ومع اقتراب الحرب في بلاد الشام أن تضع أوزارها ، وقد انخفضت وتيرة الصراع في الفترة الأخيرة ، مع بدء تطبيق اتفاق خفض التوتر ، وهو ما ظهرت نَتَائِجُه في الغوطة الشرقية ، فَثَمَّ مشهد قتال مركب تم فيه كالعادة ! ، تقسيم الأطراف إلى معتدل ومتشدد ، وبينهما من الصراع ما يستنزف الأطراف جميعا ، مع استمالة بعضٍ ، فقد سارعت بعض الفصائل أن توقع اتِّفَاقَ خفض التَّوَتُّرِ مع روسيا ، ولم يشمل الاتفاق فصائل أخرى توصف بالتشدد كهيئة تحرير الشام فهي مستثناة من أي اتفاق يخفض التَّوَتُّرِ ، وروسيا ، فِعْلِيًا ، ذات ولاية تستقل عن النظام فلا يطيق النظام أن يعترض أي قرار روسي سياسي أو ميداني على وجه بَلَغَ حدا بُرُوتُوكُولِيًّا ذا مغزى فَرَأْسُ النظام في دمشق يَزُورُ قاعدة روسية في الساحل ويكتب كلمة في دفتر التشريفات كأي وافد أجنبي يزور مؤسسة فيسجل كلمة للذكرى ! ، وَبَلَغَ حد تدخل روسيا بمنح الترقيات لضباط من جيش النظام والترقيات شأن داخلي إداري محض في أي جيش له حد أدنى من الاستقلال ، وبلغ الأمر الذروة في تدخل روسيا في الصورة السياسية المستقبلة ، فهي تريد دستورا علمانيا يوافق توجهاتها ويحقق أهدافها ويحفظ مكاسبها الاستراتيجية في القواعد العسكرية الجديدة ، مع وجود نِزَاعٍ مكتوم بَيْنَ طهران وموسكو ، فالتنسيق قد يكون في الميدان ، وأما في السياسة فلكلٍّ تصوره لسوريا المستقبل التي حققت نوعا من التجانس الاجتماعي ! كما يزعم رأس النظام ، بِنَفْيِ خبث السُّنَةِ ، فهم أعظم خطر يتهدد وحدة البلاد وتجانسها الديموجرافي وإن كانوا الأغلبية الساحقة ! ، فلا بد من تخفيض العدد ليعتدل ميزان السكان ويصير الجميع على حد سواء فيسوغ تَوَلِّي رجالٍ من الأقلية مقاليد الحكم فَلَمْ يَعُودُوا أقلية بعد إفناء الأكثرية ، فلا بد من حدث تاريخي يعيد توزيع السكان على الأرض تَبَعًا لمعيار جديد وهو معيار القوة التي تجعل الأقلية أكثريةً ، فحصل التهجير على نطاق واسع فالجغرافيا السكانية لسوريا المستقبل قد تَمَّ تشكيلها مبكرا فهي سوريا المفيدة أو سوريا الإيرانية وهي تشمل جغرافيا متصلة من طرطوس والساحل إلى دمشق مرورا بأنوية صلبة رئيسة في حلب وحمص وحماه لا سيما بعد تراجع تنظيم الدولة باتجاه معقله الأخير في المثلث الحدودي في الشرق ، مثلث الرَّقَّةِ البوكمال دير الزَّورِ ، فكان اتفاق جرود عرسال القلمون الأخير الذي نص على انْتِقَالِ البقية الباقية من مقاتلي التنظيم من الغرب ، من الجرود والقلمون إلى الشرق في دير الزور ، وهو ما أثار بلبلة في جميع الأوساط ، إلا أجنحة في أنظمة الحكم في لبنان فصرح الأمين العام لحزب الله أن الأمر قد تم بالاتفاق مع دمشق وطهران بعد زيارات قام بها اتسمت بطابع السرية ! ، في ظل غيبوبة الدولة اللبنانية وما الظن بفصيل سياسي يفترض أنه جزء من منظومة حكم مركبة فهو ينضوي ، ولو اسما ! ، تحل لواء هذه الدولة ، فما الظن به ورئيسه يسافر إلى دول أخرى ليعقد مُنْفَرِدًا اتفاقيات تَتَعَلَّقُ بدولته دون أدنى احترام لهيئاتها السياسية والعسكرية ، فلا يقيم أي اعتبار لحكومة الحريري السنية التي لا يَعْنِيهَا هي الأخرى إلا البقاء في سدة الحكم ، ولو بلا صلاحيات فإن رئيس الوزراء لا يملك إلا الشجب والاستنكار لكلِّ ما يصنع الحزب فيشبه ، من وجه ، الأمين العام للأمم المتحدة فوظيفته الرئيسة ، كما يَتَنَدَّرُ بعض المتابعين ، وظيفته الرئيسة أن يقلق ! ، فهو في حال قلق مستمر مما يشهده العالم من كوارث ، وتلك وظيفة ، لو تدبر الناظر ، من أسهل الوظائف وما ظنك برجل يَتَقَاضَى راتبه نظير ما يقلق ، فكذلك حال الحكومة اللبنانية الهشة فلا تبدي إلا القلق والشجب والاستنكار .... إلخ من أدبيات السياسة الكلاسيكية دون اتخاذ أي إجراء فاعل إذ السلطة التنفيذية قد غلت يدها بما اصطلح أنه الثلث الضامن ، وذلك اختراق نوعي نجحت طهران في تحقيقه في لبنان من أيام المرجع موسى الصدر الذي أنشأ حركة أمل ، أول حركة شيعية انخرطت في الحرب الأهلية اللبنانية في 75 ، وإن كان إنشاء هذا الجناح الشيعي في لبنان قد تَمَّ في 74 وَقَبْلَهُ وفد موسى الصدر إلى لبنان في 59 قبل نشوب الثورة الإيرانية بعشرين عاما ، فقد كانت حركة أمل بذرة مبكرة وذراعا من أوائل الأذرع الإيرانية في بلاد الشام ، فضلا أنها تولت عملية التنسيق بين نظام دمشق ونظام الملالي في طهران ، فكان التنسيق السياسي والعسكري ، وهو ما تُرْجِمَ بعد ذلك إبان الحرب العراقية الإيرانية ، حرب الخليج الأولى ، 80_88 فكان نظام دمشق من الأنظمة القليلة في المنطقة التي دعمت طهران صراحة ، مع أنه نظام بعثي عروبي ! ، يجعل الأمة العربية أولا ، فكان وقوفه مع الفرس ضد العرب ، جاهلية ثانية بعد جاهليته العربية الأولى ! ، فلم يَزْدَدْ إلا جاهلية على أخرى ! ، ثم كان خروج حزب الله من رحم أمل ، وهي ودلاة متعسرة شهدت مخاض القتال بين الأم والوليد ، فكان ذلك ، من وجه ، ترجمة لصراع آخر خفي بين الجناح العربي الذي يمثله موسى الصدر فكان له من القرابة في لبنان ما جعل جناحه ذا طابع عربي وهو ما لا تطيقه طهران فكان حزب الله هو الجناح الجديد ذا الطابع الفارسي فلا يخفى تأييده المطلق لنظام الملالي واعتماده ولاية الفقية أيديولوجيا دينية وسياسية ، فذلك اختراق ثان حققته طهران ، وهو هدف جديد سجلته المرجعية الفارسية في شباك المرجعية العربية فالمباراة على أشدها إن في لبنان أو في العراق ، فنشأ حزب الله في 85 في خضم الحرب الأهلية ، واستثمر فيه نظام دمشق استثمارا قريب الأجل في لبنان إذ فشل في استعمال ورقة المقاومة الفلسطينية فلم يعط عرفات نظام دمشق ما كان يريد ، فدمشق تحتاج مجموعة وظيفية ذات طابع عسكري تجاور كيان صهيون في إطار سياسة توازن الرعب ، مع ما بَيْنَ الطرفين من سلام باطن آياته تَتْرَى وأعظمها تسليم الجولان ، ولكن الخائن لا يأمن فلا بد له من أوراق في الميدان يستعملها إذا احتاج ، فأراد نظام دمشق أي فصيل يرفع شعار المقاومة لكيان صهيون ، صدق أو كذب ، فلم يعطه ياسر عرفات ما يريد فَلَهُ حسابات أخرى فضلا أَنَّ له باعا طويلا في السياسة والحرب فلم يُرِدْ أن يضع الأمر في يد غيره ليحركه مع ما عُرِفَ عن عرفات من استبداد ومركزية شديدة في اتخاذ القرار ، فكان آنذاك صعب المراس قبل أن يهرمه الدهر مع ما كان من تآمر أنظمة المنطقة على قضية فلسطين والقدس التي ابتذلت أيما ابتذال ! ، فلم تصب بمصيبة أعظم من مصيبتها بهذه الأنظمة ، من لدن حرب 48 ، وفيها لعبت الجيوش العربية دورها الفاعل في تجريد المقاومة الفلسطينية من السلاح بحجة أن الجيوش العربية قد جاءت بسلاح يكفي والحكمة تقضي أن تَتَوَحَّدَ القيادة ، وأن يُجْمَعَ السلاح من يد الناس لئلا تكون فوضى القتال وبعد سحب السلاح كان الانسحاب وترك أهل البلاد عزلا في مواجهة العصابات الصهيونية وهو ما يذكر الناظر بما صنع محمد علي إذ كان أول من روج لنظرية احتكار الدولة المركزية لآلة العنف ، فجرد المصريين من السلاح ومعه جُرِّدَ الناس من أخلاق البأس والشهامة فصاروا أسرى في قبضة الدولة المركزية التي تسومهم سوء العذاب باسم القانون الذي به تقترف الدولة المدنية الحديثة جميع جرائمها ، فلكل جريمة قانون يخيطه الحائك الماهر ! ، فكل شيء باسم القانون في دولة المؤسسات الفاعلة والقوانين العادلة ! ، فصار للقانون المحدَث الذي يكتبه الأقوى الذي يحتكر أسباب القوة الصلبة والناعمة ، صار لهذا القانون من الهيبة ما يخضع له الناس لا سيما وليس في أيديهم أسباب قوة يواجهون بها تغول السلطة ، فالسلطة قد أحكمت قبضتها وصدرت أنموذجا جديدا في الأخلاق والعلائق الاجتماعية بما مارسته من عنف وقمع جعل الحال تضطرب فقد صُدِّرَ هذا العنف إلى جميع طبقات المجتمع في تسلسل محكم من قمة السلطة إلى القاع وكلما ازداد الناظر هبوطا إلى القاعدة كان العنف أعظم فرأس النظام ونخب الحكم الفاعلة في مأمن منه إذ يقبعون في رأس الهرم فلا يخالطون العامة في قاعدته ، فالعامة ، وحدهم ، من يتحمل هذا العبء ، ومع هذا العنف المعنوي والمادي تظهر أخلاق جديدة تشكل نقلة ثَوْرِيَّةً في الفساد ! ، فيظهر من الجبن والشح والأنانية والتجسس والوشاية والانتهازية والنفاق ما يظهر إذ لا يصل إلى مراكز السلطة في هذا النظام إلا كل فاسد منافق ، وذلك ، من وجه آخر ، مما يشطر المجتمع شطرين على قَاعِدَةِ الولاء والبراء ، وهو شطر من نوع جديد فقد كان الانشطار في الماضي أفقيا لا يؤثر في بنية المجتمع الرئيسة فكان ثم نخب تفارق المجتمع فكريا أو سياسيا أو اقتصاديا ولكنها لا تصدر خلافاتها وصراعاتها إلى المجتمع بل تُدِيرُهَا في مستويات عليا والناس من خلافاتها في مأمن ولكن الأمر الآن تعدى بعدما انتهك من الحرمات الدينية والجسدية والمالية .... إلخ ، فانشطر المجتمع انشطارا رأسيا عميقا ، فمن كان من أولياء النظام فهو يحظى بالأمن والأمان ! ، لا سيما إن كان من أصحاب الوجاهة مِمَّنْ لا يَعْنِيهِم كثيرا ارتفاع الأسعار ! ، ودونهم أولياء لَيْسَ لهم إلا الفتات فهم أدوات السلطة في التنفيذ المباشر ، وأما الأعداء فهم الشعب الآخر الذي يعارض السلطة فقد صار جنسا آخر يغاير الجنس الأرقى ، وهو ما يجعل التجانس بين القبيلين من المحال فلا بد من عمليات إحلال وتبديل قدر المستطاع حتى يصل المجتمع إلى حال من التجانس الفكري والطبقي ترضي السلطة ، ولو فشلت السلطة في ذلك فلم يكن ثم حركة تهجير واسعة تنظف البلاد من الخصوم والمعارضين ، ولم يكن ثَمَّ تَعَدُّدٌ وَتَنَوُّعٌ في الأديان والطوائف والمذاهب ، فهو الذريعة إلى حدوث انفجار واسع النطاق والتأثير يعيد تشكيل المجتمع على قواعد إثنية جديدة تجعل البلاد ، كما يقول رأس النظام في دمشق ، تجعلها لمن يدافع عنها من المرتزقة ! ، فإن لم يكن ثم تنوع ديني وطائفي يعيد تشكيل البلاد بعد تفجيرها ! ، فنخبة الحكم تلجأ آنذاك إلى حل بديل أن تهاجر هي إلى قلاع وحصون وتصطنع مناطق خضراء آمنة تحظى بكافة وسائل الحماية والرفاه ، كما يحدث الآن في مصر ، فتهاجر النخبة من الفوضى إلى الاستقرار ، وتجعل الغالبية المغلوبة على أمرها في مواجهة دوامة الفوضى التي تَشْتَدُّ يوما بعد آخر مع انهيار منظومة الحكم والسيطرة إلا أطلالا دارسة من مؤسسات شِبْهِ الدولة ! ، فالسلطة تعالجها معالجة الخردة فَتُفَتِّتُهَا وَتَبِيعُهَا خردة إذ ثم مؤسسات بديلة تُنْشِئُهَا في العاصمة الجديدة فلا يَبْقَى للأغلبية إلا مؤسسات شبة الدولة المنهارة فقد تآكلت الدولة ولم يبق منها إلا حد أدنى من الخدمات الرديئة في مؤسسات ومستشفيات .... إلخ ليس لها من اسمها حظ ! ، وتلك طريقة قياسية في تفتيت الدولة وإعادة تشكيلها بذريعة إعادة الهيكلة الاقتصادية ، ولا بد قبل البدء في أي إجراء أن تُنْزَعَ أسباب القوة الصلبة والناعمة من المجتمع ، كما صنعت الجيوش العربية في 48 فحظرت المقاومة على أصحاب الأرض وانسحبت وتركتهم عزلا ، فكان الجناية العظمى التي سرت من 48 إلى 67 إلى أحداث أيلول الأسود في 1970 وهي أحداث كان لنظام الحكم في مصر دور رئيس فيها بتحريض الأردن على الفلسطينيين ، في إطار مخطط سَارَ بِالتَّوَازِي مع مخطط آخر نَقَلَتْ فِيهِ المقاومة مَقَرَّاتِهَا إلى لبنان ، وهي برميل بارود طائفي ، خلافا للأردن فكان للفلسطينيين فيها نفوذ كبير لا سيما مع تجانسهم الكبير مع أهل البلاد التي تُعْتَبَرُ ، عند التدبر والنظر ، امتدادا لفلسطين ، فالتداخل العشائري بين البلدين كبير فضلا عن اتصال الجغرافيا المباشر على وجه يجعل الأردن أقرب نقاط الاتصال بالأرض المقدسة ، فَنُقِلَتْ المقاومة الفلسطينية إلى لبنان تمهيدا لتصفية جديدة بعد تصفية الأردن ، وكان النظام المصري كالعادة من تَوَلَّى إبرام هذه الصفقة مع القيادة السياسية في لبنان ، ولا يخلو ، أن يكون ذلك من جنس ما صنع نظام دمشق فلا بد من روقة يُلَاعِبُ بها كيان صهيون فَلَئِنْ فَشِلَ نِظَامُ دمشق في الإمساك بالورقة الفلسطينية فالنظام المصري قد اصطنع عند المقاومة الفلسطية يدا في اتفاق 1969 إذ منحها نفوذا كبيرا في لبنان ، ولو على الورق ، قبل أن يتقلص ذلك عقيب الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان في 1982 ثم يلغى في 1987 وتبدأ حلقة جديدة من المعاناة الفلسطينية في لبنان ، فكانت اتفاق القاهرة 1969 جميلا اصطنعه نظام الحكم في مصر عند المقاومة ، وهو ما جعل له عليها أمرا ونهيا ، وكان تلك ورقة يفاوض بها النظام كيان يهود لا سيما ورياح السلام قد بدأت آنذاك تهب ، فكانت مبادرة روجرز بعد ذلك ، في 5 يونيو 1970 ، في الذكرى الثالثة للنكسة ! ، مع إعلان مصر أنها قد ترضى برجوع ما استلب من أرضها حربا ، قد ترصى برجوعه سلما مع اختفاء الخطاب الشعبوي الديماجوجي الذي يتبجح بإلقاء كيان يهود في البحر ! ، ثم كانت اتفاقية نقل المقاومة إلى لبنان بعد أحداث أيلول الأسود في 1970 ، وهي من آخر ما صنع نظام 54 ، فتحريضه على الفلسطينيين في أيلول كان قبل وفاة الزعيم الخالد بأيام قلائل ! ، فكانت لبنان هي البؤرة التي تجمع فيها صديد المقاومة ! ، تمهيدا لطرده خارج لبنان بعد أحداث الحرب الأهلية ، 1975_1990 ، فكانت ضربة جديدة ساهم فيها نظام دمشق إذ لم يَنْصَعْ له ياسر عرفات الذي خرج بالمنظمة بعد حصار بيروت 82 إلى اليونان ثم تونس فكان اغتيال أبو جهاد في 88 وتسربت أنباء عن تنسيق سبق العملية بين الموساد وبعض أجنحة الحكم في تونس إذ يَبْعُدُ أن يتم الإنزال البحري لعناصر عمليات خاصة لِتَقْتُلَ شخصيةً بهذا الثقل السياسي والعسكري ، يَبْعُدُ أن يتم ذلك دون علم مسبق ولو لدى بعض أجنحة الحكم في البلاد ، فخضع عرفات آخر أمره ، واضطر أن يجلس على مائدة المفاوضات بشروط أملاها الطرف الآخر فهو المنتصر ، وكان عرفات ، مع ما يحوطه من شبهات ، كان صعب المراس خلافا لمن جاء بعده ، وهو الذي يستعد الآن للرحيل ! ، لِيَأْتِيَ بعده مَنْ هو شَرٌّ منه ، وذلك مظهر آخر من مظاهر السياسة في المنطقة ، فإنها قامت بعد حقبة الاحتلال المباشر على مجاميع وظيفية سياسية يخلف بعضها بعضا ، ولا تكون الخلافة إلا من سيئ إلى أسوأ ، كما هي الحال في مصر والخليج ، ولم تكن منظمة التحرير استثناء ، فكان عرفات خارج سيطرة نظام دمشق وهو ما أدى إلى استثمار النظام في لاعب جديد في مشهد السياسة والحرب في لبنان ، وهو حزب الله ، فكان الاستثمار المزدوج في الحزب فاستثمرت طهران في اختراق مبكر لساحة السياسة والحرب في لبنان ، واستثمر نظام دمشق فأراد ورقة فاعلة يلاعب بها كيان يهود بعد أن فشل في امتلاك الورقة الفلسطينية وهو ما حمله أن ينتقم منها أشد الانتقام إبان الاجتياح السوري للبنان بذريعة إنهاء الحرب الأهلية ، وهو الاجتياح الذي تَمَّ بتنسيق تام مع كيان يهود فكان ذلك ما أبلغ به سفير الكيان ملكَ الأردن لينقله بدوره إلى النظام في دمشق فدخل مطمئنا إذ لم يَنَلْهُ قصف الطائرات الإسرائيلية بسوء ! .

وفي كل مرة ، لو تدبر الناظر ، يتم جمع الصديد في بؤرة واحدة ثم تفريغه من الجسم دفعة واحدة ! ، وتلك استراتيجية استعملت في الحرب الدائرة الآن في بلاد الشام ، لا سيما في إدلب التي صارت الآن تَضِيقُ بالفصائل التي تعارض النظام فقد تم تهجير كل منطقة يسيطر عليها النظام بدعم روسي إيراني ، تم تهجيرها من قوى الثورة وحاضنتها الشعبية وكانت الوجهة دائما هي إدلب ، بعد تصفية الصديد الذي اجتمع في حلب ! في ديسمبر من العام الماضي وهو مشهد لم تَبْرَأْ قوى الإقليم كلها من دمه حتى القوى المناصرة للثورة كتركيا فَثَمَّ حسابات أشد تعقيدا من مشهد بسيط ساذج تدعم فيه تركيا حق الشعب السوري في تقرير مصيره وإزاحة نظام الحكم المستبد ..... إلخ من الخطابات السياسية الكلاسيكية التي تَتَّسِمُ بِقَدْرٍ كبير من الأخلاقية ، وقد يكون ثم عند نظام الحكم في تُرْكِيَا قدر لا بأس به من الأخلاق ، ولكنه لا يستطيع فرضها في ظل هذا المشهد المعقد فليس وحده من يلعب في الساحة السورية التي صارت ملعبا إقليميا بل ودوليا ولكل طرف من اللاعبين الميدانيين على الأرض من يُمَثِّلُهُ في هذه المباراة السياسية العسكرية الساخنة ، وأوراق تركيا محدودة فلم يكن لها إلا أن تنخرط في جمل من التدابير السياسية والعسكرية تخالف كثيرا عن الخطاب السياسي الأخلاقي ، فإن القوة الأخلاقية تفتقر إلى القوة الإجرائية أو القوة التنفيذية ، فَحَقٌّ بلا قوة حق مستباح لا حمى له يحوطه ، سواء أكان حقا دينيا ، فإن الكتاب الهادي لا بد له من سيف ناصر ، وإلا كان جملا محفوظة في صدور حملته فلا يطيقون تأويله في الخارج إذ ليس ثم من قوة السلطان ما يَتَأَوَّلُونَ به ما تحملوه في صدورهم من الذكر الحكيم ، ولو تدبر الناظر في أي نظام فكر أو سياسة فهو ، صح أو بطل ، عدل أو ظلم ، لا بد له من قوة إجرائية تباشر من مهام التنفيذ ما يحفظ هيبة الفكر والسياسة ، وهل كان لفكر الشيوعية أن يُرَسِّخَ أقدامه في روسيا وأجوارها إلا بالجيش الأحمر ؟! ، وهل كان لأوروبا وأمريكا أن تفرض كلمتها في فضاء السياسة الدولية إلا بحلف الناتو في مقابل حلف وارسو ، فَكَانَ لكلِّ قَبِيلٍ من القوة العسكرية ما به يُرَسِّخُ أيديولوجيته وسياسته في أرض الواقع ، فالأفكار لا بد لها من مؤسسات تنفيذية ولا بد لها من أخرى عسكرية تحوطها ، فذلك قانون عام يستغرق أي فكرة ، صحيحة كانت أو باطلة ، سماوية كانت أو أرضية ، وأما القوة الفكرية والأخلاقية المجردة من القوة الإجرائية والتنفيذية فَلَيْسَ لَهَا حقيقة على أرض الواقع فليست إلا رؤى وأفكارا في أذهان أصحابها قد تُخْتَزَنُ سنينَ بل وأجيالا حتى تسنح فرصة فيكون تأويلها في الخارج ولن يكون ذلك ، بداهة ، بخطاب أخلاقي رقيق ، ولعل مصر ومن بَعْدِهَا تونس كَانَا خير مثال على أن الخطاب السياسي الناعم لا يجدي كثيرا فسرعان ما يكتسحه الانقلاب سواء أكان صلبا كما كانت الحال في مصر ، أم ناعما كما كانت الحال في تونس ، والتعديل الوزاري الجديد فيها يثير السخرية والضحك مع رجوع وزارة الداخلية إلى شخصية أمنية بعد سنوات تَلَتِ الثورة كان المنصب فيها سياسيا لا أمنيا فَأُوكِلَ إلى شخصيات مدنية فذلك تجمل مؤقت قبل أن يستعيد النظام السابق عافيته ويكشر عن أنيابه شيئا فشيئا فاستعين برجال النظام السابق على كافة المستويات ، ابتداء من رئيس الجمهورية وقد كان وزير داخلية النظام في حقبة سابقة شهدت عمليات تصفية واسعة لحركة صالح بن يوسف ذات المنطلقات العروبية الإسلامية في مقابل جناح فرانكفوني يروم الالتحاق بفرنسا فكرا وثقافة وسياسة واقتصادا وإن حقق الاستقلال الظاهر كسائر الأنظمة الوظيفية التي تلت الاحتلال المباشر ، والأمر نفسه قد حصل في الجزائر مطلع التسعينيات فقد كان الصراع ، أيضا ، بين الجناح الفرانكفوني الذي كانت نخبة السياسة والحرب تمثله في مقابل جناح عربي إسلامي ذي قاعدة شعبية كبيرة فضلا عن رصيد فكري وأخلاقي لم يكن له كالعادة ! ، قوة إجراء وتنفيذ فاستبيح من قبل النخبة الفرانكفونية مع أنها الأقلية بالنظر في عددها ولكنها الأكثرية الكاسحة بالنظر في أدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية فضلا عن وقوف فرنسا خلفها بالدعم السياسي والعسكري ، فاستعان الجناح الفرانكفوني في تونس بالجيش الفرنسي في استئصال الجناح اليوسفي وكان رئيس الجمهورية الحالي أحد المتورطين المباشرين في جرائم قتل وتصفية ! ، فهو من آلت إليه تَرِكَةُ الثورة التي قامت على النظام بل وَبَلَغَ الأمر أن أُوكِلَتْ وزارة التربية ووزارة المالية لرجال تَوَلَّوا مناصب وزارية في النظام السابق الذي جاءت الثورة لإزالته ! ، فضلا أن الرئيس المدني العلماني ! يعلن الآن فشله في ضم حركة النهضة الإسلامية إلى العائلة المدنية الحديثة فلا زالت رجعية متخلفة مع كل ما قدمته من تنازلات فكرية وسياسية ويبدو أن ذلك مقدمة لعملية استئصال وقمع صلب بعد انْتِهَاءِ دور التيار الإسلامي فكان المهادِنَ للنظام القديم المدافعَ عنه في أحيان بذريعة الحفاظ على الدولة من الانهيار حتى بلغت به الحال أن ينصب العداء لبعض فصائل الثورة التي تشاركه الغاية السياسية ، فَلَعِبَ هذا الدور المعتاد ! حتى عاد النظام القديم وسيطرت الثورة المضادة على كافة مفاصل الدولة ، وهو أمر لم يسلم منه التيار الإسلامي السياسي في مصر فقد لعب نفس الدور المهادِن فَثَبَّطَ الناس أن يكملوا الأمر وتأول ذلك أنه حفاظ على الدولة ولم يكن إلا حفاظا على النظام القديم مع بعض الحظوظ الخاصة في صفقات سياسية ضيقة الأفق عقدها النظام القديم معه من باب الإجراء التكتيكي ليستدرجه إلى فخ محكم ، ثم كان ما كان من افتراسه بعد انتهاء دوره فتم تشويهه إعلاميا وإفشاله ميدانيا ثم الانقضاض عليه بآلة القمع الصلبة ، وذلك أمر ، كما تقدم ، يثير الضحك ، ولو تدبر الناظر في مشهد كمشهد مصر لوجد الأمر ذاته ، فَثَمَّ صراع بين جناح أنجلوساكسوني هذه المرة ، وجناح عربي إسلامي ، والأول وإن كان أقلية في العدد إلا أنه يملك من أدوات الدولة ، سياسة وحربا وقضاء وإعلاما ما يجعله الأكثرية المطلقة في مقابل الجناح الشعبي بلا أدوات إجراء أو تنفيذ ، وكذلك الشأن في بلاد الشام ، وإن كان في الأمر نوع اختلاف ، فإن الأطراف جميعا قد صارت بعد انتقال الثورة إلى مرحلة الحرب الأهلية ، قد صارت جميعا تَمْلِكُ أدوات تَنْفِيذٍ على الأرض كلٌّ بحسب من يمثله ، فكلُّ جهة داعمة تقدم من الدعم ما يحقق مصالحها وإن دار الجميع آخرَ الأمر في فلك المركز فهو الذي يوحي إلى الأطراف الإقليمية ومن بَيْنِهَا تُرْكِيَا ، فهو الذي يوحي إلى الجميع بطريق مباشر أو غير مباشر ما الذي يقدم من الدعم والتدريب ، ومتى تفتح الحدود لتدفق المقاتلين ومتى تغلق ، فذلك إجراء استخباراتي يخرج في العادة عن سيطرة القيادة السياسية فأجهزة الاستخبارات ، كما يَتَنَدَّرُ بَعْضُ الفضلاء ، تحتفظ بقدر من الود بَيْنَهَا وإن تعاقبت عليها القيادات السياسية ذات المشارب المختلفة أو المتعارضة ، فعلائق الاستخبارات والاقتصاد مما يجاوز في العادة خلافات السياسة كما يظهر في علائق مصر الآن مع تركيا فثم فصام سياسي لا يفسد علائق الاقتصاد والاستخبار .

فكان التنسيقُ الاستخباراتي مع الجانب التُّرْكِيِّ لضمان تدفق المقاتلين مع تقديم الدعم اللوجستي ، حتى اكتمل العدد المطلوب فأغلقت تركيا الصنبور ! ، إذ أغلقت الحدود أو ضيقت على الوافدين خلاف ما كانت تصنع مبدأَ الأمر ، فكانت الإشارة المباشرة أو غير المباشرة في ظل مشهد سياسة وحرب معقد قد يُتَّخَذُ فيه القرار دون أن يشعر صانع القرار فالأحداث تفرض نفسها بإذن ربها ، جل وعلا ، وعجلتها قد تدهس أي احتياط سياسي ، فيفقد صانع القرار جزءا من استقلاله فهو جزء من مشهد سياسي مركب ، قد يجرفه تَيَّارُ الأحداث الذي يتحكم في اللاعبين في أحيان كثيرة ما لا يتحكمون فيه ، كما هي حال تركيا اليوم ، فدفعت ولا تَزَالُ ثَمَنَ هذا التأييد الأخلاقي الجارف مطلع الثورات العربية ، فكان إقحامها في الأزمة الروسية بعد إسقاط الطائرة ، وكانت عمليات التفجير التي زادت وَتِيرَتُهَا قبل انتخابات نوفمبر 2015 ، وكانت محاولة الانقلاب الفاشل في يوليو 2016 ، تَزَامُنًا مع تَبَنِّي تنظيم الدولة سياسة عدائية تفجيرية في الداخل التركي مع فترة من الهدنة بين الطرفين بلغت الذروة في أزمة الدبلوماسيين الأتراك في الموصل فأفرج عنهم تنظيم الدولة في إطار صفقة سياسية بعد سيطرته على الموصل صيفَ 2016 ، ثم الأزمة الاقتصادية التي واجهتها الليرة التركية بإيعاز من قوى اقتصادية عظمى ، ثم ما آل إليه الأمر الآن من نشوء كيان كردي جديد على حدودها الجنوبية بِالتَّزَامُنِ مع استفتاء الاستقلال في كردستان العراق ، وهو ما تعارضه أنقرة مع أنها تحتفظ بعلائق جيدة مع جناح مسعود برازاني خلافا لجناح جلال طالباني الذي يحتفظ بعلائق قوية مع طهران نِدِّ أنقرة في الإقليم ، فلا صوت للطالباني الآن في الاستفتاء إذ تعارضه طهران وهو محسوب عليها ، فكل من يحسب عليها في العراق يعارض الاستفتاء ، فحكومة بغداد المركزية تعارضه وإن كانت هي الأخرى أجنحة تَتَفَاوَتُ قُرْبًا وَبُعْدًا من طهران ، ولعل تلك واقعة لا تَتَكَرَّرُ كثيرا أن تَتَوَافَقَ أنقرة مع طهران ، فكلاهما يعارض استفتاء كردستان حتى بلغت الحال بمحسن رضائي أحد رجالات طهران المتنفذين أن يهدد بحرب شرارتها الأولى استقلال إقليم كردستان ، مع ما أجرى الحشد الشعبي المحسوب على طهران من تعديل في حربه ضد تنظيم الدولة فاتجه إلى مدينة الحويجة في ظل خلاف ظاهر بَيْنَهُ وَبَيْنَ القوات الكردية ، قوات البيشمركة ، فَرَئِيسُ الوزراء يؤكد أن الجيش العراقي ! ، أي الحشد الشعبي ! ، هو من سيتولى تحرير الحويجة بالتنسيق لا أكثر مع البيشمركة ، والمدينة داخلة في حدود الإقليم الكردي ، فهي تصلح قاعدة انطلاق لأي حراك عسكري ضد كردستان إذا استقلت ووقع الصدام بينها وبين بغداد الإيرانية ، فرجالات إيران وهم الحشد الشعبي لن يتركوا الحويجة بعد تطهيرها من الإرهاب ! ، وذلك مشهد آخر قد يُسْتَثْمَرُ فيه تنظيم الدولة كورقة ترجيح بَيْنَ الأطراف المتخاصمة ، لا سيما وَثَمَّ تصريحات تصدر من جهات رسمية وإن كانت من الجناح المشاكس في حكومة بغداد : أن الحكومة قد استعملت نَفْسَ أسلوب التفاوض الذي استعمله حزب الله ونظام دمشق في صفقة الجرود والقلمون ، فَوَفَّرَتْ ممرات آمنة لعناصر التنظيم لتغادر تلعفر فيحل الحشد محلها في نقطة ارتكاز جديدة في الإقليم الكردي ، وربما كان لعناصر التنظيم دور لاحق في الصراع الدائر بَيْنَ بغداد وأربيل ، وهو الإشكال التاريخي للحركات الإسلامية ، السياسية أو العسكرية ، فَعَدَمُ الاستقلال التام يحولها ، شَعَرَتْ أو لم تَشْعُرْ ، إلى ورقة في يد غيرها تحقق مآربها ضد خصومها ثم يَتِمُّ التخلص منها أو تحجيمها حتى تَجِدَّ الحاجة إليها مرة أخرى ! مع سهولة اختراقها إذ تُوَاجِهُ في الغالب أنظمة ودولا وأجهزة استخبارات محترفة لا سيما في التعاطي مع التنظيمات الإسلامية ، ونظام الملالي ونظام دمشق من كبار الخبراء في المنطقة في التَّعَاطِي مع التنظيمات الإسلامية المسلحة من بلاد الأفغان إلى العراق إلى بلاد الشام الآن ، سواء أكان ذلك قصدا أم غَفْلَةً ، فالنتيجة واحدة ، والأخطاء واحدة وهي مما يَتَكَرَّرُ في العادة ! ، فإن نظام دمشق الذي احتفظ في سجونه بكوادر إسلامية قاتلت في العراق إبان الغزو في 2003 وكان ذلك خط دفاع متقدم يحول دون تَفَرُّغِ واشنطن لدمشق بعد انتهائها من بغداد فكان لهذه النخبة المقاتلة ، مع ما وقع منها بعد ذلك من أخطاء سياسية وميدانية جسيمة ، كان لها فضل لا ينكره جاحد في كبح جماح واشنطن التي كانت آنذاك تعيش نشوة القطب الواحد الذي لا منازع له في حكم الأرض ، فغزت بلاد الأفغان ولا أحد يجرؤ أن ينكر أو يعترض ، بل الجميع يشاركها وإن شئت الدقة فقل ينضوي تحت لواء الحرب الذي عقدته ضد الإرهاب فهي القائد وهم الأتباع ، ولو دُوَلًا عظمى بحجم بريطانيا فقد كانت قوة تأمين لظهر أمريكا إبان غزو العراق في 2003 فكان توزيع القوى على الأرض انعكاسا لتوزيعها في السياسة فأمريكا في الصدارة وبريطانيا بتاريخها السياسي والعسكري الكبير قد آلت بها الحال أن تصير الذيل فهي في الخلف تؤمن ظهر القائد الجديد للنظام الدولي ، وهو القائد الذي انفرد بالحكم بإذن الرب جل وعلا بعد انهيار القطب الشيوعي مطلع التسعينيات فكانت نشوة واشنطن وكان غرورها الذي تحطم على الصخرة الأفغانية ثم العراقية ، والتاريخ ، والله أعلم ، قد يَكْتُبُ في أحقاب تالية ، أن بداية انهيار الإمبراطورية الأمريكية الأنجلوساكسونية قد بَدَأَ بِغَزْوِهَا بلاد الأفغان في 2001 ثم العراق في 2003 ، وإن اسْتَغْرَقَ ذلك بِسُنَّةِ التكوين النافذة في قِيَامِ الدول وانهيارها ، وإن استغرق ذلك زَمَنًا قد يطول ، فأول مسمار في نعش هذه الإمبراطورية قد يكون الحرب في بلاد الأفغان والعراق ، فكان من تداخل الأحداث وتشابكها أن رعى نظام دمشق ! نواة إسلامية مقاتلة فدعمها وَسَهَّل مُرُورَهَا إلى العراق ، فساهمت في إعاقة أمريكا مع ما كان من تدخل إيراني استثمر ارتباك واشنطن فَنَابَ عنها في إدارة الدولة ثم استلبها وإن احتفظت واشنطن بتدفق النفط فضلا عن جملة من العقود الاقتصادية في إطار ما اصطلح أن يسمى رأسمالية الكوارث ، فنجحت طهران في السيطرة على مفاصل السياسة والأمن في بغداد وإن أبقت لواشنطن منطقتها الخضراء وتعاونت طهران استخباراتيا مع بعض الفصائل الجهادية بل وأمدتها بالسلاح لتقتل الشيعة العرب فكان ذلك خطأ آخر عظيما سواء أكان قصدا أم غفلة ! ، فقد ساهم ذلك في تأجيج النار الطائفية التي لا زالت طهران إلى اليوم تَسْتَعْمِلُهَا في حرق خصومها في العراق فهي ذريعتها إلى زيادة نفوذها شيئا فشيئا كما ظهر في عمليات الحشد الشعبي الأخيرة التي زادت من نفوذ طهران في العراق فضلا أنها يسرت إتمام مشروع الخط الواصل بَيْنَ طهران وبيروت ، ولو تدبر الناظر لوجد أن التنظيمات الإسلامية في إطار ما تقدم مرارا من توازنات القوى المتشابكة على الأرض ، لوجد أنها كانت سببا ، ولو غير مباشر ، في هذا النجاح الإيراني الكبير ، فضلا عما كان من أخطاء أخرى أفقدتها الشعبية وأضعفت المقاومة في مراحل تالية بعد وقوع الاقتتال الداخلي بَيْنَ فصائلها ، وهو ، أيضا ، ما تم استنساخه بنجاح منقطع النظير في سورية فضلا أن زمنه قريب ، ومع ذلك كان الخطأ صورة تكاد تكون طبق الأصل ! ، فنجحت طهران من الشرق ، ونجحت دمشق من الغرب فقد غرقت أمريكا في مستنقع العراق وسلمت سورية ، ولو مؤقتا ، من موجة التقسيم الجديدة التي تهب رياحها الآن عاتية على المنطقة كلها ، وكان نجاح دمشق في استثمار الكوادر الجهادية الإسلامية العائدة إلى البلاد فهي بداهة ترجع إلى السجن كما كانت الحال مع العائدين من بلاد الأفغان بعد انتهاء المهمة بنجاح فرجع الجميع إلى السجون سالمين ، ورجوعهم بعد نفرتهم إلى أرض الجهاد كان خطأ استراتيجيا كبيرا لا سيما ودول المنطقة لا عهد لها ولا ميثاق فلا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة ، وإن زعمت أنها تحكم بالكتاب والسنة ، فكانت تلك حال الرَّاجِعِينَ إلى سوريا بعد انتهاء المهمة في العراق فرجعوا إلى السجون ثم كانوا مادة حرب استعملها النظام لَمَّا انفلت الأمر من يده وخرج عن حد السيطرة ، فكان أن نجح في نقل البلاد إلى مرحلة الحرب الأهلية ، وكان للعناصر الجهادية الفاعلة من عفوه العام ما أثار الدهشة آنذاك فهو يفرج عن أعدائه الذين سيحملون السلاح لاحقا ضده ، وهو أمر لا يؤرقه ، بل إنه مما يسره ويعجبه ، فإن ذلك مِمَّا يدعم نظريته في الحرب على الإرهاب ، فضلا أن استخبارات تركيا تدعمه بتسهيل تدفق المقاتلين وإن كانت القيادات السياسية على حال من العداء المستحكم ، فالسياسة ، كما تقدم ، شيء والاستخبار شيء آخر ! ، وزد عليه روسيا التي فتحت باب الجهاد ! في بلاد الشام لنقل معركتها مع المجاهدين في بلاد القفقاز بعيدا عن بلادها ، فنقلت المعركة إلى ملعب جديد سرعان ما كَثُرَ فيه اللاعبون ، وهو ملعب يتاخم حدود تركيا وله معها خصومة تاريخية ، فضلا عن منافسة سياسية واقتصادية ، وإن كانت العلائق الآن مستقرة في إطار صفقة التقسيم الجديدة لبلاد الشام ، فتركيا ، عند التدبر والنظر ، في مأزق كبير ، ففي حدها الجنوبي كيان كردي ينشأ بدعم مباشر من أمريكا بذريعة الحرب على الإرهاب ! ، وهو كيان يحتفظ بعلائق سياسية مستقرة مع موسكو بل إن الأخيرة قد اتخذته ذريعة لنشر قواتها في مناطق في الشمال كَتَلِّ رفعت ، فهي تفصل بين الخصوم ، الأكراد شرقا ، والجيش الحر غربا ومعه والفصائل التابعة للمقاومة سواء أكانت تركية الدعم أم لا ، وهي قوات اتخذت رسم الشرطة وإن عسكرية فَلَهَا مهام أمنية في مناطق مدنية وكأن ذلك مقدمة احتلال يدير المنطقة إدارة ميدانية وهو خطر آخر على تركيا أن ترى موسكو فوقها من الشمال وهي الآن تُتَاخِمُهَا في حدها الجنوبي ، ففي الجنوب منها الآن : روسيا ، والكيان الكردي الجديد وهو الأخطر ، إذ يحظى بدعم القوى العظمى ، وتركيا ، من وجه آخر ، تواجه مشروع الكيان الكردي الناشئ في شمال العراق مع أن لها به علائق وثيقة فَثَمَّ ، كما يقول بعض المحللين ، ثم علائق اقتصادية يمكن استعمالها كورقة ضغط فاعلة فاعتماد كردستان العراق على تركيا اعتماد كبير ، ولكن كردستان ، في المقابل ، تسير وفق أجندة أكبر من تركيا فكيان يهود ، وهو مناط السياسة الدولية الرئيس في المنطقة ، يفضل هذا الانفصال فهو جزء من مخطط التفتيت وهو يحظى بعلائق من النوع الوثيق مع قيادات كردستان بوصفها أنموذجا علمانيا يمكن الاقتداء به في المنطقة فعلمانيته أشد من علمانية النظام التركي الذي كان حتى زمن قريب هو ذلك الأنموذج ولكنه بدأ في التراجع بما أظهر من شعار الإسلام ولو مجملا ، فقد أخاف الناس بما أظهر من الدين الخاتم فكيف إن أظهر الرسم الكامل ويكاد الأمر يتكرر في مصر فإن التيار الإسلامي السياسي لم يظهر من الدين الفاعل ما تخشاه العلمانية ولو على المدى القريب ، ولكن نظرها الاستراتيجي البعيد جعلها تَتَوَجَّسُ خيفة أن يكون ذلك مقدمة لطرح إسلامي أعمق أو أن يكون حاضنة تَرْعَى بذور الإرهاب والتطرف ! ، وتركيا مع ذلك لم تعد تحظى ، ولو مؤقتا ، بعمق استراتيجي في الشرق ، بعد انهيار نظام الحكم المنتخب في مصر وكان لها أمل كبير في توثيق العلائق به ، فضلا عن علائق مع الخليج تَتَرَاوَحُ بين التآمر الخفي والبرود الظاهر ، وأوروبا تضغط عليها من الغرب كما يظهر من موقف ألمانيا المتشدد على خلفية الأزمة المحتدمة بينهما وهي ، عند التدبر والنظر ، أزمة الاتحاد الأوروبي كله مع تركيا وإن كانت ألمانيا هي عنوان الأزمة الرسمي فأوروبا تخشى من تمدد تركيا ، ولها مع هذا الجزء من العالم تاريخ من الصراع مشهور استند في كثير من الأحيان إلى ركائز من الدين والحضارة جعلت لقاءهما عَلَى كلمة سواء ضَرْبًا من المحال ، وتركيا ، مع ذلك ، تواجه إيران في سورية وفي شمال العراق وكفة إيران الميدانية أرجح إذ مقاتلوها أكثر ، وإن كان ذلك بالنظر في المدى الاستراتيجي البعيد مما يضر ولا ينفع لا سيما مع بعثرة القوى واستنزاف الجهود في معارك إقليمية واسعة النطاق فانتشار القوة العسكرية على نطاق جغرافي واسع قد يحقق تمددا سريعا يغري صاحبه أن يَتَوَسَّعَ أكثر فما المانع والأرض مفتوحة ممهدة مع أن ذلك قد يكون فخا محكما يستنزف الجهد وَيُبَعْثِرُ القوى ، ثم يسترد الخصم منك ما استوليت عليه بعد أن يستعملك في ترسيخ وضع جيوسياسي جديد ، ولعل ذلك من جملة الأخطاء التي وقع فيه التيار الجهادي في سورية لا سيما تنظيم الدولة فإنه بعد أن خرج من سجون النظام وانضم إلى النواة الصلبة في العراق قبل وقوع الاقتتال الداخلي المعتاد ! ، فإنه بعد ما تقدم قد تَمَدَّدَ بسرعة كبيرة تُثِيرُ الشك والريبة وإن كان أنصار التنظيم قد فرحوا بها كثيرا فكان تمدده في شهور قليلة في مساحة تعدل مساحة بريطانيا فهل تصور أحد أنه يطيق ذلك بأعداد لا تجاوز عشرات الآلاف وبدون غطاء جوي ودفاعات جوية أرضية محكمة ؟! ، أو أن الأمر كان مما دُبِّرَ بإحكام أن تُعْطَى له فرصة لِيَتَمَدَّدَ بسرعة ثم يقع بَيْنَهُ وَبَيْنَ بقية الفصائل من الشر ما وقع فيكون الاقتتال الذي رجحت فيه كفته فَقَلَّصَ من نفوذ بقية الفصائل وهو ما يصب في قناة النظام وحلفائه فقد كفاهم فصيلٌ واحد بقية الفصائل ولا مانع أن يحتفظ بالأرض بعض الوقت ثم يتم استردادها منه شيئا فشيئا ابتداء من عين العرب كوباني وانتهاء الآن بمثلث حدودي بين دير الزور والبوكمال والرقة بعد انسحابه من مراكزه الرئيسة في العراق ، وانسحابه من القلمون وجرود عرسال في لبنان بعد الاتفاق آنف الذكر مع حزب الله والنظام السوري برعاية أجنحة فاعلة في طهران وبغداد ، فالأجنحة التابعة لطهران في حكومة بغداد تؤيد هذا الاتفاق الذي يقضي بترحيل عناصر التنظيم شرقا إلى مناطق التماس مع العراق ! ، وثم أجنحة في طهران لا تعترض على هذا الاتفاق فلا إشكال عندها أن يجاورها التنظيم ، إذ لا تخسر كثيرا في حربه فالشيعة العرب هم وقود المعركة وهم الذين يفتحون بأجسادهم وأشلائهم طريق طهران بيروت ! ، فالفرس في الغالب خبراء في غرف العمليات الآمنة كما يقول وكيل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية في بغداد فجنرالات الحرس الثوري قد شاركوا في الإعداد والتخطيط لمعارك التحرير ضد تنيظم الدولة ! ، فدور الفرس في الغالب يَقْتَصِرُ على ما يقدمه أولئك الخبراء من المشورة والدعم الفني ، أو قد يزيد بِنَشْرِ عناصر محدودة على الأرض تُنَفِّذُ بعض العمليات النوعية ، فضلا أن ثم جناحا في طهران لا يشاطر حكومة العبادي الود فهو يَرُومُ رجوع نوري المالكي رجل طهران قلبا وقالبا ، فالعبادي وإن كان من نفس الحزب والأيديولوجيا ، حزب الدعوة ، إلا أنه ليس من الصقور الذين يوالون طهران ولاء تاما بل إنه يتوجس خيفة من الحشد الشعبي وقادته في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة ، فإن هذا الحشد لم ينشأ لقتال تنظيم الدولة ، وإن كانت تلك هي الحجة ، وإنما أنشأ للسيطرة على بغداد ، فلا يصلح لذلك إلا رجل كالمالكي ذي الولاء التام ، ولعل تأييده للاتفاق الأخير يجري مجرى المكايدة السياسية لا سيما مع اقتراب الانتخابات البرلمانية فحكومة العبادي تروم تسجيل أي نصر ، ولو إعلاميا ، فدعايتها الرئيسة الآن أنها تحرر مدن العراق بنجاح وتقضي على الإرهاب والتطرف وتوثق علائقها أكثر بواشنطن وتروم الاقتراب من العرب بعد طول خصام وهو ما يغضب طهران فلا تريد في الحكم إلا رجالا ولاؤهم الكامل لها ، فانتهى الأمر من تمدد كبير لتنظيم الدولة أعقبه انهيار تدريجي تسارع في الآونة الأخيرة مع انسحابه من شرق لبنان وغرب سوريا من القلمون ، وانسحابه من حمص وحماه وخسارته تدمر لصالح روسيا والنظام ومحاصرته في الرقة ثم كسر النظام لحصار التنظيم على دير الزور فقد أحكم التنظيم حصار قطاعات من جيش النظام فيها ، قبل أن ينجح النظام ، كما أعلن ، في كسر الحصار ، وقد استعان كالعادة بالعشائر فهي الصحوات التي تظهر في كل مشهد : باسم الصحوات مبدأ الأمر في العراق ، وباسم الحشد العشائري كما ظهر إبان معركة الفلوجة صيف العام الماضي ، وباسم قوة العشائر في دير الزور والتي تحظى بالدعم والتدريب من روسيا مع غطاء جوي أمريكي ، فجمعت تأييد الخصمين ، واشنطن وموسكو ، وما دعت إلى ذلك إلا الضرورة الميدانية ! ، وهو ما يجعل تنظيم الدولة الآن في مأزق كبير وإن كانت البادية الشامية العراقية المتصلة ذات الجغرافيا الواسعة خير ملاذ له في هذه الآونة لا سيما غرب الأنبار وهي من معاقل التنظيم التاريخية إبان المقاومة العراقية بعد الغزو الأمريكي في 2003 ، وقد تُفْسِحُ له قوى إقليمية أو دولية مناطق يتحرك فيها ، وما يُخْشَى كالعادة أن يتحول مرة أخرى إلى مجموعة وظيفية تؤدي مهمة جديدة فتكون حاله ظهورا بعد كمون ، فظهور إذا احتاج إليه طرف من أطراف الصراع ثم كمون بعد انتهاء مهمته ، فقد ساهم باقتتاله الداخلي مع بقية أطياف المقاومة بما فيها من يشاطره الأيديولوجية الجهادية الأخص ، ساهم في تنفيذ مخطط النظام وحلفائه ، ثم هم الآن يضيقون الخناق عليه بعد أن وزعت الأنصبة في الكعكة السورية ، فالتحالف الدولي يقصفه فلا يريد عبوره إلى دير الزور فهي من نصيب أمريكا لِمَا تختزن من نفط ، وأهمية دير الزور تظهر ، من وجه آخر ، كطريق بديل لطهران بعد أن اصطدمت بالكيان الكردي شمال شرق سوريا فلا تستطيع النفاذ عبره ، فمالت جنوبا إلى دير الزور والميادين ، فهي عقدة استراتيجية في طرق شتى ، وتنظيم الدولة ، كما تقدم ، في مأزق فالتحالف يقصفه لئلا يعبر إلى مناطق تقع تحت نفوذه ، وروسيا تقصفه إذا جاوز الحد المتفق عليه فدخل مناطق نفوذها في تدمر ، وربما طمعت القوى الفاعلة في المشهد ، كما تقول بعض التقارير ، فقد حيدت بقية الفصائل باتفاق خفض التوتر ثم راحت تصفي جيوب تنظيم الدولة فيخشى أن تستدير مرة أخرى إلى بقية الفصائل فتنقض الاتفاق بحجة الخروقات المتكررة وتستأنف الغارة على ما تَبَقَّى من جيوب المقاومة فلا يبقى للثورة إلا المنصات السياسية التي يَتِمُّ جرها جرا لتجلس على مائدة المفاوضات بشروط المنتصر كما صنع النظام الدولي مع ياسر عرفات بعد سلسلة من الضربات التأديبية الموجعة فجلس بعدها وانصاع وكان مفاوضا في غاية الأدب والذوق الرفيع فلم يعترض إلا نادرا ! ، والخريطة ، كما يقول بعض المحللين ، سوريا المفيدة للنظام وإيران ، وعفرين ومنبج وبعض مدن الشمال لروسيا فضلا عن تدمر وقاعدة حميميم مع توارد الأنباء عن إقامة قاعدة عسكرية روسية قربَ الحدود الأردنية ، وقاعدة أخرى في جنوب شرق تدمر ، والحسكة وأجوارها شمال شرق سوريا للأكراد ، ولم يَبْقَ للمعارضة المسلحة باختلاف أطيافها إلا بؤر متناثرة ، فَثَمَّ الآن قتال يدور في الغوطة الشرقية وهو ما انتهى إلى توقيع فيلق الرحمن لاتفاق خفض التوتر مع روسيا مع تحييد هيئة تحرير الشام وتسهيل ممرات آمنة إلى إدلب ، بؤرة الصديد التي تجتذب جميع القوى التي تعارض الحل النهائي تمهيدا لتصفيتها بضربة واحدة بعد جمعها في مكان واحد ، والضغوط على تركيا تتزايد ، وهي ، كما تقدم ، من أكبر الخاسرين الآن ، فقد اضطرت إلى تهدئة اللعب مع طهران ، وهو ما ظهر نتائجه في زيارة رئيس الأركان الإيراني الجنرال محمد باقري إلى تركيا ، وهي زيارة تاريخية فلم يزر أنقرة مسئول عسكري إيراني بهذا المستوى منذ 46 عاما ، فكان التوافق المبدئي على تحجيم الكيان الكردي شمال شرق سوريا ولو بخوض معارك نوعية ضد المنظمات الإرهابية ، وهو لفظ يجري مجرى الاشتراك اللفظي ! ، فالإرهاب في قاموس تركيا ينصرف ابتداء إلى الأكراد ، وليس كذلك في قاموس طهران ، فالإرهاب في قاموسها ينصرف ِإلى إدلب ، وربما كان ذلك ثمن تعاون طهران مع أنقرة في الملف الكردي فضلا عن اتخاذهما وجهة نظر متقاربة في الأزمة الخليجية الحالية ، ولو من الناحية الإجرائية فكلاهما قد انحاز إلى الطرف المحاصَر ، ولو اختلفت أغراضهما من ذلك ، فربما كان ثَمَنُ ذلك هو إنهاء تركيا ملف إدلب بالقوة الصلبة أو الناعمة ! ، فرئيس وزراء تركيا يصعد في لهجته ضد القوى التي انحازت إلى إدلب ففيها قوى إرهاب وتطرف ! ، فضلا عن دعوة أول قائد للجيش السوري الحر ، العقيد رياض الأسعد ، فضلا عن دعوته تُرْكِيَا أن تتدخل في إدلب التي تتاخم حدودها ، ولو تدخلا إداريا بإنشاء هيئة مدنية تحكم إدلب وَزِدْ عليه ما يقع الآن كالعادة ! من اقتتال داخلي على خلفية أيديولوجية ، مع انحياز فصيل إسلامي رئيس إلى الفصائل المدنية وابتعاده أكثر عن التنظيم الأقوى ذي الأيديولوجية الجهادية ، وربما رام ذلك الفصيل أن يخرج من تصنيف المنظمات الإرهابية فهو مصنف على لائحتها في بلد كألمانيا وإن كان ثَمَّ ، كما يقول بعض المحللين الألمان ، نِقَاشٌ عميق ! في الدوائر السياسية والاستخباراتية الغربية هل يستحق هذا الفصيل وضعه على اللائحة السوداء أو أنه سوف يُرَاجِعُ صوت العقل والمصلحة ! ، فينضم إلى الأطراف المدنية ويقاتل معها جبهة النصرة فهي إرهابية قولا واحدا وأما هو فالخلاف فيه على قولين وأمامه فرصة أن يثبت حسن سيره وسلوكه ليخرج من القائمة السوداء على طريقة فَرِّقْ تَسُدْ فتلك محاولة لتفجير إدلب من الداخل دون حاجة إلى تدخل من خارج سواء أكان ناعما أم صلبا ، ولا بد ، كما ينوه بعض الفضلاء ، من تدبر لهذا المآل ، فمؤلف كتاب "الاستراتيجية العسكرية وأسلوب الحرب" ، على سبيل المثال ، يشير إلى إخفاق أمريكا إذ غزت أرضا لا دراية لَهَا بها ، فاستعجلت النصر وحققت تفوقا مؤقتا قبل أن تغوص أقدامها في المستنقع الأفغاني ثم نظيره العراقي ، ومؤلف الكتاب ، كما ينقل بعض الفضلاء ، يستشهد بما صنع نابليون وهو رجل حرب من طراز نادر ولكنه لم يكن كذلك في نظرته السياسية الاستراتيجية كما يظهر في مغامرته الفاشلة في غزو روسيا فقد نجح في تحقيق توسع كبير ولكن هذا التوسع كان ، من وجه آخر ، أَكْبَرَ من طاقته ، فليس ثم موارد بشرية ومادية تسعفه فكان حصاره وانهزامه وكان للجنرال شتاء ! أو الجنرال يناير وفبراير في روسيا ! ، كان له دور فاعل في دحر نابليون الذي اغتر بفائض قوته وما حقق من تمدد كبير في زمن يسير فذلك يؤذن في العادة بانهيار سريع لا سيما إن فشلت القيادة في تكوين حاضنة شعبية في البلاد المفتوحة ، وهو خطأ كرره هتلر في غزوه روسيا ، أيضا ، فنجح ستالين في استدراجه حتى بلغ مشارف موسكو ثم ترك للجنرال شتاء بقية المهمة ! ، وبلغ غرور هتلر بفائض قوته وسرعة تمدده وتوغله في الأراضي الروسية أنه لم يَخِطْ لجنده ثيابا شتوية فالحملة قد بدأت في الصيف وتوقعه المفرِط في التفاؤل أنها سوف تنتهي قبل حلول الشتاء ! ، فما الحاجة أن يخيط لجنده ثيابا شتوية ومهمتم ستنتهي قبل حلول الشتاء ؟! ، فأي غرور هذا الذي يجعل رجلا في خبرة هتلر يَتَوَهَّمُ أنه سيحتل دولة في حجم روسيا ، أكبر دولة في العالم ! ، في فترة زمنية وجيزة لا تزيد على فصل الصيف وتلك فترة قد لا تكفي لاحتلال مدينة أو محافظة تبدي بعض المقاومة ؟! ، ولكنه غرور القوة فقد نجح في اكتساح بلاد بأكملها في أوروبا في أيام معدودات ! ، ولعل ذلك ما وقع فيه تنظيم الدولة في تمدده السريع فلم ينجح في تَوْطِيدِ أركانه وتكوين حاضنة شعبية تدعمه في الحياة المدنية ، فكانت العجلة وكانت الشدة في حمل الناس على منهاج لم يعتادوه وليس ذلك من الفقه في شيء ، فإن حمل الناس جملة ، ولو على الحق الخالص ، يؤذن بِتَرْكِهِم إياه جملة نفرة منه أَنْ لم يكن ثَمَّ رفق وأناة ، فيكون رد الفعل مساويا للفعل مع مضادته له في الاتجاه ، وقد كان في خطاب التنظيم من العاطفة التي إن أحسن الناظرُ الظنَّ بها فلا تعدو أن تكون عاطفة فكان ، كما يقول بعض الفضلاء ، يعيب على الفصائل الأخرى وأخطاؤها بالجملة ! ، كان يعيب عليها أنها تنسحب من بعض المناطق سواء أكانت منهزمة تحت وطأة القصف والحصار كما وقع في حلب أم كان انسحابا تكتيكيا ، فدعايته الرسمية أن الانسحاب من أي أرض مفتوحة دون القتال عنها حتى الموت خيانة ، وهو اليوم يصنع ذلك كما في اتفاق جرود عرسال القلمون مع حزب الله ونظام دمشق ، ولو لم يحجر واسعا ما استدرك عليه أحد فإن صدر هذه الأمة في فتوحاتهم الأولى قد اضطروا في أحيان أن ينسحبوا من بعض المدن المفتوحة لاعتبارات تكتيكية ، كما انسحب أبو عبيدة ، رضي الله عنه ، في فتوح الشام من حمص في واقعة مشهورة صارت مضرب المثل في خطاب الدين والأخلاق في ميدان السياسة والحرب فلم يكن قذرا قذارته اليوم ، فكان أن رد على أهل حمص ما جباه من الجزية فهي مقابل الحماية وظروف القتال قد أجبرته أن يغادر المدينة فلن يستطيع حماية أهلها ولم يقل أحد إنه خائن أو متخاذل فإجراءات الميدان التكتيكية تستوجب قدرا من العقلانية السياسية والعسكرية في إطار لا يخرق ناموس الشريعة المحكم بعيدا عن الخطابات العاطفية ، وإيران ، كما تقدم ، تقع في نفس الخطأ ! ، فإن فائض قوتها قد أغراها بِتَمَدُّدٍ سريع غير محسوب قد تدفع ثمنه ولو بالنظر في المدى الاستراتيجي البعيد .

وفي إطار تصفية جيوب المقاومة بعد إقرار الخريطة الجديدة ! ، أوقفت واشنطن برنامج التدريب والدعم للفصائل المعتدلة اللطيفة ! ، فلم تعد بحاجة إليها مع انتهاء العمليات القتالية الرئيسة ، بل وطالبت غرفة الموك Military Operations Center ، الغرفة التي تقودها أمريكا وتحتها فرنسا وبريطانيا والأردن وبعض دول الخليج الداعمة بالمال والسلاح ، طالبت هذه الغرفة فصائل الثورة المقاتلة ، أو ما تَبَقَّى منها ! إن شئت الدقة ، طالبتها أن تُلْقِيَ السلاح وتغادر الأرض السورية تجاه الأردن فدورها ، كما تقدم ، قد انتهى ، بل وروسيا الآن تَتَّهِمُ بعضها أنه يمتلك أسلحة بيولوجية فَتُسَوِّيهِ بالنظام وربما كانت تلك مقدمة أن تتحمل الثورة بعض وزر القصف الكيميائي فجزء من المسئولية على النظام وآخر عليها ! ، ولو تدبر الناظر في أهداف الغرفة لزال العجب كيف ترعى واشنطن حركة عسكرية تقاسم كيان يهود الحدود ! ، فأهدافها نقلا عن بعض الموسوعات الإلكترونية :
عدم المساس والاقتراب وتهديد الحدود الاسرائيلية بأي طريقة كان .
حماية الحدود مع الجولان المحتل من أي تسلل إلى داخل إسرائيل .
عدم إقرار أو شن أي معركة أو عملية عسكرية إلا بموافقة من الغرفة عن طريق ممثلي الفصائل .
الالتزام بكل ما يصدر عن غرفة الموك من مختلف الأوامر كالانسحاب أو الهجوم .
عدم الاقتراب من محافظة السويداء وبعض القرى الدرزية في القنيطرة والإقرار بحقها في الوجود .
التأكيد على دولة مدنية و "سوريا الحديثة" محترمة للأعراق والمذاهب .

وإذا عرف السبب بطل العجب ، فالناظر في هذه الحرب العالمية الصغرى قد يعجب إذ لم يُصَبْ كيان يهود بصاروخ واحد ولو من باب الخطأ ! .

وفي إطار التدابير السياسية ، كان اتفاق مصر والخليج على وفد واحد للمعارضة السياسية ! في محادثات التسوية النهائية ، وهو ما اعتبره بعض المحللين انسحابا خليجيا من هذا الملف بإلقائه على مصر التي صارت تابعا يحمل من الملفات ما يضيق به المدير العام في الخليج فيتحمله الموظف الصغير في مصر ! ، فضلا عن تصريحات دي مستورا الأخيرة فعلى المعارضة أن تقر أنها قد خسرت الحرب فقد انتهى الدرس يا أغبياء ! .

ومن جملة هذه التدابير السياسية فيتو روسي مبكر يقضي بمنع السنة أن يتولوا الحكم في المرحلة القادمة لئلا يفضي ذلك إلى عمليات انتقام واسعة النطاق من الأقليات ! ، وهي ذريعة التدخل التاريخية في شئون المنطقة ، فلا بد من رعاية حقوق الأقليات على وجه يجعلها تحكم البلاد إن لزم الأمر ! ، مع إعطائها الضوء الأخضر أن تسحق الأكثرية فهي الخطر الرئيس إذ تحمل في رَحِمِهَا جنين الممانعة الفكرية لقيم المحتل ، شرقيا كان أو غربيا ، فكريا كان أو سياسيا أو ميدانيا .

وتركيا ، كما تقدم ، هي من أكبر المتورطين والخاسرين في ملعب سورية ، إذ سارعت بالتأييد المطلق للثورة وكان خطابها خطاب الحماسة لا سيما مع اندلاع الثورة بسرعة في أقطار عدة في المنطقة ، وكثير منها قد أبرز حركات الإسلام السياسي الني تشاطر أنقرة الآن قسما كبيرا من الأيديولوجية الفكرية والسياسية ، وهو ما يجعل تركيا بين خيارين فبعض المحللين الألمان يتوقع أن تعاود أنقرة اتصالها بأوروبا لتنضم إلى الاتحاد الأوروبي بعد تأزم الأوضاع في الشرق الأوسط الذي كانت تَرُومُ لعب دور رئيس فيه يعزز نفوذها الإقليمي ولن يكون ذلك ، بداهة ، في محيط مشتعل ، وهو ما استثمرته ألمانيا إذ تمارس ضغوطا كبيرة لرفض طلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد أو تجميده في إطار الأزمة الدبلوماسية بين البلدين ، وذلك ، كما تقدم ، تَضْيِيقٌ آخر للخناق ، فخيار التراجع وتهدئة الخطاب السياسي ولو من باب التكتيك مع الاحتفاظ بنفس الاستراتيجية بعيدة المدى وهو ما ظهر في خطاب القيادة التركية ، على سبيل المثال ، إزاء ما وقع في مصر في يوليو 2013 فكان الخطاب أخلاقيا حاسما ثم لم يلبث أن هدأ وتراجعت حدته مع حصول أمر واقع جديد على الأرض لا يمكن تجاهله فضلا عن علائق أخرى في الاقتصاد والاستخبار لا يمكن قطعها ، والخيار الثاني أن تتحمل تركيا أعباء الخطاب الأخلاقي فتغلب المبادئ على المصالح وذلك أمر يَبْعُدُ في سياسة هذا العصر لا سيما وقطاع كبير من الشعب ليس على ذات المبادئ فتأييده الأول إنما كان للإصلاحات الاقتصادية ، وَتَوَالِي الأزمات قد يخصم من رصيد البلاد الاقتصادي ، ولو على المدى الطويل ، فإن لها من رسوخ القدم في الأسواق الأوروبية ما يجعل لها كلمة نافذة فليس الأمر بهذه السهولة أن تضغط ألمانيا فتوقف انضمام تركيا إلى الاتحاد فَتُعْلِنَ تركيا الاستسلام فورا ! وترفع الراية البيضاء فذلك ما لا يكون بداهة في عالم السياسة على أرض الواقع ، وإنما يُمَارِسُ كُلٌّ من الضغوط الناعمة ما يمارس ويستعمل أوراقه واحدة بعد أخرى على نحو متدرج تظهر فيه براعة اللاعب أن يدخر من أوراقه ما يحسم به الصراع في جولاته الأخيرة ، وتركيا الآن في مأزق المبادئ أو المصالح أيهما يغلب ؟! .
فكان هذا الاندفاع غير المحسوب في خطاب أنقرة وهو ما عَزَّزَهُ انهيار نظام دمشق المتسارع مطلع الثورة لا سيما بعد حملها السلاح ابتداء من صيف 2011 ، مع أن ذلك ، في المقابل ، كان بالنظر في المدى الاستراتيجي البعيد مما دعم نظام دمشق الذي نجح ، كما تقدم ، في تحويل الثورة إلى حرب أهلية ، ثم حرب على الإرهاب فنجح في الحصول على التأييد ، ولو من طريق غير مباشر ، مع ما تمتلكه أجهزة استخباراته من ذَخِيرَةٍ كَبِيرَةٍ وتجارب عريضة ، فكان ما يرى الناظر الآن من آية اعتبار لو كان ثم من يعتبر فيقرأ التاريخ قراءة التدبر لا قراءة العاطفة السطحية التي تبسط المشهد فتجعله ساذجا بسيطا وهو معقد قد تشابكت خيوطه على وجه يحير الناظر ، فلا بد من تدبر الأمر بنظر أعمق مع استحضار سنن الرب ، جل وعلا ، في تدبير هذا الكون ، والأمر ، كما يقول بعض الفضلاء ، ليس فشلا كاملا فإن قطاعات كبيرة من الجماهير المخلصة لم تفشل ، ولو في الامتحان الأخلاقي ، وإن فشلت في الامتحان الميداني لعدم التكافؤ فضلا عن انهيار أخلاقي آخر في قطاعات من القيادة مارست ما مارست من تضليل الجماهير فأظهرت ما لا تبطن ، وكان الأمر عندها صفقة سياسة تحقق فيها بعض المكاسب ، أو كان من اختلاط النوايا إخلاصا ورياء ، دينا وسياسة براجماتية ، كان من ذلك ما أفسد العمل كله فكان ذريعة خذلانٍ فإن الرب ، جل وعلا ، لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه صَوَابًا يُوَافِقُ شَرْعَهُ وَسَنَنَهُ .

وفي مشهد آخر لافت كان رفع العلم الإسباني في معركة فجر الجرود ضد الإرهاب والتطرف الذي ضرب أوروبا في عملية برشلونة الأخيرة ! ، ولا يعدو ذلك أن يكون من الاستثمار السياسي للعملية ، فهو من حشد الرأي العام العالمي الذي يخوض معركة الإرهاب مع حشد آخر أدق ، وهو ، كما يقول بعض الفضلاء ، حشد بعيد المدى ضد كل ما هو مسلم ، لا سيما في القارة العجوز ، في إطار معركة الوجود بين شمال المتوسط وجنوبه ، معركة : (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .


والله أعلى وأعلم .