العقيدة والفقه ، وثم من جَفَا ، في المقابل ، فأخرج من النواقض ما أخرج حتى قصرها على الناقض الباطن فاشترط الاستباحة وذلك أمر باطن لا اطلاع لأحد عليه ، وإنما تظهر آثاره في الخارج ، فَيُقْضَى بها ، ولو في أحكام الدنيا ، فقد يُقْضَى بكفر فلان في أحكام الدنيا وليس بكافر في أحكام الآخرة إذ ثم مانع لم يطلع عليه الناس في الدنيا فليس لهم إلا الظاهر الذي أنيطت به الأحكام ، إيمانا وكفرا ، صحة وفسادا ، كما تقدم في إقامة الصلاة ، فإن ذلك بالنظر في أحكام الدنيا لا يجاوز الظاهر ، فإقامة الصلاة إقامةً تُرْضَى في كلام الفقهاء إنما يكون بالنظر في ظاهرها من استيفاء الشروط والأركان ، وتجويد العمل بما يكون من النفل والسنن ، فَيَقْضِي الناظر بصحة الصلاة في أحكام الدنيا على وجه تَبْرَأُ به الذمة ، وأما حكم الآخرة فلا يعلمه إلا الرب ، جل وعلا ، إلا ما كان من نص في الدنيا قد أوجب لصاحبه من النجاة ما يقطع بنجاته في نفس الأمر ، وذلك محل خلاف مشهور ، فَثَمَّ من قصر ذلك على الأنبياء ، عليهم السلام ، وثم من زاد فأدخل من ورد النص أنه في الجنة كالمبشرين بها في أحاديث جاوزت العشرة المشهورين ، فقد بُشِّرَ غيرهم كما في حديث بلال ، رضي الله عنه ، وفيه : "يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ" ، وثم من زاد فأدخل من تَوَاتَرَ الثَّنَاءُ عليه ، فـ : "هذه الجنازة أثنيتُم عليها خيرًا فقلتُ وَجَبَتْ لها الجَنَّةُ، وهذه الجنازة أثنيتُم عليها شَرًّا فقلتُ وَجَبَتْ لها النَّارُ، أنتُم شُهَدَاءُ الله في الأرض" ، وكذلك الشأن في الحكم بالكفر ، فهو يستغرق من اشتهر كفره نصا كفرعون وأبي جهل ، ومن أظهر الكفر ومات عليه سواء أكان كافرا أصليا أم مرتدا أم منافقا أظهر من باطن كفره ما أخرجه من حد الإسلام بالنظر في أحكام الظاهر ، ومن كان النص على كفره أو نفاقه ، وإن لم يَتَوَاتَرْ ، كما كانت حال حذيفة ، رضي الله عنه ، فقد أعلمه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسماء المنافقين ، فكان كاتم السر ولم يفشه ، وإن استنبط عمر ، رضي الله عنه ، بمسلك دقيق ما علم به بعض أعيان المنافقين ، فكان لا يصلي على أحد لا يصلي حذيفة عليه ، فإن حذيفة لم يفش السر ، كما تقدم ، وإنما عمل بالحكم في خاصة نفسه فمن علم نفاقه أجرى عليه أحكام النفاق دون أن يفضحه في الدنيا ما استتر بنفاقه إلا أن يفضح نفسه فلم يفضحه أحد ! ، فكان حذيفة يعمل بالحكم في خاصة نفسه فلا يصلي عليه ولا يَنْهَى غيره أن يصلي عليه وكذلك صنع عمر ، فإنه كان يُقَلِّدُ حذيفةَ فلا يصلي على من لم يصل عليه ولا ينهى غيره عن ذلك بل يُبْقِيهِ على الأصل ، فالمصلي يجري حكم الظاهر ، فذلك المنافق ممن ثبت إسلامه في أحكام الدنيا ، ولم ترد قرينة في حق المصلي عليه توجب العدول عن هذا الظاهر خلافا لحذيفة فقد وردت في حقه قرينة وهي إخبار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأسماء المنافقين ، فذلك نص أوجب العدول عن الأصل وهو الحكم بما ظهر من أعمال الإسلام ، فتلك ، كما يقول أهل الأصول ، زيادة علم توجب الانتقال عن الأصل ، فزيادة العلم حصلت لحذيفة ما لم تحصل لغيره فأوجبت عليه من العدول عن الظاهر ما لم توجب على غيره ، وذلك مناط دقيق محكم في باب الأسماء والأحكام ، وهو من جملة ما يقام به الدين ، على وجه لا إفراط فيه ولا تفريط ، كما تقدم في إقامة الصلاة باستيفاء شروطها وانتفاء النواقض ، فتكون إقامة الصلاة في أحكام الدنيا ، وذلك مناط الإجزاء ، وأما مناط القبول فذلك قدر زائد ، والأمر في الآية لو تدبر الناظر يعم كلا الوجهين ، إقامتها في الظاهر باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، وإقامتها في الباطن بخشوع يجاوز خشوع الأركان في الظاهر ، فيكون الخشوع في الجنان باعثَ الخشوع في الظاهر ، فلا يكون العبث في الصلاة فهو مئنة من انصراف الباطن وذهوله ، ولا يكون خشوع النفاق الذي يَتَصَنَّعُ صاحبه من رسوم الخشوع الظاهر ما لا يواطئ خشوعا آخر في الباطن ، فهو لاه عابث ، أو باعثه الرياء وهو شعبة من النفاق على وجه يُبْطِلُ العمل خاصة إن لم يجاوزه ، فكان رياء في عمل بعينه وإن كان ثَمَّ من الأعمال ما لا يتصور الرياء فيه مع ثبوت إيمان ينفع كما يضرب بعض المحققين المثل بالصلاة ، فلا يتصور أن يكون الباعث في الفرائض هو الرياء ، ويكون لصاحبه حظ من الإيمان ينفع لا سيما على قول من يجعل الصلاة شرط صحة في الإيمان لا شرط كمال واجب ، فالمرائي في الصلاة مثله كمثل التارك إذ صلاته كالعدم بالنظر في أحكام الآخرة ، فالتارك في الدنيا قد نَقَضَ هذا الشرط في الظاهر ، والمرائي قد نقضه في الباطن فصلى الفريضة رياء ، فاستويا في نقض الشرط واختلفا إذ نقضه التارك على وجه يوجب العقوبة في أحكام الدنيا ، ونقضه المرائي على وجه يوجب العقوبة في أحكام الآخرة دون أحكام الدنيا ، فقد أقام الصلاة في الظاهر ولم يُقِمْهَا في الباطن فحسابه في الدنيا على ما أظهر ، وحسابه في الآخرة على ما أبطن إلا أن يَظْهَرَ منه ما يوجب الحكم عليه في الظاهر ، فالأمر في الآية في قوله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، وهو محل الشاهد ، الأمر في الآية يَعُمُّ إقامة الظاهر حقيقة وماهية ، وإقامة الباطن تجردا في النية ، فلا يُرَائِي فَيُخَالِفُ بِبَاطِنِهِ الظاهرَ ، فيكون الظاهر دليل خشوع ، ويكون الباطن على طريقة أخرى تخالف فهو لاه عابث ، أو مُرَاءٍ على وجه قد يَنْقُضُ العملَ خاصة ، كما تقدم ، وقد يَنْقُضُ الإيمان عامة إن كان في أصل الدين أو في أمر يجري مجرى الشرط المصحِّحِ كالصلاة عند من يُكَفِّرُ تَارِكَهَا ، وقد يَنْقُضُ بَعْضَ العمل دون بَعْضٍ كمن أخلص مبدأ العمل فالأصل صحيح ثم زاد فيه على الأصل قدرا لم يسلم من الرياء ، فجناية الرياء لا تَسْرِي إلى الأصل وإنما تَقْتَصِرُ على الزيادة ، على خلاف في ذلك ، فَثَمَّ من قال بسراية الجناية إلى الأصل ، فكان الأمر بإقامة الصلاة ، وهو ما يجري ، كما تقدم في موضع سابق ، مجرى الخاص بعد العام ، فبعد الأمر بالعبادة عموما جاء الأمر بالصلاة خصوصا ، وذلك ، من وجه ، مما يستأنس به من يدخل العمل في مسمى الإيمان إدخالَ جزءٍ في كلٍّ ، أو قِسْمٍ في ماهيةٍ مركبة من أجزاء ، فالإيمان اسم يدل على حقيقة وماهية مركبة من اعتقاد وقول وعمل ، فتلك أجزاء تَتَقَاسَمُ حقيقة الإيمان ، وهي ، من وجه آخر ، أنواع تستغرق آحادا تحتها ، فالإيمان اسم لمسمى ذي أركان وشعب ، فمنها شعبُ باطنٍ ومنها شعبُ ظاهرٍ كالصلاة ، ومنها شعب قول ومنها شعب عمل ، والصلاة فيها القول والعمل ، ومنها شعب واجبة وأخرى نافلة ، والصلاة منها الواجب ومنها النفل ، والأمر في الآية أَنْ : (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، يَسْتَغْرِقُ بدلالة "أل" في "الصلاة" ، فهي تَسْتَغْرِقُ جنس ما دخلت عليه ، فتدل على ماهية الصلاة المطلقة في الذهن ، وتستغرق آحادها في الخارج ، الفرض والنفل ، فإقامة الصلاة من إقامة الدين ، إذ هي جزء منه ، فعطفت عليه في هذا الموضع عطفَ الخاص على العام تَنْوِيهًا بشأنه ، كما قد عطفت على الدين في قوله تعالى : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) ، فكان الأمر بالعبادة ، كما في آية طه : (فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، كان الأمر على حد القصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء ، وذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، ولا يخلو ، من وجه ، أن يكون قصر الحقيقة فتلك غاية الخلق العظمى ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فجاء القصر هنا ، أيضا ، بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء ، وقد أطلق الفعل في كلا الموضعين ، فاستغرق وجوهَ العبادةِ جميعا ، ما بطن وما ظهر ، ولم يخل ، أيضا ، من دلالة تغليب ، فإن ضمير الجمع المذكر في "يعبدون" ، و "ليعبدوا" قد اتسعت دلالته فَعَمَّ كل مكلف ، وكذلك الشأن في ضمير الفاعل المستتر في عامله في "أقم" ، فتقديره ضمير المخاطب المفرد المذكر "أنت" ، ودلالته ، أيضا ، تعم كل مكلف ، لقرينة العموم في التكليف ، فذلك الأصل الذي لا يعدل الناظر عنه إلا لقرينة توجب ذلك ، فيكون ثم دليل تخصيص يقصر الحكم على جنس دون آخر ، أو قَبِيلٍ دون آخر ، فكان القصر في آية البينة : (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) ، وهو ما أُطْلِقَ ، كما تقدم ، ثم قُيِّدَ بالحال "مخلصين" ، فذلك الإيجاب تحلية للمحل بالإخلاص وقد زِيدَ في تقريره إذ قَدَّمَ ما حقه التأخير "له" مئنة من الحصر والتوكيد فذلك في تأويل القول في غير التنزيل : لا تخلصوا الدين إلا له ، فضلا عن دلالة اللام في أصل الوضع ، فمن معانيها الاستحقاق والاختصاص ، وبعده جاء الاحتراز بحال أخرى "حنفاء" ، فذلك السلب تخلية للمحل فَيَمِيلُ عن كلِّ معبود سوى المعبود بحق ، جل وعلا ، فاستعير حنف الساقين المحسوس لحنف القلب المعقول فهو مائل يحيد عما سوى رب العبيد ، جل وعلا ، وقد يقال إن الحنف جنس عام تنقسم موارده في الخارج فثم الحنف المحسوس وثم آخر معقول ، فلا يكون في الكلام استعارة وإنما يجري مجرى الحقيقة ، بادي الرأي ، فهي جنس يحصل من آحاده في الخارج ما يقيد بالمحل الشاهد ، فالحنف المعقول للمحل المعقول ، والمحسوس لنظيره المحسوس ، على وجه يواطئ قياس الحكمة أن أُعْطِيَ كل موصوف من الوصف ما يلائمه ، فكان الأمر بإقامة الدين ، وتلك وصية الأنبياء عليهم السلام أَنْ : (أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا) ، فعطف عليه لازمه الضروري فإن إقامة الدين إقامة توحيد في التصور وفي الشرع ، فيوحد الناظر معبوده ومستمده من الشرع الذي به يَتَعَبَّدُ فلازم ذلك ألا يَتَفَرَّقَ الجمع فهو على قلب رجل واحد ، قلب النبوة فهي مناط الاقتداء الكامل في الاعتقاد والقول والعمل ، فجاء النهي بعد الأمر ، فذلك من عطف التلازم إذ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده ، فالأمر بإقامة الدين أمر بالاعتصام به ، ولازم ذلك النهي عن التفرق على أنحاء شتى ، كما في آية آل عمران في قوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، فإطلاق العامل مئنة من إطلاق آخر يستغرق جميع أجناس التفرق ، ما ظهر منها وما بطن ، فتسلط النهي على المصدر الكامن في الفعل مئنة من عموم يستغرق ، فهو يستغرق جميع أجناس التفرق وآحاده ، وذلك ما قد يخص ، من وجه ، إذ ثم من الخلاف ما يجري مجرى التنوع فلا يذم افتراق الناس فيه على أنحاء فكلٌّ على صواب ، بل قد يستحب ذلك من باب التنويع ليحظى القائل أو العامل بِبَرَكَةِ كلِّ وجه ففيه من الخير ما ليس في الآخر ، وإن كان في الجميع خير ، فهما يتكاملان ولا يتعارضان ، وإن كانا ، من وجه آخر ، يتفاضلان ، فقد يكون وجه أفضل من الآخر ، فلا يَفُوتُ الإنسانَ حظُّه من المفضول ، فيأتي به ، ولو في أحيان ، فذلك مما يُسْتَحْضَرُ به الجنان بطرد الملل والرتابة إذ قد يعتاد الأفضل فَيُؤَدِّيهِ أداء العادة ، فالتنويع يشحذ الذهن ويجدد العزم ويطرد السآمة والملل ، فضلا أن المفضول قد يصير فاضلا في مواضع ، والفاضل ، في المقابل ، قد يصير مفضولا ، كما يضرب بعض المحققين المثل بِتَفَاضُلِ القرآن والذكر ، فإن القرآن في الجملة أفضل ، ولكن الذكر في حق آحاد قد يكون أفضل إذ يجدون قلوبهم في الذكر ما لا يجدونه في القرآن فهو قول ثقيل لا يطيقه أي محل ، وإن حصل منه قدر به تقام الحجة وتستبين المحجة وإنما الكلام في قدر زائد من الخشوع وحضور القلب وانطراحه بين يدي الرب ، جل وعلا ، فقد يحصل ذلك بالذكر ما لا يحصل بالقرآن فيكون أفضل من هذا الوجه في حق آحاد من الناس يجدون قلوبهم بالذكر ما لا يجدونه بالتلاوة ، فليس الأفضل مطلقا ، وكذلك الشأن في ذكر التسبيح والتحميد في الركوع والسجود فهو أفضل من القراءة في هذه المواضع ، بل القراءة فيها تحرم ، كما في الخبر : "إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا" ، والنهي مئنة من التحريم وذلك ما يجري مجرى التحريم لقيد زائد وهو الموضع فهو محرم باعتبار موضعه لا مطلقا فلا يقول أحد بداهة إن قراءة القرآن محرمة ! ، وهو من المحرم الذي لا يبطل العمل إذ لا يدخل في حقيقته أو ماهيته فلا يَفُوتُ به شرط أو ركن ، فذلك محرم من خارج فلا يقتضي الفساد والبطلان إذ الجهة منفكة ، وإن كان ثَمَّ من قال باتحادها فأبطل الصلاة بالقراءة في الركوع والسجود وذلك قول أهل الظاهر ، رحمهم الله ، إذ النهي عندهم يقتضي الفساد والبطلان مطلقا ، على تفصيل في ذلك ، وثم ، من الخلاف ، من وجه آخر ، ما يسوغ في الفروع ، وإن كان الحق فيه واحدا ، فلا يدخل ، أيضا ، في عموم النهي في قوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، فلا يذم هذا الخلاف وإن كان الاتفاق أولى فالخلاف ليس مرادا في الشرع ، وإنما قد يقع بقدر الكون ، فـ : (لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) ، فلا يذم الخلاف السائغ في الفروع ولا خلاف التنوع من باب أولى إلا إذا أفضى إلى شقاق وَتَنَازُعٍ ، فتلك ذريعة إلى الفشل فكان النهي الذي عم فاستغرق بإطلاق العامل "تنازعوا" في قول الرب الخالق جل وعلا : (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) ، فنهى عن التَّنَازُعِ في العلوم أو الأعمال أو السياسات أو الأحكام ... إلخ من موارد التَّنَازُعِ ، وجاء النص على العلة إمعانا في التحذير ، فلا يخلو النهي من دلالة التحذير وإن كان ابتداء نَصًّا في التحريم الذي عم ، كما تقدم ، جميع وجوه التَّنَازُعِ الذي قد يُفْضِي إلى التقاتل ، فعم التَّنَازُعَ في الأديان ، والتنازع بالأبدان ، وهما ، لو تدبر الناظر ، يتلازمان في العادة ، فكان النهي العام الذي استغرق إذ تسلط النهي على المصدر الكامن في الفعل ، وأردف بالعلة إمعانا في التحذير ، كما تقدم ، فالفاء في قوله تعالى : (فَتَفْشَلُوا) ، نص في السببية ، فنصب الفعل بعدها بعلامة الحذف لِنُونِهِ إذ هو من الأمثلة الخمسة ، فَنَهَى عن التَّنَازُعِ فهو ذريعة إلى الفشل والضعف الذي كنى عنه بذهاب الريح ، فكل خلاف يفضي إلى التَّنَازُعِ فهو محرم وإن كان في فرع بل وإن كان في خلاف تَنَوُّعٍ أن ضَاقَ العقل وضعف الفهم والفقه فلم يسع المتأخرين من متعصبة المذاهب ومقلدة الأئمة ، لم يسعهم ما وسع الأولين ، فبلغ الجهل مبلغه حتى صار كل خلاف مناط مفاصلة توجب البراءة من المخالف فضلا أن يكون ثم من العدوان في الخصومة فيجاوز المخالف الحد المشروع في باب الأسماء والأحكام ، وذلك غلو لم يخل كالعادة ! من جفاء في المقابل إذ هَوَّنَ من هَوَّنَ من كل خلاف ، وإن في أصول أو في مواضع لا يسوغ فيها الخلاف مما جاءت فيه النصوص فلا اجتهاد معها ولا مسوغ أن يخالف الناظر عنها بعد أن بلغته من طريق صحيح مَرْضِيٍّ بلفظ قطعي أو ظني ، فكلاهما يوجب العمل ، فَهَوَّنَ من هَوَّنَ من كل خلاف ، لا سيما ما يكون في أمور السياسة والحكم ، ودائرة الخلاف فيها تَتَّسِعُ ما لا تَتَّسِعُ في أحكام التعبد المحض ، ولكن ذلك لا يصلح ، في المقابل ، أن يكون ذريعة إلى الاجتماع على أي كلمة ، وإن خالفت في أصل محكم من أصول الدين بذريعة التوافق والتلاؤم وجمع الناس على كلمة سواء .... إلخ من دعايات السياسة المجملة ، وذلك قد يصح من باب التألف على وجه لا يُفْضِي إلى كتمان الحق وتبديل الشرع ، أو إعطاء الدنية بمداهنة لا تزيد الخصم إلا طمعا في أهل الحق أن آنس منهم الضعف فلن يرضى وإن بُذِلَ له من الود ما بُذِلَ ، فالخلاف يجاوز الآحاد ، فهو خلاف منهاج ومستمد على وجه وقع فيه من التناقض ما يحول دون اجتماع المتناقضين فلا يجتمعان ولا يرتفعان ، وإنما غاية الأمر أن يَتَهَادَنَا فيؤجل الحسم إلى جولة آتية ، وإن طال زمانها ، فلا بد من مناط مفاصلة يستبين فيه الفجر الصادق من الكاذب ، فتهوين الخلاف رجاء جاه أو حظ في الدنيا وإن تأول صاحبه أنه يصلح بين الناس فيجمعهم على معنى مشترك في السياسة أو الإنسانية ...... إلخ ، ذلك التهوين لا يحسم مادة الخلاف بل قد يزيدها بما يكون من اضطراب في خطاب المهادِن فهو مع خصومه يداهن ومع خاصته يفاصل فيكون الخطاب المضطرب المتناقض الذي يجعل صاحبه ذا وجهين بل وربما وجوهٍ كثيرة ! ، فلا يأمن أن يقع في النفاق إذ يداهن في أمور تقدح في الأصول ، فلا يجري أمره مجرى المداراة إذ لو كان كذلك لهان الخطب فَبَذْلُ الدنيا صيانةً للدين ، أو بذلها اتقاءَ فحش الخصوم دون تفريط في الأصول ، ذلك أمر لا يذم ، بل قد يكون من فقه السياسة الشرعية المحكمة لا النَّفْعِيَّةِ المضطربة ، فلا يكون الخلاف هَيِّنًا في جميع نوازل السياسة والحرب ، وإن كان مناط الخلاف فيها أوسع منه في أحكام التعبد ، كما تقدم ، فلا يُحَجَّرُ الواسع ولا يُوَسَّعُ ، في المقابل ، مناط الخلاف حتى يقدح في أصل الدين لا سيما في مسائل لا تحتمل كمسائل السيادة في الحكم والتشريع فذلك مناط الصراع الرئيس بين النبوات وخصومها ، فلا يُجْمَعُ الناس على مناط يخالف مناطها لا سيما ما كان من مناط فضفاض لا ينضبط ، كما يقول الفلاسفة أنفسهم ! ، في معان رام من رام استبدالها بالدين ، كما في الفلسفة الوضعية إذ رامت جمع الناس على كلمة سواء من الإنسانية فهي ، كما يقول بعض الباحثين في الفلسفة الحديثة ، أمر غامض يعجز عن تقديم مبدأ أول يحل محل الإله والخلود ، فتلك معان لا تُتَلَقَّى إلا من مشكاة الغيوب ، مشكاة الوحي ، وهي معان تنضبط بحدود ومعالم بَيِّنَةٍ فجمع الناس عليها هو جمع على حق بَيِّنٍ لا على معنى غامض مجمل ، فالنبوة ، لو تدبر الناظر ، مناط محكم به يزول الخلاف فيكون الأمر بإقامة الدين ، ومنه الصلاة ، كما تقدم في آية طه : (فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، يكون هذا الأمر هو مناط الاجتماع الذي تستحسنه العقول الصريحة فلا يحصل إلا إذا كان مناط الاجتماع محكما ، فالمعنى الواسع الفضفاض لا ينضبط وكلٌّ يتأوله على وجه يوافق أهواءه وأذواقه ، فيعظم الخلاف وَيَتَّسِعُ خلافَ ما أراد القوم ابتداء من الاجتماع ، فالاجتماع لا يكون على مجملات مطلقة في الذهن كالعدل والحرية والمساواة ..... إلخ ، فكلٌّ قد أجمع على حسنها إذا أطلقت في الذهن ، وحال التأويل في الخارج لا بد من مناط محكم قد استبانت حدوده وأحكامه ، وإلا وقع التنازع بين العقول فاختلفت وتفرقت بل واقتتلت في أحوال على وجه تفارق فيه العدل فلا تأويل يسوغ ، وإنما رُدَّ كلٌّ إلى ما يهوى ويجد ، فصار الحق كثيرا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الأهواء والأذواق ! ، وليس ثم مرجع من بَيْنِهَا ترضاه حكما ، فكل قد أعجب برأيه فلا يحسم هذا الخلاف إلا مرجع يجاوزها جميعا فهي تُسَلِّمُ له إذ قد سَلِمَ مما لم تَسْلَمْ منه من وصف النقص وتهمة الانحياز إلى ما يوافق أهواءها وَيُحَصِّلُ أَغْرَاضَهَا ، وليس ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلا الوحي الذي جاء بالدين المحكم ، دين التوحيد إخلاصا وحنيفية ، فـ : (مَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) ، وبعده كان عطف الصلاة والزكاة فهما من الدين ، فالدين عبادة وطاعة ، ولا تكون إلا بشرع ، من قول وعمل ، من عبادة بالبدن كالصلاة وأخرى بالمال كالزكاة وثالثة بهما جميعا كالحج والجهاد ..... إلخ ، فعطف الصلاة على الدين والطاعة عطف خاص على عام ، فالعبادة معنى يستغرق جميع أجناس التأله ، ما بطن وما ظهر ، ما خص وما عم ، فلا يقتصر على الظاهر المتبادر من عبوديات الجوارح ، فعلا وكفا ، وإنما يجاوزها ، كما يقول صاحب "تعظيم قدر الصلاة" رحمه الله ، فإن النهي عن عبادة الشيطان في قوله تعالى : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) ، لم يكن نهيا عن السجود والركوع وسائر الطقوس فذلك ما لم يقع في الماضي وإن وقع في الحاضر ! ، في مفارقة يعجب الناظر فيها إذ حصل في جاهليات حديثة ! ما لم يحصل في الجاهليات العتيقة فقد كانت أصح عقلا ! ، وضلال الإنسان إذا خالف عن الوحي فضاء واسع لا منتهى له ولا حد ، لا سيما وقد حصل من وجوه الحضارة والترف ما لم يكن في الماضي فأحدث الشيطان لكل زمان ما يلائمه من المعاصي والوساوس ! ، فلم يكن النهي في الآية إلا النهي عن طاعته إذ يأمر بالكفر ، فمعنى العبادة يجاوز عبادة الجارحة الخاصة إلى معنى أعم يستغرقها ويستغرق معها سائر أجناس الطاعة ، ما ظهر منها وما بطن ، فكان عطف الصلاة على الأمر بالعبادة في آية طه : (فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، من عطف الخاص على العام ، كما تقدم ، بل إقامة الصلاة ، من وجه ، هي مما ورد في كلام المفسرين في تأويل القوم العابدين في قوله تعالى : (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) ، فهم أهل الصلوات الخمس ، كما أُثِرَ عن كعب رحمه الله ، وذلك يجري مجرى تفسير العبادة بالدعاء في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إن الدعاء هو العبادة" ، فالقصر ، من وجه ، يجري مجرى القصر الإضافي إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده تَنْوِيهًا بشأن الدعاء وإلا فهو جنس من أجناس العبادة فلا يستغرق حقيقتها وماهيتها في الخارج فهي كالإيمان اسم ذو شعب منها الواجب ومنها النفل ، كما أن الدعاء منه الواجب كدعاء التشهد في الصلاة ، ومنه النفل كالدعاء بعد التشهد الواجب ، فذكر الدعاء في هذا السياق يجري مجرى الخاص في سياق التوكيد والتقرير ولا يخلو من معنى التمثيل الذي يُبِينُ عن حقية المعرَّف وماهيته ، فذكر بعض أفراد العام في سياق البيان بالمثال لا يخصصه ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، فكذا يقال في تفسير كعب آنف الذكر ، فتفسير العابدين أنهم أهل الصلوات الخمس يجري مجرى البيان لعام بذكر بعض أفراده على جهة التمثيل لا الحصر ولا يخلو من التنويه بالمثال المذكور فهو من آكد الأفراد دخولا في حد المعرَّف فاختص بالذكر ما لم يختص غيره ، وإن كان المعرَّف يعم الجميع ، فكذا يقال في عطف الصلاة على العبادة في قوله تعالى : (فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، فكان التمهيد بالعلة وهي انفراد رب العزة ، جل وعلا ، بالألوهية الحقة في قوله تعالى : (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا) ، فجاء العطف بعدها في قوله تعالى : (فَاعْبُدْنِي) بِفَاءٍ لا تخلو من دلالة السببية وإن لم تكن نصا فيها ، فلا تخلو فاء من معنى السببية ، كما يقول بعض المحققين ، فعلة عبادته ، جل وعلا ، إذ أمر بها ، فـ : (اعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) ، هي انفراده بالألوهية الحقة ، ومن ثم كان عطف الخاص من الصلاة على العام من العبادة على وجه عم بدلالة "أل" في "الصلاة" ، فهو يعم الواجب والنفل ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن التقييد بالذكر ، وهو الوقت ، على وجه ، إن هذا التقييد يقصر العموم في لفظ "الصلاة" على الواجب دون النفل ، وقد يجاب ، من وجه آخر ، إن النفل لا يخلو في أحيان كثيرة أن يكون مقيدا بالوقت كالسنن الرواتب وقيام الليل فهو كل صلاة بعد العشاء إلى طلوع الفجر ، والكسوف والخسوف فهما مما شرع على سبب ، فإن حصل شُرِعَا وإن انكشف تَجَوَّزَ الإمام في الصلاة وَسَلَّمَ ، والاستسقاء على القول إنه سنة مؤكدة فلم يبلغ حد الفرض الواجب فهو ، أيضا ، مما شرع على سبب ، وكذا العيدين على قول من لم يوجبهما فَلَهُمَا وقت يصليان فيه ، على تفصيل في كتب الفروع ، فكل أولئك مما يدخل في حد الذكر إن أُوِّلَتِ اللام بحملها على معنى "على" ، فأقم الصلاة على ذكري وهو الوقت الذي شرعت فيه كما في الخبر : "أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللهِ؟ قَالَ : الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا" ، وفي رواية : "في أول وقتها" ، وبها استدل من يستحب تعجيل الصلاة ، وهو الأصل ، إلا ما كان من تأخير العشاء إذ لم تفت الجماعة ولم يقع الناس في الحرج ، كما في الخبر : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل ، أو نصفه" ، وكذلك الفجر على الخلاف المشهور في التقديم والتأخير أيهما أفضل ، وثم من جمع فقال بالتقديم ابتداء والتطويل فهو يسلم منها متأخرا ، وقد تحمل اللام ، من وجه آخر ، على التعليل على تقدير : فأقم الصلاة لأجل ذكري ، إذ بها يحصل ذكر الرب ، جل وعلا ، بما يكون من قراءة وتسبيح وتحميد وتشهد ودعاء ..... إلخ ، فضلا عن معنى الذكر الأعم الذي يستغرق سائر أجناس العبادة ، ما بطن منها وما ظهر ، فكلها ذكر لله ، جل وعلا ، وقد توجه الخطاب إلى الكليم عليه السلام مواجهة لقرينة السياق فهو أول من يدخل فيه ، ولا يخلو أن يعم بقرينة العموم في التكليف فضلا أن ثم شاهدا به يستأنس من قال بالعموم فقد استدل به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخبر المشهور : "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، ثُمَّ تَلَا: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}" ، وهو ، أيضا ، مما يستأنس به من يقول بشرع من تقدم فهو شرع لنا إذ قد استدل به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فحكاه شرعُنا شرعًا لموسى عليه السلام ، واستدل به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاتنا ، وقد يقال إن هذا المثال ليس محل نِزَاعٍ فقد حكاه شرعنا شرعا لمن تقدم ، ولكن شرعنا جاء يقرر الحكم فكان أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الخبر : "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" ، ومحل النزاع ما حكاه شرعنا شرعا لمن تقدم دون أن ينص عليه صراحة أنه شرع لنا .

    والله أعلى وأعلم .


  2. #2
    لجنة الشورى

    معلومات شخصية

    رقم العضوية : 2814

    الجنس : ذكر

    البلد
    مصر

    معلومات علمية

    المؤهل العلمي : جامعي

    التخصص : ميكروبيولوجي "كائنات دقيقة"

    معلومات أخرى

    نقاط التميز : 8

    التقويم : 65

    الوسام: ★★
    تاريخ التسجيل17/8/2005

    آخر نشاط:20-11-2017
    الساعة:02:36 PM

    المشاركات
    4,705
    العمر
    39

    إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى :
    فجاء التوكيد بالناسخ ، بعد الأمر بالعبادة وإقامة الصلاة والذكر ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، أن يجري مجرى النص على العلة بعد المعلول ، فكان السؤال الذي دل عليه السياق اقتضاء : وما علة الأمر بلإقامة الصلاة للذكر ؟! ، فجاء الجواب : لأن الساعة آتية ، فكان الاستئناف بالمؤكِّد الناسخ على حد التعليل الناجز فذلك آكد في تقرير المعنى وَتَرْسِيخِه في ذِهْنِ السامع ، فإن التعقيب بالعلة بعد المعلول يجيب عن سؤال الحكمة الذي يتبادر إلى ذهن المخاطَب فهو يحسم مادة الحيرة والاضطراب أن أجاب عن سؤال الْمَصِيرِ الآجل ، وهو ما يشغل العقلاء جميعا ، فمن لم يهتد بهدي الرسالة ضل في الجواب فصارت الحياة عنده عدما وعبثا كما اشتهر في الفلسفة الوجودية المعاصرة ، وهي فلسفة تأبى الانقياد لأي مرجع من خارج ، فهي تزعم استقلال الإنسان فلا رقيب عليه من خارج ، فكان تعظيم الأنا فَثَمَّ نزعة فردية تتسم بالأنانية واللاأخلاقية ، فكان مثار العجب ، كما يقول بعض الباحثين ، تلك الحملة الشرسة التي شَنَّتْهَا الوجودية على القيم الإيمانية والأخلاقية ، بذريعة الحفاظ على الحرية الشخصية ، وذلك رافد فلسفي من روافد اللَّيبْرَالِيَّةِ ، فالأخلاق لم تعد من المطلقات الثابتة وإنما جرى عليها ما يجري على النسبيات المتغيرة ، وذلك ، أيضا ، رافد فلسفي من روافد النظرية البراجماتية السياسية ، فالمصلحة فيها هي المعيار وهو معيار مضطرب يَتَفَاوَتُ ، فالقيمة الفورية هي ما تكسبه الْيَدُ وتجده النفس بظاهر الحس فلا تَعْتَبِرُ أجرا يَغِيبُ فذلك من خرافة الميتافيزيقا فما وراء هذه الدنيا ليس إلا نسيئة مؤجلة من لذة متوهمة ، مع أن هذه البراجماتية ، من وجه آخر ، قد ترى مصلحة الإنتاج في إثبات رقيب من الضمير أو الدين فهو مما يُجَوِّدُ الإنتاج ويكثره ، فيكون الدين في هذه الحال حسنا إذ يرفع كفاءة الإنتاج لا أكثر ! ، حتى قال من قال من الفلاسفة : إن لم يكن الله موجودا فلا بد من اختراعه ، فهو حتم لازم لإحداث حال من التوازن النَّفْسَانِيِّ فإن ثم فطرة ضرورة لا تَنْفَكُّ تُلِحُّ طَلَبًا لحقيقة عليا وقوة تأرز إليها حال الشدة بما جُبِلَتْ عليه النفس من ضعف وجزع لا سيما إذا اشتدت الخطوب وعظمت الهموم ، فلم يكن إثبات الإله في هذه الحال دينا ينتحل فصاحبه يصدق ويمتثل ويرجو من الثواب الآجل ما يستوجب إثبات الساعة فهي مبدأ الدار الآخرة ، دار الحساب والجزاء ، فلم يكن إثبات الإله في المذهب البراجماتي إلا لِمَعْنًى دُنْيَوِيٍّ عاجل ، فَهُوَ يُمِدُّ النَّفْسَ بِمَدَدِ روحي يزيد في الإنتاج المادي ! ، فكان من الوجودية آنفة الذكر ما خالف عن بدائه النقل والعقل ، وهو ما كان رَدَّ فِعْلٍ من وجوه كثيرة ، ولم يكن تاريخ الفلسفة في أوروبا ، لو تدبر الناظر ، إلا فعلا ورد فعل ، فكان الغلو والجفاء الذي فات صاحبَه حد الاعتدال فلم يصب فضيلة التوسط إذ لم يكن له حظ من الوحي وَالتَّنَسُّكِ ، بل كانت فلسفته ابتداء تمردا وعصيانا على الوحي ، فهي فلسفة ذات طابع وثني يوناني لم تخالط النبوة إلا قليلا ، ولم تعرف منها إلا المبدَّل الذي لم يَصْفُ ، فلم يسلم من كدر المقالات الأرضية ، فدخله ما دخله من الميثرائية والرواقية وعقيدة التثليث التي اقتبست من دِيَانَةِ المصريين القدماء ، وكانت حركته بعد ذلك في الفكر تمردا وخروجا عن قانون الكهنوت الذي استلهم من الفلسفة الأرسطية ما ظهرت آثاره في الحياة السياسية والاجتماعية ، وبعدها كانت الثورة على الفلسفة النظرية فكان مقال الرياضيين والتجريبيين ، وتقلص دور الإله أنه الخالق والمحرك الأول قبل أن يسلم مقاليد الأمر لقانون في الطبيعة آلي ، فهو يدبر نفسه بنفسه فقد انتهى دور الإله وظهر من الفلسفات ما أفرغ عبارات الغيب المزعوم من مضمونها ! ، فليس إلا حديث الخرافة ، وذلك مما استخدمه ماركس وعصابته في القضاء على النظام القديم ! ، نظام الرجعية والإقطاع ، فالدين مخدر الشعوب الذي يُتْلِفَ الأدمغة ، فصارت عبارات الغيب كإثبات أن ثَمَّ إلها لهذا الكون ! ، صارت هذه العبارات ، كما ينقل بعض الباحثين ، مجرد تركيبات لغوية فارغة تتعارض مع الاستعمال الحقيقي للكلمات من جهة ! ، فثم قاموس جديد لهذه الفلسفة يضع للكلمات من الدلالات ما يخالف عن المنقول المتواتر ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، مما ظهر في مناهج الحداثة المعاصرة ، فإنها تَرُومُ قَطْعًا مع التراث كله ، ألفاظا ومعان ، أدلة واستدلالا ، فَتُنْكِرُ مَا تَوَاتَرَ من دلالات الألفاظ التي لا يصح في الأذهان شيء إلا أن تَثْبُتَ ، وإلا تعطلت الألسنة أن تفصح عما استكن في الضمائر فلا يكون لكلام الناس جدوى فليس إلا هذيان أصوات إذ الدلالات قد بطلت ، والألفاظ قد أُفْرِغَتْ من مضامينها التي تَنَاقَلَتْهَا الأجيال إرثا خالدا لا يمكن فهم نص ولا درك معنى إلا بقبولها ، فالقول إنها قد استعملت في تراكيب لغوية فارغة تعارض معانيها الحقيقية في نفس الأمر ! ، هذا القول يفتح الباب واسعا لكل متأوِّلٍ يستعمل من طرائق الباطن في إبطال دلالات الألفاظ الظاهرة التي دل عليها اللفظ بأصل الوضع فلم يعد ثم أصل يرجع إليه إذ انقطعت الصلة مع المعجم الأول واستحدث معجم جديد وضعه الناظر فهو واضع اللغة الثاني الذي نسخ ما صنع الأول بما ابتكر من معان ودلالات جديدة على وجه يوافق ما يهوى وليس ثَمَّ من الدليل من المنقول الْمَرْضِيِّ ما يشهد لتأويله ، ولو وجها بعيدا ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، باب لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة السمع ، فمثله كمثل دليل الشرع ، فكلاهما مما ينقل ، فاجتهاد العقول يكون في إثبات صحة النقل وتدبر معنى اللفظ لا في ابْتِكَارِ دلالات جديدة هي من قَبِيلِ القياس في مقابل النص في باب مستنده النص فهو نقل دليل إن في بَيَانِ اللغة أو بَيَانِ الشرع ، فكلاهما يشترك في هذا الوجه ، فهما بَابَانِ من أبواب النقل ، فمن قاس في مقابل نص فقد خالف عن قياس العقل الذي ينتحله ، فالدليل السمعي الثابت من طريق مرضي ، يفيد الثبوت القطعي ، والقياس الذي يعارضه لا يفيد ، إن أفاد ، إلا الظن ، واليقين لا يُرَدُّ بالظن ، فضلا أن القياس في هذه الحال لا يفيد هذا الظن ابتداء فقد فسد إذ عارض عن قطعي ثابت ، فوجب رده من هذا الوجه لفساد في اعتباره فلا يعتبره إلا من فسد نظره ، وما يصنع أولئك من التلاعب في دلالات الألفاظ بنسخ ما أحكم من دلالات النقل إرث اللسان الذي تحملته الأجيال جيلا بعد آخر ، ما يصنعه أولئك يشبه ما يصنع نَقَضَةُ الأدلة بما يزعمون من نسخ ، فلا يقيمون عليه دليلا إلا دعوى مطلقة تَفْتَقِرُ في نفسها إلى دليل فلا تصلح ، بداهة ، أن تكون دليلا ، وإلا لزم الدور فكل دليل يفتقر إلى دليل ! ، إذ ليس ، كما تقدم ، إلا دعوى تَفْتَقِرُ في نفسها إلى دليل فكيف صح في الأذهان أن تكون دليلا ، وفاقد الشيء لا يعطيه ! ، فالنسخ ، لا يثبت بالاحتمال ، وكذلك دلالة الألفاظ لا تكون باقتراح يقترحه الناظر وإن خالف المنقول المتواتر من إرث اللسان فهو يشهد عليه بالبطلان لا جرم كان حرصه عظيما أن يبطل دلالة التراث المنقول فيروم بَتَّ صلته بها إذ تشهد ببطلان قوله حتما ، فكانت دعوى الحداثة مما جَمَّلَ به قُبْحَ مقاله ، فهو يروم التقدم ويأبى الرجوع والتقهقر ، وذلك ، أيضا ، مما تحمله ماركس وعصابته إذ كان الإرث الفكري والسياسي معدن الرجعية والتخلف فكانت الثورة على الماضي كله ، حلوه ومره ، وكان من الإلحاد والاستبداد ما ساغ إذ يرى أصحاب هذا الفكر مع تهافته ، أن المادة هي كل شيء ، فهي التي خلقت العقل والروح ، وليست الميتافيزيقا الْغَيْبِيَّةُ إلا سقط متاع فهي تبحث في خيال يتوهم إذ قصر الفلاسفة الماديون بحثهم على ما يدرك بالحس الظاهر ، فأنكروا الوحي وَقَطَعُوا طريق المعرفة اليقينية ، ولم يَرَوا إلا المادة ، فهي جوهر الحياة فلا روح تحل فيها فَتَنْقِلها من الموت إلى الحياة بما يبث فيها من جوهر لطيف يغاير جوهر المادة ، فالروح مادة الحياة وأصلها ، وقياس الحكمة أن يُعْطَى كل جوهر من الأحكام ما يواطئ أوصافه ، فإن العلم الذي يبحث في المادة والجوهر الكثيف ، جوهر البدن ، هو علم الطب بفروعه من تشريح وأنسجة ووظائف أعضاء ..... إلخ ، وهي مقدمات يدرسها الطبيب مبدأ بحثه إذ لا بد أن يحيط دركا بموضوع العلم ، وهو الجسد ، فكان من العلوم التي تمهد لعلاج الأبدان ما يكون من اكتشاف ماهية هذا البدن تشريحا واكتشاف سننه فوظائف أعضائه تجري على طريقة محكمة بها تظهر آيات من الحكمة والتدبير توجب إفراد الرب ، جل وعلا ، بوصف الربوبية ، وذلك ، من وجه آخر ، ما يقضي أن يفرد ، تبارك وتعالى ، بفعل التأله فيكون وحده الإله الشارع ، ويكون الخبر ما أخبر به الوحي ، كما قد أخبر بالنبأ العظيم ، نَبَإِ الساعة ، وذلك نَبَأُ غيبٍ ، لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي ، وهو ما يخالف عن منهاج المادة الذي لا يُعَظِّمُ إلا المحسوس بل يجعله هو مصدر المعقول فالفكر ليس حركة في المعقولات ، وإنما الفكر حركةٌ مادية وإفرازٌ من الدماغ فهو يعمل عمل المعدة في الهضم ، والمشاعر ليست إلا إفرازات كيميائية ، وقد يصح ، من وجه ، أن ثم من الإفراز ما يؤثر في النفس سرورا أو حزنا ، وذلك ما أَثْبَتَهُ البحث الحديث ولكنه لا يصلح مناطا يطرد في إصابة النفس بالهم والحزن ، فيكون علاجها من جنس علاج البدن إذ السنن واحد ، فالمخ كالمعدة ، والفكر كالأكل ! ، والسعادة كالنحافة ، فكل حركة في العقل ليست إلا حركة مادة ، فانحط العقل إلى دركة الحس وَفَقَدَ أَبْرَزَ خصائصه وأوصافِه ، ولو تدبر الناظر ، لوجد أن الجسد كمادة تحس يخضع لسلطان الروح ، فإن اعتلال الروح يؤثر في البدن ، بل قد يشفى المريض بإذن الله ، جل وعلا ، قد يشفى من اعتلال البدن إذا صحت الروح فقوتها المعنوية تؤثر في الهيئة المادية ، ومناعة الجسد أن يقاوم الداء تَزِيدُ ، وذلك ، أيضا ، مما أَثْبَتَهُ البحث الحديث ، فالبدن يُؤَثِّرُ في الروح ، وذلك أمر لا يجحد ، ولكن الروح ، أيضا ، تُؤَثِّرُ في البدن ، بل إن تأثيرها في حركة الأركان فعلا وَتَرْكًا ، تأثير ظاهر لا ينكره إلا جاحد ينكر من الضرورة العلمية ما يظهر في كل حركة في الخارج فلا يوجد عاقل يتحرك إلا بعد أن يفكر ، ولو فسد فكره وحمق قوله وعمله ! ، فسبق القول أو الفعل الفكرَ ، فلا ينفك يسبق بفكر آخر فاسد حصل فيه من العجلة ما أفضى به إلى الهلكة ، فلا بد من تصور أول ، منه يحصل الحكم وينشأ ، فهو مبدأ كل حركة في الخارج ، بل إن مذاهب المادة التي تنكر سلطان الروح فتجعلها خاضعة لقانون الحس ، فتجعل آلة الفكر جوهر مادة له سَنَنٌ يدركه الحس فلا معنى فيه يلطف بل هو ، كما تقدم ، عضو مادي كالعضو الهاضم للأكلة أو الطارد للفضلة ! ، فصار الإنسان كالحيوان البهيم ، بل لو تدبر الناظر ، في أجناس من الحيوان لوجدها في رتبة أعلى من هذه الرتبة المادية الدنيا فَلَهَا حد أدنى من العقل ، ولو عقل تخييل ، وَلَهَا مشاعر وأحاسيس ، فلا بد أن ترجع آخر أمرها إلى جوهر لطيف ، وإن كان دون جوهر التكليف ، العقل الكامل الذي أنيط به تكليف الوحي ، وَقِيَمُهُ تُخَالِفُ عَنْ قِيَمِ الوضع المحدث ، فإن سياسة النَّفْعِ والانْتِهَازِ مناطها ما اصطلح أن يسمى القيمة الفورية فهي عاجل غير آجل ، فلا دار بعد هذه الدار يرجو فيها عاقل لذة أو كسبا فليبادر العقلاء أن يَقْتَنِصُوا من لذات الحس ومكاسب الجاه والثروة ما به تحصل السعادة ، ولو وهما ، فليست ، لو تدبر الناظر ، إلا سكرة بعدها الفكرة الباحثة عن الحق بما ركز في النفس من فطرة الضرورة ، فكان رد الفعل إقبال الناس على المذاهب الروحية الخالصة فكان الغلو في الطرف الآخر ، طرف الروح ، فأهدر سنن المادة ، وجعل البحث فيها أمرا لا يَنْفَعُ ، فكانت الرواقية ردَّ فعل في مقابل الأبيقورية ، وذلك أمر اطرد في تاريخ الغرب ، فإنه إذ ضل عن منهاج الوحي فلا يجد الناظر في تقريراته إلا الفعل ورد الفعل وكلاهما قد بلغ من الغلو والشطط ما بلغ ! ، فَلَيْسَ ثَمَّ تَوَسُّطٌ واعتدال فمناط ذلك ما يَتَنَزَّلُ من الوحي ، فإنه وحده الذي يجيب عن سؤالات المعرفة إجابة اليقين فلا ظن ولا تَخَرُّصَ ، وهو الذي يعين المآلات بما أخبرت به الرسالات ، فجاءت بما يواطئ ضرورة الفطرة أن ثم دار أخرى بعد هذه الدار فِيهَا تُسْتَوْفَى الحقوق ، وزادت عليها من التفصيل أخبارا لا تصح إلا من طريق السمع فالعقل وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من الذكاء والفطنة أنى له أن يدرك الغيب ، فإنه ، كما تقدم في موضع سابق ، لا يطيق أن يدرك من حقائق الغيب النسبية في هذه الدار ما به يحصل اليقين ، وإن في مسائل التجريب ، فأكثر الاستقراء فيها استقراء ناقص يفيد ظنا راجحا ، فالاستقراء التام لجميع آحاد البحث في الخارج ، هذا الاستقراء التام يتعذر في أحيان كثيرة ، فمدى العقل محدود إذ يبحث في المحسوس وهو ، مع ذلك ، لا يجزم في أحيان كثيرة فأحكامه أحكام الظن لا القطع ، وهو لا يَنْفَكُّ يَفْتَقِرُ إلى حدس غيب هو واسطة بين الحقيقة في الخارج وما يستنبطه بالبحث والملاحظة ، فذلك غيب ينقدح في الذهن به تتصل حلقات البحث ، وهو أمر غيب يحاكي الإلهام فلا بد له من قدر من الغيوب وإن في مسائل البحث المادي المحسوس ، فإنكار الغيب وجحده والاستخفاف به فليس إلا مادة خرافة يغتذي بها الرهبان والمتصوفة وليست إلا حيلة عاجز لم يطق خوض غمار الحياة ، فلا يطيق الصراع المادي الذي ينصرف إلى النتائج والثمرات في الخارج ، فالحسن والقبح معياره الكسب والخسارة ! ، ذلك الإنكار والاستخفاف يكسر حلقة رئيسة في بحث التجريب المادي فضلا عن بحث الغيب الديني ، فهو يبطل مذهبهم ! ، إذ حاجتهم إلى الغيب حاجة ضرورة ، بل وحاجتهم إلى الدين في أحيان حاجة ضرورة ، وذلك ما نص عليه بعض أرباب السياسة المحدثة ، سياسة النفع والانتهازية ، وهي مرجع القيم السياسية المعاصرة فلا بد لها من منظومة أخلاق وقيم ، فهي مما يسهم في تحقيق النجاح في الحياة إذ لا بد من قدر من الأخلاق ، ولو حدا أدنى تقتسم به اللذات والهبات ! ، وتكسى فيه رغائب الأمم العظمى في التهام الصغرى ! ، تكسى لحاء أخلاقيا يسوغ عمليات الاحتلال والانتهاب ، فإن الأمم الغازية قد حَقَّقَتْ من الرفاه ما حققت في فترة الاحتلال فكانت تلك فترة ازدهار لاقتصاد المركز ، فهو يفتقر إلى الثروات الطبيعية والموارد البشرية التي وجدها في الأرض المحتلة ، فاستوظف أهلها ، ولو قهرا بالرق والاستعباد ! ، واستخرج خيرها ونقله إلى أرضه لتدور به آلة الإنتاج ، وكان الغرض الرئيس ، كما تقدم ، النتيجة والثمرة التي يجد آثارها عاجلة في هذه الدار ، مع إضفاء مسحة أخلاق وقيم ، بل واستثارة مادة الدين في النفوس ، ولو باهتة ، فهي ، من وجه آخر ، خير ما تشخذ به الهمة في أي قتال أو احتلال فباسم الصليب كانت حروب المركز في الأطراف ، إن في الماضي أو في الحاضر ، مع رمزية تثير الدهشة ، فإن أسماء المعارك وشفرات الأسلحة مما اقتبس من نصوص الإنجيل ! ، فذلك ما يضفي على فعل الاحتلال وجناية القتل معنى النزاهة والقداسة ، فليس ذلك إلا كفاحا عن الدين ، وليس إلا تحديثا وتمدينا للشعوب المتخلفة ، فلم تبلغ من رشد الحضارة ما يجعلها أهلا لولاية ، فثم ولاية أمر فرضها المركز على الأطراف إذ يدرك من صالحها ما لا تدرك ، وهي ، لو تدبر الناظر ثمارها ، ليست إلا ولاية جائرة بها استنزف الأطراف ، فشهدت الأمم الفاتحة ازدهارا في مقابل ما شهدت الأمم المفتوحة من نقص وانهيار ، فكانت حقبة الاحتلال حقبة استعمار للمركز لا للأطراف فيصدق فيها ، من هذا الوجه ، وصف الاستعمار ، وكانت ، من وجه آخر ، حقبة استبناء للأطراف ، لا طلبا لبناء نافع وإنما ، كما يقول بعض أهل الشأن ، تفكيكا لمنظومة الأطراف الفكرية والأخلاقية والاجتماعية وإعادة تصميم وإنشاء لها بما يوافق أغراض المركز من احتلالها أن تصير تابعة لا تطيق الاستقلال بنفسها ، فهي أداة وظيفة بها يحقق المحتل غاياته الوضعية وإن ألبسها معان شريفة ، وكانت فلسفة السياسة النَّفْعِيَّةِ التي ضُمِّنَتْ معان دينية وأخلاقية ، فكان توظيف الدين والأخلاق في سلب الأمم حقوقها ، وذلك ، وجه آخر به يظهر القدر الفارق بين فتح الوحي واحتلال الوضع ، فالناظر في الأمصار التي فتحها الوحي يجد من صدق الدعوى ما شهدت به بَيِّنَةُ الفعل لا القول ، وهو ما سطره التاريخ وهو أعظم شاهد في فعل السياسة والحرب والاقتصاد ، فشهدت الأمصار المفتوحة من الازدهار ما لا يجحده الناظر ، والأندلس على ذلك خير شاهد ، فكانت مِصْرَ قَفْرٍ وَفَقْرٍ تشكو من ضنك العيش وجور السياسة ما ذهب به الفتح ، فكان استئنافا لدولة عدل وخير ، وكانت منارة علم بددت ظلام الجهل المطبق في المركز ، فإن سياسة الوحي سياسة العدل لا الانتهاز فلا تقصر النظر على النتيجة والثمرة ، وإنما الحكم يعم الذريعة والوسيلة كما يعم المقصد والغاية ، فالوسائل لها أحكام المقاصد ، وليست الغاية مما يبرر الوسيلة ، وإن كانت غاية شريفة فكيف إن كانت غاية احتلال وانتهاب ، واخترع لها من الوسائل ما يشهد الواقع أن صاحبها مُدَّعٍ كاذب فهو يلفق من الأدلة ما يصحح به الباطل المحض ! ، فاختل معيار التحسين والتقبيح وصار التأويل هو عمدة الاستدلال فبه يُلْبَسُ الباطل المحض زِيَّ الحق المحكم ! ، فكانت الفلسفة المادية خصما للوحي بما أخبر به من الغيب الذي تجحده ، فلا تقيم وزنا إلا لمدارك الحس ، فالفكرة المعقولة قد صارت ، كما يقول بعض الباحثين ، سلعة فلا قيمة لها ولا اعتبار إلا بقدر ما تحقق من الربح العاجل الذي يدرك بالحس الظاهر ، فالحياة صفقة سياسة أو حرب أو اقتصاد ! ، فاختزلت في هذه الغايات ، وهي ، لو تدبر الناظر ، لا تذم مطلقا ، فلا يكون رد الفعل في المقابل ، زهدا يُهْجَرُ به فعل الدنيا فذلك من الجفاء في مقابل الغلو ، فالمذهب الروحاني لا يصلح دنيا ولا يسلم الدين من ضرره ، إذ الدين مادة تغيير وطاقة إصلاح وإعمار ، فَلَيْسَ مادة قُعُودٍ وتخاذل ، فلا تصلح الحياة بمذهب مادة يحولها إلى صراع غرائز ، ولا تصلح بمذهب روح يكبت الغرائز ، وإنما تصلح بمذهب روحي يهذب الغرائز ، فهو الوسط بين روحانية مجردة ومادية مفرطة ، فكان ذكرُ الوحي الساعةَ ذكرَ الاعتبار الذي يحمل صاحبه على التصديق والامتثال ، فجاء الوحي وسطا بين الأديان والمذاهب إذ جمع حاجة الروح والبدن وأعطى كُلًّا من حظه ما به يصلح فلم يجاوز الحد زيادة ولم يقصر عنه نقصا ، وإنما جاء بالعدل المطلق الذي أبان من الفطرة ما أجمل في النفوس فَزَادَ بَيَانَ الصدق والعدل ، وَوَاطَأَ رِكْزَ الخلق الأول ، ركز التوحيد وفيه ضُمِّنَ ذكر الساعة ، فالإيمان باليوم الآخر رُكْنٌ من أركانِ الدين ، فلا يتم الإيمان إلا به ولا يُتَصَوَّرُ العدل إلا به فَهُوَ الجزاء الأخلاقِي إذ يُوَفَّى كُلٌّ حسابه فلا ظلم ، فـ : (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ، فجاء العهد الخاص في "اليوم" ، فهو يوم الحساب والجزاء الأوفى ، فتجزى كل نفس ، وذلك عموم لا مخصص له ، إلا ما كان من تخصيص العقل ، فالرب ، جل وعلا ، له نفس ، وهي نفس لا تُجْزَى بداهة وإنما تَجْزِي فهي الفاعل الذي حذف للعلم به بداهة ، فتلك قسمة العقل ، فَنَفْسٌ تجزي وهي نفس الرب ، جل وعلا ، وَنَفْسٌ تُجْزَى وهي نفس العبد ، ولا تخلو دلالة المضارعة من استقبال بالنظر في زمن النُّزُولِ والتلاوة ، ومن استحضار للحال فكأنه رأي عين ، فاستحضر اليوم بدلالة العهد وهو ما حسن معه استحضار الفعل ، فكأن الجزاء يقع رأي عين ، وذلك ما به يحصل الاعتبار ، ولا يخلو العموم ، من وجه آخر ، من تخصيص فَثَمَّ نفوس لا تجزى ، فالملائكة نفوس تعقل ، ولكنها لا تكلف تكليف الإنسان المختار ، فقد جبلت على الطاعة فلا تعصي أبدا ، وهو مما يستأنس به من نَفَى نسبة إبليس إلى جنس الملَك ، فَلَوْ كان منهم ما عصى ، إذ وصفهم في محكم التنزيل أنهم : (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ، فثم عموم استفيد بِتَسَلُّطِ النفي على المصدر الكامن في الفعل "يعصون" ، ولا تخلو المضارعة من عموم آخر في الزمان فهو يستغرق الحال والاستقبال جميعا ، بل وثم من قرينة المعنى ما يزيد في دلالته فلم يتقدم منهم عصيان ، إذ قد جبلوا على الطاعة من لحظة الإيجاد ، وثم عموم آخر إذ لا يعصون لا في أمر تكليف شرعي كما قد أمروا بالسجود لآدم ، عليه السلام ، فـ : (إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) ، فلا يعصون في أمر تكليف شرعي ولا في أمر تكليف كوني ، وكان النص على اللازم في قوله تعالى : (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ، فلا يعصون إذ يطيعون ، فإن انتفاء العصيان لازمه حصول ضده من الطاعة ، وذلك من الإطناب الذي يزيد المعنى تقريرا وتوكيدا ، وثم ، أيضا ، نفوس الحور والولدان ونفوس قوم يخلقهم الرب ، جل وعلا ، للجنة فيدخلونها بلا سابق تكليف فذلك فضل الرب الغني الحميد ، تبارك وتعالى ، فكل أولئك ممن خرج من عموم قوله تعالى : (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) ، فانتفى الظلم ولازمه ثبوت الضد ، فالعدل التام يوم الحساب والجزاء التام فذلك معيار أخلاق محكم ، إذ يقضي بحسن جميل يَرُومُه كل فاضل شريف أن يحصل من العدل ما تقر به العين وينتظم به الأمر ، فَأُمِرَ الناس به في الدنيا ، واقتضت حكمة التكوين ألا يكون في هذه الدار عدل تام ليحصل الفرقان بين الدور فتظهر فضيلة الآخرة على الدنيا فهي دار الحساب والجزاء التام ، فانتفى الظلم نفي العموم إذ تسلط النفي على النكرة مئنة من العموم المستغرق ، كما قرر أهل النحو والمعاني ، ولازمه إثبات كمال ضده من العدل فلا ظلم أبدا يوم الحشر إذ يحصل فيه من العدل التام ما به يعظم الثناء على رب الأرض والسماء جل وعلا .

    والله أعلى وأعلم .


تعليمات المشاركة

  • لا تستطيع إضافة موضوعات جديدة
  • لا تستطيع إضافة رد
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •